Полный текст (6 324 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
١٠٤٢ - قالوا: الزيادة اليسيرة غير مقدرة، فلو لزمه الشراء بها لزمه بما زاد عليها إذا كان يسيرًا، ثم بما زاد عليه، حتى يبلغ إلى حد الزيادة الكثيرة.
١٠٤٣ - قلنا: هذا ليس بصحيح؛ لأنا نعتبر مقدار القيمة والزيادة اليسيرة التي على المقوم، فإذا انضم إليه مثلها، صارت مما يتغابن فيه، فمنعت الزيادة.
١٠٤٤ - قالوا: الزيادة محاباة، بدلالة أنها تعتبر في المرض من الثلث، فلو ألزمناه بالشراء بها لأجبرناه على هبة ماله.
١٠٤٥ - قلنا: الزيادة اليسيرة التي تدخل بين التقويم تحتسب من رأس المال دون الثلث، فلم يسلم ما قالوه.
стр. 212
مسألة ٥١
إذا توضأ الكافر ثم أسلم فهو على طهارته
١٠٤٦ - قال أصحابنا: إذا توضأ الكافر ثم أسلم فهو على طهارته.
١٠٤٧ - خلافًا للشافعي.
١٠٤٨ - لأنها طهارة بالماء، فإذا وجدت في حال الكفر تعلق بها حكم بعد الإسلام، كطهارة النجاسة.
١٠٤٩ - ولأن كل ما صح من الصبي على وجه يسقط به الفرض بعد البلوغ صح من الكافر، كإزالة النجاسة.
١٠٥٠ - قالوا: طهارة من حدث، فلم تصح من المشرك، كالتيمم.
١٠٥١ - قلنا: إطلاق الطهارة للتيمم لا تصح؛ لأنه لا يزيل الحدث.
١٠٥٢ - ولأن التيمم أضعف من الوضوء؛ بدلالة: أنه يبطله الفراغ من الصلاة عندهم، ورؤية الماء على لأصلين؛ فجاز أن يعتبر فيه الإسلام وإن لم يعتبر في الوضوء.
١٠٥٣ - وهذه المسألة مبنية على أصلنا: أن النية غير معتبرة في الوضوء فصحت من الكافر، ومعتبرة في التيمم فلم تصح من الكافر.
стр. 213
مسألة ٥٢
يغسل الإناء من ولوغ الكلب كما يغسل
من سائر النجاسات ولا يعتبر فيه العدد
١٠٥٤ - قال أصحابنا: يغسل الإناء من ولوغ الكلب كما يغسل من سائر النجاسات، ولا يعتبر فيه العدد.
١٠٥٥ - وقال الشافعي: يغسل سبع مرات إحداهن بالتراب.
١٠٥٦ - لنا: حديث أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله ثلاثًا، أو خمسًا، أو
стр. 214
سبعًا)). ذكره أبو الحسن في الجامع الصغير، وابن قانع والدارقطني.
١٠٥٧ - قالوا: رواه عبد الوهاب بن الضحاك عن إسماعيل بن عياش، وهما ضعيفان.
١٠٥٨ - قلنا: لا يعتد بهذا القول حتى يبين جهة الضعف.
١٠٥٩ - ثم إسماعيل بن عياش قالوا: هو ثقة فيما يرويه عن الشاميين ضعيف فيما يرويه عن المدنيين أو العراقيين، والراوي لا يصح أن يكون ثقة من وجه دون وجه.
١٠٦٠ - قالوا: أو بمعنى بل.
стр. 215
١٠٦١ - قلنا: هذا ترك للظاهر، ولأن بل تستعمل للإضراب عن الأول واستدراك الثاني، وهذا لا يجوز في كلام صاحب الشرع.
١٠٦٢ - قالوا: وقد تكون للتخيير، والشك؛ فيجوز أن يكون الراوي قد شك.
١٠٦٣ - قلنا: الظاهر فيما رواه أنه من كلام رسول الله ﷺ ، فحمله على غير كلامه لا يصح إلا بدليل، وإذا كان من قول رسول الله ﷺ لم يجز عليه الشك.
١٠٦٤ - قالوا: الخبر يفيد وجوب العدد، وهذا خلاف قولكم.
١٠٦٥ - قلنا: التخيير بين الأعداد المختلفة ينفي اعتبار العدد، ويبين أن الأمر يتعلق بالعدد الذي يغلب على الظن عنده.
١٠٦٦ - ولا يقال: إن ما طريقه الظن لا يتقدر بالشرع كالنفقات؛ لأن النبي ﷺ قدر في غسل يد المستيقظ.
١٠٦٧ - قلنا: وإن كانت النجاسة ليست بمرئية يعتبر فيها الظن بالاتفاق.
١٠٦٨ - قالوا: فغالب الظن في زوال النجاسة لا ينتهي إلى السبعة غالبًا.
١٠٦٩ - قلنا: يجوز أن يكون ذكر على طريق التأكيد ليبين أن الاقتصار على ما يغلب عنده الظن، وإن خرج من العادة.
стр. 216
١٠٧٠ - ولأنه سبع ذو ناب، فلم يجب غسل سؤره سبعًا، كالفهد.
١٠٧١ - ولأنها نجاسة غير مرئية فلم يجب غسلها سبع مرات، كالبول.
١٠٧٢ - ولأن كل نجاسة زالت بغسل السبعة زالت بما دونها، كسائر النجاسات.
١٠٧٣ - قالوا: المعنى في الولوغ: أن الشرع ورد في غسله بجامد ومائع، ولم يرد بمثل ذلك في سائر النجاسات.
١٠٧٤ - قلنا: إن أردتم الوجوب فهو موضع الخلاف، وإن أردتم الاستحباب بطل بالاستنجاء؛ لأن الشرع ورد فيه باستحباب الجامد والمائع؛ لأن أهل قباء كانوا يتبعون الأحجار الماء؛ قال الله تعالى: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾، وتبطل علية الأصل بسؤر الخنزير، ودم الكلب: لم يرد الشرع فيه بجامد ومائع، ويعتبر فيه العدد عندهم.
١٠٧٥ - قالوا: نجاسة السؤر أصلية؛ لأن لعابه لم يكن طاهرًا، وسائر النجاسات قد كانت طاهرة ثم نجست.
١٠٧٦ - قلنا: لا فرق بينهما؛ لأن لعاب الكلب يتولد من رطوبات بدنه، وكذلك يتولد من الأغذية التي كانت طاهرة في الأصل، كما أن دم الحيوان يتولد من الأغذية التي هي طاهرة في الأصل.
١٠٧٧ - ولأن نجاسة البول والدم آكد من نجاسة السؤر؛ لأنها مجمع عليها والسؤر مختلف في طهارته، فإذا لم يعتبر العدد فيما اتفق عليه، فما اختلف فيه أولى. ولأنه غلب على ظنه حصول الإنقاء، فأشبه السبعة.
١٠٧٨ - قالوا: المعنى في السبعة: أنه يشق في العدد الذي ورد به الشرع، وذلك لا يوجد فيما دونه.
١٠٧٩ - قلنا: لا نسلم أن ما دون السبعة لم يرد الشرع به؛ لأن خبرنا يقتضي
стр. 217
الاقتصار على ما دون السبعة.
١٠٨٠ - احتجوا بحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فَلْيَغْسِلْهُ)) وروى أنه قال: ((طهور إناء أحدكم إذا ولغ الكلب فيه أن يغسله سبعًا، الأولى منهن بالتراب)).
١٠٨١ - والجواب: أن هذا الخبر ضعفه مالك: قال ابن القاسم فيما سمعه عن مالك: ضعف مالك هذا الخبر مرارًا.
١٠٨٢ - وقول مالك حجة في الحديث، ولأن الراوي أبو هريرة، وقد روى التخيير على ما قدمناه، وهو زائد، فيكون أولى.
١٠٨٣ - ولا يقال: إن في خبرنا زيادة حكم؛ لأن الزيادة من طريق القول أولى، ولأنها زيادة مسموعة، ولأن من خبرنا زيادة قول وزيادة حكم، وهو التخيير.
١٠٨٤ - ولأنه لو وجب الرجوع إلى زيادة الحكم كان الأخذ بالثمانية أولى؛ بحديث عبد الله بن المغفل أن النبي ﷺ أمر بقتل الكلاب، ثم قال: ((ما
стр. 218
لي وللكلاب، إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا وعَفِّروا الثامنة بالتراب)). وإسناد هذا الحديث أحسن من إسناد أبي هريرة، ولأن إيجاب السبعة يحتمل أن يكون في الوقت الذي شدد فيه أمر الكلاب وأمر بقتلها في حديث ابن المغفل، وقد نسخ ذلك وخف أمره للكلب. ويحتمل أن يكون في حال ما كان الغسل في غير الولوغ سبعًا.
١٠٨٥ - وروى ابن عمر قال: كانت الصلاة خمسين، والغسل من الجنابة سبع مرات، وغسل الثوب من البول سبع مرات، فلم يزل رسول الله ﷺ على هذا حتى جعل الصلاة خمسًا والغسل من الجنابة مرة. فيجوز أن يكون الولوغ سبعًا في ذلك الوقت ثم نسخ كما نسخ غيره، يبين صحة هذا ما روي عن أبي هريرة من قوله في غسل الإناء من ولغ الكلب ثلاثًا، ويستحيل أن يفتي بخلاف ما سمع من رسول الله ﷺ إلا وقد عرف ما يوجب النسخ.
стр. 219
١٠٨٦ - قالوا: إحدى الطهارتين، فوجب أن يكون منها ما يفتقر إلى العدد، قياسًا على الطهارة من الحدث.
١٠٨٧ - قلنا: طهارة الحدث لا يعتبر فيها العدد المختلف فيه، وهو تكرار الاستعمال في محل واحد، وإنما يعتبر عدد الأعضاء التي تعلق الحدث بها، فوزانه من مسألتنا ولوغ الكلب في أوانٍ غسل كل واحد منها واجب، ونعكس فنقول: فلا يكون التكرار فيها واجبًا، كطهارة الحدث.
١٠٨٨ - قالوا: نجاسة ورد الشرع بإزالتها بعدد من جنس واحد، فوجب أن يكون انتهاء ذلك العدد كابتدائه، قياسًا على الاستنجاء.
١٠٨٩ - قلنا: لا نسلم أن الشرع ورد بعدد؛ بدلالة ما بينا من التخيير، ولا نسلم أنه من جنس واحد؛ لأن التراب فيه، وهو جنس آخر.
١٠٩٠ - وإذا سقط هذا الوصف انتقض بغسل الدم؛ لأن الشرع ورد فيه بعدد، وهو قوله ﷺ : ((حتيه، ثم اقرصيه، ثم اغسليه))، وانتهاؤه مخالف لابتدائه.
١٠٩١ - قالوا: ما اختص من النجاسات من بين جنسه بالغة غلظ الأمر فيه يؤدي إلى اجتنابه، قياسًا على الخمر.
١٠٩٢ - قلنا: الإلف الذي يريدون به في الكلب كثرة الحاجة إلى دخوله في البيوت، وهذا المعنى في الأصول له تأثير في التخفيف، ولهذا حكم عليه بطهارة سؤر الهرة، وقال: ((إنها من الطوافين عليكم والطوافات))، فلم يجز أن يجعل ذلك
стр. 220
دلالة على التغليظ، وكذلك الخمر لا يجوز أن تكون العلة من وجوب الحد في شربها ما ذكر من العادة، وإنما يدعي مخالفنا أن ذلك ثبت بما يؤدي إليه من العداوة والبغضاء والصد عن ذكر الله تعالى وعن الصلاة؛ فلم يجز الحكم بعلة لا تعرف.
١٠٩٣ - ولأن التغليظ قد حصل في باب الكلب من وجه، وهو النهي عن إمساكه من غير حاجة؛ فلم يجز إثباته من وجه آخر، كما أن الخمر لما غلظ حكمها في الحد لم يغلظ في باب الطهارة.
стр. 221
مسألة ٥٣
سؤر سباع البهائم نجس
١٠٩٤ - قال أصحابنا: سؤر سباع البهائم نجس.
١٠٩٥ - وقال الشافعي: طاهر.
١٠٩٦ - لنا: حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ سئل عن الماء يكون في الفلاة ينوبه السباع والدواب، فقال: ((إذا بلغ الماء قلتين لم يَحمل خبثًا)). فلولا أن أسآرها نجسة؛ لم يصح الجواب بذكر الخبث.
١٠٩٧ - قالوا: روي في الخبر: تردها السباع والكلاب.
١٠٩٨ - قلنا: هذا غير خبرنا، ولأن الخبث يرجع في الظاهر إلى كل واحد من المذكور.
١٠٩٩ - قالوا: الغالب أنها إذا وردت الماء راثت فيه، والخبث يرجع إلى
стр. 222
الروث.
١١٠٠ - وقد روي في بعض الأخبار أنه سئل عن الماء تنوبه السباع وتروث فيه.
١١٠١ - قلنا: السؤال وقع عن الورود، وذلك لا ينبئ عن الروث، فالظاهر أن الخبث يرجع إلى ما ذكر في الخبر دون ما لم يكن.
١١٠٢ - وما رووه في ذكر الروث فليس في خبر ابن عمر، فلا يلزمنا، ولأنه سبع يمكن الاحتراز منه، فكان نجس السؤر، كالكلب، ولأنه سبع محكوم بنجاسة لبنه، كالخنزير.
١١٠٣ - قالوا: المعنى في الأصل أنه متفق على نجاسته، والسباع مختلف في نجاستها.
١١٠٤ - قلنا: هذا لا يصح؛ لأن الكلب والخنزير مختلف في نجاستهما، كالسباع سواء.
١١٠٥ - قالوا: المعنى في الكلب أن الشرع ورد بتعفيره، والسباع بخلافه.
١١٠٦ - قلنا: علة الأصل تبطل بالهر؛ لأن الدارقطني روى عن النبي ﷺ قال: ((يغسل الإناء من ولوغ الهر كما يغسل من ولوغ الكلب))، وهذا يقتضي التغفير، وعلة الفرع تبطل بالخنزير؛ لأن الشرع لم يرد تعفيره، وهو نجس.
١١٠٧ - قالوا: المعنى في الخنزير بين أهل الذمة يباع. ثم يبطل بحشرات الأرض والحر. ولأن كل حكم ثبت للكلب في الشرع ثبت مثله للذئب، أصله: إباحة قتله حال الإحرام.
١١٠٨ - واحتج المخالف بحديث جابر: أن النبي ﷺ سئل عن الحياض التي بين مكة والمدينة تردها السباع، فقال ﵇: ((لها ما أخذت في بطونها، وما بقي فهو
стр. 223
لنا شراب وطهور)).
١١٠٩ - قالوا: روى جابر: أن النبي ﷺ سئل: أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ فقال: ((نعم! وبما أفضلت السباع)).
١١١٠ - والجواب: أن الخبر الأول يرويه داود بن الحصين عن جابر، وبينهما رجل. ولأنه ورد في المياة الكثيرة.
١١١١ - وعند الشافعي: لا يؤثر فيها النجاسة، فلم يكن في الخبر دلالة على الجواز بطهارتها، بل يجوز أن تكون نجسة، وجواز الوضوء بأسآرها؛ لأن النجاسة عندهم لا تؤثر في الماء الكثير.
١١١٢ - فأما الخبر الثاني: فيحمل على أن يكون المراد بالحمر: حمر الوحش، والسباع، ولأن هذا الخبر يحتمل أن يكون في حال إباحة لحمها، ويحتمل أن يكون في حال حظرها، وإذا احتمل سقط التعلق به.
стр. 224
١١١٣ - ولا معنى لقولهم: إن السباع لم يبح لحمها في الشرع؛ وذلك لأن الأصل كان الإباحة حتى نهى رسول الله ﷺ عن لحم كل ذي ناب من السباع.
١١١٤ - ومعلوم أن هذا الخبر لم يكن في حال إباحتها، وإنما هو بعدها، وأما بين البعثة وهذا الخبر كانت مباحة.
١١١٥ - ولا يقال: إذا سلمتم أن أسآرها كانت طاهرة ثم ادعيتم النسخ لم تقبل الدعوى إلا بنقل؛ لأنا سلمنا طهارة سؤرها لأجل إباحة لحمها، فإذا زالت علة الحكم سقطت من غير نسخ.
١١١٦ - ولا يقال: ثبوت تحريمها لا يدل على نجاسة سؤرها؛ لأن سباع الطير محرمة وأسآرها طاهرة، والآدمي محرم وسؤره طاهر، وذلك لما حرم لحمه من غير حرمة وأمكن الاحتراز عنه فهو نجس السؤر.
١١١٧ - وقد ثبت تحريم سباع البهائم ولم يوجد فيها معنى الاستثناء، فثبت تحريم أسآرها.
١١١٨ - قالوا: روي أن عمر بن الخطاب وعَمْر بن العاص ﵄ أتيا ماءً، فقال عمرو للراعي: يا راعي، أترد ماءكم السباع، فقال عمر: يا راعي،
стр. 225
لا تخبرنا بشيء، قالوا: ولو كانت نجسة لاحتاط في المسألة.
١١١٩ - قلنا: هذا الخبر دلالة لنا؛ لأن عمر منع الراعي من الإخبار، ولو كانت طاهرة لم يمنعه ولم يلزمه الاحتياط؛ لأنه لا ظاهر للنجاسة، فلم يرد يلزم بالخبر فرضًا لم يكن لازمًا.
١١٢٠ - قالوا: نوع بهيمة بجوز بيعه، فكان سؤره طاهرًا، كالشاة.
١١٢١ - قلنا: جواز البيع لا يدل على الطهارة؛ لجواز بيع الأعيان النجسة، وامتناع البيع لا يدل على النجاسة؛ لأن الحشرات لا يجوز بيعها وأسآرها طاهرة.
١١٢٢ - ولأن المعنى في الشاة طهارة لبنها، فكان سؤرها طاهرًا، ولم يحكم بنجاسة لبن السباع، كذلك آسارها. ولأن السؤر ينفصل من اللحم فيمكن الاتراز منه، فصار كما لو قع فيه لحم سبع، وسؤر الشاة ينفصل من لحمها كما لو وقع فيه لحم شاة.
١١٢٣ - قالوا: حيوان يجوز اقتناؤه على الإطلاق، كالإبل.
١١٢٤ - قلنا: الوسف غير مسلم؛ لأن اقتناء السبع كاقتناء الكلب: إن كان لغرض جاز، وإن كان لغير غرض لم يجز، والمعنى في الأصل ما قدمناه.
١١٢٥ - قالوا: حيوان يطهر جلده بالدباغ، كالشاة.
١١٢٦ - قلنا: يبطل على أصلنا بالكلب، ولأن طهارة العين بما يؤثر في الطهارة لا يدل على طهارتها، وإنما يدل على النجاسة؛ لأن الأعيان النجسة تحتاج إلى التطهير، والمعنى في الأصل ما قدمناه.
стр. 226
مسألة ٥٤
يكره الوضوء بسؤر الهر
١١٢٧ - قال أبو حنيفة: يكره الوضوء بسؤر الهر.
١١٢٨ - خلافًا للشافعي.
١١٢٩ - لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: ((طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبعًا، وإذا ولغ فيه الهر أن يغسله مرة)). وروي: ((ثلاثًا))، هذا يفيد الكراهة؛ ولأنها لا تجتنب النجاسات، فلا يؤمن أن يكون في فيها نجاسة فصارت كيد الصبي والمستيقظ. ولأن لحمها ممنوع منه من غير حرمة، فأثر ذلك في سؤرها، كالكلب.
١١٣٠ - احتجوا: بحديث أبي قتادة عن النبي ﷺ أنه قال: ((الهر ليست
стр. 227
بنجسة، وإنما هي من الطوافين والطوافات عليكم)). وهذا لا دلالة فيه؛ لأنه ﷺ نفي النجاسات، والخلاف في الكراهة دون النجاسة.
١١٣١ - قالوا: روي أنه توضأ بفضلها، ولو كان مكروهًا لم يتوضأ به.
١١٣٢ - قلنا: قد اعترض ابن شجاع على هذا الخبر، وقال: هذا لا يصح عن رسول الله ﷺ .
١١٣٣ - ولأنه يجوز أن يفعل المكروه على وجه البيان، كما أخر الصلاة إلى أوقاتها المكروهة.
١١٣٤ - قالوا: نوع بهيمة يجوز اقتناؤه على الإطلاق، فكان سؤره طاهرًا، كالإبل.
١١٣٥ - قلنا: الكراهة على طريقة أبي الحسن ليس بمعنى في الهر، وإنما هي النجاسة الطارئة، والاستدلال على طهارتها لا يؤثر من نجاسة حادثة.
стр. 228
مسألة ٥٥
طهارة النجاسة إذا لم تكن مرئية تغسل
حتى يغلب على الظن زوالها
١١٣٦ - قال أصحابنا: طهارة النجاسة إذا لم تكن مرئية تغسل حتى يغلب على الظن زوالها.
١١٣٧ - وقال الشافعي: إذا كثرها بالماء طهرت.
١١٣٨ - لنا: قوله ﵇: ((إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا)) فاعتبر الثلاث؛ لأن غلبة الظن توجد عندها غالبًا، فلو كان المعتبر المكاثرة لذكرها واقتصر على مرة. ولأنه لا يتوصل إلى العلم بزوالها وما وجب علينا، ولا طريق فيه إلى العلم، فتعلق الفرض بالظن، كجهات القبلة.
١١٣٩ - ولأنه لم يغلب على ظنه زوال النجاسة؛ فصار كما لو لم يكاثرها، ولأنها نجاسة غير مرئية، فلم يعتبر فيها المكاثرة، كولوغ الكلب.
стр. 229
١١٤٠ - احتجوا: بما روي عن النبي ﷺ أنه قال في بول الأعرابي: صبوا عليه ذنوبًا من ماء.
١١٤١ - والجواب: أنه غلب على ظنه ﵊ أن ذلك يزول بهذا القدر.
١١٤٢ - قالوا: قال لأسماء في دم الحيض: ((حتيه، ثم اقرصيه، ثم اغسليه بالماء)).
١١٤٣ - قلنا: هذه نجاسة مرئية، وزوالها يعلم يقينًا، فلذلك لم يشترط الظن.
١١٤٤ - قالوا: نجاسة لم يشترط فيها التراب، فلم يراع فيها العدد، كما لو غلب على ظنه طهارتها أول مرة.
١١٤٥ - قلنا: لا يراعى العدد، وإنما يراعى الظن، فإذا حصل بمرة جاز، وإن لم يحصل لم يعتبر العدد لمعنى فيه، وإنما يعتبر حصول الظن.
стр. 230
١١٤٦ - قالوا: لو غسل الصبي والمجنون النجاسة طهرت، ولا ظن لهما.
١١٤٧ - قلنا: المعتبر ظن المستعمل لا الغاسل، ألا ترى أن ماء المطر والسيل لو جرى على نجاسة فغلب على ظننا زوالها جاز الاستعمال وإن لم يكن هناك غاسل أصلًا، فعلم أن ظن الغاسل غير معتبر.
стр. 231
مسألة ٥٦
سؤر الحمار والبغل مشكوك فيهما
١١٤٨ - قال أصحابنا: سؤر الحمار والبغل مشكوك فيهما، ولا يسقط بهما الفرض.
١١٤٩ - خلافًا للشافعي.
١١٥٠ - لنا: أنه حيوان محرم الأكل لعين حرمته، فأثر ذلك في سؤره، كالكلب والخنزير، ولأن لبنه محرم؛ فلم يسقط الفرض باستعمال سؤره، كالكلب.
١١٥١ - احتجوا: بما روي عن النبي ﷺ أنه سئل فقيل: أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟، فقال: ((وبما أفضلت السباع)).
١١٥٢ - وقد أجبنا عن هذا الخبر.
стр. 232
مسألة ٥٧
ما ليس له دم سائل لا ينجس بالموت
١١٥٣ - قال أصحابنا: ما ليس له دم سائل لا ينجس بالموت، ولا ينجس ما يموت فيه.
١١٥٤ - وقال الشافعي: ينجس بالموت ما لا يولد منه، فإن كان مما يولد منه لم ينجس ما مات فيه، وإن كان في غيره نجس.
١١٥٥ - لنا: ما رواه سلمان أن النبي ﷺ سئل عن إناء فيه طعام أو شراب يموت فيه ما ليس له دم سائل، قال: ((هو الحلال أكله، وشربه، والوضوء به)).
١١٥٦ - وروى أبو سعيد، وأبو هريرة أن النبي ﷺ قال: ((إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه، ثم انقلوه، فإن في أحد جناحيه داء، وفي
стр. 233
الآخر دواء، وإنه يقدم ما فيه الداء))، ومعلوم أنه ﷺ قصد استصلاح الطعام، وتكرار الفعل يؤدي إلى التلف، فلو كان ينجسه لبين ذلك.
١١٥٧ - وقد روى أبو هريرة من حديثه: ((ثم ألقوه))، إنما يكون فيه بعد موته. ولأنه حيوان ليس له دم سائل، فلا ينجس بالموت، ولا ينجس ما مات فيه، كالجراد ودود الخل إذا مات فيه.
١١٥٨ - ولأن ما لا ينجس نوعا من المائعات لا ينجس ما وقع فيه من غيرها، كالجراد وسائر الطاهرات.
١١٥٩ - ولا معنى لقولهم: إن المعنى في الجراد كونه مأكولا، وما اختلفنا فيه بخلافه؛ لأن الإباحة لا تمنع من نجاسة الموت، كالشاة، والحظر لا يوجب نجاسة الموت، كالآدمي.
١١٦٠ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾، وهذا لا دلالة فيه؛ لأن التحريم لا ينبئ عن النجاسة، ولو أفاد التحريم النجاسة لم تكن نجاستها موجبة لنجاسة ما جاورها لأن دود الخل نجس عندهم ولا ينجس ما يجاروه.
١١٦١ - ولأن المراد بالآية: تحريم الأكل؛ بدليل قوله تعالى:
стр. 234
﴿فمن اضطر﴾، والضرورة تبع الأكل، والاستثناء من جنس المستثنى منه، فعلم أن المراد أول الآية تحريم الأكل، وعندنا أن ما اختلفنا فيه محرم وإن كان طاهرًا.
١١٦٢ - قالوا: حيوان لا يؤكل لا لحرمته، فوجب أن ينجس بالموت، وإذا مات في ماء قليل نجسه، أصله: ما له دم سائل.
١١٦٣ - قلنا: اعتبار تحريم الأكل لا معنى له في النجاسة؛ لأن التحريم يوجد في الأعيان الطاهرة، كالسبع عندهم، والآدمي على الأصلين.
١١٦٤ - ولأن المعنى فيما له دم سائل: أنه لما نجس بعض المائعات نجس جميعها، ولما كان من لا دم له لا ينجس بعض المائعات؛ لم ينجس باقيها.
١١٦٥ - ولأن أصل هذه العلة: إن كان ما يؤكل من الحيوان، لم يصح أن يقال: هو محرم، وإن كان الأصل ما لا يؤكل فهو نجس في حال الحياة، فلا يصح أن يقال: إنه ينجس بالموت.
١١٦٦ - قالوا: الحيوان على ضربين: منه ما له دم سائل، وما ليس له دم سائل، فإذا كان ما له دم سائل، ينقسم: منه: ما ينجس بالموت، ومنه: ما لا ينجس بالموت، فما ليس له دم سائل: يجب أن ينقسم: منه: ما ينجس بالموت ومنه: ما لا ينجس.
١١٦٧ - قلنا: إذا مات نَجَّس؛ لنجاسة دمه فيه، وما لا ينجِّس بالموت محكوم بطهارة دمه، فعلى هذا ما لا دم له يجب أن يحكم بطهارته.
١١٦٨ - ولأن العلة التي لأجلها نجس ما له دم، لا توجد فيه.
١١٦٩ - ولأنا بينا أن ما له دم سائل دليلنا؛ لأنه لما نجس بعض المائعات نجس جميعها، وعكسه السمك: لما لم ينجس بعضها لم ينجس جميعها.
стр. 235
١١٧٠ - وقد ثبت في مسألتنا: أن دود الخل، وذباب الباقلا، ودود الفاكهة، لا ينجس ما مات فيه منها، فلم ينجس غيرها.
١١٧١ - ولا معنى لقولهم: إن دود الخل نجس ولا ينجس الخل؛ لأنه لا يمكن حفظه منه، ويمكن حفظ الماء من إلقائه فيه؛ لأن هذا الفرق يوجب أن لا ينجس الماء بالبق والذباب.
стр. 236
مسألة ٥٨
إذا وقعت النجاسة في الماء نجس، قليلا كان أو كثيرا
١١٧٢ - قال أبو حنيفة: إذا وقعت النجاسة في الماء نجس، قليلًا كان أو كثيرًا، إلا ما يعلم أن النجاسة لم تصل إليه، ولا يعتبر تغير الأوصاف.
١١٧٣ - وقال الشافعي: إذا كان الماء قلتين لم ينجس حتى يتغير.
١١٧٤ - لنا: قوله ﵇: ((لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يغتسل منه)) والغالب في الماء الدائم أنه أكثر من قلتين.
١١٧٥ - ولا يقال: إن الخبر يقتضي تحريم البول دون النجاسة؛ لأن الخبر يقتضي المنع من استعماله: بقوله: ((ثم يغتسل فيه))، وهذا موضع الخلاف.
١١٧٦ - ويدل عليه قوله ﵊: ((إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فأريقوه، ثم اغسلوه سبعًا))، ولم يفصل بين كبير وصغير.
стр. 237
١١٧٧ - وروي أنه قال: ((إذا قام أحدكم من منامه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا))، فاحترز من نجاسة تكون على يده ولا تظهر، ومعلوم أن ذلك لا يغير أوصاف الماء، فلو كان لا ينجس لم يكن للاحتراز معنى.
١١٧٨ - ولأن ما ينجس قليله بمخالطة النجاسة؛ نجس كثيرة، كالخل واللبن.
١١٧٩ - ولأن ما ينجس بظهر النجاسة ينجس بمخالطتها، كما دون القلتين.
١١٨٠ - ولا معنى لقولهم: إن المائعات يصان قليلها وكثيرها بالظروف، والماء يصان قليله بالإناء ولا يصان كثيره.
١١٨١ - ولأن عندهم الماء الكثير لا يؤثر فيه النجاسة لغلبته عليها إلا بتعذر بمغلوب، فلم يصح الفرق بما لا يقولون به.
١١٨٣ - ولأن العبادة تتعلق بما يستعمله من الماء، فإذا خالط ذلك القدر النجاسة يمنع، كما لو أخذه من ماء قليل.
١١٨٤ - ولأن ما يقع به التطهير يمنع من مخالطة النجاسة وإن لم يتغير، كالتراب الذي يتيمم به.
стр. 238
١١٨٥ - ولا يلزم وقوع البعرة في البئر؛ لأنا عللنا للمخالطة، ومتى خالطت البعرة الماء منعت.
١١٨٦ - ولأن النجاسة تؤثر في الماء كما تؤثر في الثوب والبدن، فإذا استوى في أحدهما ما ظهر منها وما لم يظهر كذلك الآخر.
١١٨٧ - ولأن تأثير النجاسة في الماء أبلغ من تأثيرها في الثوب؛ بدلالة أن يسيرها يعفى عنه في أحدهما وإن ظهر ولا يعفى في الآخر.
١١٨٨ - فإذا استوى في الثوب ما يظهر من النجاسة وما لا يظهر؛ فالماء أولى.
١١٨٩ - احتجوا: بحديث أبي أمامة: أن النبي ﷺ قال: ((الماء طهور لا ينجسه إلا ما غير طعمه، أو ريحه، أو لونه)).
١١٩٠ - والجواب: أن رواية محمد بن يوسف الغصيصي، وهو لا يعرف عن راشد بن سعد، وهو ساقط الرواية ظاهر الجرح.
١١٩١ - قال الدارقطني: لم يرفعه عن راشد غير معاوية بن صالح وليس
стр. 239
بالقوي.
١١٩٢ - وقال ابن المديني: لم يكن يحيى القطان يرضى معاوية بن صالح، ولا يروي عنه.
١١٩٣ - وقد رواه الثقات -مثل ابن إسماعيل الضراب، وعيسى بن يونس- وأوقفوه، ولأن الخبر متروك الظاهر، فعلمنا أن النجاسة تؤثر فيه بأن لم يتغير باتفاق.
١١٩٤ - فكان معناه: لا يصير في حكم النجاسات إلا بالتغير، كما قال ﵊: ((المؤمن لا ينجس))، وقال: ((ليس على الأرض من الجائر الشيء))، معناه: أن الأرض لا تنجس بنفسها وإن جاورها
стр. 240
النجاسة، وحمل الخبر على هذا التأويل أولى؛ لأنا ننفي عمومه في القليل والكثير، وحمله على ما يقولونه يؤدي إلى التخصيص في القليل، ومن نفي العموم فهو بالظاهر أولى.
١١٩٥ - احتجوا: بحديث أبي سعيد الخدري أنه قيل لرسول الله ﷺ : ألا نتوضأ من بئر بضاعة وهو بئر يطرح فيها المحائض ولحوم الكلاب، وما ينجس الناس فقال: ((الماء لا ينجسه شيء)).
١١٩٦ - والجواب: أن هذا الخبر مداره على الوليد بن كثير، وهو مدني لم يرو عنه أهل المدينة، وقالوا: كان أباضيا، فرواه عن محمد بن كعب القرظي، عن عبيد الله بن عبد الله.
١١٩٧ - ورواه محمد بن إسحاق، عن سليط بن أيوب، عن عبد الرحمن بن رافع، عن أبي سعيد.
стр. 241
١١٩٨ - ورواه إبراهيم بن سعد عن سليط عن عبيد الله بن عبد الرحمن بن رافع.
١١٩٩ - ولو كان هذا الحديث معروفًا برواية رجل لم يقع الاختلاف في اسمه.
وسليط بن أيوب غير معروف بالرواية، وإنما روى عنه ابن إسحاق، وكان لا يبالي عمن أخذ.
١٢٠٠ - ولم يقل: حدثنا، وإنما قال: عن سليط، وهو ممن يعرف بالتدليس عن الثقات، على أن الخبر لا يجوز أن يكون محمولًا على ظاهره؛ لأن طرح النجاسات في الماء منهي عنه في الشرع، فكيف يجوز أن يخبَر النبي ﷺ بإلقاء ما ذكر من النتن ولا ينكره، بل يقر عليه، ولأن المعلوم من نزاهته ونظافته وبعده عن الرائحة المستنكرة وإيثاره للطيب أنه لا يتوضأ بما يلقى فيه الكلاب والمحائض، فلم يبق إلا أن تكون هذه البئر كانت -كما ذكر- في الجاهلية، فأشكل على القوم حالها في الحال وإن لم يقع فيها نجاسة؛ لمكان النجاسة المتقدمة.
١٢٠١ - وقال ﷺ : ((الماء لا ينجسه شيء إلا ما غير لونه))، فتبين أن تلك النجاسة لما لم يبق أثرها لم يبق حكمها مع كثرة النزح.
стр. 242
١٢٠٢ - ويبين ما قلناه أن أبا داود قال: أكثر ما يكون الماء في بئر بضاعة إلى السرة، وأقله إلى العورة، يعني الركبة.
١٢٠٣ - ومثل هذا إذا دام وقوع النجاسة فيه ظهرت، فدل أن السؤال وقع عن حالة سابقة.
١٢٠٤ - فأما قوله: ((لا ينجسه شيء)) فقد أجبنا عنه.
١٢٠٥ - ثم نقول: إنه ﷺ بقى الماء على الطهارة، ونقله عن الأصل بتغير الأوصاف؛ لأن تغيرها يوجب تغير النجاسة، ووقع النجاسة فيه إذا بلغ في باب اليقين؛ لأن التغير قد يكون بغير النجاسة، فصار ذكر التغيير تنبيهًا على ما هو أقوى في النفس، كما ينبه بالأدنى على الأعلى.
١٢٠٦ - وقد ذكر ابن شجاع عن الواقدي -وهو أعرف الناس بالمدينة- أن بئر بضاعة مجرى الماء إلى البساتين، والماء الجاري لا تستقر فيه النجاسة.
١٢٠٧ - ولا يقال: لو كان كذلك ما أشكل حالها؛ لأن هذا مشكل لجواز؛ أن يظنوا أن الماء إذا نجس نجس ما يجاوره، فلم تزل النجاسة أبدا.
стр. 243
١٢٠٨ - احتجوا: بحديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: ((إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثًا))، وروي: ((فإنه لا ينجس)).
١٢٠٩ - والجواب: أن هذا الخبر مداره على الوليد بن كثير -ولم يروه عنه أهل المدينة وهو مدني، وقد ضعفه الساجي -عن محمد بن جعفر بن الزبير- وليس بثبت، ولا معروف بالرواية، ولذلك لم يرو عنه أحد من الأئمة في زمانه -عن عبد الله بن عبد الله بن عمر، وتارة عن عبيد الله بن عبد الله، وهذا اضطراب عندهم، وأصحاب الحديث لا يصححون رواية أحد من ولد ابن عمر إلا سالم.
١٢١٠ - ورواه محمد بن وهب السلمي عن ابن عياش، عن محمد
стр. 244
ابن إسحاق عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ . ومحمد بن وهب ضعيف.
١٢١١ - قال الدارقطني: المحفوظ عن ابن عياش، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر، وهذا طعن منه.
١٢١٢ - ورواه عبد الوهاب بن عطاء، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري عن سالم عن أبيه، وعبد الوهاب اختلط عقله، وروى في اختلاطه، لذلك لا يعتمد على حديث رواه.
١٢١٣ - ورواه حماد بن سلمة عن عاصم بن المنذر بن الزبير، عن عبيد الله بن عبد الله، وخالفه حماد بن زيد، وهو أوثق منه، فرواه عن عاصم بن المنذر، وأوقفه على ابن عمر، فهذا اضطراب سند الحديث.
١٢١٤ - وقد روي من طرق الصحاح موقوفا على ابن عمر، أوقفه إسماعيل ابن علية وحماد بن زيد، وليس فيها أسنده ما يقارب
стр. 245
هؤلاء.
١٢١٥ - وقد روى الشافعي هذا الخبر فقال: رواه ابن جريج بإسناد لا يحضرني. فحكي عن أبي يوسف داود أنه قال: الإسناد لم يحضره، ولا يحضر أبدًا؛ لأنه لا أصل له.
١٢١٦ - والذي يبين ضعفه أنه حديث مدني لم يروه أئمة المدينة ولا ذكره أحد من الناس في الصحيح، ثم هو مضطرب المتن: روي: قلتين أو ثلاثًا، وروى جابر عن النبي ﷺ : ((إذا بلغ الماء أربعين قلة)). وهذا اضطراب في المتن. ثم القلة مجهولة؛ لأنها عبارة عن أشياء مختلفة تتفاوت، ليس بعضها أولى من بعض، واعتبارهم لقلال هجر تقليد؛ لأن ابن جريج لا يصح؛ لأن التقليد لا يجوز في موضع خلاف؛ ثم قد قال هشيم: القلال: الجرار الكبار، فلم يكن
стр. 246
الرجوع إلى قول ابن جريج أولى من قوله.
١٢١٧ - ثم قلال هجر مختلفة في نفسها، كقلال كل بلد.
١٢١٨ - وقولهم: إنه روي في الخبر: ((إذا بلغ الماء قلتين بقلال هجر)) لا يصح؛ لأن هذا لم يذكر في موضع يوثق به.
١٢١٩ - وقيل: تفرد به المغيرة بن سقلاب، وهو ضعيف، والأشبه أن المراد بالقلة: قامة الرجل أو سنام الجمل؛ لأن الماء يقدر في الغالب بالأذرع والقمامات.
١٢٢٠ - ولا يقال: إن الخبر قد أفاد التحديد، وهو خلاف قولكم؛ لأن القلتين إن كان المراد بها ما ذكرناه فهو من الغالب ما لا يتحرك أحد طرفيه بتحريك الآخر، وهو تعيين.
стр. 247
١٢٢١ - ولأن قوله: ((لا يحمل خبثًا)) معناه: يضعف عن حمله، كما يقال: الحل لا يحتمل الغش.
١٢٢٢ - ولا يقال: إن هذا يذكر في الأعيان، فأما الأحكام فمعناه: الالتزام دون القوة والضعف؛ لأن قوله: يضعف عنه معناه: ولا يلزمه حكمه، وهذا حكم لا عين.
١٢٢٣ - قالوا: فقد روي: ((لا ينجس)).
١٢٢٤ - قلنا: أصل الخبر: ((لا يحمل خبثًا))، فاللفظ الآخر تأويل الراوي.
١٢٢٥ - ألا ترى أن قوله: ((لا يحمل خبثًا)) محتمل، وقوله: ((لا ينجس)) لا يحتمل؛ والراوي لا يسمع الصريح وينقل المحتمل، وقد يسمع المحتمل فينقل أحد جهات الاحتمال إذا قرت في نفسه.
١٢٢٦ - ولا معنى لقولهم: لو كان المراد: يضعف عن حمله لم يكن لتخصيص القلتين وذكر ما زاد عليها فائدة، وإنما أراد أن يبين أن النجاسة تؤثر في الماء الكثير ليعلم القليل من طريق الأولى، ولأن الأخبار التي قدمناها رويت من طرق صحيحة، واشتهر عمل السلف بها:
١٢٢٧ - فقال علي ﵇ في البئر تقع فيها فأرة: ينزح ماؤها.
١٢٢٨ - وأمر ابن عباس بنزح زمزم لما وقع فيها الزنجي.
стр. 248
١٢٢٩ - والرجوع إلى الأخبار الصحيحة المختلفة الطرق التي وافقها عمل السلف أولى.
١٢٣٠ - ولا يقال: إن الشافعي قال: لا أصل لخبر زمزم؛ لأنا لا نعرفه بمكة؛ لأن ذلك رواه ابن سيرين بإسناد لم يطعن عليه، ذكره الدارقطني وغيره، فلا يسقط جحود الشافعي.
١٢٣١ - ولا يجوز أن يقال: إن الماء تغير؛ لأنه لم ينقل في خبر على تفصيل، وابن عباس قال: انزحوا جميع الماء. ولم يقل: انزحوا حتى يزول التغير.
١٢٣٢ - قالوا: لأنه ماء بلغ حدًّا لا يحفظ من النجس في العادة، فإذا وقع فيه نجاسة لم تغيره لم يحكم بنجاسته، كالغدير العظيم.
١٢٣٣ - قلنا: لا نسلم أن قدر القلتين لا يحفظ غالبًا؛ لأن ذلك يصان بالظروف ويحفظ كما دونه، والغدير العظيم غير مسلم؛ لأن مكان النجاسة منه نجس، وما لم تصل إليه النجاسة كغدير آخر.
١٢٣٤ - قالوا: فأصل علتنا: البعرة إذا وقعت في الماء.
١٢٣٥ - قلنا: هذا موضع استحسان، فلا يقاس عليه، ولأنا لا نسلم أن النجاسة في البعرة خالطت الماء ولا جاورته؛ لأن عندنا يفصل بين النجاسة والماء فاصل من رطوبة الخلقة، كنجاسة في وعاء وقعت في الماء، فأما إن اختلطت البعرة بالماء أو جاورت أجزاؤها؛ فإنها تنجس عندنا.
١٢٣٦ - قالوا: أمر النجاسة مبني على أن ما لا يمكن التحرز منه عفي عنه، وما يمكن الاحتراز منه لم يعف عنه، والماء كثير لا يحترز فيه من النجاسة، فعفي عنها.
стр. 249
١٢٣٧ - قلنا: ما لا يمكن الاحتراز منه لا يعتبر به في الماء، بدلالة ما لا نفس له.
١٢٣٨ - ولأن المواضع التي وقع التقدير في النجاسة المعفو عنها إنما عفي عن قدر منها دون قدر، أو عن عين دون عين. فأمَّا أن يعفى عن مقدار ما يصيبه، أو يعفى عن بعض الأعيان التي يصيبها دون بعض فلا.
стр. 250
مسألة ٥٩
إذا كان معه في سفر ماء طاهر
وماء نجس لم يتحر فيهما
١٢٣٩ - قال أصحابنا: إذا كان معه في سفر ماء طاهر وماء نجس لم يتحر فيهما، وإن كان الطاهر في موضعين والنجس في موضع واحد جاز التحري.
١٢٤٠ - وقال الشافعي: يتحرى في الجمع.
١٢٤١ - لنا: قوله تعالى ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ ولم يعتبر الوجود والتحري.
١٢٤٢ - وفي مسألتنا: لا يجد الماء إلا بعد التحري، وذلك لا يقتضيه الظاهر، فجاز له التيمم.
١٢٤٣ - ولأن الماء النجس لا يجوز استعماله في التطهير بحال، وتأكد الحظر له تأثير في المنع من التحري، كالفروج.
١٢٤٤ - وليس في الماء موضع يمنع من التحري إلا عند التساوي.
١٢٤٥ - ولأن ما منع التحري في الماء والبول منع في الماء النجس والطاهر، أصله: القدرة على ماء آخر، ولأن حظر استعمال الماء النجس في الطهارة كحظر البول والمائعات الطاهرة، فإذا لم يجز التحري في أحد الموضعين عند المساواة كذلك الآخر. ولأن المحظور ساوى المباح الذي لا يجوز استعماله بحال فيما وقع التحري لأجله، فأشبه إذا كان أحدهما غير النجاسة أو ما الخلاف.
١٢٤٦ - ولا معنى لقولهم: إن المساواة إن عنيتم بها عدد الأواني، فالإناء لا
следующие страницы →