Полный текст (6 324 стр.). Показаны 5636–5675 · переход к 5641.
стр. 5636
بينها وبينهم بيده ثم وضع السيف في صدرها فقتلها وهذه قصة معروفة رواها أهل السيرة وإنما يعني ارتدت أي نقضت العهد فرجعت عنه ولا معنى للتشاغل بتناول أخبار لا أصل لها وأخبار غلط رواتها.
٢٨١٨٧ - وقد ناول [بعض] أصحابنا ظاهر الخبر فقال هو محمول على أنها ارتدت فقاتلت أو كانت ممن يطاع في الحرب وهذا المعنى تقتل به الكافرة الأصلية كذلك الكافرة المرتدة.
٢٨١٨٨ - قالوا: كفر بعد إيمان فوجب القتل به كالرجل.
٢٨١٨٩ - قلنا: المعنى فيه أن الرجل يستعان به في القتال غالبًا ولا يوجد من المرأة أو نقول المعنى فيه أنه لا يسترق إذا كان فعلنا تغليبًا عربيًا وكانت المرأة تسترق إذا كانت من عبدة الأوثان من العرب لم تقتل كالصبي.
٢٨١٩٠ - قالوا: المرأة تقتل بالزنا فتقتل بالردة وتقتل قصاصًا فقتلت بالردة وربما قالوا: كل معنى أوجب القتل على الرجل أوجب القتل على المرأة وأصله الزنى والقتل.
٢٨١٩١ - قلنا: اعتبار الردة بالكفر الأصلي اعتبار كفر بكفر وهو أولى من اعتبار كفر بقصاص وزنا ولأن الزنا والقصاص إذا وجد منها ابتداء وجب القتل كذلك إذا وجدنا [بالماء] ولما كان الكفر إذا وجد ابتداء من المرأة لم يوجب القتل كذلك إذا وجد في الزاني لا يوجبه.
٢٨١٩٢ - قالوا: كل كفر ضمان بدل النفس أباح القتل أصله الرجل.
٢٨١٩٣ - قالوا: ولا ينتقض بناء أهل الحرب وصبيانهم لأن أنفسهم قط لم تكن مضمونة فزال ذلك الضمان بالكفر.
٢٨١٩٤ - قلنا: بالردة حل عقد عقدة الإنسان على نفسه فتعود كله إلى ما كان عليه قبله لنقص البيع لأنها قبل إسلامها محظورة القتل ودمها مقوم كذلك لما عادت لفسخ العقد إلى ما كانت عليه.
* * *
стр. 5637
مسألة ١٣٩٦
[حكم الزنديق]
٢٨١٩٥ - روي عن أبي حنيفة أن الزنديق ليس بالأعز إذا أظهرنا عليه قتلناه ولم تقبل توبته وروى عنه أن توبته تقبل. وروي عنه أن توبته تقبل، وبه قال الشافعي: لنا قوله ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه) وهذا يقتضي وجوب القتل بكل حال تاب أو لم يتب ويدل عليه أنه ﷺ لما قدم المدينة أسلم منهم من أسلم وبقي على الشرك بطون من الأوس عاهدوا النبي ﷺ على نصرته كمن أسلم وعاهد النبي ﷺ جميع اليهود على أن يكونوا كالمسلمين ينصرون ويعقلون وينصرهم المسلمون ويعقلون عنهم فلما نصر الله رسوله يوم بدر مضى كعب بن الأشرف إلى مكة فرثى قتلى بدر وحرض قريشًا على النبي ﷺ فأمر النبي ﷺ حسان بن ثابت فنزل الذين نزل بهم من قريش فأخرج رجله فرجع فظهر للنبي ﷺ ما كان من العهد فأمر ﵇ جماعة اغتالوه ليلا فقتلوه ولا سبب ولا عصم دمه إظهار العهد فدل على أن من أظهر غير ما يبطن قتل بالمعنى الذي يبطنه ولم يعصم دمه ما يظهره ولأن عبد الله بن مسعود ظهر على ابن النواحة بالكوفة وهو يبطن من مسيلمة فقتله ولم يعرض عليه التوبة واستتاب [قومه] ونفاهم إلى الشام فدل على أن في الكفار من يقتل ولا يستتاب وهو المشهد من جماعة الصحابة بالكوفة ولم ينكروه ولأن الزنديق من عادته أن يدعو إلى ما يعتقد فيضم إلى كفره السعي في الأرض بالفساد فصار كالمرتد إذا قطع الطريق وتاب بعد القدرة عليه ولأنه لا يوثق بما يظهرونه من التوبة لأن من عادتهم أن يجعلوا لكل ظاهر باطنا وإنما يقبل ما يظهره الإنسان بحق الظن فإذا تحققنا من عادتهم خلاف ذلك زال الظاهر فلم يقبل التوبة ولأن القتل تارة يستحق بالكفر وتارة بغيره ثم كان في القتل المستحق بغير الكفر ما لا يسقط بالتوبة أن يكون في
стр. 5638
القتل المستحق بالكفر ما لا يسقط أيضًا وليس إلا في الزنديق.
٢٨١٩٦ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنًا﴾.
٢٨١٩٧ - قلنا: هذا قاله في الحربي بدليل قوله: ﴿تبتغون عرض الحياة الدنيا فعند الله مغانم كثيرة﴾ فأخبر تعالى أنه لا يجوز أن يرد ظاهر الإسلام طلبًا للاسترقاق وللمفاداة [إنما يكون في الحرب والحربي يقبل ظاهر إسلامه باتفاق وأما قوله تعالى] ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ فالكفار في زمنه ﵇ كانوا يبطنون ما يظهرون فتوبتهم مقبولة وكان فيهم عدد قليل بخلاف ذلك وهم المنافقون وكان ﷺ كف عن قتلهم مع علمه بإقامتهم على الكفر لمصلحة فلم يبق هناك من لا يقبل ظاهر توبته وإطلاق فيما حدث من بعد قوله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوا عصموا مني دماءهم) وقال لأسامة بن زيد (أتقتل رجلاً يقول لا إله إلا الله) لا دلالة فيه لأن الذين قاتلهم النبي لم يكن فيهم من يستر بالكفر ويظهر غيره فظاهر إسلامهم مقبول ولو قاتل من هذه لم يقتل ما يظهره ألا ترى أن الإسلام في حقن الدم كالعهد ولم يلتفت ﷺ إلى ما أظهره كعب بن الأشرف لما أبطن النقض والنكث بالنبي ﷺ فلو كان في زمنه منافقون يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام مثل عبد الله بن أبي وغيره ونزل في أمرهم القرآن ولم يقتلهم النبي ﷺ بل نهى عن قتلهم.
٢٨١٩٨ - قلنا: المنافقون كانوا كفارا شهد الله تعالى بكفرهم واطلع نبيه على
стр. 5639
حالهم فعرفهم بأعيانهم وعرفهم لحذيفة بن اليمان وخصه بذلك من بين الصحابة وهذا أقوى من قولهم مع إظهار الشهادة كفار لا يعتقد ما أظهرناه ولو قال ذلك لوجب قتلهم باتفاق فكيف لا يجب قتلهم إذا علم كفرهم بما هو أقوى منه وإنما كف النبي ﷺ عن قتلهم [المصلحة ...] لانتسابهم وحتى لا يؤدي ذلك إلى ديتهم. ومن عرف السيرة علم ما جرى بين المسلمين من الأوس والخزرج من الممارة في قتلهم حتى كاد أن يقتلوا ونحن الآن إذا خفنا مثل ذلك تحققنا عن القتل، وقد قيل أنه ﷺ لم يقتلهم حتى لا يدعي عليه المشركون أنه يقتل من آمن به واتبعوه فينفروا عن الإسلام فلم يصح الاحتجاج بذلك. قالوا: توبة من كفر فأشبه الكافر الأصلي وقال: زنا بالشهادتين.
٢٨١٩٩ - قلنا: الكافر الأصلي إما يفارق توبته ما يمنع من صحتها والزنديق فارق توبته ما يمنع من قبولها.
* * *
стр. 5640
مسألة ١٣٩٧
[ارتداد السكران]
٢٨٢٠٠ - قال أصحابنا: إذا ارتد السكران لم يحكم بردته استحسانًا وإن أسلم حكمنا بإسلامه.
٢٨٢٠١ - وقال الشافعي: يصح إسلامه وردته. لنا أنه زائل العقل فلم تصح ردته كالمجنون [ولأن الكفر إنما يثبت بالاعتقاد والسكران لا اعتقاد له فصار كالمجنون.
٢٨٢٠٢ - فإن قيل: المجنون] لو أسلم لم نحكم بإسلامه كذلك لا نحكم بردته والسكران يحكم بإسلامه فكذا بردته.
٢٨٢٠٣ - قلنا: إن السكران قد يظهر السكر وهو يعقل فمتى أقررناه على الكفر بعد إظهاره بالإسلام أقررناه على ذلك بالاحتمال والإسلام يحكم به بالاحتياط فكان تغليب حكم الإسلام أولى ولو حكمنا بكفره لحكمنا به بالاحتمال فلم يجز أن يحكم بالكفر بالاحتمال ولأنه ممن لا تصح صلاته فلم يحكم بردته [كالمسح والمتوسم] ولأن العبادات التي تتعلق بالاعتقادات على ضربين: شرعية وعقلية ثم كان في الشرعيات مالا يصح منه كنية الصوم والصلاة فكذلك أن يكون في العقليات مالا يصح منه.
٢٨٢٠٤ - احتجوا: بأن من صح طلاقه صحت ردته كالصاحي.
٢٨٢٠٥ - قلنا: الصاحي يصح منه اعتقاد [ويصح منه ما] يقف على الاعتقاد والسكران لا يصح اعتقاده فلم يصح منه ما يقف على الاعتقاد كما لا تصح منه نية الصلاة.
٢٨٢٠٦ - قالوا: معنى يقع به الطلاق.
٢٨٢٠٧ - قلنا: لا نسلم أن الفرقة تقع بالردة وإنما تقع باختلاف الدين وذلك لا
стр. 5641
يوجد مع فقد الاعتقاد ولأن الطلاق يقع بمجرد اللفظ الذي لم يقارنه النية كمن جرى الطلاق على لسانه [وهو مكلف والسكران مكلف وقد جرى الطلاق على لسانه فإما] الردة فتقع بمجرد الاعتقاد لا باللفظ بدلالة أن المكره على الكفر لا يكفر والسكران لا يعلم منه الاعتقاد.
٢٨٢٠٨ - فإن قيل: فيجب أن لا نحكم بإسلامه.
٢٨٢٠٩ - قلنا: لو علمنا أنه لا يعقل لم يصح إسلامه لأنا نجوز أن يكون يعقل فلا يترك حتى يرجع إلى الكفر بالاحتمال.
* * *
стр. 5642
مسألة ١٣٩٨
[عرض الإسلام على المرتد]
٢٨٢١٠ - قال أصحابنا: يستحب أن يعرض الإسلام على المرتد فإن أسلم وإلا قتل وليس بواجب.
٢٨٢١١ - وقال الشافعي: فيه وجهان وجه أنه يستحب والآخر واجب.
٢٨٢١٢ - لنا: قوله ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه) ولم يعلق القتل بشرط وروي أن ابن مسعود قتل ابن نواحة ولم تعرض عليه التوبة بحضرة الصحابة من غير خلاف ولأنه كافر كفر الدعوة فصار كالحربي ولأن الدعوة إنما تجب إما لإقامة الحجة على الكافر والمرتد قامت عليه الحجة فلا يجب تكرارها.
٢٨٢١٣ - فإن قيل: الحربي إذا بلغته الدعوة ولم يستحب عرض الإسلام عليه [ويستحب العرض على المرتد].
٢٨٢١٤ - قلنا: لا فرق بينهما لأنه يستحب العرض فيهما جمعيًا.
٢٨٢١٥ - فإن قيل: لو كان كذلك لما جاز البيان وسر العادة.
٢٨٢١٦ - قلنا: يستحب العرض إلى أن يؤدي إلى ضرر بالمسلمين فإذا رأى الإمام أن العادة والنيات أصلح سقط الاستحباب حتى لا يؤدي إلى ضرر.
٢٨٢١٧ - فإن قيل: المرتد أخف بدلالة أنه يقف على الإمام وقتل الحربي بجميع المسلمين والمرتد له حكم الإسلام.
٢٨٢١٨ - قلنا: قتل المرتد أغلظ بدليل أن الصحابة قتلوا المرتد [ولا يمثل] أهل الحرب ولا يقر المرتد على كفره بحربه إلى أى دين انتقل احتجوا بحديث أم مروان
стр. 5643
وقد تكلمنا عليه.
٢٨٢١٩ - قالوا: مرتد فلا يجوز قتله قبل عرض الإسلام عليه كالمرأة.
٢٨٢٢٠ - قلنا لهم: المرأة لا تقتل بكفرها الأصلي فلا تقتل بالطارئ والرجل يقتل بكفره الأصلي إذا بلغته الدعوة قبل عرض الإسلام وكذلك لا يقتل بالطارئ.
* * *
стр. 5644
مسألة ١٣٩٩
[عدم إسلام المرتد]
٢٨٢٢١ - قال أصحابنا: إذا عرض الإسلام على المرتد فلم يسلم جاز قتله وإن غلب على ظن الإمام أنه إذا كرر عليه الدعوة أسلم حبسه ثلاثة أيام وهذا أيضًا استحباب وله أن يقتله من إيجاب. وذكر الشافعي: عنا أن التأجيل واجب وليس بصحيح وحكوا من مذهبهم أن التأجيل واجب في أحد القولين. والدليل على أنه لا يجب قوله ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه).
٢٨٢٢٢ - ولأنه كافر بلغته الدعوة فلا يقف قتله على التأجيل كالحربي والذي روى عن عمر أن رجلا قدم عليه من الشام فقال: هل من مغر به؟ فقال رجل ارتد منا فقتلناه فقال: اللهم اشهد ولم أرض حتى بلغنى، ولو كنت منه ما وليتم لحبسته ثلاثة أيام ثم أعرض عليه الإسلام في كل يوم فإن أسلم وإلا قتلته. وقد روي أن عثمان بن عفان كتب إلى ابن مسعود في أصحاب عبد الله بن نواحة اعرض عليهم الإسلام فإن أسلموا وإلا اقتلهم ولم يشترط التأجيل.
* * *
стр. 5645
مسألة ١٤٠٠
[ردة الرجل تزيل ملكه]
٢٨٢٢٣ - قال أبو حنيفة ردة الرجل تزيل ملكه عن ماله زوالاً مراعى فإن قتل على ردته أو مات حكمنا بزواله في آخر إسلامه وإن أسلم حكمنا بأن ملكه لم يزل.
وحكى أصحاب الشافعي عن صاحبهم ثلاثة أقوال أحدها مثل قول أبي حنيفة والثاني مثل قول أبي يوسف ومحمد أن حكمه لا يزول والثالث [أنه تزول زوالاً مراعى ومن أصحابه من قال: الملك] لا يزول قولاً واحدا وإنما اختلف القول في التصرف فقال تصرفه جائز ما لم يحجر الحاكم عليه والثاني أن تصرفه باطل ويصير محجورا عليه حجر السفيه والثالث أن يكون متوقفًا.
٢٨٢٢٤ - لنا: قوله ﷺ : (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم) فعلق عصمة الدم والمال بالإسلام فإذا ترك الإسلام زالت العصمة ولأنه كفر أباح الدم فأثر في حكم الملك [أصله كفر الحربي ولأن حكم الفيء يتناول ماله باتفاق عندنا فيما استفاد في حالة الردة وعندهم في جميع ماله وهذا المعنى يؤثر في حكم الملك]، ليس له ملك تام فلهذا التأثير في الملك ولم يعلل لزواله ولأن الردة معنى يزيل الملك فأثر في إزالة الملك عن المال أصله الموت.
٢٨٢٢٥ - احتجوا: بأنه كفر بعد إيمان فوجب أن لا يزيل الملك أصله ردة المرأة.
٢٨٢٢٦ - قلنا: نقول بموجبه لأن الكفر لا يزيل الملك حتى ينضم إليه معنى آخر
стр. 5646
وهو الموت أو اللحاق بدار الحرب وردة المرأة إذا انضم إليها معنى آخر زال الملك بها عندنا لأن الحاكم إذا حكم بقتلها ومن مذهبه أن الردة تزيل الملك في الرجل زال الملك في بالمرأة لأن المرأة لا يستباح دمها بكفرها الأصلي فلا يؤثر كفرها الطارئ في زوال الملك عن مالها ولما كان الرجل يستباح دمه بكفره الأصلي جاز أن يؤثر كفره الطارئ في حكم إملاكه ولأن كفر المرأة الطارئ لا يزيل ملكها عن بعض المملوكات فلا يزال ملكها عن نفسها وكفر الرجل لما أزال ملكه عن الاستباحة جاز أن يؤثر في ملك الآخر.
٢٨٢٢٧ - قالوا: كل معنى لا يمنع ابتداء الملك لا يمنع استدامة الملك والمرتد يملك ما يكسبه في حال ردته باتفاق فلا يزول ملكه عما كان لأن الاستدامة أقوى من الابتداء.
٢٨٢٢٨ - قلنا: المرتد عندنا ملكه إما بكسبه مراعى وإما يثبت له حكم الملك ولذلك يبقى له حكم الملك في ما كان له حال الإسلام بدلالة أنه لو ادعى ولد جاريته ثبت النسب فإن أسلم استقر ملكه في المالين.
٢٨٢٢٩ - فإن قيل: بطل حكم الملك في المالين.
٢٨٢٣٠ - فعلى هذا قد استوى حكم الابتداء والبقاء.
* * *
стр. 5647
مسألة ١٤٠١
[المرتدة إذا لحقت بدار الحرب]
٢٨٢٣١ - قال أصحابنا: المرتدة إذا لحقت بدار الحرب استرقت.
٢٨٢٣٢ - وقال الشافعي: لا يجوز استرقاقها. لنا: ما ذكر الواقدي أن مسيلمة لما قتل نزع خالد بن الوليد عن الحصون وألبسوا النساء والصبيان السلاح وصفوهم على الحصون فقدرهم رجالاً فصالحهم على أن الصفراء والبيضاء والحلقة ونصف الساق وأنه جميع السبي فضرب عليهم السهام فجرح منهم الخمس وعليه مكتوب لله فأسند الواقدي لامرأة منهم مسلم لم تبق إلا السياسة لذي الخلف والحافز وجعل تركه إليه خمس متى تدع تستأجر. قال الواقدي: حدثنا ابن أبي الزياد عن هشام ابن عروة عن فاطمة بنت المنذر عن أسماء بنت أبي بكر الصديق قالت رأيت أم محمد ابن علي في ذلك السبي وذكرنا نستأذن أن أم زيد بن عمر بن الخطاب من ذلك السبي وهذا أمر أجمعوا عليه ولم ينكره أحد منهم.
٢٨٢٣٣ - فإن قيل: يحتمل أن تكون أم محمد بن علي كانت من رفقتهم فقتل ما لها فصارت فيئًا الصلح وقع على استرقاق نصف النساء كما وقع على الذهب والفضة والسلاح وهذا يمنع التخصيص ولأنه دين لا نقر عليه بالجزية فجاز نساؤهم كعبدة الأوثان من العرب ولأن الكفر على ضربين أصلي وطارئ فإذا جاز أن يسترق النساء في أحد النوعين جاز مثله في الآخر ولأن من أصلنا أنها لا تقتل وكل كافر يجوز أن يسترق والحربية لأن القتل والاسترقاق كل واحد منهما عقوبة للبقاء على الكفر فإذا
стр. 5648
جاز أن يثبت أحد الأمرين في المرتدين جاز أن يثبت الآخر.
٢٨٢٣٤ - احتجوا: بقوله ﷺ : (من بدل دينه فاقتلوه) والأمر بالقتل يمنع من الاسترقاق. قلنا: لا يتساويان بدلالة أنه تعالى قال: ﴿فاقتلوا المشركين﴾ لم يمنع ذلك من استرقاق ولأن رقيقًا يجب قتلهم بالقصاص والردة فلا ينفي وجوب القتل الاسترقاق لجواز أن نسترقهم ثم نقلتهم ولأن الدلالة دلت عندنا أن المرتدة لا تقتل بالخبر مخصوص وإذا لم يتناول العموم المرتدة سقط الاستدلال.
٢٨٢٣٥ - قالوا: كفرت بعد إيمانها فلم يجز استرقاقها كالرجل.
٢٨٢٣٦ - قلنا: الكفر بعد الإيمان يقتضي إعادتها إلى كفر الأصل لا يمنع الاسترقاق [وردة الرجل لا ترده إلى كفر الأصل وذلك يمنع الاسترقاق] إذا لم يجزه إقراره بالجزية ولأن الرجل يستعان في القتل غالبًا فلم يسترق بعد ردته والمرأة لا يستعان بها في القتل غالبًا فجاز استرقاقها بعد ردتها. قالوا: من يكره على الإسلام لا يسترق كالرجل.
٢٨٢٣٧ - قلنا: الإجبار على الإسلام لا ينفي الاسترقاق في النساء لأن الإجبار تشديد وعقوبة فلا ينفي أحدهما الآخر.
٢٨٢٣٨ - قالوا: لا يجوز استرقاقها في دار الإسلام للإسلام السابق فلا يجوز في دار الحرب كالرجل.
٢٨٢٣٩ - قلنا: الوصف غير مسلم لأنها إذا لحقت بدار الحرب ثم عادت مغيرة أو متلصصة استرقت؛ ولأن عندنا الرجل لا يسترق وليس لإسلامه السابق لكن لأنه على دين لا يقر عليه بجزية وإذا بطل هذا الوصف انفصل العلة بالذمي ينقض العهد في دارنا فلا يسترق ولو نقض ولحق بدار الحرب استرق.
* * *
стр. 5649
مسألة ١٤٠٢
[وجود اللقيط في دار الإسلام]
٢٨٢٤٠ - قال أصحابنا: إذا وجد اللقيط في دار الإسلام فبلغ وهو لا يعتقد دينا ولا يصفه أجبر على الإسلام ولم يقتل.
٢٨٢٤١ - وقال الشافعي: يقتل. لنا: أنه يحتمل أن يكون من أولاد المسلمين ويحتمل أن يكون من أولاد الكفار فلم يجز قتله بالسيف ولأنه لم يثبت له حكم الإسلام بنفسه فلم يقتل بإظهار الكفر كالصبي إذا ارتد.
٢٨٢٤٢ - احتجوا: بأنه محكوم بإسلامه بالدار فصار كمن حكمنا بإسلامه بنفسه.
٢٨٢٤٣ - قلنا: التزم الإنسان بنفسه.
* * *
стр. 5650
مسألة ١٤٠٣
[أولاد المرتد في دار الإسلام]
٢٨٢٤٤ - قال أصحابنا: أولاد المرتد في دار الإسلام إذا لحق بهم لم يسترقوا وما ولد له في دار الحرب من مرتدة أو كافرة يسترق.
٢٨٢٤٥ - وللشافعي قولان؛ أحدهما يسترق الجميع أما المتولد في دار الحرب [فلأنة مولود في دار الحرب] بين كفار فجاز أن يسترق [كولد أهل الحرب.
٢٨٢٤٦ - فإن قيل: المعنى في ولد الحربي أن أباه يسترق فجاز أن يسترق] ولده والمرتد لا يجوز استرقاق ابنه لحرمة الإسلام [فلا يسترق ولده.
٢٨٢٤٧ - قلنا: لا نسلم أن المرتد لا يسترق لحرمة الإسلام بل لأنه] على دين لا يقر عليه بجزية ولأن حكم الولد والوالد مختلف في الاسترقاق بدليل أن الحربي إذا أسلم لم يسترق [وأولاد الكفار يسترقون] وعندنا حمل زوجته رقيق ولو أسلم فعلمنا أن أحدهما ينفرد في الاسترقاق عن الآخر.
٢٨٢٤٨ - وأما ما ولد في دار الإسلام فلأنه مولود في دارنا فلا يسترق بكفر أبيه كأولاد أهل الذمة.
٢٨٢٤٩ - احتجوا: بأنه تابع لا يجوز استرقاق ابنه لحرمة الإسلام فلا يجوز استرقاقه كما لو كانت أمه مسلمة كالمولود في دار الإسلام.
٢٨٢٥٠ - قلنا: إذ كانت أمه مسلمة فهو مسلم بإسلامها فلم يجز أن يبدأه بالاسترقاق.
стр. 5651
٢٨٢٥١ - قالوا: وإذا كان أبوه مرتدًا فقد ثبت لابنه حرمة الإسلام فكذلك الولد.
٢٨٢٥٢ - قلنا: لا نسلم أن المرتد لا يسترق لحرمة الإسلام لأنه منع هذه الحرمة وأطعمها وصار حكمه أغلظ من حكم الكافر الأصلي. والمعنى فيمن ولد في دارنا أنه لم يعرف والده لم يسترق فإذا عرف لم يجز الاسترقاق عليه لكفرهما والمولود في دار الحرب لو لم يعرف أبواه استرق فإذا عرفاه وهما كافران لم يسترق.
* * *
стр. 5652
مسألة ١٤٠٤
[إذا ارتد الصبي]
٢٨٢٥٣ - قال أبو حنيفة ومحمد: إذا ارتد الصبي وهو يعقل الكفر والإسلام صحت ردته وقال أبو يوسف وزفر لا تصح ردته.
٢٨٢٥٤ - وقال أبو يوسف وزفر: لا تصح ردته وبه قال الشافعي: لنا أنه قد ثبت من أصولنا أنه يصح إسلامه وكل من صح إسلامه صح إذا اعتقد الردة حكم بردته كالبالغ ولأنه إذا ملك الإسلام وهو عقد صح [مؤجله فعقد البيع] ولأنه يعقل الكفر والإسلام [ويرد عليه السنة] كالبالغ ولأن الكفر يتعلق بالعقل لا بالبلوغ بدلالة أن المجنون لا يتعلق بردته حكم لفقد عقله فإذا وجد كمال العقل في الصغير حكم بردته ولأنه من انعقدت صلاته صحت ردته كالبالغ.
٢٨٢٥٥ - احتجوا: بقوله ﷺ : (رفع القلم عن ثلاث: وعن الصبي حتى يحتلم).
٢٨٢٥٦ - قلنا: هذا يقتضي رفع الشرعيات بدلالة ما قدمنا.
٢٨٢٥٧ - قالوا: غير مكلف فوجب أن لا تصح ردته كالمجنون.
٢٨٢٥٨ - قلنا: إن أردتم غير مكلف للعقليات لم نسلم ذلك وإن أردتم أنه غير مكلف للشرعيات فسقوط التكليف الشرعي لا يمنع ثبوت التكليف العقلي كما قبل بعثة الرسل. والمعني في المجنون أنه غير كامل العقل كذلك الصبي لأنه عاقل كالبالغ.
٢٨٢٥٩ - قالوا: لا يصح إقراره ولا يصح طلاقه ولا يصح عقوده فوجب أن لا تصح ردته كالمجنون.
٢٨٢٦٠ - قلنا: عندنا يصح إذا أذن له في التجارة ويصح عقوده فلا نسلم ولأن وقوع الطلاق وصحة العقود حكم شرعي فلا يستدل به على نفي الأحكام العقلية والمعنى في المجنون ما قدمنا.
стр. 5653
٢٨٢٦١ - قالوا: لا يقتل بردته فلا تصح ردته.
٢٨٢٦٢ - قلنا: وجوب القتل من الأحكام الشرعية فلا يستدل بعدمها على انتفاء الحكم العقلي؛ لأن سبب القتل إذا وجد من الصبي فلم يتعلق به القتل الذي هو عقوبة لم يمنع تعلق الأحكام به كالقتل.
٢٨٢٦٣ - فإن قيل: القتل فعل والردة قول ولهذا يصح استيلاد المجنون ولا يصح عقابه.
٢٨٢٦٤ - قلنا: هذا غير صحيح لأن الردة هي الاعتقاد وذلك فعل القلب فلم يصح الفرق.
* * *
стр. 5654
مسألة ١٤٠٥
[إحصان المسلم إذا ارتد]
٢٨٢٦٥ - قال أبو حنيفة ومحمد: إذا ارتد المسلم يبطل إحصانه.
٢٨٢٦٦ - وقال أبو يوسف: لا يبطل وبه قال الشافعي. وهذه مسألة مبنية على أن الإسلام من شرائط الإحصان. فإذا زال بطل الإحصان. ومن ليس بمحصن لا يعتد بوطئه المتقدم حتى يجدد الوطء كمن وطئ عبد ثم أعتق، ولأن إحصانه زال بالردة بدلالة قوله ﷺ : (من أشرك بالله فليس بمحصن) وإذا زال الإحصان لم يعتد بالوطء المتقدم على كمال الشرائط كما لا يعتد بوطء العبد قبل عتقه. ولا يلزم إذا جن المحصن ثم زال جنونه لأن أبا بكر الرازي قال: لا نعرف فيه رواية وقياس هذه المسألة يقتضي أن يبطل الإحصان.
٢٨٢٦٧ - احتجوا: بقوله ﷺ : (الثيب بالثيب الجلد والرجم).
٢٨٢٦٨ - قلنا: المراد بالثيب المحصن، ونحن لا نسلم وجود الإحصان.
٢٨٢٦٩ - قالوا: زنى بعد الإحصان كما لو زنى قبل الردة.
٢٨٢٧٠ - قلنا: إن قلتم إنه زنى بعد الإحصان وهو محصن لم نسلم. وإن لم تريدوا هذا بطل بالمحصن إذا جن فزنى بعد جنونه.
٢٨٢٧١ - فإن قالوا: فعله ليس بزنى. قلنا: لأن الأحكام لا تتعلق به لأن الزنى اسم لغوي والأحكام لا تعرفها أهل اللغة.
стр. 5655
٢٨٢٧٢ - قالوا: أحد الإحصانين كإحصان القذف ولو ارتد المحصن [ثم أسلم حد قاذفه] كذلك هذا الإحصان يعود.
٢٨٢٧٣ - قلنا: الإحصان في الرجم أغلظ لكثرة شرائطه. وإحصان القذف أضعف لقلة الشرائط فلم يعتبر أحدهما بالآخر. ولأن فقد أحد شرائط الإحصان العد؛ فلا يؤثر في غيره من الشرائط. فإذا ارتد ثم أسلم، عاد إلى ما كان عليه. وإحصان الرجم يؤثر فقد بعضه للشرائط؛ بدلالة أن من وطئ وهو عبد لم يعتد بذلك الوطء بعد عتقه حتى يستأنف، فإذا ارتد أثر الكفر في الوطء، فلم لزمه من أن يتجدد بعد الإسلام.
* * *
стр. 5656
مسألة ١٤٠٦
[تحيز المرتدين بدار ثم أسلموا]
٢٨٢٧٤ - قال أصحابنا: إذا تحيز المرتدون بدار ثم أسلموا لم يطالبوا بما أسلفوا في حال التحيز من نفس ولا مال.
٢٨٢٧٥ - وقال الشافعي: يؤخذون بذلك.
٢٨٢٧٦ - لنا: قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾ ولم يفصل. ولأن أصحاب النبي ﷺ قاتلوا أهل الردة فقتل من وجوه المسلمين ألف ومائتان منهم أبو حذيفة وسالم وزيد بن الخطاب وعكاشة فلما تابوا لم يطالبوا بالقصاص ولا بالضمان ولو كان واجبا لطولبوا به، ولأنهم تحيزوا بالدين والدار فصاروا كأهل الحرب.
٢٨٢٧٧ - احتجوا: بالظواهر التي تدل على وجوب القصاص والضمان.
٢٨٢٧٨ - قلنا: إن هذه الظواهر تدل على خطاب من نقدر على مطالبته عقيب القتل.
٢٨٢٧٩ - قالوا: روي عن أبي بكر أنه قال: تفدون قتلانا ولا نفدي قتلاكم.
٢٨٢٨٠ - قلنا: خالفه عمر على ذلك فرجع أبو بكر إلى قوله.
٢٨٢٨١ - قالوا: التزموا بالإسلام الضمان فلم يسقط بالردة كما لو كان في دار الإسلام.
٢٨٢٨٢ - قلنا: الضمان لا يجب بالالتزام بدلالة أن صبيان المسلمين يضمنون الإتلاف ولم يلتزموا.
٢٨٢٨٣ - والمعنى في دار الحرب أن الإتلاف حصل في مكان يمكن المطالبة وهذا لا يوجد في دار الحرب.
стр. 5657
موسوعة
القواعد الفقهية المقارنة
المسماة
التجريد
المسماة
التجريد
كتاب الحدود
стр. 5658
مسألة ١٤٠٧
[حد الزاني البكر]
٢٨٢٨٤ - قال أصحابنا: إذا زنا البكر فحده الجلد، والتغريب ليس بحد، فإن رأى ذلك الإمام مصلحة فعله على وجه التعزيز.
٢٨٢٨٥ - وقال الشافعي: هي سنة حد البكر مع الجلد يستوي فيه الرجل والمرأة. ولهم في المملوكة قولان.
٢٨٢٨٦ - لنا: قوله تعالى: ﴿الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾. ظاهر الآية أنه جميع الحد الواجب عليهما. فمن قال إنه بعض الحد فقد خالف الظاهر.
٢٨٢٨٧ - فإن قيل: لا يمنع أن يبين بعض الحد ويكل الباقي إلى بيان، كما قال:
стр. 5659
﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدًا فجزاؤه جهنم﴾ ولم يبين القصاص، وكما ذكر قطع السارق ووكل بيان القدر والحرز إلى السنة.
٢٨٢٨٨ - قلنا: الظاهر في جميع هذا أنه بيان جملة الواجب لولا قيام الدليل.
٢٨٢٨٩ - ولأنه لم يذكر القصاص لأنه عم قتل العمد وذكر الحكم المتعلق بعمومه. وأما القصاص والضمان فيختص ببعضه دون بعض فلذلك لم يذكره، وأما السارق فقد بين فيه جميع الحد وإنما لم يبين الشرائط كما لم يبين صفة الضرب في مسألتنا ولا قدر مسافة التغريب.
٢٨٢٩٠ - ووجه ثان من الآية: وهو أن إيجاب التعزيز حد يوجب تعيين الحكم المذكور في الآية ويجعله بعض الحد وذلك نسخ عندنا. ونسخ القرآن لا يجوز إلا بما يجوز إثبات القرآن به وعند مخالفنا لا يجوز نسخ القرآن.
٢٨٢٩١ - فإن قيل: هذا ليس بنسخ لأنه لو ضم إليه في الإيجاب صح، والنسخ بعض ما ينافي الحكم.
٢٨٢٩٢ - قلنا: ضم التغريب بعد استقرار وجوب [الحد] ينافي الحكم، لما بينا أنه يجعل الجلد بعض الحد. والحد كان جميعه فلو وردا معًا لم يتنافيا لأنه حكم واحد، فإذا استقر أحدهما ثم ورد الآخر غيب حكمه وكان نسخًا؛ ويدل عليه: ما روى أبو هريرة وزيد بن خالد الجهني: أنه [ ﷺ ] سئل عن الأمة إذا زنت ولم تحصن. فقال (إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير) فأمر بجلد الأمة ولم يأمر بتغريبها.
٢٨٢٩٣ - فإن زعموا أنها لا تغرب دل ذلك على أن التغريب ليس بحد في الحرة، لأن الله تعالى أو جب على الأمة نصف حد الحرة المتبعض كقوله تعالى ﴿فعلهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾.
٢٨٢٩٤ - فإن قال: أنها تنفي بعض سنة أو نصفها، فالخبر يبطل قوله.
стр. 5660
٢٨٢٩٥ - فإن قيل: إنا تنفي الجلد الذي كان المولى لا يملكه، وسكت عن التغريب لأن المولى يملكه قبل ذلك.
٢٨٢٩٦ - قلنا: المولى لا يملكه قبل ذلك حدًا كما كان يملك الحد تأديبًا فيبينه له حدًا. فلو كان التغريب حدًا لبينه.
٢٨٢٩٧ - ولأنه نوع زنا فلا يجمع به عقوبتان في جنس على وجه الحد كزنا الثيب. ولأنه حد واجب فلا يجمع فيه بين التغريب والجلد على وجه الحد كحد القذف. أو نقول فلا يجمع فيه بين التغريب وعقوبة أخرى على وجه الحد كالقطع. وقد دل على الأصلين ظاهر القرآن، وجلد عمر بن الخطاب في قصة المغيرة الشهود ولم ينفهم.
٢٨٢٩٨ - فإن قيل: سائر الحدود لم يشرع فيها النفي.
٢٨٢٩٩ - قلنا: لم نسلم ذلك بل يجوز للإمام أن ينفي في جميعها على وجه التعزيز إذا رأى ذلك.
٢٨٣٠٠ - فإن قيل: الزنا أغلظ من سائر الحدود.
٢٨٣٠١ - قلنا: قطع الطريق أغلظ ولا يجتمع التغريب مع عقوبة أخرى. وزنا الثيب أغلظ من البكر ولم يوجد ضم إلى الرجم. ولأن ما يثبت بنفسه في قاطع الطريق عقوبة لم يضم إلى الجلد في الزنا على طريق الحد كالقطع.
٢٨٣٠٢ - احتج المخالف: بحديث عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: (خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلاً. البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام. والثيب بالثيب الجلد والرجم).
٢٨٣٠٣ - والجواب: أن هذا الخبر متقدم على الآية. لأنه ﷺ قال: (خذوا عني). ولو كانت الآية نزلت: لقال: خذوا عن القرآن. ولأن الخبر بيان للسبيل المذكور في قوله ﴿أو يجعل الله لهن سبيلاً﴾ فدل على أنه لم يتقدم هذا البيان إلا ما ذكر في سورة النساء من قوله: ﴿فأمسكوهن في البيوت﴾.
стр. 5661
٢٨٣٠٤ - وإذا تقدم على الآية صارت ناسخة [الخبر]. والذي يبين أنها من أول ما نزلت. لأنه ذكر في حد الثيب الجلد مع الرجم وذلك منسوخ باتفاق. ولأن الخبر إن تقدم الآية نسخته. وإن تأخر عنها نسخها كما بينا. ولو ورد معها لوجب أن ينقل كنقلها.
٢٨٣٠٥ - احتجوا: بما روى أبو هريرة وزيد بن خالد الجهني: أن رجلاً اختصم هو وآخر إلى النبي ﷺ . فقال أحدهما: اقض بيننا بكتاب الله. وقال الآخر وهو أفقههما: أجل يا رسول الله. واقض بيننا بكتاب الله. وائذن لي أن أتكلم. فقال: تكلم. فقال: إن ابني كان عسيفًا على هذا فزنا بامرأته. فأخبروني أن على ابني الرجم. فافتديته منه بمائة شاة وبجارية لي. ثم إني سألت أهل العلم فأخبروني: أن على ابني جلد مائة وتغريب عام. وأن الرجم على امرأته. فقال ﷺ : (والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله. أما غنمك وجاريتك فرد إليك). وجلد ابنه مائة وغربه عامًا. وأمر أنيسًا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر فإن اعترفت رجمها. فاعترفت فرجمها.
٢٨٣٠٦ - قلنا: هذا حكم على خبر عبادة. وقد بينا أن الآية تأخرت عنه.
٢٨٣٠٧ - فإن قيل: إنه ﷺ قال: (لأحكمن بكتاب الله).
٢٨٣٠٨ - قلنا: المراد بكتاب الله حكمه. بدلالة أن التغريب ليس في كتاب الله. ولأن نفيه يحتمل أن يكون على وجه الحد. ويحتمل أن يكون على طريق التعزيز. وهذا لا نمنع منه.
٢٨٣٠٩ - فإن قيل: ظاهر الخبر يقتضي أن التغريب متعلق بالزنى.
стр. 5662
٢٨٣١٠ - قلنا: كذلك نقول إذا رأى الإمام ذلك تعلق بالزنا لا برأي الإمام.
٢٨٣١١ - قالوا: [أبو بكر] جلد وغرب إلى فدك. وكذلك عمر. وروى أن عثمان جلد وغرب إلى مصر. وروي أن عليًا غرب من الكوفة إلى البصرة.
٢٨٣١٢ - قلنا: فعلوا ذلك على طريق التعزيز. كما روي أنه ﷺ نفى هيت المخنث ونفي عمر بن الخطاب نصر بن حجاج. لأن امرأة شببت بذكره لما رأى في ذلك من المصلحة وهي الفساد.
٢٨٣١٣ - يبين ذلك أن الحد لم يتناول النفي مقصودها. والمقصود من النفي قدر المسافة. وذلك موكول إلى اجتهاد الإمام بعد الضرب في التأديب. على أن عمر بن الخطاب نفى في الخمر ربيعة بن أمية بن خلف إلى خبير فلحق بهرقل. فلما بلغ ذلك عمر. قال: [لا أغرب] بعدها أحدًا. ولو كان التغريب حدًا لم يجز تركه.
стр. 5663
٢٨٣١٤ - وقوله: إن هذا رجوع عن التغريب في الشارب لا يصح بل هو عموم في جميع الناس. وروى أبو حنيفة بإسناده في الآثار عن علي ﵁ أنه قال: النفي من السنة. وروي أنه قال: كفى بالنفي فتنة وهذا يدل على أنه لا يرى النفي فصار ذلك خلافًا بينهم.
٢٨٣١٥ - فإن قيل: الفتنة عبارة عن العذاب. قال الله تعالى: ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ما فتنوا﴾ وقال: ﴿فإذا أوذى في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله﴾.
٢٨٣١٦ - قلنا: الفتنة حقيقتها قول العرب [العرة التي قد ألبستها كلها حجارة سود كأنها محرقة] وفتنت الذهب في النار وقال: ﴿يوم هم على النار يفتنون * ذوقوا فتنتكم هذا الذي كنتم به تستعجلون﴾ قال أبو عبيدة: يحرقون. ومثله ﴿فتنوا المؤمنين﴾ واستعيرت في العذاب وغيره. قال الله تعالى: ﴿وإن كادوا * ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك﴾ لستر ربك. وإذا كان الاسم مشتركًا. لم يكن إثبات الإجماع على أن المراد لا يجوز أن يكون العذاب. إذ لو كان كذلك لم يحتج إلى بيانه وهو معلوم مشاهد. وإنما يميز ما لا تدل المشاهدة عليه. على أن أهل الكوفة رووا عن ابن مسعود الجلد والتغريب. وعن علي أنه قال: هو من الفتنة. وعقلوا من ذلك الخلاف بينهما. وهذا لا يكون إلا المراد بالفتنة. لأنه لا يؤمن أن يخرجه هذا الفعل من الدين. وهذا كقوله تعالى ﴿بأييكم المفتون]. كما روي في وصية عمر الولاة فلا تجمروا الناس فتفتنوهم.
٢٨٣١٧ - أي: تطيلوا تركهم في الثغور فيؤدي ذلك إلى أشد الأمرين بهم فيعصوه.
стр. 5664
٢٨٣١٨ - قالوا: عقوبة تعلق بالزنا فكانت حدًا كالجلد.
٢٨٣١٩ - قلنا: لا نسلم أن النفي يتعلق بالزنا. إنما ينفي إذا خيف من الفساد. ولهذا ينفي الشارب والسارق. والمعنى أن المقصود لا يقف على اجتهاد الإمام. ولما كان المقصود من النفي يقف على اجتهاد الإمام لم يكن حدًا.
٢٨٣٢٠ - قالوا: عقوبة الزاني ورد بها الشرع فكانت حدًا كالجلد والرجم.
٢٨٣٢١ - قلنا: تبطل برد شهادته والحكم بفسقه وسقوط ولايته.
٢٨٣٢٢ - وإن قالوا هنا لا يختص بالزنا.
٢٨٣٢٣ - قلنا: كذلك النفي عندنا.
٢٨٣٢٤ - قالوا: عقوبة تقدرت على الزاني شرعًا كالجلد.
٢٨٣٢٥ - قلنا: لا نسلم ذلك لأن عندنا مدة النفي غير مقدرة بالشرع. وإنما هي موقوفة على رأي الإمام.
٢٨٣٢٦ - فإن احتجوا بالخبر فقد بينا الكلام عليه.
٢٨٣٢٧ - قالوا: معصية توجب أمرين أعلى وأدنى. فوجب أن يكون مع أدناهما غيرهما كالقتل.
٢٨٣٢٨ - قلنا: يبطل بقطع الطريق؛ فإن يوجب القتل وما دونه و [لا يضم] إلى غيره. والقذف والشرب معصية. توجب أمرين: الحد الكامل في الحر ونصفه في العبد. وليس يجب في الأدنى غيره. ونعكس فنقول فلا يجب مع الأدنى النفي كالقتل.
* * *
стр. 5665
مسألة ١٤٠٨
[هل الإسلام شرط في الإحصان ؟]
٢٨٣٢٩ - قال أبو حنيفة ومحمد الإسلام شرط في الإحصان. وقال أبو يوسف: ليس بشرط في إحصان الرجم وبه قال الشافعي.
٢٨٣٣٠ - لنا: قوله تعالى: ﴿الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾. وهذا يقتضي وجوب الجلد على كل زان إلا ما خصه دليل ويدل عليه: ما روى الثوري عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر قال: من أشرك بالله فليس بمحصن. وروى مسندًا أن رسول الله ﷺ [قاله، وقوله] لا يمنع باسناده. لأن الراوي إذا سمع حكمًا اعتقده فرواه تارة. وأفتى به أخرى.
٢٨٣٣١ - فإن قيل: المراد إحصان القذف. لأن عرض الكافر لا يجب بهكته الحد. فيبين فضيلة الإسلام بالتشديد على القاذف. ولا يجوز أن يكون المراد بإحصان الرجم. لأن في ذلك تشديدًا على المحصن فلا يكون الإسلام سبب التشديد عليه.
٢٨٣٣٢ - قلنا: اللفظ عام فيهما. وقولهم إنه تشديد ليس بصحيح. لأن الإحصان إذا حصل بلغ الإنسان أكمل أحواله. وهذه فضيلة. فأخبر ﷺ أن الكافر لا يبلغها. ويدل عليه: ما روى أن كعب بن مالك تزوج يهودية؛ فقال النبي ﷺ : (لا تقول له إذا زنيت لم ترجم﴾.
стр. 5666
٢٨٣٣٣ - قلنا: لا يجوز أن يكون المراد به العقد. لأن كعبًا كان عفيفًا قبل تزوجها وبعده، وإنما المراد أنك لا تبلغ بتزويجها أكمل أحوال المسلمين. لأن المحصن كامل.
٢٨٣٣٤ - ولأنه إحصان شرعي فكان الإسلام شرطًا فيه كإحصان القذف.
٢٨٣٣٥ - ولأنه إحصان شرط في إقامة حد فكان من شرطه الإسلام كإحصان القذف.
٢٨٣٣٦ - ولأنه شرط في إحصان القذف محكوم به، فكان شرطًا في إحصان الرجم كالحرية. ولا تلزم العفة: لأن الحاكم لا يحكم بها.
٢٨٣٣٧ - ولأنه معنى يمنع وجوب الحد على القاذف مع اشتباه حاله في الصدق والكذب فمنع من إحصان الرجم كالرق.
٢٨٣٣٨ - ولأن إحصان الرجم أكثر شرائط. وإحصان القذف دونه. فلما اعتبر في أضعف الإحصانين إذا تصور وجوده في الإحصان الأقوى واعتباره فيه أولى. ولا تلزم العفة لأنه لا يتصور وجودها في الزاني فلا يصح شرطها في رجمه.
٢٨٣٣٩ - [فإن قيل]: لا يتصور وجودها ولا يتصور اعتبار أحد الإحصانين بالآخر. لأن العفة شرط في القذف ثم لم تشترط في إحصان الرجم.
٢٨٣٤٠ - قلنا: الشيء إنما يكون شرطًا إذا تصور وجوده. والزاني لا يتصور فيه العفة. فكيف يقال: إنها شرط.
٢٨٣٤١ - والدليل على أنه لا يرجم الآية.
٢٨٣٤٢ - فإن قيل: المراد بها المسلمين. لأنه قال في آخرها ﴿مائة جلدة ولا تأخذكم بها رأفة في دين الله﴾.
٢٨٣٤٣ - قلنا: نفى الرأفة مأمور به في الكافر الزاني الذمي كما أمر به في المسلم. فلا يقتضي ذلك التخصيص.
٢٨٣٤٤ - ولأنه لا يحد في شرب الخمر فلم يجب عليه بالزنا الرجم كالصبي والمجنون.
стр. 5667
٢٨٣٤٥ - ولأنه نقص محكوم به يؤثر في الشهادة فمنع من وجوب الرجم كالرق.
٢٨٣٤٦ - ولا يلزم الفسق لأنه لا يحكم به. ولا الأنوثية لأنه نقص لا يمنع الشهادة، وإنما يؤثر في نقصان رتبتها.
٢٨٣٤٧ - فإن قيل: العبد حده منتصف قد يستوي فيه الحر والعبد كالقطع في السرقة.
٢٨٣٤٨ - ولأن قاذفه لا يحد مع اشتباه حاله في الصدق والكذب فلم يجب رجمه كالعبد.
احتجوا: بحديث عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ قال: (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب الجلد والرجم).
٢٨٣٤٩ - قلنا: قد اتفقنا أن الجلد لا يكون مجتمعًا مع الرجم [في الثيب]، وإنما المراد به الثيب بالثيب الرجم. ألا ولنا أن نتعلق بالجلد فصار الخبر مشترك الدليل.
٢٨٣٥٠ - ولأن الإحصان شرط بالاتفاق فصار كالمشروط في الثيب. ولا نحن لا نسلم إحصان الكافر فلم يصح الاستدلال بالظاهر.
٢٨٣٥١ - احتجوا: بما روي عن عمر أنه قال: (لولا أن يقال زاد ابن الخطاب في كتاب الله إذ كتب في حاشية المصحف: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة ردًا لأمر الله.
٢٨٣٥٢ - قلنا: لا بخلاف الرجم لا يجب لكون الذي يعلم أن الرجم يتعلق بشرط لم يذكر وهو الإحصان.
٢٨٣٥٣ - وقد اختلفنا في شروطه. ولأن المراد بهذا المسلمين. لأن الكافر لا يقف النكال به على الزنى لأنه ينكل به بكفره [وإن لم يزن]. والمسلم يقف النكال به على وجود الزنا ولا يجوز قتله.
٢٨٣٥٤ - ولأنه روى عن عمر بن الخطاب وعلى أنهما قالا في اليهودي: إذا زنا فإنه يسلم إلى قومه ليقيموا عليه حد الله. فدل أن عمر إنما قال ما قاله في المسلم خاصة.
٢٨٣٥٥ - احتجوا: بما روى ابن عمر أن النبي ﷺ رجم اليهوديين.
стр. 5668
٢٨٣٥٦ - قلنا: رجمهما قبل كون الإحصان شرط بدلالة أنه ﷺ سئل عن إحصانهما وبدليل أنه روي عن ابن عمر أنه رجمهما أول ما دخل المدينة. ولأن ابن عمر قال: من أشرك بالله فليس بمحصن. فدل أنه عرف بغير هذا الحكم.
٢٨٣٥٧ - فإن قيل: روى أبو هريرة أنه ﷺ رحمهما وكانا قد أحصنا.
٢٨٣٥٨ - قلنا: الإحصان اسم. ولأن أبا هريرة تأخر إسلامه فلم يشهد القصة. فيجوز أن يكون لما سمع الرجم وعلم من شرطه في الإسلام الإحصان. أعتقد أنه ﷺ لم يرجمهما إلا وقد أحصنا.
٢٨٣٥٩ - وجواب آخر: أنه ﷺ رجمهما بحكم التوراة ولم يكن القرآن نزل بحد الزاني.
٢٨٣٦٠ - لأن سورة النساء مدنية. والرجم كان قبل دخوله ﷺ المدينة. وقد كان مأمورًا بالعمل بشريعة من تقدمه فرجع إلى ما في التوراة. ولهذا قال: (أنا أحق بإحياء سنة أماتوها) ثم نسخ هذا بما جاء في شريعته [من قوله] ﴿فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت﴾.
٢٨٣٦١ - ثم نسخ ذلك بحديث عبادة بن الصامت، وشرط الإحصان في الرجم فروى ابن عمر القصة الأولى. وقال: (من أشرك بالله فليس بمحصن). على ما استقر في الشريعة بعد الحكم الأول. يبين ذلك أن الأحكام لو كانت نزلت في شريعته لم يحتج إلى الرجوع إلى التوراة. لأن أحكام القرآن ناسخة لها فلا يجوز الرجوع إلى المنسوخ مع وجود الناسخ.
٢٨٣٦٢ - ولا يقال: أراد أن يبين كذبهم فيما ادعوه. لأنه لو كان كذلك لبينه أولاً قبل وجود الزنا من اليهودي.
٢٨٣٦٣ - احتجوا: بأن من أهل الجلد ما إذا كان بكرًا فوجب أن يكون من أهل الرجم إذا وطئ في نكاح صحيح كالمسلم.
٢٨٣٦٤ - قلنا: الجلد هو أدنى حد الزنا والرجم أعلاه، فلم يستدل بثبوت أدنى الحدين على ثبوت أعلاهما.
٢٨٣٦٥ - فإن قيل: الجلد الكامل [على أنواع] فقد اعتبرنا الحد الأعلى بالحد الأدنى.
стр. 5669
٢٨٣٦٦ - قلنا: كونه على الجلد لا يمنع أن يكون أدنى من الرجم فقد حصل الكمال من وجه والنقصان من وجه فاستدلوا بثبوته على ثبوت الكامل في جميع الوجوه.
٢٨٣٦٧ - والمعنى في المسلمين أنه ممن يحد قاذفه. فجاز أن يجب عليه بالزنا الرجم. والكافر لا يحد قاذفه مع اشتباه حاله في الكذب والصدق فلم يجب عليه الرجم.
٢٨٣٦٨ - قالوا: أحد الملتين فجاز أن يجب على أهلها الرجم كملة الإسلام.
٢٨٣٦٩ - قلنا: لا نمنع أن يختلف حكم الملتين في الحد. بدلالة أن المسلم يحد بشرب الخمر ولا يحد الكافر. ويحد عندهم المسلم إذا تزوج أمه فوطئها ولا يحد الكافر ولأن المسلم يجب عليه الرجم لبلوغه إلى حد الكمال، والكافر لم يبلغ هذا الحال. فصار كالمسلم الذي لم يكمل حاله لوجود الرق أو لعقد النكاح.
٢٨٣٧٠ - قالوا: قتل بأمر سابق [فاستوى فيه الكافر والمسلم كالقصاص فاحترزوا بقولهم بأمر سابق] عن القتل بترك الصلاة.
٢٨٣٧١ - قلنا: يبطل بإظهار كلمة الكفر يقتل بها المسلم ولا يقتل بها الكافر، وكذلك ذوات المحارم بالنكاح يقتل عندهم المسلم دون الكافر ولأن الرجم اعتبر فيه من الاحتياط ما لم يعتبر في القصاص.
٢٨٣٧٢ - بدلالة شهادة أربعة. والمعنى في القصاص أنه يجوز أن يجب على العبد فجاز أن يجب جنسه على الكافر. ولما لم يجب الرجم على العبد لم يثبت جنسه في حق الكافر.
٢٨٣٧٣ - قالوا: أحد موجبي الزنا فجاز أن يجب على الكافر كالجلد.
٢٨٣٧٤ - قلنا: الجلد لم يعتبر فيه الإحصان فجاز أن يجب على الكافر. والرجم وجب فيه الإحصان. فلذلك لم يجب على الكافر.
٢٨٣٧٥ - قالوا: حد فلا يختلف بالكفر والإسلام كسائر الحدود.
٢٨٣٧٦ - قلنا:: يبطل بحد الشرب. ولأن سائر الحدود لم يعتبر فيها الإحصان. وهذا الحد اعتبر فيه الإحصان.
٢٨٣٧٧ - قالوا: في امرأة واحدة فكان من أهل الرجم كالمسلم.
٢٨٣٧٨ - ومنهم من قال: لأنه وراث حادث فكان من أهل الرجم كالمسلم. فيحترز بقولهم وارث عن العبد وبقولهم حادث عن البكر. والجواب عنه ما قدمناه.
стр. 5670
مسألة ١٤٠٩
[حد المكلف إذا زنى مع غير مكلف]
٢٨٣٧٩ - قال أصحابنا: إذا مكنت العاقلة مجنونًا أو صبيًا فوطئها فلا حد عليها. وإن وطئ العاقل مجنونة أو مراهقة حد.
٢٨٣٨٠ - وقال الشافعي: على العاقلة الحد.
٢٨٣٨١ - لنا: أنها مكنت من نفسها ممن لا إثم عليه في وطئه. فصار كما لو مكنت زوجها أو مولاها.
٢٨٣٨٢ - ولأنها لو وجدته في فراشها فمكنته وهي تظنه زوجها أو مولاها لم يجب عليها الحد. كذلك إذا علمت أنه أجنبي أصله إذا كان ولد مولاها ولأن فعل المجنون ليس بزنى. وهو المتبوع. وفعل المتبوع إذا لم يحكم له بزنى لم يجب الحد على التابع أصله الوطء بشبهة.
٢٨٣٨٣ - والدليل على أن فعل المجنون ليس بزنى: أنه لا يوصف بالتحريم عقلا ولا شرعًا. والزنا لا ينفرد عن المأثم. ولأن القاذف لا يحد. ولو كان فعله زنى لوجب
стр. 5671
على قاذفه الحد كالعاقل. ولأن الزنى اسم ذم والمجنون لا يذم.
٢٨٣٨٤ - ولا يلزم على العلة العاقل إذا زنى بالمجنونة. لأن فعله متبوع وفعلها تبع، وخروج التبع أن يكون زنى لا يوجب خروج المتبوع من ذلك.
٢٨٣٨٥ - والدليل على أن فعلها تابع: أنها لا تنفرد بالفعل. وقد يجوز أن ينفرد عنها أن يطأها وهى نائمة. [ولا يمكنه] الوطء إلا بوجود الانتشار منه، ولأنه فاعل وهي مفعولة. وقد ينفرد الفاعل عن المفعول كما ينفرد إذا وقع الفعل في كمال. ولأنها مكنت من نفسها واطئا لا يجب عليه الحد. فلا يجب عليها الحد من نفسها كما لو مكنت زوجها أو أبا مولاها.
٢٨٣٨٦ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا﴾.
٢٨٣٨٧ - قلنا: لا نسلم أنها زانية لأنا قد دللنا على أنه ليس بزنى وإذا لم تكن المفعوله زانية كما أن فعل الفاعل إذا لم يكن جنونا لم يكن المفعول مضروبًا.
٢٨٣٨٨ - قالوا: الدليل على أن فعله زنى أنه لا يثبت النسب منه.
٢٨٣٨٩ - قلنا: يجوز أن يكون فعله شبهة تمنع من كونه. ولا يثبت النسب بوطء الرجل جارية أخيه. إذا قال ظننت أنها حلال.
٢٨٣٩٠ - فإن قيل: لا تعلق لفعلها بفعله فيجوز أن تكون زانية دونه كما يجوز أن يكون زانيا بوطئها فلا تكون زانية.
٢٨٣٩١ - قلنا: هذا لا يصح لما بينا أنه فاعل وهي مفعولة. فإذا لم يوجد منه فعل الزنى كيف يوصف المفعول بذلك؟
٢٨٣٩٢ - قالوا: قال الله تعالى: ﴿الزانية والزاني﴾ فسماها فاعلة وبدأ بها، والبداية تكون بالمقصود.
٢٨٣٩٣ - قلنا: المرأة سميت زانية لأن المفعول يسمى باسم الفاعل. قال الله تعالى ﴿في عيشة راضية﴾ يعني مرضية. ويقال هذا قولي مقذوف. هذا قول الفراء.
стр. 5672
٢٨٣٩٤ - وإذا ثبت أنها مفعول اتبع الاسم الفاعل.
٢٨٣٩٥ - قالوا: ما وجب عليها بتمكين الواطئ المكلف من وطئها بتمكن المجنون أصله إذا مكنت المجنون من وطئها في صوم رمضان.
٢٨٣٩٦ - قلنا: الشبهة في حق [واطئ في رمضان] لا تؤثر في سقوط الكفارة عنها [وهو شبهة في حقها] لأنه لو جامعها وهو يظن أن الفجر لم يطلع وهي تعلم بالطلوع [وجبت عليها الكفارة] دونه والشبهة في حق الواطئ تؤثر في سقوط الحد عنها وإن لم توجد الشبهة في حقها بدلالة: من زفت إليه غير امرأته وهو يعلم سقط الحد عليها. وكذلك إذا تزوجها نكاحًا فاسدًا أو وطئها وهو لا يعلم بالعقد.
٢٨٣٩٧ - قالوا: كل واطئين إذا كانا مكلفين وجب الحد كل واحد منهما. فإذا كان أحدهما مكلفًا وجب الحد على المكلف منهما أصله العاقل إذا زنى بالمجنونة.
٢٨٣٩٨ - قلنا: العاقل إذا زنى فعله متبوع فسقوط الحد عن التبع لا يمنع وجوبه عليه. وفي مسألتنا فعلهما تبع. فإذا لم يكن فعله زنى [لم يجز] أن يكون المفعول بها زانية على ما قدمنا.
٢٨٣٩٩ - قالوا: سقوط الحد عن أحد الواطئين لمعنى يخصه لا يوجب سقوطه عن الآخر قياسًا على المستأمن إذا زنى بالمسلمة.
٢٨٤٠٠ - قلنا: فعل المستأمن زنى. وهو يذم عليه مؤاخذ به وإنما تعذر استيفاء الحد لبقائه على حكم داره فلم يمنع ذلك وجوب الحد عليها كما لو غاب الزاني أو مات ولأن فعل الحربي زنى بدلالة أنه لو أسلم فقذفه به قاذف وجب عليه الحد. وفعل المجنون ليس بزنى. لأنه لو أفاق فقذفه بالوطء في حال جنونه لم يجب الحد.
٢٨٤٠١ - فإن قيل: كما تقولون في المكره إذا زنى بمطاوعة.
٢٨٤٠٢ - قلنا: قال محمد: لا أحفظ قول أبي حنيفة فيه. فيجوز أن يقال: لا حد عليها قبيل مسألتنا. ويجوز أن يقال عليها الحد. لأن فعله زنى مؤاخذ به، فلهذا نقول لا يحل له الإقدام عليه مع الإكراه.
стр. 5673
٢٨٤٠٣ - قالوا: يجوز أن يسقط الحد عن أحدهما بالشبهة دون الآخر مثل أن يعتقد أنها زوجته وهي تعلم.
٢٨٤٠٤ - قلنا: هاهنا يجب الحد عليهما عندنا. وإنما يسقط الحد إذا زفت إليه غير امرأته وأخبره النساء أنها زوجته. وهذا يسقط الحد عنهما وإن كانت عالمة.
٢٨٤٠٥ - قالوا: فعلها يجوز أن ينفرد عن فعله بنوع الحد كذلك لوجوب الحد أصله انفراد فعله من فعلها. ومعناه: إذا كانت محصنة وكان بكرًا عليها الرجم دونه وكذلك العبد يزني بالحرة ينتصف حده ويكمل حدها.
٢٨٤٠٦ - قلنا: ليس إذا انفرد بنوع الحد جاز أن تنفرد بأصل الحد. ألا ترى أن المشتركين في السرقة إذا كان أحدهما مقطوع اليمنى قطعت يمين أحدهما ورجل الآخر. ثم لا ينفرد أحدهما بوجوب القطع عن الآخر. [لأن أحدهما لو كان شريكًا في المال سقط القطع عنهما وعندهم القاتلان ينفرد أحدهما عن الآخر]. وصفة القصاص إذا قتل أحدهما بالسيف والآخر بالحجر. ولا يدل ذلك على الانفراد بالوجوب في المخطئ والعامد.
* * *
стр. 5674
مسألة ١٤١٠
[عدد الإقرارات الكافية في وجوب الحد]
٢٨٤٠٧ - قال أصحابنا: لا يثبت الزنى بالإقرار حتى يقر أربع مرات في أربعة مجالس من مجالس المقر.
٢٨٤٠٨ - وقال الشافعي: إذا أقر مرة واحدة وجب الحد.
٢٨٤٠٩ - لنا: ما روى ابن شهاب قال: حدثني أبو سلمة عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن رجلاً من أسلم أتى رسول الله ﷺ وهو في المسجد فناداه فحدثه أنه زنى. فأعرض عنه فتنحى [إلى شقه] الذي أعرض قبله، فأخبره أنه زنى، وشهد على نفسه أربع مرات فدعاه رسول الله ﷺ فقال: (هل بك جنون)، قال: لا. قال: (فهل أحصنت)، قال: نعم. فأمر به أن يرجم بالحصى.
٢٨٤١٠ - وروى الزهري عن أبي سلمة وسعيد بن المسيب عن أبي هريرة. وروى عبد الله بن يزيد عن أبيه قصة ماعز وذكر أبو داود عن يزيد بن نعيم بن هزال. قال: كان ماعز يتيمًا في حجر أبي فأصاب جارية من الحي. فقال له أبي:
стр. 5675
ائت النبي ﷺ ، فأخبره بما صنعت، لعله يستغفر لك. فأتاه. فقال: يا رسول الله: إني زنيت فأقم علي حد الله. حتى قالها أربع مرات، كل ذلك يعرض عنه رسول الله، فقال رسول الله: شأنك فإنها أربع، فبمن؟ وفي السنن عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: كنا أصحاب النبي ﷺ نتحدث أن الغامدية [وماعزًا لو لم يرجما] بعد اعترافهما لم يطلبها، وإنما رجمهما عند الرابعة. وروي ابن أبي أبزى عن أبي بكر قال: أتى النبي ﷺ ماعز –فأقر عنده، ثم جاء فأقر فأعرض عنه، ثم جاء فأقر فأعرض عنه. فقلت: إن أقررت الرابعة عندي رجمتك. فأقر الرابعة. فسأل عنه أهله. فقالوا: [ما نعلم] إلا خيرًا فرجمه رسول الله ووجه الدلالة: أنه ﷺ لم يتعرض له في أول مرة [حتى عند الرابعة، ولو كان الحكم يتعلق بإقراره مرة لم يجز له تأخير النظر في أمره].
٢٨٤١١ - ولأنه قال: (شأنك فإنها أربع مرات) فدل على تعليق الحكم بالعدد.
٢٨٤١٢ - وقول أبي بكر الصديق لماعز: إنك إن أقررت الرابعة رجمتك. يدل
следующие страницы →