Полный текст (6 324 стр.). Показаны 4726–4765 · переход к 4731.
стр. 4726
مسألة ١١٥٠
تصرفات المكره
٢٣٧٤٤ - قال أصحابنا: طلاق المكره وعتاقه ويمينه ونكاحه ونذره يصح.
٢٣٧٤٥ - وقال الشافعي: لا يصح.
٢٣٧٤٦ - لنا: قوله تعالى (الطلق مرتان) فأثبت الرجعة عقيب التطليقتين ولم يفصل وقال: (فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجًا).
٢٣٧٤٧ - فإن قيل: القصد من الآية الأولى بيان الطلاق الرجعي ومن الثانية بيان التحريم بالثانية إلا بعد زوج.
٢٣٧٤٨ - قلنا: المعتبر العموم دون مقاصد المتكلم بالكلام وما خرج عليه.
стр. 4727
٢٣٧٤٩ - فإن قيل: إطلاق الطلاق يقتضي ما حصل مع الطوع ألا ترى: أن من طلق جاز للشهود أن يشهدوا عليه أنه طلق طائعًا.
٢٣٧٥٠ - قلنا: (ما ذاك) للإطلاق لكن لأنهم لم يعاينوا إكراهه فيصح أن يشهدوا تبعته عند الإيقاع ويدل عليه ما روى صفوان بن عمران الطائي أن رجلًا كان مع امرأته فأخذت السكين فجلست على صدره [ووضعت السكين على صدره]، فقالت: طلقني ثلاثًا البتة أو لأذبحنك فناشدها فأبت عليه فطلقها ثلاثًا فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: لا قيلولة في الطلاق ذكر محمد هذا الخبر في الأصل.
٢٣٧٥١ - فإن قيل: لا يقال: قيلولة وإنما يقال. إقالة والقيلولة من القايلة.
٢٣٧٥٢ - قلنا: قال أبو الفتوح بن جنى في شرح
стр. 4728
التصريف: ويقال: أقلت الرجل في البيع [إقالة وقِلت من القائلة قيلولة، وحدثني أبو علي أن أبا زيد قال: يقال قلته في البيع] وأقلت وأقلته جميعًا قال: ومعناه: أنك رددت عليه ما أخذت منه ورد عليك ما أخذ منك وهذا بناء يختص بمصادر المعتل نحو كينونة. وصيرورة وبينونة فتقول على هذا: في البيع قيلولة كما تقول: صار صيرورة وطار طيرورة وبان بينونة.
٢٣٧٥٣ - فإن قيل: يجوز أن يكون اعترف بالطلاق وادعى الإكراه.
٢٣٧٥٤ - قلنا: لا يجوز أن يعلق الحكم بغير السبب المنقول، ولأنه لو كان كذلك لم (نقبل قوله) فدل على أن المانع تعذر الفسخ. ويدل عليه ما روى عن حذيفة بن اليمان [أنه قال] ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أني خرجت أنا وأبي فأخذنا كفار
стр. 4729
قريش، فقالوا: إنكم تريدون محمدًا فقلنا: لا نريد إلا المدينة (فأخذوا منا عهد رسول الله ﷺ (وميثاقه لتنصرفن إلى المدينة ... ولا تقاتلا معه فأتينا رسول الله ﷺ فأخبرناه فقال: انصرفا فيا لهم بعهدهم ونستعين بالله عليهم فصح العهد مع الإكراه وأقر بالوفاء به وهذا يدل [على أن اليمين ينعقد بالإكراه والخلاف في الجميع واحد.
٢٣٧٥٥ - ويدل] عليه ما روى عطاء بن أبي رباح عن أبي روح عن أبي ماهل عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة.
٢٣٧٥٦ - ولا يخلو الطلاق المكره أن يجعل في طلاق الجد أو الهزل وأيهما كان وقع.
٢٣٧٥٧ - فإن قيل: فعل المكره نوع ليس بهزل ولا جد لأن الجاد من قصد اللفظ والفرقة والهازل من قصد اللفظ دون الفرقة، والمكره الذي قصد الدفع فهو نوع ثالث كفعل المجنون والصبي.
٢٣٧٥٨ - قلنا: الجاد هو غير اللاعب والهازل هو اللاعب وليس بين النفي
стр. 4730
والإثبات قسم زايد. فأما فعل المجنون فلا يدخل في التقسيم لأن الجد والهزل يكون في ذوي المقصود، ويدل عليه قوله ﷺ : (الطلاق لمن أخذ بالساق) يعني لمن أصابه وبيده النكاح ولم يفصل، ولأن الإكراه معنى يدل على فقد الاختيار، مع صحة القول فلا يمنع وقوع الطلاق كالهزل.
٢٣٧٥٩ - فإن قيل: الهازل قصد اللفظ ولم يقصد الوقع والمكره لم يقصد اللفظ فهو كالنائم.
٢٣٧٦٠ - قلنا: المكره قاصد إلى اللفظ ليدفع عن نفسه أعظم الضررين بأيسرهما. ألا ترى أنه لو قيل له لم طلقت؟ لقال: اخترت الطلاق على ذهاب نفسي، ولأنه معنى ينفي الرضا بزوال الملك فلم يمتنع وقوع الطلاق مع صحة القول كشرط الخيار.
٢٣٧٦١ - ولأنه معنى من جهة الأجنبي يزيل الاختيار، فلم يمنع وقوع الطلاق كالغضب ولأنه لو عين التي أكره على طلاقها طلقت وكل من وقع طلاقه على إحدى نسائه وقع على سائر نسائه كغير المكره ولأنه أرسل الطلاق على زوجته [وهو أهل الطلاق فوجب أن يقع منه كالهازل].
٢٣٧٦٢ - ولا يلزم الحاكي للطلاق لأنه لم يطلق زوجته. ولا يلزم المجنون لأنه ليس بمخاطب، ولأنه معنى يختص برفع الملك عن البضع فلا ينفيه الإكراه
стр. 4731
كالرضاع. ولا يلزم الردة، لأنها قد تزيل الملك وقد لا تزيل إذا ارتد الزوجان معًا ولأنها لا تختص بإزالة [الملك عن] البضع بل تزيل الملك عن سائر المملوكات.
٢٣٧٦٣ - فإن قيل: المعنى في الرضاع أنه فعل والإكراه لا يؤثر في الأفعال، والطلاق قول والإكراه يؤثر في الأقوال كالبيوع ولأن المجنون لو أعتق أمته لم تعتق ولو استولدها ثبت الاستيلاد، وكان الفرق بينهما أن أحدهما قول والآخر فعل.
٢٣٧٦٤ - قلنا: والإكراه قد يؤثر في الأفعال بدلالة المكره على شرب الخمر لا يجب عليه الحد وكذلك المكره على الزنا عندهم. والأقوال قد لا يؤثر فيها الإكراه لأنه إذا أكره الحربي على الإيمان صح إيمانه. ولأن المجنون إنما اختلفت أقواله وأفعاله لأن الجنون لا يقع في الأفعال ويقع في الأقوال، والإكراه يؤثر فيما يؤثر فيه عدم الاختيار كالبيع يؤثر فيه فقد الاختيار والطلاق لا يؤثر فيه ذلك.
٢٣٧٦٥ - ويدل عليه أن المكره مكلف، بدلالة أنه يجوز عليه أن يقتل ويزني وإن أكره على ذلك ومباح له أن يظهر كلمة الكفر، وواجب عليه أن يشرب الخمر ويأكل الميتة، فلما خوطب بالحظر والإباحة والإيجاب دل على أنه مكلف،
стр. 4732
والمكلف إذا خاطب زوجته بالطلاق وقع طلاقه كالغضبان.
٢٣٧٦٦ - احتجوا: بما روى أن النبي ﷺ قال: رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه.
٢٣٧٦٧ - والجواب: أن ظاهر الخبر متروك المعنى ولا يمكن اعتبار عمومه، وذلك لأن الظاهر رفع الفعل المسمى، والخطأ الذي وقع عليه الإكراه، ونحن نعلم أن هذه الأفعال موجودة غير مرتفعة فعلم أن المرفوع غير الفعل، فليس لهم أن يحملوه على رفع الفعل المضمر ولأن حكم الخطأ (لا يرتفع) بالإجماع بدلالة وجوب الدية وضمان الأموال فلم يبق إلا أن يحمل على المأثم.
٢٣٧٦٨ - فإن قيل: روى هذا الخبر بألفاظ منها (عفي لأمتي) [ومنها تجاوز] ومنها (رفع) فيحمل رفع على معنى اللفظين.
٢٣٧٦٩ - قلنا: [هذا يحقق ما قلنا: أن العفو] والتجاوز يستعمل في رفع المأثم –وهو فيه أظهر- كلفظ الرفع، فالواجب حمل لفظ الرفع عليه.
٢٣٧٧٠ - فإن قيل: الخبر يقتضي رفع المكره عليه وعندنا الطلاق لا يقع فقد قلنا بالخبر.
٢٣٧٧١ - قلنا: الطلاق بعض ما دخل تحت العموم والخبر يقتضي رفع كل فعل
стр. 4733
خطأ ومكره عليه وقد أجمعنا أن ذلك لا يرتفع- وإن اختلفنا في الطلاق، وإذا انتفى الظاهر في مواضع الاتفاق لم يقدح في كلامنا ما ينفرد مخالفنا به في موضع الخلاف.
٢٣٧٧٢ - فإن قيل: الذي استكره عليه هو وقوع الطلاق فيجب أن يكون مرفوعًا.
٢٣٧٧٣ - قلنا: هذا غلط إنما يكره على اللفظ والحكم لا يصح الإكراه عليه لأنه ليس من فعله فلم يبق إلا أن يكون المرفوع اللفظ وذلك غير مرتفع باتفاق فعلم أن الذي رفع بالإكراه هو المؤاخذة والمأثم.
٢٣٧٧٤ - فإن قيل: الطلاق لا مأثم فيه فكيف ينتفي عنه المأثم بالإكراه، ولا مأثم فيه مع عدم الإكراه.
٢٣٧٧٥ - قلنا: هذا غلط لأن الطلاق فيه مأثم إذا وقع في حال الحيض وعقيب الجماع أو جمع في لفظ واحد وهذا المأثم يرتفع بالإكراه. ثم هذا غلط؛ لأنا إذا بينا بالدلالة التي قدمناها أن معنى الخبر رفع مأثم الخطأ وذلك لا يوجد في الطلاق وتناول الخبر ما يأثم بفعله فينتفي (عنه المأثم/) بالإكراه وخرج الطلاق من اللفظ وعلمنا أنه يتناوله.
٢٣٧٧٦ - احتجوا: بما روت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: لا طلاق في إغلاق.
٢٣٧٧٧ - قالوا: قال أبو عبيد وابن قتيبة الإغلاق: الإكراه.
стр. 4734
٢٣٧٧٨ - والجواب: عن هذا الخبر ذكره البخاري في تاريخه فقال: قال أحمد بن حنبل حدثنا سعد بن إبراهيم وهو أبو إسماعيل الزهري قال: حدثني أبي عن محمد ابن إسحاق قال: حدثني ثور بن يزيد الكلاعي عن محمد بن عبيد بن أبي صالح المكي قال: حججت مع عدي بن عدي
стр. 4735
الكندي فبعثني إلى صفية بنت شيبة بنت عثمان حاجب الكعبة لأسألها عن أشياء سمعتها عن عائشة ﵂ [عن النبي ﷺ ] [فكان فيما حدثني أنها] [سمعت عائشة ﵂] تقول سمعت النبي ﷺ يقول: لا طلاق ولا عتاق في إغلاق.
٢٣٧٧٩ - وكذلك رواه الدارقطني ثم رواه عن محمد من طريق قزعة ابن سويد قال: حدثنا زكريا بن إسحاق ومحمد بن عثمان عن صفية
стр. 4736
بنت شيبة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: لا طلاق ولا عتاق في إغلاق وقزعة عندهم واهي الرواية وكل واحد من الحديثين لم يخرجه البخاري ولا مسلم وقولهم أنا ابا عبيد وابن قتيبة فسرا الحديث وقالا: الإغلاق: الإكراه.
٢٣٧٨٠ - ولم يذكر أبو عبيد هذا الحديث [وإنما ذكره [القتبي ولم يبين من أين قال ذلك، وليس هو حجة عن أهل العربية.
٢٣٧٨١ - وقد ذكر] ابن دريد، وهو الحجة، غَلَقَ الرجل يغلق: إذا ساء خلقه، ويقال غلق الرهن يغلق: إذا ذهب بالدين.
٢٣٧٨٢ - وليس يستعمل غلق في اللغة إلا في أحد هذين الوجهين. وقال القتبي: غلق إذا غضب وهو قريب مما قال ابن دريد، وقد استعمل غلق في الخبر استعارة من غلقان: الرهن وجاء ذلك في أشعارهم:-
стр. 4737
وفارقتك برهن لا فكاك له .... يوم الوداع فأمسى الرهن قد غلقا.
٢٣٧٨٣ - وقال ابن أبي ربيعة:
وكم من قتيل لا يباء به دم .... ومن غلق رهنًا إذا ضمه منى.
٢٣٧٨٤ - نقول: من ذلك غلق غلاقًا فهو غلق. والخبر الثابت (لا طلاق ولا عتاق في غلاق: أي لا يطلق الرجل المحب للمرأة ولا يعتق المولى المحب، لأن نفسه تتبعها ولا يقدر عليها، وهذا معنى قوله (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمرًا) فإن صح اللفظ الآخر وهو لا طلاق في إغلاق فهو من هذا أيضًا، لأنه يريد أن غيره أدخله في هذا، فتقول: أغلقه غيره إغلاقًا فهو مغلق، والعرب تجعل العاشق مرة فاعلًا ومرة مفعولًا.
٢٣٧٨٥ - قال الشاعر
تامت فؤادك لن تنجزك ما وعدت .... إحدى نساء بني ذهل بن شيبانا.
стр. 4738
٢٣٧٨٦ - وكذلك يقال متيم ومشغوف ومستهام ومستطار وهذه أسماء المفعول به قال الله تعالى: (قد شغفها حبًا) فجعلها وهي العاشقة مفعولًا بها وجعله وهو المعشوق فاعلًا فعلى هذا يحتمل الإغلاق وإن ثبتت الرواية كأنه قال: في حال الإغلاق من يحبه إياه يوضح هذا قول بشر بن أبي خازم:
فإن يكن للعقليات شطت .... بهن وبالرهينات الديار.
٢٣٧٨٧ - فسمى القلوب رهينة فهذا معنى غلق وأغلق.
٢٣٧٨٨ - فأما حمله على الإكراه فلا وجه له في اللغة فلا يجوز التشاغل به وإن حملنا اللفظ على الغضب –كما قال ابن قتيبة- وهو قريب من تغير الخلق الذي اله ابن دريد فكأنه ﵇ نهى عن الطلاق في حال الغضب، لأن الإنسان يندم عند سكون غضبه في العادة.
стр. 4739
٢٣٧٨٩ - وقد حمل أصحابنا الخبر على الجنون وقالوا: المجنون المغلق عليه في الحقيقة، لأن إطلاقه لا يقع بوجه. فأما المكره فيقع طلاقه في حال الإكراه على سائر نسائه، وعلى المرأة التي أكره على طلاقها، إن اختار ذلك. إلا أن الذي تقتضيه العلة على ما قدمنا.
٢٣٧٩٠ - قالوا: روي عن عمر وعلي وابن عباس وابن الزبير أن طلاق المكره لا يقع، ولا مخالف لهم.
٢٣٧٩١ - قلنا: روى عمرو بن شرحبيل أن امرأة كانت مبغضة لزوجها فراودته على الطلاق فأبى، فلما رأته نائمًا قامت إلى سيفه فوضعته على بطنه ثم حركته برجلها، فلما استيقظ قالت له: والله لأنحرنك أو تطلقني، فطلقها ثلاثًا فرمت بالسيف، فأتى عمر بن الخطاب ﵁ فاستغاث به، فشتمها وقال: ويحك ما حملك على صنعك فقالت: بغضي إياه، فأمضى طلاقه.
стр. 4740
٢٣٧٩٢ - وروى عن –علي كرم الله وجهه- أنه قال: كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه والصبي. وقد أوقع طلاق المكره ابن المسيب وعمر بن عبد العزيز.
٢٣٧٩٣ - والشعبي والنخعي وأبو قلابة والزهري.
٢٣٧٩٤ - قالوا: لفظ محمول عليه بغير حق فلم يقع به الطلاق كالإقرار بالطلاق.
стр. 4741
٢٣٧٩٥ - قلنا: حكم الإقرار يخالف الإيقاع، بدلالة أن من أكره حتى أقر بالرضاع لم يثبت التحريم ولو أكرهت المرأة على الرضاع تعلق به التحريم فلم يعتبر أحدهما بالآخر. والمعنى في الإقرار أنه إخبار عن أمر ماض والخبر يحتمل الصدق والكذب، فإذا أقر طائعًا فالظاهر الصدق، لأن العاقل لا يكذب إلا في المنفعة أو لدفع مضرة، ولم يوجد منها. والظاهر أنه صادق، فإذا كان هناك إكراه فالظاهر أنه أقر ليدفع عن نفسه الضرب، فزال ذلك الظاهر حمل قوله على الصدق، فلم يقع الطلاق.
٢٣٧٩٦ - فإن قيل: لم سويتم بين الإكراه على النكاح وعلى الإقرار بالنكاح.
٢٣٧٩٧ - قلنا: بل فرقنا بينهما كالطلاق. وإن اكره على النكاح انعقد، وإن أكره على الإقرار بالنكاح لم يثبت.
٢٣٧٩٨ - قالوا: إذا أكره على الإجارة أو على الإقرار بالإجارة صح عندكم فاستويا.
٢٣٧٩٩ - قلنا: ما استويا، فإنه إذا أكره انعقدت الإجارة، وثبت خيار الفسخ. فإن أجازها جازت، وإن فسخها انفسخت فإذا أقر بها لم يحكم بها.
٢٣٨٠٠ - فإن قيل: عند أبي حنيفة ﵁ إذا قلا لمن لا يولد لمثله: هذا ابني عتق، وإن كان كاذبًا فيبطل أن يقال: إن الإقرار يحمل على الصدق والكذب والصدق الظاهر.
٢٣٨٠١ - قلنا: الإقرار بالنسب إيقاع قربة عندنا، فكأنه قال: هذا ابني وهو حر معتق لمعنى الإيقاع لا لمعنى الإخبار.
٢٣٨٠٢ - قالوا: معنى يسقط الإقرار بالطلاق فَيُسقط الحكم بإيقاع الطلاق كالصغر والجنون.
٢٣٨٠٣ - قلنا: يبطل بالهزل لو قارب الإيقاع لم يؤثر فيه ولو قارب الإقرار منع الوقوع بينه وبين الله تعالى، ولأن الصبي والمجنون لو قصد إيقاع الطلاق لم يقع، لأنهما ليسا من أهله، والمكره من أهل الطلاق بدلالة أنه لو قصد الطلاق وقع. ولو
стр. 4742
طلق امرأة أخرى فكذلك لم يمنع الإكراه من وقوع طلاقه، كما لا يمنع هزله وقوع الطلاق.
٢٣٨٠٤ - قالوا: كل لفظ يقع التحريم والفرقة به إذا كان مختارًا لم يقع إذا كان مكرهًا، ككلمة الكفر.
٢٣٨٠٥ - قلنا: كلمة الكفر لا تقع الفرقة بها، وإنما تقع باعتماد الكفر، بدلالة أنه لو نوى الكفر ولم يتكلم به وقعت الفرقة. ولو نوى أنه يكفر إلى عشر سنين كفر في الحال. ولو نوى الطلاق لم يقع.
٢٣٨٠٦ - فعلمت: أن الكفر يعتبر فيه الاعتقاد، والإكراه يمنع الحكم بالاعتقاد في الظاهر، فلم تقع الفرقة. والطلاق يعتبر فيه إرسال اللفظ في زوجته مع التكليف، وهذا المعنى موجود في طلاق المكره.
٢٣٨٠٧ - فإن قيل: حكم الكفر أيضًا قد يتعلق بمجرد اللفظ بدلالة أن الهازل بالكفر كافر لوجود اللفظ دون الاعتقاد.
٢٣٨٠٨ - قلنا: هناك لا يكفر باللفظ لكن باستخفافه بالإسلام.
٢٣٨٠٩ - قالوا: قول يزول به الملك، فوجب أن يمنع الإكراه نفوذه كالبيع.
٢٣٨١٠ - قلنا: لا فرق بين الطلاق والبيع عندنا في أن الإكراه لا يمنع انعقاد كل واحد منهما وقوعه، إلا أن البيع يثبت فيه الفسخ لعدم الرضا، والإكراه ينفي الرضا، كما ينفيه الخيار، فيفسخ بعد وقوعه. ولو لم يحل الفسخ فأجازه جاز، والطلاق يقع ولا يلحقه الفسخ بعد وقوعه وإن عدم الرضا كما لا ينفسخ بشرط الخيار.
٢٣٨١١ - قالوا: علم ظاهر يدل على فقد الإرادة مع كونه معذورًا فيه، كالصبي والمجنون.
стр. 4743
٢٣٨١٢ - قلنا: قولكم علم يدل على عدم الإرادة لا معنى له، لأن الصبي والمجنون لو أرادا الطلاق لم يتعلق بإرادتهما حكم/ وقولكم: مع كونه معذورًا تحترزون به عن السكران والعلة تنقضي به لأن السكران غير معذور في الشرب وهو معذور في السكر، لأنه من فعل الله تعالى.
٢٣٨١٣ - والمعنى في الصبي والمجنون أن أقوالهما لا يتعلق بها حكم لفقد الخطاب ولهذا لو قصدا الطلاق لم يقع والمكره يتعلق بأقواله حكم بدلالة أنه لو طلق لا يقصد دفع ما هُدد به وقع طلاقه (لعدم الرضا) بزوال الملك لا يمنع الطلاق.
стр. 4744
مسألة ١١٥١
طلاق السكران
٢٣٨١٤ - قال أصحابنا: يقع طلاق السكران.
٢٣٨١٥ - وقال أبو الحسن، والطحاوي لا يقع طلاقه.
٢٣٨١٦ - وهو أحد قولي الشافعي.
٢٣٨١٧ - لنا: أن السكران مكلف بدلالة قوله تعالى: (لا تقربوا الصلاة وأنتم سكرى) والنهي لا يتناول إلا المكلف.
٢٣٨١٨ - وروى أن عمر بن الخطاب ﵁ استشار أصحابه في حد الشرب فقال علي ﵁: إذا شرب سكر، فإذا سكر هذى فإذا هذى: افترى،
стр. 4745
وحد المفتري ثمانون.
٢٣٨١٩ - فدل على أن السكران مكلف يجب عليه الحد، ولأن مخالفنا لا يخلوا إما أن يقول لا يجب الحد بقذفه، ولا القصاص في قتله، أو يقول يجب ذلك، فإن أوجب فهو مكلف، وإن لم يوجب ذلك كان فاسدًا، لأن كل إنسان يسكر ثم يقتل، فلا يلزمه شيء، فيؤدي إلى إبطال حرمة الدماء والأعراض وهذا لا يصح، لأن الله تعالى أوجب القصاص صيانة للناس، فإذا ثبت تكليفه.
٢٣٨٢٠ - قلنا: طلاق من مكلف في ملكه، فصار كغير السكران.
٢٣٨٢١ - ويدل عليه قوله ﷺ : (كل الطلاق جائز إلا طلاق المعتوه والصبي).
стр. 4746
٢٣٨٢٢ - ولأن السكر معنى يتعلق به الحد، فلا يمنع وقوع الطلاق كالزنا.
٢٣٨٢٣ - ولأن لا نعلم السكر إلا بقوله، والسكر فسق، والفاسق لا يقبل خبره، ولأن السكر معصية، والمعاصي يستحق بها التغليظ.
٢٣٨٢٤ - فلو قلنا: إن طلاقه لم يقع لجعلنا المعصية سببًا للتخفيف، وهذا لا يجوز.
٢٣٨٢٥ - فإن قيل: لو كسر رجل جاز أن يصلي قاعدًا، وإن كان سبب ذلك معصية.
٢٣٨٢٦ - قلنا: كسر الرجل لا يلتذ به والسكر يلتذ به ويعتقده من كمال المسرة فلذلك عوقب ببقية التكاليف وكسر الرجل لا يلتذ به حتى يتيقن التكليف معه.
٢٣٨٢٧ - احتج أبو الحسن: أن زوال العقل بشرب الشراب كزواله بشرب البنج فإن لم يقع الطلاق في أحد الموضعين كذلك الآخر.
٢٣٨٢٨ - والجواب: أن شرب البنج في العادة لا يقع على وجه المعصية، وإنما يقع
стр. 4747
على وجه التداوي، ثم يفضي (إلى زوال العقل، فلم يعاقب ببقية التكليف.
٢٣٨٢٩ - وإذا زال التكليف، لم يقع الطلاق، وليس كذلك شرب النبيذ– لأنه يقع في الغالب على وجه المعصية، فعوقب ببقاء التكليف في حقه، فوقع طلاقه.
٢٣٨٣٠ - فإن قيل: إذا شرب البنج على وجه المعصية، ينبغي أن يقع طلاقه.
٢٣٨٣١ - قلنا: الغالب من أمر الناس، أنهم يشربون البنج لغير المعصية، والحكم يتعلق بالغالب، ولأن العادة أن الأنسان يشرب البنج ويتظاهر زوال العقل، وهو يعقل، فلذلك لم يحكم بطلاقه، وفي العادة أن الإنسان يشرب الشراب، ويظهر السكر، وعقله ثابت، فعوقب بإيقاع الطلاق للتهمة.
٢٣٨٣٢ - قالوا: زائل العقل، فلم يقع طلاقه كالمجنون.
٢٣٨٣٣ - قلنا: المعنى فيه زوال التكليف، وسقوط الحد عنه والقصاص والسكران بخلاف ذلك.
٢٣٨٣٤ - فإن قيل: لو ارتد لم يحكم بردته.
٢٣٨٣٥ - قلنا: إذا أسلم حكمنا بإسلامه، فإذا ارتد لم يحكم بردته استحسانًا، لأن الردة تتعلق بالاعتقاد والسكران في الطلاق يعتقد والطلاق يتعلق بالقول دون الاعتقاد.
стр. 4748
٢٣٨٣٦ - فإن قيل: لو أقر بالحد لم يلزمه.
٢٣٨٣٧ - قلنا: لأن الإقرار بالحد من شرطه أن يثبت على المقر عليه، ولهذا سقط برجوعه، والسكران في العادة لا يثبت على ما يقوله.
стр. 4749
مسألة ١١٥٢
الطلاق بالحساب
٢٣٨٣٨ - قال أصحابنا: إذا قال لامرأته، أنت طالق واحدة في اثنتين وقعت واحدة، وإن أراد الضرب والحساب.
٢٣٨٣٩ - وقال الشافعي: إن قال: أردت به واحدة مقرونة باثنتين، فهي ثلاث، وإن قال: أردت الحساب، وهو من أهل الحساب، فهي اثنان وإن لم يكن له بينة، والمنصوص أنها طلقة واحدة.
٢٣٨٤٠ - وقال الماروزي: طلقتان وإن لم يكن من أهل الحساب، وإن قال أردت موجبها عند الحساب ففيها وجهان.
٢٣٨٤١ - لنا: أن الضرب يصح فيما له: مساحة، فأما ما ليس له مساحة فحقيقة الضرب لا توجد فيه، وإنما معناه ثنتين ضوعفت مرة، فصارت أربعًا، فإذا قال: أنت طالق كذا في كذا، فلفظ الإيقاع وجد المضروب [ولم يوجد المضروب به] فيه فلم يقع، ولأن ما دخل عليه حرف في الطلاق أما أن يجعل شرطًا أو ظرفًا، كقوله: أنت طالق في دخولك الدار أن يكون مشروطًا، والثاني يقول: أنت طالق في الدار. فيكون ذكر الدار ظرفًا وقد بطل في مسألتنا أن يكون شرطًا، فلم يبق إلا أن
стр. 4750
يكون) ظرفًا.
٢٣٨٤٢ - احتجوا: بأن قوله: ثنتين في ثنتين عبارة عن أربعة في عادة الحساب، فمعنى ذلك لغة كأنه قال: أربعة في أخرى.
٢٣٨٤٣ - قلنا: إن قلتم إن هذا الذي ادعيتموه لغة لم يصح، لأن العرب لا تعرف ذلك، وإن قلتم: إنه في عادة الحساب فمعنى ذلك في عادتهم ثنتين ضوعفت مرة واحدة لضعفين لم ينضم إليه إيقاع، فلا يقع به شيء.
٢٣٨٤٤ - قالوا: قوله: أنت طالق إيقاع، وقوله اثنتين في ثنتين، تفسير، فيصير كقوله: أنت طالق هكذا، وأشار بأصابعه.
٢٣٨٤٥ - قلنا: إذا أشار فكأنه قال: أنت طالق هذا العدد. فإذا قال: ثنتين في ثنتين فإنما جاء بحرف الظرف، وذلك ليس بتفسير، ولا معه لفظة إيقاع فلم يقع به شيء.
стр. 4751
مسألة ١١٥٣
[إضافة الطلاق إلى الجزء المعين الذي لا يعبر به عن جميع البدن]
٢٣٨٤٦ - قال أصحابنا: إذا قال يدك طالق، أو شعرك طالق، لم يقع الطلاق.
٢٣٨٤٧ - وقال الشافعي: إذا أوقع الطلاق على جزء يتصل به اتصال خلقة، وقع الطلاق.
٢٣٨٤٨ - واختلف أصحابه، فمنهم من قال: يقع الطلاق على العضو، ثم يسري.
٢٣٨٤٩ - ومنهم من قال: يقع ابتداء على جميعها.
٢٣٨٥٠ - لنا: قوله تعالى: (يأيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) فأمر بطلاق النساء ولم يأمر بطلاق اليد، فلم تطلق المرأة فلا يقع طلاقه ولأن الطلاق طريقة للأقوال، أو فيما أقيم مقامها، فإذا أضافه إلى جزء معين، لم يجز أن [يعتلق به، ثم يسري إلى البدن، كالبيع. أو نقول: فإذا أضافه إلى جزء معين لم يجز أن] يقع على الجملة كالمبيع، وإنما تغير الحكم لاختلاف مذهبهم حتى يتناول الحكم الطريقين. ولا يلزم إذا كان له قصاص في يد فعفي عنه.
٢٣٨٥١ - لأنه يسري إلى الجملة ولا يتعلق بالجملة. ولا يلزم إذا قال: رأسك طالق، أو رقبتك طالق أو فرجك طالق، لأن الطلاق يصح بذلك كما يقع البيع بالإضافة.
٢٣٨٥٢ - فإن قيل: البيع لا يجب تكميله، ولا يسري بما يقع عليه إلى غيره،
стр. 4752
وليس كذلك الطلاق، لأنه يجب تكميله. ألا ترى أن أحد الشريكين في العبد إذا أعتق نصيب شريكه، لم يعتق، وإن كان العتق يسري، لأن الوقوع لم يصح، فلم يسر، كذلك في مسألتنا.
٢٣٨٥٣ - قلنا: اختلفا في الوقوع، فإذا لم نسلم لهم صحة الوقوع، لم تصح السراية، ولأنه تصرف تختص صحته بالملك، فوجب أن لا يصح إضافته إلى طرف بعينه كالبيع. أو نقول إذا أضيف على الطرف لم يقع على الجملة كالبيع.
٢٣٨٥٤ - ولأن الطلاق لو أضافه إلى جزء معين، لم ينعقد على الجملة، فإذا أضاف رفع العقد إلى جزء معين، لم يصح كالإقالة، ولأن ما لا يصلح إضافة الوصية إليه لا يصح إضافة الطلاق إليه، كما لو قال: ريقك طالق ودمك طالق، وحملك طالق، ولا يلزم الرأس لأنه يصح إضافة الوصية إليه.
٢٣٨٥٥ - فإن قيل: المعنى فيه أنه ليس متصل بها، وإنما هو مودع فيها، ولهذا ينفصل منها بغير قطع.
٢٣٨٥٦ - قلنا: اتصال الدم بها، كاتصال الصفراء بالكبد، والظفر، واتصال الدم يقف على الجراحة كما أن اتصال الظفر يقف على ذلك، والدم أخص في التركيب من الظفر لأن النفس تفوت بفقده، ولا تفوت بفقد الظفر ولأن الطلاق معنى يختص بالنكاح.
٢٣٨٥٧ - قالوا: إطلاق قوله تعالى: (الطلق مرتان) يقتضي عدم التقيد بالنساء.
стр. 4753
٢٣٨٥٨ - والجواب: أنهم أجمعوا أن المراد به طلاق النساء، ولهذا لم تطلق المرأة. يبين ذلك أنه قال: (الطلق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسن) أمر بإمساك المطلقة، أو تسريحها، ثم قال: (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) يعني المرأة، فدل على أن المراد بالآية طلاق النساء، أو طلاق المرأة ومن طلق عضوا منها لم يطلقها.
٢٣٨٥٩ - قالوا: أشار بالطلاق إلى ما اتصل بها اتصال خلقة، فوجب أن يكون في باب الوقوع، كالإشارة إلى الجملة.
٢٣٨٦٠ - أصله: إذا قال رأسك طالق.
٢٣٨٦١ - قلنا: الأصل غير مسلم، لأنه متى أشار بالطلاق إلى الرأس/ المتصل بها، والفرج الذي هو العضو لم يقع الطلاق، وإنما يقع الطلاق، إذا ذكر الرأس، وهو يريد الجملة، إذا طلق، وذلك ليس إشارة إلى المتصل بها، فالأصل غير مسلم، وينتقض بالحمل، لأنه جزء من الأم، يعتق بعتقها ويدخل في بيعها، وهو متصل لا ينفصل إلا بالقطع، فكذلك الدم المتصل بها اتصال خلقة لو أضاف الطلاق إليه لم يقع.
٢٣٨٦٢ - قالوا: طلق جزءًا استباحه بعقد النكاح، وهو من أصل الطلاق، فوجب أن يقع الطلاق عليها، كالجزء الشائع.
٢٣٨٦٣ - قلنا: الجزء الشائع لا يمكن استباحته لجهالته، ولا تصلح الإشارة إليه حتى يستمتع به، ولأن الأصل غير مؤثر، لأنه أوقع الطلاق على ما استباح قبل النكاح، وهو الظفر، وأهداب العين، فوقع عندهم.
стр. 4754
٢٣٨٦٤ - فإن قيل: إنما يستباح قبل النكاح النظر، فأما الاستمتاع، والنظر بشهوة، فإنما أباحه النكاح.
٢٣٨٦٥ - قلنا: الظفر وأهداب العين لا يستمتع بها، ولا ينظر إلى الظفر بشهوة، والمعنى في الجزء الشائع، أنه يصح إضافة الوصية إليه والبيع، فصح إضافة الطلاق إليه، والجزء المعين بخلاف ذلك، ولأن زوال الملك يجوز أن يختص) بجزء شائع، ويحرم الجمع. فإن جعلوا أصل هذه العلة الوجه والرأس فقد بينا الكلام عليه.
٢٣٨٦٦ - وقد فرق أصحابنا بين الظفر والرأس فقالوا: الرأس يعبر به عن جميع البدن، يقال عند فلان كذا رأسًا من الرقيق، ويعبر بالرقبة عن الجميع. قال الله تعالى (فتحرير رقبة) وقال تعالى (فك رقبة)، وقال (وفي الرقاب). والوجه يعبر به عن الجملة قال الله تعالى: (ويبقى وجه ربك) أي ذاته. وتقول: جاءني وجه العشيرة. والفرج يعبر به عن الجملة يقولون: فلان قال: ملكت كذا فرجًا، وليس كذلك الأنملة، وطرف الظفر، والشعرة الواحدة، لأنه لا يعبر بها عن الجملة.
٢٣٨٦٧ - فإن قالوا: قد ذكر الله تعالى اليد، وأراد بها الجملة قال الله تعالى: (ذلك بما قدمت يداك)، وقال: (تبت يدا أبي لهب وتب) وقال الله
стр. 4755
تعالى: (لهم قدم صدق عند ربهم)، ويقال: تساوت الأقدام، وأعلا الله كعبك، وحيا الله هذه اللحية، ولفلان الوبر يعني: الجمال، ولفلان الشعر: يعني الغنم.
٢٣٨٦٨ - قلنا: هذا الكلام تكلف من مخالفنا، لأنه قد ثبت بالدليل الذي ذكرناه أن الرأس الذي والرقبة يعبر به عن جميع البدن، [ولا خلاف أن طرف الظفر لا يعبر به عن جميع البدن]، فقد صح لنا الفرق في موضع الخلاف، واعتبار اليد دون البدن، لأن الاسم الذي يتناولها لا معنى للتشاغل به، وعندهم أن الحكم لا يتعلق بما يعبر به عن اليد دون غيره.
٢٣٨٦٩ - فإن قيل: نحن لا نسلم أن الرأس يعبر به عن جميع البدن، ومعنى قوله كذا وكذا رأس أي رأس.
٢٣٨٧٠ - قلنا: الرأس في الحقيقة اسم العضو، وقد صار في العرف الذي ذكرناه اسمًا لجميع البدن، فلم يثبت مثل هذا العرف فيما ذكروا، ولو ثبت لسوينا بينهما، والمجاز لا يقاس عليه، لأنه لو فعل ذلك صار حقيقة، ولابد أن يكون أبو حنيفة عرف عادة في الاستعمال، لم يعرفها في هذه الأعضاء، فعلق الحكم بها، والعرف يأخذ الثاني عن الأول، فلم يلزم الأول إتباع الثاني فيه إلا أن يثبت بغير العرف.
٢٣٨٧١ - فإن قيل: إذا كان الرأس في الحقيقة اسمًا للعضو وبالعرف لجميع البدن فالواجب أن لا يحمل على أحدهما بغير نية.
٢٣٨٧٢ - قلنا: إنما حمله أبو حنيفة على ذلك لعرف شاهده بحاضر الاسم، ولا
стр. 4756
شبهة لمعرفته بالحال. على أن أصحابنا تكلموا على ما أورده فقالوا: قوله (تبت يدا أبي لهب وتب). ليس المراد به الجارية ولا الجملة، وإنما المراد العمل معناه: خسر عمله ثم قال (وتب) ولو كان المراد بالأول الجملة لكان مكررًا.
٢٣٨٧٣ - وقوله: (بل يداه مبسوطتان) المراد به: القدرة وقوله (فبما كسبت أيديكم) المراد به الجارحة، لأن الكسب يقع بها غالبًا. وقوله ﵊: على اليد ما أخذت حتى ترد أي على ذي اليد بحذف المضاف. وقوله تعالى: (لهم قدم صدق) المراد به عمل يتقدمون به. وفي قوله: (أعلا الله كعبه) معناه: عمله. وقولهم: لفلان الوبر [ولفلان الشعر] يدل على أن الشعر والوبر يعبر به عن الإبل والغنم وليس في ذلك دلالة على أنه يعبر عن الآدمي.
٢٣٨٧٤ - وقولهم: حيا الله لحيتك المراد به نفس اللحية لا الجملة وإنما أضاف اللحية إليها لأن الجمال والتمييز يقع بها، وجملة هذا أن يتناول الرأس الجملة مجازًا. فإن ادعى مخالفنا أن غير ذلك يعبر به عن) الجملة على طريق المجاز عرفا فلم يثبت هذا العرف عند أبي حنيفة ﵁ ولو ثبت قال به. والاستعمال في المجاز لا يثبت بالقياس.
٢٣٨٧٥ - فإن قيل: إذا أطلق الرأس يتناول الجملة فإذا أضيف يتناول العضو.
стр. 4757
نقول: هذا رأس فلان.
٢٣٨٧٦ - قلنا: وقد يضاف ما يراد به الجملة كما يقول: ذاتك ونفسك.
стр. 4758
مسألة ١١٥٤
لا يستحلف في النكاح
٢٣٨٧٧ - قال أبو حنيفة: لا يستحلف في النكاح.
٢٣٨٧٨ - [وقال أبو يوسف ومحمد: يستحلف فيه].
٢٣٨٧٩ - وبه قال الشافعي.
٢٣٨٨٠ - لنا: أن حبسه لا يجوز أن يستوفى بالنكول فلا يستحلف فيه حد الزنا، ولا يلزم بالقصاص. لأن حبسه ليستوفى النكاح، فإذا لم يستحلف في أحدهما، لم يستحلف في الآخر، لأن كل واحد منهما أخذ ما يستوفى به منفعة البضع، ولأن بذله لا يصح، بدلالة أن استيفاءه مع البذل كاستيفائه من غير بذل في الحكم المتعلق به نصًا، كحد الزنا.
٢٣٨٨١ - فإن قيل: لا نسلم أن بذله لا يصح، لأنها إذا تزوجته فقد بذلت نفسها، وإذا وطئها في النكاح فقد استوفى المنافع بالبذل، وحكم هذا الاستيفاء مخالف للاستيفاء من غير بذل.
٢٣٨٨٢ - قلنا: وطء الزوج ليس هو استيفاء بالبذل، لكن بحق الملك، وكذلك المرأة إذا تزوجت، فلم تبذل المنافع، وإنما بذلت العقد.
стр. 4759
٢٣٨٨٣ - احتجوا: بقوله ﷺ : (البينة على المدعي واليمين على المدعي عليه.
٢٣٨٨٤ - والجواب: أن هذا عموم مخصوص بما ذكرنا.
٢٣٨٨٥ - قالوا: ما جاز أن يثبت بالإقرار جاز أن يستحلف فيه كالمال.
٢٣٨٨٦ - قلنا: يبطل بالزنا.
стр. 4760
مسألة ١١٥٥
المطلقة في مرض الموت ترث وهي في العدة
٢٣٨٨٧ - قال أصحابنا: إذا أبان المريض امرأته فمات وهي في العدة، ورثت منه.
٢٣٨٨٨ - وقال الشافعي: -في أحد قوليه- لا ترث.
٢٣٨٨٩ - لنا: إجماع الصحابة ﵃. وروى المغيرة عن إبراهيم، كتب عمر
стр. 4761
إلى شريح فقال: كان فيما جاءني به عوف البارقي من عبد الله بن عمر) ﵁ في الذي يطلق امرأته وهو مريض ترث ما كانت في العدة.
٢٣٨٩٠ - وروى الشعبي أن أم البنين ابنة عيينة بن حصن، كانت تحت عثمان بن عفان، فلما حضر طلقها، [فجاءت إلى علي بن أبي طالب بعد ما قتل، وأخبرته بذلك فقال: تركها حتى أشرف على الموت فارقها] فورثها.
٢٣٨٩١ - وروى هشام بن عروة، عن أبيه،
стр. 4762
عن عائشة ﵂ قالت: إذا طلق الرجل امرأته في مرضه، فانقضت العدة، فلا ميراث بينهما. وروى سفين بن حبيب عن رجل من قريش عن أبي بن كعب قال: إذا طلقها، وهو مريض، ثم مات ورثت منه.
٢٣٨٩٢ - وعن ابن عباس، وعروة بن الزبير مثله، وروى أن عبد الرحمن بن عوف طلق امرأته تماضر بنت الأصبغ الكلبية فدخل عليه عثمان يعوده، فأشهده على طلاقها، فقال له عثمان ﵁: أما أنك لو مت في مرضك، ورثتها منك، فقال: أما إني لم أطلقها فرارًا من كتاب الله، قال: ذلك ما تقوله، فمات في مرضه ذلك، فورثها عثمان، فأصابها ربع الثمن ثمانون ألفًا، وهذا بحضرة الصحابة من
стр. 4763
غير نكير.
٢٣٨٩٣ - فإن قيل: عبد الله بن الزبير مخالف، لأنه قال: ورث عثمان تماضر ولو كنت أنا لم أروثها، وروى أنه قال: وأما أنا فلا أورث مبتوتة.
٢٣٨٩٤ - قلنا: ابن الزبير قال هذا بعد معاوية، في إمارته، والإجماع سبق قوله، فكيف يعتد بقوله على الإجماع، ولم يكن ابن الزبير ممن يجتهد مع عمر، وعثمان، وعلي، وعائشة ﵂، وإنما قال هذا بعد مضي عصرهم، فالإجماع سبق، على أن قوله: ورثها عثمان، ولو كنت أنا لم أورثها يجوز أن يكون معناه: استدراك من هذا الحكم، ما لو كنت أنا لم يقع لي، وقوله: أما أنا فلا أورث مبتوتة يجوز أن يكون معناه أستدرك أن رأيي أن لا أورث مبتوتة، إلا أن عثمان ورثها، فتبين أن القياس عنده يخالف قول عثمان، وهذا ليس بمخالفة منه، بل يجوز أن يكون عدولًا عن القياس بقول الصحابة ﵃.
٢٣٨٩٥ - فإن قيل: عبد الرحمن مخالف (، لأنه طلقها لإسقاط ميراثها.
٢٣٨٩٦ - قلنا: قد روينا أنه لم يقصد بطلاقها إسقاط ميراثها، لأنه قال ما أطلقها فرارًا من كتاب الله. ولا اعتقد أنه يموت من ذلك المرض حتى يكون/
стр. 4764
طلاقها، لإسقاط ميراثها.
٢٣٨٩٧ - قالوا: روي أن عبد الرحمن قال: والله لا أورث تماضر (بنت الأصبغ) وهذا يدل أن طلاقها كان لقطع الميراث عنها.
٢٣٨٩٨ - قلنا: لأنها سألته الطلاق، فاعتقد أن طلاقها مع مسألتها يسقط إرثها، وبذلك نقول، لأنه أخر تطليقاتها، فيجوز أن يكون ظنه أن العدة تنقضي قبل ذلك.
٢٣٨٩٩ - فإن قيل: لابد أن يكون في المسألة خلاف، لأن عثمان ورثها، وقد سألت الطلاق. وعندكم أنها لا ترث فإن كان إمساك الصحابة عن الإنكار إجماعًا فقد أجمعوا على ثبوت الميراث في موضع لا إرث فيه، فكيف يجتمعون على ضلال، وإن كان في المسألة خلاف، ولم ينكر.
٢٣٩٠٠ - قلنا: أما مسألتها الطلاق، فلم يطلقها بمسألتها، لأنه روى أنه قال: من سألتني الطلاق طلقتها، فأرسلت إليه تماضر تسأله الطلاق، فقال إذا حضت فأذنيني، فلما حاضت قال: إذا طهرت فأذنيني، فلما طهرت طلقها.
٢٣٩٠١ - ولو كان الطلاق بمسألتها لقال حين سألت: إذا طهرت من حيضك فأنت طالق فأما قولهم أنه ورثها بعد انقضاء عدتها فقد روي هذا وروى أبو عوانه عن عمر
стр. 4765
وابن أبي سلمة عن أبيه قال، طلق عبد الرحمن إحدى نسائه ثم قال: فلم (يلبث) إلا يسيرًا حتى مات وهي في العدة فورثها عثمان.
٢٣٩٠٢ - فيحتمل أن يكون من قال ورثها قبل انقضاء عدتها يعني قسم له قبل انقضاء عدتها. وليس من شرط الميراث بقاء العدة إلى حين القسمة، وإنما المعتبر بقاؤها إلى حين الموت.
٢٣٩٠٣ - فإن قيل: إنما لم يذكروا الآية لأنه موضع اجتهاد مذهبهم، حتى لا يعترضوا على الحاكم.
٢٣٩٠٤ - قلنا: لم تجر عادتهم على أنهم يمسكون عن ذكر مذهبهم، ومن عرف السيرة وما جرى عليه أمر الاختلاف علم أن العادة خلاف هذا.
٢٣٩٠٥ - فإن قيل: روي أنها صالحت عن حقها على ثمانين ألفًا، ولو كانت تستحق الإرث، لما احتاجت إلى الصلح.
٢٣٩٠٦ - قلنا: الورثة إذا أحبوا إخراج بعضهم من التركة، صالحوه عن حقه عن مال لتسلم لهم التركة، على أنها لو لم تستحق شيئًا لم يجز أن تصالح على مال يدفع إليها، ولأنه حق مال يجوز أن تستحقه المطلقة الرجعية، فجاز أن تستحقه المبتوتة كالسكنى.
٢٣٩٠٧ - فإن قيل: المعنى في السكنى أنها تستحق إن طلقها في الصحة كذلك إذا طلقها في المرض. والميراث لاتستحقه المطلقة في حال الصحة، كذلك إذا
следующие страницы →