Полный текст (6 324 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
١٤٣٨٩ - قلنا: لا يقتضي الظاهر إلا رشدا واحدا؛ لأن الآية خوطب بها المسلمون في أبنائهم، فعلم أن المراد بالرشد معنى زائد على الإسلام، أو على ضم الإسلام إليه لوجب أن يثبت جنس الرشد، أو لأثبتنا رشدا واحدا مع الرشد الذي هو الإسلام.
١٤٣٩ - قالوا: روي عن ابن عباس ﵁ في قوله تعالى: ﴿فإن ءانستم منهم رشدا﴾، قال: (إذا أدرك اليتيم بحلم وعقل ووقار).
١٤٣٩١ - وقال الحسن البصري: (صلاحا في دينه وحفظا لماله).
١٤٣٩٢ - قلنا: روي عن ابن عباس ﵁ أنه قال في الرشد: (الصلاح في العقل وحفظ المال)، وقال النخعي، ومجاهد: (العقل).
١٤٣٩٣ - وما رووه عن ابن عباس ﵁: (إذا أدرك بحلم ووقار)، فلا يدل على صلاح الدين؛ لأن الحليم الوقور قد يرتكب المعصية، فقول ابن عباس دلالة لنا.
١٤٣٩٤ - وما ذكروه عن الحسن يقابل بقول النخعي، وبقي لنا الظاهر الذي بيناه.
١٤٣٩٥ - ولأنه مصلح لماله؛ فوجب أن لا يمنع من ملكه، أصله: إذا كان رشيدا في دينه.
стр. 2802
١٤٣٩٦ - ولأن من لزمته العبادات لا يمنع ملكه منه لدينه، كالكافر.
١٤٣٩٧ - ولا يلزمه: المرتد أنه يمنع ماله منه، لأنه لا يملك ما في يده.
١٤٣٩٨ - فإن قيل: الكافر تثبت له الولاية على ولده، والفاسق لا تثبت له الولاية على ولده.
١٤٣٩٩ - قلنا: تصرفه في ماله لا يعتبر بولايته على غيره. ألا ترى: أن الفاسق يزوج نفسه عندهما ولا يزوج بنته، وعندنا يلي في مال نفسه، ولا يلي في مال ولده.
ولأنه نوع فسق؛ فلا يمنع من دفع ماله إليه، كالكفر.
١٤٤٠٠ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾، والفاسق سفيه، فوجب أن لا يجوز دفع ماله إليه.
١٤٤٠١ - الجواب: أن ظاهر الآية منعنا من دفع مالنا إلى السفهاء، هذا حقيقة اللفظ.
وقوله تعالى: ﴿التي جعل الله لكم قياما﴾، يعني: معاشا، وقد فسر الآية على ذلك ابن عباس ﵁، فقال: (لا يقسم الرجل ماله بين ولده وعياله، ويصير عيالا عليهم وهم عياله، والمرأة أسفه السفهاء).
وروى الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال: (ثلاثة يدعون الله فلا يستجاب لهم: رجل له امرأة سيئة الخلق فلا يطلق، ورجل أعطى ماله سفيها، وقد قال الله تعالى: ﴿ولا تؤتوا السفهاء أموالكم﴾، ورجل دائن لرجل فلم يشهد عليه).
وروي عن مجاهد: السفهاء النساء، فقد حمل الآية على حقيقتها صحابيان.
стр. 2803
وروي عن سعيد بن جبير، أن المراد: (ولا تؤتوا السفهاء أموالهم)، فأضافها إليهم، كما قال الله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾، أي لا يقتل بعضكم بعضا إلا أن التابعي لا يقابل قول الصحابة، لاسيما إذا حملوا اللفظ على الحقيقة.
١٤٤٠٢ - فإن قيل: لو كان المراد به أموالنا لم يكن لتخصيص السفهاء معنى، لأنه لا يجوز لنا دفع أموالنا إلى السفهاء حتى نصير عيالا عليهم، ولا إلى غير السفهاء.
١٤٤٠٣ - قلنا: تخصيص المذكور بالحكم لا يلزم أن يكون له فائدة أكثر من علم الله تعالى أن الصلاح في بيانه دون غيره.
١٤٤٠٤ - على أن له فائدة؛ لأنه منع من قسمة المال على السفهاء، النساء والصبيان، ويجوز أن يقسم المال على الرجال العقلاء المصلحين وإن صار عيالا عليهم؛ لأنه يسومهم ويسكن إلى قيامهم به، يبين ذلك: أنه تعالى قال: ﴿وقولوا لهم قولا معروفا﴾، وهذا يجوز أن يقال في النساء والصبيان، ولا يقال في الفساق؛ لأنه يجب أن يغلط على الفاسق ويزجره ويتوعده، فعلم أن المراد بالآية من ذكرنا: وأنه لا يجوز حملها على الفساق.
١٤٤٠٥ - قالوا: الفسق له تأثير في المنع من مال الغير، ولايتهم في مال نفسه، لهذا جوز له مخالفنا أن يزوج ابنته، والمعنى في المجنون: أنه لا يقف على مصالح ماله، فلم يجز تسليمه إليه، والفاسق يقف على مصالح المال، كالعدل.
١٤٤٠٦ - وتبطل هذه العلة باختلاف الدين، لأنه لا يمنع من التصرف في مال الغير، ولا يمنع مال نفسه.
١٤٤٠٧ - قالوا: ضبط الفاسق للمال وحفظه له غير موثوق به؛ لأن الفاسق
стр. 2804
يتبع الشهوة فلا يؤمن أن تعرض له شهوة يفسد ماله فيها، فكان بمنزلة المبذر.
١٤٤٠٨ - قلنا: إن كان يقف على مصالح ماله ويتمكن من حفظه لم يجز منعه منه لجواز أن تظهر عليه الشهوات، كما أن العدل يدفع إليه المال وإن جاز أن يطرأ عليه الفسق والسفه، ولهذا لا يحجر على السفيه عندنا، لأنه عارف مصالح المال، فإذا لم يستعملها، فهو المسقط لحق نفسه.
* * *
стр. 2805
مسألة ٧٢٠
دفع المال لمن بلغ غير رشيد
١٤٤٠٩ - قال أبو حنيفة: إذا بلغ غير رشيد جاز تصرفه في مال، ولا يدفع إليه حتى يبلغ خمسًا وعشرين سنة.
١٤٤١٠ - وقال الشافعي: لا يجوز تصرفه.
١٤٤١١ - لنا: أن من جاز تصريفه إذا كان رشيدًا جاز وإن كان مفسدًا لماله.
أصله: إذا طرأ السفه ولم يحجر الحاكم.
١٤٤١٢ - ولأن من توجه عليه الخطاب ببلوغه استفاد التصرف فيما يملكنه بالبلوغ.
١٤٤١٣ - ولأن من وجبت الزكاة في ماله جاز تصرفه فيه، كالرشيد.
١٤٤١٤ - [ولأنه مكلف تصرف في ماله الذي ليس لأحد فيه حق فنفذ تصرفه فيه كالرشيد].
١٤٤١٥ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿فإن أنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أمولهم﴾.
١٤٤١٦ - الجواب: أن الحكم المعلق بشرط لا يدل على نفي ما عداه.
стр. 2806
ثم لو قلنا به لم يدل؛ لأنه يقتضى منع الدفع إليه، وعندنا لا يدفع إليه لكن تصرفه نافذ فيه.
١٤٤١٧ - قالوا: من لا يدفع إليه ماله لعدم رشده؛ وجب أن لا يصح تصرفه، كالمجنون، والصبي.
١٤٤١٨ - قلنا: المجنون والصبي لا يقع طلاقهما، ولا يصح إقرارهما بالحدود والقصاص، فلم ينفذ تصرفهما، والبالغ العاقل بخلاف ذلك.
١٤٤١٩ - قالوا: منع المال منه مع جواز تصرفه لا فائدة فيه.
١٤٤٢٠ - قلنا: غلط، لأن الإنسان يتمكن من إتلاف مال نفسه إذا كان في يده ما لا يتمكن منه إذا كان في يد غيره، وهذا فائدته في المنع ليست بحجر، كما أن من رأيناه يلقي ماله في البحر لغير غرض خلينا بينه وبين ذلك ولم يحجر عليه، فإن تصرف جاز تصرفه في ماله، يبين ذلك: أنا إذا لم نسلم المال إليه لم يتمكن من هبته وإنفاقه ولا بيعه، لأن الناس لا يرغبون في الشراء منه.
стр. 2807
مسألة ٧٢١
دفع المال إذا بلغ غير رشيد وتمت له خمس وعشرون سنه
١٤٤٢١ - قال أبو حنيفة: إذا بلغ غير رشيد دفع ماله إليه، إذا تمت له خمس وعشرون سنه.
١٤٤٢٢ - وقال الشافعي: لا يدفع إليه ماله أبدًا.
١٤٤٢٣ - لنا: قوله تعالى: ﴿ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده﴾.
وقد روي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (بلوغ الأشد خمس وعشرون سنة)، وهذا يعلم من طريق التوقيف.
١٤٤٢٤ - ولأنه يصلح أن يكون جدًا، [ومن صار جدًا] فقد بلغ أشده.
١٤٤٢٥ - ولأنه مميز؛ فلا يجوز منع ماله منه بعد خمس وعشرين سنة، كالرشيد.
١٤٤٢٦ - فإن قيل: لا تأثير لذكر السن.
١٤٤٢٧ - قلنا: هو في الحكم، فلا يطالب بتأثيره، وإن كان في الوصف أثر في المراهق.
١٤٤٢٨ - ولأن ما اعتبر فيه الاحتلام جاز أن يتعلق بالسن، كوجوب العبادات.
стр. 2808
ولا عبرة بالبلوغ فاختص بحكم من الأحكام، كالعشر الأول يختص بالأمر بالصلاة والصوم.
١٤٤٢٩ - ولأنه قد ثبت من أصولنا أن السفه لا يوجب الحجر، وإنما يمنعه من ماله عقيب البلوغ انتظارًا لصلاحه، لأنه قد يبلع وهو [على] أخلاق الصبيان، ثم ينتقل عن ذلك، فإذا بلغ هذا السن فقد أيس من صلاحه، فلو منع منه المال كان حجرًا عليه، والحجر عندنا لا يجوز على البالغ العاقل.
١٤٤٣٠ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿فإن أنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم﴾، والفاء للتعقيب، فاقتضى دليل الشرط أن المال لا يدفع أليه عقيب البلوغ إذا لم يؤنس رشده.
١٤٤٣١ - وكذلك نقول: وهل يدفع إليه بعد ذلك الحال، موقوف على الدليل.
١٤٤٣٢ - قالوا: لأنه غير مصلح للمال، فوجب أن يمنع ماله منه، كما قبل خمس وعشرين سنة.
١٤٤٣٣ - [قلنا: ما قبل ذلك صلاحه منتظر، فكان في المنع فائدة لجواز أن يصلح، وبعد الخمس والعشرين] لا ينتظر الصلاح في الغالب، فلم يكن في المنع إلا الحجر عليه، والحجر على العاقل البالغ لا يجوز؛ لأن من بلغ غير ... مأمون على نفسه ضمه الولي إليه، فإذا كبر ضمه إلى نفسه، كذلك المال مثله.
стр. 2809
مسألة ٧٢٢
الحجر عليه بعد بلوغه رشيدًا وطروء السفه والتبذير عليه
١٤٤٣٤ - قال أبو حنيفة: إذا بلغ رشيدًا، دفع إليه ماله، فإن طرأ عليه السفه والتبذير لم يحجر عليه.
١٤٤٣٥ - وقال الشافعي: يحجر الحاكم عليه، وتصرفه قبل الحجر جائز.
١٤٤٣٦ - لنا: قوله تعالى: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا﴾ بعد ذكر المداينة، فأجاز مداينة السفيه ولم يفصل.
١٤٤٣٧ - يدل عليه ما روي: (أن حبان بن منقد أصابته آمة في رأسه وأثرت في عينيه، فكان يغبن في البيع، فجاء أهله رسول ﷺ ، فقالوا: احجر عليه، فقال له رسول الله ﷺ : لا تبع، فقال: لا أصبر عن البيع، فقال: إذا بعت فقل: لا خلابة، ولك الخيار ثلاثًا)، فلو كان الحجر واجبًا للسفيه لم يمنع ﷺ منه، لأنه
стр. 2810
لا يصبر عن التصرف
١٤٤٣٨ - فإن قيل: سؤالهم الحجر عليه يدل على أنهم عرفوا ذلك من الشرع.
١٤٤٣٩ - قلنا: قد عرفوا الحجر للمجنون، فظنوا أن ما أصابه بلغ به حد الجنون الموجب للحجر.
١٤٤٤٠ - فإن قيل: إنما لم يحجر عليه لأنه لما قال: (لا أصبر عن البيع) دل على أنه يقصد التجارة، ولا يقصد تضييع المال.
١٤٤٤١ - قلنا: من قصد التجارة وهو غير عارف بها، ويتلف ماله فيها، فيحجر عليه وإن لم يقصد تضييع المال.
١٤٤٤٢ - قالوا: فلم قال ﷺ : (لا تبع)؟.
١٤٤٤٣ - قلنا: إن المبذر نهاه الحاكم عن البيع طلبا لمصلحة لا على وجه الحجر.
١٤٤٤٤ - ولأنه مكلف؛ فلا يحجر الحاكم عليه في ملكه، كالمصلح.
١٤٤٤٥ - ولأنه لم يستفد التصرف من جهة غيره؛ فلا يجوز الحجر عليه في ماله، كسائر الناس.
١٤٤٤٦ - ولأن من جاز إقراره فتصرفه في ماله، كالمصلح.
١٤٤٤٧ - ولأنه إذا جاز تصرفه في نفسه وحرمة المال تابعة لحرمة النفس فجواز تصرفه في المال أولى.
١٤٤٤٨ - فإن قيل: العاقل [لا يتهم في الإقرار بما يهلك نفسه، ويهتم في تضييع المال.
стр. 2811
١٤٤٤٩ - قلنا: إنما يتهم العاقل] في صرف المال في الشهوات، فأما أن يتهم في أن يقر بماله فيتلفه بغير عوض فلا. وإن جاز أن يقر في ماله بغير حق فيتلفه جاز أن يقر على نفسه بما لا أصل له فيتلفها.
١٤٤٥٠ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا أو لا يستطيع أن يمل فليمدل وليه بالعدل﴾، فأثبت للسفيه وليا، فدل على جواز الحجر عليه.
١٤٤٥١ - الجواب: أن الله تعالى قد ذكر في أول الآية: المداينة، ثم ذكر السفيه المديون فدل على جواز مداينته، وهذا ينفي الحجر. وأما ذكر الولي فقد قيل: إن المراد به: ولي الدين؛ لأن السفيه إذا عجز أن يمل أملى ولي الدين لقدرته على الإملاء، فإذا سمع السفيه فاعترف بما عليه لزمه، ويحتمل: أن تكون الكناية راجعة إلى السفيه، فأثبت عليه الولاية، ويحتمل أن يكون المراد به: ولي الدين، وهو الذي تولى العقد بأمره.
١٤٤٥٢ - وإذا احتملت الولاية هذه الوجوه، لم يكن ما ادعوه من أن المراد بها ولي السفيه بأولى مما ذكرنا. بل ما قلنا أولى؛ لأنه ذكر السفيه، والضعيف، ومن لا يستطيع الإملاء، ثم ذكر الولاية، ولا يجوز أن يكون المراد فيمن لا يقدر على الإملاء ولاية الحجر، فلم يبق إلا أن يكون المراد بها ما ذكرناه؛ يبين
стр. 2812
ذلك: أن السفيه يعبر عن خفة العقل، وعن السفه باللسان والتبذير والفساد، فإذا حملنا الولاية على ما ذكرناه كان ذلك عامًا في وجوه السفه كلها، وإذا حملوه على ما قالوا خصوه بنوع من السفه دون بقية أنواعه، وفيما ذكرناه ... أولى.
١٤٤٥٣ - ويبين ذلك: أن إقرار السفيه عليه لا يقبل إلا فيما وليه من العقود عندهم، والآية تقتضي الإملاء بكل حال، فإذا حملناها على ما قدمنا جوزنا الإقرار ولم نخصص، فكان ذلك أولى من حمله على ما يؤدي إلى التخصيص.
١٤٤٥٤ - فإن قيل: ذكر الله تعالى المدين الذي عليه الحق ووصفه، فالكناية ترجع إليه لا إلى صفته.
١٤٤٥٥ - قلنا: قال الفراء: إن شئت جعلت الهاء راجعة إلى الحق، وإن شئت إلى المديون، فدل ذلك على جواز الرجوع إلى كل واحد منهما.
١٤٥٦ - احتجوا: بما روي (أن عبد الله بن جعفر ابتاع أرضًا بستين ألف درهم، فغبن فيها، فقال علي ﵁: لآتين أمير المؤمنين عثمان ﵁ أن يحجر عليك، فذكر ابن جعفر ذلك للزبير، أنا شريك فيها، فجاء علي ﵁ إلى عثمان ﵁ فذكر ذلك له، فقال: كيف أحجر على رجل شريكه الزبير؟).
стр. 2813
١٤٤٥٧ - قالوا: وقال ابن الزبير: (لئن لم تنته عائشة لأحجرن عليها).
١٤٤٥٨ - الجواب: أن توصل ابن جعفر إلى إسقاط الحجر يدل على أنه لا يرى ذلك واجبًا، وما عده الزبير له يدل على أنه يراه جائزًا؛ إذا لو كان حكمًا واجبًا لم يجز له التوصل إلى إسقاطه، ولوجب أن يحجر أن عثمان على الزبير أيضًا؛ لأنه تساوى مع ابن جعفر في تضييع المال.
١٤٤٥٩ - فإن قيل: إنما لم يحجر لأن الزبير كان مشهورًا بحفظ ماله وبمعرفة التجارات، فعلم أنه لم يغبن فيما شاركه فيه الزبير.
١٤٤٦٠ - قلنا: روي أن عثمان ﵁ قال: (ما يسرني أن تكون لي هذه الأرض بنعلين).
فهذا يدل على أنه تحقق الغبن، إلا أنه استعظم أن يحكم على مثل الزبير بخلافه.
وأما خبر عائشة ﵁ فقد روي: أنها حلفت أن لا تكلم ابن الزبير، وهذا إنكار منها لقوله، ولو كان ما قاله حكمًا ثابتًا لم يجز أن تنكره.
١٦٦/أ ١٤٤٦١ - فإن قيل: إنما أنكرت أن يكون ما فعلته/ موجب الحجر.
стр. 2814
١٤٤٦٢ - قلنا: لو كان كذلك ثبت، فلما لم يبين دل على أن إنكارها انصرف إلى جميع الكلام.
١٤٤٦٣ - قالوا: قال الله تعالى: ﴿إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين﴾، ولم يمكن المنع من ذلك إلا بالحجر.
١٤٤٦٤ - قلنا: بل يمكن المنع منه بالنهي والإنكار، كما يفعل في المعاصي.
١٤٤٦٥ - قالوا: روي أن النبي ﷺ قال: (إن الله كره لكم ثلاثًا: القيل والقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال)، وبالحجر يتوصل إلى المنع من ذلك.
١٤٤٦٦ - قلنا: الخبر يقتضي النهي، وكذلك تقول، والقاضي يزجر عنها وينكر على فاعلها، ولا يحجر عليهم فإنه منع الحجر بها.
١٤٤٦٧ - قالوا: لأنه معنى إذا قارن البلوغ منع دفع المال إليه، فإذا طرأ بعده أوجب انتزاعه من يده، كالجنون.
١٤٤٦٨ - قلنا: يبطل بالشك في حاله، هل هو رشيد أم لا؟ ولو قارن البلوغ منع من تسليم المال، ولو تجدد الشك لم ينزع ماله من يده.
١٤٤٦٩ - ولأن الجنون لما تعلق الحجر به لم يقف على حكم الحاكم، ولما لم يثبت الحجر على المبذر من غير حكم، لم يثبت بالحكم.
١٤٤٧٠ - قالوا: كل من كان في الحجر عليه نظر له، صح الحجر عليه، كالمراهق.
стр. 2815
١٤٤٧١ - قالوا: ولأن المراهق كالسفيه في تضييع المال ولا إثم عليه، فلأن يحجر على من يبذر ويأثم أولى.
١٤٤٧٢ - قالوا: ولأن المراهق يحجر عليه خوف التأذي، فلأن يحجر ينفس التبذير أولى.
١٤٤٧٣ – الجواب: أن المراهق لا يجوز تصرفه في نفسه فلا يجوز في ماله، والمبذر يجوز تصرفه في نفسه حتى يجوز إقراره بالقصاص والحدود، ولذلك يجوز تصرفه في ماله.
١٤٤٧٤ - ولأن الغالب من أمر الصبيان أنهم يضيعون المال ولا يهتدون إلى المصالح، فأجرى حكم الأغلب على الجميع، فحجر على من لا يبذر منهم، والغالب من حال الباغين أنهم يهتدون إلى حفظ المال ويحفظونه، فالتبذير نادر فيهم، فأجرى حكم الأغلب على النادر ولم يحجر عليه.
١٤٤٧٥ - قالوا: شهوات البالغ أعظم من شهوات المراهق، فهو أشد لتضييعه، فالحجر عليه أولى.
١٤٤٧٦ - قلنا: الأمر وإن كان كما ذكرتم إلا أن المراهق في الغالب لا يهتدي إلى المصالح فيحفظ ماله عليه؛ والبالغ يهتدي إلى مصالح ويقدر على حفظ ماله، فإذا أحب أن يضيعه لم يحجر عليه؛ ألا ترى: أن الصبي يولى عليه لحفظ ماله وإصلاحه، لأن ماله لو كان محظوظًا بنفسه كالعقار، فإن الحاكم يولي من يحفظه ويعمره ويستغله لعجزه عن القيام بذلك، ثم البالغ الذي ليس بمبذر إذا لم يثمر ماله لم يل الحاكم من يثمر ماله، لأنه قادر على ذلك بنفسه، كذلك في الحفظ مثله.
стр. 2816
مسألة ٧٢٣
الحجر علي الفاسق بعد طروء الفسق عليه
١٤٤٧٧ - قال أصحابنا: إذا طرأ الفسق لم يحجر علي الفاسق.
١٤٤٧٨ - قال المروزي: مذهب الشافعي: أنه لا يحجر عليه.
١٤٤٧٩ - وقال ابن سريج: إنه يحجر عليه.
١٤٤٨٠ - لنا: قوله تعالي: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾، فأوجب الحد بالقذف ولم يوجب الحجر.
١٤٤٨١ - ولأن النبي ﷺ أقام الحدود ولم يحجر على محدود، وكذلك الصحابة بعده، فلو وجب الحجر بطريان الفسق لحجروا.
١٤٤٨٢ - ولأن كل معني لا يوجب الحجر من غير حكم لا يوجب الحجر بحكم، أصله: إذا أنفق من ماله في ملاذه من غير معصية.
١٤٤٨٣ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا﴾، والفاسق سفيه.
١٤٤٨٤ - الجواب: ما بينا أالآية اقتضت جواز مداينة السفيه بالولاية المذكورة، فالآية محتملة فسقط التعلق بها.
١٤٤٨٥ - قالوا: كل معنى لو قارن البلوغ استديم الحجر عليه، فإذا طرأ بعد زواله أعيد عليه، كالمفسد لماله.
стр. 2817
١٤٤٨٦ - قلنا: هذا غير مسلم، لأن الفسق لا يؤثر في الحج، كما قدمنا، وإذا ثبت أن الفسق الطارئ لا يؤثر وهو إجماع قبل هذا القول.
١٤٤٨٧ - قلنا: كل معنى طارئ لا يوجب الحجر فأصله لا يوجبه، أصله: إذا تعلق في الملاذ المباحة، وعكسه: الجنون.
стр. 2818
مسألة ٧٢٤
أكل الوصي من مال اليتيم
١٤٤٨٨ - قال أصحابنا-: لا يجوز للوصي أن يأكل من مال اليتيم على طريق الأجر ولا القرض.
١٤٤٨٩ - وقال الشافعي: إن كان غنيًا؛ لم يجز له، وإن كان فقيرًا، ومتى تشاغل بحفظ مال اليتيم للنظر فيه انقطع عن الكسب الذي مادته منه, كان له أن يأكل من مال بقدر أجرة مثله قولًا واحدًا، وفيها أكل على قولين, أحدهما: لا ضمان عليه, قالوا: وهو الأصح, والثاني: عليه الضمان يؤديه إليه إذا وجد, كالمضطر إلى طعام الغير.
١٤٤٩٠ - لنا: قول تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم﴾.
١٤٤٩١ - وقال: ﴿وأن تقوموا لليتامى بالقسط﴾.
١٤٤٩٢ - وقال: ﴿فإن أنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم﴾.
١٤٤٩٣ - وقال الله تعالى: ﴿يأيها الذين أمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾.
١٤٤٩٤ - ولأن من يجوز له أخذ الأجرة على مال الصبي مع الغناء لم يجز مع الفقر.
стр. 2819
١٤٤٩٥ - ولأنه تصرف في مال الصبي، فلا يجوز له أخذ الأجرة، كالغني.
١٤٤٩٦ - ولأنه لما قبل الوصية بغير عوض مشروط فقد تبرع بمنافعه عليه، فلا يجوز أن يقومها عليه، كالمودع.
١٤٤٩٧ - ولأنه يتصرف في مال بأمر، كالوكيل.
١٤٤٩٨ - فإن قيل: المعني في المودع: أنه يمكن موافقة المالك على الأجرة، والوصي يلي في مال من لا يمكنه موافقته على الأجرة.
١٤٤٩٩ - ولأنه يقدر أن يرفع أمره إلى الإمام حتى يفرض له أجرة أو يستبدل به.
١٤٥٠٠ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿ومن كان غنيًا فليستعفف ومن كان فقيرًا فليأكل بالمعروف﴾.
١٤٥٠١ - قلنا: روي عن الضحاك: أنها منسوخة، وهي إحدى الروايتين عن ابن عباس ﵁، وقد روي عن ابن عباس: (أنه يأكل منه، ولا يكتسي). فهذه الآية محتملة للوجوه، والآيات التي ذكرناها محكمة، وقد أمر الله بحمل المتشابه على المحكم ورده إليه.
١٤٥٠٢ - قالوا: روى (أن أبا بكر ﵁ لما استخلف جمع المهاجرين والأنصار وقال: إن خليفة رسول ﷺ ناظر في أموركم، وقائم بأحوالكم، وأنه من المسلمين بمنزلة ولي اليتيم فافرضوا له)، فهذا يدل على أن ولي اليتيم يفرض له، وكذا نقول، والخلاف أنه هل يجوز أن يأكل من غير فرض.
стр. 2820
١٤٥٠٣ - قالوا: يلي في مال من لا يمكنه موافقته على الأجرة، فكان له منه قدر أجرته، كالعامل في الصدقات.
١٤٥٠٤ - قلنا: العامل لما لم يمنع من أخذ الأجرة مع الغني لم يمنع مع الفقر، ولما كان الوصي لا يجوز له أخذ الأجرة [مع الغني كذلك مع الفقر، والأصول له على هذا: أن من جاز له أخذ الأجر] إذا كان فقيرًا جاز له [إذا كان غنيًا، [ومن لا يجوز له مع الغني]، كذلك لا يجوز له مع الفقير.
١٤٥٠٥ - فإن قيل: إذا جاز أن يعمل في ماله مضاربة ويستحق حقه من الربح، جاز أن يستحق الأجر.
١٤٥٠٦ - قلنا: إذا عمل مضاربة بقدر ما يستحقه من الربح لم يملكه الصبي، وإنما يحدث على ملك المضارب.
١٤٥٠٧ - ولهذا قالوا: إن المريض لو دفع مالًا مضاربة وشرط للمضارب تسعة أعشار الربح جاز، وإن كان ذلك أكثر من أجرة المثل، ولو كان مقدار نصيب المضارب مستحقًا من مال رب المال لم يجز إلا أجر المثل.
١٤٥٠٨ - ولأن المضارب لما جاز له عمل المضاربة استوى فيه الوصي، والغني، والفقير، على مقتضى الأصول.
١٤٥٠٩ - فإن قيل: قد روي بشر بن الوليد، عن أبي يوسف: (أن الوصي
стр. 2821
لا يأكل من مال اليتيم إذا كان مقيمًا، وإن خرج في قضاء دين لهم أو إلى ضياع لهم، فله أن يكتسي وينفق ويركب، فإذا رجع رد الثياب والدابة إلى اليتيم).
١٤٥١٠ - وذكر الطحاوي: أن مذهب أبي حنيفة: أنه إذا احتاج أخذ قرضًا ثم يقضيه.
١٤٥١١ - قلنا: هذا مذهب أبي يوسف خاصة أجراه مجرى المضارب، والذي نعرفه من مذاهب أصحابنا: أنه لا يجوز أن يأخذ قرضًا ولا غير قرض، ولا يقرضه غيره.
وقد روى إسماعيل بن سالم، عن محمد بن الحسين، قال: (أما نحن فلا نحب للوصي أن يأكل من مال اليتيم شيئًا: قرضًا ولا غير قرض).
وذكر في كتاب الآثار عن ابن مسعود، قال: (لا يأكل الوصي من مال اليتيم قرضًا ولا غيره)، قال محمد: وهو قول أبي حنيفة.
стр. 2822
موسوعة
القواعد الفقهية المقارنة
المسماة
التجريد
كتاب الصلح
стр. 2823
مسألة ٧٢٥
الصلح مع الإقرار، والسكوت، والإنكار
١٤٥١٢ - قال أصحابنا: لا يجوز الصلح مع الإقرار، والإنكار، والسكوت.
١٤٥١٣ - وقال الشافعي: إذا ادعى عينًا أو دينًا؛ لم يصح الصلح، إلا أن يقربها المدعي عليه، فإن جاء أجنبي إلى المدعى فقال: المال الذي ادعيته على فلان هو مقر لك في الباطن، فصالحني منه، فصالحه صح الصلح، أذن له المدعى عليه أو لم يأذن. ولو قال: أنا أعلم أنك صادق وأنه ظالم في جحود الدين فصالحني، صح الصلح. وإن قال: العين التي ادعيتها أنت صادق في دعواها وأنا أقدر على انتزاعها فصالحني ففعل، صح الصلح، فإن لم يقدر على انتزاعها، انفسخ الصلح.
١٤٥١٤ - وقال في الإملاء: إذا بنى رجل مسجدًا فادعى مدع أنه له فجحد الباني، فقال قوم من أهل المسجد: نحن نعلم أن الأرض لك وقد بناها مسجدًا فصالحنا منها فصالحهم جاز.
стр. 2824
١٤٥١٥ - لنا: قوله تعالى: ﴿وإن امرأة خافت من بعلها نشوزًا أو إعراضًا فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحًا والصلح خير﴾، فذكر الله تعالى خوف النشوز بين الزوجين وجوز الصلح، قد يكون عرض النشوز والإعراض بسبب دعوى تدعيها عليه، ويكون لغير ذلك، وقد جوز الله تعالى الصلح عامًا، ولم يفصل.
١٤٥١٦ - فإن قيل هذه الآية نزلت في رافع بن خديج وزوجته خولة بنت محمد بن مسلمة الأنصاري، وكان رافع قد تزوج عليها أشب منها، فخافت امرأته منه الإقامة على النشوز والإعراض، فنزلت هذه الآية.
١٤٥١٧ - قلنا: قد روي أنها نزلت في شأن سودة، وهبت يومها لعائشة. وروى [عروة، عن عائشة]: (أنها نزلت في المرأة تكون عند الرجل فيريد طلاقها ويتزوج عليها، فتقول: امسكني ولا تطلقني ثم تزوج وأنت في حل من النفقة والقسم لي).
وروي عن على، وابن عباس ﵄: (أن الله/ تعالى أجاز لهما أن يصطلحا على ١٦٦/ب رد بعض مهراها، أو بعض أيامها تجعلها لغيرها).
١٤٥١٨ - وقال عثمان ﵁: (ما اصطلحا عليه في شيء، فهو جائز).
стр. 2825
١٤٥١٩ - وإذا اختلف في تأويلها وجب الرجوع إلى عموم اللفظ وإن نزل على سبب خاص.
١٤٥٢٠ - ويدل عليه: قوله تعالى: ﴿لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس﴾، ولم يفصل.
وروي: (أن النبي ﷺ دخل المسجد فرأى اثنين يتنازعان على ثوب، وقد ارتفعت أصواتها، فقال للمدعي: (هل لك إلى الشطر) قال: (لا)، قال: (هل لك إلى الثلثين)؟ قال: (نعم).
وهذا يدل على جواز الصلح على الإنكار.
١٤٥٢١ - فإن قيل: يجوز أن يكون الثوب في أيديهما.
١٤٥٢٢ - قلنا: لو كان كذلك لم يتعين المدعى منهما؛ ويدل عليه: ما روى أبو هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (المسلمون على شروطهم، والصلح جائز بين المسلمين).
١٤٥٢٣ - وروى أبو رافع عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: (الصلح بين المسلمين جائز).
١٤٥٢٤ - فإن قيل: هذا بعض الخبر، وتمامه: (إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا).
١٤٥٢٥ - قلنا: حديث أبي هريرة ﵁ ليس فيه استثناء، وإنما هذا رواه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده، فهما خبران راوي كل واحد
стр. 2826
منهما غير الآخر، ولو ثبت أنه خبر واحد لم يمتنع الاستدلال، لأنه ﷺ حكم بجوار الصلح وهذا عام، ثم استثنى صلحا بصفة خاصة، فإن لم يثبت أن الصفة موجودة فيه لم يخرج من الخبر. وقد اختلفنا في الصلح على الإنكار، هل وجدت فيه صفة الاستثناء، فلم يجز إخراجه من الخبر.
١٤٥٢٦ - فإن قيل: الدليل على وجود الصفة فيه: أن المدعي إما أن يكون صادقًا أو كاذبًا؛ فإن كان صادقًا وقد حرم عليه العقد أخذ بقية حقه، وكان حلالًا له، فقد حرم عليه حلالًا، وإن كان كاذبًا فقد أخذ ما لخصمه، وهو حرام عليه، فأحل العقد له حرامًا.
١٤٥٢٧ - قلنا: لا يجوز حمل الخبر على تحريم أوجبه العقد، أو تحليل أوجبه، لأنه لو كان كذلك لم يجز الصلح بعد الإقرار أيضا. ألا ترى: أنه إن صالحه على غير جنس حقه فقد أحل له الصلح ما كان حرامًا، وهو العين المعقود عليها، وإن وقع على جنس حقه فقد أحل له الصلح ما كان حرمًا، وهو العين المعقود عليها، وإن وقع على جنس الحق حرم حلالًا، وهو الباقي من حقه، فعلم أن المراد بالخبر غير ما ظنوه، وهو تحليل حرام لا يجوز استباحته بالعقد، أو تحريم حلال لا يجوز تحريمه بالعقد الأول، مثل: أن يصالحه المدعي على قطع يد المدعى عليه، أو يدعي قصاصًا في اليد فيصالحه على قطع عضو آخر، أو يصالح على خمر أو خنزير، أو يصالح المطلقة ثلاثًا على أن يتزوجها، أو يصالح المرأة على أن يزيدها في القسم، هذا كله لا يجوز استباحته بالعقد.
١٤٥٢٨ - النوع الثاني: إذا صالحه على عبد لا يبيعه، أو دار لا يسكنها، فهنا صلح حرم حلالًا لا يجوز تحريمه بالعقد، فأما المال فيجوز تحليله وتحريمه بالعقد، فيجوز الصلح عليه.
١٤٥٢٩ - وأما قولهم:- (إن المدعي إذا كان كاذبًا فقد أحل الصلح حرامًا) -، فههنا الصلح باطل عندنا، ويدل عليه: إجماع الصحابة.
стр. 2827
١٤٥٣٠ - وروى عن عمر ﵁ أنه قال: (ردوا الخصوم إلى أن يصطلحوا، فإن فصل القضاء يورث الضغائن).
وروي: (أن رجلين اختصما إلى على ﵁ في بغلة، فجاء هذا بشاهدين، وجاء هذا بخمسة، فقال لأصحابه: ما تقولون، قالوا: يقضي لأكثرهما شهودًا، فقال: لعل الشاهدين خير، ثم قال: فيها قضاء وصلح، أما الصلح فأن يجعل بينهما على عدد شهودهما)، فلم يشترط الإقرار، وروي: (أن حذيفة ﵁ أصاب ناقة في يدي رجل، فاستحقها بالبينة، فقال خصمه: ملكتها منك وأطلب يمينك، فقال حذيفة: خذ مني عشرة ولا تحلفني).
١٤٥٣١ - ولأنه صلح عن مال لم يحكم ببطلانه في الظاهر، فصار كالصلح عن المال المقر به.
١٤٥٣٢ - فإن قيل: المال المقر به للعقد وجه صحيح، لأن المدعي يأخذ عوضًا عن مال محكوم به، وفي مسألتنا: لم يحكم بشيء حتى يكون ما يأخذه في مقابلته.
١٤٥٣٣ - قلنا: المال المقر به غير محكوم به إلا بظاهر الإقرار، فجواز الصلح
стр. 2828
أنما هو لتجويز أن يكون الأمر كما قال المقر، لا للحكم به، ألا ترى: أن عينًا لو علمناها ملكًا لزيد فرأيناها في يد غيره يبيعها، وزعم أنه وكله ببيعها، فإن عقده يجوز عليها لجواز أن يكون صادقا وإن لم يحكم بالوكالة. ولو تبرع رجل فصدق المشتري فصالحه جاز الصلح وإن لم يثبت بتصديقه المال على المدعي عليه، بل جاز الصلح لتجويز أن يكون كما قال.
١٤٥٣٤ - ولأنها دعوى دين لم يحكم ببطلانه في الظاهر؛ فوجب أن يجوز الصلح عنه. أصله: إذا شهد شاهد واحد وحلف المدعي مع شاهده ثم صالح.
١٤٥٣٥ - فإن قيل: إذا اعترف العاقد بالدين فقد ثبت في حقه. بدلالة: أنه لو ورث المدعى عليه طولب بالدين، ولو كانت الدعوى في عين يملكها وجب تسليمها.
١٤٥٣٦ - قلنا: المصالح إنما يأخذ عوضًا عما ادعى في ذمة خصمه، وسقط بصلحه ما ادعاه حتى لو اعترف عليه لم يلزمه بعد الصلح شيء، ولم يثبت بتصديق الأجنبي حق في ذمة المدعي عليه حتى يؤخذ عنه العوض، ومع هذا جاز الصلح، فعلم أن العلة في صحته لما لم يحكم ببطلانه.
١٤٥٣٧ - ولأن كل صلح جاز مع إنكاره؛ أصله: إذا صالح الأجنبي وإذا حكم بصحة المال.
١٤٥٣٨ - ولا يمكن القول بموجب العلة، وإذا حكم عليه بشاهد ويمين، لأن هذا أصل العلة.
١٤٥٣٩ - ولأنه أحد جوابي الدعوى؛ فجاز الصلح مع وجوده من المصالح، كالإقرار.
١٤٥٤٠ - ولأن المقصود بالصلح إسقاط الحق، والتمليك تابع، بدلالة: أن من أراد إيفاء ما عليه لم يصالح، وإنما يصالح ويحط عنه، والإنكار لا يمنع إسقاط الحقوق،
стр. 2829
كالبراءة، والعتاق، والطلاق. يبين ذلك: أن من أبرأ من حق مجحود ثم اعترف به من هو عليه، سقطت المطالبة به.
١٤٥٤١ - قالوا: المقصود بالصلح المعارضة.
١٤٥٤٢ - قلنا: لو كان كذلك لكان بيعًا، فلما سمي باسم آخر دل على اختصاصه بمعنى ليس هو المعاوضة، فهو جائز عندنا، ولم يجز أن يصالح من المائة على خمسين وإن كان معاوضة، كما لم يجز أن يعاوض بذلك، فلما صح علم أن المقصود به: الإسقاط، والمعاوضة تابعة.
١٤٥٤٣ - قالوا: لو كان إسقاط حق لصح لصاحب الحق وحده، كالبراءة، والطلاق.
١٤٥٤٤ - قلنا: في مضمونه تمليك بعوض، وإن كان المقصود منه الإسقاط.
١٤٥٤٥ - قالوا: البراءة تصح من المدعي وحده؛ ففي زعمه أن حقه ثابت، وكذلك العتاق والطلاق يصح بقول المدعي وحده، وفي زعمه أن ملكه ثابت.
وفي مسألتنا: يصح الصلح بهما، وفي زعم الباذل أنه لا شيء عليه يصح بدل العوض عنه.
١٤٥٤٦ - قلنا: يبطل هذا إذا أقر الرجل على غيره بالعتق ثم اشترى ذلك العبد منه ففي زعم المشتري أنه لا ملك للبائع يصح بدل العوض عنه، ومع ذلك يصح العقد.
١٤٥٤٧ - فإن قالوا: المشتري يفتدي الحر من ظلم البائع.
١٤٥٤٨ - قلنا: والمدعى عليه يسقط عن نفسه الخصومة واليمين.
стр. 2830
١٤٥٤٩ - ولأن الصلح مع إنكار عقده أجنبي جاز، فإذا عقده بنفسه جاز، كالبيع من الإنكار تبع الإقرار.
١٤٥٥٠ - ولأن الأجنبي لو عقد الصلح بغير أمره جاز، فإذا عقده بأمره كان أولى بالجواز، كالكفالة. وإذا ثبت أنه يجوز أن يعقده بأمره] ثبت أنه لا يجوز للآمر أن يعقده؛ لأن أحدًا لا يفصل بينهما.
١٤٥٥١ - ولأن العقود اختلفت أسماؤها لاختلاف معانيها، بدلالة الكفالة والحوالة، كل واحد منها عقد ضمان، إلا أن اسمهما يختلف لاختلاف معناهما. وكذلك النكاح، والإجارة، وإن كان كل واحد منهما عقدًا على المنافع، فلما فرقوا بين الصلح والبيع دل على اختصاص الصلح بمعني يخالف البيع، وما ذاك إلا جوازه مع الإنكار.
١٤٥٥٢ - ولأن معنى الصلح: أنه وضع لقطع الدعوى والمنازعة، وذلك يوجد مع الإنكار، فأما مع الإقرار فصاحب الحق يبرئ أو يستوفي، فلا توجد حقيقة الصلح، لهذين الوجهين.
١٤٥٥٣ - قال أبو حنيفة: أجوز ما يكون الصلح عن الإنكار.
١٤٥٥٤ - ولأن الإقرار سبب لثبوت الحق؛ فلا يعتبر وجوده في صحة الصلح، كالبينة.
١٤٥٥٥ - ولأن اليمين تقضي إلى مال، فجاز الصلح عنه بمال كدم العمد.
стр. 2831
١٤٥٥٦ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾.
١٤٥٥٧ - والجواب: أن الله تعالى أجاز أكل المال بالتراضي على وجه التجارة، والمرجع في التجارة إلى العادة، ومن عادة التجار أن يتنازعوا في المعاملات، ثم يصطلحوا، فيجوز ذلك يظاهر الآية.
١٤٥٥٨ - احتجوا: بقوله ﷺ (إلا صلحًا أحل حرامًا أو حرم حلالًا)، وقد جعلنا هذا الخبر دلالة لنا.
١٤٥٥٩ - قالوا: المدعي عاوض على ما لم يثبت له، فوجب أن يكون له، وهذا المعنى يقتضي أن يملك بعوضه في الظاهر، كمن باع شيئًا في يده ملك في الظاهر ١٦٧/أعوضه، لأنه يجوز أن يملكه/.
١٤٥٦٠ - فإن قيل: هناك يقتضي الشرع أن المرجع في ملكه إلى قوله، فقد ثبت له.
١٤٥٦١ - قلنا: الأمر كذلك إلا أن هذا لا يوجب ثبوته، فلزم على الوصف.
١٤٥٦٢ - ويبطل بالأجنبي إذا اعترف بدين ثم صالح المدعى فإنه جائز، ولم يثبت الدين له، بدلالة: إنه إنما صالح عليه لو استحق رجع بالدعوى لا بالدين.
١٤٥٦٣ - ولأن حق الدعي وإن لم يثبت فقد وجب بالدعوى حقٌ على خصمه، فجاز أن يسقط عن نفسه ذلك الحق بعوض إذا كان المدعي يجوز أخذ العوض عنه.
١٤٥٦٤ - والمعنى فيمن باع ملك غيره: أن المشتري لم يستحق بهذا العقد شيئًا، ولا يملك عليه عوضًا، وفي مسألتنا: استحق بهذا العقد قطعُ الخصومة، فجاز أن يستحق عوضًا عليه.
١٤٥٦٥ - ولأن هناك عقد على مالا يملك وههنا عقد على ما يجوز أن يكون ملكه، فاستحق عوضه؛ ألا ترى: أن العقود على الصحة مع التجويز ولا تصح إذا لم
стр. 2832
يكن لها وجه في الجواز.
١٤٥٦٦ - قالوا: صلح عن جحود أو صلح عن دعوى مجردة؛ فوجب أن لا يصح. أصله: إذا ادعى عليه أنه قذفه.
١٤٥٦٧ - قلنا: المعنى فيه: أنه لو كان عن إقرار لم يصح الصلح، كذلك عن إنكار. وفي مسألتنا: يجوز الصلح عن المدعي مع وجود الإقرار، فجاز مع إنكار المدعى عليه، كصلح الأجنبي.
١٤٥٦٨ - قالوا: عاوض على ما لا يجوز أخذ العوض عنه ولا يصح له أو لا تملك العوض، أصله: إذا باع خمرًا، أو خنزيرًا، أو دمًا، أو ميتة، أو حد القذف، أو حق الشفعة، أو خيار الشرط.
١٤٥٦٩ - قلنا: الوصف غير مسلم، فإن المدعي أخذ العوض عن المال الذي ادعاه، والمدعى عليه بذل العوض لإسقاط الخصومة في حق المعاوضة عليه، وكل واحد من الأمرين يصح أخذ العوض عنه عندنا، فصار وصفهم مسألة الخلاف.
١٤٥٧٠ - فأما الخمر والخنزير فلا وجه لصحة العقد عليهما، فلم يصح، والصلح له وجه في الصحة، وهو: أن المدعي يجوز أن يكون صادقًا في دعواه.
١٤٥٧١ - وأما حد القذف، وخيار الشرط، والشفعة: فحقوق ليس فيها معنى المال، فلا يجوز أخذ المال عنها، واليمين حق يفضي إلى مال، فجاز الصلح عنه.
١٤٥٧٢ - قالوا: مال أخذه على سبيل المعاوضة؛ فوجب أن لا يلزم مع الإنكار.
أصله: إذا ادعى رجل على رجل دارًا فأنكره فجاء أجنبي إلى المدعي فصدقه، وقال: صالحني منها على كذا، أو بعينها بكذا، فإن الصلح صحيح لكنه غير لازم، لأنه إذا لم يقدر على الدار رجع عليه.
١٤٥٧٣ - قلنا: إذا عقد الصلح على أن يسلم الدار للعاقد فلم يسلم له، لم يستحق عليه عوضها، وفي مسألتنا: الحق مسلم في يد الخصم أو ذمته، فقد سلم له ما
стр. 2833
عقد عليه, فلذلك استحق عوضه عليه.
١٤٥٧٤_ قالوا: أخذ عوض الصلح واجب أن لا يصح حتى يكون محكومًا
بملكه لباذله, كالمال المصالح به.
١٤٥٧٥_ قلنا: لا فرق بين البدلين عندنا, لأنه لو ادعى كل واحد منهما على
صاحبه حقا فتصالحا على أن أسقط كل واحد دعواه جاز الصلح وتساوى حكم عوضه.
فأما إذا صالح على مال يأخذه فمتى لم يكن محكومًا به لم يسلم لخصمه شيء فلا
يصح الصلح, والمدعي (معارض) ذمة المدعى عليه, وإنما يستفيد بالعلم سقوط
المنازعة فيه, وهذا معنى قد سلم له, فلذلك صح العقد فيه وإن لم يحكم به للمدعي.
١٤٥٧٦ - قالوا: لا وجه لاستحقاق المال المبذول, فإنه لا يخلو من أن يكون
عوض المال المدعي, أو لترك الدعوى والخصومة, أو لافتداء اليمين, فلا يجوز
أن يكون عوضا عن المال المدعي, لأنه لم يثبت له ولم يملكه فلم يجز أن يملكه ما
في مقابلته, ولا يجوز أن يكون في مقابلة ترك الدعوى والخصومة, لأن ذلك يقتضي صحة الصلح من دعوى القذف ودعوى النكاح ولا يجوز عندكم فيهما, ولا يجوز أن يكون في مقابلة ترك اليمين, [لأن الصلح يمنع الرجوع عن دعوى المال وإقامة البينة عليه, وسقوط حقه في اليمين لا يمنع من سماع البينة على المال المدعي, فدل هذا على أنه ليس في مقابلة ترك اليمين] , فلم يبق إلا بطلان الصلح.
١٤٥٧٧ - وربما قالوا: لو كان عوضًا عن إسقاط اليمين لم تجب الشفعة في
عوضها, فلما وجبت الشفعة في الدار المصالح بها دل على أنها عوض عن الحق.
١٤٥٧٨ - الجواب: أن المال المبذول في حق المدعي في مقابلة حقه الذي زعم أنه له وفي حق خصمه لإسقاط الخصومة وافتداء اليمين, فالعقد حكم من كل واحد
من جنبته بخلاف الجنبة الأخرى, ومخالفنا يعتبر حكمه بكل واحد من الأمرين على
الانفراد, وهذا لا يصح. يبين ذلك: أن الشاهد على غيره في عتق عبد إذا ردت
стр. 2834
شهادته ثم ابتاع العبد جاز العقد واستحق البائع البدل, وحكم هذا العقد في حق البائع
المعاوضة, وما يأخذه عوض عن عبده, وفي حق المشتري حكمه مخالف لذلك, فلو
اعتبرنا حكم البيع من الطرفين لم يصح العقد مع اعتراف المشتري بفساده, ولو اعتبرنا حكم المفاداة لم يصح أن يأخذ البائع عوضا عن الحر, فاعتبر في حق كل واحد منهما ما صح معه العقد, كذلك في مسألتنا.
١٤٥٧٩ - فأما قولهم: كيف يأخذ العوض عما لم يحكم بملكه له, قلنا: هذه
مسألة الخلاف فكيف يجعل دليلًا؟.
١٤٥٨٠ - ولأنه قد ادعى الملك ويجوز أن يكون الأمر كما قاله, فيصح أن يأخذ
العوض في ظاهر الحكم, كمن في يده عبد لا يعلم أنه ملكه إذا باعه, فقولهم: لا
يجوز أن يكون عوضًا عن إسقاط الخصومة واليمين؛ لأنه لو كان كذلك لصح الصلح في حد القذف, فهناك عندنا لا تجب اليمين والحق لله تعالى, فلا يسقط بعوض, والخصومة إنما يتعوض عنها إذا كانت فيما يصح أخذ العوض عنها, فأما دعوى النكاح فيجوز الصلح عنها, وإن كان الزوج أخذ المال كان خلعًا في حقه, وإن أخذته المرأة كان ذلك زيادة في المهر.
١٤٥٨١ - فأما قولهم: (لو كان لإسقاط اليمين لقبلت البينة بعده, كما لو استوفى اليمين ثم أقام البينة) فغلط؛ لأن المدعي لم يتعوض عن اليمين, وإنما تعوض عن المال المدعى, وكيف يصح أن يطالب به, بعد ذلك ويستوفيه؟ وإنما الشبهة على مخالفنا: أنه يعتبر الحكم في إحدى جنبتي العقد مما يقتضيه الحكم في الأخرى مع اختلافهما.
١٤٥٨٢ - قالوا: ما كان معاوضة في إحدى جنبتي العقد كان معاوضة في الجنبة الأخرى.
стр. 2835
١٤٥٨٣ - قلنا: يبطل بمسألة دعوى العتق, فإن العقد بيع في حق البائع, وليس يبيع عند المشتري.
١٤٥٨٤ - قالوا: العقد مبني على قول من جعل القول قوله في الشريعة, بدلالة: أن المودع إذا ادعى هلاك الوديعة ثم صالح لم يصح الصلح, وبقي العقد على قول المودع الذي جعلت الشريعة القول قوله, وقد جعلت الشريعة القول قول المدعى عليه, فيجب أن يبني العقد على قوله, ولا يصح أخذ العوض عنه, ولهذا قلنا في مسألة العتق:- إذا اشترى العبد يدعي العتق- إن الشراء جائز, لأن الشريعة جعلت القول قول المدعى عليه, ولم تجعل القول للأجنبي, [ثم بني العقد على قول الأجنبي] وصح الصلح، فدل على أن العقد يبني على قول من يدعي صحة العقد دون من يدعي فساده.
١٤٥٨٥ - وأما مسألة المودع: فهي خلاف بين أبي يوسف ومحمد, وقد قال محمد: إن الصلح بعد دعوى هلاك الوديعة صحيح، وليس لأبي حنيفة قول، فلم نسلم لهم، فأما على قول أبي يوسف: فلأن المودع أمين قائم مقام صاحب الوديعة، فقوله كقول صاحب الوديعة.
١٤٥٨٦ - فإذا قال: هلكت، فكأن صاحب الحق اعترف بهلاكها، ولو اتفقا على الهلاك لم يصح الصلح.
١٤٥٨٧ - فإن قيل: إذا ادعى غاصب العبد أنه هلك أو أبق، ثم صالح مالكه على مكيل في الذمة لم يصح، ولو بنى العقد على قول المالك لم يتضمن صحة العقد [ولوجب أن يصح الصلح.
١٤٥٨٨ - قلنا: يجوز، وإن بنينا العقد على قول المالك، لم يتضمن صحة العقد]؛ لأن العبد ليس بقائم في يد الغاصب، فلابد من أن يكون في الذمة، والصلح عما في الذمة على طعام في الذمة لا يصح.
стр. 2836
مسألة ٧٢٦
نقض ما شرع من أجنحة في طرق المسلمين
١٤٥٨٩ - قال أبو حنيفة: إذا أشرع جناحًا إلى طريق المسلمين فلكل واحد منعه من إحداثه، وإن أحدثه فلهم المطالبة بنقضه.
١٤٥٩٠ - وقال الشافعي: إذا كان لا يضر بالطريق، بأن كان عاليًا تجتاز تحته الجمال بأجمالها ولا يتعلق به، لم يكن لأحد قلعه.
١٤٥٩١ - ومنهم من قال في الطريق الذي لا ينفذ: مثل ذلك: إذا كان لمن أحدث الروشن الاستطراق فيه، فإن أخرج روشنًا من ظهر داره في درب لا طريق فيه، لم يجز.
١٤٥٩٢ - ومنهم من فرق بين الدرب الذي لا ينفذ له وبين الشارع، فقال: لا يجوز في الدرب، ويجوز في الشارع.
١٤٥٩٣ - لنا: ما روي (أن عمر بن الخطاب مر بدار العباس، فرأى ميزابًا يقطر منه الماء فقلعه فخرج إليه العباس، وقال: قلعت ميزابًا نصبه رسول الله ﷺ ، فقال: والله لارددته إلا على عنقي، فصعد العباس على ظهر عمر حتى رده).
стр. 2837
١٤٥٩٤ - وجه الدليل: أن عمر قلعه، فلو كان حقًا على صاحب الدار لم يرده فلما أخبره أن رسول الله ﷺ نصبه رده، لأن الإمام له أن بإذن في ذلك، ويقوم ١٦٧/ب إذنه مقام/ إذن جميع الناس.
١٤٥٩٥ - ولأن من يثبت له حق المنع من البناء في الطريق يثبت له المنع من البناء في هوائه؛ أصله: إذا أشرع في درب لا ينفذ، فإن سووا بينهما جعلنا أصل العلة من أشرع من ظهر داره في درب لا طريق له فيه.
١٤٥٩٦ - ولأنه بناء في هواء أرض مشتركة، فصار كالبناء في هواء دار مشتركة.
١٤٥٩٧ - ولا يلزم: إذا أذنوا؛ لأنه يستوي فيه الأصل والفرع.
١٤٥٩٨ - ولأنه بنى فيما لا ينفرد بملكه بغير إذن آدمي، فكان كمن له فيه حق منفعة، كما لو بنى في دار مشتركة، أصله: إذا كان البناء يضره.
١٤٥٩٩ - احتجوا: بإجماع أهل الأعصار في ترك الأجنحة من لدن النبي ﷺ إلى يومنا هذا، وإن كان يسوغ المنع لما اتفق على تركها.
١٤٦٠٠ - قلنا: عندنا يجوز إخراجها ويحل الانتفاع بها حتى يمنع مانع منها، ولم ينقل أن أحدًا من المسلمين اعترض على ذلك فمنع من الاعتراض. فلم يكن في
مجرد الفصل حجة. وهذا كبناء الدكاكين في الأفنية، والناس يغطونها في
سائر الأعصار وإن كان للحاكم أن ينقضها بإجماع، وكذلك الأجنحة التي ليست
مرتفعة لا ينكرونها وإن لم تجز بإجماع.
стр. 2838
١٤٦٠١ - قالوا: الهواء تابع لقراره؛ لأن من ملك القرار ملك الهواء، ثم يثبت له أن ينتفع بالقرار على وجه لا يضر بالمارة والمجتازين؛ فوجب أن ينتفع بالهواء على وجه لا يضرهم، هذه علة من سوى بين الطريق النافذ وغير النافذ.
١٤٦٠٢ - قلنا: يبطل بالمساجد، فلكل واحد من المسلمين الانتفاع بقرارها على وجه لا يضر أحدًا بها.
١٤٦٠٣ - ولأنه ينتفع بتراب الطريق على وجه لا ينفرد به ولا يقطعه عن غيره،
ولو أراد أن يقتطعه لم يجز وإن لم يضر، كما لو بني في الطريق الواسع، كذلك ليس له أن يقطع الهواء عن غيره فينفرد به وإن كان ذلك لا يضر.
١٤٦٠٤ - قالوا: ارتفق بما لا يتعين ملك أحد عليه من غير إضرار؛ فوجب أن لا يمنع منه. أصله: الاجتياز في الطريق والجلوس فيه والاحتساب، وهذه علة من فرق
بين الشارع والدرب الذي لا ينفذ، وهي فاسدة أيضًا؛ لأنها تبطل إذا بني في الطريق الواسع مالا يضر، أو بني في هواء المساجد.
١٤٦٠٥ - فإن قيل: قد يعتبر أن المساجد حق الله تعالى.
١٤٦٠٦ - قلنا: المساجد حق لجماعة المسلمين، وحق الله تعالى يتعلق بها، كالشوارع. وأصلهم: الاجتياز في الطريق، وقد ثبت الفرق بينهما.
١٤٦٠٧ - ولأن ما يثبت فيه حق الغير لا يجوز أن يقتطع عن حقه، سواء كان (غير معين أو) معينًا، كمال بيت المال، فلما ثبت أن الحق إذا ثبت في الطريق لمعين لم يجز أن يقتطع، وهو الطريق الذي لا ينفذ، كذلك ما يثبت لغير معين.
стр. 2839
١٤٦٠٨ - قالوا: أخرج جناحًا، يجوز له إخراجه، فلا يجوز قلعه بغير إذنه، [كما لو أخرج] روشنًا إلى ملك نفسه.
١٤٦٠٩ - قلنا: إنما يجوز الإخراج عندنا إذا صح عدم المانع، ولو لم يقصد لم يجز له، فإذا طولب في الثاني فقد زالت علة الجواز، فصار كما لو كان المنع ابتداء.
١٤٦١٠ - ولأنه إذا أشرع في ملك نفسه لم يقتطع حقًا لغيره، فلم يعترض عليه، وفي مسألتنا: قد اقتطع حقا لغيره، فجاز أن يمنع منه.
стр. 2840
مسألة ٧٢٧
التنازع في ملكية الحائط بين دارين
١٤٦١١ - قال أصحابنا: إذا كان الحائط بين دارين ولأحدهما عليه جذوع وليس للآخر اتصال ولا جذوع، فتنازعاه، فصاحب الجذوع أولى، وإن كان لأحدهما جذع واحد وليس للآخر الجذوع. ذكر الطحاوي في مختصره أنه إذا كان لأحدهما عليه حمولة خشب فهو أولى به، وهذا يدل على أن صاحب الجذع الواحد أولى به. وقال في كتاب الصلح: إذا كان لأحدهما جذوع كثيرة ولآخر جذع واحد، فلكل واحد منهما ما في يده، فجعل الجذع الواحد يدًا، وهنا يقتضى أن صاحب الجذع الواحد أولى.
١٤٦١٢ - وقال الشافعي: الحائط بينهما ولم يرجح بالجذوع، وقال: إن كان لأحدهما اتصال أو عليه أزج؛ فصاحب الاتصال والأزج أولى.
١٤٦١٣ - واتفق أصحابه: أن راكب البعير أولى من المتعلق بخطامه، إلا المروزي فإنه قال: إنهما سواء.
١٤٦١٤ - لنا: أنهما لو تنازعا حائطًا ولأحدهما عليه ما يبني له الحائط،
следующие страницы →