Полный текст (6 324 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
مسألة ٦٥٢
ملك الكافر للعبد المسلم
١٢٨١٨ - قال أصحابنا: يجوز أن يملك الكافر العبد المسلم بالميراث، والشراء، والهبة، والوصية.
١٢٨١٩ - وقال الشافعي: يملك بالميراث قولًا واحدًا، وأما في العقود: فقال في عامة كتبه: إنه يملكه ويجبر على بيعه، وقال في الأصل: العقد باطل.
لنا: حديث عمر ﵃ أن النبي ﷺ قال: (من باع عبدًا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع).
ولأنه عبد لو اشتراه المسلم صح، فإذا اشتراه الكافر ملكه، كالعبد الصغير إذا أسلم.
١٢٨٢٠ - فإن قيل: المعنى فيه: أن الكفر لا يمنع من استدامة ملك.
١٢٨٢١ - لم نسلم ذلك، بل نقول: إنه يمنع من الاستدامة، كالمسلم الكبير.
١٢٨٢٢ - ولأنه عبد يصح للكافر بيعه فصح شراؤه، كالعبد الكافر، والعبد الصغير إذا أسلم.
١٢٨٢٣ - ولأن المبيع أحد شطري العقد، فإذا ملكه الكافر من المسلم ملك الشطر الآخر.
١٢٨٢٤ - فإن قيل: البيع إزالة ملك، والشراء اجتلاب الملك، وفرق/ بين
стр. 2522
الأمرين. بدليل: أن الكافر إذا أسلمت امرأته وطلقها لا يجوز أن يتزوج المسلمة.
١٢٨٢٥ - قلنا: الكفر يزيل ملكه بأحد شطري العقد، فلذلك جاز أن يختلف ملك الآخر.
وفي النكاح لا يزيل ملكه بأحد شطري العقد، ولو جاز أن يزيل ملكه بأحد شطري النكاح [جاز أن يستفيد الملك بالشطر الآخر؛ لأن الإمساك لا يفصل بين الشطرين].
١٢٨٢٦ - فإن قيل: الكفر لا يمنع من استدامة البيع فلم يمنع من البيع، ولو منع من استدامة الشراء منع من الشراء.
١٢٨٢٧ - قلنا: البيع لا يوصف بالاستدامة ولا الشراء، وإنما يستديم ملك ما اشتراه فيمنع منه، والمانع بعد البيع ليس يستديم لشيء حتى يقال: إنه لا يمنع الاستدامة.
١٢٨٢٨ - ثم الشراء لا نسلم أنه يمنع من استدامة الشراء؛ لأنا لا نأمره بالفسخ، وإنما نأمره بأن يزيل يده، فإذا أزالها انقطع الملك، وإن أزالها بالكتابة جاز، وليس في الكتابة إزالة الملك، وكلاهما استدامة الشراء؛ لأنه لا يتعرض له بالفسخ.
١٢٨٢٩ - قالوا: في بيعه ذل المسلم، وفي الشراء [منه إزالته].
١٢٨٣٠ - قلنا: إذا لم نملكه من استخدامه وأجبرناه على إزالة يده لم يوجد الذل.
١٢٨٣١ - فإن قالوا: أليس في العقد ذل.
١٢٨٣٢ - قلنا: لنفوذ تصرفه بالبيع أيضًا ذل.
١٢٨٣٣ - قالوا: ليس يمنع أن يجوز له البيع، ولا يجوز له الشراء، كما لا
стр. 2523
يجوز له أن يشتري أباه وأم ولده، ولا يجوز بيعهما إذا وجد هناك مبيع، وهو إذا كان وكيلًا في الشراء.
١٢٨٣٤ - أما إذا اشترى لنفسه لم يبق بعد الشراء مبيع؛ لأن الولد يعتق وأم الولد يستقر فيها الاستيلاد.
١٢٨٣٥ - ولأن كل من جاز أن يملك العبد المسلم بالإرث جاز أن يملكه بالشراء، كالمسلم.
١٢٨٣٦ - فإن قيل: الميراث يدخل في ملكه بغير فعله، والشراء استخلاف الملك بفعله، وحكم الأمرين مختلف، ولهذا يرث المحرم الصيد، ولو اشتراه أو اصطاده لم يملكه.
١٢٨٣٧ - قلنا: المحرم ممنوع من العقد على الصيد، وليس ممنوعًا من استدامة الملك، ولهذا لو كان وكيلًا بالشراء لم يجز، وليس في الميراث بملك من جهته.
١٢٨٣٨ - وأما في مسألتنا: فالكافر غير ممنوع من العقد، وإنما هو ممنوع من البقاء على الملك؛ بدلالة: أنه لو اشتراه جاز، والملك موجود في الميراث، والشراء على وجه واحد، فلما جاز أن يثبت له الملك بأحد الشيئين جاز أن يثبت بالآخر.
١٢٨٣٩ - ولأن كل معنى في العاقد يمنع العقد مع صحة القبول إذا وجد بعد العقد قبل القبض أبطل العقد، كالإحرام في العقد على الصيد، فلما كان الكفر طرأ بعد العقد قبل القبض لم يبطل العقد، دل على أنه لا يبطل العقد.
١٢٨٤٠ - ولا يلزم: الحيوان؛ لأنه [قد] يمنع إذا قارنه، وقد لا يمنع إذا كان له قصد.
стр. 2524
ولأنا قلنا مع صحة القبول.
١٢٨٤١ - ولأن المانع من العقد إذا لم يقصد عنده قصد إليه، بدلالة: أن المجنون إذا كان يقصد البيع صح بيعه عندنا، والعقد بعد الانعقاد لا يفتقر إلى القصد.
١٢٨٤٢ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾.
١٢٨٤٣ - الجواب: أن المراد به: أحكام الآخرة، بدلالة: قوله تعالى: ﴿فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا﴾.
١٢٨٤٤ - وقد قيل: [إن] المراد به: الحجة سبيل الذود والقدرة، بدلالة: أن المراد لو كان سبيل الملك لكان خبر الباري قد وجد بخلاف ما أخبر؛ لأنه قد جعل عليه سبيلًا بالميراث.
١٢٨٤٥ - يبين ذلك: أنا إذا حملنا الآية على أحد هذين أمكن تبقية عمومها، وعلى ما قالوا: لا يمكن تبقية عمومها، فكان التأويل المبقي للعموم أولى.
١٢٨٤٦ - احتجوا: بقوله عليه [الصلاة] والسلام: (الإسلام يعلو ولا يعلى عليه).
١٢٨٤٧ - قلنا: لا دلالة فيه، أن الإسلام عندنا يعلو الأديان كلها في ظهور الحجة، وليس في الخبر: أن المسلم يعلو ولا يعلى.
١٢٨٤٨ - قالوا: حرمة الإسلام إذا منعت من استيفاء الملك على الدوام منعت ابتداء الملك، كالنكاح.
стр. 2525
١٢٨٤٩ - قلنا: لا نسلم أنه يمنع من استيفاء الملك على الدوام؛ لأنه يكاتبه عندنا ويستديم الملك ثم يملك تسلم المولى فيقر على الملك أبدًا، ويعتقه فيستديم أحكام الملك وهو الولاء، وفي النكاح لا يجوز أن يملك ما ابتدأ بحال، وإذا أسلمت تحته وجب قطع الملك، ثم لا يجوز أن يبقى الملك على التأييد.
١٢٨٥٠ - ولأنه يجوز أن يملك بالشراء فلا يستديم الملك فيه، كما لو اشترى مالًا تجب فيه الشفعة.
١٢٨٥١ - ثم المعنى في النكاح: أنه ينعقد على الاستباحة، ولا يجوز أن يستفرش الكافر المسلمة، فلم يجز أن يعقد عليها مع عدم المعقود عليه، كما لا يعقد على ذوات محارمه.
١٢٨٥٢ - وفي مسألتنا: العقد يقع على الملك، ويجوز أن يملك الكافر المسلم، والمعقود عليه موجود فانعقد العقد.
١٢٨٥٣ - أو نقول: إن الكافر لا يجوز أن يستفيد بنكاح المسلمة تصرفًا مقصودًا بالنكاح، فلم ينعقد العقد، ولا فائدة فيه، والكافر يستفيد بهذا العقد تصرفًا مقصودًا، وهو أنه يجوز أن يعتق ويكاتبه، والبيع من التصرف المقصود، فلذلك جاز أن ينعقد عقده.
١٢٨٥٤ - قالوا: كل معنى إذا طرأ على الملك كلف برفع يده عنه، فوجوده مانع من ابتداء الملك، أصله: الإحرام في الصيد.
١٢٨٥٥ - قلنا: لا نسلم أن الإحرام إذا طرأ على ملك الصيد كلف إزالة اليد، وإنما يمنع عن إيقاع الفعل فيه، ولو كان في قبضته أو داره لم يؤمر بإزالة اليد الحكمية عنه.
стр. 2526
١٢٨٥٦ - ثم الصيد دليلنا؛ لأن الإحرام لو طرأ بعد عقد أبطل العقد، كذلك إذا وجد مع العقد. وأما الكفر: فمعني في العاقد إن وجد بعد العقد قبل القبض لم يبطل العقد، كذلك إذا قارن العقد مع صحة القبول.
١٢٨٥٧ - قالوا: منع من استدامة الملك الثابت وأمر بقطعه؛ لأن فيه أمرًا بوجود هذه العلة.
١٢٨٥٨ - قلنا: إذا كان المنع لأجل الاستدامة أو الحرمة فليس في نفس العقد استدامة ولا يترك للحرمة؛ ألا ترى: أن حرمة الأب أعظم من حرمة المسلم من حق الكافر؛ لأن حرمة الأب منعت من استخدام الأب بالإجارة ومن الحبس بدينه، والقطع بسرقة ماله، ومن بقاء القصاص له عليه، وحرمة الإسلام لا تمنع من استخدام الكافر بالإجارة والحبس بدينه والقطع بماله، و [وجوب] القصاص له عليه إذا قتله وهو كافر ثم أسلم.
ثم هذه الحرمة لم تمنع من ابتياع الابن وثبوت ملكه بالشراء، وإنما منعت من الاستدامة، وكذلك حرمة الأب مثله.
١٢٨٥٩ - فإن قيل: إنما لم يمنع الأب الابتياع؛ لأنه يؤدي إلى نفع عظيم وهو العتق.
١٢٨٦٠ - قلنا: يجوز أن يشتري الابن الكافر أباه المسلم؛ لأنه يفتقر إلى ذلك البيع.
١٢٨٦١ - ولأن الاستدلال إنما يكون بالتمكن منه والتبقية، وإذا لم يبق على ملكه زال هذا المعنى.
١٢٨٦٢ - فإن قيل: فيجب إذا قال: لا أستخدمه، أو أجره سنين كثيرة أن يترك على ملكه.
стр. 2527
١٢٨٦٣ - قلنا: إذا وجد لم يلزمه الوفاء به، فإذا أجره انفسخت الإجارة بالعذر فعاد إلى خدمته.
١٢٨٦٤ - قالوا: عبد مسلم، فلا يصح للكافر أن يملكه، كالمدبر.
١٢٨٦٥ - قلنا: لا نسلم أنه لا يجوز أن يملكه، بأن يبتاعه ويحكم حاكم بجواز البيع.
١٢٨٦٦ - ولأن المدبر عبد لا يملكه المسلم بالوصية فلا يملكه الكافر بالشراء، والعبد الذي يملكه الكافر بالإرث يملكه بالشراء.
١٢٨٦٧ - قالوا: الشراء إنما يصح إذا قصد به أحد أمرين: قربة، أو ربح.
١٢٨٦٨ - فالقربة: أن يشتري أباه أو جده، والربح: أن يبتاعه فيبيعه على إجارة فيربح، فإذا عقد العقد من هذين العوضين لم يصح، كشراء الحرائر.
١٢٨٦٩ - ومعلوم أن الكافر ليس من أهل القرب، ولا يصل إلى الربح؛ لأن من باع مكرهًا لم يحصل له ربح طيب.
١٢٨٧٠ - قلنا: قد يشتريه ليعتقه، وهذا غرض صحيح، وهو وإن لم يكن من أهل القرب حكمًا فقد قصد القرب، وقد يبتاعه فيكاتبه على المال الكثير، فيحصل له الربح، ويعتقه على ماله فيحصل به البدل الكثير في ذمته.
١٢٨٧١ - قالوا: لو جوزنا الشراء وألزمناه البيع حتى لا يستبدله جاز أن يبيعه من كافر، ويبيعه الكافر من مثله، فيدوم ذلك عليه أبدًا.
١٢٨٧٢ - قلنا: إذا باعه من كافر عزرناه وأجزنا بيعه، إلا إن عز المشتري، ولم يقصد أن يبيعه من كافر.
* * *
стр. 2528
مسألة ٦٥٣
بيع وإجارة أراضي مكة
١٢٨٧٣ - قال أبو حنيفة: لا يجوز بيع أراضي مكة، ولا إجارة بيوتها.
١٢٨٧٤ - وروى الحسن عنه جواز ذلك، وهو قول الشافعي.
١٢٨٧٥ - لنا: ما روى إسماعيل بن إبراهيم بن المهاجر، عن أبيه، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر ﵄؛ أن النبي ﷺ قال: (لا يحل بيع بيوت مكة، ولا إجارتها)، ذكره الطحاوي.
وذكر الدارقطني عن إسماعيل [بن إبراهيم] بن مهاجر/ عن أبيه، [عن عبد الله ابن باباه]، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : (مكة مناخ لا تباع رباعها، ولا تؤاجر بيوتها).
стр. 2529
١٢٨٧٦ - وروى أبو حنيفة، عن عبيد الله بن أبي زياد، عن أبي نجيح، عن عبد الله بن عمرو ﵃ أن رسول الله ﷺ قال: (مكة حرام، وحرام بيع رباعها، وحرام أجر بيوتها).
١٢٨٧٧ - قال الدارقطني: وهم أبو حنيفة في هذا الحديث، فقال: ابن أبي يزيد، وهو ابن أبي زياد، والصحيح أنه موقوف.
١٢٨٧٨ - قلنا: هذا غلط؛ لأن أبا حنيفة روى الحديث وفيه ابن أبي زياد، ذكره محمد في الآثار.
وقال الدارقطني في كتابه هكذا، ثم رواه من طريق وفية ابن أبي يزيد، فلو لم يحصل الوهم أنه دخل على ما روي عنه إذا كان المعروف عن أبي حنيفة، وقد بيناه.
١٢٨٧٩ - ويدل عليه: ما روي عن علقمة بن نضلة قال: (توفي رسول الله ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان، ورباع مكة تدعى السوائب، من احتاج سكن، ومن
стр. 2530
استغنى أسكن)، ولو جاز البيع ما دعيت السوائب.
١٢٨٨٠ - ٍوقولهم:- إن هذا اسم للصيد دون الأراضي غلط؛ لأن هذا لكل مال لا ملك عليه.
١٢٨٨١ - فإن قيل: إنما كان كذلك [لأن أكثرها وقوف.
١٢٨٨٢ - قلنا هذا تجدد بعد العجلة، وفي البراء ما كانت كذلك] على عهد رسول الله ﷺ ، والأئمة.
١٢٨٨٣ - ولهذا استدل أصحابنا بقوله تعالى: ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنًا﴾، فلو لم تكن مواضع نزولهم غير مملوكة عليهم ولا ممنوع منها لم يكن أن يكون قضى به، ولهذا منع النبي ﷺ أن يحل له ظل بيت، وقال: (منى مناخ لمن سبق)؛ لأن الناس يحتاجون إلى حضورها لأداء المناسك، فسوى بينهم فيها، وهذا موجود في مكة.
١٢٨٨٤ - فإن قيل: لو كان كذلك لمنع من بنائها.
١٢٨٨٥ - قلنا: دعت الحاجة إلى بنائها يسكنها من يجاور البيت ويقوم بعمارتها، فثبت لهم البناء، ولم يسقط حق جميع الناس بحاجتهم إلى السكنى، ولهذا المعنى ألزم أبو حنيفة الناس أن يسلموا ما جاوروا المسجد ليتوسع به، وقال لهم: أنتم نزلتم على المسجد، وقد احتاج إلى ما أخذتموه لزواره.
стр. 2531
١٢٨٨٦ - واحتج بقوله تعالى: ﴿والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواءً﴾ الآية.
والمسجد اسم للحرم؛ قال ابن عباس ﵃: (الحرم كله مسجد)، وقال الله سبحانه: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا﴾، الآية، والمراد به: بيت خديجة [﵂].
وقال تعالى: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾. [وقال] تعالى: ﴿ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام﴾.
١٢٨٨٧ - فإن قيل: الحقيقة تقتضي المسجد، فلا يعدل عنه إلا بدليل.
١٢٨٨٨ - قلنا: إذا كان في الشرع استعمال الحرم فيه صار حقيقة بالشرع.
١٢٨٨٩ - ولأنه تعالى قال: ﴿ومن يرد فيه بإلحاد بظلم﴾، وهذا الحكم
стр. 2532
يتعلق بالحرم ولا يختص بالمسجد.
١٢٨٩٠ - ويدل عليه: ما روي (أن عمر بن الخطاب ﵃ كان يضرب أهل مكة حتى لا يغلقوا بيوتهم ليلًا مخافة أن يطرقهم الغريب)؛ فلو كانت ملكًا لهم لم يمنعهم من إغلاقها [ولأننا نوجب على المحرم أن] يضمن صيدها بالجزاء، ولا يجوز الإحرام بالعمرة منها، ولا يجوز الدخول إليها مع إرادة النسك: الإحرام، فصار كموضع السعي والصفا والمروة.
١٢٨٩١ - ولأنها بقعة من الحرم؛ فلم يجز بيعها، كالصفا، ومواضع الجمار ومنى.
١٢٨٩٢ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿للفقراء المهاجرين﴾ الآية، فأضاف الديار إليهم، وإنما أخرجوا من مكة، فثبت أنها كانت ملكًا لهم؛ لأنها إضافة ما يملك إلى من يملك، ولأن التمليك يقتضي حقيقة الملك.
١٢٨٩٣ - الجواب: أنا لا نسلم أنه أضاف ما يصح أن يملك، وإنما كقوله: أوقف لفلان.
١٢٨٩٤ - ولأنه أضافه إليهم إضافة سكنى وتخصيص، كما قال الله تعالى: ﴿وقرن في بيوتكن﴾، فأضاف بيوت النبي إلى نسائه.
١٢٨٩٥ - قالوا: لو قال هذه الديار لزيد، وقال: أردت أن له سكناها، لم يقبل قوله؛ لأنه أضاف إضافة تقتضي التخصيص. وإن لم يرد الملك فلابد من
стр. 2533
السكنى واليد، وإذا أثبت له اليد كان القول قول المقر له في الملك.
١٢٨٩٦ - احتجوا: بحديث أبي هريرة ﵃: أن النبي ﷺ قال يوم الفتح: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن).
١٢٨٩٧ - قالوا: روى أسامة بن زيد الليثي: (أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح، قيل له: ألا تنزل في دارك؟، قال: وهل ترك لنا عقيل من رباع، لا يرث الكافر المسلم، ولا المسلم الكافر).
١٢٨٩٨ - وفيه أدلة ثلاثة، أحدها: أنهم أضافوا إليه داره، والثاني: أن أبا طالب كان كافرًا وخلف عقيلًا، وطالبًا، وعليًا، وجعفرًا، وبنتين، فورثه ولداه الكافران، فلم يبق لعلي ولا لجعفر شيء. [والثالث أنه] كانت العادة أن الملك لا يورث طالما كان مشغولًا.
١٢٨٩٩ - (وهل ترك عقيل لنا من رباع؟ (يعني: باعها كلها، فثبت أن بيعها جائز.
١٢٩٠٠ - الجواب: عن هذه الأخبار من وجهين، الجواب الأول: أن الإضافة اختصاص وتصرف وسكنى.
١٢٩٠١ - والثاني: قال أصحابنا: كانت مملوكة، فجرى بيعها بعد الفتح،
стр. 2534
فالإضافة في تلك الحال كانت صحيحة.
١٢٩٠٢ - قالوا: لم يزل الناس يتبايعون منازل مكة فيؤاجرونها، فصار ذلك إجماعًا.
١٢٩٠٣ - قلنا: لا يعتبر فعل الناس إذا أنكره العلماء، وقد كان عبد الله بن عمر ينكر ذلك، وقد بينا أنها كانت تدعى على عهد الأئمة السوائب.
١٢٩٠٤ - وقال مجاهد: مكة مناخ، لا يحل بيع رباعها، ولا إجارة بيوتها.
١٢٩٠٥ - وكان عطاء بن أبي رباح يكره [القول بأن] فيها ما يمنع من بيعها، فوجب أن يجوز بيعها، كسائر الدنيا.
١٢٩٠٦ - قلنا: لا نسلم أن فيها حدثًا يمنع البيع.
١٢٩٠٧ - ولأن سائر البقاع لا يجب على جميع الناس قصدها، فلم يجز أن ينفرد بها بعضهم، كمواضع السعي.
١٢٩٠٨ - وكما قالوا: أحد الحرمين، فوجب أن يكون منه ما يجوز بيعه، [كالمدينة.
١٢٩٠٩ - قلنا: المدينة بلدة يجوز دخولها بغير إحرام، فكان فيها ما يجوز بيعه]، ومكة بخلافه.
* * *
стр. 2535
مسألة ٦٥٤
بيع لبن الآدمية
١٢٩١٠ - قال أصحابنا: لا يجوز بيع لبن الآدمية.
١٢٩١١ - وقال الشافعي: جائز.
١٢٩١٢ - لنا: أن الصحابة قضوا في ولد المغرور بالقيمة، ولم يوجبوا عليه قيمة لبنها، فلو كان مقومًا يجوز بيعه أوجبوا ضمانه.
١٢٩١٣ - ولا يقال: يجوز أن تكون لم ترضع الصبي؛ لأنه كان يجب أن يبينوا ذلك ويسألوا عنه.
ولأنه ليس في العادة أن المرأة تربي ولدها ولا ترضعه.
١٢٩١٤ - فإن قيل: إذا لم يأمرها بالرضاع لم يضمن.
١٢٩١٥ - قلنا: اللبن غير مقوم عندكم، فإذا تلفت في يد الغاصب ضمنها، وإن لم يكن له في تلفها صنع.
١٢٩١٦ - ولأنه لبن آدمية، فلم يجز بيعه، كما لو انفصل بعد موتها.
стр. 2536
١٢٩١٧ - فإن قيل: ذلك لا يجوز الانتفاع به لم نسلم؛ لأن اللبن لا ينجس بالموت عندنا.
ولأن كل ما لو انفصل بعد موت الحيوان لم يجز إذا انقضى حال حياته، كاللحم والشعر، وعكسه: الشاة على أصلنا.
١٢٩١٨ - ولأنه ليس بلبن محرم لا يؤكل، كلبن الحمارة.
١٢٩١٩ - ولأنه مائع متولد للآدمي ولا سبب يوجب التحريم المؤبد، كالمني.
١٢٩٢٠ - فإن قيل: المعنى في ذلك في المني أنه لا يجوز الانتفاع به واللبن بخلافه.
١٢٩٢١ - قلنا: جواز الانتفاع يستدل به على جواز البيع؛ بدلالة: الماء في الأنهار والأدوية، وينتفع بالخبز.
١٢٩٢٢ - وعلى أصلنا: النحل ودود القز، وعلى أصلهم: الكلب.
١٢٩٢٣ - ولأنه لا يجوز بيع لحمها، فلم يجز بيع لبنها، كالفهد، وهذا على إحدى الروايتين، فإن لحم ما لا يؤكل لحمه لا يجوز بيعه.
١٢٩٢٤ - ودليل محمد بن الحسن: أن لبن الآدمية لو جاز بيعه لم يجز عقد الإجارة على استدامته، كلبن الشاة، ولهذا لم يجز استئجاره بالثمن بالإجارة.
١٢٩٢٥ - وطرد العلة على أصلنا: المنافع لما جاز استحقاق استهلاكها بعقد الإجارة لم يجز بيعها.
١٢٩٢٦ - فإن قيل: عقد الإجارة يقع على اللبن الذي في الضرع، وذلك لا يجوز بيعه، وإنما يجوز بيع اللبن المنفصل، وذلك لا تتناوله الإجارة.
١٢٩٢٧ - قلنا: لو جاز بيعه إذا انفصل لم تجز الإجارة على استهلاكه ما دام في الضرع، كلبن الشاة؛ ثم هذا ليس بصحيح، فإن الآدمية إذا استؤجرت على رضاع
стр. 2537
الصبي، وما يسقيه مما انفصل من لبنها قبل الإجارة استحقت الأجرة، ولو لم يتناول العقد اللبن المنفصل لم تستحق الأجرة، كما لو سقته لبن شاة.
١٢٩٢٨ - فإن قيل: استحق إتلافها بعقد الإجارة، ويجوز بيعها.
١٢٩٢٩ - قلنا: العقد على الصبغ عندنا عقد إجارة على العمل وبيع الصبغ، وقد كان القياس يمنع جوازه، وإنما أجزناه لتعامل الناس عليه في سائر الأعصار.
١٢٩٣٠ - يبين الفرق بينهما: أن الصبغ لابد أن يكون معلومًا، فيقول: اصبغه: بعضه عصفرًا وبعضه كذا، فيكون العصفر على مقدار الصبغ، وفي الرضاع يجوز وإن لم يبين مقدار اللبن، ولا يبين صفة يصير بها معلومًا.
١٢٩٣١ - فإن قيل: إذا استأجر أرضًا أو رحى استحق الماء، وكذلك إذا استأجر دالية استحق بها النهر ومع ذلك يجوز بيع الماء.
١٢٩٣٢ - قلنا: إنما جاز ذلك لأن العقد يقع/ على المنافع، والماء تبع، كذلك ها هنا يقع على الحضانة، ويستحق عليها اللبن، كما لو استأجر أرضًا استحق الماء وإن لم يسمه.
١٢٩٣٣ - على أن العقد يقع على الأرض عندنا دون الماء؛ بدلالة: أنه لو استأجر الأرض التي تشرب بماء السماء لا يجوز أن يكون ماء السماء معقودًا عليه. وكيف يستحق الماء بالعقد وليس المؤجر أولى به من المستأجر.
١٢٩٣٤ - يبين ذلك: أن المستأجر لو منع من الانتفاع بالأرض، فسار الماء إلى أرض له أخرى لم يجب عليه شيء، ولو منع الشرب الماء لم يستحق العقد، وبمثله
стр. 2538
لو استأجر امرأة لترضع صبيًا فأرضعته لبن امرأة أخرى لم تستحق الأجرة، فثبت أن العقد تناول عين اللبن، ولم يتناول الماء.
١٢٩٣٥ - ولأنه منفصل عن الآدمي لا حياة فيه، كالدم.
١٢٩٣٦ - احتجوا: بقوله تعالى ﴿وأحل الله البيع﴾.
١٢٩٣٧ - قلنا: البيع ما وقع على مبيع مقوم، بدليل: أنه لو قال: بعتك الهواء لم يكن بيعًا، ونحن لا نسلم أن لبن الآدمية مقوم.
١٢٩٣٨ - وقولهم: أن يقول: باع الحر، فلأنهم يغلطون فيصورون ما ليس بمقوم مقومًا ويسمونه بيعًا كذلك.
١٢٩٣٩ - قالوا: لبن طاهر جاز بيعه، كلبن الشاة، وربما قالوا: لبن يحل شربه من غير حال الضرورة، وربما قالوا: مائع للشرب؛ فجاز بيعه، كسائر الأشربة.
١٢٩٤٠ - الجواب: أن العبارة الأولى تبطل بتحريم صيد الحرم، والمعنى فيما ذكر، أنه قال: لا يستحق بعقد الإجارة استهلاكه، ولما كان هذا اللبن يستحق بعقد الإجارة استهلاكه لم ينعقد البيع عليه.
١٢٩٤١ - قالوا: طاهر منتفع به، وليس في بيعه إسقاط حق الآدمي، فوجب أن يصح بيعه. أصله: سائر الأموال.
١٢٩٤٢ - قلنا: نقلب فنقول: فلا يجتمع استحقاقها بالبيع، واستحقاق استهلاكها بعقد الإجارة، أصله: سائر الأموال.
* * *
стр. 2539
مسألة ٦٥٥
بيع الزيت النجس
١٢٩٤٣ - قال أصحابنا: يجوز بيع الزيت النجس.
١٢٩٤٤ - قال الحسن عن أبي حنيفة: وكذلك العسل الذائب والخل، وكذلك ما يؤكل.
١٢٩٤٥ - وقال الشافعي: لا يجوز بيعه ولا هبته، ولكن يستحقه الموهوب له. وفي الماء النجس وجهان، وهل يطهر بالغسل، قالوا: فيه وجهان.
١٢٩٤٦ - لنا: ما روى معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵃ (أن النبي ﷺ سئل عن فأرة وقعت في سمن؟، قال: إن كان جامدًا فخذوها وما حولها وألقوه، وإن كان ذائبًا أو مائعًا فاستصبحوا به، أو قال: فانتفعوا به)، والانتفاع عام في البيع وغيره.
١٢٩٤٧ - وروى الزهري، عن سالم، عن ابن عمر أنه أخبره: (أنه كان عند النبي ﷺ حيث سأله رجل عن فأرة وقعت في ودك لهم، قال: أجامد؟ قال: نعم،
стр. 2540
قال: اطرحوها واطرحوا ما حولها، وكلوا ودككم، قالوا: فإن كان مائعًا؟ قال: فانتفعوا به ولا تأكلوا).
١٢٩٤٨ - وذكر الخبر الأول الطحاوي، والثاني أبو بكر الرازي في أحكام القرآن، والانتفاع عام في البيع وغيره.
١٢٩٤٩ - وذكر الطحاوي، عن علي ﵃ قال: (ينتفع بالسراج).
١٢٩٥٠ - وذكر مسروق، عن ابن مسعود ﵃ في فأرة وقعت في سمن قال: (إن كان ذائبًا استصبح به).
١٢٩٥١ - وذكر نافع، عن ابن عمر ﵃ (أنه أمرهم أن يستصبحوا به ويدهن به الجلود).
١٢٩٥٢ - وذكر ابن سيرين: (أنهم أتوا سويقًا فوجدوا فيه وزغة ميتة، فقال أبو موسى: لا تأكلوه وبيعوه، ولا تبيعوه من المسلمين، وبينوا لمن تبيعونه منه)، فأجاز أبو موسى بيعه، ولم يحك عن أحد من الصحابة خلافه.
ولأن ما جاز الاستصباح به جاز بيعه، كالطاهر.
١٢٩٥٣ - ولأنه مائع يجوز بيعه قبل مخالطة النجاسة؛ فجاز بيعه بعدها، كالقلتين من الماء.
١٢٩٥٤ - ولا يلزم: النجاسة إذا غلبت؛ لأن ظاهر الكتاب [يقتضي] جواز
стр. 2541
بيعه، وكان أبو بكر الرازي يقول: لا يجوز بيعه، فعلى قوله التعليل للجواز؛ ولأنها نجاسة عين طرأت على عين، [فلا يمنع جواز البيع، كالزيت النجس.
١٢٩٥٥ - ولأن الدهن يطهر بالغسل؛ والدليل عليه: أنها نجاسة عين طرأت على عين] يتأتى فيها الغسل، فجاز أن تطهر، كالثوب.
١٢٩٥٦ - احتجوا: بما روي عن ابن عباس ﵃: أن النبي ﷺ قال: (قاتل الله اليهود، حرمت عليهم الشحوم فباعوا وأكلوا ثمنها، وإن الله إذا حرم [على قوم] أكل شيء حرم عليهم ثمنه).
١٢٩٥٧ - والجواب: أن المحرم ليس هذا الثمن، وإنما هو النجاسة، والسمن غير النجس لم يحرم أكله، وأما النجاسة فلا، وهكذا لو باع ثوبًا نجسًا أو دارًا فيها نجاسة أن الثمن لم ينجس.
١٢٩٥٨ - قالوا: روى أبو هريرة ﵃ أن النبي ﷺ قال في -الفأرة تقع في السمن-: (إن كان جامدًا فألقوها وما حولها، وإن كان مائعًا فأريقوه).
١٢٩٥٩ - قالوا: ولو كان مالًا لم يؤمر بإلقائه؛ لأنه لا يجوز إضاعة المال.
١٢٩٦٠ - قلنا: معنى قوله: (وألقوه (أي: لا تأكلوه؛ بدلالة: أنه ذكر في الخبر الانتفاع به، وبدلالة: أنه لا يجب تضييعه بالإجماع.
١٢٩٦١ - قالوا: مائع نجس، فوجب أن لا يجوز بيعه، كالخمر.
١٢٩٦٢ - قلنا: الخمر محرمة العين ولهذا لا يجوز الانتفاع بها، وليس كذلك
стр. 2542
السمن؛ لأنها نجاسة مخالطة، وهذا يجوز الانتفاع بعينه، فصار كالثوب النجس.
١٢٩٦٣ - فإن قيل: الخمر ينتفع بها، يطفأ بها الحريق، والميتة تطعم البزاة والكلاب، والعذرة [تربى] بها الأرض، والدم يطرح في أصول الشجر، فأما الاستصباح بالدهن فهو إتلاف، وليس بانتفاع.
١٢٩٦٤ - قلنا: جواز الانتفاع بعين النجاسة محرم بالضرورة. روى عطاء، عن جابر ﵃ أن رسول الله ﷺ قال -عام الفتح-: (إن الله تعالى حرم بيع الخمر [والأصنام] والميتة والخنزير، فقال بعض المسلمين: كيف ترى في شحوم الميتة يدهن بها السفن والجلود ويستصبح بها الناس، فقال: هو حرام، قاتل الله اليهود لما حرم عليهم الشحوم جملوه فباعوه فأكلوا ثمنه).
١٢٩٦٥ - فلما أباح الاستصباح بالسمن وحرم الانتفاع بكل الميتة، دل على الفرق بينهما في جواز الانتفاع، فإذا أضاف الكلام لمخالفنا حتى أجراهم إلى التسوية بين أمرين خير النص بينهما، لم يعتد بقولهم في مخالفة النص.
١٢٩٦٦ - وأما قولهم: إن الاستصباح إتلاف، كالمنفعة المقصودة من
стр. 2543
الشيء إذا كانت تقع بإتلاف، فذلك انتفاع، كاستعمال البخور، وأكل الطعام.
١٢٩٦٧ - قالوا: مائع لا يحل شربه، فوجب أن لا يجوز بيعه، كاللبن.
١٢٩٦٨ - قلنا: لا نسلم فإن اللبن النجس بالمجاورة يجوز بيعه على ما قدمنا من الرواية.
* * *
стр. 2544
مسألة ٦٥٦
التفريق بين ذوي الأرحام من المماليك في البيع
١٢٩٦٩ - قال أصحابنا: لا يجوز التفريق بين المملوكين إذا كان أحدهما ذا رحم من الآخر حتى يبلغا.
١٢٩٧٠ - وهو قول الشافعي في (البيوع)، وقال في (سير الواقدي): إن زاد على سبع سنين جاز بيعه.
١٢٩٧١ - لنا: حديث عبادة بن الصامت ﵃ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يفرق بين الأم وولدها، فقيل: يا رسول الله إلى متى؟ فقال: حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية)، ذكره الدارقطني.
١٢٩٧٢ - ولأنه ولد يكمل بالبلوغ؛ قلم يجز إفراده من أمه المملوكة بالبيع؛ أصله: من له ست سنين.
١٢٩٧٣ - ولأنه لا يتوجه عليه الخطاب لصغره، فلا يفرق بينه وبين والدته بالبيع أصله: الطفل.
١٢٩٧٤ - احتجوا: بما روي أن عمر ﵃ كاتب امرأة بولد غير ولدها الصغير.
стр. 2545
١٢٩٧٥ - قالوا: إذا تجاوز سبع سنين فليس بصغير.
١٢٩٧٦ - قلنا: الصغير اسم لمن لا يبلغ.
١٢٩٧٧ - ولأنا روينا عن النبي ﷺ اعتبار البلوغ مبينًا، فكان أولى من المحتمل.
* * *
стр. 2546
مسألة ٦٥٧
حكم البيع في عقد فرق فيه بين الأم وولدها
١٢٩٧٨ - قال أبو حنيفة، ومحمد: إذا فرق بين الأم وولدها حرم ذلك عليه، ويصح البيع.
١٢٩٧٩ - وقال أبو يوسف: البيع فاسد، وبه قال الشافعي.
١٢٩٨٠ - لنا (قوله ﷺ : (من باع عبدًا وله مال فماله للبائع إلا أن يشترط المبتاع).
١٢٩٨١ - ولأن كل شخصين جاز الجمع بينهما في العقد، فالتفريق بينهما لا يمنع صحة البيع، كالأخوين.
١٢٩٨٢ - ولأنه عقد، فلا يمنع التفريق بين الوالدة وولدها فيه صحته. أصله: الرهن.
١٢٩٨٣ - ولأن كل معنى لا يمنع التفريق بين الأخوين صحته لا يمنع التفريق بين الوالدة وولدها صحته كذلك. أصله: الرد بالعيب، والبيع للجناية.
١٢٩٨٤ - ولأن كل شخصين جاز التفريق بين الأخوين في الفسخ جاز في البيع كالأخوين.
стр. 2547
١٢٩٨٥ - فإن صحة الوصف عندنا أنه يجوز أن يرد أحدهما بالعيب بعد القبض. وعند الشافعي: إذا ولدت الجارية المبيعة في يد المشتري ووجد بها عيبًا يردها دون الولد.
١٢٩٨٦ - ولأنهما شخصان ثبت لهما الحضانة فالتفريق بينهما بالبيع لا يمنع صحته، كالأخوين.
١٢٩٨٧ - ولأنه لا يجوز أن يجب بيع أحد الشخصين حكمًا فجاز أن يجوز البيع باختيار العاقد، كأحد الأخوين. عكسه: أم الولد لما لم يجب بيعها حكمًا لم يجب قصدًا.
١٢٩٨٨ - احتجوا: بحديث أبي أيوب الأنصاري ﵃ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: (من فرق بين الوالدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة).
وروى عمران بن الحصين قال: (ملعون ملعون من فرق بين امرأة وولدها).
[وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: (لا توله والدة بولدها)].
١٢٩٨٩ - قالوا: والنهي يدل على فساد المنهي عنه/.
١٢٩٩٠ - الجواب: أنه ﷺ نهى عن التفريق ولم ينه عن بيع أحد الشخصين، فلم يكن النهي عن العقد.
١٢٩٩١ - ولأن هذا النهي يتعين في غير العقد، وهو الضرر الذي يلحق العقد عند أذان الجمعة.
١٢٩٩٢ - قالوا: روى جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده: (أن أبا أسد الأنصاري قدم بسبي من البحرين فصفوا، فقام رسول الله ﷺ فنظر إليهم، فإذا
стр. 2548
امرأة تبكي، فقال: ما يبكيك، فقالت: بيع ابني في بني عبس، فقال رسول الله ﷺ لأبي أسد: (اركب ولتجيئن به كما بعته، فركب أبو أسد فجاء به).
١٢٩٩٣ - هذا يدل على فساد البيع؛ لأنه أمره بالمجيء به ولم يشترط رضا المشتري.
١٢٩٩٤ - الجواب أن هذا خبر مرسل؛ لأن علي بن الحسين لم يشاهد عصر رسول الله ﷺ .
١٢٩٩٥ - ولأن دعوى امرأة للولد لا يثبت به النسب، فكيف يجوز أن يفسخ النبي ﷺ البيع لأجل التفريق والنسب لم يثبت؟ فعلم أنه قال ذلك على طريق الاستحباب؛ لأنه يجوز أن تكون صادقة، ومتى كان الرد استحبابًا فلابد من رضا المبتاع، وبيع السبي إنما يجوز بإذن النبي ﷺ ، وهذا لا يأمر بالتفريق في البيع؛ لأن ذلك يكره، فإذا باع بخلاف ما أمر به كان البيع فاسدًا.
١٢٩٩٦ - قالوا: روى أبو داود في سننه: (أن علي بن أبي طالب فرق بين الأم وولدها، فنهى النبي ﷺ عن ذلك فرد البيع)، ولم يذكر رضا المشتري.
١٢٩٩٧ - قلنا: المشهور أنه فرق بين الأخوين، وقد روي أن النبي ﷺ قال له: (اذهب فاستقل). وهذا يدل على جواز البيع.
١٢٩٩٨ - وقد روى الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي ﵃ قال:
стр. 2549
(أمرني رسول الله ﷺ أن أبيع غلامين فبعتهما وفرقت بينهما، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: أدركهما، فارتجعهما، ولا تفرق بينهما).
١٢٩٩٩ - قالوا: كان وكيلًا في بيعهما، فإذا باع على غير الوجه المأمور به وجب فسخ البيع. على أن قوله: (ارتجعهما) [يدل على فساد البيع].
١٣٠٠٠ - قلنا: الوصف غير مسلم؛ لأن البيع مكروه، وليس بمحرم.
١٣٠٠١ - ولأن [النهي عن] البيع ليس هو لمعنى في المعقود عليه، وإنما هو للضرر الذي يلحق الصغير بفقد الحضانة.
١٣٠٠٢ - ثم هذا يبطل بمن باع العبد ممن [يضره ويشق عليه في] الاستخدام، فإنه محرم لمعنى في المعقود عليه، وهو الضرر الذي يلحق المبيع، والبيع جائز.
١٣٠٠٣ - والمعنى في الأصل: أن العقد لا يجوز حكمًا؛ فلا يجوز قصدًا واختيارًا. وبيع أحد العبدين في مسألتنا: يجوز حكمًا فجاز قصدًا.
١٣٠٠٤ - قالوا: تفريق محرم في البيع، فوجب أن يمنع صحة البيع أصله: إذا باع الجارية دون حملها.
١٣٠٠٥ - قلنا: هناك ليس المانع من البيع التفريق؛ بدلالة: أن الجارية الموصى بحملها لا يجوز للوارث بيعها، وإن كان لا يفرق بالبيع. ولو باعها من الموصى له لم يجز، وإن كان البيع يؤدي إلى الجمع دون التفريق.
١٣٠٠٦ - والمعنى في الأصل: أنه لا يجوز بيع الجارية دون حملها حكمًا، فلا يجوز قصدًا، ولما جاز أن يجب بيع أحد الاثنين في مسألتنا حكمًا جاز أن يجوز قصدًا.
стр. 2550
مسألة ٦٥٨
التفريق بين الأخوين، وذوي الأرحام الصغار
١٣٠٠٧ - قال أصحابنا: لا يجوز التفريق بين الأخوين، ولا بين ذوي رحم محرم إذا كانا صغيرين، أو كان أحدهما صغيرًا.
١٣٠٠٨ - وقال الشافعي: يجوز التفريق إذا لم تكن القرابة بالولادة.
١٣٠٠٩ - دليلنا: ما روى أبو موسى الأشعري ﵃ قال: (نهى رسول الله ﷺ أن يفرق بين الأخ وأخته، والوالدة وولدها).
١٣٠١٠ - وفي حديثه قال: (لعن رسول الله ﷺ من فرق بين الوالدة وولدها، وبين الأخ والأخت)، ذكرهما الدارقطني، وذكره الطحاوي بإسناده.
١٣٠١١ - ويدل عليه: ما روى الحكم بن عتيبة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي بن أبي طالب قال: (أمرني رسول الله ﷺ أن أبيع غلامين أخوين، فبعتهما وفرقت بينهما، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: أدركهما فارتجعهما ولا تفرق بينهما).
وروى عمرو بن دينار، عن عبد الرحمن بن فروخ، عن أبيه: (أن عمر بن الخطاب
стр. 2551
كتب إليه أن لا يفرق بين الأخوين في البيع).
فإن قيل: عبد الرحمن بن فروخ وأبوه مجهولان.
١٣٠١٢ - قلنا: رواية عمرو بن دينار عنه تعديل له. ولأن بينهما [رحمًا كاملًا محرمًا من جهة النسب، فلم يجز التفريق] بينهما، كالوالدة وولدها.
١٣٠١٣ - ولأن كل ما لا يجوز التفريق بين الوالدة وولدها فيه لا يجوز التفريق بين الأخت وأخيها إذا لم يكن أقرب منها بالحضانة.
١٣٠١٤ - ولأن كل من ثبت له حق الحضانة لا يجوز التفريق بينه وبين الصبي، [ومن لم يثبت له هذا الحق يجوز تفريقه عن الصبي] فوجب أن يكون التفريق بينهما جائزًا أصله: أبناء العم.
١٣٠١٥ - قلنا: جواز البيع لا يدل على زوال الكراهة، كالبيع عند أذان الجمعة، وبيع السلاح في أيام الفتنة.
١٣٠١٦ - ولأن ابني العم لم تكمل قرابتهما، بدلالة: إباحة المناكحة. ومتى لم يكمل الرحم [ولم يضف] التحريم إليه، صار كما لو وجد التحريم من غير رحم وهو الرضاع.
١٣٠١٧ - قالوا: بينهما قرابة لا يتعلق بها رد الشهادة، ولا يتعلق بها رد القصاص، ولا يتعلق بها وجوب النفقة مع اختلاف الدينين، فلا يتعلق بها تحريم التفريق.
١٣٠١٨ - قلنا: هذا قياس يخالف النص؛ ولأن هذه الأحكام التي ذكروها لم
стр. 2552
يمنع انتفاؤها من ثبوت الحضانة: فلذلك لا يمنع من هذا الحكم؛ لأنه في معنى الحضانة، ولهذا يزول بالبلوغ كما تزول الحضانة، ولو كان معتبرًا برد الشهادة وسقوط القصاص لم يرتفع بالبلوغ مع ثبوت يده عليه.
١٣٠١٩ - قالوا: ذكر ابن المنذر عن الليث بن سعد قال: (أدركت الناس وهم يفرقون بين الأخوين في البيع).
١٣٠٢٠ - قلنا: فعل الناس لا يثبت به مع نهي رسول الله ﷺ ومخالفة الفقهاء لهم.
* * *
стр. 2553
مسألة ٦٥٩
اشتراط وجود المسلم فيه من حين العقد إلى حين المحل في بيع السلم
١٣٠٢١ - قال أصحابنا: لا يصح السلم حتى يكون المسلم فيه موجودًا من حين العقد إلى حين المحل.
١٣٠٢٢ - وقال الشافعي: السلم المؤجل يجوز في المعدوم إذا كان موجودًا عند المحل في الغالب.
١٣٠٢٣ - لنا: ما روى ابن عمر ﵃ أن النبي ﷺ قال: (لا تسلفوا في النخل حتى يبدو صلاحها).
стр. 2554
والمراد به: تحريم السلم في النخل.
١٣٠٢٤ - قالوا: المراد به: السلف في ثمرة نخلة بعينها، بدلالة: ما روي (أن رجلًا أسلم في ثمرة نخل فلم تحمل، فقال رسول الله ﷺ : (لا تسلفوا في النخل حتى يبدو صلاحها).
١٣٠٢٥ - قلنا: هذه الزيادة لا تصح؛ لأن ثمرة نخل بعينه لا يجوز السلف فيه وإن بدا صلاحها.
١٣٠٢٦ - فإن قيل: السلم في التمر لا يجوز إذا بدا صلاحه متى شرطت؛ فدل على أن المراد: البيع الذي يجوز إذا بدا الصلاح، وسماه سلفًا؛ لأنه تعجل الثمن.
١٣٠٢٧ - قلنا: السلم جائز في التمر الذي بدا صلاحه بسرًا أحمر وإن لم يجز السلم في رطبه، وليس في الخبر ذكر الرطب.
١٣٠٢٨ - ويدل عليه: ما روي عن عطاء بن أبي رباح: أنه سئل عن الرجل أنه يبيع ثمرة أرضه رطبًا، أو عنبًا يستلف فيها قبل أن يطيب؟ فقال: لا يصلح، إن ابن الزبير باع ثمرة أرض له ثلاث سنين، فسمع بذلك جابر بن عبد الله، فخرج إلى المسجد، فقال في أناس: (منعنا رسول الله ﷺ عن بيع [الثمرة حتى تطيب).
وهذا يدل على أن نهيه ﷺ عن بيع] الثمار حتى تزهى وتحمر؛ فقد فهم
стр. 2555
جابر السلف أنه عقد بيع، وإنما تفرد باسم.
وذكر الطحاوي: أن أبا البختري الطائي قال: (سألت ابن عباس عن السلم، فقال: (نهى رسول الله ﷺ عن بيع النخل حتى يؤكل منه)، قال أبو البختري: فسألت ابن عمر عن السلف في الثمر، فقال: (نهى عمر حتى يصلح)، فقد فهم ابن عباس، وابن عمر عموم الخبر السلف والبيع.
١٣٠٢٩ - ولأن كل وقت يجوز أن يحل فيه السلم، وجب أن يكون وجوده فيه شرطًا في صحة العقد؛ أصله: الوقت الذي شرطاه.
١٣٠٣٠ - ولأن المحل يثبت شرطًا وشرعًا فعدمه في أحد المجلس كالآخر.
١٣٠٣١ - ولا يلزم ما بعد المحل؛ لأنه ليس بوقت للحلول، وإن كان وقتًا للمطالبة.
١٣٠٣٢ - فإن قيل: الحلول إنما يراد للمطالبة والتسليم، كما يجوز أن يموت فيحل، كذلك يجوز أن يتأخر القبض بغيبته أو فلسه، وتثبت المطالبة بعد المحل، وهو معدوم.
١٣٠٣٣ - قلنا: العدم إذا أثر في العقد فإنما يؤثر عند استحقاق القبض ابتداء، ولا معتبر بالعدم بعد ذلك في فيخ العقد وإن أثر في الخيار. ألا ترى: أن بيع الآبق لا يجوز؛ لأن قبضه يستحق عقيب العقد، ولو كان موجودًا فأبق بعد العقد لم ينفسخ العقد، وإنما يثبت الخيار، كذلك ها هنا العدم في حال الحلول يبطل به العقد، والعدم بعده يثبت الخيار، وإن كانت تلك الحال حالة وجوب التسليم.
стр. 2556
١٣٠٣٤ - ولأنه عدم يؤثر في العقد، فوجوده حال حلول المحل يؤثر لعدم/ المبيع.
ولأن ابتداء العقد أضعف والبقاء أقوى، فإذا كان العقد في حال بعد المحل يؤثر، فإذا قارب العقد أولى.
١٣٠٣٥ - ولأن العدم يؤثر في العقد ما لا تؤثره الجهالة، وتعذر التسليم، بدلالة: جواز الطلاق والعتاق في المجهول، فلا يصح في المعدوم، وبدلالة: أن الآبق وإن لم يجز بيعه جازت هبته؛ لأنه الضعيف، وجاز تزويج الأمة، فلا تجوز هبة المعدوم ولا تزويجه، وإذا كانت الجهالة بتعذر التسليم تؤثر في السلم فلأن يؤثر في العدم أولى.
١٣٠٣٦ - ولأن ما يجوز أن يطرأ على غير السلم فيؤثر في التسليم ويمكن رفعه عن العقد فذلك شرط فيه، أصله: إذا أسلم بمكيال بعينه أو بوزن حجر بعينه.
١٣٠٣٧ - أو نقول: إن الجهالة مؤثرة كما أن تعذر التسليم مؤثر، ثم كانت الجهالة المتوهمة التي يمكن رفعها تمنع صحة العقد، كذلك تعذر التسليم المتوهم، ونريد بالجهالة المتوهمة: إذا أسلم بمكيال بعينه يجوز أن يهلك فلا يدري ما يسلمه.
١٣٠٣٨ - فإن قيل: المؤثر هناك جهالة المعقود عليه.
١٣٠٣٩ - قلنا: إذا كان المكيال معينًا بمجهول؛ لأنه إذا كال به عرف القدر. ولو أراد أنه مجهول عنده بطل به إذا ذكر المكيال المعروف، وهو لا يعرف قدره، فعرف أن المؤثر طرو الجهالة.
١٣٠٤٠ - فإن قيل: هذا يؤدي إلى أن يبطل السلم وإن كان الموجود؛ لأنه يتوهم موت المسلم فيه، فيحل ويصير الأجل مكانه، فكأنه قال: أسلمت إلى أجل كذا وكذا.
стр. 2557
١٣٠٤١ - قلنا: هذا صحيح، لكن لا يمكن رفعه عن العقد، ولا الاحتراز منه.
١٣٠٤٢ - وكذلك الجواب إن ألزموا النصراني يسلم إلى النصراني في الخمر، ويجوز أن يسلم أحدهما فيتعذر التسليم؛ لأن هذا لا يمكن رفعه عن العقد.
١٣٠٤٣ - فإن قيل: العقود تنعقد على السلامة، وما يجوز أن يحدث لا يعتبر، بدلالة: جواز إجارة الحيوان، ويجوز أن يموت فيبطل العقد.
١٣٠٤٤ - قلنا: لأن الإجارة يعتبر فيها حال الانعقاد فلا يعتبر ما يجوز أن يطرأ، والسلم يعتبر فيه التجويز.
١٣٠٤٥ - على أن الموت لا يمكن الاحتراز منه.
١٣٠٤٦ - فإن قيل: السلم بمكيال بعينه يؤدي إلى جهالة لا يفتقر في العقد إليها، والعدم معنى يفتقر إلى انعقاد العقد معه.
١٣٠٤٧ - قلنا: إن كان به حاجة إلى السلم قبل حينه فله حاجة إلى بيع الآبق والعين المغصوبة، ولم يجز مع الحاجة لمعنى يعود إلى التسليم، كذلك الحاجة ها هنا إذا أدت إلى تعذر التسليم في المحل منعت.
١٣٠٤٨ - ولأنه معنى يؤثر في التسليم في كل العقود. لو طرأ بعد صحة العقد أثبت الخيار، فإذا قارنه منع انعقاده؛ أصله: إباق العبد.
١٣٠٤٩ - ولا يلزم حدوث العيب؛ لأنه يوجب تعذر جزء من المبيع، ولا يتعذر به تسليم كل المبيع.
١٣٠٥٠ - احتجوا: بما روي عن ابن عباس ﵃ قال: (قدم رسول الله ﷺ المدينة وكانوا يسلفون في التمر السنة والسنتين)، وفي بعضها: (السنتين والثلاثة)، فقال ﷺ : (من أسلم فليسلم في كل معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم).
стр. 2558
١٣٠٥١ - الجواب: أن المراد من كيل معلوم: والمكيل وهو الموجود دون المعدوم.
١٣٠٥٢ - ولأن الاحتجاج إن كان بتقريره له ﷺ لهم على عقدهم، قلنا: يعرف صفة العقد، ويجوز أن يكون السلم سنين [إن] كان في الثمار اليابسة، وذلك لا يعدم من أيدي الناس، فإن كان يذكره ﷺ هذه الشروط دون غيرها فقد بين ﷺ الشرط الآخر بنهيه عن بيع السنين، وبنهيه عن بيع الثمار حتى تحمر.
١٣٠٥٣ - فإن قيل: إطلاق الثمرة عبارة عن الرطب.
١٣٠٥٤ - قلنا: ليس بصحيح؛ لأن التمرة اليابسة تمر كما أن الرطبة تمر؛ ولأن السلف السنة والسنتين إنما يكون في اليابس الي يدخر دون الرطب الذي يراد للأكل.
١٣٠٥٥ - وقولهم: (إنما نجوز الأمرين) ليس بصحيح؛ لأن ابن عباس ﵃ حكى فعلًا لهم، وحكاية الحال لا عموم لها، فبين صحة ما ذكره ابن عباس راوي هذا الخبر، وقد روينا عنه. وعن ابن عمر ﵄ (أن السلف لا يجوز في التمر حتى يبدو صلاحها).
١٣٠٥٦ - فدل على صحة ما ذكرنا من التأويل.
١٣٠٥٧ - روي عن ابن عباس ﵃ أنه قال: (لا يحل لرجل مسلم يعبد الله أن يسلم في الحنطة والشعير ما لم يعين المحل)، وهذا إنما يعني به الحنطة الحديثة، فكيف يكون النبي ﷺ أقر على السلم في المعدوم؟.
١٣٠٥٨ - قالوا: كل ما لم يجعله المتعاقدان للمسلم [فيه وقت لتسليمه] لم
стр. 2559
يكن وجود المسلم فيه شرطًا، كما بعد المحل.
١٣٠٥٩ - وربما قالوا: ما لم يكن وقتًا لمحل السلم عقدًا لم يكن وجوده فيه شرطًا.
١٣٠٦٠ - قلنا: حال العقد وما بعده إلى وقت المحل يجوز أن يكون وقت الحلول، فعدم المعقود عليه فيه كعدمه في البيع عند العقد؛ لأنها حالة الانعقاد ويتعقبها وجوب التسليم.
١٣٠٦١ - وعدم المسلم فيه بعد وقت المحل كإباق العبد بعد البيع؛ لأن تلك الحالة ليست حالة الانعقاد ولا حال وجوب القبض، فتعذر التسليم فيها على وجه يرجى وجوده يثبت الخيار ولا يبطل العقد.
١٣٠٦٢ - ولأنهما عقدا على مبيع لا يمكن تسليمه عقيب العقد، فلم يصح العقد. وكذلك إذا أسلما في المعدوم مطلقًا على أصلهم.
١٣٠٦٣ - ومعلوم أنهما لم يجعلا تلك الحالة محل التسليم، وإنما جعلها الشرع محلًا، فلذلك في السلم المحل الذي جعله الشرع محلًا يجب أن يكون عدم المسلم فيه يمنع صحة السلم.
١٣٠٦٤ - قالوا: مال مضبوط الصفات فيجوز السلم فيه في كل وقت، كالحنطة والحبوب.
١٣٠٦٥ - قلنا: لا نسلم الأصل؛ لأنه إن أسلم في الحنطة مطلقًا جاز، وإن أسلم في الحنطة الحديثة لم يجز إلا بعد إمكان الحصاد، والمعنى فيه: إذا أسلم في الحنطة المطلقة أنها مأمونة الوجود عند الحلول.
١٣٠٦٦ - وفي مسألتنا: ليس بموجود عند الحلول؛ فصار كما عدم في المحل المشروط.
١٣٠٦٧ - قالوا: ما يثبت في الذمة ويؤمن انقطاعه في محله يجوز السلم فيه، أصله: إذا كان موجودًا.
١٣٠٦٨ - قلنا: لا نسلم أنه موجود في محله؛ لأن كل حالة من أحوال العقد حال محله؛ ولأن الموجود يؤمن عدمه ليس حاله حال المعدوم، وقد لا يوجد في
стр. 2560
حال يجوز أن يحل فيها، فلذلك لم يصح السلم فيه.
١٣٠٦٩ - قالوا: تسليم المسلم فيه يفتقر إلى مكان وزمان، فلما لم يشرط وجوده في غير المكان الذي هو محله، فلذلك وجب أن لا يشترط في غير الزمان الذي هو محله.
١٣٠٧٠ - قلنا: إذا كان موجودًا في مكان التسليم أمكن نقله إلى مكان آخر، فلو تصور وجوب التسليم في غير ذلك المكان أمكن إحضار المسلم فيه. وفي مسألتنا: إذا وجب تسليمه في غير الزمان المشروط لم يمكن تسليمه، فكذلك لا يصح.
١٣٠٧١ - وإن شئت قلت: إنه إذا شرط تسليمه في مكان لا يخلو إما أن يكون مما له حمل ومؤنة، أو مما لا حمل له؛ فإن كان مما لا حمل له فتسليمه في مكانه أو في كل مكان ونقله ممكن، وإن كان مما له حمل: فلا يلزمه تسليمه في غير المكان المشروط، فعدمه فيه لا يؤثر.
١٣٠٧٢ - قالوا: الاعتبار برده في وقت المحل، بدلالة: أنه لو كان موجودًا من حين العقد إلى قبل المجلس وباعه لم يجز العقد لعدمه في وقت المحل.
١٣٠٧٣ - قلنا: بل المؤثر عدنه في وقت يجوز أن يكون وقتًا للمحل، فالوقت المشروط يجوز أن يكون محلًا، ويجوز أن لا يكون بل يموت قبله.
١٣٠٧٤ - فكل أحوال العقد هذا التجويز فيها موجود فعدم المعقود عليه فيها يمنع جواز السلم.
* * *
следующие страницы →