Полный текст (6 324 стр.). Показаны 4936–4975 · переход к 4941.
стр. 4936
٢٤٦٢٤ - فإن قيل: المعنى في كفارة الأذى أن عدد المساكين ضعف أيام الصوم؛ فجاز أن يزيد مقدار الطعام على سائر الكفارات، وفي مسألتنا عدد المساكين بعدد أيام الصوم، فلذلك لم يزد الطعام على عدد الأيام.
٢٤٦٢٥ - قلنا: الإطعام في كفارة اليمين مقدر بما تتقدر به كفارة الظهار، وإن كان عدد المساكين في كفارة اليمين أضعاف عدد الصيام، ولأن المد مقدار لا يكفى في قوت يوم غالبًا، فلا يقدر به الإطعام فيما دونه، يبين ذلك قوله تعالى في كفارة اليمين: (من أوسط ما تطعمون أهليكم) وليس الوسط من طعام الأهل رطلًا ونصفًا.
٢٤٦٢٦ - احتجوا: بقوله تعالى: (فإطعام ستين مسكينًا) وظاهر الآية يقتضي إذا أطعم ما يتناوله الاسم جاز.
٢٤٦٢٧ - الجواب: أن الله تعالى ذكر في كفارة اليمين: (من أوسط ما تطعمون أهليكم) والمد ليس من أوسط الطعام، ولأنا أجمعنا على أن المراد به قدر مخصوص، وجنس مخصوص، وما اجتمع عليه كالمنطوق به.
٢٤٦٢٨ - قالوا: وري عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه أمر المجامع في رمضان وقد أتى بفرق من تمر فيه خمسة عشر صاعًا، فقال: خذها وأطعم عنك ستين مسكينًا.
٢٤٦٢٩ - قلنا: هذا الخبر ذكره الدارقطني عن الحجاج، عن إبراهيم بن
стр. 4937
غافر عن سعيد بن المسيب وعن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة والحجاج بن وطأة طعن عليه الدارقطني في هذا الكتاب وسكت عن ذكره حين روى عنه هذا الخبر على طريقته في المماثلة التي لا تضر سواه.
وقد ذكر أبو داود هذا الخبر بعينه عن سفيان، عن ابن مسعود عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، وذكر فيه أن النبي ﷺ أتي بفرق من تمر وقال: (تصدق به) ولم يذكر عدد المساكين، فكيف يعدل عن هذا الطريق الصحيح إلى خبر لا يساويه ولا يقبل مخالفنا مثله وقد أجاب أصحابنا عنه تبرعًا.
стр. 4938
٢٤٦٣٠ - وقالوا: لا يجب على رسول الله ﷺ التكفير عن الفطر في رمضان، وإنما يتبرع بالقدر الذي وجده وترك الباقي في ذمته كما أنه لما شكا الفقر جوز له أكله تبقية بلا طعام في ذمته.
٢٤٦٣١ - قالوا: لو كان ذلك بعض الواجب أقره بصرفه إلى بعض المساكين حتى لا يدفع إلى كل مسكين مالا يجزي.
٢٤٦٣٢ - قلنا: الفقراء بالمدينة كانوا محصورين، فإذا تصدق على ستين مسكينًا بخمسة عشر صاعًا أعاد عليهم إذا وجد مقدار الواجب.
٢٤٦٣٣ - قالوا: روي أن النبي ﷺ أعطى الأعرابي فرقًا من تمر، فقال: (تصدق به) فالظاهر أنه جميع الواجب.
٢٤٦٣٤ - قلنا: النبي ﷺ قال هل تستطيع أن تطعم ستين مسكينًا.
٢٤٦٣٥ - قال: لا، ولا مقدار ما يدفع إلى كل مسكين كان قد استغرق في كفارة الظهار، فبينه ﷺ ، فلما دفع إليه ما حضره وأمره أن يتصدق به علم أنه بعض الواجب وأنه يتصدق على عدد مخصوص دون غيره.
٢٤٦٣٦ - قالوا: طعام يجوز إخراجه في الكفارة فلا يتقدر بالصاع. أصله: الحنطة.
стр. 4939
٢٤٦٣٧ - قلنا: اختلاف أجناس المال يقتضي اختلاف مقدار الواجب بدلالة الزكاة، لأن التسوية بين المقادير مع اختلاف الأجناس مخالف للأصول، ولأن المقصود من الطعام كفاية، ومعلوم أن ذلك لا يقع بالحنطة والشعير على وجه واحد فلم تجز التسوية بينهما، ولأن التقدير بالصاع له نظير متفق عليه وهو صدقة الفطر، والتقدير بالمد ليس له نظير متفق عليه، فكان إثبات الصاع أولى.
٢٤٦٣٨ - قالوا: الواجب سد جوعة في مقابلة صوم يوم، ورطل وثلث يكفى سد جوعة.
٢٤٦٣٩ - قلنا: الواجب قوت يوم وذلك يكون بأكلتين في الغالب، فإن مكنهم بأن يستوفوا جاز قليلًا كان ما يأكلونه أو كثيرًا، وإن لم يمكنهم فرطل وثلث لا يكفي في أكلتين، فاعتبرنا ما يكفي سد الجوعة في دفعتين، ثم في كفارة اليمين جعل إطعام عشرة مساكين في مقابلة صوم ثلاثة أيام، وكل ثلاثة مساكين في ثلاث في مقابلة جوعة.
٢٤٦٤٠ - وقد قال مخالفنا: لكل مسكين في كفارة –طحن وخبزه- منه رطلان، وذلك يكفي في قوت يوم.
٢٤٦٤١ - قلنا: هذا يحتاج إلى مؤنة لطحنه وخبزه وذلك المؤنة من غير الكفارة فيكون بعض الرطلين من الكفارة وبعضها من غيرها فلا يجزئ.
стр. 4940
مسألة ١٢٠٣
إطعام مسكين واحد ستين يومًا
٢٤٦٤٢ - قال أصحابنا: إذا أطعم في الكفارة مسكينًا واحدًا ستين يومًا أجزأه.
٢٤٦٤٣ - وقال الشافعي: عشرة لا يجوز حتى يستوفي عدد المساكين.
٢٤٦٤٤ - لنا: قوله تعالى: (فكفرته إطعام عشرة مسكين من أوسط ما تطعمون أهليكم).
٢٤٦٤٥ - ووجه الدلالة من الآية: أن المصدر قد يراد به المفعول به، قال سيبويه وقد يجيء غير مخالف يعني المصدر والمفعول به، تقول: رويت ريًّا، وأصابه ريه، وطعمت طعمة، وأصاب طعمة، ونهل نهلًا وأصاب نهلة، كما قالوا: الحلب، وهم يريدون اللبن، ويقولون: حلب حلبًا يريدون الفعل الذي هو مصدر، وقد يجيء المصدر على المفعول، وذلك لبن حلب إنما يراد محلوب، وكقولهم: الخلق إنما يريدون المخلوق، ويقولون: الدرهم ضرب الأمير، إنما يريدون مضروب الأمير، هذا
стр. 4941
كلام سيبويه فقوله: إطعام إنما يريد المفعول به؛ لأن المصدر وإن كان بلفظه بدلالة وصفه بقوله: (من أوسط ما تطعمون أهليكم) ذو فعل لا يضاف إلى ما هو بعضه، ولا تقول أكلته أفضل قديد، وما تطعمون إنما هو المطعوم؛ فدل على أن الموصوف هو المطعوم، ولأنه حق خرج من المال فما جاز دفعه إلى اثنين جاز دفعه إلى واحد كالزكاة، ولأنه مسكين لم يستوف قوت يومه من كفارة فجاز الصرف منها إليه، كسائر المساكين.
٢٤٦٤٦ - فإن قيل: المعنى في غيره من صرف المساكين أنه لم يستوف قوت يومه من هذه الكفارة، وليس كذلك في مسألتنا لأنه استوفى قوت يومه منها، فلم يجز صرفها إليه كاليوم الأول.
٢٤٦٤٧ - قلنا: علة الأصل تبطل بالمسكين الذمي، وعلة الفرع لا تصح، لأن المسكين تجد له في كل يوم خلة، فسد خلته في اليوم الثاني كسد خلة غيره ولأن الدفع/ عندكما أن المدفوع معتبر، ثم جاز أن يتكرر المدفوع في غير واحد
стр. 4942
إلى المساكين بأن يدفع إلى مسكين ثم يبتاع ما دفع إليه أو يستوهبه فيدفعه إلى آخر، لذلك يجوز أن يتكرر الدفع في أعيان إلى مسكين واحد، ولأن ما جاز أن يتكرر الدفع في غير واحد جاز أن يتكرر على مسكين واحد. أصله: الزكاة والدفع في كفارتين.
٢٤٦٤٨ - فإن قيل: المعنى فيه أنه يجوز تكراره في عام واحد، فجاز في أيام.
٢٤٦٤٩ - قلنا: لا يمنع أن يجوز التكرار في وقتين، ولا يجوز في وقت واحد كما يجوز الوقوف بعرفة في وقتين، بحجتين ولا يجوز في وقت واحد، ولأنه أحد بدلي كفارة الظهار؛ فجاز أن يستحق تفريقه في ستين يومًا كالصيام.
٢٤٦٥٠ - احتجوا: بقوله تعالى: (فإطعام ستين مسكينًا).
٢٤٦٥١ - قالوا: وإطعام فعل يتعدد، فيجب أن يتكرر الفعل إلى العدد، فإذا أعطى مسكينًا واحدًا ولم يوجد العدد فلا يجزيه.
٢٤٦٥٢ - قلنا: قد بينا أن المصدر يحتمل أن يكون مفعولًا، وإطعام يتعدى إلى مفعولين كما يتعدى فعله، تقول: أطعمت زيدًا خبزًا، فقوله: فإطعام ستين مسكينًا يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون المصدر قد عدى إلى مفعول واحد وحذف المفعول
стр. 4943
الثاني، فيكون المسكين منتصبًا على التفسير، والوجه الثاني: أن يكون مسكينًا أحد المفعولين، وستين في المفعول الثاني والمفسر محذوف، والتفسير فإطعام طعمة ستين مسكينًا، ويتنوع حذف المفسر لدلالة ضربت عليه، ففي كلا الوجهين حذف، وفي الوجه الأول حذف أحد المفعولين، وفي الوجه الثاني حذف المفسر من أحد المفعولين.
٢٤٦٥٣ - فقال أبو حنيفة: يجوز الأمران.
٢٤٦٥٤ - قال مخالفونا: إذا احتمل كان أولى؛ لأن الله تعالى قال: [في كفارة اليمين فكفارته إطعام، فسماه كفارة وإذا حملتموه على المفعول لم يكن كفارة.
٢٤٦٥٥ - قلنا: قد بينا أن آية كفارة اليمين لا تحتمل إلا ما ذكرناه؛ لأنه وصف الإطعام بقوله: (من أوسط ما تطعمون أهليكم) فلا معنى للترجيح، واللفظ لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، على أنهم إذا حملوا الإطعام على المصدر فالإطعام فعله، وذلك ليس بكفارة، كما أنا نحمله على الطعام وليس بكفارة.
٢٤٦٥٦ - قالوا: أجمعنا على أن وجوب إخراج الكفارة استفيد من هذه الآية، فإذا حملناها على التقدير لم يفد وجوب الإخراج.
٢٤٦٥٧ - قالوا: إذا قدرنا الآية بما ذكرنا، أفادت تقدير المدفوع، وتقدير المدفوع إليه. وعلى قولكم، أفادت تقدير المدفوع خاصة.
٢٤٦٥٨ - قلنا: وأفادت وجوب تكرار الدفع عندنا، وهذه فائدة أخرى غير تقدير المدفوع.
стр. 4944
٢٤٦٥٩ - قالوا: الآية خرجت على سبب وهو قصة أوس بن الصامت، وقد قال له النبي ﷺ (أطعم ستين مسكينًا) فصار هذا هو المراد بالآية.
٢٤٦٦٠ - قلنا: قد أفادت عندنا جواز الأمرين، وفسر النبي ﷺ ما يتعجل به الإباحة التي قصدها.
٢٤٦٦١ - احتجوا: بقوله ﷺ في قصة المظاهر: (أطعم ستين مسكينًا).
٢٤٦٦٢ - قلنا: كل واحد منهما سأل عما يعمل به الإباحة، فلو أمره بدفع الإطعام في ستين يومًا تأخرت، فذكر له عدد المساكين ليتعجل بالإباحة في المال.
٢٤٦٦٣ - قالوا: مسكين استوفى قوت يومه من كفارة فإذا أعطى منها لم يجز، كما لو أعطاه ثانيًا في اليوم الأول.
٢٤٦٦٤ - قلنا: المعنى في اليوم الأول استوفى قوت يومه منها؛ فلم يجز أن يدفع إليه، وفي اليوم الثاني لم يستوف قوته منها، فجاز الدفع إليه كما يجوز الدفع إلى غيره.
٢٤٦٦٥ - قالوا: عارضتم ما نقلناه وزيادة، لأنا قلنا: استوفى قوت يوم، فقلتم: استوفى قوت يومه.
٢٤٦٦٦ - قلنا: هذا غلط؛ لأنا اعتبرنا يومًا معروفًا، واعتبرتم يومًا منكرًا، والمنكر
стр. 4945
أعم، وقد عارضنا بأقل من أوصافكم فقولنا أولى.
٢٤٦٦٧ - قالوا: هذا الاعتبار الذي ذكرتموه يبطل بما لو سرق منه الطعام في اليوم الأول، لا يجوز الدفع إليه، ولم يستوف قوت يومه. ويبطل بما لو بقي الطعام عنده إلى اليوم الثاني وجاز الدفع إليه من كفارة أخرى، لأنه غير ما أخذ من الكفارة الأولى.
٢٤٦٦٨ - قلنا: هذا غلط لأن الله تعالى ذكر الكفارة بلفظ الإطعام وذلك يفيد التمليك، وقال: (من أوسط ما تطعمون أهليكم) والأصل تطعمون مرة ومرتين وثلاثًا.
٢٤٦٦٩ - قالوا: سقط من الإطعام أن يكون مرتين، والتمليك يقوم مقام ذلك عندنا، ولو أطعم المسكين في يوم فجاع لم يجز أن يطعمه ثانيًا كذلك إذا سرق ما أعطاه، ولو أعطمه بعد ما أكل أكلتين من كفارة جاز لذلك إذا ملكه من كفارة أخرى، فأما إذا بقي الطعام عنده إلى اليوم الثاني، هو أن يبقي الشبع إلى اليوم الثاني، فلا يمنع ذلك من إطعامه منها.
٢٤٦٧٠ - قالوا: ذو عدد موصوف لا يجوز الأخذ بغير الصفة؛ فلا يجوز
стр. 4946
الإخلال بالعدد كالشهود.
٢٤٦٧١ - قلنا: لا نسلم أنه ذو عدد من المساكين، وإنما هو عدد من الأفعال، وذلك يجوز الإخلال به. لا نسلم أنه لا يجوز الإخلال بالصفة؛ لأنه لو دفعها إلى الفقير بدل المسكين أو ابن السبيل والمكاتبين جاز وينتقض برمي جمار لأنه ذو عدد موصوف، لا يجوز الإخلال بالصفة عند مخالفنا؛ لأن الرمي بغير الحجارة لا يجوز، فيرمي بحجر واحد مرة بعد مرة، والمعنى في الشهود أن المقصود غالب الظن بقول اثنين، فإذا أخبره واحد فالظن الثاني هو الأول فلا يستفيد به معنى، وليس كذلك الإطعام؛ لأن المقصود سد الخلة، فما يدفعه في اليوم الثاني يحصل به سد خلة لم توجد في اليوم الأول.
٢٤٦٧٢ - قالوا: قدر الله تعالى المدفوع إليه نصًا بقوله سبحانه: (فإطعام ستين مسكينًا) وأبو حنيفة قدر اجتهادًا فقال: صاع، فجوز الإخلال بالتقدير المنصوص عليه، ولم يجز الإخلال بالتقدير المجتهد فيه.
стр. 4947
٢٤٦٧٣ - قلنا: نسلم أن الله تعالى قدر العدد على ما ذكرتم، ولا نسلم أن تقدير الصاع اجتهاد بل بالنص، لأن النبي ﷺ قال للمظاهر: أطعم ستين مسكينًا وسقا من تمر.
٢٤٦٧٤ - قالوا: صدقة أمر بصرفها إلى عدد من المساكين؛ فلا يجوز صرفها إلى واحد، كالوصية.
٢٤٦٧٥ - قلنا: هذا غير مسلم؛ لأنه قال في الجامع: إذا أوصى بثلثه للمساكين، جاز صرفه على مسكين واحد عند محمد، ولا يجوز في قول أبي يوسف أقل من اثنين، وليس عن أبي حنيفة رواية، ولو سلمنا لم يدل؛ لأن الوصية يعتبر فيها لفظ الموصي، ولو أمر الله تعالى غيره يعتبر فيها المقصود، بدلالة أن الموصي للمساكين لا يجوز له العدول عنه إلى غيرهم، والإطعام في الكفارة يجوز صرفه إلى غير المساكين.
٢٤٦٧٦ - ولو قال: أعتق عبدي لأنه أسود؛ لم يجز أن يعتق غيره من غيره، ولو قال الله تعالى: أعتقوا أفريقيًا لأنه أسود عتق كل أسود.
٢٤٦٧٧ - قالوا: إذا دفع الكسوة إلى مسكين واحد في عشرة أيام جاز عندكم، ومعلوم أنه لا يتجدد في اليوم الثاني حاجة إلى الكسوة.
стр. 4948
٢٤٦٧٨ - قلنا: إذا كسي المسكين في اليوم الثاني لم يجز ذلك عن الكسوة، احتجنا إلى أن يجوز عن الإطعام؛ لأن من أصلنا أن الكسوة إذا لم تجز عن نفسها جازت عن الإطعام؛ لأن من أصلنا، أن من أعطى خمسة أثواب قيمتها إطعام عشرة مساكين لم يجز عن الكسوة، وجازت عن الإطعام، فإن كان في مسألتنا تجوز الكسوة بدلًا عن غيرها، فجوازها عن نفسها أولى.
стр. 4949
مسألة ١٢٠٤
حكم صرف الكفارة إلى أهل الذمة
٢٤٦٧٩ - قال أبو حنيفة ومحمد: يجوز صرف الكفارات إلى أهل الذمة.
٢٤٦٨٠ - وقال الشافعي: لا يجوز.
٢٤٦٨١ - لنا: قوله تعالى: (إطعام عشرة مسكين)، وقوله: (فإطعام ستين مسكينا)، وهو عام، وقوله : (لا ينهكم الله عن الذين لم يقتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من ديركم أن تبروهم)، وقال ﵊: (تصدقوا على أهل الأديان) ولأنها صدقة ليس للإمام حق في أخذها؛ إذ هي صدقة تتعلق بسبب من جهته، فجاز صرفها إلى أهل الذمة كالنافلة، ولا
стр. 4950
يلزم زكاة المال الباطن؛ لأن حق أخذها إلى الإمام وإنما أصحاب المال وكلاء، ولأن من كان صدقة النفل قربة في حقه لم يجز دفع الواجب إليه بحال كالمسلم. ولا يلزم الوالدين والوالد؛ لأن الدفع يجوز إليهم باجتهاد، ولا يلزم الحربي والعبد والمكاتب؛ لأن صدقة النفل لا تصح عليهم.
٢٤٦٨٢ - احتجوا: بقوله تعالى: (لا/ تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله).
٢٤٦٨٣ - الجواب: أن المراد بهذه الآية أهل الحرب بدلالة الآية الأخرى، وهو قوله تعالى: (لا ينهكم الله عن الذين لم يقتلوكم في الدين).
٢٤٦٨٤ - قالوا: كافر لا يجوز دفع الكفارة إليه كالحربي يستعين بما نعطيه على حربنا.
٢٤٦٨٥ - قلنا: هذا لا يوجد في الذمي.
٢٤٦٨٦ - قالوا: مال يجب دفعه إلى الفقير بالشرع، فلا يجوز دفعه إلى الإمام وهو قائم مقام المسلمين؛ فدل أنها حق لهم، والكفارة لا حق للإمام فيها وهي كالنافلة.
стр. 4951
مسألة ١٢٠٥
حكم إخراج القيمة في الكفارة
٢٤٦٨٧ - قال أصحابنا: يجوز إخراج القيمة في الكفارات.
٢٤٦٨٨ - وقال الشافعي: لا يجوز، وهذا فرع على جواز أخذ القيمة في الزكاة، لأن المقصود بكل واحد منهما سد خلة المسكين ودفع حاجته، وهذا المعنى موجود في القيمة، ولأنه حق يخرج من المال سببه الجناية فجاز دفع القيمة فيه كالدية، ولأنه مال لم يجب بعقد معاوضة فجاز إخراج القيمة فيه كقيمة المتلفات.
٢٤٦٨٩ - قالوا: أخذها يقع به التكفير كالعتق.
٢٤٦٩٠ - قلنا: العتق كثير مال فلا يمكن تقويمه، والكسوة والإطعام كل واحد منهما مال لم يجب بعقد معاوضة، فجازت القيمة فيه.
стр. 4952
مسألة ١٢٠٦
حكم دفع الكفارات إلى المكاتب
٢٤٦٩١ - قال أصحابنا: يجوز دفع الكفارات إلى المكاتب.
٢٤٦٩٢ - وقال الشافعي: لا يجوز.
٢٤٦٩٣ - لنا: قوله تعالى: (فإطعام ستين مسكينا) ولم يفصل، ولأنها صدقة واجبة فجاز دفعها إلى المكاتب كالزكاة.
٢٤٦٩٤ - قالوا: الزكاة ليست حق المكاتب بل حق الفقراء، والكفارة حق الفقراء، وغيرهم، ولأن من جاز دفع الزكاة إليه جاز دفع الكفارة إليه كالحر. ولا يلزم العامل؛ لأن ما يدفع إليه ليس من الزكاة، وإنما هو عوض. ولا يلزم ابن السبيل؛ لأن دفع الكفارة إليه يجوز، ولأنه يتخلص بما يدفع إليه من إسر الرق، فصار كما يدفع إلى الأسير في دار الحرب، ولأن الحر يحصل له سد الخلة، والمكاتب يستفيد ذلك والتخليص من الرق. فإذا جاز الدفع إلى الحر فالمكاتب أولى.
стр. 4953
٢٤٦٩٥ - قالوا: بأنه مكاتب فلا يجوز دفع الكفارة إليه كمكاتبه.
٢٤٦٩٦ - قلنا: مكاتبه لا يجوز دفع زكاة ماله إليه، فكذلك كفارته، ولو كاتب غيره يجوز دفع زكاته إليه، كذلك كفارته.
٢٤٦٩٧ - قالوا: المكاتب لا يخلوا إما أن يكون في يده مال أو لا يكون؛ فإن كان في يده مال فهو غني. وإن لم يكن فهو يقدر على الغنى بأن يعجز نفسه، فلذلك لم يجز دفع الكفارة إليه.
٢٤٦٩٨ - قالوا: وليس كذلك الزكاة؛ لأنها تدفع إلى الغني العامل، وابن السبيل، والغارم لإصلاح ذات البين.
٢٤٦٩٩ - قلنا: إن كان في يده مال فهو لا يملكه ولا يكون غنيًّا به.
٢٤٧٠٠ - وإن لم يكن فهو لا يقدر أن يعجز نفسه عندنا إلا أن يعجز [نفسه برضا سيده]،ولأن قدرته على أن يستغني لا يمنعه من أخذ الصدقة، بدلالة أنه من وهب لفقير مالًا فهو يقدر على قبوله ليستغنى به. ويجوز له أخذ الصدقة قبل القبول.
стр. 4954
مسألة ١٢٠٧
حكم دفع الكفارة بالتمكين أو التمليك
٢٤٧٠١ - قال أصحابنا: يجوز في الكفارات التمكين، وهو أن يغديهم ويعشيهم، ويجوز التمليك.
٢٤٧٠٢ - وقال الشافعي: لا يجوز إلا التمليك.
٢٤٧٠٣ - لنا: قوله تعالى: (فإطعام ستين مسكينا) وقال : (فكفرته إطعام عشرة مسكين)، وحقيقته الإطعام عن التمكين، يقال: فلان يطعم الأحلاق ويطعم الطعام. يبين ذلك قوله تعالى: (من أوسط ما تطعمون أهليكم)، وطعام الأهل يكون بالتمكين في الغالب.
٢٤٧٠٤ - فإن قيل: قد أجمعنا على جواز التمليك، فدل أن الآية تناولته، وهو مجاز يحمل على الحقيقة لا على جواز التمليك، فدل أن اللفظ الواحد لا يحمل على الأمرين.
стр. 4955
٢٤٧٠٥ - قلنا: الآية ما تناولت عندنا التمليك، وإنما ثبت جواز التمليك بقول النبي ﷺ وجواز التمكين بالآية.
٢٤٧٠٦ - فإن قيل: إذا حملنا الآية على التمليك نفينا عمومها في الصغير والكبير؛ لأن تمليك كل واحد منهما جائز، وإذا حملناها على التمكين خصصناها في الكبير؛ لأن تمكن الصغير لا يجوز.
٢٤٧٠٧ - قلنا: الآية لم تتناول الصغير؛ لأنه تعالى ذكر المساكين، والمسكين من سكنت نفسه إلى الفقير، وهذا لا يوجد في الصغير، ولأنه قال: (من أوسط ما تطعمون أهليكم) وما يأكله الصبي ليس هو أوسط ما يأكله الأهل. ولو سلمنا التخصيص كان حفظ الحقيقة أولى من حفظ العموم؛ لأنه عمومات فكان حفظ الحقيقة وتخصيص العموم أولى من إسقاط الحقيقة واستعمال العموم، ويدل عليه ما روي عن ابن مسعود وابن عمر وابن عباس قالوا: في تفسير الآية الوسط الخبر والتمر أو الخبز والزيت والأقصى الخبز واللحم. هذا إنما يعتبر في التمكين. أصله: إذا ثبت أن يطعم المساكين، ولأن النذور محمولة على أصولنا في الفروض، فلما جاز التمكين في النذور دل على أنه يجوز في الواجب. ولأن المقصود بالإطعام سد الخلة، وهذا المعنى موجود في التمكين. ولا يلزم الزكاة؛ لأن أبا يوسف قال: يجزئ فيها التمكين ولأن المعتبر كفارة المسكين في اليوم. وإذا ملكه جاز أن يكتفي بما أعطاه، وجاز أن لا يكتفي. فإذا مكنه تيقنًا بحصول الكفارة فهو أولى بالجواز.
стр. 4956
٢٤٧٠٨ - احتجوا: بأن النبي ﷺ : دفع إلى المكفر الثمن فقال: (تصدق بهذا).
٢٤٧٠٩ - والجواب: أن هذا يدل على جواز الصدقة، وقد روي أنه قال لسلمة بن صخر: (أطعم) وهذا يفيد التمكين فأفادنا ﷺ جواز الأمرين، ولأنه قال: (تصدق). ولأن المكفر كان فقيرًا، والتمكين يحتاج أن يهيأ الطعام فيلزمه مؤنة، والتمليك لا يحتاج إلى ذلك فأمره بأيسر الأمرين لفقره.
٣٤٧١٠ - قالوا: صدقة وجبت بالشرع، فلا يجوز فيها التمكين كالزكاة.
٢٤٧١١ - قلنا: روى عن أبي يوسف أنه قال يجزى التمكين فيها. وقال محمد: لا تجوز. فعلى قول أبي يوسف لا نعلم الأصل، وعلى قول محمد أوجب الله تعالى الزكاة بلفظ الإيتاء، فقال: (وءاتوا الزكوة) بلفظ الصدقة. وذلك يفيد التمليك فأوجب الكفارة بفظ الإطعام وذلك يفيد التمكين.
٢٤٧١٢ - قالوا: ما يقع به التمكين لا يجزئ فيه التمكين كالكسوة.
٢٤٧١٣ - قلنا: التمكين في الكسوة لا يحصل للفقير عن الكسوة وإنما يحصل له الانتفاع بها فهو في معنى العارية فلا يجزئ وليس كذلك الإطعام لأن
стр. 4957
الطعام يسلم للفقير بالأكل فيصير كالتمليك الذي يحصل به للعين. يبين ذلك أنه لو أوصى له بثوب ثم أوصى لآخر بلبسه يجوز، لأنه لا يكون رجوعًا عن الوصية للأول، ولو أوصى له بالطعام، وأوصى لآخر بأكله كان ذلك رجوعًا. يبين ذلك أن إطعام الزوجة مستحق، وكسوتها، فلو مكنها من الطعام جاز عن المستحق، ولو مكنها من الكسوة لم يجز عن المستحق، وهذا يبين الفرق بين الموضعين.
٢٤٧١٤ - وقولهم: الزوجة الصغيرة سقط حقها.
٢٤٧١٥ - قالوا: ما يدفع إلى مسكين مقدار فإذا مكنهم لم يحصل المقدر لهم.
٢٤٧١٦ - قلنا: التقدير شرط ليتحقق حصول الكفاية، فإذا مكنهم من أكلتين فقد تيقنا الكفاية، فسقط التقدير.
٢٤٧١٧ - قالوا: المساواة بين المساكين فيما يأخذونه واجبة: فإذا لم يمكنهم لم يتيقن.
٢٤٧١٨ - قلنا: المساواة غير معتبرة بدلالة أنه لو أعطى بعضهم طعامًا جيدًا وبعضهم رديئًا أو كسي بعضهم أفخر الثياب وبعضهم أدناها جاز. وإنما يعتبر تساويهم
стр. 4958
في الكفارة في التمكين.
٢٤٧١٩ - قالوا: إذا مكنهم فقد خص جهة من الانتفاع دون غيرها، لأنهم لا يقدرون على البيع والإطعام.
٢٤٧٢٠ - قلنا: المستحق عندنا من هذا القدر النفع، وما زاد عليه مستحق، إن فعله جاز، وإن لم يفعله لم يؤثر في الجواز.
стр. 4959
مسألة ١٢٠٨
حكم الكفارة خمسة بالإطعام وخمسة بالكسا
٢٤٧٢١ - قال أصحابنا: إذا أطعم خمسة وكسا خمسة جاز ويكمل أحد الأمرين بقيمة الآخر.
٢٤٧٢٢ - وقال الشافعي: يجب عليه أن يكمل الكسوة والإطعام وهذه مبنية على أصل وهو عندهم أن إخراج القيمة يجوز في الكفارات وقد نوى بالفعل التكفير فوجب أن يحمل على الوجه الذي يصح به، وهو القيمة، لأن كل واحد منهما يقصد به غير ما يقصد به الآخر، فجاز أن يكون أحدهما بدلًا عن الأخر وليس هذا كإخراج الحنطة عن التمر لأن المقصود بهما معنى واحد، ولا يجوز أحدهما بقيمة الآخر، كما لا يجوز إخراج الحنطة الجيدة بقيمة الحنطة الوسط.
٢٤٧٢٣ - قالوا: الله أمر بإطعام عشرة مساكين، وهذا قد أطعم خمسة.
٢٤٧٢٤ - قلنا: الكسوة قائمة مقام الطعام، فقد أخرج كالإطعام، وقامت الكسوة مقام الطعام.
٢٤٧٢٥ - قالوا: النص يتناول الأمرين فلا يجزئ أحدهما عن الآخر، كما لا يجزي في صدقة الفطر البر بقيمة التمر.
٢٤٧٢٦ - [قلنا: من أصحابنا من يجوز قيمة الحنطة بقيمة التمر] فعلى هذا
стр. 4960
سقط الالتزام، ومنهم من منع ذلك. وقال المقصود منها واحد، فصارا كالشيء الواحد فلا يجزي بعضه عن بعض بالقيمة.
٢٤٧٢٧ - وفي مسألتنا المقصود بالكسوة ستر العورة، وبالإطعام سد الجوعة/ وهما مختلفان فجاز أحدهما بقيمة الآخر.
стр. 4961
مسألة ١٢٠٩
دفع الكفارات إلى المكاتب
٢٤٧٢٨ - قال أصحابنا: يجوز دفع الكفارات إلى المكاتب.
٢٤٧٢٩ - وقال الشافعي: لا يجوز.
٢٤٧٣٠ - لنا: قوله تعالى: (فإطعام ستين مسكينا). ولم يفصل، ولأنه يجوز صرف الزكاة إليه [فجاز صرف الكفارة إليه] ولأن الحر يحصل له سد الخلة والمكاتب لا يحصل له هذا المعنى، والتخلص من الرق فكان أولى.
٢٤٧٣١ - فإن قيل: الزكاة يجب دفعها إلى الصبي بدلالة العامل والغازي.
٢٤٧٣٢ - قلنا: لم يسلم ذلك؛ لأن العامل يأخذها على طريق المعاوضة والغازي والصبي لا يجوز دفعها إليه [فإن قتله الكفار لا يجوز أن تدفع إلى ورثته].
٢٤٧٣٣ - جميع الزكاة عينها الفقراء، ولأن المكاتب يتخلص بالصدقة من أسر الرق، فصار كالمسلم الأسير في دار الحرب.
٢٤٧٣٤ - احتجوا: بأن المكاتب لا يخلو إما أن يكون في يده مال أو لا يكون. فإن كان فقد غني بما في يده، وإن لم يكن فقدر أن يعجز نفسه فيصير غنيًا بغنى مولاه.
٢٤٧٣٥ - قلنا: إذا كان في يده مال فهو لا يملكه بل هو موقوف على مولاه وعليه. وجواز الاستيفاء يتعلق به فهو كالغارم، وقدرته على تعجيز نفسه لا نسلمها، لأن المكاتب إذا قدر على الاكتساب لم يجز أن يعجز إلا برضى المولى، فإذا أدى أخذ
стр. 4962
الزكاة وجاز أن يعجز فيملكها المولى وهو غني.
٢٤٧٣٦ - قلنا: يبطل بالفقير إذا كان وارثه غنيًا يجوز دفع الزكاة إليه، وإن جاز أن يموت فيرثه الغير.
стр. 4963
موسوعة
القواعد الفقهية المقارنة
المسماة
التجريد
كتاب اللعان
стр. 4964
مسألة ١٢١٠
موجب قذف الزوج
٢٤٧٣٧ - قال أصحابنا: موجب قذف الزوج اللعان.
٢٤٧٣٨ - وقال الشافعي: موجب قذفه الحد وإنما يسقط ذلك عن نفسه بالأيمان.
٢٤٧٣٩ - لنا: قوله تعالى: (والذين يرمون أزجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم) فذكر الله تعالى لعان الزوج وحكمه، وهو اللعان؛ فالظاهر أنه جمع الحكم المتعلق بقذفه. ومن زعم أن حكم القذف من الخلة فهو مدع لخلاف الظاهر.
٢٤٧٤٠ - فإن قيل: (فشهدة أحدهم أربع شهدت) تقديره: فشهادة القاذف
стр. 4965
أربع، فيفيد ذلك بيان عدد الشهادة.
٢٤٧٤١ - قلنا: الفاء تعلق ما بعدها بما قبلها، وهذا يقتضي أن اللعان حكم القذوف المذكور، على أنا أجمعنا أن اللعان واجب، فلابد أن يكون تقدير الآية فعليهم أن يشهدوا. لقوله تعالى: (فتحرير رقبة).
يدل عليه ما روي أن عويمر العجلاني قذف امرأته. فلاعن النبي ﷺ بينهما وفرق ولم يذكر الحد، ولو كان واجبًا لذكره. ولا يقال: إنه لم يبين ذلك، لأن الآية دلت عليه، وقد بينه في قصة هلال بن أمية؛ لأن الناس قد اختلفوا في تناول الآية
стр. 4966
للأزواج. وفي أن قصة هلال هل يستحد بأنه اللعان أم لا، فكيف يظن أنه ﷺ يقتصر على ذلك في البيان مع إشكاله. ولأنه قذف لا يستوفى به الحد مع مطالبة المقذوف؛ فلم يتعلق به الحد. أصله: قذف من ليس بمحصن ولأن الحد لو وجب بقذفه لم يملك إسقاطه بقول القاذف الأجنبي، ولأن اللعان تأكيد للقذف وتكرار له، وذلك لا يسقط حكم القذف كمن قذف أجنبيًا ثم كرر قذفه.
٢٤٧٤٢ - فإن قيل: لا يسقط الحد بقوله، وإنما يسقط بيمينه، كما تسقط
стр. 4967
الدعوى عنه بيمينه وإنما تأخرت الخصومة لأن الدعوى لا توجب إلا اليمين. وإذا حلف لا يسقط بيمينه ما وجب عليه، وإنما فعل الواجب. وعندهم الواجب هاهنا الحد، ويسقط عن نفسه بلعانه. ولأن كل قول من الإنسان أوجب حقًا عليه لآدمي لم يسقط ذلك الحق عنه بقوله. أصله: الإقرار بقذف الأجنبي. ولا يلزم المرتد لأن ردته توجب القتل ويسقط بإسلامه، لأنا قلنا يوجب حقًا لآدمي، والقتل لحق الله تعالى، ولأن القتل لا يسقط عنه بقوله، وإنما يسقط عنه باعتقاده الإسلام.
٢٤٧٤٣ - احتجوا: بقوله تعالى: (والذي يرمون المحصنت ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم) ولم يفصل.
٢٤٧٤٤ - قلنا: الآية لا تتناول قذف الزوجة، بدلالة أنه إذا عجز عن الشهود لم يجلد، ولأن الله تعالى جعل آية اللعان متأخرة، وهي خاصة، والخاص إذا تأخر عن العام، أوجب نسخ بعضه.
٢٤٧٤٥ - فإن قيل: قد أجمعنا أن الآية تناولت قذف الزوج [قبل] نزول آية اللعان، فكيف يقال إنها لا تتناول الزوج؟.
стр. 4968
٢٤٧٤٦ - قلنا: إنما جوابنا عما يقتضيه بعد استقرار حكم اللعان. فأما قوله: فكانت متناولة للزوج وكان يحد بالعجز عن إقامة الشهادة، فلم تغير هذا الحكم وصار لا يحد. وإن عجز عن البينة خرجت الآية أن تكون له متناولة.
٢٤٧٤٧ - قالوا: روي أن هلال بن أمية لما قذف أمرأته قال له النبي ﷺ : (إيتني بأربعة يشهدون وإلا فحد في ظهرك)، فدل على أن قذفه يجب به الحد.
٢٤٧٤٨ - قلنا: هذا كان قبل نزول آية اللعان، لأنها نزلت في قصته بالطلاق في موجب قذف الزوج بعد ثبوت اللعان.
٢٤٧٤٩ - قالوا: روي أن النبي ﷺ قال لعويمر (لاعن أربع مرات، إنها الموجبة، ولعقاب الدنيا أيسر من عذاب الآخرة)، فندبه إلى ترك اللعان. فدل أنه حقه، وعندكم أنه حق عليه.
٢٤٧٥٠ - قلنا: إنما ندبه إلى ترك اللعان بتكذيب نفسه، إن كان كاذبًا. ولهذا قال: (ولعذاب الدنيا أيسر) وكذلك نقول أنه يجب عليه أن لا يلاعن إن كان كاذبًا.
٢٤٧٥١ - قالوا: قذف مسلمة عفيفة فوجب أن يلزمه الحد. أصله: إذا قذف
стр. 4969
أجنبية.
٢٤٧٥٢ - قلنا: قذف الأجنبية متهم فيه، وقذفه لزوجته لا يتهم فيه؛ لأن الزوج يضطر لهذا المعنى لما يلحقه من شين. وعند مخالفنا: الزوج مضطر إلى قذف زوجته. وليس بمضطر إلى قذف الأجنبية، فلم يجز اعتبار أحدهما بالآخر. والمعنى في قذف الأجنبية: أنه لما وجب الحد لم يملك إسقاطه عن نفسه بقوله. فلو كان قذف الزوجة يجب به الحد لم يسقط بلعانه.
٢٤٧٥٣ - قالوا: قذف من زوج، فيجب به الحد، أصله: إذا كان عبدًا أو كافرًا.
٢٤٧٥٤ - قلنا: المعنى أنه ليس من أهل الشهادة على المسلمين، فيتعلق بقذفه المحصنة الحد للزوج المسلم، والزوج الحر من تقبل الشهادة منه على المسلمين، فتعلق بقذفه اللعان.
стр. 4970
٢٤٧٥٥ - قالوا: نقيس على المحدود في القذف إذا تاب.
٢٤٧٥٦ - قلنا: المعنى: أنه يختلف في جواز قبول شهادته على المسلمين.
٢٤٧٥٧ - قالوا: كل من لو قذفها أجنبي وجب عليه الحد، إذا قذفها زوجها وجب عليه الحد. أصله: ما ذكر.
٢٤٧٥٨ - قلنا: هذه العلة لا أصل لها؛ لأن قولهم، فإذا قذفها الزوج قد دخل فيه الزوج الكافر والزوج العبد، فلا يصح أن يكون الأصل داخلًا في الفرع، ولأن قذف الأجنبي لم يصادف ملكه.
٢٤٧٥٩ - وقذف الزوج صادف ملكه وما يوجب العقوبة، يختلف أن يصادف ملكه أو غير ملكه، بدلالة من قتل عبد نفسه أو عبد غيره.
٢٤٧٦٠ - قالوا: الشين يلحقها بقذف الزوج أكثر مما يلحقها بقذف الأجنبي؛ [لأن من عادة الزوج أن يتستر على زوجته، فإذا حكاه فقد لحقها شين]، يوجب الحد، فقذف الزوج مع زيادة الستر فيه أولى.
٢٤٧٦١ - قلنا: هذا هو الدليل عليكم؛ لأن الزوج إذا كان من عادته الستر لم تلحقه تهمة، والأجنبي تلحقه التهمة، فكيف يكون الزوج بإيجاب الحد أولى،
стр. 4971
ولأن الزوج لا يستوفى منه الحد، والأجنبي يستوفي منه الحد، فلو كان الأمر على ما قالوا، كان الزوج باستيفاء الحد أولى.
٢٤٧٦٢ - قالوا: لو كذب نفسه وجب عليه، فلولا أنه وجب القذف، لم يجب باللعان.
٢٤٧٦٣ - قالوا: إذا أكذب نفسه فقد اعترف بوجوب الحد، وإذا لم يكذب فلم يعترف. يبين الفرق بينهما، أنه إذا كذب استوفى الحد، فلا يدل ذلك على انه مستوفى منه قبل الإكذاب.
стр. 4972
مسألة ١٢١١
امتناع الزوج من اللعان
٢٤٧٦٤ - قال أصحابنا: إذا امتنع الزوج من اللعان حبس حتى يلاعن، أو يقر بالكذب.
٢٤٧٦٥ - وقال الشافعي: إذا امتنع الزوج من اللعان؛ حد حد القذف. وإن امتنعت المرأة حدت حد الزنا.
٢٤٧٦٦ - وأما الكلام في حبس الزوج -وهو فرع على المسألة المتقدمة- أن الواجب بقذف الزوج اللعان. فإذا امتنع منه فقد منع حقًا يقدر على إيقاعه فيحبس حتى يوفيه كالمديون. وعلى أصلهم الواجب بقذفه الحد. وأما الكلام في المرأة فإن لعان الزوج عندنا يوجب عليها اللعان. فإذا امتنعت من حق لزمها إيقاعه حبست.
٢٤٧٦٧ - وعندهم لعان/ يحقق عليها الزنا، فيجب الحد لو سقط بلعانها. فإذا لم تلاعن حدت. والدليل على ما قلناه قوله تعالى: (والذين يرمون أزوجهم) فذكر
стр. 4973
لعان الزوج ولعانها. فظاهره يقتضي أن ذلك جميع الحكم. ولأن اللعان قول القاذف فلا يحقق الزنا على المقذوف، وإن كره بقذف الأجنبي. ولأن الحد لو وجب عليها بلعانه لم يسقط بقولها. أصله: البينة. ولأن الزوج لو شهد عليها بالزنا مع غيره بعد قذفه لها لم يتحقق الزنا، فإذا شهده وحده أولى، ولأن للزوج حقًا عليها في الظاهر بقذفه، لأنها محصنة عفيفة، وإنما يتخلص باللعان من جنايته، فلا يتحقق بذكره دعوى المدعي بيمينه من غير نكول.
٢٤٧٦٨ - احتجوا: بقوله تعالى: (ويدرؤا عنها العذاب) الآية فذكر عذابًا معرفًا يرجع إلى الحد تقدم ذكره بقوله: (وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين).
٢٤٧٦٩ - الجواب: أن العذاب المعرف لو رجع إلى الحد الذي ظنوه لقال ويدرأ عنهما عذابهما، لأن التعريف إذا رجع إلى ما تقدم صار المتقدم كالمذكور. ونحن نعلم أن حد الزانيين لا يجوز أن يجب عليهما، فبطل أن يرجع العذاب إلى المعرف
стр. 4974
المذكور فلم يبق إلا أن يرجع إلى تعريف الجنس. فكأنه قال ويدرأ عنها جنس العذاب والجنس يتأدى دلالته إلى بقيته على حد يتباعد ولم لم يشهد لزمها الجنس وهو من جنس العذاب.
٢٤٧٧٠ - فإن قيل: العذاب قد يعرف في الشرع بالحد، بدلالة قوله تعالى: (فعليهن نصف ما على المحصنت من العذاب).
٢٤٧٧١ - قلنا: هذا ليس بمذكور في هذه القصة فكيف يدعى وجوب رجوع التعريف إليه.
٢٤٧٧٢ - فإن قيل: ويدرأ عنها اللعان المقتضى عذابًا قد وجد، وهذا هو الحد على قولنا.
٢٤٧٧٣ - فأما الجنس فلم يجب بلعان الزوج، وإنما يجب عندكم بامتناعها من اللعان فكيف يدرؤه باللعان.
٢٤٧٧٤ - قلنا: فوجوب الحد أثر العذاب وإنما استيفاؤه هو العذاب. فتقدير الآية عندكم ويدرأ عنها ما يصير عذابًا، وهو أن قوله: (والذين يرمون) فعل وقد يذكر الفعل في القرآن والمراد به المصدر. قال الله تعالى: (ولا يحسبن الذين
стр. 4975
يبخلون بما ءاتهم الله من فضله هو خيرا لهم).
٢٤٧٧٥ - وهو يرجع إلى المصدر الذي هو البخل. فلم يجد للبخل ذكرًا. فعلم أنه أراد بقوله (يبخلون) البخل، كذلك هاهنا. قوله المراد به الرمي (ويدرؤا عنها العذاب) يرجع إلى الرمي المذكور، وذلك عذاب لأن شهادتها، والله تعالى يعتبر على الشيء وجه الفحش معناه كقوله: (فاجتنبوا الرجس من الأوثن) والدليل على أن الرمي سمي عذابًا ما روي عن النبي ﷺ أنه قال في المخبل السعدي وكان شاعرًا يهجو الناس ما هو إلا عذاب يصبه الله على من يشاء من عباده، وقد أجرت العرب اسم مجرى الجراح بالسلام. فقالوا: (والقول تنفذ مالا تنفذ الآية). وقد جاء في الأثر أن الشيطان قال لامرأة أيوب ﵇ حين ابتلي: لو قال هذه الكلمات لزال ما به وذكر في بعضها كفرًا فذكرت ذلك له فقال: (أني مسنى الشيطن بنصب وعذاب).
٢٤٧٧٦ - فسمى ذلك الكلام عذابًا فعلى هذا الوجه تتناول الآية، وهو يرد العذاب إلى المذكور، وقد تقدم وهو الرمي.
следующие страницы →