← Фикх ханафи

Фикх ханафи · id 17768

التجريد للقدوري

القدوري

Полный текст (6 324 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

إن رجلاي لا تحملانني، وروت عمرة عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يجلس في الصلاة فينصب قدمه اليمنى ويجلس على اليسرى، يكره أن يسقط على شقه الأيسر. ٢٣٥٨ - وعن ميمونة قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس في الصلاة نصب قدمه اليمنى ويجلس على اليسرى، يكره أن يسقط على شقه الأيسر. ٢٣٥٩ - عن ميمونة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا قعد اطمأن على فخذه اليسرى. ويعني في الصلاة. ٢٣٦٠ - وروى أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا جلست [فلا تقع كما يقعي الكلب]، وضع أليتيك بين قدميك ثم الصق ظهر قدمك بالأرض). ولأنها قعدة للتشهد، كالأولى. ولأنه فعل متكرر في الصلاة فلا يبتدئ الثاني منه على صفة تخالف الأول، كالرككوع والسجود. ولا يلزم القيام؛ لأنه لا يبتدأ في جميع الركعات إلا على وجه واحد.

стр. 492

٢٣٦١ - قالوا: الركوع والسجود لما لم يختلف في القدر، لم يختلف في الصفة، ولما اختلف التشهد في القدر جاز أن يختلف في الصفة. ٢٣٦٢ - قلنا: القيام في الأخريين خالف القيام في الأوليين في القدر ولم يخالفه في لصفة، وكذلك قراءة التشهد في القعدتين تختلف في القدر ولا تختلف في الصفة. ولأنها هيئة مسنونة حال القعدة فلم يبتدأ في الثانية على خلاف الأولى، كوضع اليدين على الركبتين. ٢٣٦٣ - احتجوا: بحديث أبي حميد الساعدي أنه وصف صلاة رسول الله ﷺ إلى أن قال: جلس للتشهد الأولى ففرش رجله اليسرى وجلس عليها، ونصب اليمنى، وجلس للتشهد الأخير فأماط رجليه وأخرجهما من تحت وركه اليمنى. ٢٣٦٤ - والجواب: أن الطحاوي قال: هذا من حديث عبد الحميد بن جعفر، وهو ضعيف في روايته، وقد خولف فيه فأدخل بين محمد بن عمرو وعطاء رجل مجهول. قال الطحاوي/: وهو الصحيح؛ لأنه ليس في سنن محمد بن عمرو أنه لقي من ذكرلقاءه، وهذا الحديث فقد ضعفه الراوي وبين أنه مرسل، وقد بينا الكلام على طريق هذا الحديث، وأن يحيى بن سعيد القطان لا يحتج به. ولأنه حكاية فعل فيحتمل أن يكون حال العذر. وقد اختار النبي ﷺ في أخر عمره أسهل الفعلين. ٢٣٦٥ - ولا يقال: لو كان كذلك لسوى بين القعدتين؛ لأنه يجوز أن يكون تحمل المشقة في الأولى لقصرها، واختار الأخف في الثانية لطولها. ٢٣٦٦ - ولا يقال: لو كان ذلك حال العذر لم يبينه أبو حميد

стр. 493

[للناس] ليقتدوا به ولسكت عن العذر؛ لأن أبا حميد لم يشاهد إلا هذه الحال، فظن أنها للسنة دون غيرها. ٢٣٦٧ - قالوا: لأنه معنى يتكرر في الصلاة يخالف بعضه بعضا قدرا، فوجب أن يخالفه هيئة، كالقراءة. ٢٣٦٨ - قلنا: يبطل بالقيام؛ لأنه في الأوليين أطول من الأخريين، ولا يخالفه خيئة. ٢٣٦٩ - قالوا: القيام لا يختلف، وإنما يختلف قدر القراءة. ٢٣٧٠ - قلنا: قد يختلف قدر القيام وإن كان لأجل غيره. ويبطل بالقعدة الأولى والقعدة بين السجدتين: أنهما قد اختلفا قدرا ولم يختلفا [فيه] هيئة، وقيام الصلاة والقيام بعد الركوع: وقد اختلفا قدرا ولم يختلفا هيئة. ولأن الإخفاء لما جاز أن يكون سنة جاز أن يكون في آخرها، والتورك لما لم يكن سنة للقعدة في أول الصلاة لم يكن في آخرها. ٢٣٧١ - قالوا: المخالفة بين القعدتين أحوط للصلاة؛ لأن الإمام يتذكر أنه في آخر الصلاة حتى لا يشتبه بأولها، فيقوم، والداخل يعلم أنه في آخر الصلاة. ٢٣٧٢ - قلنا: هذا المعنى موجود في السجود، ولم يفرق بين السجدة في آخر الصلاة وبين أولها، وإن كانا لو افترقا لتذكر المصلي ولم يشك، ثم سوى بينها فكذلك القعدة مثله. ولأن القعدة بين السجدتين والقعدة الأولى على صفة واحدة، وإن [كان] التفريق بينهما أحوط من الوجه الذي قالوه، والقعدة في الفجر يتورك فيها وإن لم يحتج إلى الفصل بينها وبين قعدة أخرى. ٢٣٧٣ - قالوا: إذا تمكن من الجلوس كان أسهل وأمكن من تطويل الدعاء، وهو على ما يقوله كان أشق، وفعل القرب على أشق الأمرين أفضل ما لم يرد عنه نهي.

стр. 494

٢٣٧٤ - وترجح أخبارنا بأنها رويت من جهات لم يطعن عليها، ولأنها قول وفعل وخبرهم فعل، وأقيستنا أولى؛ لأنها تقتضي التسوية بين الأفعال، ولأن قياس الشيء على نظيره وحنسه أولى من قياسه على غيره. * * *

стр. 495

مسألة ١٢٦ قراءة التشهد مسنون ٢٣٧٥ - قال أصحابنا: قراءة التشهد مسنون. ٢٣٧٦ - وقال الشافعي: واجب في القعدة الأخيرة. ٢٣٧٧ - لنا: ما روي أن النبي ﷺ قال لابن مسعود ﵁: (فإذا فعلت هذا [أو قلت هذا] فقد تمت صلاتك). فعلق التمام بأحد الأمرين، وقد ثبت أن القعدة واجبة، فانتفى أن يجب التشهد؛ لأن وجوبه يقتضي تمام الصلاة يهما. ٢٣٧٨ - وفي حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ لما علم الأعرابي الصلاة ذكر القعود ولم يذكر التشهد، ولو كان واجبا لذكره. ٢٣٧٩ - ولا يقال: لجواز أن يكون ذلك قبل أن يفرض التشهد؛ لأنا لا نسلم أن التشهد فرض، وإنما يقدر بعد أن لم يكن مقدورا، ولم ينقل أن الصلاة كانت تفعل من غير تشهد.

стр. 496

٢٣٨٠ - ويدل عليه حديث علد الله بن عمرو أن النبي ﷺ قال: (إذا قضى الإمام الصلاة فقعد وأحدث هو أو أحد ممن أتم الصلاة معه قبل أن يسلم الإمام، فقد تمت صلاته فلا يعود فيها). ولا يقال: يحتمل أن يكون هذا قبل أن يجب التشهد؛ لم بينا أنه لم ينقل أن الصلاة كانت تفعل من غير تشهد. ٢٣٨١ - قالوا: معناه قد قارب التمام، كما قال: (من وقف بعرفة فقد تم حجه). ٢٣٨٢ - قلنا: مقاربة التمام يعلم من طريق المشاهدة، وهو لا يبين المشاهدات. ولأن حقيقة التمام تنفي بقاء فرض عليه، وما سواه يصار إليه بدلالة. وقوله في الحج: (من وقف بعرفة فقد تم حجه) صحيح؛ لأنه قد تم، بمعنى أنه لا يفسد بالوطء. ولأنه ذكر في الصلاة من غير القرآن، كالتسبيحات. ولأنه ذكر من سنته الإخفاء في صلاة يجهر بها بالقراءة، كالتسبيحات. لأنه ذكر من سنته الإخفاء بتحميد الله، فلا يجب في الصلاة، كالاستفتاح. ولأنه لو كان واجبا لم يفعل إلا في محل واحد، كالقراءة. ولأنه ذكر متكرر في الصلاة لا يجب الأول منه فلم يجب الثاني، كالتسبيحات، وعكسه القراءة. ٢٣٨٣ - قالوا: المعنى في التسبيحات أنها ذكر هو في نفسه قربة، وفي مسألتنا:

стр. 497

ذكر في حالة مقصودة ليس في نفسه قربة. ٢٣٨٤ - قلنا: الأفعال في الصلاة كلها قربة، سواء أعيد فعلها في [غير] الصلاة، أو لم يعد، ألا ترى أن مقارنة الأركان لها تجعلها قربة، فلا يحتاج إلى الذكر لتخلص القربة. ٢٣٨٥ - احتجوا: بحديث [ابن] مسعود قال: كنا نقول قبل أن يفترض التشهد: السلام على الله، السلام على جبريل، فقال النبي ﷺ : (قولوا: التحيات لله)، وهذا يدل على أن التشهد فرض، وحقيقة الفرض في الشرع الوجوب، وقوله: (قولوا) أمر، ثم قال في الخبر: (إذا قلت هذا أو قضيت هذا فقد قضيت صلاتك)، فعلق التمام به. ٢٣٨٦ - والجواب: أن قوله: قبل أن يفترض؛ معناه: قبل أن يقدر، والفرض: التقدير، يقال: فرض القاضي النفقة، بمعنى قدرها، فلما ذكر أبن مسعود ذكرا غير مقدر ثم ذكر المقدر دل على أنه أراد بالفرض التقدير، وقوله: ([قولوا] التحيات) فهو تعليم، ومن أصحابنا من قال: إن الأمر إذا كان للتلقين لم يفد الوجوب. ولأن قوله: (قل) لم يرد به الوجوب في بعض الكلمات؛ لأن الواجب عندهم خمس كلمات: التحيات لله، السلام عليك أيها النبي ورحمة الله، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وما سوى ذلك ليس بواجب في بعض الألفاظ، انتقى في نفسها؛ لأن الأمر يتناولهما على وجه واحد. ٢٣٨٧ - وقولهم: علق تمام الصلاة ليس بصحيح؛ لأنه علق التمام بأحد الأمرين:

стр. 498

إما فعل القعود والتشهد؛ ألا ترى أنه قال: أخذ رسول الله ﷺ بيدي، فقال: (إذا جلست وكنت في آخر الصلاة فقل: التحيات ... ثم قال: فإذا فعلت هذا أو قضيت هذا)، فظاهره يقتضي التخيير بين الفعل والقول، وتعليق التمام بأحدهما. ٢٣٨٨ - قالوا: ذكر لله من شرطه صحة الأذان، فوجب أن يكون شرطا في صحة الصلاة، كالتكبير. ٢٣٨٩ - قلنا: الشهادة شرط في كون الأذان مسنونا، وهي شرط في الصلاة على هذا الوجه، فلا فرق بينهما. ولأنا نقول بموجب العلة؛ لأن الشهادة شرط في الإسلام، وهو شرط في الصلاة، فقد صارت الشهادة شرط من شرائطها. ٢٣٩٠ - فإن قالوا: وجب أن يكون شرطا في الصلاة لم نسلم ذلك في التكبير. ثم التكبير ليس بشرط في الصلاة عندنا؛ لأنه يجوز الدخول بغيره، والأصل غير مسلم. ٢٣٩١ - ثم المعنى فيه: أنه لما وجب- لا على وجه العلامة- كان الجهر من سنته، ولما كان من سنة التشهد الإخفاء في صلوات الجهر، لم يكن واجبا. ٢٣٩٢ - قالوا: الجلوس حال من أحوال الصلاة، مقصودة ليست بنفسها قربة، فوجب أن يتضمن ذكرا واجبا، كالقيام. ٢٣٩٣ - قلنا: أفعال الصلاة كلها قربة، فالركوع والسجود قربة في نفسه، والقعدة والقيام قربة أيضا لمقارنة الأركان له؛ ألا ترى أنه لا يعتاد فعله على هذا الوجه، فلم يحتج إلى معنى آخر ليصير قربة. ولأنهم إذا أرادوا قيام الصلاة فذلك لا يكون إلا قربة، وإن أرادوا القيام في غير الصلاة فالركوع مثله؛ لأن الإنحناء خارج الصلاة ليس بقربة في نفسه، وقد يفعل لحمل الشيء كما يفعل [القيام] لغير القربة. ولأن القيام لما وجب فيه الذكر كان من جنس القرآن، فلو وجب في القعدة الركن لكان مثله. ٢٣٤٩ - قالوا: الأذكار في الصلاة فيما ليس بخضوع في نفسه على ثلاثة أضرب: تكبيرة، وقراءة، وتشهد. ثم ثبت من التكبير والقراءة واجب [وغير واجب]

стр. 499

وجب أن يكون من التشهد واجب وغير واجب. ٢٣٩٥ - قلنا: أيمتنع [أن يثبت] في الصلاة ذكر متكرر لا يثبت شيء منه، كالتسبيحات والتكبيرات على أصلنا. ولأن القراءة والتكبير لما وقع ابتدأ ما يفعل منه واجبا جاز أن يكون له في الوجوب مدخل، ولما كان التشهد ذكرا يبتدأ به غير واجب لم يكن له في الواجب مدخل، كالتسبيحات. والمعنى في جميع ما ذكروه أنه لما لم يفعل إلا في محل واجب كان له مدخل في الوجوب، ولما كان التشهد يفعل في محل غير واجب لم يكن واجبا. * * *

стр. 500

مسألة ١٢٧ أي صيغ التشهد أفضل ؟ ٢٣٩٦ - قال أصحابنا: الأفضل تشهد ابن مسعود ﵁، وهو: (التحيات لله والصلوات والطيبات، السلام عليك أيها النبي [ورحمة الله وبركاته]). ٢٣٩٧ - وقال الشافعي: الأفضل تشهد ابن عباس ﵁: (التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله [السلام] عليك [أيها] النبي). ٢٣٩٨ - لنا: ما روى ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ أخذ بيده وقال: (قل: التحيات لله والصلوات ...) وهذا الخبر أولى من جميع الأخبار؛ لأنه أحسنها إسنادا، ولأن أخذ النبي ﷺ بيده تأكيد في التعليم، وقوله (قل) أمر، وأقل أحواله أن يحمل على الاستحباب، ثم علق به تمام الصلاة بقوله: (فإذا قضيت هذا فقد تمت صلاتك). ٢٣٩٩ - وروي أن معاوية ﵁ روى على المنبر التشهد عن النبي ﷺ مثل تشهد ابن مسعود، ذكره الطحاوي. وفي حديث جابر مثل حديث ابن مسعود إلا أنه زاد في أوله: (بسم الله وبالله) /.

стр. 501

٢٤٠٠ - ومن أصحابنا من ذكر حديث عمر بن يزيد الأزدي عن سلمان الفارسي أن رسول الله ﷺ علمه التشهد فقال له: (قل: التحيات لله والصلوات والطيبات ... ، ثم قال: قلهن في صلاتك لا تزد فيهن شيئا ولا تنقص منهن شيئا). ٢٤٠١ - وروي أن أبا بكر الصديق ﵁ علم الناس على منبر رسول الله ﷺ التشهد مثل قولنا، فالظاهر أنه أخذ ذلك عن النبي ﷺ . ولأن اسم الله تعالى إذا قدم علا الممدوح في ابتداء الكلام، ومتى أخر كان محتملا، ولأن يزيل الاحتمال بأول الكلام أولى. ٢٤٠٢ - ولا يقال: إنه إذا أخر الاسم زاد الاحتمال، وإذا قدمه بقي الاحتمال فيما بعده؛ لأن العطف من حكمه أن يشرك بين الثاني والأول في حكمه، فإذا قلت: هذه الدار لزيد وهذه، فلا احتمال في الثاني بوجه. ولأن الواو تجعل كل لفظ ثناء بنفسه، وإذا سقطت صار جميع الكلام ثناء واحدا، ألا ترى أن قولنا: التحيات: عام فإذا قال: الصلوات، فكأنه قال: [التحيات التي هي الصلوات. ٢٤٠٣ - ولأن قوله: التحيات عام في الصلاة وغيرها، فإذا قال]: الصلوات، خص اللفظ، وإذا قال: والصلوات نفي العموم في الأول وكرر بعض المذكور. ولأنه ذكر ممتد في أحد طرفي الصلاة فكانت الواو من سننه، كالاستفتاح. ولأن التشهد يتضمن ثناء وشهادة، ثم كان حرف العطف من سنة الشهادة، فكذلك في الثناء. ٢٤٠٤ - احتجوا: بحديث ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد

стр. 502

كما يعلمنا القرآن، وكان يقول: (التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله).قالوا: وهذا أولى؛ لأن فيه زيادة كلمة، وهو: (المباركات) ولأنه يوافق القرآن: قال الله تعالى: ﴿تحية من عند الله مباركة طيبة﴾ والقرآن أشرف الكلام، فما وافقه أولى. ولأن النبي ﷺ ألقى ذلك إلقاء شائعا ظاهرا، فكان أولى مما لم يلقه على هذا الوصف. ٢٤٠٥ - ولأنه متأخر عن خبر ابن مسعود؛ لأن ابن عباس صغير السن فنقل ما تأخر عن الشرع، وابن مسعود قدمت صحبته وشهد بدرا والعقبة، فنقل السنن المتقدمة. ولأن ابن مسعود قال: كنا نقول قبل أن يفرض التشهد، فهذا يدل على أن ما علمه النبي ﷺ كان ابتداء ما فرض التشهد، فما سواه متأخر عنه. ٢٤٠٦ - والجواب: أن خبر ابن مسعود أولى، لما قدمناه، ولأنه وافقه عليه غيره، وخبرهم لم ينقله إلا ابن عباس، ولأن أصحاب الحديث قالوا: لم ينقل في التشهد أحسن إسنادا من حديث ابن مسعود، وحديث ابن عباس رواه أبو الزبير عن سعيد، وطاوس، وقد تكلم في أبي الزبير فقيل: إنه مدلس، وكان شعبة لا يحدث عنه، وقال: رأيته يصلي فما أعجبتني صلاته، ولأن خبر ابن مسعود لم يختلف فيه، وقد اختلف على ابن عباس: فروي: (أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين) وروي: (السلام عليك أيها النبي، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله)، وما لم يختلف فيه أولى. ٢٤٠٧ - فأما قولهم: إن فيه زيادة لفظة، فلو ترجح بذلك لرجح خبر جابر؛

стр. 503

لأن فيه زيادة (بسم الله وبالله) ولأن في خبرنا زيادة الواو وزيادة الألف [واللام في (السلام)]، وزيادة الشهادة بالنبي ﷺ وقوله: (عبده ورسوله). فأما [قولهم]: إنه يوافق القرآن، فقراءة القرآن تكره في القعدة، فكيف يستحب ما يوافقه. ولأن الله تعالى ذكر تحية مباركة في خطاب الآدميين، وإذا كان الصلاة كلما بعدت عن خطاب الآدمي كانت أولى. ٢٤٠٨ - وقولهم: ألقاه إلقاء شائعا، كذلك خبر ابن مسعود؛ لأنه قال: كان رسول الله ﷺ يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن، ويعلمنا الواوات. والسورة محصورة. وقول ابن عباس: كما يعلمنا القرآن لا يقتضي الحصر. ٢٤٠٩ - فأما قولهم: إن خبرنا متأخر فغلط؛ لأن أبا الحسن روى في حديث ابن مسعود قال: كنا نقول في أول الإسلام: التحيات الطاهرات الزكيات، السلام على جبريل والملائكة، فالتفت رسول الله [ ﷺ ] فقال: (قولوا: التحيات لله والصلوات)، فدل على أن خبر ابن مسعود متأخر عما رواه ابن عباس من ذكر (المباركات). ٢٤١٠ - وقولهم: إن ابن عباس يروي آخر السنن لصغر سنه غلط؛ لأن الصحابة لم ترجح رواية أصاغرها، ولأن ابن مسعود وإن تقدمت هجرته فقد دامت صحبته إلى أن قبض النبي ﷺ ، ولأن أصاغر الصحابة [قد] كانوا يروون الأخبار لأنهم سمعوها من أكابرهم، لا أنهم سمعوها من النبي ﷺ . وقد ذكر الدارقطني في حديث ابن عباس أنه قال: أخذ عمر بن الخطاب بيدي فزعم أن

стр. 504

رسول الله ﷺ أخذ بيده فعلمه: (التحيات لله الصلوات الطيبات المباركات لله)، فهذا يدل على أن ابن عباس أخذ عن عمر بن الخطاب، ولو كان أخذه عن النبي ﷺ لم يروه عن عمر، ومتى ثبت أنه أخذ التشهد عن عمر- وعمر قديم الصحبة- سقط ما قالوه. * * *

стр. 505

مسألة ١٢٨ الصلاة على النبي ﷺ ليست شرطا في الصلاة ٢٤١١ - قال أصحابنا: الصلاة على النبي ﷺ ليست شرطا في الصلاة. ٢٤١٢ - وقال الشافعي: هي شرط بعد التشهد، ولو قدمها عليه أو أتى بها قبل القعدة لم يسقط الغرض. ٢٤١٣ - لنا: ما قدمناه من الأخبار الثلاثة في مسألة التشهد، والقياسين الأولين. ولأنه ركن من أركان الصلاة، فلا يشترط فيه الصلاة على النبي ﷺ ، كسائر الأركان. ولا يقال: إن سائر الأركان يكره فيها الصلاة على النبي ﷺ ؛ وذلك لأنه لا يكره الصلاة على النبي ﷺ في قيام القنوت، والقيام ركن. ثم ليس إذا لم يكره في القعدة كان واجبا، كالصلاة على آل النبي ﷺ . ولأن إيجاب الصلاة على النبي [ ﷺ ] [مع التشهد] إيجاب ذكرين [من] جنسين في ركن واحد، وهذا لا يصح، أصله: سائر الأركان. ولا يقال: إن التكبيرة والقراءة تجب في حال لقيام؛ لأن التكبيرة عندنا خارج الصلاة، والركن ما بعدها لا يجب فيه إلا ذكر واحد. ولأنه [ذكر] شرع في القعدة فلم يكن واجبا في الصلاة، كالصلاة على النبي ﷺ .

стр. 506

٢٤١٤ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾، قالوا: وهذا أمر يقتضي الوجوب، وقد أجمعنا [على] أنه لا يجب في غير الصلاة، فلم يبق إلا أن يحمل على الصلاة. ٢٤١٥ - والجواب: أن مذهب أبي الحسن أن الصلاة على النبي ﷺ تجب في غير الصلاة مرة واحدة. ٢٤١٦ - وقد قال الطحاوي: الصلاة واجبة عليه كلما ذكر، وليست شرطا في الصلاة. ومتى قلنا بوجوب ذلك خارج الصلاة لم يمكن ما قالوه. ولا يقال: إن الكلام مع أبي حنيفة فلا يلزمنا قول غيره؛ لأن الطحاوي لم يضف ما قاله إلى نفسه، ويجوز أن يكون على طريق الرواية. ٢٤١٧ - قالوا: من أصلنا أن الأمر يفيد التكرار، فظاهر الآية يقتضي وجوب الصلاة في كل حال- الصلاة وغيرها-، ويسقط ما سوى الصلاة بدليل، وبقي الأمر في الصلاة. ٢٤١٨ - قلنا: الأمر لا يفيد التكرار عند الشافعي، ثم لو سلمنا ذلك اقتضى ظاهر الآية وجوب الصلاة بكل حال، فنقول بذلك على ما حكاه الطحاوي، ولا يمكنهم استعماله إلا بالتخصيص، ومن استعمل العموم أولى ممن خصصه. ٢٤١٩ - قالوا: قال الله تعالى: ﴿وسلموا تسليما﴾ فدل على أن الصلاة المأمور بها التي يتعقبها السلام. ٢٤٢٠ - قلنا: لو كان المراد ما قلتموه لقال: وسلموا تسليما؛ لأن سلام الصلاة معرف، فلما ذكر سلاما منكرا دل على أن المراد به: السلام لأمره تعالى، كما قال: ﴿ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾. ٢٤٢١ - قالوا: وروى كعب بن عجرة قال: كان رسول الله ﷺ يقول في

стр. 507

صلاته: (اللهم صل على محمد)، وقال: (صلوا كما رأيتموني أصلي). ٢٤٢٢ - والجواب ما قدمناه: أن قوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي) يقتضي وجوب الاتباع إذا عرفنا جهة [الفعل] أنها واجبة أو مسنونة، ومتى أوقعنا الفعل على غير الجهة لم يجز، وقد اختلفنا في الجهة التي أوقع ﵊ الفعل عليها. ٢٤٢٣ - قالوا: روت عائشة قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (لا يقبل الله صلاة إلا بطهور وبالصلاة علي). ٢٤٢٤ - قلنا: هذا الخبر قال الدارقطني: رواه عمر بن شمر عن جابر الجعفي، وهما ضعيفان. ثم هو محمول على الفضيلة؛ بدلالة ما قدمناه. ويجوز أن يقال: (لا يقبل) في ترك ما ليس بواجب؛ كما قال ﵇: (لا يقبل الله صلاة امريءحتى يضع الطهور مواضعه) وذكر في الخبر التحميد والتسبيح. وذكر الدارقطني حديث سهل بن سعد أن النبي ﷺ قال: (لا صلاة لمن لم يصل على نبيه)، وذكر الدارقطني أن رواية عبد المهيمن بن عباس عن أبيه عن جده سهل، قال:

стр. 508

وليس بالقوي. ثم يحتمل. لا صلاة على/ سائر الأنبياء إلا لمن يصلي علي. وذكر حديث أبي مسعود الأنصاري: أن النبي ﷺ قال: (من صلى صلاة لم يصل فيها علي ولا على آل بيتي لم يقبل منه)، وذكر أن راويه جابر الجعفي، وقد اختلف عليه: فمرة أوقفه على أبي مسعود، ومرة أسنده، ولو ثبت كان المراد به الاستحباب؛ ألا ترى أن ذلك هو المراد في الصلاة على أهل بيته. ٢٤٢٥ - قالوا: روى فضالة بن عبيد قال: سمع النبي ﷺ رجلا يدعو في الصلاة، فلم يحمد الله ولم يصل على رسول الله، فقال: (عجل هذا)، فدعاه فقال له ولغيره: (إذا صلة أحدكم فليبدأ بالحمد لله والثناء عليه ثم يصلي علي، ثم يدعو بعد بما شاء. ٢٤٢٦ - والجواب: أن النبي ﷺ تركه حتى فرغ من الصلاة ولم يأمر بإعادتها، فدل على أنه ذكر على طريق الاستحباب. ٢٤٢٧ - قالوا: روى أبو مسعود الأنصاري قال: أقبل رجل حتى جلي بين يدي النبي ﷺ ونحن عنده، فقال: يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا في صلاتنا؛ فقال: إذا صليتم علي فقولوا: اللهم صل على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد النبي الأمي وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد).

стр. 509

٢٤٢٨ - والجواب: أنه قال: (إذا صليتم فقولوا كذا)، وهذا أمر يتعلق بشرط اختيار الفعل، وذلك لا يدل على الوجوب قبل اختيار الصلاة. ولأنه قدر أريد به الاستحباب في أكثر الألفاظ؛ لأن الواجب عندهم: اللهم صل على محمد، وما سواه ليس بواجب. ٢٤٢٩ - قالوا: كل ما كان ذكره شرطا في الأذان كان ذكره شرطا في الصلاة، كالله تعالى. ٢٤٣٠ - قلنا: ذكر الله تعالى ليس بشرط في الصلاة عندنا؛ لأن التحريمة خارج الصلاة، ويجوزان على ما ليس فيه ذكر الله تعالى. ولأن ذكر النبي [ ﷺ ] [في الأذان] شرط [في كونه] مسنونا، وكذلك هو شرط عندنا في سنة الصلاة، فأما في الوجوب فلا. ولأن ذكر الله تعالى لا يتكرر وجوبه في ركن واحد، وكذلك ذكر النبي ﷺ لا يتكرر وجوبه في ذكر واحد. ٢٤٣١ - قالوا: كلما افتقر إلى ذكر الله افتقر إلى ذكر رسوله، كالإيمان، وهذا معنى قوله [تعالى]: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾، قيل في التفسير: لا أذكر إلا وتذكر معي. ٢٤٣٢ - قلنا: نعكس هذه العلة، فنقول: ما افتقر إلى ذكر اسم الله لم يقف صحته على الصلاة على رسول الله [ ﷺ ]، كالإيمان. وقوله: ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ يدل على أنه يذكر مع ذكره، ولا يدل على الوجوب ولا على الاستحباب. * * *

стр. 510

مسألة ١٢٩ السلام ليس بركن ٢٤٣٣ - قال أصحابنا: السلام ليس بركن. ٢٤٣٤ - وقال الشافعي: هو ركن. فاما الخروج بفعله فاختلف أصحابنا فيه: ٢٤٣٥ - فقال أبو سعيد: هو واجب عند أبي حنيفة. ٢٤٣٦ - وقال [أبو] الحسن: ليس بواجب عنده. والكلام في هذه المسألة يقع في فصلين: أحدهما: نفي الوجوب، والآخر: أن السلام ليس من الصلاة. ٢٤٣٧ - والدليل على الأول: حديث ابن مسعود: أن النبي ﷺ لما علمه التشهد قال له: (فإذا فعلت هذا أو قلت هذا فقد تمت صلاتك، فإن شئت ان تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد، واختر من أطيب الكلام ما شئت)، فحكم بتمام الصلاة قبل السلام، وخيره بين القعود والقيام، وهذا ينفي بقاء واجب عليه.

стр. 511

٢٤٣٨ - قالوا: هذه الزيادة في الخبر، قيل: إنها من قول ابن مسعود [وأدرجها الراوي في الخبر. وقد روى ثوبان هذا الخبر، وجعل آخره من قول ابن مسعود]. وروى الخبر جماعة من غير ذكر هذه الزيادة. وقد روى شبابة بن سوار هذا الخبر عن زهير بن معاوية وقال فيه: قال عبد الله: فإذا قلت ذلك فقد قضيت ما عليك، ففصل ذلك من كلام رسول الله ﷺ . وكذلك رواه غسان بن ربيع. ٢٤٣٩ - قلنا: قد روي هذا على ما ذكرتم، وروى موسى بن داود وغيره الخبر وذكر فيه بعد قوله: أشهد أن محمدا عبده ورسوله قال: ثم قال: إذا قضيت هذا فقد تمت صلاتك، إن شئت تقوم قم وإن شئت [أن] تجلس فاجلس. فظاهر هذا أنه من كلام رسول الله ﷺ ، ويجوز أن يرويه ابن مسعود تارة، ويفتي به أخرى. ٢٤٤٠ - وروى أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : (إذا شك أحدكم في صلاته فليلغ الشك، وليبن على اليقين، فإذا استيقن التمام سجد سجدتين، فإن كانت صلاته تامة كانت الركعة نافلة). ولو كان السلام ركنا لم يصح النفل مع بقائه. وحديث عبد الله بن عمرو والذي قدمناه دليل في هذا. ولأنهما ذكران متكرران يتعلقان بالصلوات فالأول منهما في حكم الثاني، كالأذان والإقامة. ٢٤٤١ - قالوا: المعنى في الثانية: أنه لا يسقط بها ما هو شرط في الصلاة،

стр. 512

فكانت واجبة. ٢٤٤٢ - قلنا: لا نسلم هذا- على قول أبي الحسن-. ولو سلمناه بطل بمتابعة الإمام: تسقط القراءة إذا أدركه في الركوع، وليس بواجب. ولأنه ذكر لا يتعقبه شيء من أفعال الصلاة، كتكبير التشريق. ولأته ذكر شرع بعد التشهد، كالدعاء. ٢٤٤٣ - فأما الدليل على أنها خارج الصلاة لأنها تحية للحاضر، كالثانية. ولأن ما يفسد الصلاة إذا وقع به الخروج أبطل الجزء الذي يصادفه، أصله: إذا سلم في وسط الصلاة. ٢٤٤٤ - ولا يقال: إن التسليم إنما يبطل إذا اعتمد في خلالها، وهذا موجود في الركوع؛ لأنا لا نسلم أن اعتماد زيادة ما دون الركعة يفسدها. ولأنه ذكر يفعل إلى غير القبلة فلا يجب في الصلاة، أو لا يكون منها، كالتسليمة الثانية، وعكسه التكبير والقراءة. ٢٤٤٥ - قالوا: ليس [كل ما] إذا فعل لغير القبلة انتفي وجوبه؛ لأن الركوع والسجود يفعل إلى غير القبلة، ألا ترى أنه لا يترك توجيه ما يقدر على توجيهه، وما لا يمكن أن يتوجه به لا يخرج من أن يكون موضوع الركن إلى القبلة، ألا ترى أن القائم من سنته ان ينظر إلى موضع سجوده، ولا يخرج ذلك القيام أن يكون مفعولا إلى القبلة. ٢٤٤٦ - والدليل على أنه خرج بغير السلام: أن كل فعل منه لو حصل في وسط الصلاة أفسدها إذا حصل في آخرها صح به الخروج، كالسلام. ٢٤٤٧ - احتجوا: بما رواه على أن النبي ﷺ قال: (مفتاح الصلاة الطهور، وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم). ٢٤٤٨ - والجواب: أن هذا الخبر رواه عبد الله بن محمد بن عقيل، فرواه من طريق أبي سعيد الخدري أبو سفيان طريف بن شهاب السعدي، وكلاهما ضعيف الرواية. ولو ثبت لم يدل، لأن قوله: (تحليله التسليم) يدل أن جنس السلام يقع

стр. 513

به التحليل، ولا يدل أن جنس [السلام] يقف على التحليل. ولا يقال: إنه إذا قيل: مال فلان الإبل؛ اقتضى أن لا مال له غيره؛ لأنا لا نسلم ذلك، بل عندنا أن ذلك جل ماله، ولا نيفي غيره. ٢٤٤٩ - قالوا: روى جابر بن سمرة قال: كان إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ فسلم أحدنا أشاره بيده [من] عن يمينه [ومن] عن يساره، فلما صلى قال: (ما بال أحدكم يومئ بيديه كأنها أذناب خيل شمس! إنما يكفي أحدكم أن يقول هكذا- وأشار بأصبعه- يسلم على أخيه [من عن يمينه ومن عن شماله)] فثبت أن الكفاية [هو السلام]. ٢٤٥٠ - قلنا: ذكر الكفاية في الإشارة، ولا خلاف أن ذلك ليس بواجب، وأن الكفاية تستعمل في الواجب والمسنون. ٢٤٥١ - قالوا: كل ما كان شرطا في صحة الصلاة إذا سقط بالنطق لم يسقط بغيره، كالقراءة. ٢٤٥٢ - قلنا: لا نسلم أن الخروج شرط. ولو سلمناه بطل بالقراءة؛ لأنها تسقط بالمنطق، وبمتابعة الإمام- وليس بنطق-. ثم المعنى في القراءة أنها [إن] كانت من جنس المعجز جاز أن تجب في الصلاة، [و] ما لم يكن السلام من جنس المعجز لم يجب فيها.

стр. 514

٢٤٥٣ - قالوا: أحد طرفي الصلاة فافتقر إلى نطق واجب، كالطرف الأول. ٢٤٥٤ - قلنا: الطرف الأول يحتاج إلى الدخول والالتزام، وذلك يقف على اللفظ، والطرف الآخر يحتاج إلى الخروج والترك، فلذلك لم يفتقر إلى اللفظ. ونعكس فنقول: أحد طرفي الصلاة فلم يجب فيه التسليم، كالطرف الأول. ٢٤٥٥ - قالوا: عبادة تفتقر إلى ذكر يستقبل به القبلة، فوجب أن تفتقر إلى ذكر [لا] يستقبل به القبلة، [كالأول والجمعة. ٢٤٥٦ - قلنا: ينتقض هذا بالحج- على أصلنا-؛ لأنه يفتقر إلى التلبية، وموضوعها إلى القبلة، ولا يفتقر إلى ذكر لا يستقبل به القبلة. ولأن الجمعة لما افتقرت إلى ذكر لا يستقبل به القبلة لم يكن ذلك الذكر مبتدأ به مع بقاء الصلاة، ولا يشترط فيه الاستقبال، فلم يكن واجبا. ولن الجمعة قد تأكدت في الشرائط [فلم يعتبر غيرها بها]. ولأن الأفعال تجب إلى القبلة، ولم يدل ذلك على وجوب فعلها إلى غيرها، كذلك الأذكار. ٢٤٥٧ - قالوا: ما ينقض الطهارة لا تتم به الصلاة عندنا. ٢٤٥٨ - قلنا: لأنها قد تمت قبله على قول أبي الحسن. ولو قلنا بقول غيره فالحدث يسقط به الواجب وإن لم يكن في نفسه واجبا، كما تسقط الصلاة الواجبة بما فعله في الدار المغصوبة. [و] لأن انقضاء مدة المسح يؤثر في الطهارة، ويستند [إلى حال] سابقة، فيصير الحدث كالموجود في الصلاة، والحدث المستند لا يستند إلى أمر سابق، فإنما يؤثر في الجزء الذي يصادفه، كالسلام.

стр. 515

٢٤٥٩ - احتجوا: في أن السلام في الصلاة/ بقول ابن مسعود: ما نسيت من الأشياء لم أنس تسليم رسول الله ﷺ في الصلاة عن يمينه وشماله. ٢٤٦٠ - وقالت عائشة [﵂]: كان رسول الله ﷺ يسلم في الصلاة تسليمة واحدة تلقاء وجهه. ٢٤٦١ - والجواب: أن [في] بمعنى: من؛ بدلالة [أن] ابن مسعود ذكر التسليمتين، ولا خلاف أن الثانية ليست في الصلاة، فعلم أن المراد بالخبر: كان يسلم من الصلاة، وهذه الحروف تقوم بعضها مقام بعض. ٢٤٦٢ - قالوا: ذكر يسقط به ما هو شرط في صحة كل صلاة، فوجب أن يكون فيها، كالقراءة. ٢٤٦٣ - قلنا: الوصف غير مسلم على ما قدمناه. ولأن سقوط الشرط بالذكر لا يدل على أنه في الصلاة، كالخطبة. ثم المعنى في القراءة [ما] قدمناه. ٢٤٦٤ - قالوا: لا خلاف أنه إذا ابتدأ السلام وقع في الصلاة، فكيف يكون فيها إذا أكمله. ٢٤٦٥ - قلنا: إذا ابتدأ وقع في الصلاة- وذلك الجزء منها مراعى فإذا تم خرج من أن يكون صلاة، وقد يبتدئ بالفعل صلاة ثم يخرج بعد ذلك، كالصلاة التي يفسدها. * * *

стр. 516

مسألة ١٣٠ لا يجوز الدعاء في الصلاة بما يشبه الناس مثل أن يسأل تزويج امرأة أو تمليك عبد وثوب ٢٤٦٦ - قال أصحابنا: لا يجوز الدعاء في الصلاة بما يشبه خطاب الناس، مثل أن يسأل تزويج امرأة أو تمليك عبد وثوب. ٢٤٦٧ - وقال الشافعي: كل ما ساغ الدعاء به في غير الصلاة ساغ فيها. ٢٤٦٨ - لنا: حديث معاوية بن الحكم ﵁ أن النبي قال: (إن صلاتنا لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هي تكبير وتسبيح وقراة القرآن) فظاهره نفي ما سوى ذلك من الذكر. ٢٤٦٩ - ولا يقال: إن الخبر خرج على سبب، وهو أن معاوية شمت عاطا، فنهاه عن مخاطبة الغير؛ لأن محل الاحتجاج بعموم اللفظ- وإن كان السبب خاصا-. وروى سعد أنه رأى ابنه يدعو في صلاته فقال: لا تتعدى في

стр. 517

الدعاء، إنما يكفيك أن تقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، وأعوذ بك من النار وما قرب [إليها] من قول وعمل؛ إني سمعت رسول الله [ ﷺ ] يقول: (سيكون قوم يعتدون في الدعاء)، ثم قرأ ﴿ادعوا ربكم تضرعا وخفية* إنه لا يحب المعتدين﴾. وهذا يدل أنه في جملة الأدعية ما نهي عنه. ولأن ما يقولون يزيل هيئة الصلاة؛ ألا ترى أن من سمع رجلا يسأل الطعام والمرأة المعينة اعتقد أنه في غير صلاة، وما أزال هيئة الصلاة من الأذكار لم يجز فيها، كخطاب الآدميين. ولأنه كلام يتخاطب به الناس بينهم فلم يجز في الصلاة، كذكر السلام وتشميت العاطس. ولأنه نوع ذكر، فما أبيح منه خارج الصلاة جاز أن يفسد الصلاة، ككلام الآدميين. ٢٤٧٠ - احتجوا: بقوله ﵊ لابن مسعود ﵁ لما علمه التشهد: (ثم ليختر أحدكم من الدعاء أعجبه إليه فليدع به). وروى فضالة بن عبيد ﵁ أن النبي ﷺ سمع رجلا يدعو في الصلة فقال: (عجل هذا) ثم دعاه، فقال له ولغيره: (إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه، ثم يصلي علي ثم يدعو بما شاء). ٢٤٧١ - والجواب: أن قوله لابن مسعود ﵁: (ثم ليختر أحدكم أعجب الدعاء) يدل على أن في الدعاء المباح ما منع منه. وقد روي أنه قال له: (واختر من أطيب الكلام ما شئت)، وهذا يدل على أنه يأتي بكل [دعاء]. ولأن هذا ذكر بعد التشهد، والكلام عندنا في تلك الحال يقع به الخروج ويقوم مقام السلام. ولأنه يحتمل أن يكون في حال إباحة الكلام. ٢٤٧٢ - وكذلك الجواب عن حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ لما رفع رأسه من

стр. 518

الركعة الأخيرة من الفجر قال: (ربنا لك الحمد، اللهم أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام). ولا يقال: إن حظر الكلام كان بمكة، وهذا بالمدينة؛ لأن الكلام قد أبيح بالمدينة، وروي عن زيد بن أرقم أنه قال: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزل قوله ﴿وقوموا لله قانتين﴾. ٢٤٧٣ - قالوا: روي عن علي أنه دعا في قنوته على قوم بأعيانهم. وعن أبي الدرداء أنه قال: إني لأدعو في صلاتهي لسبعين أخخ من إخواني بأسمائم وأنسابهم. ٢٤٧٤ - قلنا: قد عارضه حديث سعد. وروي [عن] جماعة من التابعين مثل قولنا. وقال طاووس: ادع في الفريضة بما في القرآن. وعن النخعي أنه كره أن يدعو في صلاته بما يشبه الكلام. ٢٤٧٥ - قالوا: كل دعاء ساغ في غير الصلاة ساغ فيها، كالدعاء بمصالح [الدين]. ٢٤٧٦ - قلنا: جواز الشي خارج الصلاة لا يدل على جوازه فيها؛ ألا ترى أن خطاب الغير بالتسبيح يجوز في غير الصلاة ولا يجوز فيها. ولأن الدعاء بمصالح الدين مما يشبه القرآن والأدعية، فلذلك جاز فيها. ٢٤٧٧ - قالوا: قال الله تعالى: ﴿فادع لنا ربك يخرج [لنا] مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها [وفومها وعدسها]﴾، وأنتم لا تجوزون الدعاء بذلك،

стр. 519

وقد ورد به القرآن. ٢٤٧٨ - قلنا: إن قال: اللهم ارزقني من بقلها وقثائها وفومها وعدسها لم تفسد، لأن هذا قرآن، وإن ذكره لا على هذا الوجه أفسد؛ لأنه لا يشبه لفظ القرآن. ولأن هذا حكاه الله تعالى دعاء مذموما فلا يقتضي ذلك جوازه. * * *

стр. 520

مسألة ١٣١ القنوات في الفجر ليس بسنة ٢٤٧٩ - قال أصحابنا: القنوت في الفجر ليس بسنة. ٢٤٨٠ - وقال الشافعي: هو سنة في الفجر بكل حال، وفي بقية الصلوات إذا حدثت حادثة بالمسلمين، وإن لم يحدث فله قولان. ٢٤٨١ - والكلام في هذه المسألة يقع في بقية الصلوات ثم فجر الفجر. ٢٤٨٢ - والدليل على أنه لا يقنت في جملة الصلوات: أن القنوت أمر ظاهر، فلو كان سنة لفعله النبي ﷺ ، ولو داوم عليه لنقل من طريق الاتسفاضة؛ كنقل سائر الأذكار، فلما لم ينقل دل على أنه ليس بسنة. وقد ادعى الطحاوي الإجماع في هذا الفصل، وقال: إن السلف اختلفوا، والفقهاء بعدهم: فمنهم من أثبت القنوت في بعض الفرائض، ومنهم من نفاه، ولم يقل أحد القنوت في جميع الصلوات إلا الشافعي، فلا يعتد بخلافه على الإجماع. ٢٤٨٣ - ولا معنى لقولهم: إنه روي عن علي أنه قنت في المغرب؛ لأن هذا لا

стр. 521

يعترض على الإجماع؛ ألا ترى أنه لم يقنت في كل الصلوات. ولأن القنوت ذكر زائد فلا يفعل في جميع الواجبات، كتكبير العيد. ٢٤٨٤ - ولا يقال: فكان من جنسه ما يفعل في جميع الصلوات كتكبير العيد؛ لأن جنس القنوت: الدعاء، وذلك يفعل في كل الصلوات وإن لم يكن في محل القنوت. ٢٤٨٥ - وأما الكلام في الفجر، فالدليل عليه: ما روى إبراهيم عن علقمة عن عبد الله قال: لم يقنت النبي ﷺ إلا شهرا، لم يقنت قبله ولا بعده. وروى أبو مالك الأشجعي سعد بن طارق قال: قلت لأبي: يا أبت، إنك قد صليت خلف رسول الله ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي بالكوفة نحوا من خمس سنين، أكانوا يقنتون؟ قال: يا بني، محدث. وروي: بدعة. ولأن النبي ﷺ لو داوم على القنوت في الفجر لنقل ذلك كنقل القراءة والتكبير؛ لأن الحاجة إلى جميع ذلك على وجه واحد، فلما لم ينقل إلا من جهة الآحاد دل على أنه لم يداوم عليه. ٢٤٨٦ - وقد استدل أصحابنا بحديث أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ نهى عن القنوت في الفجر. وعن صفية بنت أبي عبيد عن النبي ﷺ مثله. وقد اعترض عليه بأن راويه محمد بن يعلى زنبور عن عنبسة بن عبد الرحمن القرشي عن عبد الله بن نافع عن أبيه، قالوا: ومحمد بن يعلى وعنبسة وعبد الله بن نافع: ضعفاء. قالوا: ونافع لم يسمع من أم سلمة. وهذا حديث كوفي، وأصحاب الحديث يعترضون بعض رواة

стр. 522

الكوفيين بغير سبب يوجب الضعف. ولأنها صلاة مفروضة، كسائر الصلوات. ولأنها صلاة سن لها أذان وإقامة، أو صلاة شفع، أو صلاة يكفر جاحدها. ولأنها صلاة يدخل وقتها بطلوع الفجر، كركعتي الفجر. ولأنها صلاة نهار كالعيد. ولأنه ذكر زائد فلا يثبت في الفجر، كتكبير العيد. ٢٤٨٧ - احتجوا: بحديث أبي هريرة قال: لما رفع رسول الله ﷺ رأسه من الركعة الثانية من الصبح قال: (اللهم أنج الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وابن أبي ربيعة، والمستضعفين بمكة، واشدد وطأتك على مضر، ورعل، وذكوان، واجعل عليهم سنين كسني يوسف). قالوا: وهذا في صحيح البخاري. والجواب عنه: أنه لا دلالة فيه؛ لأن المذكور فيه مبارك بإجماع- وهو تسمية الرجال-، وإنما الخلاف في ذكر آخر لم يذكر في الخبر. ولأنه روي أنه ﵇ ترك الدعاء بعد شهر، أو تسع وعشرين ليلة، فدل [على] أنه ليس بسنة حين لم يداوم عليه. ٢٤٨٨ - احتجوا: بحديث أنس قال: ما زال رسول الله ﷺ يقنت في الفجر حتى فارق الدنيا. ٢٤٨٩ - والجواب: أن حديث أنس قد روي مختلفا: فروى أبو مجلز عن أنس قال: قنت رسول الله ﷺ في الفجر بعد الركوع شهرا يدعو على رعل وذكوان، وقال: (عصية عصوا الله ورسوله). وروى أبو معاوية عن عاصم، عن أنس ﵁.

стр. 523

قال: سألته عن القنوت قبل الركوع أو بعده؟ فقال: قبل الركوع، فقلت: إن أناسا يزعمون أن رسول الله [ ﷺ ] قنت قبل الركوع، فقال: إنما قنت يدعو على أناس قتلوا أناس من أصحابه يدعون القراء. وإذا تعارض الخبر عنه كان الرجوع إلى خبر ابن مسعود الذي لم يتعارض أولى. ولا يجوز أن يقال: يجمع بين الروايتين أيضا فنقول: الذي روي أنه لم يترك القنوت/ يعني: تطويل القيام، وذلك يسمى قنوتا. وقد روي عن ابن عمر أنه قال: ما أعرف القنوت إلا طول قيام وسئل النبي ﷺ عن أفضل الصلاة، فقال: (طول القنوت)، يعني [طول] القيام. فأما الدعوة على الأئمة الأربعة فليس بصحيح؛ وإنما روي عن عمر أنه قنت وروي عنه خلافه: قال إبراهيم: حدثني الأسود أنه صحب عمر سنين في السفر والحضر فلم يقنت. وأن عثمان لم يقنت. وأن أهل العراق أخذوا القنوت عن علي، وأخذ أهل الشام عن معاوية. وقد روي عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنه كان لا يقنت في الفجر.

стр. 524

[وعن] ابن عمر أنه قيل له: يمنعك الكبر من القنوت؟ فقال: ما أعرفه عن أصحابي. والذي روي من فعل علي فإنما فعله في المحاربة أياما ثم قال: لا أزيد على قنوت رسول الله ﷺ . فدل على أنه لا يرى القنوت بكل حال. ٢٤٩٠ - قالوا: كل ذكر كان مسنونا في صلاة الوتر كان مسنونا في صلاة الفجر، كالتكبيرات. ٢٤٩١ - قلنا: يبطل بالتشهد الأول إذا أوتر بأكثر من ركعة. ولأن سائر الأذكار لما سنت في ركعتي الفجر سنت في فرضها، ولما لم يسن القنوت في ركعتي الفجر لم يسن في فرض الفجر. ٢٤٩٢ - قالوا: كل ذكر كان مسنونا في غير الفرائض وجب أن يكون من جنسه ما هو مسنون في الفرائض، كالاستفتاح والتشهد والمسح. ٢٤٩٣ - قلنا: نقول بموجبه؛ لأن القنوت دعاء، وجنس ذلك ثابت في الفرائض، وإنما يختلف المحل، فهو كتكبير العيد الذي يثبت جنسه في الفرائض وإن اختلف المحل. والمعنى فيما ذكروه [من] الأذكار أنها تثبت في جميع النوافل، فكذلك جاز أن يثبت من [جنسها] في الفرائض، ولما لم يسن القنوت في كل النوافل لم يسن في الفرائض. * * *

стр. 525

مسألة ١٣٢ الترتيب في الفوائت واجب ما لم تتكرر ٢٤٩٤ - [قال أصحابنا]: الترتيب في الفوائت واجب ما لم تتكرر. ٢٤٩٥ - وقال الشافعي: لا يجب. ٢٤٩٦ - لنا: حديث ابن عمر أن النبي ﷺ قال: (من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وراء الإمام فليمض في هذه، ثم يصلي التي ذكر، ثم ليعد هذه. ووجوب الإعادة يدل على وجوب الترتيب. ٢٤٩٧ - ولا يقال: إن هذا الخبر موقوف على ابن عمر وإنما وهم فيه إبراهيم الترجماني فرفعه؛ لأن إبراهيم ثقة، فانفراده بالإسناد لا يوجب ضعف الخبر وإن أوقفه غيره. ولأن ابن عمر يجوز أن يكون اتخذه مذهبا فأفتى به. ولا معنى لاعتراض من اعترض عليه برواية سعيد بن عبد الرحمن- راوي هذا الخبر، قاضي مدينة السلام، الهادي، والذي صلب محمد بن سعيد الشامي- وقد قال الطحاوي: لم ينقل عن

стр. 526

ابن عمر من الصحابة خلاف هذا، وقوله حجة. ٢٤٩٨ - قالوا: قوله ﵇: (فليمض في هذه) يقتضي وجوب المضي، وقوله: (وليعد) يقتضي وجوب الإعادة، فعندكم المضي استحباب والإعادة واجبة، وعندنا المضي واجب والإعادة استحباب، فتساويا في ترك أحد الظاهرين. ٢٤٩٩ - قلنا: عندنا المضي واجب في إحدى الروايتين، ذكرها الطحاوي. ثم قوله: (وليعد) الإعادة لا تقال إلا فيما لم يقع موقعه، فيسقط الفرض بالثاني، فأما إذا فعل مثل ذلك الفعل والفرض يسقط بالأول لم يطلق الاسم عليه. ٢٥٠٠ - وروى أصحابنا أن النبي ﷺ قال: (لا صلاة لمن عليه صلاة). وروى قتادة عن أنس أن النبي ﷺ قال: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك كفارتها، لا كفارة لها إلا ذلك). وقوله: (لا كفارة لها إلا ذلك) يقتضي وجوب تقديمها على صلاة الوقت؛ لأن صلاة الوقت كفارة إذا فعلها بعدها. ولأن النبي ﷺ أخر الصوات يوم الخندق وقضاها مرتبة، وفعله في الفوائت ببيان لفعله في صلاة الوقت. ولا يقال: إن جواز تأخير الصلاة للخوف قد نسخ؛ لأن التأخير كان لعدم القدرة على الفعل لأجل القتال، وهذا لم ينسخ، ولو

стр. 527

نسخ جواز التأخير بقي حكم الترتيب فيما فات وقته. ولأنهما صلاتان واجبتان جمعهما وقت واحد يتسع لهما يفعلان فيه لا على وجه التكرار، فلزم الترتيب فيهما، كصلاتي عرفة والمزدلفة. ولا يلزم المنسية؛ لأنها ليست واجبة مع النسيان؛ ألا ترى أنه لو فعلها لم يقع موقع الواجب. ٢٥٠١ - ولا يقال: إن صلاة العصر بعرفة ليست واجبة؛ لأنها إذا فعلت كانت واجبة. ولأن كل شرط اعتبر في الصلاتين- إذا كانت إحداهما واجبة والأخرى جائزة جاز أن يعتبر بين الواجبين، كالطهارة وستر العورة. ٢٥٠٢ - ولأن كل ترتيب واجب مع بقاء الوقت [جاز أن يجب بعد الفوات، كترتيب الركوع والسجود. ولأن الواجب عليه مع بقاء الوقت] الترتيب في الفعل والوقت، فإذا فات الوقت تعذر الترتيب في الوقت، فبقى الترتيب في الفعل ممكنا، فوجب عليه فعله. ٢٥٠٣ - ولا يقال: المعنى في جميع ما قستم عليه أن الترتيب يجب فيه مع النسيان، ولما لم يجب هذا الترتيب مع النسيان لم يجب مع الذكر؛ لأنا لم نسلم هذا، ولا نقول في جميع المواضع يوجب الترتيب ناسيا، وإنما يجب عليه بعد الذكر عبادة أخرى، والعبادات المبتدأة تجب بحسب الدلالة. ولأنه قد يسقط الشيء [بالنسيان]- لأنه عذر- ولا يسقط مع عدمه لفقد العذر. ٢٥٠٤ - ولا يقال: إن مع بقاء الوقت لا يتصور الترتيب إلا من حيث الوقت، فأما الفعل فلا؛ وذلك لأنه يتصور بالفعل؛ ألا ترى أن في صلاتي عرفة وفي الجمع في حال السفر عندهم يسقط الترتيب بالوقت، ويجب الترتيب بالفعل؟! ٢٥٠٥ - احتجوا: بحديث ابن عباس [﵃] أن النبي ﷺ قال: (أمني

стр. 528

جبريل عند البيت مرتين، وقال لي: ما بين هذين وقت)، وهذا يقتضي أن الوقت جيمعه للظهر وحدها. ٢٥٠٦ - والجواب: أن الخبر اقتضى كون الوقت لها، وخبرنا اقتضى كونه وقتا للفائتة، والكلام يقع في تقديم أحد الواجبين، ولا دلالة في الخبر على هذا. ولأن كونه وقتا لها لا يمنع من وجوب فعل غيرها قبلها. ٢٥٠٧ - احتجوا: بقوله ﵇: (فلا ينصرفن حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا). ٢٥٠٨ - والجواب: أن هذا يقتضي النهي عن الانصراف، وعندنا يمضي في الصلاة، ولا ينصرف عنها. ٢٥٠٩ - قالوا: عبادتان يسقط الترتيب فيهما مع النسيان فوجب أن يسقط مع الذكر، أصله: إذا فاته يومان من رمضان، وأصله: آخر الوقت، وعكسه صلاتي عرفة. ٢٥١٠ - قلنا: سقوط الفرض مع [النسيان لا يدل على سقوطه مع] الذكر؛ لأن النسيان عذر، وقد يسقط الفرض بالعذر وإن لم يسقط بغيره. ولأن قضاء رمضان فرض متكرر، والفرائض المتكررة لا ترتيب فيها، كالفوائت إذا كثرت، والصلوات فرض لم يتكرر، فصار كالسجود والركوع. ولا يقال: هذا يبطل بظهرين من يومين لأن الترتيب واجب فيها عندكم وإن كانت متكررة؛ وذلك أن الظهر الثانية لا تجب إلا في آخر وقتها، والترتيب هناك ساقط، فإذا دخل وقت العصر [فقد] سقط الترتيب؛ لأن المعتبر ليس هو كون الفوائت ستة، وإنما المعتبر أن يكون بين الصلاتين أكثر من خمسة. ذكره الطحاوي في مختصره. ٢٥١١ - قالوا: صلوات فوائت، أو صلوات استقرت في الذمة، فأشبهت إذ دخلت في التكرار.

стр. 529

٢٥١٢ - قلنا: إذا دخلت في التكرار لحق مشقة بترتيبها، ولما لم تتكرر لم يلحق المشقة، فلذلك سقط الترتيب في أحد الموضعين دون الآخر. ولأنا بينا أن التكرار له تأثير في الترتيب. ٢٥١٣ - ولا يقال: لو كان الترتيب واجبا لم يسقط وإن تكرر، كترتيب السجود والركوع؛ لأن ترتيب السجود على الركوع أقوى من ترتيب العبادتين إحداهما على الأخرى؛ ألا ترى أنه [لا ينفرد] الركوع عن السجود وقد تنفرد إحدى الصلاتين عن الأخرى، فلقوة الترتيب هناك وجب وإن تكررت العبادة. ٢٥١٤ - قالوا: الترتيب في العبادات ضربان: ترتيب من ناحية الوقت، وترتيب من ناحية الفعل، فالترتيب في الوقت: يسقط بفواته، كصوم رمضان وقضاء رمضانين، والترتيب من حيث الفعل: لا يسقط بحال، كصوم الكفارة. والعصر والمغرب ترتيبها من حيث الوقت، فسقط بالفوات. ٢٥١٥ - قلنا: الترتيب في الصلوات قد بينا أنه من حيث الفعل والوقت؛ ألا ترى أن الوقت قد يسقط في صلاتي عرفة ويبقى ترتيب الفعل. فإذا فاتت الصلوات سقط ترتيب الوقت وبقي ترتيب الفعل. * * *

стр. 530

مسألة ١٣٣ إذا سلم على المصلي لم يرد بلسانه لا بالإشارة ٢٥١٦ - قال أصحابنا: إذا سلم على المصلي لم يرد بلسانه ولا بالإشارة. ٢٥١٧ - وقال الشافعي: يشير برأسه. وفي قول آخر: بيده. ٢٥١٨ - لنا: حديث ابن مسعود ﵁ قال: خرجت في حاجة ونحن نسلم بعضنا على بعض في الصلاة، ثم رجعت فسلمت فلم يرد علي- يعني النبي ﷺ وقال: (إن في الصلاة شغلا)، وقوله: فلم يرد علي يدل على أنه لم يرد بلسانه ولا بغيره. وقوله ﵇: (إن في الصلاة شغلا) تنبيه على أنه لا يشتغل عنها بالرد. ٢٥١٩ - وروى أبو الزبري عن جابر ﵁ قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فبعثني في حاجة، فانطلقت إليه، فسلمت عليه فلم يرد علي ورأيته يركع ويسجد، فلما سلم
следующие страницы →