Полный текст (6 324 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
وقميص وسراويل، أو خميل، وجبة في الشتاء، ورداء إن كان ممن يتصف برداء (يكتسي برداء، فلا يبيعه إلا بإذنه).
والثاني: أنه لا يحجز عليه في التصرف.
١٤٢٢٨ - والدليل على الفصل الأول: قوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراضٍ منكم﴾.
وقال ﷺ : (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه).
وذكر الدارقطني حديث أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: (لا يشترين أحدكم مال امرئ مسلم إلا بطيب نفسه).
١٤٢٢٩ - الرضا معتبر بالعقد، فلا يبيع الحاكم على المدين لغرمائه إلا بإذنه، كالرداء.
١٤٢٣٠ - ولا يلزم: (إذا عاب) المشتري (ثمنه أو قطعه) والمبيع في يد البائع، لأنه لا يشتري الرداء (إلا بإذنه).
ولأنه لا يبيعه لغرمائه، وإنام يبيعه لبائعه خاصة.
стр. 2767
١٤٢٣١ - قالوا: قولكم:- (ما تعين) –لا تأثير له، لأنه لو كان ماله وديونه عروضا لم يمنع.
١٤٢٣٢ - قلنا: إذا كان ماله دراهم فقد يباع في دينه إذا كان دنانير، وقد لا يباع إذا كان عروضا، وما يتغير لا يباع بحال، فقد أيدت العلة.
١٤٢٣٣ - ولأن ما لا يجوز بيعه قبل المنع والحبس، لا يجوز بيعه بعده، أصله: ثيابه.
١٤٢٣٤ - قالوا: المعنى في ثياب بدنه: أنه لا يلزمه بيعها في الدين، وعروضه يلزمه بيعها في الدين، فإذا امتنع قام القاضي مقامه.
١٤٣٣٥ - قلنا: لا نسلم أن المدين يلزمه بيع ماله، وإنما يلزمه قضاء الدين، ويجوز أن يستدين ويستقرض ويقضى الدين، فالقاضي يقوم مقامه في القضاء الواجب عليه، والقضاء لا يكون إلا وقد حبس حقه.
١٤٢٣٦ - ولا يلزم: الأثمان؛ لأنه لا يجوز بيعها بل الحبس.
١٤٢٣٧ - ولأن القاضي يحبس في الدين، فلو كان يجوز أن يبيع مال الممتنع لم يجز الحبس؛ لأنه يؤدي إلى الإضرار بالغرماء والمديون. أما الغرماء: فيؤخر عنهم حقهم مع إمكان دفعه إليهم، وأما المديون: فلأنه يقدر أن يقضي دينه من غير حبسه، فلا معنى للإضرار به؛ ألا ترى: أن ديون الميت لا يحبس القاضي الوصي فيها؛ لأنه يقدر على القضاء دونه، فلما ثبت أن له يحبسه دل على أنه لا يجوز البيع.
١٤٢٣٨ - فإن نازعوا في جواز الحبس، فالدليل عليه: ما روى أبو هريرة ﵁: (أن رجلا أعتق شقصا له في عبد، وله غنيمة، فحبسه رسول الله ﷺ حتى باع غنيمته).
стр. 2768
١٤٢٣٩ - ولأن الحكام يفعلون ذلك في سائر الأعصار من غير نكير، فالإجماع بالقول.
١٤٢٤٠ - والدليل على أن الحجر لا يجوز: قوله تعالى: ﴿بل الإنسان على نفسه بصيرة﴾، يعني شاهدا، وهذا يقتضي أنه إذا أقر بأعيان ماله بعد الجر، جاز.
ولأنه معنى لا يؤثر في الشهادة؛ فلا يستحق به الحجر، كالدين القليل، وعكسه: الصغر والجنون.
١٤٢٤١ - ولأن تصرفه يجوز في ذمته؛ فجاز في أعيان ماله، كمن لا دين عليه.
١٤٢٤٢ - ولأن من صح نكاحه وطلاقه، جاز تصرفه في ماله، كمن عليه دين غير مستغرق.
١٤٢٤٣ - ولأن من جاز إقراره بالحد والقصاص؛ جاز بأعيان ماله، كالمريض.
١٤٢٤٤ - احتجوا: بما روي: (أن النبي ﷺ باع على معاذ ماله في دينه)، وروي: (أنه حجر عليه في ماله وباعه).
١٤٢٤٥ - الجواب: أن هذا مرسل، رواه الفقهاء عن معمر، عن الزهري، عن عبد الرحمن بن كعب، عن أبيه، وزاد: (فقال: إن النبي ﷺ باع على معاذ ماله).
١٤٢٤٦ - وذكر هذا الحديث، فقال: حدثنا عمر بن أحمد بن علي، عن عبد الله بن أبي جبير المروزي، عن أبي إسحاق إبراهيم بن معاوية بن الفرات، عن هشام ابن يوسف قاضي اليمن عن معمر.
стр. 2769
وهذا إسناد لا يعرف، لأن من دون هشام ابن يوسف مجاهيل/لا يثبت بقولهم ١٦٣/ب حجة، فكيف يظن أن النبي ﷺ يحجر على معاذ؟ ومنزلته من الدين معروفة، وهو قاضي رسول الله ﷺ ، والحجر إنما يكون حتى لا يتصرف ويسقط حقوق الغرماء، ومتى أعلمه النبي ﷺ أنه يصرف ماله إلى الغرماء ثم يظن بمعاذ أن يتوصل بالتصرف إلى مخالفة فعل رسول الله ﷺ .
يبين ذلك أنه قال: (حجر على معاذ ماله)، معناه: صرفه إلى الغرماء فقطع حقه عنه، ولم يقل: حجر عليه في ماله.
١٤٢٤٧ - وقد روى جابر ﵁ فذكر فيه بيع المال، ولم يذكر الحجر، وإذا لم يثبت الحجر عليه لم يبق إلا بيعه لما له، فيحتمل أن يكون باعه بإذن معاذ.
١٤٢٤٨ - يبين ذلك: أن البيع عليه يكون إذا امتنع من القضاء، ولا يظن بمعاذ أنه يأمره بقضاء دينه فيمتنع، فعلم أنه أذن للنبي في بيع ماله. والفائدة في ذلك: أن يبارك في ماله فيفي بالدين، كما روى: أن جابر ﵁ (لما أصيب بأبيه طالبه غرماء أبيه بديونهم، فسألهم أن يأخذوا ما في حديقته، ويمهدوه بالباقي إلى أن يدرك الغلة من العام القابل، فأبوا ذلك، فسأل رسول الله ﷺ أن يكلمهم فيه، فكلمهم فأبوا أن يجيبوه، فأمره النبي ﷺ أن يجذ ما في الحديثة من الثمر، ثم دخل الحديقة، فبارك عليه وأمره أن يكيل عليهم حقوقهم، فكال لهم، وبقي بعد قضاء حقوقهم من الثمر مثل كان في الأول).
стр. 2770
فيجوز أن يكون معاذ أذن للنبي ﷺ في بيع ماله طمعا في البركة ليوفي الدين كما بورك لجابر.
ولأن النبي ﷺ لا يبيع لنفسه وإنما أذن لمن يبيع ويضاف إليه البيع لأمره به، فيجوز أني كون أمر معاذا بذلك، فباعه بأمر رسول الله ﷺ فأضيف البيع إلى رسول الله ﷺ لأمره به، وهذا موضع الاتفاق.
١٤٢٤٩ - احتجوا: بما روي أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب، فقال: (ألا إن الأسيفع أسيفع جهينة رضى من دينه وأمانته بأن يقال: سبق الحاج، فادان معرضا فأصبح قدرين به، وإنا بائعو ماله وقاسموه بين غرمائه، فمن كان له دين فليحضر).
١٤٢٥٠ - الجواب: أن الحجر لا يجوز حتى يخاصم الغرماء فيثبت الفلس ويسأل الحجر، ولم ينقل ذلك، فيحتمل أن يكون أسيفع مات، فولى الإمام في قضاء ديونه، ويحتمل أن يكون رآه يبتاع الرواحل فيها ماله.
١٤٢٥١ - وقوله:- (إنا بائعو ماله) –إنا نأمر بذلك فيما هو من جنس الأثمان، وعندنا: يبتاع كل واحد من الثمنين في الآخر.
١٤٢٥٢ - قالوا: يلزمه بيع ماله لقضاء دينه، فإذا امتنع باعه الحاكم، كما لو
стр. 2771
كان دراهم وعليه دنانير.
١٤٢٥٣ - قلنا: لا نسلم أنه يلزمه بيع ماله، وإنما يلزمه قضاء دينه، وهو مخير إن شاء باع، وإن شاء اقترض، وإن شاء أجر نفسه وماله.
١٤٢٥٤ - فإن قيل: إن القاضي يحبسه إذا كان له مال، ولا يحبسه إذا لم يكن له شيء، وإنما يحبسه ليبيع المال فيقضي منه.
١٤٢٥٥ - قلنا: غلط، بل يحبسه لأنه يقدر على قضاء الدين منه أو تأجيله، لأنه إذا علم أن له مالا أقرضه الناس، فيحبسه لهذا المعنى.
١٤٢٥٦ - قالوا: إذا لم يكن له طريق إلى قضاء دينه إلا من بيع المال؛ وجب باتفاق.
١٤٢٥٧ - قلنا: وإذا قدر على الاستقراض لم يجب البيع باتفاق، ولا فرق عندكم بين الأمرين. وأما الدراهم والدنانير فمفارقة للعرض، لأن كل واحد منهما بدل عن الآخر.
١٤٢٥٨ - وفي الفقهاء من يقول: إن القاضي يقضي بأحدهما عن الآخر، وهو ابن أبي ليلى. وإنما قلنا: إن كل واحد منهما بدل الآخر، لأن من له دين من أحدهما إذا كسد قضي له بالآخر، فلذا كان كل واحد منهما بدلا عن الآخر.
١٤٢٥٩ - وفي الفقهاء من جوز في القضاء، أن يكون القاضي مخيرا: إن شاء قضى الدراهم عن الدنانير، وإن شاء باعها في الدين، لأنها بدله، وهذا المعنى لا يوجد في العروض، لأنها ليس ببدل الأثمان.
ولا قال أحد من الفقهاء: إنه يقضي عنها، فلذلك لم يملك بيعها.
стр. 2772
١٤٢٦٠ - قالوا: من بيع عليه دراهم بيعت عليه عروضه، كالميت.
١٤٢٦١ - قلنا: ألميت سقطت ولايته بموته، فولى عليه في بيع ماله، والحي ولايته باقية وتصرفه جائز، فلم تثبت الولاية.
١٤٢٦٢ - يبين الفرق بينهما: أن غرماء الحي إذا لم يطلبوه بالحجر لم يبع القاضي ماله، والميت يبيع ماله من غير مطالبة، ولو رضي غرماء الميت بتأخير ديونهم ملك القاضي البيع، فبان الفرق بينهما.
***
стр. 2773
مسألة ٧١٤
إقامة المدين البينة على إعساره أو تلف ماله
١٤٢٦٣ - قال أصحابنا: إذا أقام المديون البينة بالإعسار أو بتلف ماله قبل مضي مدة الحبس؛ لم يسمع منه في إحدى الروايتين، وتقبل منه البينة في الأخرى.
١٤٢٦٤ - وهو قول الشافعي.
١٤٢٤٥ - لنا: قوله ﷺ (لصاحب الحق اليد واللسان)، ولم يفصل.
١٤٢٦٦ - وروى الهرماس بن حبيب بن زيادة، عن أبيه، عن جده، قال: (أتيت النبي ﷺ بغريم لي، فقال، ثم مر بي رسول الله ﷺ فقال: يا أخا بني تميم ما الذي
стр. 2774
ترى أن تصنع بأسيرك،) ولو كانت البينة بالإعسار تسمع أولا لسأله عن البينة.
١٤٢٦٧ - ولأن الإعسار لا يتوصل الشهود إلى حقيقته، وإنما يختبر الحال بالحبس، فما لم يوجد مل يثبت الإعسار، فلا يسقط الحبس.
١٤٢٦٨ - ولأنه إذا أقام بينه الإعسار قلب اختبار حاله بالحبس، لم تقبل.
أصله: إذا نكل عن اليمين وأراد أن يقيم البينة قبل يمين المدعى.
ولأنها شهادة بالفقر؛ فلا يثبت لها حكم بانفرادها. أصله: إذا شهدوا أن لا مأزب لفلان.
١٤٢٦٩ - ولا يلزم: بعد الحبس؛ لأن الحكم لا يثبت بانفرادها، لكن بانضمام الاختبار إليها، وغير ممتنع أن ينضم إلى الشهادة بالنفي معنى آخر، فيحكم بها، كما لو قالوا: هذا وارث لان، لا نعلم له وارثا غيره
١٤٢٧٠ - احتجوا: بأن كل حق يثبت بالبينة وجب أن يكون سماعه قبل الحبس وبعده. أصله: إذا ادعى القضاء.
١٤٢٧١ - قلنا: لا نسلم أن الأعيان تثبت بالبينة حتى ينضم إليها الاختبار.
والمعنى في الشهادة بالقضاء: أنها شهادة بإثبات، فقبلت في جميع الأحوال، وفي
стр. 2775
مسألتنا: شهادة نفي فتقبل تبعا لغيرها، ولا تقلب بنفسها كما بينا
١٤٢٧٢ - فإن قيل: إذا شهدوا بتلف ماله؛ فهذه شهادة بإثبات
١٤٢٧٣ - قلنا: قضاء الدين لا يختص بمال واحد، وهم يشهدون بتلف ما عرفوه من المال، ويجوز أن يكون هناك غيره.
***
стр. 2776
مسألة ٧١٥
إقامة المدين البينة على الفلس بعد حبسه
١٤٢٧٤ - قال أصحابنا: إذا حبس المديون، ثم أقام بينة على الفلس، لم يستحلف بأنه لا مال له.
١٤٢٧٥ - وقال الشافعي في أحد قوليه: أستحلفه استظهارا، وفي القول الآخر: على الوجوب.
١٤٢٧٦ - لنا: قوله ﷺ : (شاهداك أو يمينه ليس لك إلا ذلك)، وقال: (البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه).
стр. 2777
١٤٢٧٧ - ولأنه حق أقام البينة عليه، فلا يستحلف فيه، أصله: إذا أقام البينة على ملك عين.
١٤٢٧٨ - ولأن الطالب يدعي البيان، فالدعوى لا يجمع في إسقاطها بين البينة واليمين، أصله: إذا ادعى أنه أبرأه من الدين.
١٤٢٧٩ - احتجوا: بأنه دعوى ما يجوز خفاؤه على الشاهدين، فوجب عرض اليمين إذا طالب المدعي، فيما إذا شهد عليه شاهدان بدين فادعى المشهود عليه القضاء أو الإبراء.
١٤٢٨٠ - الجواب: أن هناك ادعى معنى لم ينفه الشهود، فلا [بد من نفيه باليمين إذا ادعى، وفي مسألتنا: تنفى معنى قد نفاه الشهود، فلا] يجمع بين النفي والبينة والنفي باليمين، كما لو شهدوا على إثبات معنى لم يجز أن يستحلف على إثباته مع الشهادة.
١٤٢٨١ - فإن قيل: الشهود ينفون المال في الظاهر، وقد يكون للإنسان مال يخفي ويكتمه.
١٤٢٨٢ - قلنا: لا يجوز حمل أمر، الشهود على أنهم رجعوا إلى ظاهر النفي، لأن هذا قد علمه القاضي، وإنما يحمل أمرهم على أنهم خبروا حاله بالمخالطة والمعاملة، فنفوا الباطن والظاهر.
***
стр. 2778
مسألة ٧١٦
إخراج المدين من الحبس بعد ثبوت إعساره
١٤٢٨٣ - قال أبو حنيفة: إذا ثبت إعساره أخرجه من الحبس، ولم يحل بينه وبين الغرماء.
١٤٢٨٤ - وقال الشافعي: يحول بينه وبين الغرماء، ولا يطالبوه إلى حين البيان.
لنا: قوله ﷺ : (لصاحب الحق اليد واللسان)، فله الملازمة بالاتفاق.
١٤٢٨٥ - وروي: (أنه ﷺ : اشترى بعيرا من أعرابي بأوسق من تمر فجاء الأعرابي وطلب اثمن، فقال رسول الله ﷺ : دعوه، فإن لصاحب الحق اليد واللسان).
стр. 2779
١٤٢٨٦ - ومعلوم أن إعسار النبي ﷺ : ثبت بإخباره وهو أبلغ من ثبوته بالبينة، ومع ذلك أخبر أن لغريمه اليد، فدل على أن الأعسار لا يسقط الملازمة.
١٤٢٨٧ - ولأن دينه في ذمته، فكان له ملازمته بعد الحبس. أصله: إذا اكتسب مالا.
١٤٢٨٨ - ولأنه دين يجوز الملازمة به قبل حكم الحاكم بالفلس، فجاز بعده.
أصله: إذا ظهر له مال.
١٤٢٨٩ - ولأنه يتوصل بالملازمة إلى استيفاء/حقه، لأنه يقف على أكسابه فيأخذ ١٦٤/أمنها، فصار كمن له مال.
١٤٢٩٠ - فإن قيل: المعنى فيما ذكرتم أنه يملك المطالبة، فيملك الملازمة وفي مسألتنا: لا يملك المطالبة.
١٤٢٩١ - قلنا: لا نسلم، لأن له المطالبة عندنا. وهل تثبت الملازمة إلا للمطالبة.
١٤٢٩٢ - فإن قيل: المعنى فيه: أنه يثبت الحبس؛ فجاز أن تثبت الملازمة، وفي مسألتنا بخلافه.
١٤٢٩٣ - قلنا: إذا ثبت الحق فإن القاضي يأمر بالملازمة ولا يحبسه في الحال حتى يعلم امتناعه. ولأن الحبس إذا كان له مال يتوصل به إلى إخراجه، فكان في الحبس فائدة، وكذلك في الملازمة.
١٤٢٩٤ - وإذا لم يكن له مال توصل بالملازمة إلى الأخذ من كسبه، وفي الحبس لا يقدر على الاكتساب ولا يستفيد بالحبس فائدة.
стр. 2780
١٤٢٩٥ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾.
١٤٢٩٦ - الجواب: أن الأمر بالإنظار يدل على أنه لم يصر منظرا بنفس الفلس إذ الأمر لا يصح بما وجد، وكل من قال: لا يصير منظرا بالفلس، قال: إن الأمر على وجه الاستحباب، وكذلك نقول: فإنه يستحب أن يتركه ولا يلزمه.
١٤٢٩٧ - قالوا: روى أبو سعيد الخدري ﵁: (أن رجلا أصيب في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال: عليه [الصلاة و] السلام: تصدقوا عليه، فلم يبلغ وفاء دينه، فقال: خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك).
١٤٢٩٨ - الجواب: أن معناه: ليس لكم أخذ غيره، ولم يرد نفي غير الأصل، بدليل: أن الدين ثابت في ذمته باتفاق، وذلك لهم، فعلم أنه نفي الأخذ لنفي ما كان في ابتداء الإسلام من بيع المديون في دينه.
١٤٢٩٩ - قالوا: من لا مطالبة له بدينه، فلا تلزمه الطالبة، ثم المعنى في الدين المؤجل لأنه لا يلازم به إذا كان له مال، فلا يلازم إذا كان له كسب.
١٤٣٠٠ - [وفي مسألتنا: يلازم بهذا الدين إذا كان له مال، فجاز أن يلازم إذا كان له كسب].
стр. 2781
١٤٣٠١ - قالوا: هذا الدين في معنى المؤجل؛ لأنه مؤخر إلى الميسرة.
١٤٣٠٢ - قلنا: الدين حال ليس بمؤجل، بدلالة: أنه لا يتأخر على الكفيل، وإنما لا يستحق العقوبة بالحبس، ولا يلحقه مأثم التأخير، فأما غير ذلك فإن المطالبة باقية، والملازمة ثابتة، وإذا وجد شيئا استوفاه من الحال، فكيف نسلم التأجيل؟
١٤٣٠٣ - قالوا: إذا جوزتم ملازمته لم يكن لإخراجه من الجنس فائدة.
١٤٣٠٤ - قلنا: ليس كذل؛ لأنه يتصرف في أعماله، ويسافر ويذهب حيث شاء. والله أعلم بالصواب.
***
стр. 2782
موسوعة
القواعد الفقهية المقارنة
المسماة
التجريد
كتاب الحجر
стр. 2783
مسألة ٧١٧
البلوغ بالسن
١٤٣٠٥ - قال أبو حنيفة: مدة البلوغ بالسن في الغلام ثماني عشرة سنة، وفي الجارية سبع عشرة سنة.
١٤٣٠٦ - وقال أبو يوسف، ومحمد: في الغلام والجارية خمس عشرة سنة.
١٤٣٠٧ - وبه قال الشافعي.
١٤٣٠٨ - لنا: قوله تعالى: ﴿يأيها الذين ءامنوا ليستئذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات﴾، ثم قال تعالى: ﴿ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن طوافون عليكم﴾.
١٤٣٠٩ - فأمر الإماء بالاستئذان في كل حال، ومن لم يحتلم بالاستئذان في وقت مخصوص، دل على أن الاحتلام هو حد البلوغ، ووجب تعلق الحكم به إلا في
стр. 2784
موضع ما دل الدليل.
١٤٣١٠ - وليس لهم أن يقولوا: هذا استدلال بدليل الخطاب؛ لأن الدليل من حيث الدين من المحتلم وغير المحتلم في كيفية الإذن، وهذا الاستدلال بالنطق لا بالدليل.
ويدل عليه: قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ءانستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾، قال مجاهد: (إذا بلغ الحلم).
ويدل عليه: قوله ﷺ (رفع القلم عن ثلاث: عن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ)، وهذا خبر مشهور رجعت إليه الأمة، وعملت به، واشتهرت روايته، وهو يقتضي إسقاط التكليف قبل الاحتلام، سواء بلغ خمس عشرة أو تجاوزها.
١٤٣١١ - فإن قيل: الخبر يقتضي رفع القلم عن الصبي، ومن له خمس عشرة فهو رجل وليس بصبي.
١٤٣١٢ - قلنا: الخبر يقتضي أنه صبي حتى يحتلم وإن تجاوز الخمس عشرة، وما دل الخبر عليه لا يدفع بمذهبكم.
ولأنها مدة لانتقال الصبي من حال إلى حال [لها] معتاد ونادر، فإذا جاز أن يزاد على نادرها جاز أن يزاد على معتادها، كمدة الحمل.
١٤٣١٣ - ولأنها مدة لا يستفيد بها غير الرشيد التصرف في ماله، فلم تكن مدة البلوغ كما دون الخمس عشرة.
стр. 2785
ولأنها مدة لا تكون سببا لوجوب الزكاة في ماله، كأربع عشرة.
١٤٣١٤ - ولأن الصلاة عبادة، فلا تكون الخمس عشرة سببا في وجودها، كالزكاة.
١٤٣١٥ - ولأن الخمس عشرة عدد قدر به حكم غير البلوغ، [وهو الطهر على المذهبين، والحيض عندهم، وكل عدد قدر به حكم غير البلوغ] لم يتقدر به البلوغ، كالأربعين من النفاس، ومدة الحول في الزكاة والتلبية في مدة الخيار.
١٤٣١٦ - ولأن التسوية بين بلوغ الذكر والأنثى خلاف العادة، لأن المعتاد أن بلوغ الجارية يتقدم، والعادة أمر مقطوع به، فإذا خالفه ما طريقه الظن لم يلتفت إليه.
ولأنه إذا شرب الخمر فقد اختلف في تحريم هذا الشرب عليه، فلم يجب به حد، كنبيذ التمر، وإذا جامع فقد اختلف في كونه فعله زنا مع العلم به، فلم يجب به حد، كالوطء بالمتعة، وهذا كلام في إبطال مذهبهم.
١٤٣١٧ - وأما الكلام في تصحيح مذهبنا فقوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده﴾، قال ابن عباس ﵁: (الأشد ثماني عشرة سنة).
١٤٣١٨ - وروي عن النبي ﷺ قال: (أيما صبي حج عشر حجج ثم بلغ، فعليه حجة الإسلام)، فأضاف الحج عليه، وأقل ما يمكن الصبي أن يحج بنفسه إذا كان له سبع سنين أو ثمان، ثم أثبت له عشر حجج ثم البلوغ، وهذا يلزم على أن البلوغ يتأخر إلى ثماني عشرة سنة.
стр. 2786
١٤٣١٩ - احتجوا: بما روى عبد الله بن عمر قال: (عرضت على رسول الله ﷺ عام أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فردني، ولم يرني بلغت، ثم عرضت عليه عام الخندق، وأنا ابن خمس عشرة سنة، فأجازني في المقاتلة). فنقل الحكم، وهو الإجازة في المقاتلة، والسبب هو أنه ابن خمس عشرة سنة، والحكم إذا نقل مع السبب فالظاهر أنه تعلق به.
والثاني: أنه قال: (عرضت على النبي ﷺ يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة سنة، فردني ولم يرني بلغت)، ومعلوم أنه لم يرد أنه من بلغ حدا يصلح للخروج؛ لأن النبي ﷺ كان يخرج النساء والصبيان يستقون الماء، فثبت أنه أراد بلوغ التكليف.
١٤٣٢٠ - قالوا: ولا يجوز أن يكون المراد به: أنه بلغ حدا يصلح للقتال، لأن الإجازة في المقاتلة بمنزلة البلوغ، ولا يجوز أن يجاز فيها إلا البالغ.
١٤٣٢١ - قالوا: روي أنه قال: (عرضت عليه وأنا ابن خمس عشرة سنة، فرآني بالغا فأجازني).
стр. 2787
١٤٣٢٢ - الجواب: أن هذا الخبر مداره على [عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر ﵃، وقد ضعف] مخالفونا عبد الله العمري في رواية: (أن النبي ﷺ جعل للفارس سهمين)، وصححوا خبره ههنا ورجعوا إليه في أصل من أصول الشريعة، وهو أعظم من مقدار السهم، فاعترضوا بخبره على القرآن والأخبار المتفق عليها.
١٤٣٢٣ - وكيف يظن أ، حد البلوغ خمس عشرة سنة وخفي هذا الحكم على الأئمة الراشدين ومن بعدهم حتى سأل عمر بن عبدا لعزيز نافعا عن حضور ابن عمر مع رسول الله ﷺ المغازي، فروي له هذا الخبر، فيقول عمر: (هذا حد بين الصغير والكبير)، ومدة البلوغ يتعلق بها وجوب العبادات وثبوت الأحكام، ويحتاج الأئمة إلى معرفتها، فيخفى مثل هذا على جميع الأمة، حتى يستخرجه عمر بن عبد العزيز من حديث نافع.
стр. 2788
١٤٣٢٤ - ثم هو خبر مضطرب؛ لأنه روى فيه: (أن ابن عمر عرض يوم بدر وله ثلاث عشرة سنة
١٤٣٢٥ - [وبين] يوم أحد والخندق سنتان، هكذا رواه ابن إسحاق والواقدي، فعلى هذا كان لابن عمر في الخندق ست عشرة سنة؛ لأن بدرا كان في شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة، وأحدا في شوال من السنة الثالثة، والخندق كانت في ذي القعدة من السنة الخامسة.
١٤٣٢٦ - فإن قيل: قد ذكر الزهري: أن الخندق كانت سنة أربع، فوافق ابن عمر ﵁.
١٤٣٢٧ - قلنا: ابن إسحاق والواقدي أعلم بهذا من الزهري، وقد كان يرجع إلى ابن إسحاق، والذي يبين ذلك: أن بين بدر والخندق أحدا الموعد، وقد كانت على سنة من أحد، لأن أبا سفيان واعدهم يوم بدر لأحد/من العام ١٦٤/ب
стр. 2789
المقبل، يبين ذلك: أن أحمد ابن محمد قال: حدثنا سفيان بن عيينه، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: (شهد ابن عمر الفتح وهو ابن عشرين سنة)، والفتح كان في شهر رمضان سنة ثمان.
١٤٣٢٨ - وعند أصحاب الحديث: أن شرط الصحيح لم يوجد في شيء من هذه الأسانيد إلا في هذا الحديث، وهو يقتضي أن سن ابن عمر كان يوم الخندق تسع عشرة سنة.
١٤٣٢٩ - وقد ذكر الواقدي في كتاب الطبقات، قال أخبرني أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جده، قال: (سمعت عمر بن الخطاب [﵁] يقول: ولدت قبل عام الفجار الأعظم بأربع سنين، وأسلمت في ذي الحجة السنة السادسة منا لمبعث، وأنا ابن ست وعشرين سنة.
وكان عبد الله بن عمر [﵄] يقول: (أسلم عمر وأنا ابن ست سنين)، فعلى هذا سنة من الهجرة ثلاث عشرة سنة؛ لأن ابن عباس ﵁ روى: (أن النبي ﷺ -
стр. 2790
أقام بمكة [ثلاث] عشر سنة، فعلى هذا سنة في الخندق ثمان عشرة سنة.
١٤٣٣٠ - فإن قيل: قد روي: أن النبي ﷺ أقام بمكة عشر سنين، وروي: أنه أقام خمس عشرة سنة.
١٤٣٣١ - قلنا: الصحيح رواية ابن عباس، وقد استدل على ذلك بقول أبي قيس صرمة بن أبي أنس.
ثوى في قريش بضع عشرة حجة .... يذكر لو يلقى صديقا مواتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه .... فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا
١٤٣٣٢ - على أ، كل واحدة من الروايات الثلاث لو صحت خالفت قولهم، إن كان أقام عشرا فسن ابن عمر كان ببدر إحدى عشر سنة وشهور؛ لأن الهجرة كانت في شهر ربيع الأول، وبدرا في شهر رمضان من السنة الثانية، وإن صحت رواية ابن عباس خرج منها أنه كان يوم بدر في الخامس عشر، وإن صح أن للنبي ﷺ خمس عشرة سنة فله في بدر سبع عشرة، وفي الخندق عشرون.
١٤٣٣٣ - وهذا الاضطراب في الرواية يدل على أن خبر نافع ليس بمضبوط، فلا يجوز الرجوع إليه.
стр. 2791
١٤٣٣٤ - وقد تعاطى مخالفونا في هذا ما أبطلوا به الخبر، فقالوا: نحمل قوله-: (عرضت عليه يوم [أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة) –على أنه كان في أولها.
١٤٣٣٥ - وقوله: (عرضت عليه يوم) الخندق وأنا ابن خمس عشرة (- يعني في آخرها، فيصح ذلك على رواية أصحاب المغازي.
١٤٣٣٦ - قلنا: فعلى هذا فمن الذي يمنع أن يكون قوله: (وأنا ابن خمس عشرة (بمعنى استكملتها، ويكون قد مضى صدر من السادس عشرة ولم يكملها، فيكون حد البلوغ أكثر من خمس عشرة سنة على هذا القول.
١٤٣٣٧ - وهذا هو العادة أن يقال للإنسان أربع عشرة سنة، يعني استهلها، ويقال ذلك بمعنى: أكملها وإن كان قد طعن في التي تليها ومضى بعضها.
١٤٣٣٨ - فإن اعتبروا الحقيقة لم تصح الرواية، وإن اعتبروا المجاز بطل تحديدهم.
١٤٣٣٩ - على أنه لم ينقل في الخبر أن النبي ﷺ عرف سن ابن عمر، فعلق الرد والإجازة به، ولا سأل عنه حتى يكون الحكم تعلق بذلك، وقد كان يرد البالغ إذا لم يطق حمل السلاح، ويجيز غير البالغ إذا أطاق ذلك.
١٤٣٤٠ - يدل عليه: حديث سعد بن أبي وقاص قال: (رأيت أخي عمير بن أبي وقاص قبل أن يعرضنا رسول الله ﷺ فيستصغرني فيردني، وأنا أحب الخروج،
стр. 2792
لعل الله أن يرزقني الشهادة، قال: فعرض على النبي ﷺ فاستصغره، وقال: ارجع، فبكي عمير فأجازه رسول الله ﷺ قال: فكان سعد يقول: لقد كنت أعقد له حمائل سيفه من صغره، فقتل ببدر وهو ابن ست عشرة سنة)، فهذا قد رده النبي ﷺ وقد تجاوز سن ابن عمر، لأنه ظن أنه لا يقدر على حمل السلاح، فلما رآه يحب الحضور استدل على شجاعته وأجازه.
١٤٣٤١ - وقد روي عن ابن عمر أنه قال: (أجازني رسول الله ﷺ ورافع بن خديج يوم الخندق وسننا خمس عشرة سنة).
١٤٣٤٢ - وقد كان رسول الله ﷺ أجاز رافعا يوم أحد، وهو في سن ابن عمر، فدل: على أن الإجازة لا تتبع السن.
وقد روي: (أن رافع بن خديج حضر يوم أحد، فاستصغره رسول الله ﷺ فأمر برده، فقال عمه ظهير بن رافع: يا رسول الله، إن ابن أخي رام، فأجازه)، أفلا يرى أن رسول الله ﷺ أجازه لرميه، لا لسنه.
١٤٣٤٣ - وقد روي: (أنه ﷺ أجاز غلاما في بعث ثم عرض بعده سمرة ابن جندب، فرده فقال سمرة: يا رسول الله أجزت غلاما ورددتني، ولو صارعني لصرعته، فقال: فدونك فصارعه، فصرعته فأجازني في البعث).
стр. 2793
١٤٣٤٤ - فهذه الأخبار تدل على أن النبي ﷺ كان يجيز من يقوى على حمل السلاح، ويرد من يضعف عن ذلك، وأن الحكم لا يتعلق بالبلوغ، فيجوز رد ابن عمر في أحد، لأنه كان لا يطيق السلاح، وأجازه في الخندق لأنه قوي على حمله، ولا يصح لمخالفنا التعلق بالخبر.
١٤٣٤٥ - فإن قيل: الجهاد عبادة، فكيف يجوز فيها من لم يبلغ؟.
١٤٣٤٦ - قلنا: كما يجوز في الحج والصوم والصلاة.
١٤٣٤٧ - وقد روي في خبر ابن عمر الذي احتجوا به: (أن النبي ﷺ رده في أحد، وجعله في حرس المدينة (والحرس عبادة كالجهاد، إلا أنه أخره وإن كان من أهل القتال، كما يؤخر الضعيف ويقدم القوي.
١٤٣٤٨ - وكيف يظن أن الحكم يتعلق بهذا السن، ولم يعلق النبي ﷺ حكما من أحكام البلوغ، بل علق جميعها بغيره، وقال: (رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم)، وقال: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم)، وقال لمعاذ: (خذ من كل حالم دينارا)، وقال: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار).
١٤٣٤٩ - ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه عمل على ذلك، ولا علق عليه
стр. 2794
حكما من الأحكام فسقط الاحتجاج به.
١٤٣٥٠ - وقد ذكر بعضهم حديثا زعم أنه أسند إلى أنس بن مالك (﵁) أن النبي ﷺ قال: (إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ماله وما عليه، وأخذت منه الحدود).
وهذا حدث موضوع لا يمكن أن يضاف إلى كتاب صحيح ولا فاسد، ولا يعرفه أحد من أصحاب الحديث، وكيف يسوغ التسامح بذكره ومبنى هذا الحكم مع عموم الحاجة إليه لا يثبت بخبر واحد صحيح، فكيف بخبر لا يعرف؟.
١٤٣٥١ - قالوا: يصح إيمانه ويلزم اعتقاده، ويعاقب على تركه؛ فوجب أن يكون بالغا. أصله: من له تسع عشرة سنة.
١٤٣٥٢ - قلنا: لا نسلم أن الإيمان يلزمه ببلوغ هذا السن، ولا يصح إيمانه إلا مع إكمال العقل، فإن ضموا هذا الوصف إلى العلة فالحكم يتعلق به عندنا، ومن علق الحكم بوصف واحد فهو أولى ممن علقه بوصفين أو بأوصاف.
١٤٣٥٣ - ولا نسلم أن من أسلم في هذا السن يعاقب على ترك الإسلام، وإنما يجبر على العود، وأما العقوبة فلا.
١٤٣٥٤ - والمعنى في الأصل: أنه فات وقت الاحتلام [في العادة] فانتقل الحكم عنه إلى غيره، [وفي مسألتنا: لأم يفت وقت الاحتلام في العادة، فلم ينتقل الحكم عنه]، وهذا اعتبار صحيح؛ لأن السن يقوم مقام الاحتلام، فلا يتعلق به حكم مع توقت الأصل، كالإبدال.
١٤٣٥٥ - قالوا: من صح بيعه وتوكيله بالعقود كان بالغا كابن تسع عشرة سنة.
стр. 2795
١٤٣٥٦ - قلنا: ينتقض على أصلنا بمن لم يبلغ خمس عشرة سنة.
ولأن صحة البيع لا تعلق لها بالبلوغ؛ لأن المجنون بالغ ولا يصح بيعه، ولأن البلوغ حد تتعلق به الأحكام الشرعية، وجواز البيع والتوكيل يتعلق بالعقل؛ لأنا نحكم قبل الشرع بصحة البياعات، والظاهر أن الحد الذي تتعلق به الأحكام الشرعية يثبت بالشرع لا بالعقل، والمعنى فيما قالوه ما قدمناه.
١٤٣٥٧ - قالوا: إنه معنى يتعلق به البلوغ يشترك فيه الذكر والأنثى؛ فوجب أن يستويا فيه، كالاحتلام.
١٤٣٥٨ - قلنا: هذا التعليل لإثبات حكم يخالف العادة؛ لأن العادة: أن بلوغ الجارية يتقدم، والعادة دليل مقطوع به.
١٤٣٥٩ - ولأنهما يفترقان فيما يقع به البلوغ، بدلالة: أنها تبلغ بالحيض والحبل، ولا يوجد ذلك في الغلام، وكذلك لا يمتنع أن يختلفا في السن.
ولأن بلوغ الجارية بالاحتلام، وليس بمنصوص عليه عند أصحابنا، ومنهم من منع ذلك وقال: لا تبلغ الجارية به.
١٤٣٦٠ - قالوا: حكم يتعلق بمدة تزيد على العشرة، فلا يبلغ عشرين، فوجب أن يقف على خمس عشرة كأقل الطهر.
١٤٣٦١ - قلنا: نقلب فنقول: لا يقدر فيه مدة البلوغ، كمدة الطهر، ويبطل ما قالوه بمدة العنة، لأنها تزيد على عشرة أشهر ولا تبلغ العشرين، ولا تقف على خمس عشرة سنة، وكذلك الزكاة.
стр. 2796
مسألة ٧١٨
الإنبات دليل البلوغ
١٤٣٦٢ - قال أصحبنا: الإنبات لا يدل على البلوغ.
١٤٣٦٣ - وقال الشافعي: إذا نبت للغلام أو الجارية الشعر القوي الخشن حول ذكر الغلام وفرج الجارية، كان بلوغا في أولاد/المشركين ١٦٥/أ
١٤٣٦٤ - وهل هو بلوغ، أو دلالة على البلوغ؟ على قولين.
١٤٣٦٥ - فإن قالوا: بلوغ في المشرك، فهو بلوغ في المسلم.
١٤٣٦٦ - وإن قالوا: يدل على البلوغ، ففي المسلم على وجهين.
لنا: قوله ﷺ : (رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يحتلم)، وهذا يقتضي أنه ممكن رفع القلم عنهم وإن أنبت.
١٤٣٦٧ - ولأنه شعر عضو، فخروجه لا يكون بلوغا، ولا يستدل به على البلوع، كالحية.
لأن كل حكم لا يتعلق بخروج البنات لا يتعلق بالإنبات، أصله: وجوب الزكاة في ماله، ووجوب صلاة العيد.
стр. 2797
١٤٣٦٨ - ولا يلزم: استحباب الحلق؛ لأن ذلك يتعلق بالشارب.
١٤٣٦٩ - ولأنه موضع من بدنه، فخروج الشعر فيه وعدمه سواء، كسائر المواضع.
١٤٣٧٠ - ولأن نبات الشعر حول الفرج يختلف باختلاف الناس، فيتقدم في بعضهم على البلوغ ويتأخر عنه في بعضهم، فصار كشعر سائر الأعضاء.
١٤٣٧١ - احتجوا: بما رو عن عطية ﵁، قال: (عرضت على رسول الله ﷺ يوم قريظة فشكوا في، فأمر النبي ﷺ أن ينظر إلى هل أنبت؟ فنظروني فلم يجدوني أنبت، فخلى عني وألحقني بالسبي).
١٤٣٧٢ - وروي: أنه قال: (كنت فيمن حكم فيهم سعد بن معاذ، فشكوا إلي من الذرية أو من المقاتلة؟، فقال النبي ﷺ : انظروا إن كان قد أنبت وإلا فلا تقتلوه).
١٤٣٧٣ - وروى مجاهد عن عطية، عن رجل من بني قريظة، أخبره: (أن أصحاب رسول الله ﷺ يوم قريظة جردوه، فلم يروا الموسي على شعره، وتركوه من القتل).
١٤٣٧٤ - الجواب: أن عطية القرظي قال أصحاب الحديث: لا يعرف بالرواية.
стр. 2798
وقد اضطرب الخبر، فمره يرويه عن نفسه، ومرة يرويه عن غيره، ومرة يرفعه إلى النبي ﷺ .
وذكر أهل المغازي: (أن سعدا حكم بذلك فيمن لم ينبت)، وروي اعتبار الانبات، وروي: أنه أمر بقتل من اخضر مئزره.
١٤٣٧٥ - وهذا يدل على الإنبات حول الفرج، ويقتضي اعتبار الإنبات من السرة إلى العانة.
١٤٣٧٦ - وروي: (أنه أمر بقتل من جرب عليه المواسي) وهذا يقتضي تكرار الحلق بعد الإنبات، وكيف يظن أن هذا حد في البلوغ، أمر به رسول الله ﷺ في بني قريظة بمشهد من أصحابه، ولم يروه أحد منهم حتى رواه صبي من أولاد المشركين وغفل عنه الجماعة، وهذا يوجب الشك في الخبر، ويجوز أن يكون ﷺ أمر برفع القتل عمن لم ينبت، استظهارا في ترك القتل، إلا أن ذلك ينفي البلوغ لا محالة.
١٤٣٧٧ - قالوا: روى محمد بن يحيى بن حبا: (أن غلاما من الأنصار من آل أبي صعصعة شبب بامرأة في شعره، فرفع إلى عمر فلم يجده أنبت، فقال: لو أنبت الشعر لحددتك).
١٤٣٧٨ - وروى عبد الله بن عبيد بن عمير: (أن عثمان أتي بغلام قد سرق فقال:
стр. 2799
انظروا هل اخضر مئزره؟ فإن اخضر فاقطعوه، وإن لم يكن اخضر فلا تقطعوه).
١٤٣٧٩ - وروى أبو نضرة الغفاري، وعقبة بن عامر الجهني أنهما قالا: (من أنبت فاقسموا له من الغنيمة).
١٤٣٨٠ - قالوا: وهذا إجماع، ومن أصل أبي حنيفة ترك القياس بقول الصحابي الواحد، فكيف ينكر لقول الجماعة،.
١٤٣٨١ - قلنا: روي عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: (رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم).
١٤٣٨٢ - وعن ابن عباس ﵁ أنه كتب إلى نجدة الحرورى، (إذا احتلم اليتيم فقد خرج من اليتم، ووقع حقه في الفيء).
١٤٣٨٣ - وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (حفظت عن رسول الله ﷺ لا وصال ولا رضاع بعد فصال، ولا يتم بعد الاحتلام، ولا صمت يوم إلى الليل، ولا طلاق إلا بعد نكاح، ولا عتق إلا بعد ملك).
١٤٣٨٤ - فهذا اختلاف بعد الصحابة على إبطال قولهم في خمس عشرة، لأن منهم من اعتبر الاحتلام، ومنهم من اعتبر الإنبات، ولم يقل أحد منهم باعتبار السن الذي ذكره الشافعي.
стр. 2800
مسألة ٧١٩
الوقت الذي يدفع فيه المال إلى الغلام
١٤٣٨٥ - قال أصحابنا: إذا بلغ الغلام عاقلا مصلحا لماله فاسقا؛ دفع إليه ماله.
١٤٣٨٦ - وقال الشافعي: إذا بلغ مصلحا لدينه وماله غير مرتكب لمعصية تمنع شهادته، دفع إليه ماله، وإن كان مرتكبا المعصية تقدح في شهادته، لم يدفع إليه ماله.
١٤٣٨٧ - لنا: قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ءانستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾، فذكر (رشدا) واحدا، لأنه نكرة في الإثبات، فظاهره يقتضي: أنه إذا كان رشيدا في عقله وماله جاز دفعه إليه.
١٤٣٨٨ - فإن قيل: أجمعوا على أنه لم يرد رشدا واحدا؛ لأنه إذا بلغ مسلما فقد وجد رشد واحد، ولم يدفع إليه المال.
стр. 2801
١٤٣٨٩ - قلنا: لا يقتضي الظاهر إلا رشدا واحدا؛ لأن الآية خوطب بها المسلمون في أبنائهم، فعلم أن المراد بالرشد معنى زائد على الإسلام، أو على ضم الإسلام إليه لوجب أن يثبت جنس الرشد، أو لأثبتنا رشدا واحدا مع الرشد الذي هو الإسلام.
١٤٣٩ - قالوا: روي عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿فإن ءانستم منهم رشدا﴾، قال: (إذا أدرك اليتيم بحلم وعقل ووقار).
١٤٣٩١ - وقال الحسن البصري: (صلاحا في دينه وحفظا لماله).
١٤٣٩٢ - قلنا: روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال في الرشد: (الصلاح في العقل وحفظ المال)، وقال النخعي، ومجاهد: (العقل).
١٤٣٩٣ - وما رووه عن ابن عباس ﵁: (إذا أدرك بحلم ووقار)، فلا يدل على صلاح الدين؛ لأن الحليم الوقور قد يرتكب المعصية، فقول ابن عباس دلالة لنا.
١٤٣٩٤ - وما ذكروه عن الحسن يقابل بقول النخعي، وبقي لنا الظاهر الذي بيناه.
١٤٣٩٥ - ولأنه مصلح لماله؛ فوجب أن لا يمنع من ملكه، أصله: إذا كان رشيدا في دينه.
стр. 2802
١٤٣٩٦ - ولأن من لزمته العبادات لا يمنع ملكه منه لدينه، كالكافر.
١٤٣٩٧ - ولا يلزمه: المرتد أنه يمنع ماله منه، لأنه لا يملك ما في يده.
١٤٣٩٨ - فإن قيل: الكافر تثبت له الولاية على ولده، والفاسق لا تثبت له الولاية على ولده.
١٤٣٩٩ - قلنا: تصرفه في ماله لا يعتبر بولايته على غيره. ألا ترى: أن الفاسق يزوج نفسه عندهما ولا يزوج بنته، وعندنا يلي في مال نفسه، ولا يلي في مال ولده.
ولأنه نوع فسق؛ فلا يمنع من دفع ماله إليه، كالكفر.
١٤٤٠٠ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾، والفاسق سفيه، فوجب أن لا يجوز دفع ماله إليه.
١٤٤٠١ - الجواب: أن ظاهر الآية منعنا من دفع مالنا إلى السفهاء، هذا حقيقة اللفظ.
وقوله تعالى: ﴿التي جعل الله لكم قياما﴾، يعني: معاشا، وقد فسر الآية على ذلك ابن عباس ﵁، فقال: (لا يقسم الرجل ماله بين ولده وعياله، ويصير عيالا عليهم وهم عياله، والمرأة أسفه السفهاء).
وروى الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: (ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجل له امرأة سيئة الخلق فلا يطلق، ورجل أعطى ماله سفيها، وقد قال الله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾، ورجل دائن لرجل فلم يشهد عليه).
وروي عن مجاهد: السفهاء النساء، فقد حمل الآية على حقيقتها صحابيان.
стр. 2803
وروي عن سعيد بن جبير، أن المراد: (ولا تؤتوا السفهاء أموالهم)، فأضافها إليهم، كما قال الله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾، أي لا يقتل بعضكم بعضا إلا أن التابعي لا يقابل قول الصحابة، لاسيما إذا حملوا اللفظ على الحقيقة.
١٤٤٠٢ - فإن قيل: لو كان المراد به أموالنا لم يكن لتخصيص السفهاء معنى، لأنه لا يجوز لنا دفع أموالنا إلى السفهاء حتى نصير عيالا عليهم، ولا إلى غير السفهاء.
١٤٤٠٣ - قلنا: تخصيص المذكور بالحكم لا يلزم أن يكون له فائدة أكثر من علم الله تعالى أن الصلاح في بيانه دون غيره.
١٤٤٠٤ - على أن له فائدة؛ لأنه منع من قسمة المال على السفهاء، النساء والصبيان، ويجوز أن يقسم المال على الرجال العقلاء المصلحين وإن صار عيالا عليهم؛ لأنه يسومهم ويسكن إلى قيامهم به، يبين ذلك: أنه تعالى قال: ﴿وقولوا لهم قولا معروفا﴾، وهذا يجوز أن يقال في النساء والصبيان، ولا يقال في الفساق؛ لأنه يجب أن يغلط على الفاسق ويزجره ويتوعده، فعلم أن المراد بالآية من ذكرنا: وأنه لا يجوز حملها على الفساق.
١٤٤٠٥ - قالوا: الفسق له تأثير في المنع من مال الغير، ولايتهم في مال نفسه، لهذا جوز له مخالفنا أن يزوج ابنته، والمعنى في المجنون: أنه لا يقف على مصالح ماله، فلم يجز تسليمه إليه، والفاسق يقف على مصالح المال، كالعدل.
١٤٤٠٦ - وتبطل هذه العلة باختلاف الدين، لأنه لا يمنع من التصرف في مال الغير، ولا يمنع مال نفسه.
١٤٤٠٧ - قالوا: ضبط الفاسق للمال وحفظه له غير موثوق به؛ لأن الفاسق
стр. 2804
يتبع الشهوة فلا يؤمن أن تعرض له شهوة يفسد ماله فيها، فكان بمنزلة المبذر.
١٤٤٠٨ - قلنا: إن كان يقف على مصالح ماله ويتمكن من حفظه لم يجز منعه منه لجواز أن تظهر عليه الشهوات، كما أن العدل يدفع إليه المال وإن جاز أن يطرأ عليه الفسق والسفه، ولهذا لا يحجر على السفيه عندنا، لأنه عارف مصالح المال، فإذا لم يستعملها، فهو المسقط لحق نفسه.
* * *
стр. 2805
مسألة ٧٢٠
دفع المال لمن بلغ غير رشيد
١٤٤٠٩ - قال أبو حنيفة: إذا بلغ غير رشيد جاز تصرفه في مال، ولا يدفع إليه حتى يبلغ خمسًا وعشرين سنة.
١٤٤١٠ - وقال الشافعي: لا يجوز تصرفه.
١٤٤١١ - لنا: أن من جاز تصريفه إذا كان رشيدًا جاز وإن كان مفسدًا لماله.
أصله: إذا طرأ السفه ولم يحجر الحاكم.
١٤٤١٢ - ولأن من توجه عليه الخطاب ببلوغه استفاد التصرف فيما يملكنه بالبلوغ.
١٤٤١٣ - ولأن من وجبت الزكاة في ماله جاز تصرفه فيه، كالرشيد.
١٤٤١٤ - [ولأنه مكلف تصرف في ماله الذي ليس لأحد فيه حق فنفذ تصرفه فيه كالرشيد].
١٤٤١٥ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿فإن أنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أمولهم﴾.
١٤٤١٦ - الجواب: أن الحكم المعلق بشرط لا يدل على نفي ما عداه.
следующие страницы →