Полный текст (6 324 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
مسألة ٧٣٧
رجوع الضامن على المضمون له إن أدى بإذنه
١٤٧٦٥ - قال أبو حنيفة، ومحمد: إذا قال الرجل لفلان: اضمن ألفًا، أو ادفع إلى فلان، أو انقد فلانًا، وَفَعَل المأمور، لم يرجع على الآمر، إلا أن يكون خليطًا أو في عياله.
١٤٧٦٦ - وقال الشافعي: إذا ضمن بإذنه وأدى بإذنه رجع، وإن ضمن بغير إذنه وأدى بإذنه، فأكثر الصحابة على أنه لا يرجع، وهو ظاهر مذهبه.
١٤٧٦٧ - ومن أصحابه من قال: يرجع.
وإن ضمن بإذنه وأدى بغير إذنه ففيه ثلاثة أوجه، أحدهما: يرجع، والثاني: لا يرجع، والثالث: إن كان مضطرًا، مثل أن يكون المكفول عنه غائبًا لا يتوصل إلى إذنه رجع، وإن كان غير مضطر لم يرجع.
١٤٧٦٨ - لنا: حديث ابن عباس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ألا وإن المسلم أخو المسلم، لا يحل دمه، ولا شيء من ماله إلا بطيب نفسه)، وهذا لم تطب نفسه لذلك.
стр. 2872
١٤٧٦٩ - ولأنه غير حاضر، فوجب أن لا يرجع عليه بما أمره، فضمانه مطلقًا كالصبي والمأذون إذا أمرا.
١٤٧٧٠ - ولا يلزم: من في عياله وأقاربه، لأنه خليط في المنزل.
١٤٧٧١ - ولأنه أمرا أجنبيًا بضمان مال غيره، فضاف إلى نفسه، فلم يثبت له به الرجوع وإن أذن له في الأداء، كما لو قال: أضمن عن فلان ألفًا.
١٤٧٧٢ - ولأنه إذا قال: اضمن، احتمل الضمان عنه، واحتمل عن غيره، وأحدهما يقتضي الرجوع، والآخر لا يوجب ذلك، فلم يثبت الرجوع بالشك.
١٤٧٧٣ - ولا يلزم: الخليط، لأن العادة أن يأمره ليرجع عليه، فصارت العادة كشرط الرجوع.
١٤٧٧٤ - احتجوا: بأنه ضمن بإذنه، فوجب أن يرجع عليه، كما لو قال: اضمن عني.
١٤٧٧٥ - الجواب: أنه إذا قال: اضمن عني، فقد أمر بإسقاط الدين المضمون عنه، فإذا قضى فقد ملكه ما في ذمته بأمره، فصار كمن ملكه عينًا بأمره، وإذا لم يقل: عني، فلم يوجد التمليك، ولا شرط الرجوع نطقًا ولا عادة، فلا يرجع، كما لو قال: اضمن عن فلان.
١٤٧٧٦ - قالوا: كل من كان له الرجوع عليه بما يضمن إذا قال: اضمن عني، فإن له الرجوع وإن أطلق الضمان، كالخليط.
١٤٧٧٧ - قلنا: الخليط بينهما عادة تقتضي الضمان، فقامت مقام الشرط.
الدليل عليه: أن من فتح دكانًا في صناعة كان الظاهر أنه يعمل بالأجرة وإن لم يشرط، وقامت العادة فيه مقام الشرط، كذلك ههنا.
стр. 2873
مسألة ٧٣٨
الضمان بالمجهول
١٤٧٧٨ - قال أصحابنا: يجوز الضمان بالمجهول، مثل أن يقول: تكلفت بمالك على فلان، وبما يخرج في حسابك عليه، ويجوز تعليق الضمان بخطر، مثل أن يقول: ما قضى لك على فلان وما بايعته.
١٤٧٧٩ - وقال الشافعي: لا يجوز ضمان المجهول، ولا ضمان ما لم يجب.
قال ابن سريج: وفيها قول آخر: إن ضمان المجهول جائز، ونص الشافعي على جواز ضمان الدرك، وخرج ابن سريج فيه.
١٤٧٨٠ - لنا: قوله تعالى: ﴿ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم﴾، فجوز ضمان المجهول، لأن ما يحمله البعير يزيد وينقص، وجوز تعليق الضمان بشرط المجيء.
стр. 2874
١٤٧٨١ - فإن قيل: كان حمل البعير معلومًا، وهو الوسق.
١٤٧٨٢ - قلنا: حمل البعير ما يحمله، وهذا يزيد تارة وينقص أخرى.
١٤٧٨٣ - قالوا: كيف تحل هذه الكفالة مع جهالة المكفول؟.
١٤٧٨٤ - قلنا: عندنا يصح الضمان إذا كان المضمون له يصير معلوما عند وجوب المال، كما لو خاطب رجل جماعة فقال: من خاط منكم هذا الثوب فله درهم، وقال آخر: أنا كفيل به.
١٤٧٨٥ - قالوا: قوله ﴿وأنا به زعيم﴾ يحتمل: أن يكون المؤذن ضمن عن اْلمَلِكِ، ويحتمل: أن يكون حكى قول الملك، كأنه قال: شرط لمن جاء به حمل بعير وأنا له ضامن.
١٤٧٨٦ - قلنا: ظاهر قوله: (زعيم) أنه ضمن ما يجب على غيره، فأما من شرط الضمان على نفسه فعقده، فلا يقال: إنه زعيم، وإنما يقال ذلك فيمن خاطب عن غيره، ولهذا يقال: فلان زعيم القوم، بمعنى أنه يتكلم عنهم، ويدل عليه: قوله ﷺ : (الزعيم غارم)، ولم يفصل.
١٤٧٨٧ - ولأن المال تارة يجب معلومًا بالعقود، وتارة مجهولًا بالإتلاف، فلما جاز ضمان أحدهما جاز ضمان الآخر. وتحريره: كل ما يجب ضمانه جازت
стр. 2875
الكفالة به، كالمعلوم.
١٤٧٨٨ - ولأنه نوع ضمان، فجاز تعليقه بشرط يوجد في الثاني، كضمان الدرك، وإن شئت قلت: فجاز في المجهول، أصله: ضمان الدرك.
١٤٧٨٩ - فإن قيل: إذا استحقت الدار ثبت إن كان ضمن ما كان موجودًا.
١٤٧٩٠ - قلنا: إلا أنه عند العقد يجوز أن يكون هناك استحقاق، ويجوز أن لا يكون، فلولا أن الضمان يتعلق بالأخطار لم يصح مع التجويز، كما لا يصح البيع مع التجويز إذا قال: بعتك هذا العبد إن كنتُ ورثتهُ لم يصح البيع وإن ثبت أنه كان ورثه.
١٤٧٩١ - ولأن ضمان الدرك قد يكون فيما ليس بمستحق عند الضمان، ألا ترى: أنه يشترى دارًا فتجب الشفعة ثم يبيعها المشتري، فيضمن ضامن الدرك، فإذا أخذها الشفيع وجب على الضامن الثمن، وإن لم يبين البائع، حتى لا يختص بما لا يستحقه.
١٤٧٩٢ - فإن قيل: في ضمان الدرك إما أن تُستحق جميع الدار أو بعضها، فالضمان يتعلق بما هو مستحق منها، وذلك معلوم.
١٤٧٩٣ - قلنا: فيجب أن يقولوا ففي الفرع مثله، إذا قال: ضمنت لك ما يخرج في حسابك عليه، فإن ذلك معلوم في نفسه وإن لم يكن معلومًا عنده، ومع ذلك لا يجوز ضمانه.
١٤٧٩٤ - فإن قالوا: في ضمان الدرك قولان.
١٤٧٩٥ - قلنا: ضمان الدرك نص الشافعي عليه، وأجمع المسلمون أيضا على جوازه، حتى قال ابن سريج تخريجًا لقول آخر، فلا تضرنا المنازعة فيما ثبت بإجماع.
стр. 2876
١٤٧٩٦ - فإن قالوا: ضمان الدرك جاز للضرورة في التوثق بالأيمان، لأن البيع لا يؤنس أن يستحق، ولا يجوز أخذ الرهن به، ولا تنفع الشهادة، لأنه ربما استحق المبيع، وقد أفلس البائع، فلذلك جوزنا التوثق بالضمان، لأن الجهالة والخطر يسامح فيهما بقدر الحاجة، فإذا كان له عليه مالًا يقفان على مبلغه، فلا يمكن أخذ الرهن به، ولا يقع التوثق بالشهادة، فيجب أن تجوز الكفالة قبل أجل الحاجة على قولكم.
١٤٧٩٧ - ولأن كل دين لو ذكر مبلغه صح الضمان، [فإذا لم يذكر صح الضمان]، أصله: إذا قال للزوجة: ضمنت لك نفقتك اليوم، جاز بالاتفاق، لأن عندهم: أن النفقة مقدرة.
١٤٧٩٨ - ولأنه عقد على ما ليس في مقابلته مال مشروط، فجاز أن يتعلق بخطر، كالوصية.
١٤٧٩٩ - ولا يلزم: الهبة، لأنه يجوز تعليقها بالخطر إذا قال: وهبت لك الدين الذي في ذمة فلان، صح العقد ووقف على قبض الدين فيه.
١٤٨٠٠ - ولأنه سبب لضمان ما ليس في مقابلته بدل مشروط، فصح في المجهول، كالإقرار.
احتجوا: بنهيه ﷺ عن الغرر.
١٤٨٠١ - قلنا: روى (أنه نهى عن بيع الغرر)، وهذا مقيد، وخبر كم مطلق، ومن أصلكم: بناء المطلق على المقيد، وقد عارضه قوله ﷺ : (الزعيم غارم).
стр. 2877
فإن قيل: ذلك عام.
١٤٨٠٢ - قلنا: هو عام من وجه خاص في الكفالة، وخبركم خاص من وجه عام من وجه.
١٤٨٠٣ - فإن قيل: قوله: (الزعيم غارم) يقضي أن يكون غارمًا في الحال الذي يسمى زعيمًا، ومتى علق الكفالة بشرط لم يكن غارمًا حتى يسمى كفيلًا.
١٤٨٠٤ - قلنا: قوله: (الزعيم غارم)، معناه ما يجب على المكفول عنه، فإذا علق الكفالة بالشرط فإن لزم المكفول عنه مال، فهو غارم عنه.
١٤٨٠٥ - قالوا: يثبت مال في الذمة بعقد، فوجب أن لا يصح مجهولًا، كالثمن في البيع، والأجرة في الإجارة.
١٤٨٠٦ - قالوا: ولا يلزم المهر، لأنه ثبوت مال بعقد ليس يثبت (بدلًا عن مال آخر).
١٤٨٠٧ - قلنا: الثمن والأجرة كل واحد منهما بدل في عقد الإبدال، لا يثبت في المعاوضات مع الجهالة.
١٤٨٠٨ - وفي مسألتنا: المال لا يثبت بدلًا، وإنما الكفالة سبب من أسببا الضمان، وأسباب الضمان مبنية في الأصول على الغرر والخطر والجهالة، ألا ترى: أنه لو وكل إنسانًا بشراء شيء فإن الموكل يضمن مثل ما يلزم الوكيل، ويجوز أن يشتري، ويجوز أن لا يشتري، ولا يعلم مقدار ما يباع به، (والكفيل) بالوديعة يضمن مثل ما يلحق المودَع من الضمان، وذلك خطر ومجهول، كذلك الكفالة
стр. 2878
لما كانت من أسباب الضمان.
١٤٨٠٩ - قالوا: ضمان مجهولِ، فلم يصح، كما لو قال: ضمنت لك بعض مالك على فلان.
١٤٨١٠ - قلنا: هذا يصح عندنا، والخيار فيه إلى الضامن يبين أي مقدار منها، كالراهن.
١٤٨١١ - قالوا: وثيقة بالحق، فلم يصح بالمجهول.
١٤٨١٢ - قلنا: يبطل بضمان الدرك، ثم قد يجوز الضمان بما لا يصح الرهن باتفاق، بدلالة: لو ضمنه (أي الدرك) جاز، ولو أعطى به رهنًا لم يجز.
١٤٨١٣ - قالوا: وثيقة بالمال قبل وجوبه، فصار كما لو قال: إن دخلت الدار.
١٤٨١٤ - قلنا: هناك لم يضف الضمان إلى سبب الوجوب، ولا إلى سبب يتمكن من المطالبة به، ولما أضاف الضمان في مسألتنا إلى سبب وجوب الحق، جاز كضمان الدرك.
стр. 2879
مسألة ٧٣٩
الكفالة عن ميت لم يترك وفاء
١٤٨١٥ - قال أبو حنيفة: لا تصح الكفالة عن ميت لم يترك وفاء.
١٤٨١٦ - وقال أبو يوسف: تصح الكفالة، وبه قال الشافعي.
١٤٨١٧ - والكلام في هذه المسألة يقع في فصول ثلاثة. أولها: في نفس المسألة، والثاني: مبني الكلام على سقوط الدين بالموت، الثالث: على طريقة أخرى، أن الدين ينقص.
١٤٨١٨ - أما الكلام في نفس المسألة فالدليل عليه: ما روي أبو موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إن أعظم الذنوب عند الله يلقاه بها [عبد] بعد الكبائر التي نهى الله عنها أن يموت رجل وعليه دين لا يدع له قضاء)، ذكره أبو داود، ولو صح
стр. 2880
الضمان عنه لم يكن لقوله: (ولا يدع له وفاء) معنى.
١٤٨١٩ - ولأن المطالبة سقطت بهذا الدين على التأييد، فوجب أن لا يصح ضمانه، كما لو أبرأه صاحب الدين، أو استرق الحربي، أو وهب المولى العبد المدين من غرمائه.
١٤٨٢٠ - ولا يلزم: إذا ترك وفاء، لأن المطالبة بالدين لم تسقط إذ الوصي يطالب به الوارث.
١٤٨٢١ - ولا يلزم: إذا استعار شيئًا فرهنه به ثم مات مفلسًا، لأن المطالبة تسقط عندنا ويأخذ صاحب الرهن رهنه، ولا تصح الكفالة به، ذكر محمد في الزيادات ما يدل على ذلك.
١٤٨٢٢ - قالوا: لا نسلم سقوط المطالبة على التأييد، لأنه يجوز أن يتبرع إنسان بالكفالة فيطالب.
١٤٨٢٣ - قلنا: هذه مطالبة تجددت عندكم بعد أن كانت المطالبة سقطت عن المدين وعمن قام مقامه على التأييد، فالصف صحيح.
١٤٨٢٤ - فإن قيل: المعنى في البراءة: أنها تمنع استدامة الكفالة، فلا تمنع ابتداءها.
١٤٨٢٥ - قلنا: هذه المعارضة لا نسلمها إذا استرقى الحربي، لأن الرق لا يمنع الكفالة لو كانت عليه دون في دار الحرب بها كفيل، فاسترق لم تبطل الكفالة.
١٤٨٢٦ - ولأنه قد يمنع ابتداء الشيء ما لا يمنع استدامته، ألا ترى: أن براءة المحيل لا تمنع استدامة الحوالة، ولو وقعت الحوالة بعد البراءة لم تصح.
стр. 2881
١٤٨٢٧ - ولأن البراءة تسقط الدين في أحكام الدنيا، وتبقيه في أحكام الآخرة، فمنع الابتداء ولم يمنع من البقاء.
ولأنه دين طرأ عليه ما يمنع ابتداء المداينة، وأثر ذلك في منع الكفالة، كالحربي يسترق.
١٤٨٢٨ - ولأن كل دين لا يصح ضمان المجهول منه لا يصح ضمان المعلوم، كمال الكتابة، ودين الحربي إذا استرق.
١٤٨٢٩ - وأما الدليل على سقوط الدين بالموت: أن الدين لا يثبت إلا في محل، إما في ذمة أو عين، وليس ههنا عين مال يتعلق الدين بها، والذمة قد بطلت بالموت، لأن الذمة عبارة عن التزام الشيء، والموت ينافي الالتزام. يبين هذا: أن أهل الذمة سموا بذلك لالتزامهم لنا الجزية والتزامنا لهم ترك القتال والسبي، ويقال: بيننا ذمام، بمعنى أنه أمن تلتزم أحكامه.
١٤٨٣٠ - ولأن الدين يحل على الميت بالموت، ولو كانت ذمته باقية لبقي الأجل، لأنه يتعلق بما في الذمم ولا يتعلق بالأعيان، فلما سقط الأجل علم أ، هـ سقط، لأن الذمة بطلت وانتقل الدين إلى عين التركة، فلم يجز أن يثبت الأجل في الأعيان.
١٤٨٣١ - فإن قيل: إنما سقط الأجل، لأنه يثبت لحق الدين، ولا حق له في تبقية الأجل.
١٤٨٣٢ - قلنا: حقوق الميت تثبت لورثته إن لم يكن للميت حق في ثبوتها، ألا ترى: أنه لو أَبْرَأَ من دينه وهو أكثر من الثلث، أو وَهَبَ، بطل تصرفه فيما زاد على الثلث، وانتقل ذلك إلى ورثته وإن كان من حقوقه لنفذ تصرفه، فلو صح ثبوت الأجل بعد موته انتقل إلى ورثته وإن لم يكن له في انتقاله إليهم حق.
١٤٨٣٣ - ولأن ابتداء الدين لا يجوز أن يلزم الميت بوجه، ولو كانت ذمته باقية لجاز أن تلزمه الديون المبتدأة، كالحي.
стр. 2882
ولا يلزم: المجنون، لأن الدين يلزمه تابعًا له وإن لم يلزمه بعقوده. يبين ذلك: أن من كانت له ذمة في عين متعلق بها إذا تصرف لحقه من يملك التصرف يثبت بذلك التصرف على الذي في ذمته، كتصرف الوكيل والولي، فلما كان الوارث أو الوصي يبتاع الكفن لمنفعة الميت ولا يثبت ثمنه في ذمته، دل على أنه لا ذمة له.
١٤٨٣٤ - ولا يقال: إن الميت تلزمه الديون المبتدأة إذا كان حفر بئرًا في الطريق فوقع فيها إنسان بعد موته، لأن هذا ليس بدين مبتدأ، وإنما يسند إلى الحفر السابق ويصير كالثابت من ذلك الوقت، ولهذا تقوم على الميراث والوصايا، ولو كان حادثًا لم يبطل ما تقدمه من المواريث والوصايا.
١٤٨٣٥ - ولأن الموت معنى يسقط مال الكتابة عن المكاتب، فجاز أن يسقط به سائر الديون، كالاسترقاق، وصحة العقد.
١٤٨٣٦ - احتجوا: في هذا الفصل بما روي في حديث أنس ﵁، قال: (شهدت رسول الله ﷺ قد أتى بجنازة، فقيل له: تصلي عليها، فقال: أليس عليه دين، قالوا: بلى، فقال ﷺ : ما ينفعكم أن أصلي عليه وهو مرتَهَنٌ في قبره به).
١٤٨٣٧ - الجواب: أن الدين عندنا يسقط في أحكام الدنيا بسقوط المطالبة ولعدم محله، وهو باقٍ في أحكام الآخرة، والعقوبة تلحقه للتفريط الذي كان منه، فلم يكن في الخبر دليل.
١٤٨٣٨ - قالوا: لو برئت ذمته بالموت برئ كفيله الذي يكفل عنه، ولم يصح أن يتبرع متبرع بالقضاء.
١٤٨٣٩ - قلنا: إذا كان له كفيل فالدين له محل يتعلق به، وهو ذمة الكفيل،
стр. 2883
فصار ذلك كالتركة في تعلق الدين بها، فأما التبرع بقضاء الدين فمن أصحابنا من قال: لا يصح إلا أن تظهر له التركة فيحكم بصحة ذلك القضاء، ومنهم من يقول: يسقط بالقضاء العقوبة في الآخرة، فلا يدل ذلك على بقاء الدين.
١٤٨٤٠ - قالوا: يصح أن يبرئه من الدين، ولو كان سقط لم تصح البراءة.
١٤٨٤١ - [قلنا: إنما تؤثر البراءة] في إسقاط حق الغريم عن المال الذي يجوز أن يظهر أو يسقط بها العقاب في الآخرة، فأما أن يسقط الدين من ذمته فلا.
١٤٨٤٢ - قالوا: لو كان الموت يوجب بطلان الذمة ونقل الدين إلى التركة لوجب إذا أبرأ الغريمُ الميتَ ألا تصح براءته، لأنه أبرأه بعد انتقال الدين، فصار كما لو أبرأ المحيل بعد الحوالة، فلما صحت الحوالة دل على أن الدين في ذمة الميت.
١٤٨٤٣ - قلنا: الميت مطالب بالدين في أحكام الآخرة غير مطالب به في أحكام الدنيا، فإذا أبرأه فقد أبرأه من حق ثابت فتسقط العقوبة ببراءته، وسقوطها يوجب سقوط الحق عن التركة فلذلك سقط. وإذا ثبت أن الدين سقط لم تصح الكفالة به، كما لا تصح من ديون الحربي إذا استرق، والعبد إذا ملكه الغريم، وكالكفالة بعد البراءة.
١٤٨٤٤ - وأما الطريقة الثالثة: وهي نقصان الدين، فلأن سقوط المطالبة على التأبيد على سقوط الدين، فلأن يدل على نقصانه أولى.
١٤٨٤٥ - ولأن هذا الدين سقطت المطالبة به في أحكام الدنيا وبقيت في أحكام الآخرة، والمطالبة إذا ثبتت في الدين من وجه دون وجه دل على نقصانه، كدين
стр. 2884
المولى على عبده يثبت من وجه دون وجه، وكذلك دين العبد على مولاه، وإذا ثبت أن الدين ناقص لم تصح الكفالة به، كدين الكتابة.
وعلى هذا قال أصحابنا: إن الزكاة لا تصح الكفالة بها، لأنها دين ثابت من وجه دون وجه، ألا ترى: أن الإنسان لا يحبس بها ولا يطالب مطالبة الديون.
١٤٨٤٦ - واحتج المخالف: بما روى أبو سعيد الخدري ﵁ (أن النبي ﷺ قدم إليه جنازة ليصلي عليها، فقال: هل على صاحبكم من دين؟ قالوا: نعم يا رسول الله درهمان، فقال: صلوا على صاحبكم، فقال علي بن أبي طالب: هما عليَّ يا رسول الله، وأنا لهما ضامن، فصلى عليه، فلما فرغ من صلاته التفت إليه فقال له: جزاك الله عن الإسلام خيرًا، وفك رهانك كما فككت رهان أخيك).
١٤٨٤٧ - رورى جابر بن عبد الله ﵁ (قال: مات رجل فغسلناه وكفناه، وقدمناه إلى النبي ﷺ ليصلي عليه، فقال: هل على صاحبكم من دين؟ قالوا: نعم ديناران، فقال: صلوا على صاحبكم، قال أبو قتادة: هما عليَّ يا رسول الله، فصلى عليه النبي ﷺ )، فدل هذا على أن الضمان عن الميت الذي لا يخلف وفاء صحيح.
١٤٨٤٨ - والجواب: أن النبي ﷺ كان يصلي على من ترك وفاءً، ولم يصل على
стр. 2885
من لم يترك وفاء.
وجواب آخر: أنه يحتمل أن يكون هذا ابتداء كفالة، ويحتمل أن يكون أخبر عن كفالة تقدمت الموت، واللفظ لفظ الخبر، وإذا احتمل أحد الوجهين لم يصح الاحتجاج به مع الاحتمال.
١٤٨٤٩ - فإن قيل: روي: (فتحملهما أبو قتادة)، وهذا يدل على أنه ابتداء كفالة.
١٤٨٥٠ - قلنا: لم تكن الكفالة معلومة، فلما أقر بها صار بإقراره محتملًا لَمَّا لم يكن يُعْلم أنه حامل له، هذا كما نقول: أوجب على نفسه بإقراره، فوجب عليه بالإقرار، والإقرار في الحقيقة إخبار عن إيجاب سابق، إلا أنه لم يعلم تقدمه إلا بإقراره.
١٤٨٥١ - قيل: أوجب على نفسه، فوجب عليه.
١٤٨٥٢ - قالوا: روي حديث أنس (﵁) (أن النبي ﷺ قال: ما ينفعكم من صلاتي عليه وهو في قبره مرتهن بدينه، فلو قام أحدكم فضمن ما عليه صليت عليه، كانت صلاتي تنفعه).
١٤٨٥٣ - قلنا: هذه الزيادة لا تعرف، ولو ثبت كان معناه: ضمن أن يَقْضِيَ، بمعنى أنه وعد أن يقضي، كما يقال: إن ضمن فلان أن يعين فلانًا بكذا، أو يقرضه كذا، وإذا وجد ذلك فالظاهر أنه يفي فيصلي عليه، كما يصلي على من ترك وفاء.
١٤٨٥٤ - قالوا: إذا كان اللفظ يحتمل معنيين وجب حمله على ما لا يؤدي إلى
стр. 2886
تخطئة النبي ﷺ ، [وإنما يؤدي إلى تصويبه، وإذا حملناه على ابتداء الضمان كان امتناعه من الصلاة] عليه صوابًا في الظاهر والباطن، وإذا حملناه على استدامة الضمان كان امتناع النبي ﷺ خطأ في الباطن، لأنه امتنع من الصلاة على من له ضامن ويجوز له الصلاة عليه، فكان حمل الخبر على ابتداء الضمان أولى.
١٤٨٥٥ - قلنا: النبي ﷺ لم يطلع على الغيب، فإذا امتنع من الصلاة، لأنه لا تركه له ولا ضامن في الظاهر، فقد عمل ما وجب عليه، فإذا كان الأمر في الباطن بخلاف ذلك ففعله في الظاهر صواب وليس بخطأ ألا ترى: أنا إذا علمنا الدين على زيد فشهدنا به عليه كانت الشهادة صحيحة، وإن جاز أن يكون قضى الدين، أو أبرأ عنه، فإن ثبت أنه قضى لم يكن الشاهد بالدين مخطئًا في شهادته، بل كان مصيبًا فاعلًا لما وجب عليه، فلو لم يفعل أثم واستحق العقاب.
١٤٨٥٦ - قالوا: فالنبي ﷺ لم يستفصل هل هذا ابتداء ضمان أو غيره، ولو اختلف الحكم لزمه أن يسأل.
١٤٨٥٧ - قلنا: إذا كان للضمان جهة صحة وجهة فساد، حمل الأمر على الصحة، ولم يحمل على الفساد.
وجواب آخر: وهو أن هذا لم يكن على وجه الكفالة، وإنما كان وعدا بقضاء الدين والقيام بأدائه، وقوله: (هما عليَّ)، معناه: (على القيام بأدائهما)، كما نقول: عليَّ أن أحفظ مالك وأنفق عليه. يبين ذلك: أن النبي ﷺ قال لأبي قتادة: (هما عليك وفي مالك، وحق الرجل عليك والميت منهما بريء، فقال:
стр. 2887
نعم)، والتأكيد إنما يكون في الوعد الذي لا يجب عليه الوفاء به، والأولى الوفاء.
١٤٨٥٨ - فأما الكفالة التي يجب حكمها، فإذا اعترف بها الكفيل لزمته، ولو رجع عنها قُضِي عليه وأجبر على أدائها، فلا يكون للتأكيد بالتكرار معنى، وليس يمتنع أن يتوقف ﷺ عن الصلاة، لأنه لا وجه لقضاء الدين، فإذا وُعِدَ بقضائه كان الظاهر منه الوفاء، لأن الظاهر القضاء، كما أنه إذا ترك مالا صلى عليه [وإن جاز أن لا يقضي الدين بأن تتوى التركة، إلا أن الظاهر لما كان القضاء صلى عليه] كذلك هذا.
١٤٨٥٩ - قالوا: من صح الضمان عنه إذا كان له وفاء، صح وإن لم يكن له وفاء، كالحر.
١٤٨٦٠ - قلنا: إذا ترك وفاء فقد ضمن الدين مع بقاء المطالبة به، فصح الضمان، ولم يترك فقد ضمن مع سقوط المطالبة بالدين عنه، وعمن قام مقامه على التأييد، فلم يصح، كالسائل التي بيناها.
١٤٨٦١ - قالوا: (من صح الضمان عنه إذا كان حيًّا صح الضمان عنه إذا كان ميتًّا، كما لو كان له وفاء).
١٤٨٦٢ - قلنا: نقول بموجبه، لأن الضمان عن الحي لا يصح إلا بدين ثابت، وبمثله يصح الضمان عنه بعد الموت، فأما في مسألتنا فلا، لأن بعد الموت وبمثله لا يصح الضمان عن الحر، كما ذكرنا في الحربي إذا استرق، والعبد إذا وهب لغريمه.
ولأن من له وفاء المطالبة بدينه ثابتة، فصح ضمانه عنه، ومن لم يترك وفاء لا يطالب بدينه في أحكام الدنيا، وإنما يطالب به في أحكام الآخرة فلا ينتقل إلى غيره، كمن مات وعليه صلاة وزكاة وحج لا ينتقل إلى غيره عندنا في جميع
стр. 2888
الأحوال، وعندهم إذا لم يترك وفاء.
١٤٨٦٣ - قالوا: من صح الضمان عن ضامنه إذا كان له ضامن، صح الضمان عنه إذا لم يكن له ضامن، كالحر.
١٤٨٦٤ - قلنا: إنما لا يجوز الضمان عن ضامنه مع بقاء الدين على الضامن، فلذلك يصح مع بقاء الدين، ولا يصح عن الضامن بعد سقوط الدين، فلا [يصح الضمان عنه مع سقوطه.
١٤٨٦٥ - قالوا: الموت لا يمنع استدامة الضمان، فلا] يمنع ابتداء الضمان، أصله: جنون المضمون عنه وإتلافه.
١٤٨٦٦ - قلنا: الموت عندنا لا يمنع الابتداء ولا الاستدامة، وإنما يمنع الضمانُ سقوطَ المطالبة عنه، وعمن قام مقامه على التأييد.
١٤٨٦٧ - وقولنا: بموجب العلة.
١٤٨٦٨ - فإن قيل: ذكر في الأصل، أنه إذا قال: إن مات قبل أن يقضي مالك عليه فأنا ضامن، فمات، فإن ذلك جائز على الكفيل في قول أبي حنيفة.
١٤٨٦٩ - قلنا: محمول عليه إذا ترك وفاء، أو نقول: إن هذا ليس بابتداء ضمان، وإنما يتعلق الضمان بسبب كان في حال الحياة، فلم يسقط الدين بالموت لبقاء ذمة تتعلق المطالبة بها، وقد ذكر أبو الحسن، عن ابن سماعة، عن محمد: أنه قال: لو قال: قد ضمنت لك مالك على فلان إن توى، فذلك جائز، فإن مات فلان فلم يدع شيئًا، فهو ضامن، وهذا على قول محمد صحيح، لأن من أصلنا: أن ابتداء الكفالة يجوز بعد الموت، فإذا تعلقت بشرط كان في حال الحياة أولى.
стр. 2889
مسألة ٧٤٠
كفالة العبد بإذن سيده
١٤٨٧٠ - قال أصحابنا: إذا تكفل العبد فإذن سيده ولا دين عليه، صحت الكفالة، وبيعت رقبته فيها.
١٤٨٧١ - وحكى أصحاب الشافعي: أنه على وجهين، في أحد الوجهين: لا يجوز وإن أذن المولى. وفي الوجه الآخر: يجوز إذا أذن. والمحجور والمأذون في ذلك سواء.
ومن أين يقضي؟ في أحد الوجهين: يلزمه بعد العتق في المحجور والمأذون، [وفي الوجه الآخر: المحجور يلزم المولى أن يخليه حتى يكتسب ويؤدي، والمأذون] يؤدي ما في يده.
وإن قال له المولى: اضمن على أن تؤدي المال الذي في يدي صح، فإن كان عليه دين مستغرق شاركهم المكفول له في أحد الوجهين، ويؤخر عن ديونهم في الوجه الآخر؟
стр. 2890
١٤٨٧٢ - فعلى هذا قد سقط الخلاف في صحة الكفالة، فإذا صحت بالخلاف في ديون العبد عندنا تتعلق برقبته، وعنده لا تتعلق، وقد قدمنا الكلام في المسألة.
стр. 2891
مسألة ٧٤١
الكفالة بالنفس
١٤٨٧٣ - قال أصحابنا: الكفالة بالنفس جائزة.
وهل يجوز ببدن مَنْ عليه حد أو قصاص؟ قال في الأصل: وإذ كفل رجل نفس رجل والطالب يدعي عليه دم عمد أو قصاص فيما دون النفس، أو حدًّا في قذف أو سرقة، أو خصومة في دار أو غير ذلك فالكفالة بالنفس في ذلك جائزة، وقال في الكتاب: ولا ينبغي للقاضي أن يأخذ كفيلًا بالقصاص في النفس ولا دونها ولا في حد القذف والزنا والشرب والسرقة.
قال أبو بكر الرازي: هذا محمول على أن القاضي لا يطالب بكفيل، وإن بذل المدعى عليه جاز.
١٤٨٧٤ - وقال الشافعي: في عامة الكفالة جائزة، وقال في الدعوى: هي عندي ضعيفة، فمن أصحابه من قال: يجوز قولًا واحدًا، وقوله: ضعيفة، يعني في القياس.
١٤٨٧٥ - وقال المزني: فيها قولان، استخرج قوله: إنها ضعيفة قولًا واحدًا.
стр. 2892
١٤٨٧٦ - لنا: قوله تعالى: ﴿لتأتنني به إلا أن يحاط بكم﴾، فألومهم رده وهذا معنى الكفالة بالنفس، وقد روي عن ابن عامر في تأويل الآية: أنه كفلهم بنفسه.
١٤٨٧٧ - ولا يقال: إنما استحلفهم على رده إليه، لأنه قال موثقًا من الله، واليمين هي موثق من الله.
١٤٨٧٨ - ولا يقال: إنه لم يجب عليه حق لأبيه حتى يكفلهم برده، لأنه كان يجب عليه طاعة أبيه وخدمته والعود إليه، فضمنهم ذلك، كما يتكفل بإحضار من وجب عليه دين أو غيره، ويدل عليه: قوله ﷺ (الزعيم غارم)، وهو عام.
١٤٨٧٩ - فإن قيل: هذا دليل عليكم، لأنه ﷺ حكم بصحة الكفالة التي يلزم الكفيل فيها الغرم، والكفيل بالنفس لا يغرم شيئًا.
١٤٨٨٠ - قلنا: المغرم الملزم مستوفي اللزوم، والكفيل بالنفس ملتزم.
١٤٨٨١ - ويد عليه: إجماع الصحابة، روي (أن رجلًا أتى ابن مسعود ﵁ فأخبره أنه سمع ابن نواحة يؤذن ويقول: أشهد أن مسيلمة رسول الله، فدعاه فاعترف بذلك، فعرض التوبة عليه فلم يتب، فأمر عبد الله بن مسعود قرظة بن كعب الأنصاري، فأخرجه إلى السوق فجز رأسه، ثم استشار أصحاب محمد ﷺ -
стр. 2893
في قومه، فقال عدي بن حاتم: ثؤلول الكفر أطلع رأسه فاحسمه، فلا يكون بعده شيء، وقال الأشعث بن قيس، وجرير بن عبد الله: بل استتبهم وكَفَّلْهم عشائرهم، فاستتابهم وكفلهم عشائرهم ونفاهم إلى الشام).
١٤٨٨٢ - فاتفق على جواز الكفالة: ابن مسعود، وجرير بن عبد الله، والأشعث بن قيس، وقرظة بن كعب، وعدي بن حاتم، وغيرهم.
وروي: (أن حمزة بن عمرو الأسلمي أراد أن يرجم رجلًا قد زنا، [فقيل له: أصلحك الله، إن أمره رفع إلى عمر، فجلده مائة ولم ير عليه الرجم]، فأخذ حمزة بالرجل كفيلًا حتى قدم على عمر، فسأله عن ذلك فصدقه)، وحمزة من أكابر الصحابة، ولم ينكر عمر الكفالة.
وروي: (أنه كان لعبد الله بن عمر على عليَّ بن أبي طالب دين: فتكفلت أم كلثوم بنت علي بعلي).
١٤٨٨٣ - ولا يقال: تكفلت بالدين الذي عليه، لأن المروي: أنها تكفلت به.
١٤٨٨٤ - ومن أصحابنا من حكى عن عثمان، وعمران بن حصين جواز ذلك،
стр. 2894
ولا يعرف له مخالف، وهذه المسألة فيها إجماع بعد الصحابة أيضًا، أنه لم يقل أحد من الفقهاء ببطلانها، ولا صرح الشافعي بذلك، وأهل الأعصار يعتقدونها من غير مانع ولا نكير، فدل ذلك على جوازها.
١٤٨٨٥ - فإن قيل: أصحابن ابن نواحة تابوا، فلم يجب عليهم شيء، فكيف يصح الكفالة بها في حق من لا يجب عليهم؟.
١٤٨٨٦ - قلنا: يجوز أن يكونوا أظهروا التوبة ولم يبطنوها؟، ألا ترى: أن ابن مسعود ﵁ قال لصاحبهم: ما فعل القرآن الذي كنت تقرأ؟ قال: كنت أتقيكم به، فلما جوزوا ذلك يتحقق سقوط الحد عنهم، فكفلهم لهذا المعنى.
١٤٨٨٧ - فإن قيل: الكفالة في الحدود لا تجوز عندكم.
١٤٨٨٨ - قلنا: قد بينا أنها جائزة، وإنما لا يطالب الإمام بها، فيجوز أن يكون القوم بذلوها ولم يبدئ بمطالبتهم.
١٤٨٨٩ - ولأنه نوع كفالة، فكان فيها ما يصح، كالكفالة بالمال.
ولا يمكن القول بموجبها في الأعيان المضمونة، لأن ضمان الأعيان فيها وجهان، فرع على هذه المسألة.
١٤٨٩٠ - فإذا قالوا: إن الكفالة لا تجوز، كذلك بالعين.
ولأن كل عقد لا يفتقر إلى التأجيل إذا صح بما في الذمة، صح بالعين، كالبيع، والإجارة.
١٤٨٩١ - فإن قبلوا فقالوا: يصح على نفس الحر، لم يكن للوصف في القلب تأثير.
١٤٨٩٢ - ولأن كل ما يلزم المدعي عليه لا يجوز فيه النيابة، صحت الكفالة به
стр. 2895
مع القدرة على تسليمه، كالأموال.
١٤٨٩٣ - احتجوا: بأنه يثبت في ذمته عينًا بعقد، أو ضمن بيعه عينًا بعقد، فوجب أن يكون باطلا، كما لو أسلم في ثمرة نخلة قائمة.
١٤٨٩٤ - قلنا: لا نسلم أنه يثبت في ذمته عينًا، وإنما ضمن الإحضار، وذلك ليس بعين.
١٤٨٩٥ - فإن قيل: هذه المسألة عبر عنها الفقهاء بأنها كفالة بالنفس.
١٤٨٩٦ - قلنا: معناه: كفالة بإحضار النفس، وقد يحذف المضاف ويقام المضاف إليه مقامه.
١٤٨٩٧ - فأما السلم في الأعيان: فإن لم يشترط التأجيل جاز العقد وكان بيعًا، وإن ذكر التأجيل فسد العقد، لأن الأعيان لا يصح تأجيلها.
١٤٨٩٨ - فأما الكفالة: فالمضمون الإحضار وذلك يجري مجرى المنافع، فيصح دخول عليه.
١٤٨٩٩ - قالوا: كفالة بنفس من عليه حق، فوجب أن تكون باطلة، أصله: إذا كانت ببدن من عليه حد.
١٤٩٠٠ - قلنا: هذا الأصل غير مسلَّم، ويجوز الكفالة فيه بالإحضار على ما بينا.
١٤٩٠١ - قالوا: عقد على غير شرط فيه تأخير التسليم، فوجب أن لا يصح.
أصله: إذا باع عينًا وشرط أن يسلمها في وقت مستقبل.
١٤٩٠٢ - قلنا: لا نسلم أن العقد وقع على عين، وإنما وقع على منفعة.
١٤٩٠٣ - وقولهم: - (شرط فيها تأخير التسليم-) لا معنى له، لأنه لو كفل بالنفس على أن يسلمها في الحال لم يصح عندهم، ولا معنى لذكر شرط التأخير.
стр. 2896
١٤٩٠٤ - ولأن الأعيان إذا شُرِط تأخير تسليمها لم يكن في ذلك فائدة إلا مع موجب العقد فيها، لأن المسلم في الثاني: هو الذي يسلم في الحال، وليس كذلك تسليم المكفول به، لأن التسليم في وقتٍ غيرُ التسليم في غيره، لأنه قد ينتفع بإحضاره في وقت مخصوص بإقامة البينة عليه، فصار ذلك كالأجل في الديون لما كان في ثبوته فائدة صح أن يثبت.
١٤٩٠٥ - قالوا: كفالة بعين، فلم تصح كالكفالة بالمال الذي في يد الموصي والمضارب، وكما لو تكفل بنفسه، بغير إذنه.
١٤٩٠٦ - قلنا: قد بينا أن الكفالة ليست بالعين، والوصف غير مسلَّم. فأما الكفالة بالمال إذا كان أمانة فإنها لا تصح، لأنه غير مضمون على المكفول عنه، فلا يصح أن يضمنه كفيله، وإنما يجب على المؤتمن دفع يده، والتخلية بين المالك وماله، فإذا ضمن ضامن هذا المعنى صح، كما أن حضور المدعي معنى يلزمه ويخاصم فيه، فيصح أن يضمن عنه.
١٤٩٠٧ - فإن قيل: الشاهد يلزمه أن يحضر لأداء الشهادة، ولا يتكفل بحضوره.
١٤٩٠٨ - قلنا: ما يلزمه عبادة لا يصح أن يخاصم فيها ولا يتكفل بها، كما لا تصح الكفالة بالعبادات، فأما إذا تكفل بالنفس بغير أمر المكفول عنه فتصح الكفالة عندنا، كما تصح الكفالة بالمال بأمره وبغير أمره.
١٤٩٠٩ - قالوا: كفالة لا تجب في الذمة، فوجب أن لا تصح، كالكفالة بالأمانات.
١٤٩١٠ - قلنا: إذا جاز أن يلزم المدعي عليه مال في ذمته وجاز أن يلزمه حق هو الحضور، ثم لو جاز أن يضمن أحد الأمرين جاز أن يضمن الآخر.
١٤٩١١ - والمعنى في الأمانات: ما ذكرنا: أن العين غير مضمونة على الأصيل،
стр. 2897
فلم يضمنها الكفيل، ولهذا جوزنا الكفالة بالأعيان المضمونة، فأما أن يكفل بتسليم الأمانة فيجوز فيما يلزم الأصيل تسليمها.
١٤٩١٢ - فإن قيل: إنما تثبتون كلامكم في هذه المسألة على أن الحضور يستحق على المدعي عليه، ونحن لا نسلم ذلك، لأنه إن كان المدعي صادقا لزم دفع الحق، وإن كان كاذبا لم يجب عليه الحضور، وكان له دفعه عن نفسه.
١٤٩١٣ - قلنا: غلط، لأن المدعي قد يكون صادقًا، فلا يمكن الخروج من الحق إلا بالحضور، مثل أنَ تدَّعي عليه العُنَّة، فلا يمكن إيفاء الحق إلا بتأجيل الحاكم. والمدعي عليه القذف إذا كان صادقًا لم يمكنه إيفاء حقه إلا بالحاكم.
ومن يدعي حقًا على الميت ولا يمكن الوصي دفع حقه وإن علم صدقه، لأنه لا يصدق على الصغار، ولابد من الحضور ليحكم الحاكم، فعلم أن التقسيم الذي قسموه ليس بصحيح.
١٤٩١٤ - ولأن المدعي إذا كان كاذبًا فإن الحضور فيه حق الله، ولهذا يطالب الحاكم به ويؤدب على الامتناع منه، فيجب عليه الحضور لحق الله تعالى وإن كان يعلم أنه لا حق عليه، كان أن القاذف إذا كان صادقًا يجب عليه الحضور مع مدعي القذف عليه، لأنه تعلق عليه حق الله تعالى وهو الجلد، فلزمه الحضور لأجل ذلك.
١٤٩١٥ - قالوا: لو صحت هذه الكفالة لم يبرأ الكفيل منها إلا بالإبراء أو بالأداء، كالكفالة بالديون، فلما سقطت بموت المكفول عنه علم أنها لا تصح.
وربما قالوا: كل عين لم تكن مضمونة مع التلف لم تكن مضمونة مع السلامة، كالوديعة.
١٤٩١٦ - قلنا: إذا مات المكفول به فموته يسقط عنه الحضور، وسقوط الحق عن الأصيل يوجب سقوطه عن الكفيل. وبمثله في الكفالة بالمال إذا وهب مولى العبد عبده من غريمه برئِ كفيله، فلم يوجد هناك سقوط الدين عن كفيله.
стр. 2898
مسألة ٧٤٢
شرط الخيار في الكفالة
١٤٩١٧ - قال أصحابنا: إذا شرط في الكفالة الخيار، جاز.
١٤٩١٨ - وقال الشافعي: لا يصح شرط الخيار فيها، وتبطل الكفالة.
١٤٩١٩ - لنا: أنه شرط يجوز في المبيع، فجاز في الكفالة، كشرط الأجل.
ولأن كل عقد لا يسحق فيه القبض في حال المجلس لا يبطله خيار الثلاث، أصله: البيع.
ولا يلزم: الصرف، والسلم، لأن القبض في المجلس فيهما شرط.
ولا يلزم: النكاح، لأن خيار الشرط لا يبطله.
ولأنه عقد يجوز بالدراهم المؤجلة، فلا يبطله خيرا الثلاث، كالبيع.
١٤٩٢٠ - فإن قيل: جواز الخيار في البيع استحسان، وعندكم: لا يجوز القياس على موضع الاستحسان.
١٤٩٢١ - قلنا: يجوز عندنا إذا كان غير المذكور أولى بالحكم من المذكور، والخيار في خطاب، والكفالة تحتمل من الأخطار ما لا يحتمله البيع، فإذا جاز في البيع ففي الكفالة أولى.
١٤٩٢٢ - احتجوا: بأن الكفيل قد دخل على بصيرة بترك حظه، فلم يثبت به الخيار، كالمولى في الكتابة.
١٤٩٢٣ - قلنا: الأصل غير مسلَّم، ويجوز شرط الخيار في الكتابة.
стр. 2899
١٤٩٢٤ - ولأن الكفيل يحتاج إلى الارتياء، لأن من الناس من يكون مليَّا بالدين، فإذا تكفل عنه بأمره قدر على الرجوع، ومنهم من يكون بخلاف ذلك، وقد يتكفل ويكون الطالب سهل المطالبة ولا يفسده على غريمه، وقد يكون بخلاف ذلك، وهو بشرط الخيار ليختبر حالهما، كما شرط في المبيع لينظر هل له حظ أم لا.
١٤٩٢٥ - قالوا: عقد يلزم بنفسه، فلد يدخله خيار الشرط، كالنكاح.
١٤٩٢٦ - قلنا: خيار الشرط للفسخ، والنكاح لا يدخله الفسخ، والكفالة يدخلها الفسخ، ولا يعتبر فيها القبض في المجلس، كالبيع.
стр. 2900
موسوعة
القواعد الفقهية المقارنة
المسماة
التجريد
كتاب الشركة
стр. 2901
مسألة ٧٤٣
شركة المفاوضة
١٤٩٢٧ - قال أصحابنا: شركة المفاوضة جائزة، وحكمها: أن يتساوي الشريكان في الأموال، لكن يصح عقد الشركة عليها، ويتساويان في التصرف، ويكون كل واحد منهما وكيل الآخر وكفيلاً عنه.
١٤٩٢٨ - وقال الشافعي: شركة المفاوضة باطلة، وقال: إن كانت صحيحة فليس في الدنيا عقد باطل، ما القمار إلا هذا.
стр. 2902
١٤٩٢٩ - وهذا كلام يتوجه علي أبن أبي ليلى لأنه يقول: ما ورثه أحد المتفاوضين أو وهب له فللآخر نصفه، وكذلك إذا اخذ أحدهما كراء، فأما نحن فلا نقول هذا.
والدليل على ما قلنا: قوله تعالى:﴾ يأيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود ﴿، وقوله ﷺ : (المسلمون عند شروطهم"، وقوله ﷺ : (تفاوضوا فإنه أعظم للبركة)، وقال: إذا تفاوضتم فأحسنوا المفاوضة، فإنه أعظم للبركة، ولا تجادلوا فإن المجادلة من الشيطان).
١٤٩٣٠ - ولا يقال: إنه محمول على المفاوضة في الرأي؛ لأن اللفظ عام في الجميع.
١٤٩٣١ - قالوا: هذا الاسم لهذا العقد لم يكن في زمن النبي ﷺ .
١٤٩٣٢ - قلنا: غلط؛ فإن العتبي قال في (علوم الحديث): المفاوضة لغة أهل الحجاز، وهذا يدل على أنهم يعرفون الاسم.
стр. 2903
١٤٩٣٣ - ولأنه نوع شركة؛ فكان منه ما يصح، كشركة العنان.
ولا يلزم: الشركة بالعروض، وشركة الاحتطاب والاصطياد؛ لأنها بعض النوع، ألا ترى: أنها إما أن تقع مفاوضة، أو عنانًا.
١٤٩٣٤ - قالوا: هذه الأنواع المشتركة اصطلح الفقهاء عليها، ولم تكن متنوعة على زمن رسول الله ﷺ ، فكيف تكون علة الحكم؟.
١٤٩٣٥ - قلنا: شركة المفاوضة: لغة أهل الحجاز على ما قدمنا، وشركة العنان: اسم موضوع في اللغة، ذكره أهل اللغة في كتبهم وبينوا اشتقاقه، وجاء في الشعر:
وشاركنا قريشًا في تقاها ... وفي أحسابها شرك العنان
١٤٩٣٦ - وإذا كان هذا التنويع في الجاهلية لم يصح ما قالوه.
١٤٩٣٧ - فإن قيل: في الشرع عقود انفرد كل واحد منها باسم وجميعها فاسدة
стр. 2904
كبيع المجر، والملامسة، والمنابذة.
١٤٩٣٨ - قلنا: هذا غلط؛ لأن أنواع البيع مع الأعيان والصرف والسلم، فأما بيع المجر فهو: عقد على عين مخصوص، كبيع الخمر والميتة، فهو بعض نوع بيوع الأعيان، وأما بيع المنابذة والملامسة: فهما أيضًا بعض نوع بيوع الأعيان، وإنما صفة الإيجاب والقبول فيهما تختلف.
١٤٩٣٩ - فإن قيل: المعنى في العنان إذا تفاضلا في المال، فلا تصح المفاوضة، ثم التفاضل يبطل بموضوع عقد المفاوضة، لأن معناها التساوي، ولا يبطل موضوع العنان.
١٤٩٤٠ - ولا يقال: لما صح أحد العقدين مع وجود معنى لا ينفي مقتضاه صح العقد الآخر معه وإن عين مقتضاه؛ ألا ترى: أن بيوع الأعيان لا يعتبر فيها التقابض ويعتبر في عقد الصرف.
ثم لا يصح أن يقال: لما جاز البيع مع ترك التقابض جاز كذلك بالصرف، لأن الصرف
стр. 2905
١٧١/ب مأخوذ من صرف كل واحد منهما ما عقد عليه إلى الآخر/، فترك القبض ينفي موضوعه.
١٤٩٤١ - فإن قيل: المعنى في شركة العنان: أنها تصح مع اختلاف الدين، فصحت مع الاتفاق، [والمفاوضة لا تصح مع الاختلاف في الدين، فلم تصح مع الاتفاق]، أو يقولون: المعنى في العنان: أنها تصح بين الحر والعبد.
١٤٩٤٢ - قلنا: أصل علتنا العنان مع اختلاف الدين بين الحر والعبد، ثم المسلم والكافر، والحر والعبد لا يتساويان في تصرفهما، وموضوع أحد التساوي، ولهذا تجوز المفاوضة بين اليهودي والنصراني وإن اختلف دينهما لتساويهما في عرفهما والاختلاف في التصرف لا ينفي مقتضي العنان، وينفي مقتضي المفاوضة، فلم يجز أن يقال: لما صح العقد مع وجود معنى لا ينفي مقتضاه، صح مع وجود معنى ينفيه على ما قدمنا.
١٤٩٤٣ - ولأن ما يعقد عليه الشركة يجوز أن يشرط فيه التساوي. الدليل عليه: أن التساوي في صفة المال مشروط في الشركة باتفاق عندهم في جميع الشركة، وعندنا في المفاوضة إذا كان الاختلاف يوجد فلا يوجد في اختلاف القيمة، كذلك التساوي في قدر رأس المال يجوز أن يكون شرطا.
١٤٩٤٤ - ولأن الشركة عقد يقصد به المال، فجاز أن يكون فيه ما شرطه التساوي في المال، كالصرف.
١٤٩٤٥ - [ولأنه عقد يتناول ثمنين؛ فجاز أن يكون التساوي فيهما شرطًا، كالصرف].
стр. 2906
ولأن العنان عقد شركة خاصا؛ فجاز أن تنعقد شركة هي أعم منها، كالشركة في نوع من المال.
ولأن الكفالة نوع معاملة، أو عقد يوجب الضمان، أو عقد يتضمن تمليك دراهم بدراهم، فجاز أن تتضمنه الشركة والإذن في التصرف بها، أصله: البيع، والشركة.
١٤٩٤٦ - ولا يلزم: النكاح؛ لأن مضمون المفاوضة أن كل واحد من المتفاوضين يتزوج أيتهما شاء.
١٤٩٤٧ - ولأن عقود المعاملات أحد نوعي العقود؛ فجاز أن يؤثر اختلاف الدين في فساده، كالنكاح.
١٤٩٤٨ - احتجوا: بما روي (أن النبي ﷺ نهي عن الغرر)، وفي هذه الشركة غرر؛ لأنه لا يدري ما يضمن صاحبهُ، وإنما يعرف قدره.
١٤٩٤٩ - الجواب: أنا قد بينا أن أصل الخبر: (نهي عن بيع الغرر) مطلق، والمطلق عند مخالفنا يحمل على المقيد.
ولأن الغرر: ما كان الغالب فيه عدم السلامة، وهذا لا يوجد في الشركة، لأن الغالب فيها السلامة.
١٤٩٥٠ - قالوا: شركة لا تصح مع اختلاف الدين؛ فلم تصح مع اتفاقه، كالشركة في العروض والاحتطاب.
стр. 2907
١٤٩٥١ - قلنا: إذا اختلفا في الدين تفاوت تصرفهما، فلم يوجد مقتضي العقد، وإذا اتفقا وجد مقتضاه.
١٤٩٥٢ - ولا يقال: إن العقد إذا لم يصح مع فقد مقتضاه، كذلك مع وجوده، فأما العنان فمقتضي العقد يوجد مع اختلاف الدين واتفاقه، فصح كل الوجهين، كالبيع.
يبين ذلك: أن النكاح لما كان مقتضاه الإباحة لم يوجد بين المسلم والمجوسية، وبين الكافر والمسلمة لم يصح العقد لفقط مقتضاه، وصح مع اتفاق الدين لوجود مقتضاه. ولهذا نقول: إن اختلاف الدين إذا لم يوجب اختلاف التصرف لم يمنع المفاوضة، كالكافرين، وكذلك اختلاف الدين إذا لم يمنع الإباحة لم يؤثر في النكاح، كالمسلم والكتابية واليهودية والنصرانية. وأما الشركة في العروض والاحتطاب، فلو عقداها خاصة وهي العنان لم تصح، كذلك إذا عقداها عامة وجب أن لا تصح.
١٤٩٥٣ - قالوا: شركة لا تصح مع التفاضل في جنس المال الذي اشتركا فيه، فكذلك مع اتفاقه؛ أصله: إذا شرطا أن ينفرد أحدهما بشيء من الربح والباقي بينهما.
١٤٩٥٤ - قلنا: التفاضل في المال يزول به مقتضي العقد، والتساوي فيه يوجد معه مقتضاه.
ولا يقال: لما لم يصح (مقتضي) العقد (وهو البقاء) إذا البقاء مقتضاه لم يصح إن وجد، أصله: إذا [شرطا التفاصيل في الربح.
стр. 2908
١٤٩٥٥ - والمعنى: أنه شرط لو صح أدي إلى التفاضل المفسد للعقد. وإذا] شرطا التساوي بخلافه، ولهذا نقول: إن شرط الربح في العنان يصح، لأنه لا يؤدي إلى إبطال الشركة بنفي مقتضاها.
١٤٩٥٦ - قالوا: عقد لا يصح بين المسلم والذمي من غير أن يلحق بالمسلم صغار، فلم يصح بين المسلمين، كشركة الاحتطاب.
١٤٩٥٧ - قلنا: هذا الوصف الذي احترزتم به عن النكاح لعدم الإباحة للصغار. ألا ترى: أن المسلم لم يتزوج الوثنية والمجوسية لعدم الإباحة وإن لم يلحقه بذلك صغار، فثبت أن اختلاف الدين يؤثر في العقد إذا انتفي مقتضاه، كذلك الشركة إذا انتفي باختلاف الدين مقتضاها من التساوي في التصرف لم يصح، وإن وجد مقتضاها مع اختلاف الدين.
١٤٩٥٨ - قالوا: عقد شركة على أن يشارك كل واحد منهما صاحبه في ضمان ما لا تقتضيه الشركة، فوجب أن تكون باطلة. أصله: إذا شرطا أن يدخلا في ضمان الجناية على الآخر.
١٤٩٥٩ - قلنا: عندنا يضمن كل واحد منهما عن الآخر ما يلزمه من الضمان فيما يتعلق بالتجارات وضمان البيع الفاسد، وكذلك الضمان المتعلق بالمغصوب يتعلق بالتجارة، لأن ضمانه موضوع للتمليك عندنا.
١٤٩٦٠ - ولأن التجار قد يكون منهم التفريط في الأمانات، فلم نسلم أنه شرط المشاركة في ضمان ما لا تقتضيه الشركة. والأصل غير مسلم؛ لأنها تقتضي مشاركة كل واحد منهما صاحبه فيما يكتسبه بصنعته من غير مال الشركة،
стр. 2909
والثاني: المشاركة في الضمان الذي يلزمه في غير مال الشركة بعقد الكفالة وبالغصب وضمان ما يتقبله من الأعمال.
١٤٩٦١ - قالوا: بدل عمله لا يجوز أن يشارك فيه؛ لأن عمله ملكه، فهو كبدل ثوبه، وكمهر الشريكة.
١٤٩٦٢ - قالوا: ولا تصح المشاركة في الضمان؛ لأن المضمون له مجهول، فهو كما لو قال (أضمن شخصًا فلا يصح): لأن عندنا ما يتقبله أحدهما من الأعمال يلزمهما جميعًا، وكأنهما عقدًا عليه. وما ابتاعه أحدهما فكأنهما ابتاعاه، والعمل واجب عليهما والأجرة لهما، فكل واحد منهما يستحق بدل العمل الذي لزمه بالعقد، فإذا انفرد بالعمل صار معينًا لشريكه، فحكمه حكم من يقبل بعمل من الأعمال واستعان برجل حتى يعمله، فإن الأجرة للعاقد وإن كان العمل حصل من غيره فيكون مستحقا بالعقد، وجاز فيها ما لا يجوز بالانفراد، ألا ترى: أن شركة العنان تتضمن الوكالة وتصح مع جهالة ما وكله بابتياعه، ولو أفرد الوكالة بذلك لم تصح، فإذا صارت تابعة للعقد جاز فيها ما لا يجوز على الانفراد. وكذلك المضاربة إذا قال: خذ هذه الألف مضاربة بالنصف جاز.
١٤٩٦٣ - ولو قال: وكلتك، ولم يبين ما وكله لم يصح، ولو انفرد بالوكالة انعزل بالنهي، ولو نهي المضارب عن التصرف بعد الشرى لم يؤثر النهي في منعه من
стр. 2910
البيع، وبيع الشريك على الانفراد لا يصح، ولو دخل تابعا على الأرض جاز، ولو باع عبدًا بثمن مجهول لم يصح البيع، ولو باع عبدين بألف جاز العقد مع جهالة حصة كل واحد من العبدين، فثبت أن الشيء يجوز فيه تبعًا لعقد ما لا يجوز فيه إذا أفرده بالعقد، كذلك الكفالة لمكفول له مجهول لا تصح، وإن صارت تابعة لعقد الشركة جازت.
* * *
следующие страницы →