Полный текст (6 324 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
يغصب؟ فلم يسو بين المنقول وغيره في كيفية الغصب] كما سوي بينهما في كيفية الإتلاف والقبض. مخالفنا يفرق بينهما في كيفية الغصب، فيجعله غاصبًا في المكان بالتخلية ولا يجعله غاصبًا بها في المنقول، وكنا نحن أسعد بهذا الكلام منهم.
١٦٤٢٨ - قالوا: الغصب إزالة يد المالك ظلمًا وقهرًا، وهذا موجود في العقار، فوجب أن يكون به غاصبًا ضامنًا. الدليل على أن يده قد حصلت عليه: أنهما لو تنازعا ولم يعلم سبب اليد كان القول قول صاحب اليد.
١٦٤٢٩ - قلنا: هذا دليل من زعمكم على إثبات الغصب فلم يجب أن يضمن به. وقد يغصب ما لا يضمن كالحر وخمر المسلم.
١٦٤٣٠ - فإن قالوا: الحر لا يثبت عليه اليد. قلنا: غلط، بل يثبت اليد عليه مشاهدة، وبهذا استحق الأجرة بتسليم نفسه في الإجارة وإن لم يعمل. ولهذا لو غصب صبيًا صغيرًا لا يعبر عن نفسه ثم نوزع فيه كان القول قوله أنه عبده. فدل على أن اليد تثبت عليه، ومع هذا لا يضمن. ولأن الحد الذي ذكروه غير مسلم.
١٦٤٣١ - و [لأن] الغصب عندنا هو نقل الملك عن المكان الذي كانت يد المالك [عليه فيه، بغير حق. الدليل عليه أن من منع المالك] من ملكه وحبسه عنه فقد أزال يد المالك] ظلمًا وقهرًا، وأثبت يده عليه، ولا يكون غاصبًا.
١٦٤٣٢ - قالوا: نوع مال؛ فجاز أن يضمن بالغصب، أصله ما ينقل.
١٦٤٣٣ - قلنا: نقول بموجبه؛ لأنه يضمن عندنا إذا وجب [أن يضمن] الغصب فيه بالنقل والتحويل على ما بينا.
١٦٤٣٤ - قالوا: الأرض تثبت عليها اليد. فإذا ثبت بعدوان وصاحب اليد من أهل
стр. 3222
الضمان في حق المضمون له وجب الضمان. أصله المنقولات إذا نقلها.
١٦٤٣٥ - قلنا: قد ثبت يد الغاصب إلا أن يد المالك في حكم الثابتة، [فيه. ومن ثبت للمعتدي يد، وللمالك يد ولم يكن غاصبًا كمن دخل دار غيره] بغير إذنه، وكمن غصب بعيرًا عليه متاع، وصاحب المتاع عليه، لم يكن غاصبًا، وإن ثبت يده لبقاء يد المالك مع يده.
١٦٤٣٦ - وكذلك لو يمسك بعبد، والعبد يمتنع عليه- فقد ثبت يده عليه؛ بدلالة أن القول قوله فيه، ولا يكون غاصبًا لبقائه في المكان الذي كانت (تحت يده المالك) فيه، لأن المنقولات إذا نقلها فيه أثر نقله في ملك المالك، بدلالة أنها تغيب في العادة فلا يمكن البينة عليها. والعقار محفوظ بنفسه والمالك متمكن من إقامة البينة عليه، فلم يقدح الغصب في ملكه، فلم يوجد فيه المعنى الموجود من المنقولات.
***
стр. 3223
مسألة ٨١٣
حفر البئر في ملك الغير وإرادة الطم
١٦٤٣٧ - قال أصحابنا: إذا حفر بئرًا في ملك غيره بغير أمره فليس له أن يطمها ولا للمالك أن يطالبه بطمها ولكنه يضمن النقصان، فإن أبرأه من الضمان برئ منه.
١٦٤٣٨ - وقال الشافعي ﵀: للمالك مطالبته يرد ترابها؛ فإن أراد الغاصب [طمها، ورد التراب] وامتنع المالك فللغاصب أن يطمها. فإن أبرأه المالك من ضمان ما صنع، ففيه وجهان:
١٦٤٣٩ - أحدهما: لا يبرأ، [فعلى هذا الوجه]: يطمها بعد البراءة.
١٦٤٤٠ - والثاني وهو المذهب: أنه يبرأ؛ فعلى هذا ليس له أن يطمها إلا أن يكون له فيه غرض، وهو أن يكون نقل التراب إلى ملكه، أو إلى ملك غيره، أو إلى طريق المسلمين.
стр. 3224
١٦٤٤١ - لنا: أنه حفر بئرًا في ملك غيره فليس له أن يطمها مع كراهة المالك أصله إذا طرح التراب في ملك المغصوب وأبرئه من الضمان.
١٦٤٤٢ - [ولأنه] جني على عقار غيره فلم يكلف إصلاحه [ولم يملك إصلاحه] بغير رضاه أصله إذا نقض حائطه وقال أنا أبنيه، وعلى هذا إذا فتق قميص غيره بشرط أن يخيطه.
١٦٤٤٣ - احتجوا: بأنه هل ملكه غير ملكه فكان له مطالبته برده كما لو حول طعامًا من داره كان عليه رده.
١٦٤٤٤ - قلنا: لا يملك رده؛ لأنه [لم] يفعل أكثر من إزالة يد المالك فكان عليه رد يده على الوجه الذي كانت عليه، وفي مسألتنا أحدث نقصًا في الملك يتعلق به الضمان، فكان عليه النقصان كنقص الحائط.
١٦٤٤٥ - قالوا: حفرها على سبيل التعدي فكان له طمها. أصله إذا حفرها في
стр. 3225
طريق ضيق للمسلمين.
١٦٤٤٦ - قلنا: لا نسلم بل يضمنه الإمام نقصان الطريق، ويأمره بسدها إن رأى ذلك، أو سد رأسها حتى لا يضر بالمارين.
١٦٤٤٧ - قالوا: للغاصب غرض في طمها، لأنه حفرها على طريق التعدي فلا يأمن أن يقع فيها شيء فيتلف فيضمنه/.
١٦٤٤٨ - قلنا: إذا أبرأه المالك من الضمان زال التعدي، وصار كأنه حفرها بإذنه. وإن لم يبرئه، لكنه [ضمنه] فقد أزال التعدي بالتضمين.
١٦٤٤٩ - وإن (قال) [المالك] لا أبرئه، ولا أتركه يطمها، فله ذلك. وإن كان الغاصب لا يأمن التبعة، لأن المالك ليس عليه تمكينه مما يضر به ليسقط على نفسه التبعة كما أنه لو جرح عبده وقال أنا أداويه ليبرأ، فيسقط الضمان بالبراءة؛ كان للمالك منعه من ذلك.
١٦٤٥٠ - قالوا: يجوز أن يكون نقل التراب إلى ملك آخر فطولب بنقله عنه.
١٦٤٥١ - قلنا: فلم يجب نقله إلى البئر، وهو إذا نقله إلى المغصوب ولم يطم البئر زال عنه هذا الضرر. ثم المالك لا يخلو أن يطالب أو لا يطالب. فإن طالب به: فهو ينقله، أو يكلف الغاصب نقله حيث شاء. وإن لم يطالبه: فعلى الغاصب أن ينقله إلى الصحراء؛ لأنه هو الذي أدخل نفسه في هذه الجناية، وليس على (المالك) أن يبطل غرضه ويطم البئر، ليخلص الغاصب من جنايته.
***
стр. 3226
مسألة ٨١٤
صبغ الثوب المغصوب
١٦٤٥٢ - قال أصحابنا: إذا غصب ثوبًا فصبغه بصبغ الغاصب؛ فالمالك بالخيار: إن شاء ضمنه قيمة ثوب أبيض، وإن شاء ضمن له ما زاد الصبغ في ثوبه، وكان الثوب بصبغة له. وإن شاء شاركه فكان الصبغ والثوب بينهما، فإذا بيع ضرب صاحب الثوب بقيمة ثوب أبيض وضربت للغاصب بقيمة صبغ في الثوب. وليس للغاصب أن يقول أنا أقلع الصبغ.
١٦٤٥٣ - وقال الشافعي ﵀: للغاصب أن يقلع الصبغ، بشرط أن يضمنه ما نقص ذلك الثوب.
стр. 3227
١٦٤٥٤ - لنا: أن إزالة الصبغ من الثوب جناية عليه، كما لو كان الثوب يهلك بذلك حتى لا يبقى منه شيء.
١٦٤٥٥ - ولأن ملكه صار تابعًا لملك المغصوب منه على وجه [في] إزالته ضرر، كمن غصب عبدًا فأطعمه، ثم أراد أن يكلفه القيء، كما لو خاط الغاصب جرح العبد المغصوب بخيطه.
١٦٤٥٦ - ولا يقال: إن في العبد ليس له نزع الخيط، وإن رضي المالك وههنا له قلع الصبغ إذا رضي المالك، لأنا لا نسلم هذا، لأن المالك يفسد ثوبه والآخر يتلف صبغه من غير غرض صحيح، ثم هذا ليس بصحيح، لأنه إذا رضي [المالك] بما فيه نقصان ماله فجاز ما يراه، دون من يجوز ذلك بغير رضاه.
١٦٤٥٧ - احتجوا: بأن الصبغ عين مال الغاصب له قلعه برضاء المغصوب منه، فكان له قلعه بغير رضاه. أصله: إذا بني في ملك غيره أو غرس.
١٦٤٥٨ - قلنا: إن كان البناء والغرس لا يزول إلا بالضرر على صاحب الأرض فله أن يمنع ذلك، ويغرم قيمة البناء والغراس، ولا فرق بينهما. وأما إن طالب صاحب
стр. 3228
الثوب الغاصب بقلع الصبغ والغاصب ممتنع فليس له ذلك، وبه قال ابن سريج.
١٦٤٥٩ - وقال المروزي: له إجباره، وهذا غلط؛ لأن إتلاف مال الغاصب وإلحاق الضرر بمال المغصوب، والغصب، لا يبيح ذلك. وليس هذا كالبناء والغرس؛ لأن صاحب الأرض إذا ألزم الغاصب قلعه نقصت قيمته بالقلع. فأما أن يتلف فلا.
١٦٤٦٠ - ولأن العادة جارية أن الناس يقلعون البناء والغراس بغرض فيه، ولم تجر العادة أن يقلعوا الصبغ من الثياب.
١٦٤٦١ - وقال الشافعي ﵀ في القديم: لصاحب الثوب أخذه، ولا شيء للغاصب عليه. وهذا غلط؛ لأن الصبغ عين مال قائمة، فلم يجز أن يتملكه المالك بغير شيء، كالبناء والغراس.
١٦٤٦٢ - وليس هذا كالقصارة؛ لأنه ليس فيها عين مال، وإنما هو يتبعض الثوب، وذلك في حكم المنفعة، فلا يقوم بغير عقد أو شرط.
***
стр. 3229
مسألة ٨١٥
غصب الطعام وتغيير حالته
١٦٤٦٣ - قال أصحابنا: إذا غصب طعامًا فعفن عنده، أو صب فيه ماء، أو كسر قلبًا، أو درهمًا؛ فالمالك بالخيار: إن شاء ضمنه مثله، وإن شاء أخذه ولا شيء له.
١٦٤٦٤ - وقال الشافعي ﵀: له أن يأخذه ويضمن النقصان.
١٦٤٦٥ - لنا: قوله ﵊: (على اليد ما أخذت حتى ترد) فظاهره يقتضي أنه إذا رد العين سقط الضمان.
١٦٤٦٦ - ولأنه أخذ قدر المغصوب من الطعام وزيادة، فصار كما لو هلك فأعطاه
стр. 3230
أكثر من كيله، ولأنه قومه بما لا قيمة لا عند ملاقاة جنسه؛ فلم يجز تضمينه شيئا. أصله: إذا تغير تغيرًا لا يوجب نقصان القيمة.
١٦٤٦٧ - ولأن ما لا يجوز أخذه مع مقدار الكيل إذا تلف لا يجوز أخذه مع مقدار إذا [عين]. أصله جميع القيمة.
احتجوا: بأن جنايته قد استقرت فصار كما لو غصب ثوبًا فدخله عيب.
١٦٤٦٨ - قلنا: الثوب نقص منه ما له قيمة عند ملاقاة جنسه، وما لا يدخله الربا بخلاف ذلك، ولأن الثوب لو تلف جاز أن يأخذ من الغاصب مثله وزيادة، فجاز أن يأخذه معيبًا مع الأرش، وما يدخله الربا لو هلك لم يجز أن يأخذ مثله وزيادة، كذلك لا يأخذه معيبًا مع الأرش.
***
стр. 3231
مسألة ٨١٦
تغيير العين المغصوبة بفعل الغاصب
١٦٤٦٩ - قال أصحابنا: إذا غصب شاة فذبحها وشواها، أو حنطة فطحنها، أو ثوبًا قطعه أو خاطه، أو حديدًا فاتخذه أواني انقطع حق المغصوب منه عنها، ولا يحل للغاصب الانتفاع بها حتى يؤدي بدلها.
١٦٤٧٠ - وقال الشافعي ﵀: لا ينقطع حق صاحب العين، وله أن يأخذها ويضمنه النقصان.
стр. 3232
١٦٤٧١ - لنا: ما روي عن أبي حنيفة عن عاصم بن كليب عن أبيه عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: (صنع رجل من أصحاب النبي ﷺ طعامًا ثم دعا النبي ﷺ فقام وقمنا معه فوضع الطعام بين يديه فأخذ بضعة من ذلك فلاكها طويلًا فلم يقدر على أن يسيغها فألقاها عن فمه وأمسك عن الطعام، فلما رأيناه فعل ذلك أمسكنا عن الطعام كما أمسك، ثم قال لصاحب الطعام: أخبرني عن لحمك هذا من أين هو؟ قال: يا رسول الله، شاة كانت لجاري وكان غائبًا فذبحناها حتى يأتي صاحبها فنعطيه ثمنها، فأمره النبي ﷺ أن يرفع الطعام ويطعمه الأسرى).
стр. 3233
١٦٤٧٢ - ولو كان ملكه باقيًا؛ لم يجز أن يأمره بالصدقة بها بغير أمره، فلما أمرهم بالصدقة دل [على] أنهم ملكوها، ولم يجز لهم التصرف فيها قبل ضمان البدل، وجاز فسادها إن تركوها فأمرهم بالصدقة.
١٦٤٧٣ - قالوا: التصرف فيها عندكم محظور [فكيف يأمره ﷺ بالصدقة المحظورة؟.
١٦٤٧٤ - قلنا: التصرف فيها محظور] حتى يضمن، فإذا لم يكن يجوز بيعها لم يجز الصدقة بها.
١٦٤٧٥ - فإن قيل: يجوز أن يكون على ملك الغائب، إلا أنها كانت لا تبقي.
١٦٤٧٦ - قلنا: ملك الغائب إذا خاف الإمام عليه التلف باعه وحبس ثمنه عليه، ولم يجز أن يتصدق به.
١٦٤٧٧ - قالوا: يجوز أن يكون لم يجد من يبتاعه.
١٦٤٨٧ - قلنا: هذا محال؛ لأنه لا يتعذر في الأمصار من يبتاع الشاة المشوية، ولأن [الذي] ذبحها قد رضي بدفع عوضها، فكان يجب أن يبيعها منه.
١٦٤٧٩ - فإن قيل: يجوز أن يكون الغائب أراد الصدقة بها على الأسري.
١٦٤٨٠ - قلنا: النبي ﵊ لم يعرف صاحبها، فكيف عرف أنه يتصدق بها؟ وكيف يجوز أن يتعلق الحكم بسبب لم ينقل ويترك المنقول؟ وعلى أن من أوجب الشاة لا يجوز لغيره أن يمضى نذره بغير أمره.
١٦٤٨١ - [قالوا: يجوز أن يكون الأسرى قد اضطروا إلى أكل مال الغير بغير أمره].
стр. 3234
١٦٤٨٢ - قلنا: هذا لا يؤدي إلى تعليق الحكم بسبب لم ينقل، ولأنه لو كان الأسرى على هذه الصفة ما أمر النبي ﷺ بإطعامهم قبل أن يبين حال الشاة، وهذا خبر صحيح الإسناد لا يسوغ العدول عنه بمثل هذا التمحل البعيد.
١٦٤٨٣ - ولأنه غصب حنطة، فلا يطالب برد الدقيق. أصله: إذا أتلفها, ولا يلزم إذا طحنها بإذن مالطها، لأن قولنا: لا يطالب معناه: لا يطالب الغاصب، ومتى طحنها بإذنه فليس بغاصب.
١٦٤٨٤ - ولأنه أزال الاسم وأكثر المنافع المقصودة بفعل لم يأذن المالك فيه، فوجب أن يزول ملك صاحبه عنه؛ أصله: إذا غصب دهنًا بأن خلطه بالبذر أو حزها ثم شواها.
١٦٤٨٥ - ولا يلزم إذا ذبح الشاة؛ لأن الاسم لم يزل؛ بدلالة أنه يقال: شاة مذبوحة، فإن ألزموا إذا ذبحها وقطعها.
قلنا: لا رواية فيه، ولأن معظم المنافع لم يزل؛ لأنه يتخذ من المذبوحة جميع ما يتخذ من اللحوم وإنما المنفعة للدر والنسل، فهذا بعض المنفعة.
ولا يلزم إذا غصب عصيرًا فصار خلًا. لأنه إن تحلل بنفسه فلم يزل الاسم وعامة المنافع بفعله وإن خلل هو زال الملك.
ولا يلزم إذا غصب خمرًا فخللها؛ لأنه لم يزل عامة المنافع المباحة إن يتخذها خلا.
ولا يلزم إذا غصب فضة فضربها؛ لأن اسم الفضة لا يزول بالصفة، ولأنه فعل لو حصل من الخمار- أزال الملك، فإذا حصل في الشاة أزال الملك كالبيع.
١٦٤٨٦ - ولأنه أخرج العين عن [المعنى] المقصود بها بزيادة معنى، فزال ملك المالك/ كأحد الشريكين إذا وطئ الجارية فأحبلها.
١٦٤٨٧ - ولأن العقود والمقبوض كل واحد منهما سبب لضمان الأموال، فإذا كان في أحدهما ما يوجب نقل ملك العين بعوض، كذلك الآخر. ولا يمكن القول
стр. 3235
بموجبه في خلط الزيت بالبذر، لأن الملك المنقول غير متعين.
احتجوا: بحديث الحسن عن سمرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (على اليد ما أخذت حتى تؤدي).
١٦٤٨٨ - قلنا: هذا دليل عليكم، لأنها أخذت الحنطة؛ فعليه أداؤها، وأما الدقيق فلم يأخذه؛ فلا يلزمه أداؤه بالظاهر.
١٦٤٨٩ - قالوا: روي أنه ﵊ قال: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه) فظاهره أنه لا يتملكه ولا يمسكه ولا يتصدق به.
١٦٤٩٠ - قلنا: الفعل الذي هو جهة التملك ههنا لا يحل له عندنا ويملك به حكمًا، فقد قلنا بالظهر؛ فأما قولهم: إن لا يحل له إمساكه والتصدق به حكمًا، ففي تلك الحال ليس بملك لغيره فلم يتناوله الخبر عندنا.
١٦٤٩١ - قالوا: فعل لو فعله في ملك نفسه لم يزل ملكه، فإذا فعله في ملك غيره [لم يزل ملكه]. أصله: إذا ذبح الشاة ولم يشوها، وإذا قطع الثوب ولم يخطه، وإذا ضرب الفضة دراهم أو حليًا.
١٦٤٩٢ - قلنا: يبطل إذا غصب ذهبًا فخلطه بجنس آخر دونه لا يختلف المذهب أنه استهلاك، فإن صاحبه لا حق له في العين، فأما إذا خلطه بجنسه
стр. 3236
فالمنصوص أن للغاصب أن يعطيه مثله، ومنهم من قال: يشاركه فيه وخالف المنصوص.
١٦٤٩٤ - فعلى هذا الخلط الذي يزيل الملك، لو حصل في ملك نفسه لم يزل ملكه، فإذا حصل في ملك غيره أزال ملكه.
١٦٤٩٤ - ولأن من طحن حنطة نفسه زال ملكه عنها ويحدد على (دقيقها)، فالوصف غير مسلم. فأما إذا ذبح الشاة؛ [فالاسم] لم يزل، يقال: شاة مذبوحة، ولم تفت عامة المنافع.
١٦٤٩٥ - وإنما [فات] بعضها، ألا ترى أن سائر منافع الأكل باقية مثل إمكان (الشواء) والطبخ والقديد وإنما فاتت منافع الحياة؛ وأما الحنطة إذا طحنت؛ فقد زال الاسم.
١٦٤٩٦ - الدليل عليه: أن الدقيق لا يستحق بالعقد على الحنطة. ولو عقد على حنطة فوجدها دقيقًا كان البيع باطلًا، وقد فات أكثر لمنافع؛ لأنها لا تزرع بعد الطحن وفاتت بعض منافع الأكل، وهو الطبيخ والقلي وعمل السويق. وكذلك إذا قطع الثوب ولم يخطه فلم يزل اسم الثوب عنه، وأكثر منافع الثياب باقية.
١٦٤٩٧ - وأما إذا ضرب الدراهم فلم يزل اسم الفضة عنها، ولا زال المنافع، بدلالة: أن كل شيء يتخذ من النقرة يتخذ من المصوغ والمضروب.
١٦٤٩٨ - قالوا: التعدي على مال الغير إذا طرأ؛ يخرجه من أن يكون مملوكًا [لم يزل ملك صاحبه عنه أصله ما تقدم].
١٦٤٩٩ - قلنا: [التعدي على مال الغير] لم يزل الملك عندنا، وإنما صار سببًا في الإزالة إذا حدث عن التعدي معنى من المعاني، وهذا يزيل الملك، بدلالة وطء الجارية المشتركة إذا حبلت، ووطء الأب جارية الابن عندنا
стр. 3237
وفي أحد القولين عندهم.
١٦٥٠٠ - قالوا: لو ملكها حل له أكلها والتصرف فيها، ولم يجب عليه أن يتصدق بها؛ لأن من ملك شيئًا لم ينحصر تصرفه. أصله إذا ملك بالبيع.
١٦٥٠١ - قلنا: لا يمنع أن يملك الإنسان ما منع من التصرف فيه كما يمنع المشتري من التصرف في المبيع قبل دفع الثمن. هذا مع رضاء المالك بزوال الملك. فلأن يمنع من التصرف في الموضع الذي لم يرض المالك بزوال ملكه أولى.
***
стр. 3238
مسألة ٨١٧
تمليك الغاصب بالتضمين
١٦٥٠٢ - قال أصحابنا: الضمان سبب للتمليك، فإذا غصب عينًا فتعذر ردها، ضمن قيمتها، وملكها بالضمان، إن كانت مما تملك بالعقود. وإن أحضرها الغاصب فهي له.
١٦٥٠٣ - وقال الشافعي ﵀: لا تملك بالضمان، فإذا قدر على ردها أخذها مالكها، ورد القيمة التي قبض.
١٦٥٠٤ - لنا: أن كل [ما] يضمن به العين جاز أن يملكه. أصله البيع فلا يلزم القتل والاستهلاك؛ لأنه لا يملك بهما.
١٦٥٠٥ - ولأنه ضمن العقد الذي يجوز نقل الملك فيها؛ فوجب أن يكون سببًا للتمليك. أصله: إذا خلط الدهن بالبذر، وإذا وطئ الجارية المشتركة.
стр. 3239
١٦٥٠٦ - فإن قيل: لا نسلم أن العبد الآبق يجوز نقل الملك فيه.
١٦٥٠٧ - قلنا: إذا عين العين المغصوبة في بلد آخر فللمالك تضمينه، ونقل الملك فيها جائز. لأنه [لو] باعه، صح باتفاق الحق بها في يده. ولو غصب العبد منه غاصب فضمن الأول، فالعين يصح تمليكها، لأنه يجوز بيعها من الغاصب الثاني. فأما العبد الآبق: فبيعه يصح من الغاصب عندنا، لأنه في ضمانه، وهذه المسألة مبنية على أن القيمة بدل عن العين وعند مخالفنا بدل عن الحيلولة بين المالك وملكه وهذا غلط؛ لأنه مال مأخوذ عن مال مملوك، فكان بدلًا عنه [كالعبد إذا قتله.
١٦٥٠٨ - ولأنه سبب لضمان القيمة فكانت بدلًا عن المضمونة] كالقبض في البيع الفاسد. ولأنها مأخوذة في مقابلة ما يصح تمليكه، كالثمن في البيع.
١٦٥٠٩ - ولأن الحيلولة السبب الموجب للضمان، فالبدل في مقابلة السبب كالثمن في البيع في مقابلة المبيع. وليس هو بدل في مقابلة البيع، والدية في القتل بدل من المقتول لا عن القتل، والمهر في النكاح بدل عن الاستباحة لا عن النكاح.
١٦٥١٠ - وإذا ثبت هذا قلنا: [ملك] البدل عن العين التي يصح تمليكها، فوجب أن يملك [العين كالثمن في المبيع، ولأنه سلم بدل ملكه والملك محل النقل؛ فوجب أن يملك] عليه كالبيع. ولا يلزم إذا غرم الغاصب قيمة المدبر، لأنها بدل عنه عندنا لا عن الحيلولة، كما يظن مخالفنا. إلا أن تمليكه لا يجوز فلا يملك، كالدية المأخوذة في قتل الحر.
١٦٥١١ - ولا يلزم على هذا هبة على شرط العوض، إذا سلم العوض ملكه بالقبض بدلًا عن الموهوب، ولا يزول ملكه عن الموهوب؛ لأن الهبة لا تتم إلا بقبض عوضها، فإذا قبض أحد العوضين فقد ملك هبة مضمونة، ولم يصر بدلًا حتى يقبض البدل الآخر، ولهذا يضمن هذا المقبوض بقيمته حتى يسلم ما في مقابلته.
١٦٥١٢ - ولا يلزم إذا أكره على أن يبيع عبدًا [في] جارية، وسلم العبد
стр. 3240
فأعتقه القابض ملكه ونفذ عتقه فيه، والجارية على ملكه [لأن بدل هذا العبد القيمة، وقد استحقت على قابض العبد.
١٦٥١٣ - ولا يلزم البيع الفاسد، فإذا اتصل به القبض ولم ينقد الثمن لزم، لأن الثمن ليس ببدل، وإنما القيمة البدل، وقد ملكت عليه.
١٦٥١٤ - فإن قالوا: من أصحابنا من قال: إنه لا يملك القيمة، وإنما يقبضها لتحول بينها وبين الغاصب.
١٦٥١٥ - قلنا: هذه عبارة لا يحصل معناها؛ لأنه يقبض القيمة، ويجوز تصرفه فيها بسائر جهات التصرف وتورث عنه، وهذه صفات المملوكات فتجتمع العبارة ولا يضرنا.
١٦٥١٦ - احتجوا: بقوله- ﵊: (على اليد ما أخذت حتى ترد).
١٦٥١٧ - قلنا: المراد به ما أخذت من ملك العين حتى ترد، وبعد أخذ القيمة والمطالبة بها لم تبق العين ملكًا يجب عليه رده بظاهر الخبر.
١٦٥١٨ - وأما قوله تعالى: ﴿إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم﴾ فالله تعالى أباح الأكل والتجارة، ونهي عن أكل المال بالباطل، فما ليس بتجارة ولا أكل مال بباطل لا تتناوله الآية.
١٦٥١٩ - وقوله ﵊: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه) لا دلالة فيه، لأنه لما طالب بالقيمة وأخذها فقد رضي، وطابت نفسه بعوض ما أخذه.
стр. 3241
١٦٥٢٠ - قالوا: غرم ما تعذر رده بخروجه من يده فلا يملكه. أصله إذا غصب مدبرًا فأبق منه.
١٦٥٢١ - قلنا: المعنى في المدبر: أنه لا ينتقل الملك فيه إلى الموصى له فلم يملك بالضمان [كما لو أخذ] القيمة بالتراضي.
١٦٥٢٢ - فإن قيل: المدبر ينتقل إلى الموصى له إذا [أبطل] المولى التدبير. فجاز أن يملك بالضمان كما لو أعتق أحد الشريكين [العبد] وهو موسر، ملك نصيب شريكه. (فالضمان) من أسباب الملك لم يصح إلا فيما يملك (بالبيع) فما ثبت في المدير وأم الولد علم أنه ليس من أسباب الملك.
١٦٥٢٣ - قلنا: ضمان الغصب الذي يفيد الملك لا يصح إلا فيما يملك عندنا؛ لأن المدبر يجوز أن ينقل فيه الملك بحكم الحاكم، والآبق يجوز بيعه ممن هو في يده، ويجوز بيعه من الغاصب، لأنه في ضمانه: ولهذا قال أبو حنيفة: إن ما لا ينقل فيه الملك لا يضمن بالغصب، كأم الولد.
١٦٥٢٤ - ولأن البيع تمليك بالعقد، وهنا تمليك من طريق الحكم فهو أكد، فيجوز أن يصح فيما لا يصح بيعه، كما أن الإرث ينتقل به ما لا ينتقل بالبيع.
١٦٥٢٥ - قالوا: بدل عن جناية فلم يستقر، فإذا تبين أن الجناية غير موجودة؛ وجب رد البدل، كمن ضرب عين رجل فابيضت فغرم الأرش ثم زال البياض وجب رد الأرش.
стр. 3242
١٦٥٢٦ - وربما قالوا: غرم على ظن أن حقه قد فات، فصار كالبياض إذا زال.
١٦٥٢٧ - قلنا: يبطل إذا تعذر تسليم المبيع فقضي للمشتري بالثمن، ثم أمكن التسليم. والمشتري يجد [بالمبتاع] عيبًا فيرده ويأخذ الثمن ويزول العيب، و [بالقاضي] إذا فسخ النكاح بالعنة بعد مضى السنة ثم زالت العنة.
١٦٥٢٨ - ولا نسلم أن الغاصب يغرم البدل على الجناية، وإنما يغرم بدل العين على ما قدمنا. والمعنى في الجناية: أن الأرش يجب بفوات المنفعة، أو الجمال إذا زال البياض فلم/ يفت واحد منهما. والقيمة [في مسألتنا عوض عن العين، والعين قد سلمت للغاصب، فلم يفسخ التضمين فيها].
١٦٥٢٩ - قالوا: إذا كان يغرم القيمة لعدم القدرة على الأصل، يسقط البدل بالقدرة، كالمتيمم إذا قدر على الماء.
١٦٥٣٠ - قلنا: قدر على المبدل بعد الملك المغصوب [منه] البدل فصار كالقدرة على الماء بعد الصلاة بالتيمم.
١٦٥٣١ - قالوا: المأخوذ لا يخلو أن يكون ثمنًا أو قيمة، والثمن لا يكون إلا بالتراضي، والقيمة لا تجب إلا عن متلف.
١٦٥٣٢ - قلنا: تعذر الوصول إلى العين جعل العين في حكم المتلف، ولهذا يجوز إيجاب القيمة مع بقائها كما يجب عند تلفها.
١٦٥٣٣ - قالوا: غرم القيمة على قولهم فوات العين، فإذا ظهرت كان له المطالبة
стр. 3243
بها، كما لو أخذ القيمة بقول الغاصب.
١٦٥٣٤ - قلنا: إذا ضمن بقوله ثم ظهرت العين زائدة القيمة، فقد تم التمليك وثبت للمغصوب [منه] الخيار. ولأن القاضي نقل الملك على شرط فبان بخلافه. وهذا كمن ابتاع عبدًا على أنه خباز فوجده بخلاف ذلك.
١٦٥٣٥ - قالوا: ظلمًا إذا وقع على ما يملك ملكًا لا يقع على مالا يملك كالبيع والنكاح وعكسه الوكالة.
١٦٥٣٦ - قلنا: ضمان الغصب الذي يملك به لا يثبت إلا فيما يملك على ما قدمنا. ويبطل هذا بالوصية، فإنها إذا وقعت فيها يملك ملك، ويصح فيما لا يملك عندهم وهو الكلب ويكون الموصي لهم الحق به.
***
стр. 3244
مسألة ٨١٨
غصب الساجة والبناء عليها أو حولها
١٦٥٣٧ - قال أصحابنا: إذا غصب (ساجة) فبني عليها تقض البناء. وإن بني حولها لم ينقض.
١٦٥٣٨ - وذكر محمد في كتاب الصرف ما يقتضي التسوية بين الأمرين وهو الصحيح.
١٦٥٣٩ - وقال الشافعي ﵀: ينقض وترد على صاحبها. وقال فيمن غصب خيطًا فخاط به جرحه أو جرح عبده: فإن نزعه خاف التلف أو زيادة العلة لم ينزعه. وإن كان لا يخاف التلف ولا زيادة العلة ولا النتن ولا إبطاء برء فإنه ينزعه.
стр. 3245
١٦٥٤٠ - وإن خاف النتن أو إبطاء البرء، فقيمته. والبغل والحمار كالآدمي. والكلب والخنزير تقلع في جميع الأحوال، وأما الحيوان المأكول كالبقر والغنم فنص على أنه لا يجب الرد.
١٦٥٤١ - قال الربيع فيها قول أخر: أنه يجب الرد.
стр. 3246
١٦٥٤٢ - لنا: قوله ﵊ (لا ضرر ولا ضرار) [ولا ضرر] في الإسلام: وفي قلع البناء إضرار بمال الغاصب.
١٦٥٤٣ - فإن قيل: في منع الساحة إضرار بمالكها.
قلنا: الضرر يلحقه بنقل ملكه إلى العوض، فذلك أخف من إتلاف الملك من غير عوض. وإذا وجب دفع الضرر ولم يكن بد من الضرر فإن دفع [أعظم] الضررين أولى.
١٦٥٤٤ - ولا يقال: الإضرار بمال الغاصب الجاني أولى؛ لأن الخلاف بيننا فيمن بني على ساجة اعتقد غصبها، ومن بني على ساجة فظنها له يكونان سواء، وهذا ليس
стр. 3247
بظالم ولا جان، ولأن جنايته لا يبيح إتلافه ماله؛ فصار من هذا الوجه كغير الغاصب.
١٦٥٤٥ - ويدل عليه قوله تعالى: ﴿فمن اعتدي عليكم فاعتدوا عليه﴾ الآية والغاصب لم يقصد أن ينقض البناء؛ فلا يجوز أن ينقض بناؤه.
١٦٥٤٦ - فإن قيل: الواجب الاعتداء بإيجاب الرد بدلالة ما قبل البناء.
١٦٥٤٧ - قلنا: الظاهر يقتضي إيجاب المثل قبل البناء وبعده، والمثل في القيمة، وإنما تركنا الظاهر قبل البناء [به].
١٦٥٤٨ - ولأن ملك الغير صار تابعًا لملكه على وجه يلحقه الضرر برده، فسقط رده عنه، كمن غصب خيطًا فخاط به جرحه أو جرح عبده أو حماره. قالوا: لا نسلم أنه صار تابعًا.
١٦٥٤٩ - قلنا: يعني بذلك أن الساجة لو كانت للغاصب دخلت في بيع الدار من غير تسمية، فدل أنها تابعة.
١٦٥٥٠ - قالوا: إنما تكون تابعة إذا اتفق الملك، فإذا اختلف لم تتبع، كمن باع جارية حاملًا دخل حملها في البيع، ولو كان حملها لغيره لم يدخل لافتراق الملكين.
١٦٥٥١ - قلنا: هي تابعة من الوجهين؛ لأنه إذا باع الدار والمشتري لا يعلم بحال الساجة، اقتضي العقد دخول الساجة حتى لا [يصح بجميع الثمن دونها، وكذلك إذا باع الجارية الحامل وحملها لغيره بطل البيع] فلولا أنها تابعة للأصل في المسألتين لم يثبت [لها حصة] من غير تسمية، ولم يفسد البيع ولصارت والجارية الحامل سواء.
١٦٥٥٢ - ولا يلزم إذا غصب أرضًا فبني أو غرس؛ لأن الأرض تصير تابعة للغرس والبناء، بدلالة أنها لا تدخل في بيعه على وجه البيع.
١٦٥٥٣ - فإن قيل: المعني في الخيط: أن له أخذه ابتداء من غير إذن المالك.
١٦٥٥٤ - قلنا: إذا خاف الرجل بوقوع حائط عليه أو على مارة الطريق كان له أخذ ساجة الغير بغير إذنه ليعمل بها حائطه. وأما الأصل: فهو أن من أخذ خيطًا وهو يجب خيطًا غيره فلا نسلم أن له أخذه من غير إذن صاحبه.
стр. 3248
١٦٥٥٥ - قالوا: المعنى في الخيط أنه ليس للغاصب رده فلم يجب عليه، وفي مسألتنا له رد الساجة فلزمه ردها.
١٦٥٥٦ - قلنا: إذا وجب له على عبده القصاص فله أن يختار القصاص، ويرد الخيط، ولا يجب عليه. وأما الفرع: فلا نسلم [قبل النقض] أن له الرد؛ لأنه (لا يجوز) له إتلاف ماله من غير عوض، وهو يقدر على إسقاط الضمان بالقيمة.
١٦٥٥٧ - فإن قيل: له عرض صحيح ليتخلص من المأثم بإجماع.
١٦٥٥٨ - قلنا: لا يجوز له ذلك لهذا الغرض. ألا ترى أن من كان في سفر فوجد ما يتوضأ به بجميع ماله [لم يحل له] ابتياعه. وإن كان يتخلص بذلك من المأثم، على قول من يوجب عليه ابتياع الماء (بما عز وهان).
١٦٥٥٩ - فإن قالوا: المعني في الحيوان أن له حرمة بنفسه وحرمة بمالكه فإذا سقطت حرمه مالكه بالتعدي [بقيت حرمة الحيوان، فلم يجز قلع الخيط. والبناء له حرمته بمالكه، فإذا سقطت حرمة المالك بالتعدي]، وفي الغصب لم يبق هناك حرمة أخرى.
١٦٥٦٠ - قلنا: إذا خاط به جرحه فقد سقطت حرمته بالتعدي، ولم يبق هناك حرمة أخرى، فكان يجب [أن] يقلع الخيط، وقد أجمعنا أنه لا يقلع، ثم لا
стр. 3249
نسلم أن حرمة مال الغاصب تسقط بسبب غصبه بما لا يسقط حرمة عبده بغصبه، وكما لا تسقط حرمته في نفسه.
١٦٥٦١ - قالوا: المعني في الأصل: أنه إدخال ضرر على حيوان، والبناء بخلافه.
١٦٥٦٢ - قلنا: يبطل إذا خاط به جرح كلبه وشاته.
١٦٥٦٣ - قالوا في الكلب يقلع، وجهًا واحد، وفي الشاة، على وجهين ولأن المغصوب صار تبعًا لملك الغاصب ومستهلكًا فيه، فصار كما لو غصب الساجة. حتى لو قلع البناء. وكما لو غصب مسمارًا فسمر به السفينة وهي في لجة البحر.
١٦٥٦٤ - ولأنه لا يمكن رد ماله إلا بإتلاف مال متبوع، فصار كما لو ابتلع لغيره درهمًا لم يجب ذبح البعير لرد الدرهم على صاحبه.
١٦٥٦٥ - ولا يلزم إذا ابتلعت الدجاجة لؤلؤة ألا يجب على صاحب الدجاجة ذبحها، وله أن يضمن قيمة اللؤلؤة لصاحبها.
١٦٥٦٦ - ولأن من غصب خيطًا فخاط به جرح حماره وليس في رده نفس التلف، بل يجوز أن يتلف ماله بذلك، ويجوز أن يسلم. وفي مسألة البناء يتيقن تلف ملكه، فإذا لم يجب قلع الخيط مع عدم تعيين التلف فلأن لا يجب في مسألتنا أولى.
١٦٥٦٧ - احتجوا بما روي قتادة عن الحسن عن سمرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ([علي] اليد ما أخذت حتى تؤديه).
١٦٥٦٨ - قلنا: معناه ما أخذت من ملك الغير [فقوله: (تؤديه) كناية عن ملك الغير، لا نسلم أن الساجة ملك الغير] فلم يتناولها الخبر.
стр. 3250
١٦٥٦٩ - قالوا: روي أنه ﵊ قال (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه).
١٦٥٧٠ - قلنا: لا يحل عندنا (لمن أخذ الساجة أخذها ولا التصرف فيها) وإنما حل له تبقيتها بعد ما زال ملك مالكها عنها، فأما أن يكون أحللنا ملكه بغير اختياره فلا.
١٦٥٧١ - قالوا: روي عبد الله بن السائب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: (لا يأخذ أحدكم مال أخيه جادًا ولا لاعبًا، فمن أخذ عصا أخيه فليردها).
стр. 3251
١٦٥٧٢ - قلنا: أمره برد عصا أخيه، وقد بينا أنها لا تكون للأخ بعد البناء فلم يتناولها الخبر.
١٦٥٧٣ - قالوا: روي أن النبي ﷺ قال: (وليس لعرق ظالم حق).
١٦٥٧٤ - قال الشافعي: المراد به كل موضوع بغير حق.
١٦٥٧٥ - قلنا: العرق يكون للغارس والزرع، وقول الشافعي المراد به كل موضوع بغير حق [لا] يدل عليه الظاهر، ولا أجمعوا عليه، وإن كان ينقص ذلك عندنا فيما بينا، فيجب أن يبين العلة ويسقط الاستدلال بالخبر.
١٦٥٧٦ - قالوا: مغصوب، له رده وكان عليه رده إذا لم يبن عليها، وإذا أدخلها بيتًا وسده.
١٦٥٧٧ - قلنا: لا نسلم أن له رده قبل (نقض) البناء على ما قرره، ويبطل بالحربي إذا دخل دار الإسلام فغصب مالًا ونقله إلى دار الحرب فله رده. وإن امتنع لم يجبر على الرد، ويبطل بمن غصب عبدًا فرهنه المالك عند الغاصب، فللغاصب رده، ولا يجبر على الرد.
١٦٥٧٨ - قالوا: لا يجوز إلا بعد فسخ الرهن، فإذا فسه صيح الرد ووجب.
١٦٥٧٩ - قلنا: يجوز له الرد بشرط تقديم الفسخ، ولا يجبر على الرد. وعلى
стр. 3252
هذا الوجه، يبطل بمن خاط بالخيط جرح عبده؛ فوجب له على عبده [القصاص، فيجوز له الرد بشرط استيفاء القصاص.] فأما إذا لم يبن عليه/ فالعين المغصوبة بحالها، وليس في ردها إتلاف مال متبوع. فأما إذا سد عليها الباب: ففي فتح البيت منفعة مالكه؛ لأن البيوت لا تتخذ لتسد، وإنما تتخذ لتسكن، فلم يكن في رد العين المغصوبة ضرر.
١٦٥٨٠ - وفي مسألتنا في ردها إتلاف مال متبوع.
١٦٥٨١ - قالوا: [شغل] ملك غيره بملكه الذي لا حرمة له بنفسه غصبًا، فلم ينقطع حق مالكه. أصله إذا غصب أرضًا فغرس فيها.
١٦٥٨٢ - قلنا: اختلف أصحابنا المتأخرون في هذا الأصل، فكان أبو طاهر يقول: إن كان البناء والغراس أكثر قيمة من الأرض لم يجب عليه رد الأرض ورد قيمتها؛ فعلي قوله لا نسلم، وإن سلمنا فالمعني فيه أن الأرض لا تصير تابعة لبنائها وغرسها، بدلالة أن بيع الأرض دون البناء والغرس لا يجوز، فدل أنه من توابعها وبيع الغرس منفردًا عن الأرض جائز، فدل على أنه ليس من توابعها، فلم يكن في رد الأصل إتلاف مال متبوع، وفي مسألتنا بخلافه، بدلالة أنه لو باع البناء دون الساجة لم يجز، فدل أنها تتبع البناء.
١٦٥٨٣ - قالوا: قال الشافعي: لما لم يكن له أخذ مساجة الغير ابتداء ليبني عليها، لم يكن له في الثاني بنفسها، ألا تري أن الخيط لما كان له أخذه ابتداء بغير رضاء المالك جاز تبقيته؟.
стр. 3253
١٦٥٨٤ - قلنا: هذا قياس عكسي وهو لا يقول به، ثم لا فرق بين الأمرين؛ لأن الساجة ليس له أن يأخذها مع عدم الحاجة، وله أخذها إذا اضطر وخاف على نفسه أو عبده، والخيط ليس له أخذه إذا وجد غيره، وله أخذه إذا اضطر إليه. ثم جاز عندهما تبقيته الخيط في الوجهين مع اختلاف حكمهما ابتداء، كذلك الساجة عندنا.
١٦٥٨٥ - قال الشافعي: لو غصب جارية فأولدها أولادًا، فإنه يحكم عليه بردهم، إلى المغصوب منه يكونون عبيدًا له، ولا يقبل من الغاصب قيمتهم. فالضرر الذي يلحقه باستخدام أولاده واسترقاقهم أعظم، ولم يسقط ذلك حق المغصوب منه في أعيانهم.
١٦٥٨٦ - قلنا: نحن لم نسقط حق صاحب الساجة عنها بمجرد الضرر بالغاصب، والإلزام يجب أن يكون على العلم. ثم هو غلط، لأن الغاصب (إن)
стр. 3254
وطئها من غير شبهة فلا ولد له وإن وطئها بشبهة فلا يكون ذلك بأكثر من الوطء المباح بالنكاح. وذلك لا يوجب حرمة الولد، وإن أضر الاسترقاق بالواطئ فالغصب أولى.
١٦٥٨٧ - وفي مسألتنا: لو بني على الساجة بإذن مالكها لم يلزمه القلع، وكذلك إذا كانت بغير إذنه، لا يتغير ملكه في الوصفين على وجه لو كان في إزالتها ضرر.
***
стр. 3255
مسألة ٨١٩
إذا غصب طعامًا فقدمه إلى مالكه فأكله برئ الغاصب من الضمان
١٦٥٨٨ - قال [أصحابنا]: إذا غصب طعامًا فقدمه إلى مالكه فأكل برئ الغاصب من الضمان.
١٦٥٨٩ - وقال الشافعي ﵀: إن كان المالك عالمًا برئ الغاصب، وإن كان جاهلًا ففيه قولان.
١٦٥٩٠ - لنا: حديث سمرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه) والغاصب قد رد.
стр. 3256
١٦٥٩١ - ولأنه أتلف مال نفسه فلم يرجع بضمانه على غيره. أصله: إذا أكله مع العلم، ولأن كل ما لو فعله بحال العلم برئ به الغاصب فإذا فعله مع الجهل برئ. أصله: إذا أكله من غير إذن الغاصب.
١٦٥٩٢ - ولأن أمر الغاصب في ملك الغير لا حكم له، فسقط، وصار كأن المالك أكله ابتداء.
١٦٥٩٣ - ولأن ثبوت يد المالك على ملكه يسقط الضمان وكل سبب يسقط الضمان يستوي فيه العلم والجهل كالبراءة من الحقوق. ولهذا نقول: إنه لو طلق امرأته وهو يظن أنها أجنبية، أو أعتق عبده وهو يظن أنه لغيره وقع الطلاق والعتاق.
١٦٥٩٤ - فإن قيل: الغاصب أزال يدًا كاملة الأحكام، فإذا أباحه له الغير فلم تعد يد المالك بكمالها، بدلالة أنه ليس له في الظاهر أني يبيع ويهب ويمسك ويدخر، فإذا لم تعد اليد التي زالت بالغصب لم يسقط الضمان.
١٦٥٩٥ - قلنا: سقوط الضمان لا يتعلق عندنا [بتمكين] الغاصب، وإنما يتعلق بثبوت يد المالك، فصار كما لو أكله من غير تمكين. ولأن يده لما ثبتت، فقد صار بحيث يجوز تصرفه بكل حال، إلا أنه لا يعلم، والأسباب المسقطة للضمان يستوي فيها العلم والجهل.
١٦٥٩٦ - احتجوا: بأنه أكل ما غصبه مع الجهل بحاله، فأشبه إذا كان الغاصب غصب شاة فذبحها وشواها، فأطعمها المالك.
١٦٥٩٧ - قلنا: الوصف غير مسلم، لأن الغاصب ملك الشواء فلم يأكله المغصوب منه، وإنما أكل مال الغاصب. والمعني فيه: أن حق المالك غير متعين من الشواء، لأن عندنا لا حق له فيه. وعندهم هو مخير: إن شاء أخذ العين، وإن شاء أخذ القيمة.
١٦٥٩٨ - وإذا أكلها وهو لا يعلم فلم يأكل ما تعين حقه فيه، فلم يسقط الضمان.
١٦٥٩٩ - وفي مسألتنا: أكل ما تعين حقه فيه فسقط الضمان بأكله، كما لو أكل ابتداء. وقد ادعوا أن من غصب حطبًا فأمر المغصوب منه بأن يحرقه فحرقه لم يبرأ
стр. 3257
الغاصب من الضمان. وهذا غلط؛ لأن عندنا ثبوت يده على المغصوب وتصرفه لا بأمر الغاصب، فلا فرق بين أن يأكل الطعام أو يوقد الحطب.
***
стр. 3258
مسألة ٨٢٠
فتح القفص وطيران ما فيه
١٦٦٠٠ - قال أصحابنا: إذا فتح القفص فطار ما فيه لم يضمن إلا أن يكون هيجه.
١٦٦٠١ - قال الشافعي ﵀ في اللقطة: فإن قعد الطائر ثم ذهب فلا ضمان.
١٦٦٠٢ - قالوا: ومفهومه: أنه إذا طار من فوره ضمن.
١٦٦٠٣ - وقال في القديم: ولو حل دابة، أو فتح قفصًا عن طائر ففي هذا لا ضمان عليه. وعمومه يقتضي سقوط الضمان بكل حال.
стр. 3259
١٦٦٠٤ - قالوا: وهو الصحيح.
١٦٦٠٥ - لنا: أنه طار باختياره من غير تنفير فلم يجب على الغاصب ضمان كما [لو] مكث ثم طار.
١٦٦٠٦ - ولأنه سبب غير ملجئ؛ لأن القفص قد يفتح فلا يطير، وإذا انضم إليه فعل الحيوان لم يضمن به المال، كمن فتح باب البيت حتى أبق العبد.
١٦٦٠٧ - ولا يلزم الدال على الصيد ولا الممسك؛ لأنهما لا يضمنان المال وإنما تلزمهما كفارة.
١٦٦٠٨ - ولأنه سبب لا يتعلق به الضمان إذا تأخر التلف عنه فلا يتعلق به إذا وجد عقيبه. أصله: من حفر بئرًا في داره. وعكسه إذا حفر بئرًا في الطريق، والسراية مع الجراحة، ولا يلزم إذا فتح رأس الزق فسال ما فيه أنه يضمن. وإن تأخر السيلان لم يضمنه. لأنه إذا فتحه وهو مائع فقد باشر الإتلاف [لأنه لا يحدث أن يتماسك.
стр. 3260
وإن كان جامدًا فأذابه بالحر فقد حصل الإتلاف] بفعل غيره. وهذا المعني إن وجد عقيب الفتح تعلق به الضمان، كمن فتح رأس الزق فأراقه آخر.
١٦٦٠٩ - احتجوا: بأنه يوصل إلى الذهاب بفعله، فأشبه إذا نفره.
١٦٦١٠ - قلنا: يبطل بالعبد إذا حبسه مولاه، ففتح رجل الباب، أو حل العبد. ويبطل إذا مكث ثم طار. والمعنى فيه إذا نفره فقد ألجأه، فانتقل فعله إليه. وإذا لم ينفره فلم يلجئه، فحصل الخروج بانفتاحه وخرج عن الباب.
١٦٦١١ - قالوا: خرج بسبب كان منه، وقد يضمن بالأسباب، كما يضمن بالمباشرة. أصله: حفر البئر، وإذا فتح رأس الزق.
١٦٦١٢ - قلنا: حفر البئر إذا انضم إليه فعل حيوان [مختار] لم يتعلق به الضمان، كما لو ألقي رجل نفسه بالبئر، أو ألقاه آخر. كذلك في مسألتنا، انضم إلى السبب فعل مختار، فلم يضمن به في حق الآدمي.
١٦٦١٣ - فأما إذا وقع فيها بغير اختياره [كما لو اجتاز بالليل]، أو لأن رأسها مغطي فهو ملجأ والطائر ليس بملجأ، وإنما فتح رأس الزق فليس بسبب، وإنما هو إتلاف؛ لأن المائع لا اختيار له، والإراقة حصلت بفعل من فتح الزق.
١٦٦١٤ - ولهذا لا يجوز أن يتأخر التلف ولا هكذا الحيوان؛ لأن له اختيارًا وقصدًا، بدلالة أن الطائر يهرب ممن يصيده ويطلب الماء والعلف، فقد حصل خروجه باختياره، كما يفتح رأس الزق فيريقه آخر.
١٦٦١٥ - فأما إذا كان السمن جامدًا، ففتح رأس الزق فليس بإتلاف، وإنما هو سبب التلف. ويمكن أن يكون بتجدد فعل بعد ذلك، فيتعلق الحكم [بعد ذلك] بالفعل ويسقط حكم السبب.
следующие страницы →