Полный текст (6 324 стр.). Показаны 3991–4030 · переход к 3996.
стр. 3991
٢٠٠٤٥ - فأبوا ذلك فراجعوا فيه أبا بكر فكتب إليهم أن أسهموا لهم وكذلك روي أن سعدًا راجع عمر في ذلك وكتب غليه يأمره أن يشرك المدد في الغنيمة.
٢٠٠٤٦ - فإن قيل: روى طارق بن شهاب أن أهل البصرة غزوا نهاوند فأمدهم أهل الكوفة فظهروا فأراد أهل البصرة أن لا يقسموا لأهل الكوفة فقال رجل من بني عطارد أيها الأجدع تريد أن تشاركنا في غنايمنا فقال حتى أني سببته فكتب في ذلك إلى عمر فكتب عمر أن الغنيمة لمن شهد الوقعة.
٢٠٠٤٧ - قلنا: مطالبة عمر بالقسمة تدل على أنه يرى ذلك وقول عمر إنما كان لأنهم حضروا بعد تقضي الحرب وبعد ما قارب الدار دار الإسلام فكان ما نقلنا من المشاركة حجة لنا وما نقلوه من منع الغنيمة لا حجة لهم فيه.
٢٠٠٤٨ - ولأن الغنيمة أحرزت إلى دار الإسلام بظهرهم وتركهم فاستحق السهم إذا كان قصدهم القتال كما لو لحقوا قبل تقضي الحرب.
٢٠٠٤٩ - ولا يلزم الأسير إذا لحق بهم من دار الحرب لأن قصده لم يكن القتال وإنما لحق بهم ليتحصن ويخلص نفسه من قهر الكفار ولأن كل حالة يجوز للعسكر الانتفاع بالطعام والعلف من الغنيمة إذا لحقهم مدد جاز أن يشركهم فيها كحال القتال.
٢٠٠٥٠ - ولأنه قاصد للحرب شاركهم في حيازة الغنيمة إلى دار الإسلام فوجب أن يشاركهم فيها كالرد.
٢٠٠٥١ - ولأنه كل من جاز أن يستحق السهم إذا حضر الوقعة جاز أن يستحق وإن لم يحضرها كالرد وكما لو قسم الإمام العسكر طائفتين فدخلوا دار الحرب من طريقين فغنمت إحدى الطائفتين.
٢٠٠٥٢ - ولا يلزم الأسير لأنه يجوز أن يستحق عندنا وإن لم يحضر القتال إذا دخل مع العسكر فأسر ثم يلحق المسلمين بعد تقضي الحرب.
стр. 3992
٢٠٠٥٣ - قيل: الحيازة استحق أسهم ولأن المسلمين إذا أحرزوا الأموال ثم لحقهم مدد فقاتلوا حتى غلبوا على البقعة استحقوا السهم من الأرضين فكل من استحق السهم في أرض الحرب استحق من المال المغنوم في تلك الكرة كسائر العسكر.
٢٠٠٥٤ - والدليل على استحقاقه منهما في الأرضين أنهم قاتلوا عليها فملكت بمعونتهم.
٢٠٠٥٥ - ولأنه دخل دار الحرب قتال.
٢٠٠٥٦ - قبل أن يتعين حق في الغنيمة فصار كما لو دخل في حال القتال ولا يلزم الأسير لأنه لم يدخل دار الحرب وإنما انتقل فيها من مكان إلى مكان.
٢٠٠٥٧ - ولا يلزم إذا دخل بعد القسمة؛ لأن حق الغانمين تعين بما يقسم في إبعاضها.
٢٠٠٥٨ - احتجوا: بما روى عن النبي ﷺ أنه قال: (الغنيمة لمن شهد الوقعة).
٢٠٠٥٩ - والجواب: أن هذا محفوظ عن عمر ولو ثبت فهو مشترك الدليل لأنه يقتضي أن المدد إذا لحق وقد غلبوا على الغنايم ثم عاد الكفار وقاتلهم المسلمون أن يستحق المدد؛ لأنهم حضروا الواقعة وهذا خلاف قولهم.
٢٠٠٦٠ - ولأن هذه اللام ليست لام لأن التمليك لا يثبت لغير معين وإنما يقتضي بثبوت الحق.
٢٠٠٦١ - وعندنا من حضر الوقعة فحقه ثابت في الغنيمة وذلك لا ينفي ثبوت حق من لم يحضرها بدلالة الرد.
٢٠٠٦٢ - وأهل الخمس.
٢٠٠٦٣ - قالوا: روي أن النبي ﷺ بعث أبان بن سعيد على سرية قبل نجد فقدموا على النبي ﷺ بعد فتح خيبر. قال أبان أن يسهم لهم فلم يسهم.
٢٠٠٦٤ - والجواب أن خيبر كانت لأهل الحديبية خاصة ولهذا ضرب النبي ﷺ -
стр. 3993
خاصة لمن شهدها من أهل الحديبية.
٢٠٠٦٥ - (وروى أبو بردة عن أبي موسى قال: قدمنا على رسول الله ﷺ فقسم لنا ولم يقسم لأحد لم يشهد الفتح غيرنا وإنما كان كذلك لأنهم كانوا من أهل الحديبية) وقد كان الله تعالى وعد أهل الحديبية فتح خيبر بقوله: ﴿وأخرى لم تقدروا عليها قد أحاط الله بها﴾ فإذا اختصت القسمة بأهل الحديبية جاز أن تكون لم قسم لأبان وأصحابه لأنهم لم يشهدوا الحديبية لا لما قال مخالفنا.
٢٠٠٦٦ - وجواب ثاني: وهو أن خيبر فتحت فصارت دار الإسلام وزالت يد الكفار عنها وعندنا إذا لحق المدد في هذا الحال لم يشاركوا وصار الخبر واردًا في موضع إجماع.
٢٠٠٦٧ - قالوا لحقوا الجيش بعد انقضاء الحرب فصار كما لو لاقوهم والعسكر في دار الإسلام.
٢٠٠٦٨ - قلنا: إذا كان القتال في ظاهر دار الإسلام فتقضي الحرب إنما يكون بانصراف أهل الحرب عن دارنا ومتى كان كذلك فقد أمن عودهم في الظاهر وصار كمن لحق العسكر بعد إخراج الغنيمة إلى دارنا.
٢٠٠٦٩ - وأما إذا انقضت الحرب في دار الحرب فلم يغلب على الدار فكرة العدو غير مأمونة لأن قتالهم عن أموالهم ونسبتهم أعظم وإذا لم يؤمن العود في الغائب فالمدد قد حضر في حال الحاجة إليه فصار كما لو حضر مع بقاء الحرب.
٢٠٠٧٠ - قالوا: لحقوا بعد انفصال القتال وصاروا كالأسرى إذا هربوا من أهل
стр. 3994
الحرب فلحقوا العسكر.
٢٠٠٧١ - قلنا: الأسرى لم يلحقوا قصدًا للجهاد والمقاتلة وإنما لحقوا لتخليص أنفسهم ولهذا لم يشركوا والمدد لحق للقتال في حال تدعو إليه الحاجة فصار كما لو لحقوا في حال القتال ولهذا المعنى.
* * *
стр. 3995
مسألة ١٠١٠
أهل سق العسكر إن قاتلوا
٢٠٠٧٢ - قال أصحابنا: أهل سوق العسكر إن قاتلوا استحقوا السهم وإن لم يقاتلوا فلا شيء لهم كذلك الأسرى والتجار إذا لحقوا بالعسكر ولم يكونوا دخلوا معهم دار الحرب. فإن قاتلوا استحقوا.
٢٠٠٧٣ - وهذا أحد قولي الشافعي وقال في القول الآخر يستحقون في الوجهين.
٢٠٠٧٤ - لنا: أن حال التاجر مخالفة لحال العسكر بدلالة أنه لم يقصد بدخوله الجهاد وإنما قصد التجارة فنقصت حاله في الجهاد بدلالة قوله ﵇: (إنما الأعمال بالنيات وإنما لك امرئ ما نوى) وإذا نقصت حالة لم تساوي المجاهدين كالصبي والمرأة لما نقصت حالهما في الجهاد عن الرجال بدلالة أنهم لا يخرجون إلا عند الضرورة إن لم يجز أن يساووهم في الاستحقاق.
٢٠٠٧٥ - ولأن العبد والمرأة قد وجد منهما القصد إلى الجهاد واستحقاق الثواب بقصدهما إلا أن منزلتهما لما نقصت عن غيرهما لم يساوي فمن لم يقصد الجهاد لم يستحق الثواب بالحضور أولى أن تنقض منزلته.
٢٠٠٧٦ - ولأنه لم يحضر القتال ولا وجد منه القتال فصار كالمحتارين بموضع الحرب والتجارة.
٢٠٠٧٧ - ولأن التاجر والأسير إذا خرج ليتخلص لم يستحق الثواب بالحضور فلم يساوي العسكر في الغنيمة كالكافر.
٢٠٠٧٨ - احتجوا: بقوله ﵇: (الغنيمة لمن شهد الوقعة).
٢٠٠٧٩ - والجواب أن المريض شهدها مقاتلًا للكفار بدلالة أن أهل الحرب قد شهدوها ولا حق لهم فيها لأنهم لم يحضروا قتال الكفار/.
стр. 3996
٢٠٠٨٠ - استحقوا وإذا كان هو المراد بالإجماع صار كالمنطوق به في الخبر.
٢٠٠٨١ - قالوا كل من لا يستحق السهم الكامل فإذا قاتل استحقه إذا حضر ولم يقاتل كسائر العسكر.
٢٠٠٨٢ - قلنا: يبطل بالمحتارين ولأن سائر العسكر حصلت لهم فضيلة الجهاد قاتلوا أو لم يقاتلوا واستحقوا السهم والتاجر والأسير لم تحصل لهم فضيلة الجهاد قصدًا ولا فعلًا فلم يجز إن شاركوا في غنيمة المجاهدين كما لو لحق الأسير بعد الحرب.
* * *
стр. 3997
مسألة ١٠١١
القسمة في دار الحرب
٢٠٠٨٣ - قال أصحابنا: لا ينبغي للإمام أن يقسم في دار الحرب حتى يخرج إلى دار الإسلام.
٢٠٠٨٤ - وقال الشافعي يقسمها هناك.
٢٠٠٨٥ - لنا: ما روى جبير بن مطعم أن النبي ﷺ : حين صدر يوم حنين وهو يريد الجعرانة سأله الناس حتى دنت ناقته من شجرة سلب بزاوية حتى نزعته من ظهره فقال ﵇: (ردوا علي ردائي أتخافون أن لا أقسم بينكم ما أفاء الله عليكم والذي نفسي بيده لو أفاء الله عليكم مثل سمر تهامة نعمًا لقسمته بينكم في البأس) فقال: (ثم لا تجدوني بخيلًا ولا جبانًا ولا كذابًا) فلما نزل قام في الناس فقال: (ردوا الخيط والمخيط فإن الغلول نار وعار وشنار على أهل يوم القيامة) ثم تناول بيده شيئًا من الأرض أو وبرة من بعيره وقال: (والذي نفسي بيده ما أفاء الله عليكم ولا مثل هذه إلى الخمس والخمس مردود عليكم) فأخر ﵇ القسمة مع المطالبة وهو لا يؤخر الحق عن مستحقه مع المطالبة فدل أن القسمة لا تجوز في دار الحرب وإنما قسم في الجعرانة لأنها كانت يومئذ دار إسلام.
٢٠٠٨٦ - ولأنه ﵇ فتح الطائف قبل ذلك وكانت مكة مفتوحة والجعرانه بينهما ومن توابعها.
٢٠٠٨٧ - وذكر محمد عن رافع بن خديج أن النبي ﷺ قسم غنايم بدر (بعد ما
стр. 3998
رجع إلى المدينة مع أنه يحكم وتأخيره على من يستحقه لا يجوز.
٢٠٠٨٨ - روي أن النبي ﷺ قسم غنائم بدر) في شعب من شعاب بدر يقال له: الصفراء.
٢٠٠٨٩ - قلنا: يحتمل أن يكون قسمها معًا: فدل أنه قسمها بالمدينة قسمة تمليك في حال القتال.
٢٠٠٩٠ - فإن قيل روى عبد الله بن عمر قال: خرج رسول الله ﷺ إلى بدر في ثلاثمائة وخمسة عشر حفاة عراة فدعا لهم رسول الله ﷺ : (اللهم إنهم حفاة فأحملهم، وعراة فألبسهم، وجياع فأشبعهم فانقلبوا حيث انقلبوا ومع كل واحد منهم الجمل والجملان.
٢٠٠٩١ - وهذا يدل على أنهم انقلبوا بعد القسمة (ليحملوها ثم قسمها بالمدينة قسمة تمليك في حال القتال ليجمع بين الخيرين يبين ذلك أن العين المأخوذة من المحل كانت بالمدينة قبل خروج النبي ﷺ إلى بدر ورافع يقول قسمها).
٢٠٠٩٢ - وعن علي قال أصبت مع رسول الله ﷺ (شارفًا يوم بدر.
٢٠٠٩٣ - قلنا: يجوز أن يكون أصابوا هذا من الأنفال؛ لأن النبي ﷺ ) قال: (من أخذ شيئًا فهو له) ولأنها مال ويجوز الانتفاع بالعلف والطعام فلا يجوز القسمة كحال الوقعة.
٢٠٠٩٤ - قالوا: المعنى في حال الوقعة أن الأسير إذا لحق يسهم له.
٢٠٠٩٥ - قلنا: إذا حضر حال القتال فقاتل استحق وإن لم يقاتل يستحق (وكذلك إذا لحق بدار الحرب فلم يقاتل لم يستحق وإن كثر الكفار عليهم فقاتل استحق).
٢٠٠٩٦ - ولأن الحيازة بدار الإسلام لم توجد فلا يجوز القسمة كحال الحرب.
٢٠٠٩٧ - فإن قيل: المعنى في حال الحرب بيانه لم يثبت للغانمين حق التمليك.
٢٠٠٩٨ - قلنا: لا نسلم ذلك لأن الأخذ (يثبت بالأخذ) ويستقر بالحيازة
стр. 3999
ويهلك بالقسمة.
٢٠٠٩٩ - قالوا: والمعنى في حال القتال أن الإمام لو قسمه لم تصح قسمته وبعد تقضي الحرب لو قسم جازت قسمته.
٢٠١٠٠ - قلنا: لا ينبغي أن يقسم في الحالتين فإن فعل جاز في الموضع المختلف فيه؛ لأن حكم الحاكم في موضع الخلاف ينعقد ولا ينعقد في موضع الاتفاق.
٢٠١٠١ - وهذا الاختلاف لا يمنع اعتبار أحدهما بالآخر في اعتبار القسمة كما قاس مخالفنا البيع الفاسد على البيع بالميتة.
٢٠١٠٢ - وإن كان الحاكم لو حكم بوقوع الملك في أحد الموضعين نفذه وفي الموضع الآخر لا ينفذ.
٢٠١٠٣ - ولان دار الحرب توهم والمملوك ما دام فغي حكم يد من ملك عليه لم يجز قسمته كالمبيع في يد البايع.
٢٠١٠٤ - ولأن الغنيمة في دار الحرب تعرض الزيادة منها فلم يجز قسمتها كحال القتال ولأن القسمة في دار الحرب تضر بالمسلمين؛ لأنهم نصبوا بعد القسمة ما لا يمكن قسمته كالفرس الواحد أو السيف فتوضع في بيت المال.
٢٠١٠٥ - ومتى أخر القسمة لم يسقط حق الغانمين عما يوجد فكان تأخير القسمة أولى.
٢٠١٠٦ - ولأن القسمة تمنع من ثبوت حق المدد وذلك يوجب تأخر المدد عنهم في حالة لا يؤمن كبر العدو فيها فيضر ذلك بهم وفي تبقيه الغنيمة استلحاق المدد وذلك أنفع للغانمين فكان أولى.
٢٠١٠٧ - فإن قيل المدد عندنا لا يستحق بعد تقضي الحرب.
٢٠١٠٨ - قلنا ما لم يسقط تقسم حقهم ولا ينقطع، لأن الأمير لو قسم له جاز وبعد القسمة انقطع حقهم، لأنه لو أشركهم مع غيرهم لم يجز.
٢٠١٠٩ - احتجوا: بما روى أن النبي ﷺ (قسم غنايم بدر ببدر) وقد أجبنا عنه.
٢٠١١٠ - واستدلال مخالفنا بقسمة بدر لا يصح لأنها كانت للنبي ﷺ خاصة
стр. 4000
عندهم وله أن يتصرف فيها كيف شاء.
٢٠١١١ - قالوا: روى أنه قسم غنايم حنين فيها، وقسم غنايم بني المصطلق في مكان الغنيمة.
٢٠١١٢ - وقال الأوزاعي ما قسم رسول الله ﷺ غنيمة قط إلا في دار الحرب.
٢٠١١٣ - قلنا: هذه المواضع فتحت وصارت دار الإسلام فالقسمة فيها وفي المدينة سواء ولهذا ﵇ قسم أراضي خيبر فيها فلو لم يضر دار إسلام لم يقسمها.
٢٠١١٤ - والكلام في قسمة الأموال في حالة لا تجوز قسمة الأرضين فيها.
٢٠١١٥ - فأما قول الأوزاعي فهو معارض لما روي عن مكحول أن النبي ﷺ لم يقسم غنيمة قط في دار الحرب معناه أنه قسم في مواضع فتحت وغلبت على أرضها.
٢٠١١٦ - قالوا كل موضع يجوز فيه الاغتنام يجوز فيه الاقتسام كدار الإسلام.
٢٠١١٧ - قلنا: نقول بموجب العلة لأن المسلمين لو أخرجوا الغنيمة إلى دار الإسلام ثم أعادها الإمام على دار الحرب جاز أن تقسم هناك ولأن الشيء قد يهلك في محل لا يجوز أن يقسم فيه بدلالة أن البائع يتملك المبيع فيها ولو اقتسمها المتبايعان في يد البايع لا يصح.
٢٠١١٨ - ولأن المعنى في دار الإسلام أن الجند يستنصرون المدد عنهم (وفي دار
стр. 4001
الحرب يستنصرون بانقطاع المدد عنهم) فلم تجز القسمة أو نقول: المعنى في دار الإسلام أنها منفعة يجوز قسمة أرضها فجاز قسمة الغنايم فيها ودار الحرب لا يجوز قسمة أرضها قبل الفتح فلم تجز قسمة الغنايم فيها.
٢٠١١٩ - قالوا: كل موضع صحت فيه القسمة لم يجز فيه القسمة كدار الإسلام.
٢٠١٢٠ - قلنا: عن أردتم بالصحة جواز الفعل لم نسلم ذلك وإن أردتم بعد القسمة فلان ذلك موضع الاجتهاد وليس إذا نفذ الشيء في موضع الاجتهاد دل على أن فعله جائز.
٢٠١٢١ - قيل: حكمه بين ذلك أن الإمام لو نفل أهل راية مما يصيبون فأصابوا لهم شيئًا فقسموه لم تصح قسمته بينهم عندنا ولو قسم الحاكم يصح.
٢٠١٢٢ - ولان المعنى في دار الإسلام أنها بقعة لا يصح الانتفاع بها بالعلف والطعام فجازت الغنيمة فيها فلما كانت دار الحرب لا يجوز الانتفاع (فيه بالعلف والطعام لم تجز القسمة فيها فقالوا: إنما جوز الانتفاع في) دار الحرب للضرورة وذلك لا يوجد في دار الإسلام.
٢٠١٢٣ - قلنا: ولو كان كذلك لاحتسب به في قسم من يأكل لان الضرورة في التناول لا في الاحتساب.
٢٠١٢٤ - قالوا: والطعام يجوز قسمته في دار الحرب لأنه إذا جاز أن ينتفع به فأولى أن يجوز قسمته ثم جواز الانتفاع لم يمنع من جواز قسمته فلان لا يمنع قسمة غيره أولى.
٢٠١٢٥ - قلنا: غ، ما يجوز الانتفاع به عندنا على أصل الإباحة فإن أراد قسمته لم يجز كما أن الانتفاع بالحطب والحشيش جائز فلو قسم ذلك قبل الحيازة لم يجز فلم يجز.
٢٠١٢٦ - قالوا: هذا يبطل إذا لم يجد الإمام محملًا للغنايم جازت القسمة مع جواز الانتفاع بالعلف.
٢٠١٢٧ - قلنا نما يقسم الإمام حملها بينهم فإذا خرج استرجع وقسمها قسمة التمليك فلم يلزم ذلك على ما قلناه.
* * *
стр. 4002
مسألة ١٠١٢
من مات من الغانمين في دار الحرب
٢٠١٢٨ - قال أصحابنا: من مات من الغانمين في دار الحرب قبل القسمة سقط حقه.
٢٠١٢٩ - وقال الشافعي: إذا مات بعد تقضي الحرب فحقه لورثته.
٢٠١٣٠ - لنا: ما روى الحسن بن ذكوان أن علي بن أبي طالب قال من مات من الغانمين قبل إحراز الغنيمة بدار الإسلام لا تعطي له.
٢٠١٣١ - ولا يعتبر فيها حق لأحد فلم تتوارث كالمأخوذ على القيام.
٢٠١٣٢ - احتجوا: بأنها تجوز قسم الغنايم فيها فمن مات انتقل حقه منه إلى ورثته كما لو مات في دار الإسلام.
٢٠١٣٣ - والجواب: أن دار الإسلام لا يجوز الانتفاع بالعلف والطعام فلم يورث حق الميت.
٢٠١٣٤ - قالوا لو مات بعد قسمة الغنايم ورث فإذا مات قبل القسمة وجب أن يورث كدار الإسلام.
٢٠١٣٥ - قلنا: إذا قسمت ففد تعين حق الغانمين فيها فملكوا بالقسمة فيورث ما ملكوه وقبل القسمة لم يتعين له حق ولا حصل في بالحيازة في دار الإسلام كحال القتال وهذه المسألة مبنية على أن الغانمين لا يستقر حقهم بالأخذ حتى ينضم إليه بالحيازة والحقوق/ التي لم تستقر لا تورث كخيار القبول.
стр. 4003
مسألة ١٠١٣
تقسيم الخمس
٢٠١٣٦ - قال أصحابنا: الخمس ينقسم على ثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل فمن كان من ذوي القربى بهذه الصفة دخل من جملة المستحقين. وكان أبو بكر الرازي يقول: كان لذوي القربى زمن النبي ﷺ بالنصرة وبعده بالفقر.
٢٠١٣٧ - وقال الشافعي: لهم خمس بخمس يستحقونه بالاسم يستوي فيه فقيرهم وغنيهم ويقسم بينهم للذكر مثل حظ الاثنين ويكون ذلك لبني هاشم وبني عبد المطلب فلا يستحقه بنو أمية ولا بن نوفل، ويستحقه من ينسب إلى هؤلاء بابن، فلا يستحق ولد البنات شيء منه.
٢٠١٣٨ - لنا: قوله تعالى: ﴿ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول
стр. 4004
ولذي القربى﴾ ثم قال ﴿كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم﴾ فأمر القسمة على وجه لا يكون دولة بين الأغنياء.
٢٠١٣٩ - ولو قلنا أنه يستحق بالاسم استحقه الغني فصار دولة بين الأغنياء.
٢٠١٤٠ - فإن قيل منع الله إنما يضرب له من ضرب جمعية إلى الأغنياء وعندنا أكثره للفقراء وأقله للأغنياء فلا يخاف مما تقول الآية.
٢٠١٤١ - قلنا: هذا مذكور على وجه التعليل فنصرف تلك إلى الجملة وكل جزء منها كما لو قال ادفعه إلى بني فلان كي لا يصل إلى الكفار اقتضى ألا يجوز صرف الجملة ولا بعضها إلى الكفار.
٢٠١٤٢ - وروى أبو يوسف عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن الخمس الذي كان يقسم على عهد رسول الله ﷺ على خمسة أسهم لله وللرسول ولذي القربى واليتامى سهم وللمساكين سهم وابن السبيل سهم ثم قسم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي (على ثلاثة أسهم لليتامى والمساكين وابن السبيل.
٢٠١٤٣ - وقال الرازي حدثني مصعب بن ثابت عن عروة بن الزبير أن أبا بكر وعمر وعليًا) جعلوا هذين السهمين على اليتامى والمساكين والعدة في سبيل الله.
٢٠١٤٤ - وكان ابن عباس يقول دعانا عمر إلى أن ننكح منه أراملنا ونخدم منه عيالنا ونقضي منه غارمينا فأبينا عليه إلا أن يسلمه كله إلينا فأبى علينا.
стр. 4005
٢٠١٤٥ - وذكر أبو إسحاق الفزاري في سيره عن إسماعيل بن أمية عن سعيد بن أبي سعيد المقبري عن يزيد بن هرمز قال كتب بجدة إلى ابن عباس فسأله عن الخمس لمن هو فقال ابن عباس: ألف ما تريد أما الخمس فإنا كنا نرى أنه لنا وقد أبى علينا قومنا ذلك.
٢٠١٤٦ - قال أبو إسحاق عن زائدة عن الأعمش عن المختار بن صيفي عن
стр. 4006
يزيد من هرمز قال: كتب بجدة إلى ابن عباس وذكر الحديث وقال أما الخمس فيزعم أنه لنا ويزعم قومنا أنه ليس لنا.
٢٠١٤٧ - قال أبو إسحاق الفزاري حدثنا سفيان الثوري عن قيس بن مسلم قال سألت الحسن بن محمد عن قول الله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأنا لله خمسه﴾ قال مفتاح كلام الدنيا والآخرة ثم اختلفوا في هذين السهمين بعد وفاة رسول الله ﷺ سهم الرسول وسهم ذي القربى قال قائل منهم: سهم الرسول للخليفة بعده، وقال قائل منهم: سهم ذي القربى لقرابة الخليفة فأجمع رأيهم أن جعلوا هذين السهمين للخيل والعدة في سبيل الله فكان ذلك في خلافة أبي بكر وعمر.
٢٠١٤٨ - قال أبو إسحاق قال حصين حدثني محمد بن إسحاق قال سألت أبا جعفر: كيف كان علي يصنع بالخمس؟ فقال: سلك بها سبيلهما أو قال طريقهما. أنه كان يكره أن يدعى عليه خلافهما. وإذا قسم الأئمة الراشدون على خلاف قولهم لم يعتد بقولهم.
٢٠١٤٩ - فإن قيل: قد نقلتم أن الخلفاء قسموا الخمس على ثلاثة أسهم فليس فيه إسقاط ذوي القربى فيجوز أن يكونوا أخذوا أحد الثلاثة.
٢٠١٥٠ - قلنا: لو كان كذلك لأسقطوا سهمًا أجمعوا على إثباته أعني اليتامى والمساكين وابن السبيل فعلم أن الثلاثة لم يكن فيها ذوي القربى ويدل عليه أن أهل السيرة اتفقوا أن النبي ﷺ نقل الخمس بهوازن ولم يدفع منه
إلى هاشمي شيئاً ولو كان حقًا لهم لم يجز أن يسقط حقهم.
٢٠١٥١ - وقسم ﷺ خيبر فلم يجعل للعباس شيئًا فيها هذه رواية ابن إسحاق
стр. 4007
وقسم لفاطمة ﵍ ولم يقسم لبنته زينب ولا أم كلثوم وقد كانت هذه القسمة في سنة سبع وماتت زينب في سنة ثمان وماتت أم كلثوم في سنة تسع ولو كان هذا الخبر للجماعة لم يجز أن يخص فاطمة ويمنع أختها وكذلك لم يقسم في خيبر للحصين بن الحارث بن المطلب ولا لأخت الطفيل بن الحارث وقد شهد معه بدرًا وسائر المشاهد وماتا في خلافة عثمان وأعطى ﷺ من خيبر لبنات أخيها عبيدة بن الحارث وأعطى بنت الطفيل دونه وهذا أمر ظاهر في إبطال قولهم ثم لا شبهة لمن نظر في السيرة أن النبي ﷺ لم يسو بينهم قط ولا أعطى الذكر منهم حظ الأنثيين فدل على بطلان قولهم.
٢٠١٥٢ - يبين ذلك ما روى شعبة عن الحكم قال سمعت عبد الرحمن بن أبي ليلى يحدث عن علي أن فاطمة أتت النبي ﷺ تشكو إليه ألماً في وقد بلغها أن النبي ﷺ أتاه سبي فأتت فاطمة تطلب خادمًا فلم يلقها ولقيتها عائشة فأخبرتها الحديث فلما جاء النبي ﷺ أخبرته بذلك فأتى رسول الله ﷺ وقد أخذنا مضاجعنا فقال: (مكانكما) وقعد بيننا وقال: (ألا أدلكما على خير مما سألتما تكبران الله أربعًا وثلاثين وتسبحانه ثلاثًا وثلاثين وتحمدانه ثلاثُا وثلاثين إذا أخذتما مضاجعكما فإنه خير لكما من خادم).
٢٠١٥٣ - وروى حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب عن أبيه عن علي بن أبي
стр. 4008
طالب أنه قال لفاطمة ذات يوم: قد جاء أباك بسعة ورقيق فأتيه فاستخدميه فذكرت ذلك له فقال (والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة تطوي بطونهم ولا أجد ما أنفق عليهم ولكن أبيعها وأنفق عليهم ولو كان لها في الخمس شيء لم يمنعها منه لأن أهل الصفة تطوي بطونهم ولأنه جزء من الخمس فلا يستحقه الأغنياء.
٢٠١٥٤ - فإن قيل: عندكم لا حق لهم فكيف يصح الوصف.
٢٠١٥٥ - قلنا: عندنا لهم جزء فيستحقونه بالفقر كما يستحقه سائر الفقراء.
٢٠١٥٦ - فإن قالوا نقلب فكان ذلك سهمًا ثابتًا أبدًا.
٢٠١٥٧ - قلنا: كذلك نقول لفقراء ذوي القربى سهم ثابت أبدًا لا يسقط وكما حرم على أغنياء غير بني هاشم حرم على أغنيائهم كالصدقات.
٢٠١٥٨ - فإن قيل: عندنا لا تحرم الصدقات على الأغنياء، لأن العامل يأخذها مع الغني.
٢٠١٥٩ - فلنا: من سوى هؤلاء من الأغنياء حرمت عليه الزكاة بإجماع كذلك يحرم عليهم الخمس.
٢٠١٦٠ - ولأن بني هاشم يحرم عليهم ما أحل لغيرهم من الأموال وهي الزكاة مع الفقر فلأن عليهم ما حرم على غيرهم أولى.
٢٠١٦١ - ولأنهم فريق سهموا في الخمس فكان الفقر شرطًا في استحقاقهم كاليتامى والمساكين وابن السبيل ولأنهم عوضوا بالخمس عن الزكاة.
٢٠١٦٢ - بدلالة ما روي عن النبي ﷺ (أليس في خمس الفيء ما يغني عن غسالة أيدي الناس).
٢٠١٦٣ - وعن عطاء بن أبي رباح أنه قال: (إن الله حرم الصدقة على بني هاشم وعوضهم عنها بالخمس).
٢٠١٦٤ - ومعلوم أن أغنياءهم كانوا لا يستحقون فتبين أن الخمس لمن حرمت
стр. 4009
الصدقة عليه وهم الفقراء.
٢٠١٦٥ - الغني تحل له الصدقة عندنا إذا كان عاملًا أو غارمًا.
٢٠١٦٦ - قيل لهم يكفي الاستدلال أن الغني إذا لم توجد فيه هذه الصفات يجب أن لا يستحق الخمس الذي هو عوض كما لم يكن لهم حق في الصدقة التي هي العوض.
٢٠١٦٧ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿لله خمسه وللرسول ولذي القربى﴾.
٢٠١٦٨ - قالوا: فأثبت لهم حقًا بلام التمليك ومتى أضيف المملوك إلى من يصح أن يملك أفلا ذلك الملك كقولنا هذه الدار لزيد.
٢٠١٦٩ - قالوا: ثم عطف عليهم اليتامى والمساكين بواو العطف فالظاهر الاشتراك.
٢٠١٧٠ - ولأنه علق الاستحقاق باسم القرابة فمن قال أنه لا يتعلق بالاسم وإنما يستحق بالفقر فقد خالف الظاهر.
٢٠١٧١ - والجواب: أن هذه الآية لا دلالة لمخالفنا فيها.
٢٠١٧٢ - لأن الظاهر يدل على استحقاق ذوي القربى وليس فيها قربى/ النبي ﷺ ولا قربى المسلمين بل الظاهر أن المراد قربى الغانمين لأن الخطاب لهم، قال الله تعالى: ﴿وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة﴾. وهذا خطاب للمسلمين ثم قال: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ وهذا يتناول أمر الله بالقتال ثم قال: ﴿ولذي القربى﴾ معنى قرابة المخاطبين.
٢٠١٧٣ - يدل ذلك على أن كل موضع ذكر الله قربى فيها فلما أراد قربى المسلمين ولم يرد قربى النبي ﷺ وإنما بين الله تعالى أن الخمس إلى خلاف ما كان يصرف للرباع إليه في الجاهلية بأن يخص بذلك من شاء منهم فأخبر الله تعالى أن الخمس للمسلمين ولهذا قال ﵇: (مالي فيما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم).
٢٠١٧٤ - وأما قوله أنه عطف على اليتامى والمساكين فالظاهر أنه يفيد الاشتراك وكذلك نقول أو ذوي القربى من المسلمين إذا كانوا من أهل الحاجة شاركوا اليتامى والمساكين.
стр. 4010
٢٠١٧٥ - وقربى النبي ﵇ منهم.
٢٠١٧٦ - وأما قولهم إنه على الاستحقاق بالاسم فليس بصحيح لأن ذلك خلاف الإجماع.
٢٠١٧٧ - وكذلك من يستحق بالاسم وقد حرم النبي ﵇ من بني عبد شمس وهو أخو هاشم لأبيه فسقط اعتبار القرب (باتفاق.
٢٠١٧٨ - ولأن الاستحقاق) بمعنى آخر بين ذلك أن الله ذكر في الآيات اليتامى فلم يستحقوا بالاسم بل بالفقر كذلك ذوي القربى على أن الآية دلالة. لنا أنه تعالى قال: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ والأموال المضافة إلى الله تعالى هي المرصدة للقرب المعدة لها.
٢٠١٧٩ - فإن قيل لو كان كذلك لم يعطفوا قوله وللرسول ولذي القربى ولكان يقول: ﴿فإن لله خمسه وللرسول﴾.
٢٠١٨٠ - قلنا: قد تذكر الواو في اللغة والمراد إلغاؤها قال الله تعالى: ﴿ولقد أتينا موسى وهارون الفرقان وضياء﴾ والواو ملغاة ومعناه الفرقان ضياء.
٢٠١٨١ - قالوا: روى الزهري عن سعيد بن المسيب عن محمد بن جبير بن مطعم قال لما وضع رسول الله ﷺ سهم ذوي القربى في بني هاشم وبني المطلب وترك بني نوفل وبني عبد شمس انطلقت أنا وعثمان وعلي إلى النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله هؤلاء بنو هاشم لا ينكر فضلهم للموضع الذي وضع الله بها منهم فما بال إخواننا بني المطلب أعطيتهم وتركتنا وقرابتنا واحدة فقال ﵇: (أنا وبني المطلب لا نفترق في جاهلية ولا إسلام وإنما نحن وهم شيء واحد) وشبك بين أصابعه.
٢٠١٨٢ - وقوله (لما وضع رسول الله) سهم ذوي القربى يدل على أن لهم سهمًا
стр. 4011
وأخبر أن النبي ﷺ قسمه على بني هاشم وبني المطلب فدل أنهم ينفردون وأخبر أن قسمه بالقرابة والتمس عثمان حقه وهو من ألسن الناس فلم يدفعه النبي ﷺ باتفاق وإنما دفعه بأمر آخر ولو كان للفقراء لقال: لا حق لك فيه.
٢٠١٨٣ - ولأن الاستحقاق لو كان بالفقر لم يمنع بنو نوفل وبني عبد شمس لأن الفقير فيهم موجود.
٢٠١٨٤ - والجواب: أن هذا الخبر دليلنا لأن عثمان ظن أن الاستحقاق للقربى وهو أقرب من بني المطلب فلما علق ﵇ الدفعة بين القرب دل على بطلان قولهم ولو استحقوا بالقربى لم يأخذ الأبعد وبين الأقرب فلهذا الخبر قال أبو بكر الرازي أنهم استحقوه في زمن رسول الله ﷺ بالنصرة فلهذا قال: (إنا لم نفترق في جاهلية ولا إسلام) لأنهم خرجوا مع بني هاشم إلى الشعب. وهذا المعنى قد سقط بمعنى من حضره. فإن قيل: ليس يمتنع أن يثبت بالنصرة لم يثبت لأبنائهم لشرف الآباء.
٢٠١٨٥ - قلنا: بقاء الحكم مع زوال العلة يحتاج إلى دليل، فر د الأئمة القسمة لهم يدل على أنه لم يثبت للأبناء.
٢٠١٨٦ - فأما قولهم: أن الخبر دل على ثبوت السهم لهم والنبي ﷺ أعطاهم؛ لأن تدبير الخمس كان عليه فأعطاهم للمصلحة، وهذا معنى إضافة الخمس أنه وقف على تدبيره فلهذا قال: (مالي فيما أفاء الله عليكم إلا الخمس وهو مردود فيكم) فأضاف جميع الخمس إلى نفسه ثم أخبر أنه مردود في المسلمين فدل أنها إضافة التصرف والتدبير.
٢٠١٨٧ - ولهذا قال الله تعالى في ابتداء الفيء: ﴿وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ فبين أن له تدبير الفيء وكذلك نفل جميعه يوم هوازن ولم يدفع منه شيئًا إلى بني هاشم والنبي ﵇ دفع إلى ذوي القربى على هذا الوجه فظن عثمان أنه قسم له سهمًا والأمر بخلاف ذلك لأنه لم ينقل قط أنه عمهم به ولا سوى بينهم فيه وقوله أن قسمته بين بني هاشم وبني المطلب يدل على أنهم ينفردون به غلط؛ لأنه
стр. 4012
دفع جميعه في هوازن إلى أهل مكة دونهم ولو كان حقاً لهم لم يصرف عنهم.
٢٠١٨٨ - فأما قولهم إن عثمان التمسه منه فلأنه ظن أنه استحق القربى فرد ﵇ ذلك ويجوز أن يكون التمسه لقومه لا لنفسه.
٢٠١٨٩ - وقولهم إن النبي ﵇ دفعه بمشاركة بني المطلب لبني هاشم ولو كان يستحق بالفقر لقال أنت غني.
٢٠١٩٠ - ولأن النبي ﵇ ذكر المعنى المانع لاستحقاقه في ج=ميع الأحوال غنياً كان أو فقيراً وتعلق الحكم بأعم العلتين أولى.
٢٠١٩١ - ولأنه ذكر المعنى لم يدل على سقوط حق غيره وذكر معنى يعم جميع بني أمية.
٢٠١٩٢ - وقولهم لو كان أعطى (بالفقر لم يمنع بني عبد شمس وبني نوفل ليس بصحيح لأنهم يستحقونه) بالفقر مع الفقر والنبي ﵇ دفعه إلى بني هاشم للمصلحة لا بالفقر وعلق ذلك بمعنى لا يوجد في غيرهم.
٢٠١٩٣ - قالوا: روى ابن أبي ليلى قال سمعت عليًا يقول: اجتمعت أنا والعباس وفاطمة وزيد بن حارثة عند الرسول ﷺ . فقلت: يا رسول الله إن رأيت أن توليني حقنا من الخمس في كتاب الله وأقسمه حياتك كي لا ينازعني أحد بعدك قال: (افعل) فقسمته حياة رسول الله ﷺ ثم ولاية أبي بكر حتى كانت آخر سنة توفى فيها عمر فاتاه مال كثير من الأهواز والسوس فأرسل إلي فقلت: بنا عنه العام غني وبالمسلمين الآن حاجة فاردده إليهم ثم لم يدعوني إليه أحد بعد عمر فلقيت العباس بعد ما خرجت من عندهم فقال: يا علي حرمتنا الغداة شيئاً لا يرد علينا أبداً وكان رجلًا داهيًا. فدل هذا الخبر على ثبوت السهم وعلى أنه لا يسقط بموت النبي ﵇.
٢٠١٩٤ - لأن عليًا قال لا ينازعني فيه أحد بعدك ودل على الإجماع لأن أبا بكر وعمر ولياه ذلك.
٢٠١٩٥ - قلنا: هذا الخبر لم يرويه عن عبد الرحمن بن أبي ليلى غير عبيد الله بن
стр. 4013
عبد الله الرازي وهو ممن لم يخرجه أحد في الصحيح ولا يعرف فكيف يثبت مثل هذا الحكم بروايته ولو كان هذا صحيحًا لنقل تولية النبي ﷺ لعلي عن طريق الاستفاضة ولذكر من مفاخره ولاشتهر الأمر فيه لأنه يقسمه في حياة رسول الله ﷺ قسمة ظاهرة على قومه فلما لم ينقله الأمر إلا من طريق لا يعرف لم يجز الرجوع إليه ولو ثبت احتمال أن يكون ﵇ جعل إليه قسمة ما يقرره لهم في حال حياته وقد بينا أن تدبير الخمس كان إليه وكان يعطي مرة من يرى منهم فلا يعطي مرة فجعل ذلك المقرر لهم إليه يقسمه بينهم.
٢٠١٩٦ - فأما قولهم أن تولية أبي بكر وعمر له ذلك إ^جماع ليس بصحيح.
٢٠١٩٧ - لأن أبا بكر سوى بين الناس وجعل القرشي والهاشمي فيه سواء ولم يفرد لأحد حقًا به ولا فضله فيه هذا أمر مشهور منقول عن طريق الاستفاضة.
٢٠١٩٨ - فأما عمر بن الخطاب ففضل في القسمة بين الناس، فجعل لعلي بن أبي طالب خمسة آلاف دينار ولسائر أهل بدر كذلك، وألحق الحسن والحسين بأهل بدر لمكانهما من رسول الله ﷺ ، وفرض للعباس اثني عشر ألفًا وفرض لأسامة بن زيد أربعة آلاف، فقد سوى أبو بكر بين الناس ولم يفضل أحدًا، وهذا يدل أنه كان لا يرى القرابة بعد رسول الله ﷺ سهمًا. وهذا عمر لما رأى التفضيل لم يفضل بالقرابة فلو استحق بالقرابة شيئًا لفضله عليهم.
٢٠١٩٩ - ثم تحمل علي بن أبي طالب مما عملا به فلم يخالفهما كما قدمنا فكيف نتابع هذا الإجماع ولو كان ما قالوه صحيحًا لم يقل ابن عباس كنا نرى أنه لنا، وقد أبي ذلك قومنا فدل على أنه لم يرد له حقًا وهذا الخبر لو ثبت فهو من أدل الدليل عليه لأن عندهم هذا السهم يستحق بالاسم ويملكه بنو هاشم وبنو المطلب غنيهم وفقيرهم، وعلق على من زعموا بل عليهم فكيف يصرفه عنهم لحاجة المسلمين بغير
стр. 4014
اختيارهم والعباس ينكر ذلك وهو منهم فدل أن هذا ليس تملكًا لهم وإنما يستحقونه بالحاجة.
٢٠٢٠٠ - ولهذا قال على تصرف إلى من هو أحوج منهم ثم كيف يقول علي: إني التمست من النبي ﷺ الولاية حتى لا ينازعني أحد فيها ثم لا نقول ولا من أبي بكر وهو مستغني عن تولية أبي بكر بتولية رسول الله ﷺ فعلم أن هذا مناقضة، وقد ذكر أبو داود الخبر المشهور في قصة عبد المطلب بن ربيعة والفضل بن العباس أن النبي ﷺ كان ولي على الخمس محمية بن جزء وهو رجل من زبيد فهذا يدل على أن عليًا لم يتولاه وقد ذكروا في هذا الخبر أن عمر قال لعلي بالمسلمين صلة وأني أعوضكم عن حقكم فمات تلك السنة فلم يعوضهم وهذا لم يذكره أبو داود ولا ذكره من موضع معروف وهو لا أصل له لأن في الخبر أن المال كان من فتح الأهواز والسوس، وقد فتح عمر بعد ذلك سجستان وإلى بكران فكيف يموت تلك السنة قبل أن يعوضهم فعلم أن هذا خبر مضطرب لا حجة لهم فيه، وقد ذكر أبو داود بإسناد صحيح أن النبي ﷺ أصاب شيئًا فانطلقت إليه فاطمة بنت الزبير فشكيا إليه فسألناه أن يأمر لهما بشيء من السبي فقال ﵇: سبقكن يتامى بدر). ولو كان لذي القربى سهم مقدر لم يمنعهن لأجل اليتامى قالوا كل من لا تحل له الصدقات المفروضات بحال كان له سهم من الخمس كالنبي ﵇.
٢٠٢٠١ - قلنا: نقول بموجبه لأن الفقراء منهم لهم سهم من الخمس يستحقونه بشرط الحاجة وكذا النبي ﵇ يستحق بالحاجة تصرف من الخمس في مصالحه وما زاد على قدر حاجته يصرف إلى المسلمين فلا فرق بين الأصل والفرع ولأن الصدقة إنما حرمت على فقرائهم فأما الأغنياء فهم في تحريم الصدقة كسائر المسلمين.
٢٠٢٠٢ - قالوا: صنف من أهل الخمس لهم سهم فوجب أن يكون لهم على التأييد كابن السبيل واليتامى.
стр. 4015
٢٠٢٠٣ - قلنا: عندنا منهم له سهم فحقه متأبد لا يسقط والأغنياء لا حق لهم ولا يوصف حقهم بالتأييد ثم سائر أهل السهام دلالة لنا لأنهم يستحقون منهم لأجل الحاجة: (كذلك هو لا يستحقونه بشرط الحاجة).
* * *
стр. 4016
موسوعة
القواعد الفقهية المقارنة
المسماة
التجريد
باب قسم الصدقات
стр. 4017
مسألة ١٠١٤
زكاة الأموال الظاهرة
٢٠٢٠٤ - قال أصحابنا: زكاة الأموال الظاهرة إلى الإمام فإن أخرجها أربابها إلى الفقير لم يسقط الغرض في حق الإمام.
٢٠٢٠٥ - وهو قول الشافعي ﵁: في القديم.
٢٠٢٠٦ - وقال في الجديد: إذا فرقها بنفسه على الفقراء جاز.
٢٠٢٠٧ - لنا: قوله تعالى: ﴿خذ من أموالكم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها﴾ فأمره ﷺ بالأخذ ويستحيل أن يؤمر بذلك وقد أمر بالدفع والأمر على الوجوب فإذا ثبت وجوب الدفع إليه، لم يسقط الوجوب بغير ذلك.
٢٠٢٠٨ - فإن قيل: أنه مأمور يأخذ صدقة المال الباطن، وإن كان لنا تفريقه.
٢٠٢٠٩ - قلنا: عندنا لا يجب عليه أخذه ولكنا إذا دفعناه كان له الأخذ وجاز أن لا يأخذ فلذلك يجوز لنا الدفع إليه ولا يجب عليه أن يفرقها بنفسه سقط حق العامل
стр. 4018
المفروض له وهذا خلاف القرآن.
٢٠٢١٠ - فإن قيل: العامل يستحق بعمله فإذا لم يعمل كالقاضي يستحق النفقة وإن اصطلحوا الخصوم ولم يرتفعوا إليه فلا يقال أنه يستحق بعمله فإذا لم يعمل لم يستحق.
٢٠٢١١ - قلنا: إن أبا بكر الصديق قاتل الناس على منع الزكاة وقال: (لو منعوني عناقًا وروى عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلهم عليه) وهذا بحضرة الصحابة من غير نكير، فدل أن حقه ثابت في المطالبة.
٢٠٢١٢ - فإن قيل: إنما قاتلهم بالردة ومنع الزكاة.
٢٠٢١٣ - قلنا: علق القتال بمنع الزكاة منه، ولم يقل لو منعها الفقراء.
٢٠٢١٤ - قالوا: وجب تعليق الحكم بالعلة.
٢٠٢١٥ - ولأن في العرب من يجحد الزكاة وإنما امتنع من دفعها إلى غير النبي ﷺ وقال: قد كان يدعو لنا.
٢٠٢١٦ - وقد قاتل الجميع فدل على ثبوت حق المطالبة للإمام.
٢٠٢١٧ - ويدل عليه قوله ﵇ لمعاذ (أعلمهم أن الله افترض عليهم حقًا في أموالهم يؤخذ من أغنيائهم ويرد على فقرائهم) فدل على أن هذا الحق ثبت فيه فلا بد في المطالبة والصرف.
٢٠٢١٨ - ولأنه قول الإمام المطالبة وصرفه إلى المسلمين فلا يجوز لمن وجب عليه إخراجه بنفسه كأهل الذمة إذا دفعوا الجزية إلى الإمام.
٢٠٢١٩ - ولأنه حق الله تعالى علقه بالمال الظاهر وكان استيفاؤه إلى الإمام
стр. 4019
كالخراج والعشر.
٢٠٢٢٠ - ولأنه دفع الزكاة إلى من لا يثبت له حق المطالبة بها فلم يسقط ذلك حق الإمام كما لو دفعها إلى غني باجتهاد.
٢٠٢٢١ - ولأن الإمام يلي على الفقراء، لان التصرف لا يصح من جماعتهم لكثرتهم فولي الإمام عليهم في حقوقهم فجميع المسلمين يلي الإمام عليهم في حقوقهم وإن كانوا أهل رشد لأنهم لا يقدرون على التصرف لكثرتهم وإذا ثبت له ولاية عليهم لم يجز قبضهم إلا بتولية في الدفع كالوصي العالي على اليتيم.
٢٠٢٢٢ - ولأنه مال للإمام أن يطالب به بحق المسلمين كالخراج والجزية.
٢٠٢٢٣ - احتجوا بقوله تعالى: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم﴾.
٢٠٢٢٤ - والجواب: أن هذه الآية وردت في صدقة النافلة التي إخفاؤها أولى من إظهارها فأما الفريضة فإظهارها أولى وهذه كالصلاة يستحب إظهار الفرض في الجماعات ويستحب إخفاء النوافل وفعلها في البيوت.
٢٠٢٢٥ - وقولهم: إن إخفاء الفرض أفضل غلط؛ لأن النبي ﷺ طالب بالصدقات وبعث السعاة عليها.
٢٠٢٢٦ - ولا يجوز أن يدعو إلى ترك الفضيلة فعلم أن الإظهار أولى.
٢٠٢٢٧ - فإن قيل: الآية تقتضي جواز التفريق والفضيلة دلت الدلالة على إسقاط أحدهما وبقي الآخر.
٢٠٢٢٨ - قيل له: فأنتم حملتم اللفظ على العموم في الصدقة والفريضة والنافلة وخصصتم اعتبار الفضيلة.
٢٠٢٢٩ - ونحن حملنا الآية على النافلة ونفينا ظاهر الآية من غير تخصيص فتساوينا ووقف استدلالكم.
٢٠٢٣٠ - قالوا: مال يخرج على سبيل الطهر فوجب أن يكون لمن وجبت عليه أن يتولى تفرقته بنفسه كالكفارات.
стр. 4020
٢٠٢٣١ - قلنا: لا يمتنع أن يكون طهره دار ووقف على الإمام كالحدود والمعنى في الكفارات أن الإمام لا يملك المطالبة بها فلم يقف أداؤها عليه فلما ملك المطالبة بالزكاة وقف سقوط فرضها على قبضه.
٢٠٢٣٢ - قالوا: كل من كان له صرف زكاة المال الظاهر إليه كالإمام.
٢٠٢٣٣ - قلنا: المعنى في الإمام أنه له قبض الجزية وصرفها إلى مستحقها فملك قبض الزكاة. وغير المولى لا يملك قبض الجزية فلم يملك قبض الزكاة إلا بإذن الإمام وتوليته.
٢٠٢٣٤ - قالوا: حق يخرج باسم الزكاة (وغير المولى لا يملك) فكان لرب المال أن يتولى تفرقته بنفسه كزكاة المال الباطنة.
٢٠٢٣٥ - قلنا: المعنى في زكاة المال الباطني أنه يشق على أرباب الأموال فتبع المصدقين لأموالهم، فقاموا الإمام في التفرقة للمشقة ولهذا إذا طهر المال ونقل من بلد إلى بلد أخذ العامل زكاته وهذه المشقة غير موجودة في المال الظاهر فكان حق القبض إلى الإمام.
٢٠٢٣٦ - فإن قيل: لو كان صاحب المال يؤدي الزكاة بتوكيل الإمام جاز عزله.
٢٠٢٣٧ - قلنا: وكلهم عثمان بن عفان لمعنى. وهذه المشقة تلحقهم، فكيف يجوز أن يعزلوا مع بقاء المعنى الموجب للتوكيل في مصلحة المسلمين؟.
٢٠٢٣٨ - فإن قيل: كيف يجوز أن يفوض الإمام إخراج الزكاة إلى الفاسق؟ وصاحب المال قد يكون فاسقًا.
٢٠٢٣٩ - قلنا: الفاسق يمنع من توليته للتهمة وهو لا يتهم هاهنا.
٢٠٢٤٠ - لأنه إن دفعها إلى مستحقها سقط فرضه وإن لم يخرجها لم يسقط الفرض عنه.
٢٠٢٤١ - قالوا: كل من وجب عليه حق وكان له دفعه إلى غيره ليصرفه إلى مستحقه كمن عليه دين.
٢٠٢٤٢ - قلنا: يبطل بأهل الذمة إذا دفعوا الجزية إلى المجاهدين لم يجز ولو دفعوها
стр. 4021
إلى الإمام ودفعها إليهم جاز.
٢٠٢٤٣ - فإن قالوا: وصل الحق غلى مستحقه (جاز له دفعه بنفسه إلى مستحقه).
٢٠٢٤٤ - قلنا: يبطل بالجزية وتغريم اليتيم (إذا دفع الدين إلى اليتيم).
٢٠٢٤٥ - فإن قالوا: الإمام له رأي في الجزية يصرفها فيما يرى من المصلحة.
٢٠٢٤٦ - قلنا: وكذلك للإمام رأي في الفقر أنه يزيد واحد أو ينقصه آخر.
٢٠٢٤٧ - فإن قالوا: اليتيم ليس من أهل الرشد.
٢٠٢٤٨ - قلنا: والفقراء مولي عليهم لأنهم لكثرتهم لا يقدرون على التصرف في مصالحهم (فولي عليهم) كما يلي الإمام على جماعة المسلمين في حقوقهم؛ لأنهم لكثرتهم لا يقدرون على النظر فيها.
* * *
стр. 4022
مسألة ١٠١٥
دفع زكاة المال إلى صنف واحد
٢٠٢٤٩ - قال أصحابنا: إذا دفع الرجل زكاة ماله إلى صنف واحد جاز والأصناف المذكورة في الآية جهة التصرف وإلى أيها دفع الزكاة جاز.
٢٠٢٥٠ - وقال الشافعي: الزكاة حق لجماعتهم فإذا أدى الرجل لم يكن له يد من استيفاء الأصناف فقسم صدقته على سبعة أصناف.
٢٠٢٥١ - لأن العامل يستحق ما لم يعمل ويدفع كل قسم غلى ثلاثة من الأصناف فغن اقتصر على صنف واحد من نصيب الباقين وإن لم يوجد بعض الأصناف فسقط حكمه ووجب أن يقسم الصدقة على بقيتهم.
٢٠٢٥٢ - لنا: قوله تعالى: ﴿وفي أموالهم حق للسائل والمحروم﴾ والحق هو الزكاة وقد أضافه إلى صنفين فدل على انه يجوز دفع جميعه إليهما.
٢٠٢٥٣ - ويدل عليه قوله ﵇: (أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم واردها في فقرائكم) فأخبر انه مأمور بردها في صنف واحد فقال لمعاذ: أعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم.
٢٠٢٥٤ - وهذا يدل على جواز الاقتصار على صنف واحد فإن قيل إنما قصد بها
стр. 4023
أن يبين أنه لا حق لهم في الصدقات وإنما هي مردودة في المسلمين.
٢٠٢٥٥ - قلنا: بل المقصود منها بيان جهة الاستحقاق وجواز/ الصرف إلى هذا قليل.
٢٠٢٥٦ - وروى عطاء عن سعيد بن جبير عن علي وابن عباس قالا: (إذا أعطى الرجل صدقة صنفًا واحدًا من الأصناف الثمانية أجزأه).
٢٠٢٥٧ - وروي مثل ذلك عن عمر بن الخطاب وحذيفة وعن سعيد بن جبير وإبراهيم وعمر بن عبد العزيز وابن العالية.
٢٠٢٥٨ - وروى الثوري عن إبراهيم بن ميسرة عن طاووس عن معاذ بن جبل (أنه كان يأخذ من أهل اليمن العروض والزكاة ويجعلها في صنف واحد من الناس ولا يعرف له مخالف في السلف فصار ذلك إجماعًا).
٢٠٢٥٩ - لا يسع خلافه ذكر هذه الأخبار أبو بكر الرازي في أحكام القرآن.
٢٠٢٦٠ - ولأنها صدقة واجبة فجاز صرفها غلى صنف واحد كالكفارة.
٢٠٢٦١ - ولأن من جاز صرف الزكاة عليه جاز صرفها إليه كالأصناف فإن المعنى في الكفارات وجوبها لا يعم فلم يعم تصرفها والزكاة تعم وجوبها فعم صرفها.
٢٠٢٦٢ - قلنا: صلاة الجنازة لا يعم وجوبها وصلاة الفرض يعم وجوبها وجهة أدائها واحدة ثم الزكاة يعم وجوبها فلا يجب تعميم الفقراء بها ولكنهم جهة كذلك الأصناف.
٢٠٢٦٣ - ولا يجب تعميمهم بها وإن كانوا جهة للأداء.
٢٠٢٦٤ - ولأن الإمام يجوز له صرف صدقة الواحد إلى صنف واحد كذلك يجوز لرب المال صرفه إلى من يصرفه الإمام إليه؛ لأنه قائم في التصرف مقامه.
стр. 4024
٢٠٢٦٥ - ولأن من جاز للإمام صرف زكاة الواحد عليه جاز للواحد صرفها إليه أصله كأصناف.
٢٠٢٦٦ - فإن قيل: الإمام يملك الدفع إلى الجماعة فهو يخص صنفًا واحدًا لصدقة واحدة ثم يصرف إلى الصنف الآخر صدقة أخرى.
٢٠٢٦٧ - لأنه يملك القسمة وصاحب المال لا يملك القسمة وهذا كما يملك الإمام قسمة الغنيمة فتفرد الواحد يغير منها.
٢٠٢٦٨ - وإن كان الواحد لا يملك أن ينفرد بأحدهما.
٢٠٢٦٩ - قلنا: لو كان الإمام يدفع على القسمة لاعتبر فيه التعديل كما يعتبر في الغنيمة ولما لم يعتبر التعديل دل على أن ذلك ليس هو على وجه القسمة.
٢٠٢٧٠ - احتجوا بقوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء﴾.
٢٠٢٧١ - قالوا: ومتى أضيف ما يملك إلى من يصح أن يملك كانت اللام لذلك كقوله هذه الدار لزيد وعمرو.
٢٠٢٧٢ - والجواب: أن اللام في اللغة لا تفيد أكثر من الاختصاص قال الله تعالى: ﴿أن لهم النار﴾ وقال ﴿ولهم عذاب أليم﴾ وقوله: ﴿والطيبات للطيبين﴾ وقد يكون الاختصاص ملكًا وقد يكون غير ملك وعندنا الاختصاص وهو أن في هذه الجهات يختص الصرف فيها ولا يجوز أن يتعداها إلى غيرها.
٢٠٢٧٣ - فإن قيل: ظاهر الإضافة الملك بدلالة قولنا هذه الدار لزيد.
٢٠٢٧٤ - قلنا: الإقرار محمول على العرف والكلام في مقتضى اللفظ في اللغة وقد بينا أن اللام في اللغة لا تفيد الملك فلا معنى للاستدلال بحكم الإقرار في الشرع وبين ذلك أن الآية لو أفادت ما قال مخالفاً لوجب تعميم كل صنف حين الصدقة.
٢٠٢٧٥ - لأن الإضافة إلى جميعهم فلما جاز أن يقتصر على بعض الصنف دون بعض دل على أن الأصناف كما بينا من ثبوت الإضافة لو اقتضت التمليك حتى
стр. 4025
تجب التسوية بين الأصناف لوجب أن يستوي بين آحاد كل صنف.
٢٠٢٧٦ - فلما جاز أن يفضل بعض الفقراء على بعض كذلك يجوز أن يجعل بعض الأصناف (على بعض).
٢٠٢٧٧ - وأما قولهم: أن الإضافة إذا حصلت فيما يملك إلى من يصح أن يملك أفادت التمليك فهو الدليل عليهم.
٢٠٢٧٨ - لأن الإضافة حصلت إلى من لا يحصى وإلى من يوجد من الفقراء إلى قيام الساعة وهؤلاء لا يصح أن يملكوا الصدقة فقد حصلت الإضافة إلى من صح أن يملك فلم تكن للتمليك.
٢٠٢٧٩ - كقولنا سرج الدابة وقبض العبد.
٢٠٢٨٠ - قالوا: ذكر الله تعالى في الآية الفقراء والمساكين وكل واحد منهما يغني عنهما لأنه لو أوصى للفقراء جاز أن يعطي المساكين فلو كان الذكر ببيان جهة الصرف لاقتصر على أحدهما.
٢٠٢٨١ - قلنا: الفقير اسم عام يتناول المسكين، والعرب تذكر العام فتؤكده بالخاص كقوله تعالى: ﴿حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى﴾ وكقوله: ﴿وملائكته ورسله وجبريل ومكائيل﴾ فلما كان المسكين أشد فقرًا من الفقير ذكره بعده تأكيدًا له وتنبيهًا على الاهتمام به.
٢٠٢٨٢ - قالوا: قال الله تعالى: ﴿فريضة من الله﴾ والفريضة في اللغة: التقدير، وفي الشرع الإيجاب.
٢٠٢٨٣ - قلنا: عندنا أن الله تعالى فرض الصدقات وخص بها هذه الأصناف حتى لا يجوز تجاوزهم إلى غيرهم وقدر ذلك لهم حتى لا يسوغ تعديهم فلم يكن لمخالفنا فيه دلالة.
٢٠٢٨٤ - قالوا: روى زياد بن الحارث الصدائي قال: (أتيت رسول الله ﷺ -
стр. 4026
وبايعته فأتاه رجل وقال أعطني من الصدقة فقال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى لم يرض بحكم نبي ولا غيره بالصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك).
٢٠٢٨٥ - فلما أخبر النبي ﷺ (أن الله تعالى جزأ جميع الصدقات أجزاء).
٢٠٢٨٦ - قلنا: كذلك نقول، والخلاف أن كل جزء منها يجب أن يقسم على تلك الأجزاء أم لا؟ فليس وجب صرف الصدقات إلى الأصناف ما يجب أن يصرف كل جزء منها إلى جميع ذلك كما أن الصدقات يجب أن يستغرق نصيبها الفقراء وأما قوله: (إن كنت منهم أعطيتك حقك).
٢٠٢٨٧ - فهذا يدل أن الواحد من الفقراء أحق وكذلك نقول: إن له حق في جواز الصرف إليه فأما الوجوب فلا يقوله أحد ألا ترى أن رب المال له أن يعدل تركاته عن آحاد الفقراء إلى غيرهم.
٢٠٢٨٨ - قالوا: مال مضاف إلى أصناف شرعًا فكانت إضافة استحقاق وتمليك لا محل كالخمس من الفيء والغنيمة.
٢٠٢٨٩ - قلنا: لا فرق بينهما لأن الخمس جهة صرف إلى الأصناف بمعنى: الآية لا يجوز أن يصرف إلى غيرهم ولو اقتصر الإمام على جنس منهم جاز كما لو اقتصر على عدد منهم جاز فلم يجز استغراق جميع الخمس فهو كاللام لا فرق بينهما.
٢٠٢٩٠ - قالوا: الفقراء صنف من أهل الصدقات فلا يجوز (دفع الزكاة إليه) الزكاة مع القدرة على غيره كالعاملين.
٢٠٢٩١ - قلنا: العاملين يسقط حقهم مع القدرة عليهم.
٢٠٢٩٢ - ألا ترى أنهم إذا لم يعملوا أخر أرباب الأموال الصدقة إلى الإمام
стр. 4027
ففرقها لم يستحقوا فلما جاز أن يسقط حقهم مع قيام الوجوب جاز أن يخصوا بها ولأن العامل يستحق جزءًا منها لقيامه مصالح المسلمين فلا يجوز أن يعود تصرفها.
٢٠٢٩٣ - قالوا: مال يجعل الأصناف بأوصاف بلفظ يوجب الجمع والتشريك فلا يجوز تخصيص بعضهم به كما لو أوصى بثلث ماله إلى الفقراء والفقهاء والقرابة كفقراء بني هاشم.
٢٠٢٩٤ - قلنا: لا يخلو أن يكون كل طائفة من هؤلاء تحصى (ولا تحصى).
٢٠٢٩٥ - فإن كانوا يحصون فالإضافة للتمليك فلا يجوز أن يخصص صنف منهم كما لا يجوز أن يخصص عدد منهم بل يجب استغراق جميعهم وإن كانوا لا يحصون فهو مسألتنا ويجوز أن يقتصر على كل صنف منهم.
٢٠٢٩٦ - كما يجوز أن تقتصر على عدد من كل صنف دون سائرهم كما لو قال أوصيت بثلث مالي لعبد لم يجز صرفه غلى غيره.
٢٠٢٩٧ - كذلك إذا قال لفقراء الفقهاء وهم لا يحصون لم يجز أن تعمم وجاز أن يقتصر على بعضهم كذلك إذا ذكر أصنافًا لم يجب أن يستغرقهم ويكون فائدة التخصيص في قوله: فقراء الفقهاء أنه لا يتعداهم ثم لا فرق عندنا بين الوصية والزكاة.
٢٠٢٩٨ - لأنه إذا قال وصيت بثلث مالي لفقراء الفقهاء وجب صرف جميع الثلث إليهم. كذلك عندنا يجب صرف جميع الصدقات إلى الأصناف والخلاف بيننا في صرف صدقة الواحد فأما جملة الصدقات فتصرف إليهم كالوصية.
стр. 4028
مسألة ١٠١٦
تصرف الصدقة لأهل البلد
٢٠٢٢٩ - قال أصحابنا: الأولى أن تصرف صدقة كل بلد لأهل بلده ولا تنقل عنها إلا أن يكون النقل إلى قوم هم (إليها أحوج) إليها أو ينقل الرجل الزكاة إلى ذوي أرحامه فإن نقل الزكاة لغير هذين الوجهين كره ذلك وأجزأه.
٢٠٣٠٠ - وهو أحد قولي الشافعي.
٢٠٣٠١ - وقال في القول الآخر لا يجزيه وعليه الاعتماد.
٢٠٣٠٢ - لنا: قوله تعالى: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ وهذا عام في جميع الفقراء وقال ﴿وفي أموالهم حق للسائل والمحروم﴾.
٢٠٣٠٣ - وقال النبي ﷺ : (أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائكم واردها في فقرائكم) وهذا خطاب للمسلمين فكأنه قال وأردها في فقراء المسلمين وهو عام.
٢٠٣٠٤ - فإن قيل: نقل الصدقة مكروه عندكم فكيف يحمل عليه الظاهر؟ قلنا لا يكره النقل عندنا إلى من هو أحوج ولا إلى ذي الرحم فيستدل بالظاهر في جواز النقل في هذين الموضعين وهو خلاف قولهم.
٢٠٣٠٥ - فيدل عليه ما روى ابن طاووس أن معاذ قال لأهل اليمن: (أئتوني
стр. 4029
الخميس واللبيس آخذه منكم في الصدقة مكان الذرة والشعير فإنه أيسر عليكم وأنفع لمن بالمدينة من المهاجرين والأنصار) فأخبر أن ينقل الصدقة إلى المدينة وإن كان في زمن أبي بكر فهو إجماع.
٢٠٣٠٦ - ولا يقال: أن هذا كان في الجزية؛ لأنه قال في الصدقة والجزية ليست بصدقة.
٢٠٣٠٧ - ولأن الجزية باليمن كانت دنانير قال (﵇) لمعاذ: (خذ من كل حالم وحالمة دينارًا) فكيف يأخذ؟ / الذرة والشعير وقولهم إن جزية بني تغلب تسمى صدقة؛ لأن تسمية بني تغلب لا يعتبر بها.
٢٠٣٠٨ - وقد قال عمر: (هذه جزية قسموها ما شئتم).
٢٠٣٠٩ - فإن قيل: من أين أنهم أعطوه؟ ومن أين لنا أن نغل؟ حتى تثبت الحجة بترك الإنكار.
٢٠٣١٠ - قلنا: روى ابن طاووس (أن معاذًا كان يأخذ عروضًا في الصدقة).
٢٠٣١١ - فدل انه أخذها فالظاهر أنه نقلها كما أخبر.
٢٠٣١٢ - فإن قيل: النبي ﷺ أمره أن يفرقها فيهم. فكيف ينقلها.
٢٠٣١٣ - قلنا: فهم من النبي ( ﷺ ) أن النقل يمنع منه إلا أن يكون غيرهم أحوج كما قال مخالفنا: أن النقل جائز إذا لم يوجد في البلد مستحق.
٢٠٣١٤ - فإن قيل: روى أن معاذًا قال: (من انتقل بصدقته من خلاف
стр. 4030
عشيرته) (إلى غير خلاف عشيرته فصدقته مردودة في خلاف عشيرته).
٢٠٣١٥ - قلنا: هذا دليل عليكم لظاهره يقتضي كونه في عشيرته وإن كانوا في غير موضع ماله.
٢٠٣١٦ - ويدل عليه ما روي أن عدي بن حاتم (نقل صدقة طيئ إلى قومها من بلاد طيئ وبلاد بني تميم إلى أبي بكر الصديق، فاستعان بها على قتال أهل الردة)، وهذا يدل من فعل رسول الله ﷺ وأبي بكر على جواز النقل.
٢٠٣١٧ - فإن قيل: يحتمل ألا يكون هناك مستحق.
٢٠٣١٨ - قلنا: يبعد أن تكون طيئ وبنو تميم وهما قبيلتان عظيمتان لا يوجد فيهما مستحق للصدقة وحمل الفعل على ما يبعد في الظاهر كحمله على ما يستحيل.
٢٠٣١٩ - ولأنها صدقة الغير فلم تختص بفقراء بقعة بعينها كالكفارات ولان الدفع صادف الفقير فصار كما لو دفعها إلى فقراء البلد الذي وجبت فيه.
٢٠٣٢٠ - ولأن من جاز الدفع إليه إذا كان في غيره كما لو لم يجد في بلده مستحقًا.
следующие страницы →