Полный текст (6 324 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.
стр. 2171
نقول: إنه لا يقف على حضور الزوج؛ لأن ذلك العقد تم بالزوجة والمولى، فلما لم يتم باتفاقهما مع الزوج، جاز أن ترفعه بغير حضوره.
١٠٨٣٧ - ولا يلزم الأب إذا باع مال الصبي من نفسه ثم فسخ؛ لأن (الأب هو الذي تولاه، بخلاف غيره في فسخ البيع)، فلا يملكه أحد العاقدين بغير حضور الآخر، وبيع الأب لم يحضره عاقدان.
١٠٨٣٨ - ولأن أحدًا لا يملك نقل ما تم تملكه منه إلى غيره إلا بوصاية أو برضا من له الولاية، وهذا المعنى غير موجود في المشتري، [فليس له رفع العقد بالعيب وحده، كامرأة العنين].
١٠٨٣٩ - فإن قيل لنا: وقف على الحاكم؛ لأنه مختلف في ثبوت الفسخ فيه.
قلنا: هذا عذر وفي أعيان، ونحن قسنا على غيبة الزوج.
١٠٨٤٠ - احتجوا: بحديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: من اشترى شاة محفلة، بخير النظرين ثلاثًا، إن رضيها أمسكها، وإن سخطها ردها).
١٠٨٤١ - قلنا: الرد لا يكون إلا على مردود عليه، كما أن البيع لا يكون إلا لمبتاع، ومتى حضر من يرد عليه صح الرد عندنا.
قالوا: روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (جعل رسول الله ﷺ لحبان بن منقذ خيار ثلاثة أيام، فإن رضي أخذ، وإن سخط ترك).
١٠٨٤٢ - قلنا: هذا يدل على ثبوت حق الفسخ، وأما الكلام في كيفيته وصفته، فلم يذكر في الخبر.
١٠٨٤٣ - قالوا: خيار فسخ البيع في مدة خياره؛ فوجب أن يصح، كما لو
стр. 2172
كان بحضور صاحبه.
قلنا: إن كان حاضرًا أمكنه استدراك الحق من غيره؛ لأن المشتري إذا فسخ توصل البائع إلى المبيع، وإذا فسخ البائع لم يعتق المشتري، فيتصرف عقيب المدة، وإن كان غائبًا لم يوجد هذا المعنى.
١٠٨٤٤ - ولأنهما إذا حضرا صح فسخ العقد، والإقالة تصح كخيار الشرط متى غاب أحدهما لم يصح الفسخ بالإقالة، فلم يصح كخيار الشرط. قالوا: معنى ينقطع به خياره، فصح من غير حضور صاحبه، كالإجارة.
١٠٨٤٥ - قلنا: رضا المرأة بالعنة معنى ينقطع به خيارها، ويجوز خيارها مع غيبة الزوج، والفسخ بالعيب يقطع الخيار، فلا يصح مع غيبته.
ولأن الإجازة تسقط حق المجيز وتوفر حق غيره، فلم يقف ذلك على رضا الغير، والفسخ يسقط به حق غيره، فوقف على حضوره، ونظير الفسخ من الإجازة أن يكون الخيار لهما، فيجيز أحدهما فلا يتم العقد في حق الآخر؛ لأنه لو تم لسقط حقه وحق غيره.
ولأن بالإجازة يتم التسليط الذي أثبته للغير في ماله، وبالفسخ يبطل التسليط. وفرق بين الأمرين، بدلالة إقرار الوكيل على وكالته بغير علمه، وإن لم يصح عزله إلا بعلمه.
قالوا: معنى يقطع استدامة العقد: فوجب أن لا يفتقر إلى حضور من لم يفتقر إلى رضاه، كالطلاق.
١٠٨٤٦ - وربما قالوا: من لا يعتبر رضاه في رفع العقد لا يعتبر حضوره، كالزوجة في الطلاق واليمين فلا يبطل بمن حلف: لا يكلم فلانًا، فهذا عقد، والحنث قطع الاستدامة، فلا يقتضي فيه حضور فلان، ولا يعتبر رضاه.
стр. 2173
وكذلك إذا قال: إذا حضرتي فلان فأنت طالق؛ فإن قطع استدامة هذا العقد لا يعتبر فيه حضور فلان، ولا يعتبر رضاه.
وكذلك اللعان يعتبر فيه حضور الزوجة، ولا يعتبر رضاها، ويعتبر حضور الزوج في فرقة العنة، ولا يعتبر رضاه.
وقولهم: إن الزوج يلاعن عند المنبر والمرأة عند باب المسجد إذا كانت حائضًا ليس بشيء؛ لأنها قد حضرت، وإنما اختلفت هيئة الحضور، وكذا لو غابت عن باب المسجد.
ونقول بموجب العلة؛ لأنه لا يعتبر عندنا حضوره، وإنما يعتبر علمه.
١٠٨٤٧ - ولأن الطلاق يسقط به حق نفسه من منافع البضع ويوفيها حقها من العوض إذا كان بعد الدخول، ونصفه إن كان قلبه ويعود المقصود إلى ملكها، فلما لم يسقط حقه من المعتبر علمها فقد سقط بالفسخ حق صاحبه من التسليط الذي أثبته له، فجاز أن يقف على علمه.
١٠٨٤٨ - قالوا: ما كان فسخًا للبيع بحضور أحد المتبايعين، كان فسخًا في غيبته. أصله: لو طردت العلة.
١٠٨٤٩ - وربما قالوا: فإذا كان البائع لو أتى بما يدل على الفسخ كان فسخًا، فإذا أتى بصريح الفسخ فهو أولى أن يكون فسخًا؛ ألا ترى: أن الطلاق إذا وقع بلفظ الكناية، فوقوعه بالصريح أولى.
١٠٨٥٠ - قلنا: هذه المعاني لا يملكها البائع بغير حضور المشتري لو فسخ والمبيع في يده ثم هلك أو عاد المبيع، فلما أمكن فسخه، جاز أن يبطل، لغيبة البائع وغيره.
١٠٨٥١ - ولأن الفسخ بهذه المعاني يثبت حكمها، فلا يعتبر صريح الفسخ. كما أن الوكيل لا ينعزل بصريح العزل إلا أن يعلم. ولو باع الموكل المبيع انعزل، وكذلك المأذون إذا باعه مولاه كان حجرًا. ولو حجر عليه لم يثبت الحجر عندنا حتى يكون في سوقه.
١٠٨٥٢ - قالوا: رضا العاقد غير معتبر، فلم يعتبر حضوره، كالمعتقة بغير حضورها والمخيرة إذا اختارت بغير حضوره.
стр. 2174
قلنا: لا يمنع أن يعتبر الحضور ولا يسلم، فلا يعتبر الرضا به، بدلالة المسائل التي بيناها، [وتنوع] الرغبات.
وأما العقد فيجوز أن يقال: يعتبر في الفرقة حضور الزوج وإن سلمناه.
١٠٨٥٣ - ولأنه ملك بالعقد عليها معنى، وبالحرية يتزايد ما ملكه؛ لأنه يلزمها المقام في منزله، فلها أن تدفع عن نفسها ولا يقدر على دفعها إلا برفع العقد.
١٠٨٥٤ - وفي مسألتنا: يبطل تسليطه لصاحبه على التصرف، فلا يصح إلا بعلمه.
١٠٨٥٥ - وأما اختيار المخيرة فهو طلاق، والطلاق لا يقف على حضور الزوجين.
١٠٨٥٦ - ولأن النكاح يصح أن ينعقد لأحدهما إذا وكل به، فجاز أن يرتفع به، ووزان النكاح بيع الأب مال ابنه من نفسه، فلما تم به انفسخ به.
١٠٨٥٧ - فأما الرجعة فهي حق الزوج ينفرد به، بدلالة: قوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن﴾، فلما كان الحق له تفرد به، ولم يقف على حضورها.
فإن قيل: فثبت لها حق التصرف في نفسها بمضي المدة، [وبالرجعة يبطل ذلك.
١٠٨٥٨ - قلنا: إذا أثبت لها جواز التصرف] بشرط يمكن استدراكه، لم يقف إبطال ذلك على حضورها، كما لو وكل وكيلًا في فرقتها ثم عزله عن الوكالة.
* * *
стр. 2175
مسألة ٥٧٣
حكم شرط أحد المتبايعين الخيار لغيره
١٠٨٥٩ - قال أصحابنا/: إذا شرط أحد المتبايعين الخيار لغيره: صح الشرط، وثبت الخيار له، وكان المشروط له وكيله فيه.
١٠٨٦٠ - وقال الشافعي في كتاب (الصرف): ويكون الخيار للأجنبي دون العاقد.
قال المزني: وفيها قول آخر: أنه لا يصح الشرط.
وقال ابن سريج: إن جعل فلانًا وكيلًا له في الإمضاء والرد، صح قولًا واحدًا، وإن أطلق الخيار لفلان، أو قال لفلان دوني، فعلي قولين، فإذا قالوا: لا يصح الشرط يفسد العقد. وإن قالوا: يصح، فهل يثبت الخيار للعاقد؟ فيه وجهان.
стр. 2176
١٠٨٦١ - لنا: أنه شرط الخيار لمن يصح عقده، فصار كما لو شرط لنفسه.
ولأنه خيار لو أثبته لنفسه كان جائزًا، فإذا أثبته لغيره، جاز أصله: إذا قال: على أن يكون فلان وكيلًا في الإمضاء والفسخ.
١٠٨٦٢ - ولأن من جاز أن يتولى الفسخ جاز أن يشترط، كالعاقد.
والدليل على أن الخيار يثبت للعاقد: أنه لما شرط في العقد صار من حقوقه، وحقوق العقد تتعلق بالمتعاقدين عندنا.
١٠٨٦٣ - احتج المزني فقال: كيف يملك فلان ملكي، ويملكني ملك غيري بغير أمري؟.
١٠٨٦٤ - قلنا: إذا شرط الخيار لأحد المتبايعين دون الآخر ملك نفسه ملك غيره وملك العاقد الآخر ملكه.
١٠٨٦٥ - فإن قالوا: لما شرط الخيار فقد أذن له.
١٠٨٦٦ - قلنا: وكذلك لما شرط الخيار للأجنبي فقد أذن له.
١٠٨٦٧ - قالوا: خيار الشرط لينظر كل واحد من المتعاقدين الحظ والفسخ والإمضاء، فاستحال أن يكون لمن لا حظ له فيه، ولا يكون لمن له الحظ.
قلنا: عندنا الخيار ثابت لمن الحظ له، والإذن قائم مقامه وإن لم يثبت له الخيار كالوكيل.
* * *
стр. 2177
مسالة ٥٧٤
اشتراط لفظين ماضيين في صيغة البيع
١٠٨٦٨ - قال أصحابنا: لا ينعقد البيع إلا بلفظين ماضيين.
١٠٨٦٩ - وذكر في (المجرد) إذا قال: بعتك انعقد به البيع عند أبي حنيفة. وقال في (النكاح): لو كتب فقال: بعني عبدك، فقال: بعتك، كان بيعًا جائزًا.
١٠٨٧٠ - وقال الشافعي: إذا قال: بعني بألف، فقال: بعتك، انعقد البيع.
١٠٨٧١ - لنا: حديث ابن عمر ﵁، أن النبي ﷺ قال: (إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا وكانا جميعًا، أو يخير أحدهما الآخر وتبايعا على ذلك، فقد وجب البيع) ذكره الدارقطني فإثبات البيع بعد خيار يبطل بالتفرق، وهذا لا يكون إلا على قولنا.
١٠٨٧٢ - ولأن قوله يعتبر أمرًا له بالبيع، فلا يكون ينتظر العقد، كما لو قال: بع عبدي.
стр. 2178
١٠٨٧٣ - ولأنه لم يوجد إلا لفظ أحد الشطرين، فلم ينعقد البيع، كما لو قال: أتبيعني؟، فقال: بعتك.
بيانه: أن قوله: بعني، وقوله: بعتك، لفظ البيع، فلا بد من لفظ الابتياع أو المشتري أو القبول.
١٠٨٧٣ - ولأن كل واحد من المتبايعين بالخيار في رد الإيجاب من غير شرط، فلم ينعقد البيع، كما لو قال بعتك، فلم يقبل المشتري شيئًا.
١٠٨٧٥ - ولأن كل حالة لا يجوز تصرف المشتري مع ثبوت يده على المبيع من غير شرط فلم يكن بينهما عقد كما قبل القبول.
١٠٨٧٦ - ولأنه لفظ لا ينعقد به البيع من مالك جميعه، وهو الآن لا يجوز؛ فلا يكون شرطًا، كقوله: تبيعني.
١٠٨٧٧ - ولأنها حالة لكل واحد من العاقدين الامتناع من أحكام العقد من غير شرط، فلم يكن العقد منعقدًا؛ أصله: إذا قال: بعتك قبل القبول.
١٠٨٧٨ - احتجوا: بأن كل ما لو كان بلفظ النكاح كان نكاحا، فإذا كان بلفظ البيع كان بيعًا، كما لو تقدم بالإيجاب.
١٠٨٧٩ - قالوا: كل عقد لو تقدم فيه الإيجاب كفاه القبول ... كالنكاح.
١٠٨٨٠ - قلنا: القياس في النكاح: أن لا ينعقد إلا بألفاظ ما مضى، وموضع الاستحسان أن لا يجعل أصلًا ولا وصفًا.
ولأن النكاح لا تحضره المساومة في العادة، وألفاظه كلها إيجاب، والبيع تحضره المساومة، والظاهر من ألفاظ المستقبل: العدة والمساومة.
١٠٨٨١ - ولأن قوله: زوجني، أمر بالعقد، فإن قال: زوجتك، انعقد النكاح بهذا اللفظ؛ لأنه ينعقد بالواحد عندنا، وهذا لا يوجد في البيع. قال أبو
стр. 2179
الحسن: ولأن الأولياء يلحقهم الشين برد النكاح بعد الإيجاب. فإذا قال الزوج للولي: زوجني، فقال: زوجتك، [ولم يجعل هذا نكاحًا]، لرجع فألحق بهم الشين، وليس في البيع شين في رد بيعه بعد إيجابه، فافترقا.
* * *
стр. 2180
مسألة ٥٧٥
البيع على شرط نقد الثمن خلال ثلاثة أيام
١٠٨٨٢ - قال أصحابنا: إذا باعه على أنه إن لم ينقده الثمن إلى ثلاثة أيام فلا بيع بينهما: جاز الشرط، وكان بمنزلة شرط الخيار للمشتري.
وإن قال البائع: على أني إن رددت الثمن في ثلاثة أيام فلا بيع بيننا. جاز البيع، وكان بمنزلة شرط الخيار للبائع.
١٠٨٨٣ - وقال الشافعي: لا يجوز ذلك. لنا: ما روي عن ابن عمر ﵁: (أنه أجاز ذلك في الثلاث)، ولا يعرف له مخالف. ذكره محمد في الأصل.
стр. 2181
١٠٨٨٤ - ولأن القياس لا يدل عليه فإذا قال الصحابي، حمل على التوقيف.
١٠٨٨٥ - ولأن الفسخ بترك النقد معنى يضاد العقد، فجاز أن ينعقد مع شرطه في الثلاث، كالفسخ بقوله: فسخت.
ولأنه نوع بيع؛ فجاز أن يفسخ بتأخير القبض عن زمان كالصرف، والسلم، وبيع الطعام بالطعام إذا شرط فيه الفسخ بترك القبض في المجلس، ولا يمكن القول بموجبه في بيع الطعام بالطعام؛ لأن التعليل لبيع الأعيان التي لا ربا فيها.
ولأن بيع الطعام بالطعام جعلناه أصلًا، ولا يشترط ارتفاع العقد بترك النقد في مدة الخيار، فجاز أن يصح، كما لو شرط ارتفاع العقد بترك قبض الطعام في المجلس.
ولأن كل شرط لا يبطل بيع الطعام بالطعام لا يبطل بيع عين من الأعيان، كسائر الشروط.
١٠٨٨٦ - ولأن هذا يجري مجرى شرط الخيار؛ لأنه عقد العقد وعلق فسخه بترك النقد، وهو فعل المشتري، فصار كما لو علق الفسخ بقوله: فسخت.
١٠٨٨٧ - فإن قيل: هناك الفسخ يتعلق منه بحظر، ولهذا يجوز بمضي المدة، وها هنا جواز العقد تعلق بحظر، ولهذا يفسخ بمضي المدة.
١٠٨٨٨ - قلنا: لا يصح؛ لأن الفسخ لا يقع بمضي المدة، وإنما يقع بترك النظر فيها، كما يتعلق بقوله: فسخت.
١٠٨٨٩ - قالوا: العقد الذي يجوز تعليقه وهو الوكالة لا يقف فسخه على حظر، والعقد الذي لا يتعلق بحظر أولى أن لا يقف فسخه على حظر، فلا يبطل بشرط الخيار.
ولأن عقد الوكالة لما سومح بجواز تعلقه بالحظر لم يسامح [بدخول الحظر في فسخه، والبيع لما علق حكم عقده حتى لا يجوز تعليقه بالحظر سومح] في فسخه. يبين صحة هذا الفرق: أن النكاح لما لم يتعلق ابتداؤه بحظر، جاز أن يتعلق رفعه بحظر وهو الطلاق.
стр. 2182
مسألة ٥٧٦
السبب في فساد العقد عند وجود التفاضل
١٠٨٩٠ - قال أصحابنا: العلة في فساد العقد عند وجود التفاضل: زيادة كيل في جنس المكيلات، أو زيادة وزن في جنس الموزونات، هذه عبارة شيخنا أبي بكر الرازي.
وقد اختار غيره من شيوخنا أن العلة: الكيل مع الجنس، أو الوزن مع الجنس، وهذا تعليل لكون النوع فيه ربا، والأول لفساد العقد.
واختار أبو طاهر التقدير الشرعي مع الجنس، فعلل الأشياء الستة بعلة واحدة.
١٠٨٩١ - ومن أصحابنا [من قال]: عدم العلم بالمساواة من طريق الكيل في المكيلات مع الجنس، وعدم العلم بالمساواة من طريق الوزن مع الجنس.
١٠٨٩٢ - وقال الشافعي في القديم: العلة: الجنس، والكيل، والأكل أو الجنس
стр. 2183
والأكل والوزن.
وقال في الجديد: العلة في الأشياء الأربعة: مطعوم جنس، وفي الذهب والفضة: جنس الأثمان وهو قيمة المتلفات.
وأصحابه يقولون: أثمان جنس، ومنهم من قال: جنس ما يقدر به المتلف.
١٠٨٩٣ - والكلام يترتب في هذه المسألة في فصول سبعة، فأولها: أن يدل على صحة علتنا وترجيحها، والثاني: فساد علتهم، والثالث: أن يدل على ثبوت حكمنا، وهو ثبوت الربا في المكيلات التي لا تؤكل، والرابع: أن يبطل حكمهم،
стр. 2184
وهو أن نبين، أن لا ربا في المأكولات التي لا تكال ولا توزن، والخامس: أن يدل، على صحة علتنا في الموزونات، والسادس: إبطال علتهم، والسابع: أن يبين، إباحة باطنه بالجنس، والتمرة بالتمرتين.
١٠٨٩٤ - أما، الدليل على صحة علتنا: فما روي، عن النبي ﷺ أنه قال: (الحنطة بالحنطة مثلًا بمثل كيلًا بكيل، والذهب بالذهب مثلًا بمثل، وزنًا بوزن).
١٠٨٩٥ - فنص على اعتبار الكيل في الأشياء الأربعة، والوزن في الذهب والفضة، أما أن يكون ذكر الكيل؛ فلأنه سبب في الحكم أو العلة والاهتمام بالتنبيه على العلة أشد، والظاهر: أن الكيل/ والوزن علة الحكم.
يبين، ذلك أنه: روي: (أنه [﵊] نهى عن بيع الطعام [بالطعام إلا مثلًا بمثل، وعن بيع الذهب بالذهب] إلا مثلًا بمثل، وزنًا بوزن)، فلو علق الإباحة بالمماثلة في المقدارين، دل أن ما زاد عن قدرها على الحظر، ألا
стр. 2185
ترى، أنه ﵊ [إذا نهى] عن الصلاة إلا بطهارة، دل على فقدها علة الحظر؟.
١٠٨٩٦ - فإن قيل: فهذا يقتضي أن تكون العلة منصوصة، وقد أجمعوا على أنها مستخرجة.
١٠٨٩٧ - قلنا: هذا تنبيه، وليس بتعليل؛ لأن لفظ التعليل: (لأنه كذا)، وهذا، الضرب يعلم بنظر واستدلال فليس بمنصوص.
فإن قيل: وجوب التساوي بالكيل هو الحكم والمطلوب تعليله.
١٠٨٩٨ - قلنا: الحكم فساد البيع أو جوازه، والتساوي في الكيل والتفاضل فيه علته؛ ألا ترى: أن قوله ﷺ : (لا صلاة إلا بطهور)؟ بيان العلة وليس بيان الحكم وإن كان قد نص عليه، والحكم هو فساد الصلاة وصحتها.
١٠٨٩٩ - فإن قيل: فقد ذكر في الخبر عينا بعين ولم يدل ذلك على كونه علة.
١٠٩٠٠ - قلنا: منع منه الإجماع، ويدل على ذلك قوله ﵊ (والفضل ربا)، وهذا نص على أن علة الحكم: زيادة الكيل والوزن.
١٠٩٠١ - وروى أبو بكر بن عياش، عن الربيع بن صبيح، عن الحسن، عن
стр. 2186
عبادة، وأنس بن مالك، ﵁، عن النبي ﷺ قال: (ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعًا واحدًا، وما كيل فمثل ذلك، فإذا اختلف النوعان فلا بأس به). فلما حصل اعتبار المماثلة بما كيل ووزن دل على أن العلة النقدية.
١٠٩٠٢ - قال الدارقطني: (لم يروه عن الربيع غير أبي بكر، وخالفه جماعة فرووه بغير هذا اللفظ، وهذا طعن لا يلتفت إليه؛ لأن الإسناد، صحيح، واختلاف الرواة في اللفظ على الربيع لا يقدح فيه، ونسي الدارقطني خبر خيار المجلس، واختلاف الرواة على نافع حتى لم يتفق منهم اثنان بواد، ولم يقدح هناك بكثرة الاختلاف.
ويدل عليه: أن العلة، نقضت لتأثيرها في الأحكام، والحكم المطلوب فساد العقد وصحته، ولوجه، التفاضل في القدر، والتساوي [تأثير في العقد، لم يوجد مثله في الاختلاف في الطعم، والتساوي] فيه، ألا يرى، أنه يجوز لا بيع قفيز جيد بقفيزين عسين، لاختلافهما في الكيل وإن تساويا في الطعم، وإذا كان التأثير في فساد العقد وصحته لما ذكرناه، كان اعتبار، علة الحكم أولى.
١٠٩٠٣ - قالوا: العلة عندنا كونه مطعومًا، وهذا معنى لا يتزايد.
قلنا: وكذلك العلة عندنا كونه مكيلًا أو موزونًا، وهذا معنى لا يتزايد، لكن، لما كان ما ذكرناه علة أثر الكيل الذي صار به مكيلًا، ثم وجدنا
стр. 2187
الطعم الذي به صار مطعومًا لا يؤثر، دل على أن كونه مطعومًا ليس بعلة.
١٠٩٠٤ - فإن قيل: قد يؤثر اختلاف الطعم؛ لأن من ابتاع طعامًا فوجده عفنًا رده لنقصان طعمه.
قلنا: هذا تأثير في إثبات الخيار، ونحن نطلب تأثيرًا في صحة العقد وفساده، وهذا هو الحكم المعلل.
١٠٩٠٥ - ولأن الحكم المعلل يوجد بوجود علتنا وهو التساوي في الكيل، ويعدم بعدمها، مع وجود الطعم في الحالتين على وجه واحد، فدل على أنها هي العلة.
١٠٩٠٦ - فإن قيل: الحكم يوجد بوجودها ولا يعدم بعدمها؛ لأن من باع صبرة بصبرة لا يعلم قدرهما، فالبيع فاسد، فلم تعدم العلة.
١٠٩٠٧ - قلنا: غلط، علة الجواز: العلم بالتساوي من طريق الكيل، وقد زال ذلك؛ لأن معنى قولنا؛ وجود التساوي في الكيل والتفاضل فيه، وما ذكروه من الطعم الجمع على اعتباره، فكان تعليق الحكم فيما أجمع على تعلقه به، واعتباره فيه أولى.
١٠٩٠٨ - ولأنا إذا اعتبرنا النقدية جعلنا المضموم إليه أكثر الجنس في الأشياء الستة معنى واحدًا، فهو أولى من التعليل بعلتين كل واحدة منهما لا تعم الأصل.
١٠٩٠٩ - فإن قيل: اعتبار النقدية يبطل بالمذروعات والمعدودات.
١٠٩١٠ - قلنا: إنما يعتبر النقدية في المدعى الذي علقته الشرعية، وهو جواز البيع أو فساده.
وأما الدليل على إبطال علتهم: فلأنها تبطل ببيع الحيوان بالحيوان متفاضلًا، يجوز مع كونه مطعومًا.
١٠٩١١ - فإن قالوا: ليس بمطعوم؛ لأنه محرم قبل الذبح.
стр. 2188
١٠٩١٢ - قلنا: يلزمكم السمك، والجراد، وهو مطعوم مباح يجوز التفاضل فيه.
١٠٩١٣ - فإن قيل: ليس بمطعوم.
١٠٩١٤ - قلنا: غلط؛ لأن أكله ممكن ومباح، لكن لا يعتاد، إلا أنه يصلح، فهو كاللحم بالحيوان، ولا يجوز التفاضل فيه وليس بمطعوم في الحال حتى يستصلح.
١٠٩١٥ - وتبطل علتهم بالعرايا؛ لأنه بيع مطعوم من غير مماثلة.
١٠٩١٦ - فإن قيل: لا يجوز عندنا إلا بعد أن يعلم تماثلهما في حال الادخار.
١٠٩١٧ - قلنا: المماثلة المأخوذة من علتنا في الشرعية هي المماثلة كيلًا، وذلك لم يوجد.
١٠٩١٨ - وتبطل علتهم بالطين الخراساني.
١٠٩١٩ - فإن قيل: أكله سنة.
١٠٩٢٠ - قلنا: هو مأكول مشتهى وإن كان فيه ضرر، وهذا موجود في كثير من المطعومات. ولأن الطعم ليس بعلم المقدار فلا يكون علة، كاللون، والاسم.
١٠٩٢١ - ولأن الطعم لا يضم إلى الجنس، فيكون علة في الموزونات، وكذلك لا يضم إلى الجنس فيكون علة على المكيلات، كاللون والرائحة، ولا يلزم؛ لأنه مقدار، وذلك مضموم إلى الجنس في الموزونات عندنا.
ولأن زيادة الطعم ليس لها تأثير في فساد البيع، فلا يكون علة له مع الجنس، كالاقتيات.
стр. 2189
١٠٩٢٢ - ولأن النبي ﷺ نص على الأشياء الستة، وبين فيها حكمًا، وهو جواز بيع بعضها ببعض بصفة، وامتناعها بصفة، فلم يقصد فساد بعضها ببعض في حال، [وعلة مخالفنا تؤدي إلى ثبوت الربا في أجناس محرم بيع بعضها ببعض في حال]، مثل: البطيخ، والرمان، وهذا إثبات الحكم في الفرع بخلاف ما يثبت في الأصل.
١٠٩٢٣ - فإن قيل: يجوز بيع البطيخ والرمان بجنسه وزنًا.
١٠٩٢٤ - قلنا: فالأصل المعلل حكمه اعتبار المماثلة من طريق الكيل، والعلة تؤدي إلى خلاف حكم الأصل من هذا الوجه.
١٠٩٢٥ - وأما الدليل على حكمنا: وهو ثبوت الربا في المكيلات المطعومة وغير المطعومة: فما قدمناه من خبر الربيع بن صبيح، وما روي في حديث ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: (لا تبيعوا الدرهم بالدرهمين، والدينار بالدينارين، ولا الصاع بالصاعين، فإني أخاف عليكم الربا)، ومعلوم أنه لم ينه عن بيع الذي هو في المكيال، فدل على أنه نهى عن بيع مال بالصاع، وهذا علة في كل مكيل.
١٠٩٢٦ - فإن قيل: ما يدخل تحت الصاع مضمر في الخبر، فكيف يعتبر عموم المضمر؟.
١٠٩٢٧ - قلنا: اسم الصاع يتناول في الحقيقة المكيل، ويتناول في الحقيقة الكيل المقدر.
الدليل عليه: ما روي: (أن النبي ﷺ فرض صدقة الفطر صاعًا من تمر، أو صاعًا من شعير).
стр. 2190
١٠٩٢٨ - ويقول القائل: هذا قفيز، وبعتك قفيزًا من هذا الطعام، وإذا تناولها الاسم حقيقة، ثم دل الدليل على أن أحدهما لم يرد، بقي الآخر. ويدل عليه حديث سعيد بن المسيب، قال: سمعت أبا سعيد الخدري وأبا هريرة ﵄ [يحدثان: (أن النبي ﷺ استعمل سواد بن غزية أخا بني عدي بن النجار، على خيبر، فقدم عليه بتمر جنيب، يعني جيد، فقال ﷺ : (أكل تمر خيبر هكذا، (قال لا، وإنما اشتريت الصاع من هذا بالصاعين من الجمع، والصاعين بالثلاثة، فقال ﷺ : (لا تفعلوا، ولكن بيعوا تمركم بثمن، واشتروا به هذا، وكذلك الميزان)، وهذا عام في كل موزون.
١٠٩٢٩ - فإن قيل: حقيقة الميزان اسم لما يوزن به، وذلك غير مراد والموزون لا يسمى ميزانًا حقيقة، فلا نعلم أن أهل اللغة تجوزت بتسميته بذلك، فلم يصح الاحتجاج به.
стр. 2191
١٠٩٣٠ - قلنا: (ثبت أن أهل اللغة تحذف المضاف وتقيم المضاف إليه مقامه. فقوله: (وكذلك الميزان)، يعني به ذي الميزان، والاسم إذا بطل حمله على حقيقته لم يكن بد من حمله على التوسع. والبطلان أيضًا لا يجوز في كلام الرسول ﷺ ، فلم يبق إلا أن يحمل على ما ذكرنا.
ولأنه زيادة في كيل، كالحنطة بالحنطة.
١٠٩٣١ - فإن قيل: المعنى فيها أنها مطعومة.
١٠٩٣٢ - قلنا: من الحكم.
١٠٩٣٣ - فإن قيل: فلا يظن التفاضل فيها لينقض بالمتساويين في الكيل إذا تفاضلا في الوزن، وإن فاته فلا يجوز التفاضل فيها كيلًا؛ فقد عللت كما ذكرناه، وضممت إليها وصفًا آخر، وهذا لا يجوز.
١٠٩٣٤ - فإن قيل: الرماد/ مكيل جنس ولا ربا فيه، والسنبل فيه ربا، وليس بمكيل.
١٠٩٣٥ - قلنا: هذا غلط؛ لأن الرماد فيه ربا عندنا إذا اعتيد بيعه كيلًا. فأما السنبل فهو مكيل، لكن يقف على صفة، وهو أن يفارق الوعاء، ونرى الطعام في جوالق.
١٠٩٣٦ - وأما الدليل على بطلان حكمهم في المطعوم الذي ليس بمكيل: فلأن ما يضمن بقيمته [في جميع الأحوال لا ربا فيه كالثياب.
١٠٩٣٧ - ولا يلزم الحلي؛ لأنه يضمن بقيمته إذا كان لصناعته قيمة، وإذا لم تكن ضمن بالنقد؛ ولأنه جنس الذهب وذلك لا يضمن بقيمته] بكل حال.
стр. 2192
أو نقول: جنس يجب على مستهلكه القيمة، فيجرى الربا في نقده.
١٠٩٣٨ - ولأن البطيخ والرمان يباع في العادة عددًا، فلا يثبت فيه الربا، كالثياب.
١٠٩٣٩ - ولأنهما عينان باقيتان عل أصل خلقتهما، لا يجوز بيع كل واحد منهما على الانفراد ... بالأحرى، كسائر الأعيان.
١٠٩٤٠ - ولأن كل جنس جاز بيعه؛ جاز بيع بعضه ببعض، أصله: الطعام والثمن.
١٠٩٤١ - فإن قالوا: يجوز بيع ذلك وزنًا، فقد تكلمنا، وإن كان تركا للمعروف في المذهب.
١٠٩٤٢ - ولأنا أجمعنا على ثبوت الربا في المطعومات الموزونة، فلا يخلو إما أن يكون [ذلك] فرعًا للأشياء الأربعة؛ لأن الحكم فيها وجود المماثلة كيلًا، فلم يبق إلا أن يكون فرعا للذهب والفضة والحكم [بوجود المماثلة وزنًا].
١٠٩٤٣ - وأما الدليل على صحة علتنا من الموزونات: فقوله ﵊: (وكذلك الميزان).
١٠٩٤٤ - وحديث عبادة وأنس ﵄ أن النبي ﷺ قال: (ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعًا واحدًا).
١٠٩٤٥ - ولأنها زيادة وزن في جنس فتعلق بها التحريم، كالأثمان.
١٠٩٤٦ - ولأن زيادة الوزن تؤثر في الفساد، والمساواة فيه تؤثر في الصحة، فدل أنه العلة. ولأن للوزن تأثيرا في الحكم بإجماع؛ فتعليق الحكم به أولى.
١٠٩٤٧ - وأما الدليل على إبطال علتهم: فلأنها غير متعدية، والعلة إذا لم يدل عليها إلا الطرد فإذا لم ينعقد: لم تصح.
стр. 2193
١٠٩٤٨ - فإن قيل: (لا يمتنع أن يعلل الأصل بعلة لا تتعداه كما عللتم الخمر.
١٠٩٤٩ - قلنا: عندنا يجوز ذلك إذا دلت الدلالة على صحة العلة، واستفيد من الدليل المنع من التعدي إلى الفروع، ويستفاد معنى الحكم، وإلا منعنا أن تعلل علة لا دليل عليها إلا الطرد، وهي غير متعدية.
ولو سلمنا أنها علة صحيحة كان تعليل الأصل بعلة متعدية أولى؛ لأنها تفيد حكم الفروع، والعلة العامة أولى، وما يتعدى أولى مما لا يتعدى.
١٠٩٥٠ - ولأن النبي ﷺ ذكر الأشياء الستة وجعلها أصولًا لغيرها، وإذا كانت الأشياء الأربعة معللة فيما يتعدى إلى الفروع؛ فالظاهر أن البقية تتعدى أيضًا ليكون حكم الجميع حكمًا واحدًا.
ولأن علتهم تبطل بالفلوس؛ لأنها- إذا نفقت- أثمان فلا ربا فيها؛ لأنها لا يعرف بها القدر لكونه ذهبًا.
١٠٩٥١ - وأما الدليل على جواز بيع التمرة بالتمرتين والحبة بالحبتين: أن ذلك يباع في العادة عددًا، كالثياب.
ولأنه ليس بمكيل ولا موزون، فصار كالجوز، والبيض.
١٠٩٥٢ - ولا يلزم الماء؛ لأن عند أبي حنيفة يجوز بيعه متفاضلًا.
١٠٩٥٣ - ولا يقال إنها تكال بآلة صغيرة كقشر الفستقة، وتعجيل لا يسع تمرة واحدة؛ لأن الكيل عبارة عما وضع لمعرفة المقادير في العادة، وهذا لا يوجد فيما قالوا.
стр. 2194
ولأن الوعاء إذا علمت لتمرة واحدة؛ لم يعلم زيادتها ونقصانها، فلا يكون ذلك كيلًا؛ ألا ترى: أن العقد به لا يجوز عند مخالفنا، فدل أنه ليس بكيل.
١٠٩٥٤ - ولأن ما جاز بيع كثيره بالكثير جاز بيع قليله بالقليل، كالذهب، والفضة.
ولأن مستهلكه يلزمه قيمة؛ فلا يدخل الربا في نقده، كالثياب.
١٠٩٥٥ - احتجوا: بما روي عن معمر بن عبد الله ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الطعام بالطعام مثلًا بمثل).
١٠٩٥٦ - قالوا وهذا يدل على أن ثبوت الربا في كل مطعوم؛ لأن اسم الطعام يقع على كل مطعم لعينه شرعًا؛ قال الله تعالى: ﴿ومن لم يطعمه فإنه منى﴾ الآية (٧)، وقال تعالى: ﴿كل الطعام كان حلًا لبنى إسرائيل﴾، وقال تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾، وأراد به الذبائح.
١٠٩٥٧ - وقالت عائشة ﵂: (عشنا زمانًا ما كان لنا طعام إلا الأسودان: التمر، والماء)، وهذا دليل على ثبوت الربا فيما لا يكال من المطعومات ولا يوزن.
стр. 2195
١٠٩٥٨ - والثاني: أنه نهى عن بيعه إلا مثلًا بمثل، ولم يفرق بين قليله وكثيره، وهذا يبطل قولكم في الحبة بالحبتين: إن ذكر الصفة في الحكم تعليل، كقوله تعالى: ﴿إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا﴾، وكقوله ﵊: (في سائمة الغنم زكاة)، وكقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا﴾، وقوله: ﴿جزاء المحسنين﴾ ﴿إن الله أعد للكافرين عذابًا مهينًا﴾.
١٠٩٥٩ - والجواب: أن إطلاق الطعام يتناول بعض المطعومات دون بعض، بدلالة قولهم: سوق الطعام، لا يتناول ذلك سوق الصيادلة.
١٠٩٦٠ - ولا يقال: إن أكل الإهليلج أنه أكل الطعام، أو يجوز العموم في كل المطعومات، لا نسلم.
وقولهم: إن تسمية الطعام يعني في معرفة العرب، غلط؛ لأن الكوفة والبصرة مصرتا والقوم عرب تثبت الحجة بقولهم، وسموا هذه الأسواق بلغتهم، ثم راوي الخبر قال: وكان طعامنا يومئذ الشعير.
١٠٩٦١ - ولو سلمنا لهم الحقيقة لم يكن بد من حمل قول معمر على العرف، ومتى وجد معنى الاسم في المعرف كان حمل الكلام عليه أولى من حمله على معناه اللغوي، فسقط اعتبار العموم من الخبر.
ولأن الخبر لو حمل على كل ما يطعم، اقتضى وجوب اعتبار المماثلة في الجنسين،
стр. 2196
وهذا خلاف النص والإجماع، فعلم أن المراد به ما ذكرناه.
١٠٩٦٢ - وأما قولهم: إنه لم يفصل بين القليل والكثير، وقد أجمعوا أن المماثلة التي ذكرها في الخبر كيلًا، فاقتضى ذلك ما يتأتى فيه الكيل دون ما لا يتأتى.
١٠٩٦٣ - فأما قولهم: إن ذكر الطعام كالتعليل، فلا يصح؛ لأن تعليق الحكم بالاسم لا يجعله علة؛ الدليل عليه قوله عليه [الصلاة] والسلام: (لا بأس ببيع الحيوان بالحيوان اثنين بواحد يدًا بيد).
١٠٩٦٤ - ولم يدل ذلك على اختصاص الحكم بالحيوان، وكذلك) نهيه ﵊ عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان)، ونهيه عن بيع الطعام قبل القبض).
١٠٩٦٥ - وأما قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا﴾، و ﴿الزانية والزاني فاجلدوا﴾، فهذه أسماء الفاعل فذكرها ذكر الفاعل، وكأن لا فرق بين من سرق فاقطعوه، وقوله: ﴿والسارق﴾، ﴿فاقطعوا﴾، وليس هذا من مسألتنا في شيء.
على أن من أهل الأصول من يقول: (إن قوله: ﴿والسارق والسارقة﴾ يدل على
стр. 2197
وجوب القطع فلا يدل اللفظ على أن السرقة علة، وإنما يعلم ذلك بدليل منفصل، وهو أن السرقة فعل منكر والقطع نكال، فيستدل بذلك على النكال لأجل ذلك الفعل، وهذه المعاني كلها معدومة في قوله: (الطعام بالطعام).
١٠٩٦٦ - فإن قيل: خص الطعام بالذكر دون غيره، ولو كان الجص والنورة مثله، لم يكن للتخصيص معنى.
١٠٩٦٧ - قلنا: كما خص النهي عن بيع الطعام قبل القبض، وإن كان الطعام بعده سواء.
١٠٩٦٨ - احتجوا بقوله تعالى: ﴿الذين يأكلون الربوا﴾، ولا يجوز أن ينهي عن أكل ما لا يتأتى فيه الأكل.
١٠٩٦٩ - قلنا: نهى عن أكل الربا، واقتضى ذلك ثبوت الربا في المأكول، وغيره موقوف على الدليل.
١٠٩٧٠ - ولأن الأكل يفيد التناول، بدلالة: قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾، وقال تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾، والمراد بذلك الأخذ والتناول.
ولأنه نهى عن أكل الربا وعن أخذه بقوله تعالى: ﴿وما آتيتم من ربًا ليربوا في أموال الناس﴾، فاقتضى مجموع الأمرين النهي عن القطع والأخذ والأكل.
١٠٩٧١ - احتجوا بحديث عبادة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، ولا الشعير بالشعير، ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح إلا سواء بسواء).
стр. 2198
١٠٩٧٢ - قالوا: وهذا عام في التمرة الواحدة والحبة الواحدة، فاقتضى أنه لا يجوز بيعها بتمرتين وحيتين.
قالوا: لأن النبي ﷺ ذكر الأشياء الستة لينبه بها على غيرها، والعلة التي يحفظ أصلها ويلحق غيره به أولى من العلة التي تخص أصلها.
١٠٩٧٣ - ولأن العموم يخص بما يعارضه وينافيه ولا يخص بما يوافقه، والعلة/ المستنبطة من الأصل توافقه في حكمه ولا تخالفه؛ فبطل أن يقع بها تخصيص أصلها.
١٠٩٧٤ - والجواب: أنا تتبعنا الأخبار فلم نجد هذا اللفظ في شيء منها، وإنما الخبر المروي: (الذهب بالذهب)، وروي: (أنه نهى عن الذهب [بالذهب] إلا مثلًا بمثل)، فأما: (لا تبيعوا إلا مثلًا بمثل) فما وجدناه في كتاب يرجع إليه.
ولأن الخبر لم يتناول إلا ما فيه الكيل والوزن؛ بدلالة: أن النبي ﷺ علق الجواز بشرط، وهو التساوي من طريق الكيل والوزن؛ فدل [على] أن فساده لعدم ذلك الشرط، كما قال: (لا تصل إلا طاهرًا)، لما علق جواز الصلاة بالطهارة كان فسادها متعلقًا بعدمها، وهذا إنما يكون فيما يتأتى فيه الكيل، فأما الحبة والحبتان؛ فعندهم لا يجوز بيع بعضها ببعض متساويًا ومتفاوتًا، وعندنا يجوز بيعها على الوجهين جميعًا، فعلم أن الخبر لم يتناول ذلك، وإنا لم نخصه.
١٠٩٧٥ - فإن قيل: نهيه عليه [الصلاة و] السلام عن [بيع] البر بالبر عام في
стр. 2199
القليل والكثير، ثم استثنى منه بيعًا بصفة، وهو ما وجدت فيه المساواة، فما لم يوجد فيه المساواة على أصل النهي.
١٠٩٧٦ - قلنا: لما جعل العلة المجوزة للبيع التساوي في الكيل، فالفساد متعلق بالتفاضل فيه، وذلك لا يكون إلا فيما يمكن كيله، فأما [ما] لا يمكن فلا يجوز أن يتعلق جواز العقد به، ويتساوى الكيل فيه، وجوازه لعدمه. فإذا ثبت هذا، فعلتنا قد حفظت أصلها وعمت جميع ما تضمنه الخبر.
ثم لو سلمنا ما قالوه لم تكن علتنا هي المخصصة للأصل، وإنما يخصه علة أخرى منتزعة من المعدودات، فلا يصح قولهم: خصصت أصلها، وبطل أيضًا قولهم: إن التخصيص يقع بما ينافي الشيء ويخالفه لا بما يوافقه؛ لأنا لم نخصص بالعلة المستخرجة، وإنما خصصنا الأصل من العلة الأخرى.
١٠٩٧٧ - قالوا: روي في خبر عبادة ﵁: (حتى الملح)، والغاية إنما تكون بالأعلى والأدنى، والملح أدنى المأكولات، فصح أن يكون غاية، وهو وغيره في الأكل سواء، فلو كانت العلة الكيل: لم يجز أن يكون الملح غاية.
١٠٩٧٨ - قلنا: الملح أدنى المكيلات المذكورة جعل غاية لذلك، كما أن عندهم لما كان أدنى المأكولات المذكورة جعله غاية.
لذلك قالوا: يجوز ذكر الأشياء الأربعة، وهي تكال على وجه واحد لينبه بها على العلة، فلو كانت العلة الكيل اكتفى بأحدهما، وإنما ذكرها لاختلاف حالها في الأكل؛ لأن البر فوق حالة الاختيار، والشعير فوق حالة الاضطرار، والتمر إدام
стр. 2200
والملح يصلح به المأكولات، فخالف بين حالها ليبين أن العلة هي الأكل.
١٠٩٧٩ - قلنا: الملح ليس بمأكول، وإنما يتبع العلة، فلو كانت العلة لم يذكر الملح.
ولأنه ذكر الأشياء الأربعة، ولو كانت تكال على وجه واحد لبين أنها مكيل أبدًا وإن اختلف العادة فيها وما سواه يقف على العادة. ثم النبي ﷺ ذكر الذهب والفضة وكل واحد منهما مكان الآخر، فالعلة عندهم كونه ثمنًا ثم لم يقتصر على ذكر أحدهما، [كذلك] في المكيلات لا يمنع أن يكون مثله.
١٠٩٨٠ - قالوا: ما دخل الربا في كثيره دخل في قليله، كالأثمان.
١٠٩٨١ - قلنا: الأصل غير مسلم؛ لأن قليل الذهب إذ بلغ حدًا لا يتأتى فيه الوزن سقط الربا فيه، [كما أن قليل البر إذا بلغ إلى حد لا يتأتى فيه الكيل سقط الربا فيه]، فأما إذا كان قليل الذهب موزونًا فهو كقليل البر المكيل، فيثبت فيه الربا.
١٠٩٨٢ - قالوا: الوزن عندكم علة، ثم ثبت الربا عندكم فيما لا يوزن منه، وهو حلي السيوف والخواتم.
١٠٩٨٣ - قلنا: مال كله موزون يتأتى فيه الوزن، وإنما منحه اتصالها بغيرها، فلهذا يعتبر الوزن فيها إذا بيعت بجنسها، وإنما الذهب الذي لا يوزن هو وزن الذهب الذي لا يصح وزن الواحد منه.
١٠٩٨٤ - قالوا: علة الربا بحكم علة الحظر، فالبيع والكيل، علم على الإباحة، فلم يجز أن يكون علة للتحريم والحظر، فإن العلة الواحدة لا تجلب حكمين متضادين في شيء واحد.
стр. 2201
١٠٩٨٥ - قلنا: العلة في فساد العقد عندنا زيادة الكيل، وفي جواز التساوي في الكيل، فعلة كل واحد من الأمرين غير علة الآخر.
١٠٩٨٦ - قالوا: فالكيل أحد الوصفين، [وقد صار وصفًا في علة الحظر، ووصفا في علة الإباحة.
١٠٩٨٧ - قلنا: الوصف يتعين] بانضمام غيره إليه. ألا ترى: أن عندهم الجنس أحد وصفي علة الإباحة، ثم العلة الواحدة توجب تحريم شيء وإباحة غيره، كما أن الحيض يحرم الوطء والصلاة ويبيح الفطر، كذلك الكيل في مسألتنا يحرم الزيادة ويبيح التساوي، وهما أمران مختلفان.
١٠٩٨٨ - وإن قلنا: إن العلة الكيل: لم يلزم ما قالوه؛ لأن ذلك علة لتحريم التفاضل في الجنس وإباحة التساوي فيه، وهما أمران مختلفان.
١٠٩٨٩ - قالوا: الأعيان توزن في بلد ولا توزن في غيره، فيؤدي ذلك إلى أن يكون الشيء الواحد فيه الربا في بعض البلاد دون بعض.
١٠٩٩٠ - قلنا: هذا لا يمتنع؛ لأن العلة إن كانت الكيل تعلق الحكم بها في الموضع الذي وجدت فيه، واختلفت المصلحة باختلاف حال أهل البلد في اعتبارهم الكيل والوزن.
١٠٩٩١ - وهذا كما أن الشمس تغيب في بعض البلاد فيباح الفطر، وهي باقية في غيره فيحرم الفطر، وتزول الشمس في بلد لم تزل فيه الشمس في بلد آخر، فاختلف أهل البلاد باختلاف مطالعهم، ولوجود سبب العبادة فيهم.
١٠٩٩٢ - قالوا: الأكل علة ذاتية والكيل فعلية، والذاتية أشبه بالفعلية، والفعلية أشبه بالشرعية، ولو اجتمعت علة عقلية وشرعية كانت العقلية أولى، كذلك
стр. 2202
ما أشبه العقلية.
١٠٩٩٣ - قلنا: والأكل يختلف؛ ألا ترى: أن الهبيد تأكله العرب ولا يأكله غيرهم، ولم يمنع اختلاف العادة في الأكل أن يكون علة عندهم.
١٠٩٩٤ - ولأن الأكل اعتياد الناس لفعل الشيء، وفعلهم [له، والكيل اعتياد الناس بيعه كيلًا، وفعلهم] لأحدهما كالآخر.
١٠٩٩٥ - قالوا: علتنا يوجد الحكم بوجودها ويزول بزوالها، وعلتكم يوجد بوجودها ولا يزول بزوالها؛ لأن الحنطة إذا زرعت لا ربا فيها؛ لأنها ليست مأكولة، فإذا نبتت وسنبلت ففيها الربا عندنا وعندكم؛ لأنها مطعومة وليست مكلية، فإذا أحرقت وصارت رمادًا فلا ربا فيها وهي مكيلة.
١٠٩٩٦ - قلنا: السنبل فيه الربا؛ لأنه مكيل، وإن تعذر كيله ما لم ينفصل من وعائه؛ فهو كالحنطة في الوعاء، فأما الرماد إذا بيع كيلًا ففيه الربا لوجود العلة، فإن لم يعتد كيله فلا ربا فيه؛ لأنه لا يعتاد بيعه كيلًا.
١٠٩٩٧ - قالوا: الحنطة فيها ربا مطعومة، وكذلك إذا طحنت وإذا خبزت، فإن قلتم: لا ربا فيه؛ خالفتم الإجماع، وإن قلتم: الربا فيه وزنًا؛ جعلتم الجنس الواحد معللا بعلتين.
١٠٩٩٨ - وتحرير هذا: أنه [جنس واحد؛ فوجب أن يجرى فيه الربا بعلتين، كالأثمان.
стр. 2203
١٠٩٩٩ - قلنا: الخبز بالصنعة قد صار في حكم] جنس آخر عندنا، وقد قال أصحابنا: إنه يجوز بيعه بالحنطة متفاضلًا، فلا نسلم أنها عين واحدة عللت بعلتين، بل كل واحدة غير العين الأخرى.
١١٠٠٠ - قلنا: علة تخالف علة أخرى.
١١٠٠١ - قالوا: الكيل والوزن موضوع لمعرفة المقدار، كالعد والذرع؛ فلا يكون علة في وصف الربا.
١١٠٠٢ - قلنا: العد والذرع كل واحد منهما لم يجعل علما للتخلص من الربا، فلم تكن علته فيه، ولما كان الكيل والوزن مقدارًا جعل علمًا للتخلص منه، جاز أن يكون علة فيه.
ولأن المذروعات لا ربا فيها، ولا معنى لطلب العلة فيها.
١١٠٠٣ - ولأن الذرع في المذروع صفة؛ بدلالة: أن من باع ثوبًا على أنه عشرة أذرع فوجده أحد عشر: لم يلزمه رد الزيادة، ولو وجد كون المذروع تسعة أذرع: ثبت له الخيار، كما ثبت لو وجده معيبًا.
والربا لا يثبت بالتفاضل في الصفات، بدلالة: جواز بيع قفيز جيد بقفيز رديء.
١١٠٠٤ - وأما الكيل فليس يجري مجرى الصفات، بدلالة: أن من اشترى طعامًا على أنه عشرة أقفزة، فوجده أحد عشر: رد الزيادة، ولو وجده تسعة: رجع بقسط القفيز من الثمن. فعلم أن الكيل مقدار لإدراك السبب بصفته، والربا يثبت في المقدار.
стр. 2204
١١٠٠٥ - قالوا: الكيل معنى يتخلص به من الربا، فوجب أن لا يكون علة في التحريم، أصله: القبض في المجلس.
١١٠٠٦ - قلنا: التساوي عندنا في الكيل يتخلص به من الربا، فأما الكيل فلا.
ولأن القبض دليلنا؛ لأنه لما كان سببًا للتخلص من الربا كان فقده مؤديًا لوجود الربا كذلك التساوي في الكيل لما كان علمًا على الخلاص كان فقده مؤديًا لوجود الربا.
ولأن القبض ليس سببًا للتخلص من الربا؛ لأن الربا هو التفاضل والنساء، والقبض لا يتخلص فيه في النساء بسبب يمنع فساد العقد ويوجب استقراره، فأما أن يتخلص به من الربا فلا.
١١٠٠٧ - قالوا: زيادة الكيل لا يجوز أن تكون علة؛ لأن التحريم يثبت في الصبرة بالصبرة مع فقد العلم بالزيادة.
١١٠٠٨ - قلنا: إذا قلنا إن زيادة الكيل علة في فساد العقد لم يخرج منه أن العقد
لا/ يفسد بعلة أخرى، ففي الصبرة بالصبرة فسد العقد لمعنى آخر؛ لأن علة الإباحة العلم بالتساوي من طريق الكيل، وقد عدمت فثبت التحريم بفقد علة الإباحة.
١١٠٠٩ - ولأن زيادة الكيل إذا حرمت العقد والتساوي يبيحه، ففي الصبرة يجوز وجود التفاضل فوجب الحكم، ومتى أثرت العلة عند وجودها وأثرت إذا جوز وجودها لم يتحقق، دل ذلك على تأكدها.
١١٠١٠ - احتجوا في علة الأثمان: بأنها علة ولا تنتقض، ولا تخالف نصار ولا إجماعًا.
١١٠١١ - قلنا: هذه الطريقة لا تدل على الصحة؛ لأن المختلفين في المذهب يعلل كل واحد منهما مذهبه بعلة على هذه الصفة، ثم أحدهما بالجملة، فعلم أن
стр. 2205
هذا ليس بدليل.
١١٠١٢ - قالوا: ما لا يدخل الربا في معموله، لا يدخل في غير معموله، كالطين، وعكسه: الذهب والفضة.
١١٠١٣ - قلنا: لا نسلم أن الربا لا يدخل في معمول الحديد والصفر؛ لأن الناس إذا تبايعوا ذلك وزنًا دخل فيه الربا عندنا، فإن تبايعوها عددًا فالمعنى فيه: أنه خرج من حد الوزن، والفضة والذهب لا يخرج من الوزن وإن عمل، فإن كلًا منه ما لا يوزن ولا ربا فيه.
١١٠١٤ - وقولهم: السكاكين المحلاة والخواتيم لا توزن، غلط؛ لأنها موزونة وإنما يتعذر الوزن، ولهذا تباع بمقدار ما نظر فيها من الوزن وزيد ثمنها بزيادته.
١١٠١٥ - فإن قيل: فالحديد مثله.
١١٠١٦ - قلنا: آنية الحديد الذي لا ربا فيه هي التي لا توزن مع إمكان وزنها، وذلك لا يعتبر بالوزن فيها.
١١٠١٧ - قالوا: لو كان الوزن مع الجنس علة لكان الوزن بانفراده يحرم النساء كالطعم عندنا، والكيل عندكم، فلما جاز أن تسلم الدراهم في الزعفران، دل أن الوزن ليس بعلة، وظهر بهذا أن كل عينين جاز أن يسلم أحدهما في الآخر لم يجمعهما في الربا علة واحدة، كالدراهم، والثياب، وعكسه الذهب والفضة.
١١٠١٨ - قلنا: المعنى المضموم إلى الجنس هو الكيل، وذلك يوجد في شيئين متفقين؛ لأن المكيل مثمن أبدًا، فلما اتفقت الأعيان التي جمعتها العلة في هذه الصفة حرم النساء فيها.
فأما الوزن فيوجد في أشياء متفقة كلها مثمنة، كالزعفران، والحديد، والرصاص؛ فوجب تحريم النساء فيها لاتفاقها، كما يوجد في المكيلات، ويوجد في أشياء مختلفة بعضها ثمن وبعضها مثمن، فلما اختلف معناه صار ذلك كاختلاف العلة،
стр. 2206
فجاز أن يسلم بعضها في بعض.
١١٠١٩ - يبين ذلك أن المكيلات كلها تكال على صفة واحدة، والموزونات تختلف، فمنها: ما يوزن بالقبان ولا يقع فيها المسامحة اليسيرة، وهو الذهب والفضة، ومنها: ما يوزن بالقبان ويسامح فيه وهو الحديد والرصاص، فدل ذلك على افترق الحكمين.
١١٠٢٠ - فإن قيل: فيجب أن لا يجوز إسلام التبر والحلي في الزعفران؛ لأن كل واحد منهما مثمن.
١١٠٢١ - قلنا: من أصحابنا من قال ذلك. قال قاضي الحرمين: وجدت الرواية عن أبي حنيفة: أن ذلك لا يجوز. ومنهم من قال: إنه من جنس الأثمان وحكمه حكمها، كما أنه يساويهما في تحريم التفاضل ووجود التقابض، وقد ذكر السمناني في الآحاد: أن ذلك يجوز.
* * *
стр. 2207
مسألة ٥٧٧
اعتبار التقابض عن بيع الحنطة بالحنطة والشعير بالشعير
١١٠٢٢ - قال أصحابنا: إذا باع حنطة، بحنطة، أو شعيرا بشعير بأعيانها؛ لم يعتبر التقابض فيها في المجلس، وجاز بشرط الخيار في العقد.
١١٠٢٣ - وقال الشافعي التقابض شرط ولا يصح الخيار.
١١٠٢٤ - لنا: ما روي عن أبي بكر، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁،قال: (نهى رسول الله ﷺ عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان: صاع البائع وصاع المشتري).
ظاهره أنه إذا جرى الصاعان جاز بيع المشتري وإن لم يقبض بداره
١١٠٢٥ - ولا يقال: إن هذا دليل الخطاب؛ لأن ما بعد الغاية بخلاف ما قبلها، وليس هذا دليل الخطاب وإنما هو حكم النطق.
١١٠٢٦ - وروي (أن النبي ﷺ نهى عن بيع الطعام حتى يقبض).
١١٠٢٧ - ولأنهما عينان من جنس الأثمان؛ فلا يكون التقابض في المجلس شرطًا في عقدهما، كالحديد بالصفر، والحنطة بالجص.
١١٠٢٨ - فإن قيل: المعنى في الأصل: أنهما لا تجمعهما علة واحدة من الربا؛ لم
стр. 2208
نسلم.
١١٠٢٩ - فإن قيل: المعنى فيه: أن أحدهما يجوز أن يكون رأس مال والآخر مسلم فيه لم نسلم.
١١٠٣٠ - فإن قيل: المعنى فيه: أنه ليس بمطعوم ولا ثمن فلم يصح؛ لأن القبض في المجلس يجوز أن يجب في غير المطعوم والأثمان كرأس مال السلم، وعلة الفرع تبطل بالجراد، فإن الجراد مطعوم ولا يعتبر فيه التقابض.
١١٠٣١ - فإن قالوا: لا يعتاد أكله على هذه الصفة، فبطل بالملح واللحم بالملح.
١١٠٣٢ - فإن قيل وضع هذه العلة فاسد؛ لأن ما يجب قبضه إذا كان ثمنًا يجب وإن كان عينًا، كرأس المال، وما لا يجوز قبضه إذا كان عينًا لا يجب إذا كان ثمنًا، كعوض الثوب.
١١٠٣٣ - قلنا: للأثمان في القبض حكم لا يوجد لغيرها، بدلالة: أن العقد عليها انفرد باسم اقتضى التقابض وهو الصرف، والأعيان لا يوجد فيها هذا المعنى.
١١٠٣٤ - ولأن السلم دليلنا؛ لأن قبض رأس المال لما وجب إذا أسلم موزونًا في مكيل، كذلك إذا أسلم موزونًا في موزون، مثل الدراهم في الحديد في البيع لو باع مكيلًا بموزون لم يستحق القبض، كذلك إذا باع مكيلًا بموزون لم يستحق القبض أيضًا.
١١٠٣٥ - ولأنهما مأكولان فلا يجب قبضهما في المجلس، كالجراد بالجراد، والسمك بالسمك.
ولأنه خارج من عقود الصرف، فلم يعتبر قبض بدله في الجنس، كبيع الثياب بالدراهم.
١١٠٣٦ - ولا يلزم إذا باع قفيزًا من صبرة بقفيز من صبرة أخرى؛ لأن القبض
стр. 2209
في المجلس لا يعتبر عندنا، وإنما يعتبر المعتبر، وأن كل عين لو بيعت بالدراهم لم يكن من شرط صحة العقد التقابض في المجلس، فإذا بيعت بجنسها وجب أن لا يكون إلا بشرط التقابض كالحديد.
١١٠٣٧ - ولأن ما لا يجري في حق الوارث من الزكاة لا يعتبر في العقد عليه التقابض، كما ذكرنا، وعكسه: جنس الأثمان.
ولأن العقد إذا تناول بدلين يجوز السلم في جنس واحد منهما؛ لأن التقابض ليس بشرط في المجلس، أصله ما ذكرناه.
ولأن الحنطة إذا بيعت بالشعير فهما جنسان لا يقوم المستهلك فيهما، فلم يجب التقابض فيهما في المجلس، كسائر الأجناس.
١١٠٣٨ - والدليل على جواز شرط الخيار في العقد: قوله ﵊: (إذا بعت، فقل: لا خلابة ولك الخيار).
١١٠٣٩ - ويذكر فيه ما قدمناه من العلل؛ ولأن الحنطة تارة تكون ثمنًا وتارة تكون معينة، فجاز [شرط الخيار فيها، كالفلوس.
١١٠٤٠ - ولأنه أحد نوعي الخيار؛ فجاز] أن يثبت في بيع الحنطة بالحنطة أصله: خيار العيب.
١١٠٤١ - احتجوا: بحديث عبادة بن الصامت ﵁: أن النبي ﷺ قال: (لا تبيعوا الذهب بالذهب، ولا الورق بالورق، ولا البر بالبر، ولا الشعير بالشعير، ولا التمر بالتمر، ولا الملح بالملح، إلا سواء بسواء، يدًا بيد، عينًا بعين).
١١٠٤٢ - فقوله: (يدًا بيد) يقتضي التقابض ثم أجرى المطعوم مجرى الأثمان،
стр. 2210
وفي الأثمان لا يجوز التفرق قبل القبض.
ثم قال: (ولكن بيعوا البر بالشعير كيف شئتم يدًا بيد).
١١٠٤٣ - الجواب: أن قوله (يدًا بيد) يفيد التعيين وأنه لا يباع نساء، ولا يفيد التقابض.
الدليل على ذلك الشرع، والعرف، واللغة:
١١٠٤٤ - أما الشرع: فروي (أنه عليه [الصلاة و] السلام نهى عن بيع الحيوان بالحيوان إلا يدًا بيد)، وروي: (أنه ﷺ سئل، فقيل: إنا نبيع الفرس بالأفراس، والنجيبة بالنجائب،، فقال: لا بأس به يدًا بيد)، ومعلوم أن الحيوان بالحيوان اعتبر فيه التعيين دون التقابض.
١١٠٤٥ - وأما العرف، فيقال: فلان يبيع يدًا بيد، معناه أنه لا يبيع نساء وإن لم يقبض في المجلس.
следующие страницы →