Полный текст (6 324 стр.). Показаны 5741–5780 · переход к 5746.
стр. 5741
٢٨٨٢٣ - والإقرار بالحد بخلافه. ولا فرق عندا بين الأخرس والناطق. لأن الناطق إذا أقر بلفظ يحتمل لم يجب الحد وإنما الحد إذا أقر بصريح لا احتمال فيه. وهذا لا يوجد في الأخرس.
٢٨٨٢٤ - قالوا: يصح إقراره بالقصاص فصح الحد كالناطق.
٢٨٨٢٥ - قلنا: ذكر محمد في الجامع الصغير: ويقتص من الأخرس ويقتص له إذا ثبت ذلك بالبينة وأما الإقرار فلا. ولو سلمنا ذلك على ظاهر الكتاب فالفرق بينهما أن الصحيح لو أقر بمعنى العمد وجب القصاص متى قال: قصد ضربه بالسيف والأخرس يأتي معنى العمد. وأما الزنا فلو أقر الناطق بمعناه لم يحد. كذلك الأخرس إذا أشار بمعناه.
стр. 5742
مسألة ١٤٣٣
[وجوب الحد على مسلم ثم ارتداده ثم توبته]
٢٨٨٢٦ - قال أصحابنا: إذا وجب الحد على مسلم فارتد ولحق بدار الحرب ثم عاد مسلمًا؛ سقط الحد عنه.
٢٨٨٢٧ - وقال الشافعي: لا يسقط.
٢٨٨٢٨ - لنا قال تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾، وقال ﷺ : (الإسلام يجب ما قبله). ولأنها توبة من كفر فجاز أن يسقط الحد كالكفر الأصلي. ولأنه حد وجب قبل الإسلام، فجاز أن يسقط بالإسلام أصله: العقل بالردة، ولا يلزم إذا أسلم في دار الإسلام؛ لأنا عللنا الجواز.
٢٨٨٣٩ - ولا يقال: إن ذكر الجواب لا يصح في الأصل؛ لأن القتل يسقط عن المرتد إذا أسلم بكل حال؛ لأنه إذا ارتد عندنا لزندقة لم يسقط القتل بتوبته. ولأن الحربي إذا وجد منه سبب الحد ثم أسلم، لم يحد، فإذا لحق المرتد بدار الحرب صار من أهلها، والطارئ على الحدود قبل استيفائها كالموجود ابتداء؛ بدلالة: رجوع الشهود أو ردتهم ورجوع المقر عن إقراره.
٢٨٨٣٠ - احتجوا: يقوله تعالى: ﴿فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾.
٢٨٨٣١ - قلنا: الفاء للتعقيب، فظاهر الآية يقتضي إقامة الحد عَقِيب القذف، فأما بعد ذلك فلا تدل الآية عليه.
٢٨٨٣٢ - وقوله ﷺ : (أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم) يقتضى حال ثبوت اليد، فإذا لحق العبد بدار الحرب؛ زالت اليد عنه، فسقط الأمر بعد عوده، لم يبق حد واجب عندنا، والأمر يقتضي إقامة الحدود الواجبة.
стр. 5743
٢٨٨٣٣ - قالوا: حد وجب عليه، فلا يسقط بلحاقه، أصله: المسلم إذا وجب عليه حد فدخل دار الحرب بأمان ثم عاد.
٢٨٨٣٤ - قلنا: باللحوق لا يسقط عندنا، وإنما يسقط إذا صار من أهل الدار، والمستأمن باقٍ على حكم دارنا، فكأنه لم يلحق؛ يبين ذلك: أنه لا يعتبر بالكون في الدار، ألا ترى أن الحربي المستأمَن في دارنا على حكم الحرب في امتناع إقامة الحد عليه؟ كذلك المستأمن منا في دارهم على حكم دارنا.
٢٨٨٣٥ - قالوا: ما طريقة وجوب الحد ولم يقدح في حال وجوبه، لم يسقط مع إمكان استيفائه. أصله: إذا جن ثم أقاق، وأصله: إذا زنى بعاقله؛ لم يسقط الحد عنه.
٢٨٨٣٦ - قلنا: إذا جن وجب عليه الحد ثم أفاق؛ سقط الحد عندنا، وتنتقض العلة بردة الشهود، وبرجوع المقر، وزوال إحصان المقذوف.
٢٨٨٣٧ - فإن قالوا: زوال العفة يؤثر في عفته حال القذف.
٢٨٨٣٨ - قلنا ليس إذا طرأ منه زوال العفة زالت عفته في الحال السابقة، لكن طرأ معنى لو كان موجودًا ابتداء منع، فأما جنون الواطئ؛ فإنه إذا وطئها وهو مجنون، ففعله ليس بزنى، فخرج فعلها وهو تابع أن يكون زنى. وفي مسألتنا طرآن الجنون لا يخرج فعله من أن يكون زنى عند وقوعه فلذلك لم يؤثر في فعلها.
стр. 5744
مسألة ١٤٣٤
[التعريض بالقذف]
٢٨٨٣٩ - قال أصحابنا: إذا عرض بالقذف لم يجب عليه الحد.
٢٨٨٤٠ - وقال الشافعي: إذا نوى بذلك القذف حد. وإن قال: لم أرد القذف استحلف. فإن نكل عن اليمين استحلف المقذوف، وحد القاذف.
٢٨٨٤١ - لنا: أن السلف اختلفوا. فمنهم من حد بالتعريض، ومنهم من لم يحد. ولم ينقل عن أحد منهم اعتبار النية فصار ذلك خلاف الأصل إجماعًا. ولأن الكناية قائمة مقام الصريح، والحد لا يجوز إثبات بما قام مقام الغير كشهادة النساء.
٢٨٨٤٢ - ولأن تعلق الحد بالقذف والكناية تجرى مجراه، والحد إذا وجب بمعنى لم يجيب بما يقوم مقامه كما لا يجب حد الزنا بالوطء فيما دون الفرج. وكما لا يجب حد السرقة في الخلسة.
٢٨٨٤٣ - ولأن كل معنى لا يجب به الحد إذا انفرد لم يجب به الحد وإن انضمت إليه النية أصله القْبَل واللمس والقذف بالكفر. ولأن مسألة القاذف عما أراد بالكناية توصل إلى إيجاب الحد. وقد أمرنا بدرء الحدود دون التوصل إلى [إثباتها]. ولأنه حد فلا يجب يمين المدعي كحد السرقة.
٢٨٨٤٤ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات﴾.
٢٨٨٤٥ - قلنا: المراد به الرمي بصريح الزنى. بدلالة قوله: ﴿ثم لم يأتوا بأربعة شهداء﴾ شهادة الأربعة إنما تعتبر في الزنى. ونحن لا نسلم أن هذا رمي بالزنى، ولا
стр. 5745
أجمعنا على أنه لم يرد عموم الرمي، وإنما المراد مخصوص.
٢٨٨٤٦ - فقلنا: المراد والذين يرمون بصريح الزنى وقال مخالفنا: بالصريح وفي معناه. ومن أضمر شيئًا واحدًا كان أولى.
٢٨٨٤٧ - قالوا: أراد القذف بلفظ يصلح له فصار كقوله: زنيت في الجبل.
٢٨٨٤٨ - قلنا: الإرادة لا معنى لها في إثبات الحدود. بدلالة صريح اللفظ إذا عري عن الإرادة. وأراد به غير القذف. والعرف اصطلاح طارئ فهو أولى من الحقيقة. فإن لم يكن بد عرف فليس بقذف، فأما الكناية فلا عرف، ولو وجد فيها عرف صار كقوله: زنيت واستغنت عن النية.
٢٨٨٤٩ - قالوا: الكناية مع النية تجرى مجرى الصريح فيما ليس من شرط الشهادة. أصله الطلاق والإقرار.
٢٨٨٥٠ - قلنا: يبطل بالتعريض بالخطبة في حال العدة. فإن الله تعالى حرم التصريح وأباح التعريض ولم يجر مع النية مجرى الصريح في باب التحريم.
٢٨٨٥١ - ولأن الكناية [مع النية] مسلم أنه تجري مجرى الصريح إلا أن الحدود لا تثبت بما قام مقام الغير. والطلاق والإقرار يجوز إثباتهما بما أقام مقام الغير.
٢٨٨٥٢ - قالوا: كل لفظ يحتمل أمرين ينصرف بالنية إلى أحدهما أصله إذا قال: يا يحيى خذ الكتاب بقوة. وهو يخاطب رجلا بطلت صلاته.
٢٨٨٥٣ - قلنا: إذا احتمل اللفظ احتماله شبهة في منع الحد، وانضمام النية إليه كانضمامها إلى الإقرار بالزنى باللفظ المحتمل وانضمام النية إلى شهادة الشهود بالزنى باللفظ المحتمل.
стр. 5746
مسألة ١٤٣٥
[حكم من مات بتعزير الإمام]
٢٨٨٥٤ - قال أصحابنا: إذا عزر الإمام رجلا فمات من التعزير لم يجب عليه ضمان.
٢٨٨٥٥ - قال الشافعي: الضمان في ماله على أحد القولين. وفي القول الآخر في بيت المال.
٢٨٨٥٦ - لنا: أنها عقوبة يستوفيها الإمام بالولاية على المسلمين فلا تكون مضمونة عليه كالحد. ولأنها يستوفيها مطالبة اَدمي. فلا يضمن ما يتولد منها كحد القذف. [ولأنها عقوبة] يستوفيها لمصلحة المسلمين كالحد. لأنه يستوفيها الإزالة الفساد عن دار الإسلام كالحدود. ولأن الإمام لو لزمه ضمان بتصرفه لم يقبل قوله فيه كما يستوفيه لنفسه.
٢٨٨٥٧ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿ومن قتل مؤمنًا خطئًا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله﴾.
٢٨٨٥٨ - قلنا: الإمام ليس بقاتل وإنما هو آمر بالقتل فلا تتناوله الآية. وإن فرضوا الكلام في الإمام إذا فعل التعزير بنفسه.
٢٨٨٥٩ - قلنا: الآية تقتضي وجوب الدية على القاتل. والإمام لا ضمان عليه باتفاق. وإنما تجب عندهم على عاقلته أو في بيت المال.
٢٨٨٦٠ - قالوا: روي عنه ﷺ أنه قال: (ألا إن قتيل خطأ العمد قتيل السوط والعصا، فيه مائة من الإبل).
٢٨٨٦١ - قلنا: هذا يقتضي القتل الذي تلغظ فيه الدية. وهذا القتل لا تتغلظ فيه الدية باتفاق.
٢٨٨٦٢ - قالوا: روي عن علي [﵁] أنه قال: (ما من أحد أقمت عليه حدًا من
стр. 5747
حدود الله فأحببت أن أزيد إلا شارب الخمر. فإنه شيء فعلناه برأينا. قالوا: ومعنى هذا أن يحد الشارب أربعين. فأراد أن يضموا إليها أربعين على وجه التعزير.
٢٨٨٦٣ - قلنا: اجتهادهم لم يكن في زيادة العدد ولكن في صفة الضرب لأنه ﷺ ضرب بالجريد والنعال. وهم نقلوا ذلك إلى السياط وليس في ذلك تعزير.
٢٨٨٦٤ - قالوا: روي أن عمر بن الخطاب بعث إلى امرأة بلغه عنها ريبة. فدعوها فأجهضت. فاستشار عثمان وعبد الرحمن فقالا: إنما أنت مؤدب. فقال علي: إن كانوا أخافوك فقد غشوك. فإن اجتهدوا فقد أخطأوا، والذي عليك الغرة. فقال عمر: أقسمت عليك لتقسمها على قومك.
٢٨٨٦٥ - قلنا: إن صح هذا الخبر فالمسألة خلاف بينهم، فلا يصح الاحتجاج بقول البعض.
٢٨٨٦٦ - قالوا: ضرب اَدمي غير مقدر، وضع لاستصلاح المضروب. فوجب أن يكون مضمونا [في حقه]. أصله: ضرب الرجل امرأته.
٢٨٨٦٧ - قلنا: لا نسلم أنه غير مقدر. لأن عندنا أقله ثلاثة وأكثره تسعة وثلاثون، وما بين ذلك رأي الإمام. فأما ضرب الرجل امرأته فيستوفيه لمنفعة نفسه فكان مضمونا عليه.
٢٨٨٦٨ - وفي مسألتنا يستوفيه لمصلحة المسلمين كالحد. وأما ضرب الرجل لابنه فإنه يفعله لحق المسلمين ولمصلحة الولد. لأن صلاح الولد يعود نفعه إلى الأب؛ لأن الزوج والأب ممن يجوز أن يلزمهما الضمان بتصرفهما. وليس كذلك الإمام؛ لأن الضمان لو لزمه بتصرفه لم ينفذ قوله.
٢٨٨٦٩ - قالوا: ضرب لا يبلغ به أدنى الحدود فوجب أن يكون مضمونا في حق غيره. أصله ضربه لزوجته.
стр. 5748
٢٨٨٧٠ - قلنا: نقصانه عن الحدود ليس فعله لوجوب الضمان. بدلالة أن حد العبد أنقص من حد الحر. وقد تساويا في سقوط الضمان.
٢٨٨٧١ - ولأن النوع الذي يستوفيه الإمام بالولاية إذا لم يضمن كثيرة لم يضمن قليله كالأموال. [وما يضمن كثيره] لم يضمن قليله كما يستوفيه لنفسه.
٢٨٨٧٢ - قالوا: غير محدود. له مندوحة عنه كضرب امرأته.
٢٨٨٧٣ - قلنا: لا نسلم أنه يجوز تركه. لأن التعزير إن كان [لمطالبة] اَدمي ثبت إن طالب، وسقط إن ترك المطالبة كحد القذف. وإن كان للإمام المطالبة فلا يجوز تركه. وإنما يقيم الزجر والوعيد والتوبيخ مقامه في ذوى المروءات فيكون ذلك تعزيرًا لهم كما نقص منه إذا قتل من دمه للمسلمين. ويجوز أن يقيم مقام القصاص غيره. وهو الدية.
стр. 5749
موسوعة
القواعد الفقهية المقارنة
المسماة
التجريد
كتاب السرقة
стр. 5750
مسألة ١٤٣٦
[المقدار الذي يقطع فيه السارق]
٢٨٨٧٤ - قال أصحابنا: النصاب الذي يقطع بسرقته عشرة دراهم فصاعدًا؛ وما سوى الورق يقوم.
٢٨٨٧٥ - وقال الشافعي: النصاب ربع دينار: وما سوى الذهب يقدر به.
٢٨٨٧٦ - لنا: ما روى عامر بن سعد عن أبيه أن النبي ﷺ قال: (لا يقطع السارق إلا في ثمن المجن) وروى هشان عن عروة عن عائشة أن السارق لم يقطع في عهد رسول الله ﷺ في أدنى من ثمن حجفة. وروي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: (لا قطع في ثمر معلق، ولا في حريسة جبل، فإذا آواه المراح أو الجرين فالقطع فيما بلغ ثمن المجن). وروى عطاء عن أم
стр. 5751
أيمن قالت: قال رسول الله ﷺ : ((لا تقطع يد السارق إلا في جحفة)) وقومت يومئذ على عهد رسول الله ﷺ ... دينارًا أو عشرة دراهم.
٢٨٨٧٧ - فقد دلت هذه الأخبار على أن النصاب يتقدر بثمن المجن. فلا يخلو إما أن يكون مجنًا معينًا أو غير معين ولا يجوز أن يكون المراد مجانًا مختلفة في الخبر المجن وهذا يقتضي التعريف، ولأنه أخرج الكلام مخرج التقدير وبيان النصاب فلا يجوز أن يقدر ذلك مختلف لا يتقدر فلم يبقى إلا أن يكون أراد مجنٌا بعينه. اختلف السلف في قيمته فروى عطاء عن ابن عباس قال: كان قيمة المجن الذي قطع فيه رسول الله ﷺ عشرة دراهم. وروى عطاء عن الحسين عن أم أيمن عن النبي ﷺ الحديث الذي قدمناه، وروى مجاهد عن أيمن عن النبي ﷺ ولم يذكر أم أيمن [عن النبي ﷺ ]. وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مثل حديث ابن عامر. وروى نافع عن ابن عمر قال: قطع النبي ﷺ في مجن قيمته ثلاث دراهم، وعن عائشة ربع دينار، وعن أنس: أن النبي ﷺ قطع في مجن قيل له: كم كان قيمته، قال: خمسة دراهم.
٢٨٨٧٨ - فلما اختلفوا في قيمته كان الرجوع إلى أكثر ما قيل أولى؛ لأن المقومين لو اختلفوا في مستهلك فشهد اثنان أن قيمته عشرة واثنان أن قيمته أقل وجب الأخذ بالزيادة؛ ولأنه لا يجوز إثبات القطع بالشك، وقد تيقنا وجوبه عند أخذ العشرة ولم يتفق ذلك فيما دونها؛ ولأن في خبرنا تقويمه على عهد رسول الله ﷺ وفي خبرهم قيمة مطلقة، والقيمة تختلف باختلاف الأزمان وقد كان السلاح قليلا بالمدينة ثم إنه اتسع لما فتحت البلاد فنقصت قيمته، فيجوز أن يكون من قومه أقل من عشرة رجع إلى قيمته بعد النبي ﷺ ، والرجوع إلى من قومه في
стр. 5752
زمن النبي ﷺ [أولى حتى علق القطع به]. وقد روى عمرو بن شعيب قال: دخلت على سعيد بن المسيب فقلت له: إن أصحاب عروة بن الزبير ومحمد بن مسلم الزهري وابن يسار يقولون: إن المجن خمسة دراهم قال: أما هذا فقد مضت فيه السنة [من لدن رسول الله ﷺ ] عشرة دراهم ويدل عليه ما روى زفر بن الهذيل عن الحجاج بن أرطأة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: (لا قطع فيما دون عشرة دراهم) وطعنهم على الحجاج لا يلتفت إليه لأن من أصحابنا من رووا عنه، والرواية عنه تعديل. وقولهم يحمل الخبر على عشرة تساوي ربع دينار. ليس بصحيح لأن هذا لم يكن على عهد رسول الله ﷺ ولأن المجن يقتضي أن النصاب من الدراهم وأن المعتبر وزنها دون قيمتها.
٢٨٨٧٩ - ويدل عليه ما روى محمد بن الحسن وأبو مطيع عن أبى حنيفة عن [القاسم بن عبد الرحمن] عن أبيه عن ابن مسعود قال: (لا قطع في أقل من عشرة دراهم)، والصحابي إذا قال ما لا يعلم بالقياس حمل على التوقيف.
٢٨٨٨٠ - فإن قيل: قد روي عن عائشة وابن عمر أن اليد لا تقطع في أقل من ربع دينار، وعن عمر أن السارق لا يقطع إلا في خمس.
٢٨٨٨١ - قلنا: تحمل هذه الأخبار كلها على التوقيف فيكون إثبات القطع
стр. 5753
في المتقين أولى.
٢٨٨٨٢ - ولأنه قدر مختلف في وجوب القطع فيه [فلم يقطع فيه كما في دون ربع] دينار و [العشرة مختلف في وجوب] [القطع فيما دونها].
٢٨٨٨٣ - [فإن قيل] إبراهيم النخعي لا يرى القطع إلا في أربعين.
٢٨٨٨٤ - قلنا: لا يصح لأنه لم يقل أحد بأكثر من عشرة وقول إبراهيم حكاه أصحابنا وهم أعلم به.
٢٨٨٨٥ - ولأن ما لا يتقدر به المهر لا يتقدر به نصاب السرقة كما دون ربع دينار ولأنه مقدار يستقر ضمانه باستهلاكه فلم يجب قطع بسرقته كما دون ربع دينار، لأنها استباحة يقف استيفاؤها على مال، فلم تتقدر بربع دينار كالنكاح. ولأنه مقدار لا يقطع فيه الردء، فلم يقطع فيه المباشر كما دون ربع دينار. ولأنه عضو له أرش مقدر فلا يقطع فيما يتقوم بربع دينا أصله اليد الصحيحة باليد الشلاء. قالوا: الحدود عندكم لا تجب بالقياس.
٢٨٨٨٦ - قلنا: نحن عللنا لنفي القطع لا لإيجابه.
٢٨٨٨٧ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ وهذا يقتضي وجوب القطع على كل سارق إلا ما خصه دليل.
٢٨٨٨٨ - قلنا: السارق اسم الفاعل، وهو لا يتناول حقيقة إلا [بمن يتعين] الفعل فظاهر الآية أنها نزلت فيمن سرق قبل نزولها ومن بعده لا يتناوله الظاهر وإنما يحمل على ذلك تركًا للظاهر بالإجماع فيجب أن لا يحمل إلا على من أجمعوا عليه.
٢٨٨٨٩ - قالوا: روت عمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة أنها قال: سمعت
стр. 5754
النبي ﷺ يقول: (لا يقطع السارق إلا في ربع دينار فصاعدًا).
٢٨٨٩٠ - قلنا: هذا حديث اختلف أهل الحديث في رفعه إلى النبي ﷺ فرواه مرفوعًا: يونس عن الزهري عن عروة وعمرة عن عائشة واختلف عن يونس فروى [القاسم بن مبرور] عنه خلاف ذلك، واختلف عن سفيان بن عيينة فمنهم من رواه مرفوعًا وروى يونس عن سفيان عن الزهري وذكر أنها قالت: كان النبي ﷺ يقطع في ربع دينار فصاعدًا. واختلف عن يحيى بن سعيد فروي عنه مرفوعًا ورواه [مالك عنه موقوفا عليها] واختلف [عن معمر] [فروى عبد الرزاق عنه مرفوعًا] ورواه ابن المبارك عنه موقوفًا عليها من قولها ورواه أيوب عن عبد الرحمن بن القاسم عن عمرة عن عائشة موقوفًا قال أيوب: وحدث يحيى ابن سعيد عن عمرة عن عائشة برفعه، فقال له عبد الرحمن: إنها كانت لا ترفعه فترك رفعه يحى وهذا اضطراب شديد يمنع من قبول هذا الخبر وكيف نظن أن عندها
стр. 5755
هذا الخبر ويحيى يرفعه إلى قيمة المجن ويظهر الاختلاف في تقويمه فلا يليق لهم أنه لا حاجة بهم إلى معرفة قيمته فعاد هذا الخبر إلى تقويمها المجن وتعلق القطع بمقدار قيمته عندها.
٢٨٨٩١ - قالوا: روت عمرة بن عبد الرحمن أن سارقًا سرق أترجه على زمن عثمان وأمر بها فقومت ثلاثة دراهم فقطع يده ولم ينكر ذلك أحد.
٢٨٨٩٢ - قلنا: الخلاف في هذه المسألة مشهورة بينهم، وظهور الخلاف يغنى عن تحديد المخالفة عند كل حادثة فلا يصح الرجوع إلى قول أحدهم.
٢٨٨٩٣ - قالوا: مقدار يجب في زكاة الذهب بانفراده فجاز أن يقطع بسرقته أصله الدينار.
٢٨٨٩٤ - قلنا: هذا تعليل لتعلق القطع بنصف دينار فلم يدلونه على تصحيح مذهبهم وعلى إبطال مخالفهم ولا نقول بموجبه في نصف دينار إذا بلغت قيمته عشرة دراهم لم يجب به قطع فإن قاسوا على دينار قيمته عشرة دراهم.
٢٨٨٩٥ - قلنا: المعنى فيه: إنه مقدار متفق على وجوب القطع فيه وفي مسألتنا بخلافه.
٢٨٨٩٦ - قالوا: زكاة نصاب فجاز أن يقطع فيه كالشاة.
٢٨٨٩٧ - قلنا: الشاة لا يقطع فيها حتى تكمل قيمتها عشرة دراهم وكذلك نقول في نصف دينار، فأما خمسة دراهم فلا يجوز أن تبلغ قيمتها عشرة دراهم فلم يجب فيها القطع.
стр. 5756
مسألة ١٤٣٧
[سرقة ما يسرع إليه الفساد]
٢٨٨٩٨ - قال أبو حنيفة ومحمد: لا يقطع في سرقة ما يسرع إليه الفساد كالبقول [والفاكهة التي لا تبقى] والثمار الرطبة.
٢٨٨٩٩ - وقال أبو يوسف: يقطع في جميع ذلك. [وبه قال الشافعي. لنا: حديث] رافع بن خديج أنه ﷺ قال: (لا قطع في ثمر ولا كثر وهذا عام في جميع الثمار والكثر والجُمٌار. وهو مما يسرع إليه الفسار.
٢٨٩٠٠ - فإن قيل: المراد به الثمرة المعلقة وقد كانت ثمار المدينة غير محرزة. والدليل عليه أنه قال: حتى يأويه الجرين.
٢٨٩٠١ - قلنا: هذه العلة غير مذكورة في خبر رافع وإنما ذكرها عمر بن شعيب ونحن نتكلم عليها في الجواب عن حجتهم ولا يجوز أن يكون المراد الثمرة التي لا تحرز لأن جميع الأموال في ذلك كالثمرة قلا يكون [لتخصيص الثمر] معنى.
٢٨٩٠٢ - وروى الحسن عن النبي ﷺ أنه قال: (لا أقطع في طعام)
стр. 5757
وهو عام في سائر الأطعمة إلا ما خصه دليل.
٢٨٩٠٣ - فإن قيل: إطلاق الطعام عندكم يتناول الحنطة.
٢٨٩٠٤ - قلنا: تخصيص الخبر بما يبطل عام فائدته والواجب حمل كلام رسول الله ﷺ على ما يفيد. وفد روى الطحاوي هذا الخبر بإسناده عن الحسن.
٢٨٩٠٥ - قال: دخل رجل بيت رجل فوجد طعامًا فجلس فأكل منه فذهبوا به إلى النبي ﷺ فقال: (دعوا الناس فإني لا أقطع في طعام).
٢٨٩٠٦ - ويدل عليه ما روي أن عائشة قالت: كان لا يقطع على عهد رسول الله ﷺ في الشيء التافه، والبقول والمرق تافهة ولأن معنى الحرز فيه ناقص؛ لأنه لا يبقى ونقصان معنى الحرز يمنع من وجوب القطع كالماء ولحوم السباع ولأنه نوع لا يقطع فيه الردء فلا يقطع فيه المباشر كالماء والسرجين. ولأنه إذا تملك في يد السارق استقر عليه ضمانه فلا يقطع فيه كالماء، ولأن الأغراض تختلف في سرقة [أجناس الأموال] ومقاديرها ثم إن في المقادير ما لا يقطع فيه وجب أن يكون في أجناس أموال ما لا يقطع فيه.
٢٨٩٠٧ - فإن قالوا: [الموجب العلة] في الماء والطين.
٢٨٩٠٨ - قسنا عليها وإن نازعوا فيهما صحت العلة.
٢٨٩٠٩ - احتجوا: بما روي أن رجلا من مزينة أتى رسول الله ﷺ فسألوه عن سرقة التمر المعلق، فقال ﷺ : (ليس في شيء من التمر المعلق قطع إلا ما آواه الحرين فما أخذ من الجرين يبلغ ثمن المجن ففيه القطع وما لا ما آواه الحرين فما أخذ من الجرين يبلغ ثمن المجن ففيه القطع وما لا يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثليه وجلدات نكال).
٢٨٩١٠ - قلنا: أسقط عنه ﷺ في التمر المعلق لأن ذلك مما يسرع إليه الفساد فأوجب القطع فيها حمل على الجرين؛ لأن الثمر تحمل إلى الجرين بعد جفافها ليستحكم
стр. 5758
جفافها على الأرض ولا يجوز أن يكون التفريق بين الحالتين لأجل الجرين لأن الثمار المعلقة قد تكون في الدور وراء الحيطان فتكون محرزة، [وقد يكون الجرين] جرزًا وقد لا يكون فعلم أنه فصل بين الأمرين لاستحكام الثمن في أحد الحالتين دون الأخرى، وقد روي في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: (لا قطع في ثمر ولا كثر حتى يأويه الجرين).
٢٨٩١١ - والجواب عنه ما ذكرنا وهو ما لا يحمل إلى الجرين، ولم يفصل بين المحرز منه وغير المحرز.
٢٨٩١٢ - فإن قيل: قوله لا قطع في ثمن حتى يأويه الجرين في الكناية تنصرف إلى الثمرة التي أسقط فيها قبل حملها.
٢٨٩١٣ - قلنا: المراد بالخبر بلوغه إلى الحال التي تحمل إلى الجرين كما يقال: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) معناه حتى بلغت إلى حال الحيض، وقال الله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن أنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم﴾ والكناية راجعة إلى اليتامى وإن لم يكونوا يتامى حال وجوب التسليم. يبين هذا ما روي أن عبدًا أسود سرق ودية لرجل من الأنصار فأتى به مروان فأمر بقطعه فانطلق سيد العبد إلى رافع بن خديج فأخبره فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (لا قطع في ثمر [ولا كثر]) فقال سيد العبد: انطلق معي إلى مروان فباعه ونفاه من المدينة فقد فهم رافع سقوط القطع في الودي بحبسه لا للحرز إذا لم يجر في القصة ذكر.
٢٩٩١٤ - احتجوا: بما روي أن النبي ﷺ قال: (لعن الله السارق يسرق البيضة
стр. 5759
فتقطع يده).
٢٨٩١٥ - قلنا: المراد بيضة السلاح بدليل أن بيض الطير لا تبلغ الواحدة منه نصابًا.
٢٨٩١٦ - قالوا: روي أن سارقًا سرق أترجه في زمن عثمان فأمر بها فقومت ثلاثة دراهم من صرف اثنا عشر درها بدينار، فقطع عثمان يده. قال مالك: هي الأترجة التي تؤكل.
٢٨٩١٧ - قلنا: روي عن عمر بن الخطاب أنه قال: (لا قطع في ثمر) وأن الأترج يبقى مدة طويلة لا يفسد فيها فيجوز أن يقال فيه القطع.
٢٨٩١٨ - فإن قيل: فكذلك السفرجل والتفاح في بعض البلاد.
٢٨٩١٩ - قلنا: إنما سقط القطع في الفاكهة الرطبة التي تفسد فما لا يفسد إلا في مدة طويلة يجب قيه القطع.
٢٨٩٢٠ - قالوا: فالطعام يبقى بأصفهان مدة طويلة فيجب أن يتعلق به القطع هناك ولا يتعلق به في بلد آخر.
٢٨٩٢١ - قلنا: المعتبر ما يبقى في عامة البلاد ولا يعتبر المكان الشاذ النادر.
٢٨٩٢٢ - قلنا: نوع مال فيجب أن يتعلق القطع بسرقته أصله سائر الأموال.
٢٨٩٢٣ - قلنا: إذا كانت الأغراض تختلف في شركة أجناس الأموال كما تختلف في مقاديرها كان إيجاب القطع في كل جنس كدعوى إيجابه في كل قطع وهذا لا يصح، ولأن القطع وضع لصيانة الأموال كما وضع حد القذف صيانة للأغراض، ثم كان القطع يتعلق بمال دون مال، والمعنى في الأموال المتفق على وجوب القطع بسرقتها أن معنى المال [كامل فيها] فلما كمل التمول فيها وجب القطع بأخذها ولما نقص معنى التمول بهذا المال لم يجب بأخذه قطع.
٢٨٩٢٤ - قالوا: ما قطع بسرقة يابسة قطع في سرقة رطبه كالنبات وألقت.
стр. 5760
٢٨٩٢٥ - قلنا: إذا كان يقطع فيه إذا سرق من مكان دون مكان كذلك يجوز أن يقطع إذا سرق وهو على صفة دون لأن القطع يسقط في ما ليس بمحرز بتعريضه للهلاك فما كان معرضًا للهلاك فجنسه وصفته أولى أن لا يقطع فيه، ولأن النبات وألقت معنى التمول كامل في رطبها ويابسها فوجب القطع فيهما، ومعنى التمول غير كامل في الفاكهة الرطبة فخالف حالها حال اليابس منهما.
٢٨٩٢٦ - قالوا: الرطب واليابس لا يفترقان وقد قلتم أن اللحم لا يقطع في رطبه ومقدوده.
٢٨٩٢٧ - قلنا: ذكر ابن رستم عن أبي يوسف أن أبا حنيفة قال: لا قطع في رطب الفاكهة ويابسها فأما اللحم فقد ذكر أبو الحسن أن السمك لا يقطع في رطبه ولا في المملوح منه وهذا صحيح؛ لأنه يوجد مما جاء تافهًا فأما اللحم فعلى الرواية التي فرق بين رطب الفاكهة ويابسها فيجب أن يفرق بين اللحم الطري والمقدد.
٢٨٩٢٨ - قالوا: المعتبر بصفة المال حال أخذه دون ما يطرأ عليه، ألا ترى أن الشاة المريضة يجب القطع بأخذها وإن كانت لا تبقى والنبات إذا وضعت تحت الأرض يجب بسرقتها القطع وإن كانت تفسد إذا بقيت تحت الأرض.
٢٨٩٢٩ - قلنا: إنما يعتبر كون الشيء لا يبقى بجنسه ومما هو عليه في أصله فأما إذا كان بمعنى حادث فذاك غير معتبر.
٢٨٩٣٠ - قالوا: السرقة ما قيمته نصابًا من حرز مثله من غير شبه فأشبه النبات.
٢٨٩٣١ - قلنا: لا نسلم نقي الشبهة؛ لأن كونه مما لا يدخر ولا نصاب شبهة في سقوط القطع فيه، والمعني في النبات أن معنى التمول فيها كامل ولم نقص معنى التمول في البقول منع ذلك من وجوب القطع فيها.
стр. 5761
مسألة ١٤٣٨
[سرقة ما كان أصله مباحًا]
٢٨٩٣٢ - قال أصحابنا: ما يوجد مباحًا في دار الإسلام كالصيد والجص والنوْرَة والخشب لا قطع فيه.
٢٨٩٣٣ - وقال أبو يوسف: يقطع في جميع ذلك إلا في الماء والسرجين والتراب.
٢٨٩٣٤ - وقال الشافعي: مثل ذلك وزعم أصحابه أن في الماء والتراب وجهين.
٢٨٩٣٥ - لنا: حديث رافع بن خديج أنه ﷺ قال: (لا قطع في ثمر ولا كثر) وقيل الكثر: إنه الجمار. وقيل: صغار النخل. وقد فهم ابن خديج من ذلك الودي. إما لأن الحبر يتناوله أو قاسه عليه. والمعنى في الودي يوجد مباحًا تافهًا. ويدل ما روي أن النبي ﷺ قال: (الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار). ثبوت
стр. 5762
الشركة شبهة في سقوط القطع. كمال بيت المال.
٢٨٩٣٦ - وروى عبد الله بن يسار قال: أتى عمر بن عبد العزيز برجل سرق دجاجة فأراد أن يقطعه. قال أبو سلمه بن عبد الرحمن قال عثمان بن عفان: (لا قطع في طير).
٢٨٩٣٧ - وروى [عباد بن العوام] عن أبى خالد عن رجل أن عليٌا قال: (لا يقطع في الطير). قالت عائشة: (كان لا يقطع على عهد رسول الله ﷺ في الشيء التافه) والحطب والماء والحجارة تافهة ولا يقطع في شيء منها. ولأنه يوجد في دار الإسلام مباحًا غير مرغوب فيه فلا يجب فيه القطع كالماء والسرجين ولبن الآدمية ولا يلزم الذهب والفضة؛ لأنها توجد مباحة إلا أنهما مرغوب فيهما ولا يلزم الساج. لأنه لا يوجد مباحًا في دار الإسلام، وإنما يوجد في دار الحرب. وجميع الأموال هناك مباحة.
٢٨٩٣٨ - فإن نازعوا في الماء دللنا عليه بقوله ﷺ : (الناس شركاء في ثلاث).
٢٨٩٣٩ - فإن قالوا: السرجين ليس بمال لم نسلم.
٢٨٩٤٠ - فإن نازعوا في لبن الآدمية قلنا: مانع مختلف في جواز بيعه كالنبيذ ولأن مخالفنا لا يخلو إما أن يسلم نوعا من التمولات لا يقطع فيه فنعكس عليه العلة التي ذكرنا أو لا يسلم ذلك فنقول: الأعراض تختلف باختلاف أجناس الأموال كما تختلف باختلاف مقاديرها.
٢٨٩٤١ - بدلالة أن من السراق من يختار سرقة الكثير دون القليل، ومنهم من يختار سرقة نوع دون نوع، ثم كان في المقادير ما لا يقطع فيه [وما يقطع] لأن المباحات تملك في دار الإسلام بمجرد الأخذ. فإذا سرقها فقد وجد منه سبب الملك فصار شبهة في سقوط الحد وإن لم نوجب الملك. ألا ترى أن صورة النكاح الفاسد
стр. 5763
صورة الجائز إلا أنه لا يملك به فيصير شبهة في سقوط الحد، وكذلك الشراء الفاسد في صورة الصحيح فيكون شبهة، والمقذوف إذا كان وطئ بنكاح فاسد لم يحد قاذفه. لأن فعله يشبهه الزنى فصار كهو في سقوط الحد عن قاذفه.
٢٨٩٤٢ - فإن قيل: تبطل بالدراهم والدنانير. لأنها تملك في دار الإسلام بالأخذ من الكنوز. فإذا سرقها فقد وجد الأخذ الذي يملك به ولا يكون شبهة. قلنا: الكنوز إذا كانت من ضرب الإسلام فهي لقطة، وأخذها لا يملك به وإن كانت من ضرب الكفار ملكت بالأخذ لأجل مالكها. والإباحة التي تعود إلى ملك المال يتعين حكمها بزول إلى ملك محظور. ألا ترى أن الوالد إذا سرق مال ولده فلا يقطع فيه لأجل المالك. وإذا انتقل المال إلى غيره وجب القطع.
٢٨٩٤٣ - فإن قيل: يبطل بالمعادن من الذهب والفضة تملك بالأخذ منها ثم لا تصير شبهة في السرقة.
٢٨٩٤٤ - قلنا: الذهب والفضة توجد من المعدن غير معمول فتهلك وسرقة مثله لا قطع فيها حتى تسبك وتخلص.
٢٨٩٤٥ - فإن قيل: تبطل بالساج.
٢٨٩٤٦ - قلنا: يملك بالأخذ من دار الحرب. وحكم دار الحرب لو اعتبر لسقط القطع في جميع الأموال لأنها تملك في دار الحرب. فإذا وقع الملك ثم صار شبهة في حق السارق. لأنه أخذ يماثل الأخذ الذي يملك به.
٢٨٩٤٧ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ وهذا عام.
٢٨٩٤٨ - قلنا: قد بينا أن حقيقة السرقة تقتضي من لابس الفعل. فاقتضت الآية وجوب القطع على من فعل ذلك قبل نزولها، وإنما تحمل على من فعل ذلك بالإجماع.
٢٨٩٤٩ - قالوا: اعتبار ما أجمعوا على دخوله تحت الآية. قالوا: روى أبو هريرة أنه ﷺ قال: (لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده).
стр. 5764
٢٨٩٥٠ - قلنا: المراد بيضة الحديد وقد تقدم.
٢٨٩٥١ - قالوا بالحجاز: لا يبلغ ذلك وأكثر الأحوال أن يحتمل اللفظ الأمرين فلا يعمل أحدهما إلا بدليل.
٢٨٩٥٢ - فإن قيل: كيف يجوز أن يذكر هذا مثلا ليبين أنه يخاطر بيده في الشيء اليسير ويريد بذلك بيضة السلاح، وليست مما لا يستحق ولا مما لا يستقل.
٢٨٩٥٣ - قلنا: هي قليلة بالإضافة إلى اليد غير مستكثرة بذلك، وإنما خصها من بين السلاح لأن قيمتها كانت قيمة النصاب كما خص المجن بذلك من بين سائر السلاح.
٢٨٩٥٤ - قالوا: نوع مال فوجب أن يكون في سرقته ما يجب به القطع كسائر الأموال.
٢٨٩٥٥ - قلنا: إذا كانت الأغراض تختلف في أجناس الأموال كما تختلف في المقادير فإيجاب القطع في جميع الأموال كإيجابه في سائر المقادير وهذا لا يصح والمعنى في سائر الأموال أنها لا تملك بالأخذ في سائر دار الإسلام. بمعنى يعود إليها. فلم تقارن سرقتها شبهة وما اختلف فيه يملك بالأخذ وفي دار الإسلام بمعنى يعود إلى جنسه. فأشبه أخذ السارق الأخذ الذي يملك به فصار ذلك شبهة في سقوط الحد فيه.
٢٨٩٥٦ - قالوا: كل حق تعلق بالمال الذي ليس له أصل في الإباحة تعلق فيما له أصل في الإباحة: أصله الضمان وصحة التصرف.
٢٨٩٥٧ - قلنا: يبطل بالتمليك فإن الأخذ يملك به المال الذي أصله الإباحة ولا يملك به ما سواه في دار الإسلام. لأن وجوب الضمان أوسع بدلالة تعلقه بالقليل والكثير والأخذ مع الشبهة والقطع لا يتعلق بجميع ذلك فلم نستدل بوجوب الضمان على وجوب القطع.
٢٨٩٥٨ - قالوا: المال وجب في سرقته القطع صيانة له. وهذا المال يحتاج إلى صيانة لغيره. فإذا وجب القطع في سائر الأموال وجب في هذا.
٢٨٩٥٩ - قلنا: المصاحف وما دون النصاب تحتاج إلى صيانة وإن لم يجب
стр. 5765
به قطع كذلك هذا.
٢٨٩٦٠ - قالوا: المعتبر بصفة المال في الحال دون ما قبلها. بدلالة أن من أباح لغيره ملكه فأخذه فلا شيء عليه. ولو رجع عن الإباحة ثم سرق وجب عليه القطع. ولو اضطر إليه وأخذه لم يقطع. ولو زالت الضرورة فأخذه قطع.
٢٨٩٦١ - قلنا: هذه الإباحة لم تتعلق بالمال بصفة تعود إليه. وإنما تعلقت بحق المالك أو بصفة عليها الأخذ فإذا زالت تغير الحكم. وفي مسألتنا تعلقت بالمال بجنسه وبمعنى يعود إليه. فإذا زالت الإباحة والجنس موجود فالشبهة باقية فذلك لم يجب القطع.
٢٨٩٦٢ - قالوا: سرق نصابا مقدارًا من حرز مثله من غير شبهة كالساج.
٢٨٩٦٣ - قلنا: لا نسلم أنه نصاب لأن ذلك عندنا عبارة عن القدر والصفة. ولا نسلم أنها [لا شبهة]. لأن كونه مما لا يملك بالأخذ في دار الإسلام شبهة فيها كان [قصور في] ذلك الأخذ. والمعنى في الساج أنه لا يوجد مباحًا في دار الإسلام فلذلك رجب الحد بسرقته وليس كذلك هذا؛ لأن جنسه يوجد مباحًا غير مرغوب فيه فلم يجب به قطع.
٢٨٩٦٤ - قالوا: مال وجب القطع في معموله كالذهب والفضة.
٢٨٩٦٥ - قلنا: لا نسلم أن الذهب والفضة يجب في غير معموله القطع. لأنها تؤخذ من معادنها حجارة أو تراب فلا يجب بسرقتها قطع حتى تسبك وتخلص، ولأن الخشب إذا عمل [أبوابا وآنية] فقد غلبت الصنعة على جنسه وصار في حكم جنس آخر فلا تعتبر الإباحة في أصله.
стр. 5766
٢٨٩٦٦ - فإن قيل: هذا يبطل بالبواري فإن القطع لا يجب فيها مع وجود الصنعة.
٢٨٩٦٧ - قلنا: إن الصنعة التي في القصب لا تغلب على جنسه فلم تغير حكمه كما كان عليه في الأصل. والصنعة في الخشب غالبة فتخرجه من حكم جنسه فيقطع فيه يبين ذلك أنه لا يوجد مباحًا على هذه الصفة فصار في حكم جنس آخر.
стр. 5767
مسألة ١٤٣٩
[نقصان قيمة المسروق عن النصاب]
٢٨٩٦٨ - قال أصحابنا: إذا نقصت قيمة العين عن النصاب سقط القطع.
٢٨٩٦٩ - وقال الشافعي: لا يسقط.
٢٨٩٧٠ - لنا: قوله ﷺ : (لا يقطع السارق إلا في ثمن المجن). وهذا يمنع وجوب القطع إذا نقصت قيمته عنه. ولأنها صفة للعين المسروقة، ولو كانت موجودة عند الأخذ لم يجب القطع بها. فإذا طرأت لم يجب القطع لأجلها. أصله: إذا شهد الشهود بملكها للسارق أو أقر بها المسروق منه للسارق. ولا يلزم إذا أنهدم الحرز لأن ذلك ليس بصفة العين.
٢٨٩٧١ - ولا يلزم إذا شارك المسروق منه السارق بالدراهم المسروقة، وخلط السارق بها مثلها وأذن كل واحد منهما للآخر [في التصرف]. لأن ذلك يسقط عندنا كما لو كان مشتركا في الابتداء.
٢٨٩٧٢ - فإن قيل: إذا أقر بها المسروق منه أو شهدت الشهود حكمنا أنه ملك السارق حال الأخذ، وهذا المستحق ما حصل من نمائها فيما مضى. وذلك لأنا نجوز أن يكون المقر كاذبا، ولا نعلم تقدم الملك. ولا يحكم للمقر ليه بالنماء الحاصل قبل الإقرار. ولأن في مسألتنا النقصان فالموجود في الابتداء. بدلالة سقوط الضمان فيه مع بقاء العين باتفاق. ولأنه حكم تعلق بأخذ مال فنقصان القيمة بعد الأخذ كالموجود في الابتداء أصله الضمان. ولأن ضمان المغصوب أقوى في الثبوت من القطع في المسروق.
стр. 5768
لأن القطع يسقط بالشبهة والضمان لا يسقط بها ولأن القطع حق الله تعالى، والضمان حق الآدمي. وحقوق الآدميين أقوى في الثبوت. فإذا كان النقص الحادث كالموجود ابتداء في باب الضمان فلأن يكون كذلك في حكم القطع أولى. ولأنها إحدى حالتي وجوب القطع فوجب أن يعتبر فيها كمال القيمة أصله الابتداء. ولأنه نقص يعلم بالحرز والظن فجاز أن يمنع من وجوب القطع كالنقص في الابتداء. ولأنها حالة لو هلكت العين ضمنها فإذا نقصت قيمتها كالابتداء. ولأنها حالة لو أقر المسروق منه بالعين للسارق سقط القطع فنقصان القيمة يسقط أصله حال الابتداء ولأنه حكم يعتبر فيه النصاب فاعتبر كمال النصاب في طرفيه كالزكاة. ولأن القطع الثابت بالبينة يعتبر فيه صفة الشهود قبل الاستيفاء فسقط القطع كذلك تغير صفة العين يجوز أن يسقط القطع.
٢٨٩٧٣ - ولا يقال: إن الشهود إذا فسقوا أو ارتدوا قدح ذلك في عدالتهم عند الشهادة، ولأن الفسق الطارئ لا يستند إلى حال سابقة، وإنما تثبت أحكامه عند ظهوره. ولأن حد السرقة وضع لصيانة المال كما وضع حد القذف لصيانة الأعراض، وكل واحد من الحدين لا يثبت إلا بخصم. ثم كان تغير صفات المقذوف قبل استيفاء الحد بأن يزنى يمنع الاستيفاء كذلك تغير صفة العين المسروقة قبل الاستيفاء يجوز أن يؤثر في سقوط الحد.
٢٨٩٧٤ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾
٢٨٩٧٥ - [قلنا: قد بيناه أن حقيقة الاسم] فيمن وجدت منه الملابسة، وما سواه إنما يعمل عليه بالإجماع. [فمن دل الدليل بالإجماع] على تناول الآية له دخل فيها، ومن لم يجمع على دخوله فيها لا يصح [الرجوع إليها في حكمه، ولأن الآية تدل] على وجوب القطع، وعندنا القطع وجب. والكلام هل يسقط بعد وجوبه أم لا؟.
٢٨٩٧٦ - فإن قالوا: إذا ثبت الوجوب لم يسقط إلا بدليل.
٢٨٩٧٧ - قلنا: هذا استصحاب العموم. وعندنا استصحاب الإجماع والعموم لا يصح.
стр. 5769
٢٨٩٧٨ - قالوا: روي عن النبي ﷺ أنه قال: (القطع في ربع دينار فصاعدا).
٢٨٩٧٩ - قلنا: هذا دليل عليكم. لأنه يقتضي أنه لا يقطع في أقل من ذلك. وعندكم يقطع فيه.
٢٨٩٨٠ - قالوا: نقصان حادث بعد وجوب القطع فوجب أن لا يسقط أصله نقصان الأجزاء.
٢٨٩٨١ - قلنا: هذا موضوع فاسد. لأنه يقتضي أن يكون المؤثر في الحدود [ما يقارن ابتداء وهو بها دون ما يطرأ عليها. وقد اتفقنا أن الطارئ على الحدود] قبل الاستيفاء كالموجود في الابتداء. بدلالة: ردة الشهود وفسقهم وبطلان إحصان المقذوف. ونقول بموجب العلة. لأن النقصان عندنا لا يسقط القطع حتى يكون نقصا بصفة، وهو أ، يكون النقص مسندا إلى حال الأخذ وهذا المعنى لا يوجد في نقصان الأجزاء. لأنها لا تستند إلى حال الأخذ بدلالة: سقوط الضمان فيه. ولأن الأجزاء الفائتة مضمونة في ذمة السارق فيقوم ضمانها مقامها فكأنها لم تنقص. ونقصان القيمة غير مضمون فيصير ما فات به كأن لم يكن. يبين الفرق بينهما أن المبيع إذا أتلف في يد البائع انفسخ العقد وإن أتلفه متلف لم ينفسخ حتى قامت القيمة مقام المبيع فكأنه باق بحاله.
٢٨٩٨٢ - فإن قيل: [نحن لا نسلم] بأن نقصان القيمة غير مضمون. لأن العين إذا أتلفت ضمن السارق ثمنها فاستويا.
٢٨٩٨٣ - قلنا: كلامنا مع بقاء العين والنقص هناك غير مضمون باتفاق.
٢٨٩٨٤ - قالوا: المال يضمن لأن الواجب رد العين وقد ردها.
٢٨٩٨٥ - قلنا: نحن استدللنا لسقوط الضمان فذكرتم علة ذلك وهذا يؤكد كلامنا.
стр. 5770
٢٨٩٨٦ - قالوا: عندكم السارق لا ضمان عليه. فكيف يصح قولكم إن الأجزاء مضمونة في ذمة السارق.
٢٨٩٨٧ - قلنا: يجب عليه الضمان ويسقط عنه بالقطع.
٢٨٩٨٨ - قالوا: فإذا نقصت العين المسروقة ثم هلكت فقد ضمن السارق قيمتها يوم الأخذ ولا قطع عندكم.
٢٨٩٨٩ - قلنا: يسقط القطع بنقصان القيمة بعد الهلاك فلا يعود إلا بتجديد سرقة أخرى.
٢٨٩٩٠ - قالوا: إذا نقصت الأجزاء فقد ثبت ضمانها في الذمة. وهذا المعنى في الابتداء يمنع وجوب القطع. بدلالة من دخل الحرز فشق الثوب حتى نقصت قيمته. عن النصاب ثم أخرجه.
٢٨٩٩١ - قلنا: هناك لا يفصل بين نصاب كامل وبين الحرز فلم يجب القطع. وإذا نقص بعد الإخراج فقد ثبت الأجزاء في الذمة بعد وجود الفصل بينها وبين الخرز. فلذلك اختلف الابتداء والبقاء.
٢٨٩٩٢ - قالوا: قدر النصاب إذا اختلف فيه حال الوجوب وحال الأخذ فالمعتبر بحال الأخذ أصله إذا أخذه وقيمته أقل من قدر النصاب ثم زادت قيمته.
٢٨٩٩٣ - قلنا: هناك الطارئ موجب وفي مسألتنا الطارئ مسقط، وفرق الأصول بينهما. بدلالة أن الحرية إذا طرأت بعد الزنا لم يكمل الحد، وتغير إحصان المقذوف يسقط الحد، فعلم أن الطارئ إذا أسقط الحد اعتبر، ولو أوجب الحد أو غلظه لم يعتبر.
٢٨٩٩٤ - قالوا: المعتبر في الحدود بحال الوجوب. بدلالة من زنى وهو بكر ثم أحصن، أو أعتق وقد زنى وهو عبد. وبدلالة زيادة قيمة المسروق. ولو خرب الحرز أو
стр. 5771
ملكه السارق لم يسقط الحد، وكذلك إذا شارك في المال.
٢٨٩٩٥ - قلنا: قد بينا أن الطارئ إذا كان يوجب ما لم يكن واجبًا لا اعتبار به. لأن الشبهة مؤثرة في الحدود. فيصير الطارئ المسقط كالوجود ابتداء كسائر [الشبه]. فأما في التأكيد فلا. وأما خراب الحرز فلا يمنع القطع ابتداء. بدلالة أن السارق ينقب البيت فيخرج الحرز أن يكون حرزا ويجب عليه بالأخذ القطع. ولو سرق سارق من الحرز الخرب وهناك حافظ وجب عليه القطع وأما ملكه للحر فلا يمنع وجوب القطع. لأن المؤجر إذا سرق من الدار المستأجرة قطع مع ملكه للحرز وأما الشركة في المال المسروق فيقسط القطع. فإن ألزموا من سرق من حرة فتزوجها أو بأمة فاشتراها.
٢٨٩٩٦ - قلنا: يسقط الحد في إحدى الروايتين وعلى الرواية الأخرى: الحد لم يتعلق بالعين، وإنما وجب باستيفاء المنفعة، ولم يطرأ على المنفعة المستوفاة ملك. لأنها عدمت، وإنما ملكت منفعة مستقبلة لم يتعلق التعليل لوجوب القطع ابتداء.
٢٨٩٩٧ - فعندنا وجب القطع وجوبا مراعى ثم سقط وإن كان التعليل للمنع من سقوطه انتقض بما لو أقر المسروق منه بالعين للسارق. والمعنى في الأصل أن العين بحالها لم يطرأ عليها ما يغير حالها وهي وجوب القطع وفي [مسألتنا طرأ على العين ما لو كان موجودا في الابتداء منع وجوب القطع] فإذا طرأ منع استيفاء القطع فيها.
٢٨٩٩٨ - قلنا: لو هلك الشهود بعد أداء الشهادة لم يسقط الحد. ولو تغير صفتهم بالردة أو الرجوع إذا المعنى فيه يسقط الحد.
стр. 5772
مسألة ١٤٤٠
[هبة المسروق منه العين للسارق]
٢٨٩٩ - قال أبو حنيفة ومحمد: إذا وهب المسروق منه العين للسارق سقط القطع.
٢٩٠٠٠ - وقال أبو يوسف: لا يسقط القطع. وبه قال الشافعي.
٢٩٠٠١ - لنا: أن الهبة مع القبض سبب للملك في العين المسروق فوجب أن يسقط القطع أصله: إذا أقر بالعين أو قامت البينة أنها للسارق.
٢٩٠٠٢ - فإن قيل: هناك تبين أن القطع لم يجب.
٢٩٠٠٣ - قلنا: لم نسلم ذلك لجواز أن يكون المقر كذب في إقراره. ولأنه حد تعلق بهتك حرمة عين بصفة [فتغير] الصفة قبل استيفاء الحد يسقط أصله إذا زال إحصان المقذوف ولأن الأخذ يتعلق به حكمان: وجوب القطع والرد. ثم سقط أحد الحكمين بالهبة والقبض كذلك الآخر. ولأن السبب الذي وجبت العقوبة لأجله انتقل الملك فيه إلى من وجبت العقوبة عليه فصار كالقبض منه كما إذا ورث من وجب له القصاص.
٢٩٠٠٤ - وهذه المسألة مبنية على أن الطارئ على الحدود قبل الاستيفاء بمنزلة الموجود في الابتداء. بدلالة ردة الشهود وفسقهم.
стр. 5773
٢٩٠٠٥ - وقد ألزموا على هذا رد العين بعد القضاء بالقطع [أو أذن المالك في إمساكها.
٢٩٠٠٦ - قلنا: هذه المعاني إذا وجدت قبل القضاء منعت المطالبة، وهي غير معتبرة بعد القضاء بالقطع] فكذلك لم يمتنع القطع.
٢٩٠٠٧ - احتجوا بقوه تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾.
٢٩٠٠٨ - قلنا: [قد بينا] أن حقيقة اسم السارق حال الملابسة وما بعدها يسمى من طريق الشرع على وجه الذم ولا نسلم أنه إذا وهب له المال يتناوله الاسم.
٢٩٠٠٩ - قالوا: روي أنه ﷺ قال: (لا يقطع السارق إلا في ربع دينار).
٢٩٠١٠ - قلنا: هذا يقتضي وجوب القطع بالأخذ وقد اتفقنا على ذلك. والكلام هل يسقط القطع بعد وجوبه أو لم يسقط، وليس في الخبر دلالة على ذلك.
٢٩٠١١ - قالوا: روي عن النبي ﷺ أنه قال: (تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني منها فقد وجب).
٢٩٠١٢ - قلنا: الحد وجب ثم سقط بالتمليك، وليس في الخبر ما يمنع السقوط.
٢٩٠١٣ - قالوا: روى مالك عن ابن شهاب عن صفوان بن عبد الله أن صفوان ابن أمية قيل له: إن من لم يهاجر هالك. فقدم صفوان بت أمية المدينة فنام في المسجد وتوسد رداءه. فجاء سارق فأخذ رداءه. فأخذ صفوان السارق فجاء به إلى النبي ﷺ فأمر به ﷺ أن تقطع يده. فقال صفوان: إني لم أرد هذا هو عليه صدقة. فقال ﷺ : (هلا) قبل أن تأتيني به،!).
٢٩٠١٤ - الجواب: أن حديث الموطأ مرسل. لأن صفوان بن عبد الله لم، يسمع من صفوان بن أمية. وقد ذكر الطحاوي الحديث عن عطاء عن صفوان بن
стр. 5774
أمية وعمرو بن دينار أن صفوان بن أمية وذكر فيه أن النبي ﷺ أمر بقطعه. فقال: يا رسول الله لا تقطعه. فقال ﷺ : (فهلا قبل أن تأتيني به).
٢٩٠١٥ - وذكر عن حميد ابن أخت صفوان، وذكر القصة. وقال: أنا أبيعه وأنسئه منه. فقال: (هلا قبل أن تأتيني به).
٢٩٠١٦ - وذكر عن يوسف بن ماهك (أن عبدا لبعض أهل المدينة سرق رداء صفوان فانطلق به صفوان إلى النبي ﷺ ... فأمر بقطعه. فقال: يا رسول الله تقطعه من أجل ثوبي خل عنه. وقال: (أفلا قبل أن تأتيني به). فأمر فقطع.
٢٩٠١٧ - ولم يذكر أنه ﷺ قطع ذلك السارق إلا في هذا الحديث. وفي حديث ابن عباس قال: أمر به رسول الله ﷺ فقطع. فقال صفوان: في هذا تقطع، فقال: (هلا قبل أن يأتيني).
٢٩٠١٨ - وإذا اختلفت ألفاظ وأصل الخبر واحد، ومعانيها غير متفقة وجب التوقف حتى يعلم أصل الخبر. ولو ثبت أن أصل الخبر: هبة العين منه لم يدل. لأنه ليس فيه أنه أقبضه إياها، ومجرد الهبة لا يسقط القطع حتى يقبل السارق ويقبض فيملك العين ويسقط القطع ملكه إياها.
٢٩٠١٩ - فإن قيل: قوله: (هلا قبل أن تأتيني به) يدل على أنه وجد معنى لو تقدم أسقط القطع. والهبة من غير قبض لو حصلت قبل الدفع لم يسقط.
стр. 5775
٢٩٠٢٠ - قلنا: ليس كذلك؛ لأنه إذا وهب العين قبل المرافعة لم يملكها وسقط القطع لأنه ترك المطالبة وبعد المرافعة إذا وهب ولم يقبض فترك المطالبة لا يؤثر وإنما الملك وذلك لم يوجد.
٢٩٠٢١ - فإن قيل: لو كان القبض يسقط القطع لأمره النبي ﷺ بذلك ليتوصل به إلى إسقاطه كما قال: ([أسرقت؟ قل]: لا) ولكان يبين له ما يسقط القطع بفعله.
٢٩٠٢٢ - قلنا: النبي ﷺ قبل ثبوت الحق يتوصل إلى إساقطه بتلقين الجوع. فأما بعد ثبوته فلا يلزمه ذلك. فلهذا لم يأمره بقبض الموهوب. يبين ذلك أنه قال لماعز: (لعلك لمست) ولم يقل له بعد تكامل الإقرار: إن رجعت عن إقرارك لم تجد.
٢٩٠٢٣ - فإن قيل: النبي [ ﷺ ] قال: (هلا قبل أن تأتيني به) ولم يقل: إنه لم يملك.
٢٩٠٢٤ - قلنا: الحكم معلل بعلتين إن وهب قبل المرافعة ولم يقبض لم يجب حد لعدوله عن المطالبة. ولو وهب من بعد وأقبض سقط القطع. وذكر إحدى علتي الحكم وسكت عن الأخرى.
٢٩٠٢٥ - قالوا: معنى حادث بعد وجوب القطع لا يؤثر في حال وجوبه فوجب أن لا يسقط مع بقاء محله قياسًا على رد العين وتلفها وخراب الحرز وموت الشهود.
٢٩٠٢٦ - قلنا: يبطل بالقطع قصاصًا إذا عفي من له القصاص، ويبطل بردة الشهود وفسقهم على ما قررناه في رد العين أنه لا يمنع وجوب القطع ابتداء فلا يمنع بعد الهبة بمنع ابتداء القطع فيجوز أن يؤثر في البقاء.
٢٩٠٢٧ - فإن قيل: الرد قبل الترافع يسقط القطع ولا يمنع ابتداء وجوبه.
٢٩٠٢٨ - قلنا: هناك الرد لا يسقط وإنما يسقط القطع بسقوط الخصومة. والمعنى في هلاك العين أنه لا يحقق ضمانها فلم يسقط الحكم المعلق بأخذها والرد يسقط الضمان.
стр. 5776
المعلق بالأخذ فجاز أن يسقط القطع. وأما خراب الحرز فلا يمنع ابتداء القطع. وأما موت الشهود فلا يؤثر في عدالتهم فلم يتغير الحق المعلق بشهادتهم. والهبة تسقط حكم الأخذ من وجوب الرد والضمان فيسقط الحكم المعلق به من القطع.
٢٩٠٢٩ - قالوا: معنى حادث في المسروق بعد ثبوت القطع فوجب أن لا يسقطه كما ذكرنا.
٢٩٠٣٠ - قلنا: يبطل إذا شهد الشهود بملك العين للسارق، وإذا أقر بها له المسروق منه.
٢٩٠٣١ - قالوا: [معنى طرأ بعد ثبوت القطع في غير محله فلا يبطل بفسق الشهود.
٢٩٠٣٢ - فإن قالوا] تبين أن الحد لم يجب.
٢٩٠٣٣ - قلنا: غلط لأن الفسق الطارئ لا يستصحب فيما مضى وإنما يستصحب في المستقبل.
٢٩٠٣٤ - قالوا: الهبة والبيع معنى يسقط المطالبة بالمسروق أو بوجوب البراءة منه فوجب أن لا يسقط القطع أصله رد العين بعد الحكم.
٢٩٠٣٥ - قلنا: يبطل إذا أقر له بالعين. فإن قالوا: هناك يتبين أن العين ليست مسروقة.
٢٩٠٣٦ - قلنا: يجوز أن يكون المقر كاذبا فلا نعلم أنه لم يسرق. ولأن الهبة [في العين] معنى تملك به العين فلا يقطع بملك نفسه كما لا يجب فيه القطع ابتداء. وأما الرد فيزيل اليد ويسقط المطالبة. ونفى اليد غير معتبرة في وجوب القطع بدلالة إذا هلكت العين. والمطالبة تعتبر عند الخصومة فسقوطها بعد المطالبة لا يؤثر.
стр. 5777
٢٩٠٣٧ - قالوا: حد وجب بإيقاع فعل في العين. [فإذا ملكها] لم يسقط الحد عنه أصله إذا زنى بامرأة ثم تزوجها أو بأمة ثم ملكها.
٢٩٠٣٨ - قلنا: يسقط الحد في إحدى الروايتين عندنا فالأصل غير مسلم، ولو سلمنا فالحد وجب في استيفاء المنفعة لا في العين، ولم يملك ملك المنفعة بل عدمت. وفي مسألتنا وجب الحد بأخذ العين. ولذلك حصل في العين فلم يجب عليه الحد في عين بقي على ملكه.
стр. 5778
مسألة ١٤٤١
[سرقة المصحف والكتب]
٢٩٠٣٩ - قال أبو حنيفة ومحمد: إذا سرق مصحفا لم يقطع وكذلك دفاتر العلم والأدب.
٢٩٠٤٠ - وقال الشافعي: يجب فيها القطع.
٢٩٠٤١ - لنا: أن المقصود منه القران وجميع الناس يتساوون [في ذلك] فصار كمال بيت المال.
٢٩٠٤٢ - ولأنه مختلف في جواز بيعه. لأن ابن عمر وشريحًا قالا: لا يجوز بيع المصاحف. ومن منع بيعها أخرجها أن تكون مالا. وما اختلف في كونه مالا [لم يجب] بسرقته القطع كخمر الذمي [ونبيذ المسلم].
٢٩٠٤٣ - فإن قيل: بأواني العاج والجلود المدبوغة [يقطع قبل العمل فيه، ويقطع فيه بعد عمله وإحداث صنعة فيه].
٢٩٠٤٤ - قلنا: إذا قال في العاج المعمول إنه يقطع فيه. لأنه لم يعرف في العادة وما أذن في أخذه للقراءة فيه في العادة، وما أذن في أخذه للعادة كالحرز المأذون في دخوله من جهة الآدمي بالعادة. فإذا كان السارق من الحمامات وخانات التجار المأذون في دخولها لا يقطع كذلك هاهنا.
٢٩٠٤٥ - ولأن المقصود من العين ليس بمال، وللأخذ شبهة في أخذها.
٢٩٠٤٦ - لأنه يأخذها ليتلقن منها عند الحاجة فصار كالملاهي التي المقصود منها
стр. 5779
اللًهو وليس بمال. وللآخذ شبهة في أخذها لكسرها ثم لم يجب بسرقة الملاهي القطع كذلك المصاحف.
٢٩٠٤٧ - فإن قيل: المصاحف مال في نفسها وجهة الانتفاع ليست بمال كما أن الثياب مال وجهة الانتفاع بها لبسها وليس بمال.
٢٩٠٤٨ - قلنا: هذا غلط. لأنا قلنا: إن المقصود من المصحف غير مقوم واللبس من الثياب معنى مقوم. والقراءة من المصحف غير مقوم.
٢٩٠٤٩ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾. وبقوله ﷺ : (القطع في ربع دينار) معناه ما قيمته [ربع دينار].
٢٩٠٥٠ - قلنا: أما الآية فقد أريد بها سارق مال مقدر من غير شبهة، وهنا ليس بمال عندنا.
٢٩٠٥١ - والشبهة ممكنة فيه. وأما الخبر فيقتضي وجوب المال، وغيره لا يتناوله الظاهر.
٢٩٠٥٢ - قالوا: نوع مال فجاز القطع فيه كسائر الأموال.
٢٩٠٥٣ - قلنا: المقصود منه إذا لم يكن مالا لم يعتبر بالمال كسرقة الصبي الحر وعليه ثياب. والمعنى في سائر الأموال أنه لا شبهة للسارق في أخذها، وله في أخذ المصحف شبهة فلا يتعلق بأخذه القطع كسائر الأموال التي في أخذها شبهة.
٢٩٠٥٤ - قالوا: إذا لم تكن مكتوبة وجب فيها القطع فالكتب زيادة فيها فأولى أن يجب فيها القطع كالثوب إذا قصر.
٢٩٠٥٥ - قلنا: يبطل بالقلادة إذا سرقها قطع. ولو كانت على كلب فسرقها لم يقطع، والثياب إذا سرقها قطع. وإذا كانت على صبي فسرقة لم يقطع والإناء إذا سرقه قطع وإذا كان فيه خمر فسرقهما لم يقطع لذلك في مسألتنا الكاغد المقصود منه المال فيقطع. فإذا كتب صار المقصود غير المال فلم يجب فيه القطع.
٢٩٠٥٦ - قالوا: القطع صيانة للأموال وقطعًا لطمع السراق والمصاحف
стр. 5780
تحتاج إلى صيانة.
٢٩٠٥٧ - قلنا: لم تجر العادة في المصاحف أن تمنع ممن يروم القراءة فيها والانتفاع بها فلم تفتقر إلى الزجر عن أخذها.
٢٩٠٥٨ - قالوا: لو سرق دفاتر الحساب قطع كذلك إذا سرق كتب الأدب قطع.
٢٩٠٥٩ - قلنا: دفاتر الحساب لا يقصد السارق ما فيها، وإنما المقصود كاغدها وهو مال. وأما سائر الدفاتر فإن المقصود ما فيها دونها، وليس ذلك بمال.
следующие страницы →