Полный текст (6 324 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
فأخبر أن الأذان يقع لغير الفجر، فلم يجز أن يزاد في تعليله ويجعل الأذان لصلاة الفجر.
١٧٢٨ - ولا يقال: إن الأذان لا يقع لغير الصلاة، فكيف يقع للسحور. ولأن الأذان دعاء إلى الصلاة، وذلك لا يقال لغير الصلاة؛ وذلك أن في الخبر أن الأذان وقع لصلاة الليل فلم يُقَل الأذان لغير الصلاة.
١٧٢٩ - قالوا: صلاة الليل نافلة والأذان موضوع لبعض الفرائض، فكيف يوضع للنوافل؟
١٧٣٠ - قلنا: هذا استدلال يرد العلة المنصوصة في الخبر، ولا يجوز لنا رد ما نُص عليه بالاستدلال، ولأن صلاة الليل قد كانت واجبة ثم نسخت، فيجوز أن يكون الأذان لها في حال وجوبها.
١٧٣١ - قالوا: صلاة الليل نسخت بمكة بقوله : ﴿ومن الليل فتهجد به نافلة لك﴾، والأذان لم يسن إلا بالمدينة.
١٧٣٢ - قلنا: هذه الآية لا تدل على النسخ؛ لأنه لا يمتنع أن يفعل بالليل صلاة واجبة ويتنفل بأخرى، ولأنه قد روي في الخبر: ((لا يمنعكم أذان بلال أو نداء بلال)) والنداء يعبر به عن غير الأذان، وإذا احتمل الخبر الأمرين لم يجز حمله على الأذان بالشك، ولأن هذا الخبر مضطرب؛ لأن ابن عمر روايه وقد روى أن النبي ﷺ أنكر على بلال تقديم الأذان. وقد روي عن عائشة أنها قالت: كان ابن أم مكتوم لا يؤذن حتى يقال له: أصبحت، وبين أذانه وأذان بلال ما ينزل هذا ويصعد هذا. وهذا ينافي التقديم. ذكر الطحاوي حديث قتادة عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 352
((لا يغرنكم أذان بلال؛ فإن في بصره شيئًا))، فهذا يدل على أنه قبل الفجر؛ لأن الوقت لم يكن له. ولأنا نمنع تقديم الأذان على الفجر إذا اعتد به لها واقتصر عليه، فأما إذا أذن بعد الفجر وقدم الأذان لعارض فلا يمنع ذلك.
١٧٣٣ - قالوا: الأذان المقدم هو أذان الفجر، بدلالة أن بلالًا كان يقيم، والأفضل أن يقيم من أذن، فدل على أن أذانه هو المعتد به.
١٧٣٤ - قلنا: يجوز عندنا أن يقيم غير المؤذن، وهما في الفضيلة سواء.
١٧٣٥ - قالوا: زياد بن الحرث الصدائي قال: خرجت مع رسول الله ﷺ في سفر، فتبرز لحاجة، فتبعته، فلما كان أول وقت الأذان أمرني أن أؤذن، فأذنت وجعلت أقول: أقيم؟ ورسول الله ﷺ ينظر إلى المشرق وإلى الفجر، فلما طلع نزل وقد تلاحق أصحابه، فأراد بلال يقيم، فقال: ((إن أخا صداء أذن، وإن الذي أذن يقيم)).
١٧٣٦ - قلنا: لا دلالة في هذا الخبر؛ لأن قوله: (جعل ينظر إلى الفجر) يقتضي فجرًا موجودًا. وقوله: (فلما طلع) يقتضي: أنه لم يكن، فتعارض اللفظان، فليس ترك ظاهر أحدهما بأولى من ترك ظاهر الآخر، على أنا نجمع بينهما فنقول: (لما طلع) يعني: ظهر وانتشر.
١٧٣٧ - قالوا: روي عن سعد القرظ قال: كنا نؤذن على عهد رسول الله ﷺ بقباء
стр. 353
وعلى عهد عمر بالمدينة تأذينا واحدا في الشتاء لسبع ونصف يبقى، وفي الصيف لسبع.
١٧٣٨ - قلنا: يجوز أن يكون سعد ظن أن أذان بلال يقتصر عليه للفجر، فأذن قبل الفجر فبدأ بفعله، وقد بينا ضم فعله، ولأنه لم ينقل أن النبي ﷺ عرف ذلك فأقره.
١٧٣٩ - قالوا احتج الشافعي بالإجماع، فقد كان آل أبي محذورة تؤذن للصبح بليل ويروون ذلك عن آبائهم. وقال مالك: لم يزل يؤذن للصبح بليل. وقال الأوزاعي: كان بلال يؤذن للصبح بليل، وكذلك مؤذنو الحجاز والشام، حتى أنكره رجال من أهل الكوفة.
١٧٤٠ - وهذا ليس بصحيح؛ لأنا روينا عن عمر أنه أنكر على مؤذنه تقديم الأذان، وروى الأسود أن الأذان بالمدينة كان بعد الفجر في زمن عائشة. ولأن فعل أهل الكوفة عارض فعل أهل المدينة، فلم يجز ادعاء الإجماع.
١٧٤١ - وقولهم: إن أهل المدينة يفعلون وينقلون، لا يصح؛ لأن أهل الكوفة يفعلون وينقلون، ومن انتقل إلى الكوفة من الأئمة أكثر ممن بقي بالمدينة، وقد روى إبراهيم أنه خرج مع علقمة ليشيعه حين حج، فسمع رجلا يؤذن قبل الفجر، فقال: أما هذا فقد خالف سنة أصحاب رسول الله ﷺ ، لو نام حتى طلع الفجر كان خيرا له.
١٧٤٢ - قالوا: عبادة مقصودة يدخل وقتها بطلوع الفجر؛ فوجب أن يختص بسبب يتقدم على وقتها، كالصوم.
١٧٤٣ - قلنا: يبطل بمن أوجب اعتكاف يوم، فإن وقته يدخل بطلوع الفجر
стр. 354
ولا يختص بسبب يتقدم، ولأن الأذان ليس بسبب للعبادة؛ لأن الأسباب ما أثر في الوجوب أو صحح الأداء. والأذن ليس من واحد من القبيلين؛ فلم يسم سببا، ولأن نية الصوم لما كانت قربة في النصف الأول من الليل لم يكن قربة في النصف الآخر، كركعتي الفجر. ولا يلزم على علة الفرع الدفع من المزدلفة للمعذور؛ لأن ذلك يجوز في النصف الأول من الليل، وقد أطلق في الأصل جواز الدفع بالليل للمعذور، ولأن ذلك ليس بقربة، وإنما هو مباح.
١٧٤٤ - قالوا: النية في سائر العبادات تقارنها، وإنما جوز تقديمها في الصوم لما يلحق من المشقة في مقارنتها، ففارقت سائر العبادات، كذلك هذه الصلاة تفارق سائر الصلوات لدخول وقتها والناس نيام؛ فاحتاجت إلى نداء ليتأهبوا.
١٤٤٥ - قلنا: التأهب قبل دخول الوقت ليس بواجب، فلا معنى للنداء له. ولأن التأهب يمكن في أول الوقت، فإذا وقع النداء بعد الفجر حصل المقصود، فلا معنى للتقديم.
١٧٤٦ - قالوا: صلاة نهار مفروضة يجهر فيها بالقراءة، فجاز أن يبتدئ لها الأذان في وقت لا يجوز فعلها، كالجمعة.
١٧٤٧ - قلنا: نعكس فنقول: فوجب أن لا يختص الأذان لإرادتها بوقتها، كالجمعة.
١٧٤٨ - وقولنا: (صلاة نهار) احتراز من المغرب ليلة المزدلفة، (ومفروضة) من صلاة العيد، و (يجهر فيها القراءة) احتراز من العصر يوم عرفة. ولأن الجمعة يؤذن لها في وقت فعلها لكن من شرط فعلها تقديم الخطبة، فلا يخرج ذلك الوقت من أن يكون وقتا، ولا منعنا الدعاء في صلاة لا يجوز فعلها أنه لا فائدة فيه، وهذا المعنى لا يوجد في الجمعة لأن الدعاء يقع إلى ما يجوز فعله؛ ألا ترى أن الأذان ينتهي وقد خطب ما يقع عليه الاسم.
стр. 355
مسألة ٨٧
حكم الترجيع في الأذان
١٧٤٩ - قال أصحابنا: الترجيع في الأذان ليس بسنة.
١٧٥٠ - وقال الشافعي: هو سنة.
١٧٥١ - لنا: ما روي في حديث عبد الله بن زيد الذي أُري الأذان في منامه، فذكره للنبي ﷺ ولقنه بلالًا وليس فيه ترجيع.
١٧٥٢ - وروي عن عمر بن الخطاب أنه قال للنبي ﷺ : رأيت مثل ذلك. وروى سويد بن غفلة أنه سمع بلالًا يؤذن ببطحاء مكة بصوتين
стр. 356
صوتين ويقيم مثل ذلك. والإقامة إذا كانت مثل الأذان فلا ترجيع فيه، ولأنه دعاء إلى الصلاة، كالإقامة.
١٧٥٣ - ولا معنى لقولهم: إن الإقامة دعاء للحاضر والأذان دعاء للغائب؛ لأن الإقامة دعاء للغائب أيضًا، ولأن ذلك لم يمنع من تساويهما في بقية الألفاظ، ولأنه ذكر يتقدم الصلاة، كالخطبة. ولا يقال: إن المقصود منها مخاطبة المعنى، فلا معنى للتكرار؛ وذلك لأن المقصود منها الوعظ والتعليم، والتكرار يحتاج إليه في ذلك، ولأن الشهادة من ألفاظ الأذان، فلا يرجع، كبقية الألفاظ. ولا يلزم التكبيرات؛ لأن معنى الترجيع أن ينتقل عن الذكر إلى غيره ثم يعيده كما ابتدأه، وهذا لا يوجد في التكبيرات. ولأن من سنن الشهادة في الأذان أن يتعقب التكبير، أصله: الابتداء، والشهادة في الانتهاء، فلو ثبت الترجيع لكانت الشهادة الثانية غير مرتبة على التكبير.
١٧٥٤ - احتجوا: بما روي عن أبي محذورة قال: قلت: يا رسول الله: علمني سنة الأذان: فقال: ((قل: الله أكبر الله أكبر، ترفع بها صوتك، ثم قل: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، تخفض بها صوتك، ثم ارفع صوتك وقل: أشهد أن لا إله إلا الله)).
١٧٥٥ - والجواب أن أصل حديث أبي محذورة رواه ... أنه قال: خرجت مع
стр. 357
نفر في طريق حنين، فإذن مؤذن رسول الله ﷺ ، فصرخنا نحكيه ونستهزئ به، فأرسل رسول الله ﷺ إلى أن أوقفنا بين يديه، وقال: ((أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟)) فأشاروا إليّ، فأرسلهم وحبسني، ثم قال: ((قم فأذن للصلاة))، ولا شيء أكره إليّ من رسول الله ﷺ وما يأمرني به، فألقى عليّ الأذان بنفسه، وذكر الأذان، فلما فرغ من الشهادتين قال: ((ارع فمد صوتك، وقل: أشهد أن لا إله إلا الله)) ثم وضع يده على ناصيتي وأمرّها على رأسي ووجهي وفؤادي، ثم قال: ((بارك الله عليك وفيك))، وأعطاني صرة فيها شيء من الورق، فزالت عني الكراهة، وانصرفت ولا شيء أحب إلي من رسول الله ﷺ وما يأمرني به. فهذا أصل الخبر، وهو محمول على أنه ردد عليه؛ لأنه لم يأت به على وجهه، أو لأنه أراد أن يتعود لفظ الشهادة لأنه كان كافرًا، وكرر ذلك؛ فقد جرت عادة من يلقن غيره أن يردد عليه ما يلقنه ليحفظ، فلما حفظ أمره بإعادتها بصفتها. وإذا احتمل الخبر ما ذكرناه وما ذكروه سقط التعلق به. ولأن الأذان رواه عبد الله بن زيد، وعمر بن الخطاب، وسويد بن غفلة ولم يذكروا الترجيع، فالرجوع إلى ما كثرت روايته أولى، ولأن بلالا وابن أم مكتوم كانا يؤذنان بحضرة النبي ﷺ ، وأبو محذورة كان يؤذن بمكة، فالرجوع إلى الأذان بحضرته ﵇ أولى، فأما ما رفعه أن أبا محذورة قال للنبي ﷺ : لقني سنة الأذان: فهو مأخوذ من هذا الخبر. ولو ثبت جاز أن يكون أمره بالشهادتين يخفض بها صوته لا على طريق
стр. 358
الأذان ورفع صوته على طريق الأذان، كما ندب لمن سمع المؤذن أن يقول مثل قوله في نفسه، يبين صحة ذلك أن الأذان ليس من سنته خفض الصوت، فلما أمره بأحد الذكرين خافضًا صوته علم أنه لا على وجه الأذان. وما رووه عن أبي محذورة قال: لقنني رسول الله ﷺ الاذان تسعة عشر كلمة فإنه ظن أن ترداد النبي ﷺ الألفاظ لأنها أذان، ولم يحملها على معنى التكرار، فقد جمع الألفاظ.
١٧٥٦ - قالوا: روى عمر بن سعد القرظ عن أبيه، قال: كان بلال يؤذن على عهد رسول الله ﷺ بالترجيع.
١٧٥٧ - قلنا: رُوِيَ أذان بلال من جهات كثيرة لم يذكر فيه الترجيع، ولو كان يرجع لنقل ذلك من طريق الاستفاضة؛ لتكرار الأذان، ويحتمل أن يكون قد عبر بالترجيع عن لاتثويب؛ لأنه رجوع إلى قوله: حي على الفلاح.
١٧٥٨ - قالوا: روي أن سعد القرظ كان يؤذن في إمارة ابن الزبير بالترجيع، وأبو محذورة بمكة، وسعد القرظ بقباء، وكان يؤذن لعمر بعد خروج بلال.
وروى ذلك أولاد أبي محذورة، لأنهم اعتقدوا جواز إثبات ذلك بخبر الواحد. وهذا لا يلزمنا؛ لأنها لا تقبل فيما يظهر ويلتبس خبر الواحد لا سيما إذا خالفه الجماعة عليه.
стр. 359
١٧٥٩ - قالوا: ذِكر في الأذان قبل الدعاء إلى الصلاة، فوجب أن يتكرر أربعًا، كالتكبير.
١٧٦٠ - قلنا: التكبير دليلنا؛ لأنه لما ثبت فيه التكرار ثبت في حالة واحدة قبل أن ينتقل عنه، فلو تكررت الشهادة لتكررت قبل الانتقال عنها. ولأن التكبير لما كان في آخر الأذان مرتين كان في أوله على الضِّعف، والشهادة بالرسول إحدى الشهادتين؛ فجاز أن يعود بعد الانتقال عليها، ككلمة التوحيد.
١٧٦١ - كلمة التوحيد عادت ذِكرًا مبتدأ لا على طريق الإعادة، ولو جاز عود الشهادة بالرسول لجاز مبتدأ لا على طريق الإعادة.
стр. 360
مسألة ٨٨
الإقامة مثنى مثنى
١٧٦٢ - قال أصحابنا: الإقامة مثنى مثنى.
١٧٦٣ - وقال الشافعي: فرادى.
١٧٦٤ - لنا: حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عبد الله بن زيد، الذي أُرِيَ الأذان في منامه، فقال بعد ذكر الأذان: ثم قام فقال مثل ذلك إلا أنه زاد فيه: قد قامت الصلاة، مرتين.
١٧٦٥ - وقولهم: إنه مرسل؛ لأن عبد الرحمن بن أبي ليلى لم يلق عبد الله بن زيد خطأ؛ لأن أبا داود ذكره عن معاذ بن جبل عن عبد الله بن زيد، ولأن عبد الرحمن روى عن عمر، وعبد الله بن زيد مات في إمارة عثمان؛ فيجوز أن يكون رآه.
١٧٦٦ - ويدل عليه حديث أبي محذورة وأن النبي ﷺ لقنه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبعة عشر. وهذا خبر رجع إليه مخالفنا.
стр. 361
١٧٦٧ - وروى أبو عروبة بإسناده عن مكحول، عن عبد الله بن محيريز، عن أبي محذورة أن النبي ﷺ قال: ((الإقامة مثنى مثنى)). وروى سويد بن غفلة أنه سمع بلالًا ببطحاء يؤذن بصوتين صوتين ويقيم مثل ذلك. ولأن الإقامة دعاء إلى جميع الصلوات، كالأذان. ولأنه قد ثبت فيها ما ليس في الأذان؛ فلأن لا يسقط ما هو ثابت في الأذان أولى. ولا معنى لقولهم: إن المقصود بالأذان دعاء الغائب والمقصود من الإقامة إعلام الحاضر؛ لأن هذا المعنى لم يمنع من زيادة الإقامة على الأذان، ولا يمنع من التسوية في سائر الألفاظ.
١٧٦٨ - وقولهم: إن الإقامة لما خفت عن الأذان في الصفة جاز أن تخف في الألفاظ يبطل بقوله: ((قد قامت الصلاة))؛ لأن الإقامة تأكدت به على الأذان مع خفة صفتها؛ فيجوز أن تساوي في بقية الألفاظ وإن خفت صفتها. ولأن ألفاظ الإقامة لا يقتصر فيها على مرة، كقوله: قد قامت الصلاة.
١٧٦٩ - ولأن التكبير في آخرها مثنى، فكان في أولها على الضعف، كالأذان. ولأن التهليل في آخرها مرة، فكان في أولها على الضعف، كالأذان.
стр. 362
١٧٧٠ - احتجوا: بحديث أنس أن النبي ﷺ أمر بلالًا أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة.
١٧٧١ - والجواب: أن الصحيح من هذا الخبر أن بلالًا أُمر، من غير ذكر أَمر رسول الله ﷺ ، هكذا رواه أبو داود وغيره. وإذا لم يذكر الآمر لم يكن حجة؛ لجواز أن يكون أمر بعد النبي ﷺ ، فيحتاج أن ينظر في صحة الأمر.
١٧٧٢ - وقولهم: هو مؤذن رسول الله ﷺ ، فإذا قيل: أمر، فالنبي ﷺ أَمَرَهُ، لا يصح؛ لأنه أذّن بعده، وإنما كان يُقال ذلك لمن لا يؤذن إلا له، ولأنه يحتمل أن يكون المراد من أن يشفع الأذان: بالصوت، فيأتي بصوتين صوتين، ويوتر الإقامة في الصوت، ويحتمل بشفع الأذان بمعنى: يؤذن قبل الفجر وبعده، ويقتصر على إقامة واحدة.
١٧٧٣ - ولا يقال: لم يكن بلال يؤذن إلا مرة واحدة؛ لأنه إذا ثبت أن الأذان كان دفعتين جاز أن يتفق أمر بلال بفعلهما جميعًا، ويحتمل أن يشفع الأذان بالتثويب ويوتر الإقامة عن التثويب.
١٧٧٤ - قالوا: في الخبر أمر يشفع الأذان ويوتر الإقامة، إلا الإقامة.
١٧٧٥ - قلنا: هذا صحيح على التأويل الأول، وهو الإيتار في الصوت؛ لأنه
стр. 363
يقتصر على صوت صوت، إلا قوله: قد قامت الصلاة؛ فإنه يأتي به بصوتين؛ لاختصاصه بالإقامة، ولأنهم رووا عن بلال ما ذكروه، فروينا في أذان بلال حديث ابن أبي جحيفة، قال: كان بلال يؤذن لرسول الله ﷺ مثنى مثنى، ويقيم مثنى مثنى، فتعارض الروايتان، وقد تأولنا ما رووه، ولا يمكن تأويل ما رويناه، ولو تساويا كان فعل بلال بعد النبي ﷺ يشهد لخبرنا.
١٧٧٦ - وقد روى سويد بن غفلة: أنه رأى بلالًا ببطحاء بعد النبي ﷺ يقيم مثنى مثنى. والظاهر أنه بقي على ما كان عليه. وقولهم: إذا تعارضت الروايتان فخبرنا طارئ لأن قوله: أمر أن يوتر الإقامة يدل على أنها كانت شفعة، ليس بصحيح؛ لأنا بينا أن إيتار الإقامة يحتمل غير ما ذكروه، ولو لم يحتمل كان قوله: أمر أن يوتر الإقامة معناه: يفعلها وترًا، فلا يقتضي تقديم الشفع.
١٧٧٧ - قالوا: روى أبو صالح عن أبي هريرة أن النبي ﷺ أمر أبا محذورة أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة.
١٧٧٨ - قلنا: المشهور من خبر أبي محذورة ما ذكرناه من التثنية، وقد قيل: أنه لم ينقل في الإقامة أصح طريقًا منه، على أنه لو ثبت كان تأويله ما قدمناه.
١٧٧٩ - قالوا: روي عن ابن عمر أنه قال: كان الأذان على عهد رسول الله ﷺ مرتين مرتين، والإقامة مرة مرة؛ غير أنه يقول: قد قامت الصلاة مرتين.
١٧٨٠ - قلنا: هذا خبر طعن عليه أهل النقل، وقالوا: رواه أبو جعفر مؤذن مسجد العريان عن أبي المثنى، وهما مجهولان.
стр. 364
١٧٨١ - قالوا: رواه أبو جعفر مؤذن مسجد العريان عن أبي المثنى مؤذن المسجد الأكبر -يعني مسجد الكوفة-، ورواية المؤذن عن المؤذن أصح في النقل.
١٧٨٢ - قلنا: إذا كان المؤذن ممن يتعلق بنقله حكم، فأما إذا طعن عليه فلا، ولو ثبت احتمال أن يكون المراد به: كان الأذان مرتين مرتين، يعني قبل الفجر وبعده، والإقامة مرة. وقوله: غير أنه يقول: قد قامت الصلاة مرتين؛ إنما ذكره ليبين وجها آخر في مفارقة الإقامة للأذان.
١٧٨٣ - قالوا: روى عمر بن سعد القرظ عن أبيه قال: سمعته يقول: إن هذا الأذان أذان بلال الذي أمره رسول الله ﷺ وإقامته. وذكر إفراد الإقامة.
١٧٨٤ - قلنا: قد ذكر في هذا الخبر قوله: قد قامت الصلاة؛ مرة واحدة، وقد اتفقنا على سقوطه؛ فعلم أن ما نقله ليس بمضبوط عن أذان بلال.
١٧٨٥ - وقولهم: إن الإقامة إقامة أولاد أبي محذورة، وسعد القرظ، وأهل الحرمين، لا يصح؛ لأن هذا أمر غيره بنو مروان. قال مجاهد: هو شيء استخفته الأمراء، قال إبراهيم: كان أذان بلال وإقامته مثنى مثنى، فلما كان هؤلاء جعلوا الإقامة واحدة؛ لأجل السرعة. وروي الأسود، وإبراهيم، وعبد الرحمن بن أبي ليلى أن أذان بلال وإقامته مثنى مثنى.
١٧٨٦ - قيل لحماد: إبراهيم عمن، قال: عمن هو خير منك، وكان إقامة علي مثنى مثنى. وروي أنه مر برجل يفرد الإقامة فقال: ألا جعلتها
стр. 365
شفعًا، لا أم لك.
١٧٨٧ - قالوا: روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: ((من أذن اثنتى عشرة سنة وجبت له الجنة، وكتب له بتأذينه في كل مرة ستون حسنة، وبإقامته ثلاثون حسنة))، وهذا يدل على أن الإقامة على النصف.
١٧٨٨ - قلنا: يجوز أن النقصان لنقصان المشقة في الإقامة؛ لأن يمد صوته في الأذان ويرتله ولا يرتل الإقامة.
١٧٨٩ - قالوا: الإقامة تأتي الأول يستفتح بالتكبيرات المتواليات، فوجب أن يكون الثاني أطول من الأول، كصلاة العيد.
١٧٩٠ - قلنا: صلاة العيد لما لم يثبت في الثاني ما ليس في الأول جاز أن يساويه أو ينقص عنه، ولما ثبت في الإقامة ما ليس في الأذان باتفاق لم يمتنع الزيادة عليه، ولأن الوصف الذي قالوه غير مسلم، لأن الركعة الثانية لا تفتتح بالتكبير عندنا، وإنما يتأخر التكبير عن القراءة.
١٧٩١ - قالوا: لما خالفت الإقامة الأذان في الصفة جاز أن تخالفه في القدر، كالركعتين الأخروين لما خالفت القراءة فيهما الأوليين في الصفة نقصت في القدر.
١٧٩٢ - قلنا: لما لم يثبت في الأخروين زيادة في الذكر جاز أن ينقص، ولما ثبت في الإقامة زيادة ذكر ليس في الأذان لم يجز أن ينقص. وسقط ما ذكروه بالترجيع على أصلهم؛ لأن الذكر الثاني تأكد على الأول في رفع الصوت ولا مزيد عليه.
стр. 366
مسألة ٨٩
التثويب في أذان الفجر سنة
١٧٩٣ - قال أصحابنا: التثويب في أذان الفجر سنة.
١٧٩٤ - وقال الشافعي في الجديد: أكره التثويب.
١٧٩٥ - لنا: ما رواه الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بلال قال: قال رسول الله ﷺ : ((يا بلال، ثَوِّب في الفجر، ولا تُثَوِّب في غيرها))، وروى عبد الرحمن ابن زيد بن أسلم عن أبيه أن بلالًا أتى النبي ﷺ يؤذنه بالصلاة فوجده راقدًا فقال: الصلاة خير من النوم، فقال النبي ﷺ : ((ما أحسن هذا، اجعلها في أذانك)).
стр. 367
١٧٩٦ - روى أبو بكر بن عياش عن عبد العزيز بن رفيع قال: سمعت أبا محذورة يقول: كنت غلامًا فأذنت بين يدي رسول الله ﷺ يوم حنين، فلما انتهيت إلى: حي على الفلاح، قال لي ((ألحق فيها: الصلاة خير من النوم)).
١٧٩٧ - وروى ابن سيرين عن أنس بن مالك قال: كان التثويب على عهد رسول الله ﷺ : الصلاة خير من النوم. ولأن الفجر صلاة تقع في حال النوم والغفلة، فاحتاجت إلى زيادة إعلام، وكل من قال بزيادة قال: هي التثويب. فأما الشافعي فخالف الأخبار المشهورة، وقال: لأن التثويب لم ينقل عن ابي محذورة. وقد بينا أنه نقل عنه، ولو لم ينقل كان الرجوع إلى الزائد من الأخبار أولى.
١٧٩٨ - وقول أبي محذورة: لقنني النبي ﷺ الأذان تسعة عشر كلمة لا ينفي التثويب؛ لأنه لقنه نفس الأذان، والتثويب زيادة لا تفعل في كل صلاة، فلم يعدها من ألفاظ الأذان.
стр. 368
مسألة ٩٠
التثويب الأول: الصلاة خير من النوم
والتثويب الآخر: حي على الصلاة حي على الفلاح
يقول ذلك بعد الأذان
١٧٩٩ - قال أصحابنا: التثويب الأول: الصلاة خير من النوم، والتثويب الآخر: حي على الصلاة، حي على الفلاح، يقول ذلك بعد الأذان بقدر ما يقرأ عشر آيات من القرآن أو عشرين.
١٨٠٠ - وقال الشافعي: التثويب الثاني ليس بسنة.
١٨٠١ - لنا: ما رواه الواقدي عن موسى بن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبيه قال: كان بلال إذا أذن الأذان الأول أى رسول الله ﷺ فوقف على الباب وقال: الصلاة يا رسول الله، حي على الصلاة حي على الفلاح.
١٨٠٢ - وروى أبو يوسف عن الكامل عن العلاء السعدي قال: كان بلال إذا أذن أتى
стр. 369
رسول الله ﷺ فسلم عليه، ثم قال: حي على الصلاة حي على الفلاح، الصلاة يرحمك الله. وروي عن إبراهيم أنه قال: كان التثويب الأول: الصلاة خير من النوم، ثم أحدث الناس: حي على الصلاة، وهذا إخبار عن فعل الصحابة بالكوفة؛ فدل على أنه سنة، ولأن اسم التثويب أخص بالثاني؛ لأنه عبارة عن الرجوع فيقتضي إعادة ما تقدم ذكره والصلاة خير من النوم لم يتقدم له ذكر حتى يسمى تثويبًا، فكان هذا أولى.
١٨٠٣ - قال أصحاب الشافعي: ترك أبو حنيفة ما روي عن النبي ﷺ في التثويب واستحسن ما فعله الناس. وهذا جهل؛ لأنا بينا أن التثويب الثاني كان على عهد رسول الله ﷺ . ولأن أبا حنيفة استحسن لفعل الصحابة، وفعلهم حجة: إما أن يكون إجماعًا أو تقليدًا.
١٨٠٤ - قالوا: وخالف أبو حنيفة في موضع التثويب السنة؛ لأن النبي ﷺ قال لبلال حين ثَوّب: ((اجعل هذا في أذانك))، وهذا يقتضي نفس الأذان، وعند أبي حنيفة يفصل بين الأذان والإقامة)). وهذا غلط، والصحيح من مذهبنا ما ذكره ابن شجاع والطحاوي أن التثويب الأول في نفس الأذان، والتثويب الثاني بين الأذان والإقامة. والنبي ﷺ قال لبلال حين قال: فقد بينا في الخبر أن بلالًا كان يقوله بعد فراغه من الأذان على باب النبي ﷺ ؛ فدل على أنه ليس في نفس الأذان. ولأن التثويب إذا ثبت في هذه الصلاة لزيادة الإعلام ففعله بين الأذان والإقامة أوقع من فعله في نفس الأذان.
стр. 370
مسألة ٩١
إذا فاتت الصلاة أذن لها وأقام
١٨٠٥ - قال أصحابنا: إذا فاتت الصلاة أذن لها وأقام.
١٨٠٦ - وقال الشافعي في أحد قوليه: يقيم ولا يؤذن.
١٨٠٧ - لنا: حديث أبي قتادة أنه كان مع النبي ﷺ في غزوة -أو سرية-، فلما كان السحر عرسنا، فما استيقظنا حتى أيقظنا حر الشمس، فجعل الرجل منا يثب فزعًا ورهبًا، فاستيقظ النبي ﷺ ، فأمرنا فارتحلنا حتى ارتفعت الشمس. ثم أتى لنا، فقضى منا حوائجهم، ثم أمر بلالًا فأذن، فصلينا ركعتين، ثم أقام فصُليت الغداة، وروى عمران بن الحصين هذه القصة كذلك.
١٨٠٨ - ولأنه دعاء إلى الصلاة، كالإقامة. ولأنه مسنون يتعلق بالصلاة مع بقاء الوقت؛ فتعلق بما بعده، كالتعوذ والاستفتاح.
١٨٠٩ - احتجوا: بحديث أبي هريرة في قصة الوادي الذي قدمناه، قالوا فأمر النبي ﷺ بلالًا فأقام وصلينا. وهذا لا دلالة فيه؛ لأن القصة واحدة،
стр. 371
فالزيادة أولى.
١٨١٠ - قالوا: الأذان عَلَم على الوقت؛ بدلالة أنه لا يؤذن لصلاة العصر يوم عرفة لأنها في غير وقتها.
١٨١١ - قلنا: الأذان الأول وقع لهما عندنا، فلم نسلم أن الأذان علم على الوقت.
١٨١٢ - قالوا: الأذان للاجتماع، والفائتة لا تتفق فيها الجماعة.
١٨١٣ - قلنا: الأذان للاجتماع، فأشبه الصلاة؛ بدلالة أن من صلى في بيته كان مأمورًا بالأذان وإن لم يكن للجمع، ولأن الصلاة قد تفوت الجماعة فيؤذن لجمعهم.
١٨١٤ - قالوا: الأذان للفائتة فيلتبس على الناس؛ لأنهم يصلون لغير الوقت ظنًّا منهم أن الأذان للصلاة الرتبة.
١٨١٥ - قلنا: إذا فعلت الفائتة عند ارتفاع الشمس لم يتلبس على أحد، ولأنا لا نقول: إنه يؤذن لها على المنائر حتى يلتبس على الناس، وإنما يفعل الأذان كما تفعل الإقامة عندهم.
стр. 372
مسألة ٩٢
إذا فاتهم صلوات فإن أذنوا وأقاموا لكل صلاة جاز
١٨١٦ - قال في الأصل: إذا فاتهم صلوات، فإن أذنوا وأقاموا لكل صلاة جاز.
١٨١٧ - وروى ابن أبي مالك عن أبي يوسف عن أبي حنيفة أنه قال: يؤذن للأولى ويقيم، ويؤذن للثانية ويقيم، فإن ترك الأذان جاز، يعني في الثانية، وقال محمد في الإملاء: إن شاء أذن. فحاصل المذهب أنه مخير في الثانية: إن شاء أذن وأقام، وإن شاء أقام.
١٨١٨ - وقال الشافعي: لا يؤذن للثانية.
١٨١٩ - لنا: ما رواه أبو عبد الرحمن السلمي عن ابن مسعود أن النبي ﷺ فاته أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب ما شاء الله من الليل، فأمر بلالًا فأذن وأقام وصلى الظهر، وأذن وأقام فصلى العصر، وأذن وأقام فصلى المغرب، وأذن وأقام فصلى العشاء. ولأنها صلاة فائتة فجاز أن يؤذن لها، كالأولى. ولأنها صلاة غير مقدمة على وقتها سن لها الإقامة، فكان من سننها الأذان، كسائر الصلوات.
١٨٢٠ - احتجوا: بحديث أبي سعيد الخدري قال: حبسنا يوم الخندق عن الصلاة فأمر رسول الله ﷺ بلالًا بإقامة الظهر فصلاها، ثم أمره بإقامة العصر على نحو ذلك، ثم أمره بإقامة المغرب.
стр. 373
١٨٢١ - والجواب: أنا روينا أنه أذن وأقام، وروي أنه أذن للظهر وأقام لما بعدها، وروي ما ذكروه، فكان الزائد أولى. ولأن أمره بإقامة الظهر معناه: الأذان لها والإقامة.
١٨٢٢ - والدليل عليه أنه قال: ثم أمره بإقامة العشاء. والعشاء مفعولة في وقتها، فلا يجوز أن يكون ترك أذانها باتفاق، فدل على أن قوله: ثم أمره بإقامة العشاء: الأذان والإقامة كذلك في بقية الصلوات، ولو ثبت أنه لم يؤذن للفائتة لم يدل؛ لأنا بينا أنه مخير، فإذا فعل أحد جهتي التخيير لم تسقط الأخرى.
١٨٢٣ - قالوا: روى ابن عمر أن النبي ﷺ جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة بإقامة واحدة.
١٨٢٤ - قلنا: المغرب في ذلك اليوم ليس بفائتة؛ لأن وجوبها يتعلق بالمكان عندنا، والكلام في الفوائت.
١٨٢٥ - قالوا: صلاتان تفعلان في وقت واحد، فلا يؤذن للثانية، كصلاتي عرفة والمزدلفة.
١٨٢٦ - والجواب: أن هناك جمع بين صلاتين للتخفيف حتى يتصل الوقوف؛ فجاز أن يخفف بترك الأذان، وهذا المعنى غير موجود في مسألتنا.
стр. 374
مسألة ٩٣
يجوز أن يؤذن واحد ويقيم غيره
١٨٢٧ - قال أصحابنا: يجوز أن يؤذن واحد ويقيم غيره.
١٨٢٨ - وقال الشافعي: يكره.
١٨٢٩ - لنا: ما روي في حديث عبد الله بن زيد ﵁ الذي أُري الأذان أن النبي ﷺ قال له: ((لقنها بلالًا)) فأذن بلال ثم أمر النبي ﷺ عبد الله بن زيد فأقام.
١٨٣٠ - وذكر ابن شجاع في السنن: أن ابن أم مكتوم كان يؤذن، ويقيم بلال، وربما أذن بلال وأقام ابن أم مكتوم. ولأن الأذان والإقامة ينفرد أحدهما عن الآخر؛ بدلالة صلاة العصر بعرفة يقال لها ولا يؤذن، والفائتة على أصلهم، فجاز أن يتولاهما اثنان، كالصلاتين.
١٨٣١ - ولا يقال: إنه يبطل بصلاتي عرفة لأن الظهر ينفرد عن العصر ويكره الجمع بإمامين؛ لأنه لا يكره عندنا.
١٨٣٢ - احتجوا: بما روي في حديث الصدائي أنه أذن فأراد بلال أن يقيم، فقال له النبي ﷺ : ((أخا صدى أذن، والذي أذن يقيم)).
стр. 375
١٨٣٣ - والجواب: أن الطحاوي قال: مدار هذا الحديث على عبد الرحمن بن زياد بن أنعم المعافري، وليس يثبت في الحديث، ولأن النبي ﷺ كره أن يؤذن بلال فيكسر قلب الصدائي؛ لأنه يعتقد أنه أمر بالأذان لعدم غيره، فأحب أن يجمع له الفضيلة.
١٨٣٤ - قالوا: هذا إبطال للتعليل؛ لأن قوله: ((والذي أذن يقيم)) تعليل.
١٨٣٥ - قلنا: ما ذكرناه يعود إلى هذا التعليل. ألا ترى أنه لم يجعله مؤذنًا وإنما أخبر أنه يقيم لأنه أذن؛ حتى لا ينكسر، فإذا عقلنا تأويلنا بالعذر لم يسقطها.
١٨٣٦ - قالوا: خبرنا متأخر عن خبر عبد الله بن زيد.
١٨٣٧ - قلنا: خبر عبد الله أشهر وأصح رواية؛ فهو أولى أن يُقَدَّم. ولأنا نقلنا فعل بلال وابن أم مكتوم، فصار ما كثر نقله أولى.
١٨٣٨ - قالوا: ذِكْران متجانسان يتقدمان الصلاة شُرعا لها فكان من شأنهما أن يتولاهما، كالخطبتين.
١٨٣٩ - قلنا: الخطبة عكس علتنا؛ لأن إحدى الخطبتين لا تنفرد عن الأخرى، والإقامة تنفرد عن الأذان، ولأن الخطبتين أقيمتا مقام الصلاة وتنفرد إحداهما عن الأخرى، كالأذان والخطبة.
стр. 376
مسألة ٩٤
حكم أخذ الأجرة على الأذان
١٨٤٠ - قال أصحابنا: لا يجوز أخذ الأجرة على الأذان.
١٨٤١ - ومن أصحاب الشافعي من جوز ذلك، ومنهم من منع.
١٨٤٢ - لنا: ما روي أن النبي ﷺ قال لعثمان بن أبي العاص: ((وإنه مؤذنك أن يأخذ على الأذان أجرًا)). وروي أنه قال: ((واتخذ مؤذنًا لا يأخذ على الأذان أجرًا))، ولأن من شرط الأذان أن يكون قربة لفاعله، فلا يجوز أخذ الأجرة عليه، كالصوم، ولأنه يقع لمنفعة الفاعل ولغيره، فلم يستحق الأجرة على عمل نفسه، ولأنه ذكر مسنون متعلق بالصلاة، كالاستفتاح والتعوذ.
стр. 377
١٨٤٣ - احتجوا: بما روي أن النبي ﷺ علم أبا محذورة الأذان وأنفذه إلى مكة ليؤذن وأعطاه صرة فيها دراهم.
١٨٤٤ - والجواب: وهذا لا دلالة فيه؛ لأنه لم يكن على طريق الأجرة؛ ألا ترى أنه لم يذكر مدة معلومة.
١٨٤٥ - قالوا: إذا جاز أخذ الرزق على الأذان جاز أخذ الأجرة؛ لأن كل واحد منهما بدل.
١٨٤٦ - قلنا: يبطل بالإمام يأخذ الرزق من بيت المال ولا يجوز له أخذ الأجرة، وكذا القاضي ومن يتولى الصلاة بالناس، ولأن الرزق في مقابلة العمل وليس ببدل عنه، والأجرة بدل، ويجوز في غير الأبدال ما لا يجوز فيها، ولذلك يجوز في المضاربة وإن كان ما يتحصل للمضارب من الربح مجهولًا؛ لأنه ليس ببدل، ولو استأجره ببعض الربح لم يجز.
١٨٤٧ - قالوا: يجوز للعامل أخذ الأجرة؛ لأنه يقوم بمصالح المسلمين، كذا الأذان.
١٨٤٨ - قلنا: يبطل بالقاضي. ولأن العمالة ليس من شرطها أن تكون قربة لفاعلها؛ بدلالة أنها تجوز من الذمي، والأذان بخلاف ذلك.
١٨٤٩ - قالوا: الأذان عمل معلوم، كسائر الأعمال.
١٨٥٠ - قلنا: كون العمل معلومًا لا يُجَوز أخذ الأجرة عنه ما لم يثبت أنه في نفسه مما يجوز أخذ البدل عنه؛ ألا ترى أن الصلاة والصوم كل واحد منهما عمل معلوم ولا يدل ذلك على جواز الاستئجار عليهما؟
стр. 378
مسألة ٩٥
الإسفار بالفجر أفضل
١٨٥١ - قال أصحابنا: الإسفار بالفجر أفضل.
١٨٥٢ - وقال الشافعي: التغليس أفضل.
١٨٥٣ - لنا: ما روى عبد الرحمن بن يزيد، قال: حججت مع عبد الله بن مسعود، فلما كانت ليلة المزدلفة طلع الفجر، فقال: أقم، قلت: يا أبا عبد الرحمن، إن هذه لساعة ما رأيتك تصلي فيها، فقال: إن رسول الله ﷺ كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم، قال عبد الله: هما صلاتان تحولان عن وقتهما: صلاة المغرب بعد ما يأتي الناس المزدلفة، وصلاة الغداة، رأيت رسول الله ﷺ يفعل ذلك. فقد أخبر أن هذه الصلاة غيّرها رسول الله ﷺ عن وقتها، فلم يجز أن يكون عن وقت الجواز، فلم يبق إلا أنه غيرها عن وقت الفضيلة.
١٨٥٤ - ولا معنى لقولهم: إنه يجوز أن يكون صلاها لما غلب على ظنه طلوع الفجر، وذلك غير مستحب عندنا وهو جائز؛ لأنه قال: لما طلع الفجر، وهذا يقتضي اليقين دون الظن، ولأنه لا يدخل وقت الفجر بغلبة الظن حتى يتبين الطلوع؛ لأن ذلك مما يعلم بيقين.
стр. 379
١٨٥٥ - ويدل عليه: ما رواه رافع بن خديج قال: قال رسول الله ﷺ : ((أسفروا بالفجر؛ فكلما أسفرتم فهو أعظم لأجوركم))، وروى جابر بن عبد الله قال: أخبرنا بلال مؤذن رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أسفروا بالصبح -أو بالفجر-؛ فإنه أعظم للأجر)).
١٨٥٦ - وروى عاصم بن عمر بن قتادة الظفري أن رجلًا من قومه من أصحاب رسول الله ﷺ أخبره أن النبي ﷺ قال: ((أصبحوا بالصبح؛ فإنه كلما أصبحتم بالصلاة كان أعظم للأجر)).
١٨٥٧ - قالوا: هذه الأخبار محمولة على الأمر بالصلاة عند إسفار الفجر، وهو اليقين بطلوعه.
١٨٥٨ - قلنا: هذا لا يصح؛ لأن الكلام خرج على طريق التفضيل، وما لم يتيقن بطلوع الفجر لا تجوز الصلاة، فكيف يفاضل بينها وبين الجائز.
١٨٥٩ - وقولهم: إنه يجوز عندنا إذا غلب على ظنه وإن لم يتيقن، ليس
стр. 380
بصحيح؛ لأن الأصل بقاء الليل، فلا يجوز إسقاط اليقين بغلبة الظن، ولأن الإسفار في اللغة ضد التغليس، فلو حمل على طلوع الفجر لكان التغليس هو الإسفار، أو يكون التغليس بعد الإسفار، وهذا لا يصح، ولأنه قال في الخبر: ((كلما أسفرتم كان أعظم لأجوركم)) وهذا يدل على فضيلة التأخير وإن تيقن الطلوع، وذلك لا يكون إلا على قولنا. ولأن تأخير الفجر يؤدي إلى تكثير الجماعة، فكان أفضل؛ لقوله ﵇: ((كلما كثرت الجماعة فهو أفضل)). ولا يلزم تأخير المغرب؛ لأنا استدللنا بعموم الخبر، فلا يرد عليه نقض. ولأن لوقت الصلاة أول وآخرا، فإذا جاز أن تتعلق الفضيلة بأول الوقت في موضوع المواقيت جاز أن تتعلق بآخره. وكل من قال بذلك قال بتأخير الفجر. ولأن الصلاة أخص بآخر الوقت من أوله؛ ألا ترى أنه مأمور بفعلها في أوله غير منهي عن تركها وهو في آخره مأمور بفعلها منهي عن تركها، فإذا جاز أن تتعلق الفضيلة بأوله فتعلقها بآخره أولى. ولأنها صلاة نهار فجاز أن تعلق الفضيلة بتأخيرها، كالظهر في الصيف.
١٨٦٠ - احتجوا: بحديث ابن مسعود وأم فروة قال: قال رسول الله ﷺ : ((أفضل الأعمال الصلاة لأول وقتها)).
١٨٦١ - والجواب: أن هذا الخبر روي من طرق كثيرة، وفيه: ((الصلاة لوقتها)) ولم يذكر أول وقتها إلا شاكا.
١٨٦٢ - فدل على أن العموم أصل الخبر والخصوص تأويل الراوي. ومتى كان الخبر
стр. 381
((الصلاة لوقتها)) لم يكن فيه دلالة، ولو ثبت ما قالوه احتمل أن يكون أول وقت جوازها واحتمل أول وقت وجوبها: فإن كان وقت الجواز المراد فهو دلالة لهم، وإن كان وقت الوجوب فهو لنا؛ لأنه آخر الوقت عندنا، فسقط التعلق به.
١٨٦٣ - احتجوا: بما روي أن النبي ﷺ قال: ((أول الوقت رضوان الله، وأوسطه رحمة الله، وآخره عفو الله))، قالوا: والعفو هو المغفرة، وذلك لا يكون إلا عن تقصير، ولذلك قال أبو بكر الصديق: رضوان الله أحب إلينا من عفوه.
١٨٦٤ - والجواب: أن العفو يعبر به عن الغفران، ويعبر به عن التخفيف والتسهيل، ومنه قوله ﵇: ((عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق)). فإن كان المراد بالعفو التسهيل فكأنه قال: آخر الوقت سهّل الله تعالى تأخير الصلاة إليه، وذلك لا ينفي الرضوان. ولو سلمنا أن العفو لا يكون إلا عن تقصير لم يدل الخبر بأن آخر الوقت يكره التأخير إليه؛ لأنه يوجب وقوع بعض الصلاة عند الطلوع أو في حالة لا يؤمن معه الطلوع، وذلك يكره عندنا، فقد قلنا بظاهر الخبر.
١٨٦٥ - قالوا: روي عن عائشة أنها قالت: إن كان رسول الله ﷺ -
стр. 382
ليصلي الصبح فينصرف النساء متلفعات بمروطهن لا يعرفن من الغلس.
١٨٦٦ - والجواب: أن هذا كان في حال حضور النساء الجماعة، فيجوز أن يكون قدم الصلاة حتى لا يطلع عليهن الرجال، ولهذا كان يحبس الرجال في المسجد حتى تنصرف النساء. ولا معنى لقولهم: إنها حكت المداومة؛ لأن قولها: ((إن كان ليصلي)) يقتضي وقوع الفعل دون استمراره.
١٨٦٧ - قالوا: روى أبو مسعود البدري: أن النبي ﷺ صلى الصبح مرة فغلَّس ومرة فأسفر، ثم لم تزل صلاة التغليس إلى أن فارق الدنيا، لم يعد إلى أن يسفر.
١٨٦٨ - والجواب: أن النبي ﷺ أسفر عند البيان حتى كادت الشمس أن تطلع، وهذا الإسفار لم يعد إليه؛ لأنه يكره عندنا في غير حال البيان. فأما قوله: لم يزل صلاة التغليس: فقد علمنا من فعله خلاف ذلك؛ بدلالة خبر ابن مسعود.
١٨٦٩ - قالوا: روت عائشة ﵂ قالت: ما صلى النبي ﷺ الصلاة لوقتها الأخير إلا مرتين حتى قبضه الله.
١٨٧٠ - قلنا: وقتها الأخير يمنع منه عندنا؛ لأنه لا يأمن معه الفوات، والكلام في
стр. 383
التأخير على هذا الوجه.
١٨٧١ - قالوا: صلاة مفروضة لا تقصر فكان فعلها في أول وقتها أفضل، كالمغرب.
١٨٧٢ - قلنا: التفضيل يقع بين الجائزين، وعندهم لا وقت للمغرب إلا واحد، فكيف يفضل بين الصلاة في وقتها والفائتة؟ فأما على أصلنا فيكره تأخير المغرب، والتفضيل لا يقع بين الجائز والمكروه. ثم نعكس فنقول فكان فعلها فيما يقرب إلى النهار أفضل، كالمغرب.
١٨٧٣ - قالوا: صلاة مكتوبة، فوجب أن يكون فعلها في أول وقتها من غير عذر أفضل، أصله: الظهر في الشتاء.
١٨٧٤ - قلنا: تعجيل الظهر في الشتاء يؤدي إلى تكثير الجماعة؛ لأنه لا يؤمن من الحوادث من المطر وغيره، فوزانه أن يؤخر الفجر؛ لأنه أكثر جماعة. ولا يلزم المغرب؛ لأن كلامنا في التفضيل، وتأخيرها مكروه، فلذلك لا يؤخر وإن كثرت الجماعة.
١٨٧٥ - قالوا: فعلها في أول الوقت أبعد من المخاطرة والنسيان. وهذا يبطل بالظهر في الصيف، ولأن الناسي غير مكلف لما نسيه؛ فلا معنى لتعجيل الصلاة لأجله.
стр. 384
مسألة ٩٦
تأخير العصر ما لم تصفر الشمس أفضل
١٨٧٦ - قال أصحابنا: تأخير العصر ما لم تصفر الشمس أفضل.
١٨٧٧ - وقال الشافعي: تعجيلها أفضل.
١٨٧٨ - لنا: ما روى علي بن شيبان قال: قدمنا على رسول الله ﷺ المدينة، فكان يؤخر العصر ما دامت الشمس بيضاء نقية. وروى رافع بن خديج: أن النبي ﷺ كان يأمرنا بتأخير العصر، ولا يعترض على هذا قولهم: إنه تفرد به عبد الواحد بن نافع عن عبد الله بن رافع؛ وذلك لأن عبد الواحد بن نافع لم يعترضه الدارقطني بأكثر من قوله: إنه قيل: عبد الواحد بن نافع وقيل: بن نفيع، وهذا جهل؛ لأن نفيع تصغير نافع، فلا يعد اختلافًا.
стр. 385
١٨٧٩ - قالوا: يحتمل أن يكون أمر بذلك في حال الجمع بين الصلاتين، فأمر بتأخير العصر عن الظهر.
١٨٨٠ - قلنا: ظاهر الخبر يقتضي المداومة، وقد فهم الراوي غير هذا؛ لأن عبد الواحد بن نافع قال: مررت بالمدينة فدخلت مسجدا فأقيمت الصلاة -يعني العصر- وفي المسجد شيخ، فلما صلى لام الذي أقام الصلاة، وقال: ما علمت من ابن خديج أخبرني أن رسول الله ﷺ كان يأمر بتأخير هذه الصلاة، فسألت عن الشيخ، قالوا: عبد الله بن رافع بن خديج.
١٨٨١ - قالوا: قال الدارقطني: روي عن رافع خلاف هذا. وهذا خطأ، إنما روي عن رافع قال: صلينا مع النبي ﷺ العصر، فنحر جزور، فقسم سبعة أقسام وطبخ منه فنضج قبل غروب الشمس، وهذا لا يخالف الأول؛ لأنه حكاية فعل في يوم واحد، فيجوز أن يكون التقديم فيه لعارض. ولأنا بينا أن نحر الجزور وطبخه إذا كان يختلف في العادة لم يدل على الوقت. ولأنها صلاة تلي غروب الشمس فكان فعلها فيما قرب من الغروب أفضل، كالمغرب، ولأنها صلاة تلي غروب الشمس فكان فعلها فيما قرب من الغروب أفضل، كالمغرب، ولأنها صلاة حولت عن وقتها لأجل النسك فكان فعلها في غير حال النسك فيما بعد غير موصع التحويل أفضل، كالمغرب، ولأنه لا يجوز التنفل بعدها، فإذا أخرها جمع بين الفرض وكثرة النفل؛ فكان أولى من أحدهما، ولا يلزم تأخيرها إلى الاصفرار؛ لأن التفضيل يقع بين وقتين جائزين لا كراهة فيهما.
١٨٨٢ - احتجوا: بحديث أنس أن رسول الله ﷺ كان يصلي العصر والشمس
стр. 386
مرتفعة حية، فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيها والشمس مرتفعة. قال الدارقطني: والعوالي من المدينة على ستة أميال.
١٨٨٣ - قلنا: ذكر أبو داود عن سعيد بن المسيب أن العوالي على ميلين أو ثلاثة، وهذا المقدار يمكن أن يسار إذا صلى في وسط الوقت.
١٨٨٤ - واحتجوا: بحديث الجزور الذي قدمناه، وقد بينا أن هذه الأفعال تختلف بحسب الفاعل، فلا يرجع إليها في التقدير، ولأن معناه قول وفعل، والفعل لا يعارض القول.
١٨٨٥ - قالوا: روي أن عمر بن الخطاب كتب إلى عماله أن صلوا العصر والشمس بيضاء نقية قدر ما يسير الراكب ثلاثة فراسخ.
١٨٨٦ - والجواب: أنه روي أن مؤذن علي جاءه يؤذنه بالعصر وهو في مسجد الكوفة فقال: قد جاء هذا الكذا والكذا يعلمنا السنة! وأخر العصر، حتى لما فرغنا جثونا على الرُّكب ننتظر غروب الشمس، والكوفة يومئذ أخصاص. وكان أصحاب علي وابن مسعود يؤخرون العصر. وروى أبو حنيفة عن خالد
стр. 387
الحذاء عن أبي قلابة قال: ما اجتمع أصحاب رسول الله ﷺ كاجتماعهم على تأخير العصر والتبكير بالمغرب والتنوير بالفجر. قال أبو قلابة ومحمد ابن الحنفية وسعيد بن المسيب: إنها سميت العصر لتعصر، فيعارض هذا ما رووه عن عمر بن الخطاب.
١٨٨٧ - قالوا: تعجيل العصر يؤدي إلى كثرة الدعاء بعدها، والدعاء بعد العصر يرجى به ما لا يرجى في غيره.
١٨٨٨ - قلنا: فضيلة صلاة النفل قبل العصر أفضل وأكثر فضيلة من الدعاء، فكان اتساع وقت النفل أولى.
стр. 388
مسألة ٩٧
تأخير العشاء ما بينه وبين ثلث الليل أفضل
١٨٨٩ - قال أصحابنا: تأخير العشاء ما بينه وبين ثلث الليل أفضل.
١٨٩٠ - وقال الشافعي في أحد قوليه: تعجيلها أفضل.
١٨٩١ - لنا: ما رواه أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يمسي بالعشاء ويقول: ((احترسوا ولا تناموا)). وعن أبي المنهال قال: انطلق أبي وانطلقت معه، فدخلنا على أبي برزة فقال له أبي: حدثنا كيف كان النبي ﷺ يصلي المكتوبة، فقال: كان يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها.
١٨٩٢ - وفي حديث معاذ ﵁ لما بعثه رسول الله ﷺ إلى اليمن فعلمه المواقيت، فقال: ((إذا كان الشتاء فأخر العشاء الأخيرة، فإن الليل طويل، وإذا كان الصيف فعجل العشاء، فإن الليل قصير وإن الناس ينامون)). وروى جابر بن
стр. 389
سمرة قال: كان رسول الله ﷺ يؤخر العشاء الآخرة. ذكر هذه الأخبار كلها ابن شجاع في سنن الصلاة.
١٨٩٣ - وروى ابن عمر قال: مكثنا ذات ليلة ننتظر النبي ﷺ لصلاة العشاء الأخيرة، فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده، فقال حين خرج: ((إنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم، ولولا أن أثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة)).
١٨٩٤ - ولا يقال: إن الشرع يؤخذ من قوله وفعله، وهاهنا لم يفعل وإنما أضمره فلا يكون شرعًا؛ وذلك لأنه أخبر أنه ترك التأخير لنفي المشقة، وهذا لا ينفي الفضيلة وتحمل المشقة؛ لقوله ﷺ : ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة)). ولأنها صلاة تقصر في السفر، فجاز أن تتعلق الفضيلة بتأخيرها، كالظهر في الصيف.
١٨٩٥ - احتجوا: بما روي: أن النبي ﷺ كان يصلي العشاء لسقوط القمر ثالثة. وهذا لا دلالة فيه؛ لأنا بينا أنه كان يؤخر، فيجوز أن يكون التعجيل في
стр. 390
الصيف، كما ذكر في خبر معاذ.
١٨٩٦ - وقد روي أن جابرا سئل عن المواقيت، فذكر العشاء وكان النبي ﷺ يعجلها أحيانًا ويؤخرها أحيانًا.
следующие страницы →