Полный текст (6 324 стр.). Показаны 5776–5815 · переход к 5781.
стр. 5776
المعلق بالأخذ فجاز أن يسقط القطع. وأما خراب الحرز فلا يمنع ابتداء القطع. وأما موت الشهود فلا يؤثر في عدالتهم فلم يتغير الحق المعلق بشهادتهم. والهبة تسقط حكم الأخذ من وجوب الرد والضمان فيسقط الحكم المعلق به من القطع.
٢٩٠٢٩ - قالوا: معنى حادث في المسروق بعد ثبوت القطع فوجب أن لا يسقطه كما ذكرنا.
٢٩٠٣٠ - قلنا: يبطل إذا شهد الشهود بملك العين للسارق، وإذا أقر بها له المسروق منه.
٢٩٠٣١ - قالوا: [معنى طرأ بعد ثبوت القطع في غير محله فلا يبطل بفسق الشهود.
٢٩٠٣٢ - فإن قالوا] تبين أن الحد لم يجب.
٢٩٠٣٣ - قلنا: غلط لأن الفسق الطارئ لا يستصحب فيما مضى وإنما يستصحب في المستقبل.
٢٩٠٣٤ - قالوا: الهبة والبيع معنى يسقط المطالبة بالمسروق أو بوجوب البراءة منه فوجب أن لا يسقط القطع أصله رد العين بعد الحكم.
٢٩٠٣٥ - قلنا: يبطل إذا أقر له بالعين. فإن قالوا: هناك يتبين أن العين ليست مسروقة.
٢٩٠٣٦ - قلنا: يجوز أن يكون المقر كاذبا فلا نعلم أنه لم يسرق. ولأن الهبة [في العين] معنى تملك به العين فلا يقطع بملك نفسه كما لا يجب فيه القطع ابتداء. وأما الرد فيزيل اليد ويسقط المطالبة. ونفى اليد غير معتبرة في وجوب القطع بدلالة إذا هلكت العين. والمطالبة تعتبر عند الخصومة فسقوطها بعد المطالبة لا يؤثر.
стр. 5777
٢٩٠٣٧ - قالوا: حد وجب بإيقاع فعل في العين. [فإذا ملكها] لم يسقط الحد عنه أصله إذا زنى بامرأة ثم تزوجها أو بأمة ثم ملكها.
٢٩٠٣٨ - قلنا: يسقط الحد في إحدى الروايتين عندنا فالأصل غير مسلم، ولو سلمنا فالحد وجب في استيفاء المنفعة لا في العين، ولم يملك ملك المنفعة بل عدمت. وفي مسألتنا وجب الحد بأخذ العين. ولذلك حصل في العين فلم يجب عليه الحد في عين بقي على ملكه.
стр. 5778
مسألة ١٤٤١
[سرقة المصحف والكتب]
٢٩٠٣٩ - قال أبو حنيفة ومحمد: إذا سرق مصحفا لم يقطع وكذلك دفاتر العلم والأدب.
٢٩٠٤٠ - وقال الشافعي: يجب فيها القطع.
٢٩٠٤١ - لنا: أن المقصود منه القران وجميع الناس يتساوون [في ذلك] فصار كمال بيت المال.
٢٩٠٤٢ - ولأنه مختلف في جواز بيعه. لأن ابن عمر وشريحًا قالا: لا يجوز بيع المصاحف. ومن منع بيعها أخرجها أن تكون مالا. وما اختلف في كونه مالا [لم يجب] بسرقته القطع كخمر الذمي [ونبيذ المسلم].
٢٩٠٤٣ - فإن قيل: بأواني العاج والجلود المدبوغة [يقطع قبل العمل فيه، ويقطع فيه بعد عمله وإحداث صنعة فيه].
٢٩٠٤٤ - قلنا: إذا قال في العاج المعمول إنه يقطع فيه. لأنه لم يعرف في العادة وما أذن في أخذه للقراءة فيه في العادة، وما أذن في أخذه للعادة كالحرز المأذون في دخوله من جهة الآدمي بالعادة. فإذا كان السارق من الحمامات وخانات التجار المأذون في دخولها لا يقطع كذلك هاهنا.
٢٩٠٤٥ - ولأن المقصود من العين ليس بمال، وللأخذ شبهة في أخذها.
٢٩٠٤٦ - لأنه يأخذها ليتلقن منها عند الحاجة فصار كالملاهي التي المقصود منها
стр. 5779
اللًهو وليس بمال. وللآخذ شبهة في أخذها لكسرها ثم لم يجب بسرقة الملاهي القطع كذلك المصاحف.
٢٩٠٤٧ - فإن قيل: المصاحف مال في نفسها وجهة الانتفاع ليست بمال كما أن الثياب مال وجهة الانتفاع بها لبسها وليس بمال.
٢٩٠٤٨ - قلنا: هذا غلط. لأنا قلنا: إن المقصود من المصحف غير مقوم واللبس من الثياب معنى مقوم. والقراءة من المصحف غير مقوم.
٢٩٠٤٩ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾. وبقوله ﷺ : (القطع في ربع دينار) معناه ما قيمته [ربع دينار].
٢٩٠٥٠ - قلنا: أما الآية فقد أريد بها سارق مال مقدر من غير شبهة، وهنا ليس بمال عندنا.
٢٩٠٥١ - والشبهة ممكنة فيه. وأما الخبر فيقتضي وجوب المال، وغيره لا يتناوله الظاهر.
٢٩٠٥٢ - قالوا: نوع مال فجاز القطع فيه كسائر الأموال.
٢٩٠٥٣ - قلنا: المقصود منه إذا لم يكن مالا لم يعتبر بالمال كسرقة الصبي الحر وعليه ثياب. والمعنى في سائر الأموال أنه لا شبهة للسارق في أخذها، وله في أخذ المصحف شبهة فلا يتعلق بأخذه القطع كسائر الأموال التي في أخذها شبهة.
٢٩٠٥٤ - قالوا: إذا لم تكن مكتوبة وجب فيها القطع فالكتب زيادة فيها فأولى أن يجب فيها القطع كالثوب إذا قصر.
٢٩٠٥٥ - قلنا: يبطل بالقلادة إذا سرقها قطع. ولو كانت على كلب فسرقها لم يقطع، والثياب إذا سرقها قطع. وإذا كانت على صبي فسرقة لم يقطع والإناء إذا سرقه قطع وإذا كان فيه خمر فسرقهما لم يقطع لذلك في مسألتنا الكاغد المقصود منه المال فيقطع. فإذا كتب صار المقصود غير المال فلم يجب فيه القطع.
٢٩٠٥٦ - قالوا: القطع صيانة للأموال وقطعًا لطمع السراق والمصاحف
стр. 5780
تحتاج إلى صيانة.
٢٩٠٥٧ - قلنا: لم تجر العادة في المصاحف أن تمنع ممن يروم القراءة فيها والانتفاع بها فلم تفتقر إلى الزجر عن أخذها.
٢٩٠٥٨ - قالوا: لو سرق دفاتر الحساب قطع كذلك إذا سرق كتب الأدب قطع.
٢٩٠٥٩ - قلنا: دفاتر الحساب لا يقصد السارق ما فيها، وإنما المقصود كاغدها وهو مال. وأما سائر الدفاتر فإن المقصود ما فيها دونها، وليس ذلك بمال.
стр. 5781
مسألة ١٤٤٢
[سرقة ستارة الكعبة]
٢٩٠٦٠ - قال أصحابنا: إذا سرقت ستارة الكعبة لم يقطع.
٢٩٠٦١ - وقال الشافعي: يقطع.
٢٩٠٦٢ - لنا: أنه ليس لها مالك من الآدميين معين فلم يقطع فيها كمال بيت المال. ولأنها أذن نفعها في دخولها، فالسارق لماله فيها لا يقطع كالحرز وإذا أذن في دخوله.
٢٩٠٦٣ - احتجوا: بما روي أن رجلا سرق قطيفة من منبر النبي ﷺ فقطعه عثمان.
٢٩٠٦٤ - قلنا: يجوز أن يكون مالكها عندها، ولم تكن كسوة للمنبر. قال الشافعي: تعليق الستارة إحرازها، ومن سرق نصابا من حرز مثله قطع.
٢٩٠٦٥ - قلنا: لا نسلم أنها تعلق لحفظها وإحرازها. ولو سلمنا فهي محرزة [ولكن لها مالك من الآدميين معين. ولو كانت مملوكة محرزة] فالحرز مأذون في دخوله من جهة مالكه، والأخذ فيه شبهة على ما بينا.
стр. 5782
مسألة ١٤٤٣
[سرقة المؤجر من الدار التي أجرها]
٢٩٠٦٦ - قال أبو حنيفة: إذا سرق المؤجر من الدار المؤجرة قطع.
٢٩٠٦٧ - وقالا: لا يقطع
٢٩٠٦٨ - لنا: أن المستأجر أخص بالحرز من المؤجر. بدلالة أنه يمنعه من الدخول إليه فصار كالسارق من ملك غيره. ولأن ثبوت حق السارق في النفقة لا يمنع وجوب القطع كمن سرق مالا من مسجد وعنده حافظة. ولأن حق السارق في المسجد أقوى من حقه في الدار التي أجرها. لأن صاحب المال لا يملك أن يمنع السارق من دخول المسجد. والمستأجر يملك منع المؤجر من دخول داره. فإذا وجب القطع على السارق من المسجد فهذا أولى.
٢٩٠٦٩ - لهما: أن الحرز ملكه فلم يجب بالسرقة منه قطع كسرقته بالسرقة.
стр. 5783
مسألة ١٤٤٤
[هل على النباش قطع أم لا]
٢٩٠٧٠ - قال أبو حنيفة ومحمد: النباش لا يقطع.
٢٩٠٧١ - وقال أبو يوسف: يقطع. وبه قال الشافعي.
٢٩٠٧٢ - والكلام في هذه المسألة يقع في مواضع: أحدها: أنه لا يسمى سارقا. والدليل عليه: أنهم خصوه باسم فقالوا: نباش. وطريق التفريق في الأسماء أن ينفرد كل فعل باسم. فدل ذلك أن كل واحد من الأمرين لا يسمى باسم الآخر إلا أن يجل دليل الاشتراك. ولأن أهل المدينة يسمونه مختفي، ولا يسمون السارق بذلك، ولأن السارق عندهم من أخذ الشيء مستخفيا. ولهذا يقولون سارق النظر. وهذا لا يكون إلا فيما أخذ وهو محفوظ وهذا لا يوجد في الكفن.
٢٩٠٧٣ - فإن قيل: روي عن عائشة أنها قالت: (كيف يقطع سارق أحيائنا ولا يقطع سارق موتانا)).
٢٩٠٧٤ - قلنا: هذا محمول على سارق مال الميت، ولو ثبت أنها قالت ذلك في الكفن بيانا للاسم وإنما هو بيان للحكم. ولأنهم لا يعملون الأسماء. فكأنها قالت: حكمه حكم السارق.
стр. 5784
٢٩٠٧٥ - فإن قيل: تسميته نباشا لا ينفي اسم السارق، وإنما هذا نوع من السرقة تقولهم نقاب.
٢٩٠٧٦ - قلنا: الظاهر من إفراد الفعل باسم أنه لا يشارك غيره في اسمه. فإذا ثبت الاشتراك في موضوع فهو خلاف الظاهر. وإذا ثبت أن اسم السارق لا يتناوله، الحد [في السارق] ورد في السارق فلا يجوز نقله إلى غيره بالقياس.
٢٩٠٧٧ - الفصل الثاني: أن الكفن ليس بمملوك لأنه لا يخلو إما أن يكون ملكا للميت أو للوارث. ولا يجوز أن يكون ملكا للميت. لأن الموت ينافي الإملاك ولأنه يمنع البقاء على الملك فأولى أن يمنع الابتداء. ولأنه ينفي ملك منفعة البضع، وملكها أوسع من ملك المال. بدلالة أن العبد يملكها ولا يملك المال فكان نفي ملك المال أولى. ولا يجوز أ، يكون ملكا للوراث. لأنه يستحق عليه فإذا نقده لم يكن على ملكه كالدين والوصية. ولأن الوارث عند مخالفنا لو نبش الكفن قطع. ويستحيل أن يقطع في ملكه. ولأن الموت ينافي الإملاك فلا يختص بعين دون عين.
٢٩٠٧٨ - فإن قيل: ملك الميت يزول عما لا حاجة به إليه، وبه إلى الكفن حاجة فلا يزول ملكه عنه كتقدير فيه وما أوصى به للفقراء.
٢٩٠٧٩ - قلنا: لا يزول ملكه عن جميع ذلك بالموت ويقف على حق الغرماء والموصي لهم، فإذا ردوا الوصية وأبرأوا من الدين زال الموقوف وحكمنا بانتقال الملك إلى الورثة في ذلك.
٢٩٠٨٠ - فإن قيل: هلا قلتم: إن ملك الكفن يقف على حكم ملك الميت.
٢٩٠٨١ - قلنا: إنما يقف على حكم ملكه تعلق حق الغير به تعلقا مراعى. فإذا نقد ما تعلق به [المراعي دون أن يسقط] الحلق المتعلق به وملكه الورثة. والكفن يتعلق به حق غير الميت حتى يقف ملكه فيه.
٢٩٠٨٢ - فإن قيل: لو أكل الميت سبع كان الوارث أحق بالكفن.
٢٩٠٨٣ - قلنا: لأنه مستحق عليهم بجهة بطلت تلك الجهة فعاد إلى ملكهم
стр. 5785
كما لو أوصى الميت بوصية فردها الموصى له فملكها الوارث لبطلان الجهة التي استحقت لها. ولذلك قال محمد: في المسجد إذا استغني عنه عاد إلى ملك بانيه وكذلك إذا أبرأوا الغرماء من الدين [فملكها الوارث] ولا يملكون قبل البراءة، ولو تبرع متبرع بتكفين الميت زال ملكه عن الكفن. فإن أكله سبع عاد الكفن إلى ملك المتبرع.
٢٩٠٨٤ - فإن قيل: الوارث خصم للنباش في رد الكفن فدل أنه ملكه.
٢٩٠٨٥ - قلنا: المودع خصم في رد الوديعة إلى يده ولا يملكها. ولأنه يخاصم لتبقيه الفرية التي وجهها وإذا كان هذا قلنا: كل عين ليس لها مالك معين من الآدميين ولا هي موقوفة [على حكم ملك مالك] بعقد لم يقطع فيها كمال بيت المال. ولا يلزم مال الكاتب. لأنه موقوف على ملك بعقد.
٢٩٠٨٦ - فإن قيل: السارق من المودع يقطعه المودع وليس بمالك.
٢٩٠٨٧ - قلنا: العين ملك المودع، والمودع قائم مقامه في المطالبة بها.
٢٩٠٨٨ - فإن قيل: المعنى في مال بيت المال أن للسارق فيه حقا فلا يقطع كما لا يقطع في سرقة مال مشترك. ولأن مال بيت المال وضع لصيانة المسلم عن الفقر كما أن مال الابن لصيانة أبيه عن الفقر. ثم لا يقطع الأب في سرقة مال الابن كذلك السارق من بيت المال.
٢٩٠٨٩ - قلنا: الحربي المستأمن إذا سرق مال بيت المال لم يقطع وليس بشريك فيه.
٢٩٠٩٠ - الفصل الثالث في المسألة: أن الكفن ليس بمحرز في القبر.
٢٩٠٩١ - الدليل على ذلك أنه إن سرق من القبر وليس فيه ميت لم يقطع، وانضمام الميت إلى الكفن وهو لا يحس كضم حجر إليه. ولأنه لو سرق من القبر غير الكفن من الأموال لم يقطع، ولو كان حرزا لنوع من المال كان حرزا لجميع المال
стр. 5786
كالبيوت. ولأن البقعة تصير الحرز لمعنى هي عليه كالبيوت أو للحافظ، والقبر لم يوضع للحفظ ولا هناك حافظ فلم يكن حرزًا للدواب الدنانير.
٢٩٠٩٢ - قلنا: ليس نقول ذلك. شريحة البقال حرز لجميع الأموال كما أن صحن الدار حرز للجوهر إذا بدر فيه وإن لم تجر العادة بحفظ الجوهر كذلك.
٢٩٠٩٣ - فإن قيل: من وضع النار في القبر بسبب التفريط فدل أنه حفظ.
٢٩٠٩٤ - قلنا: كلاهما يضيع إلا أن أحدهما فيه غرض صحيح. فلا يلزم عليه، والآخر بلا غرض فيه فيلام عليه كما أن آكل الطعام لا لوم عليه، وآكل الجوهر يلام على أكله، فكلا الفعلين يضيع.
٢٩٠٩٥ - فإن قيل: قال تعالى ﴿ألم نجعل الأرض كفانًا، أحياء وأمواتًا﴾ فأخبر أن الأرض تحفظ الآدمي.
٢٩٠٩٦ - قلنا: ليس إذا كان حرزًا للآدمي لزم أن تكون حرزًا للكفن. لأن عند مخالفنا قد يكون الموضع حرزًا لشيء دون شيء، ثم الكفن الضم، فأخبر الله تعالى أن الأرض تضم الميت حتى لا تبدده اختلاف الرياح وتأكله السباع والهوام وليس هذا من الحرز في شيء.
٢٩٠٩٧ - فإن قيل: لا معنى لاعتبار الحرز في القبر، وعندكم أن القبر لو كان في دار لم يقطع أخذ الكفن منه، وقد أخذه من حرز.
٢٩٠٩٨ - قلنا: إذا كان القبر في الصحراء لم يجب القطع لمعان. منها: عدم الحرز، فإذا أخذ من قبر في دار لم يقطع. لأنه ليس بمملوك. ولأن الآخذ ليس بسارق، ولا يمتنع أن يعلل الحكم بعلة تتعلق بجميعها تارة وبكل واحد منها على الانفراد أخرى.
٢٩٠٩٩ - الفصل الرابع: في تفسير المسألة: والدليل عليه ما روي أنه ﷺ قال: (لا قطع على مختفي) والمختفي: النباش بلغة أهل المدينة.
стр. 5787
٢٩١٠٠ - وروى الزهري أن نباشا أخذ في زمن مروان فاجتمع أصحاب رسول الله ﷺ وكانوا متوافقين أنه يضرب ولا يقطع، وعن زيد بن ثابت أنه لا يقطع.
٢٩١٠١ - وقولهم: إن ابن المنذر قال لا يثبت ذلك ليس بصحيح. لأن الطحاوي روى بإسناد صحيح. فلو طعن ابن المنذر في الإسناد سمع طعنه. فإما أن نقول: لم يثبت فهذا نفي، ولا يقبل في مقابلة الإثبات. ولأن كل موضع لو سرق منه الدراهم والدنانير لم يقطع لمعنى يعود إلى الحرز لم يقطع إذا سرق الثياب كالصحراء. ولأنه لو سرق ما زاد على الكفن من القبر لم يقطع. كذلك إذا أخذ الكفن لأن كل واحد منهما من تركه الميت. ولأن كل بقعة إذا أخذ منها المال لم يقطع فانضمام الميت إلى المال لا يوجب القطع كالحرز المأذون في دخوله. ولأن أخذ النباش يستقر به الضمان فلا يجب به القطع فأخذ الغاضب. ولأن أطراف الميت لا يجب بإتلافها ضمان فلا يجب بأخذ كسوته قطع كالحربي.
٢٩١٠٢ - قالوا: ينتقض بالمرتد.
٢٩١٠٣ - قلنا: لا يجب القطع في حاله. لأن من الفقهاء من قال: هو ينتقض بالزاني إذا حكم الحاكم برجمه.
٢٩١٠٤ - قلنا: أطرافه مضمونه. بدلالة أن من قطع يده ثم دخل شبهة ضمن.
٢٩١٠٥ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾.
٢٩١٠٦ - قالوا: والسارق اسم عام يجمع أنواعًا كنقاب وطرار. ولهذا قالت عائشة: (كيف يقطع سارق أحيائنا ولا يقطع سارق موتانا)؟ فسمت النباش سارقًا.
٢٩١٠٧ - وقولهم: مقبول في اللغة.
٢٩١٠٨ - قلنا: قد بينا أن النباش خص باسم، والظاهر أنه لا يشارك غيره، وعلى
стр. 5788
لغة أهل المدينة. يقال له: مختفي. فلم نسلم أنه يسمى سارقًا على الإطلاق.
٢٩١٠٩ - وقول عائشة بيان للحكم. لأن الصحابة لا يعلم بعضهم بعضًا الأسماء اللغوية. فكأنها قالت حكمة حكم سارق الأحياء.
٢٠١١٠ - وقولهم: إن السارق من أخذ المال على وجه الاستخفاء ليس بصحيح. لأن الميت لا يستخفى منه.
٢٩١١١ - قالوا: روى البراء بن عازب عن النبي ﷺ أنه قال: (من غرق غرقنا ومن حرق حرقنا ومن نبش قطعناه).
٢٩١١٢ - قلنا: هذا خبر لا أصل له. وما حكي عن موضع صحيح ولا سقيم. فإما نقلت هذه الألفاظ في خطبة زياد. ولأن النبش لا يتعلق به القطع باتفاق، وأنه يتعلق عندهم بأخذ الكفن. فكيف علق ﵇ القطع بما لا يتعلق به؟
٢٩١١٣ - قالوا: قال الله تعالى: ﴿إنما جزءوا الذين يحابون الله ورسوله﴾. الآية تقتضي أن قاطع الطريق [إذا أخذ] كفن ميت في تابوت في القافلة فلم يجب القطع.
٢٩١١٤ - قلنا: ليس عن أبي حنيفة في وجوب الحد على قاطع الطريق بأخذ الكفن رواية؛ ولأن المراد بالآية إذا أخذوا مالًا مملوكًا باتفاق. وذلك في الكفن عندنا.
٢٩١١٥ - قالوا: روي عن النبي ﷺ أنه قال: (القطع في ربع دينار).
٢٩١١٦ - قلنا: المراد به القطع على السارق، ونحن لا نسلم أن هذا السارق.
٢٩١١٧ - قالوا: روي أن ابن الزبير قطع نباشا بعرفات. وهذا موضع يحضره الناس من كل فج، ولم ينكر ذلك أحد وقالت عائشة: (سارق موتانا كسارق أحيائنا).
стр. 5789
قالوا: روي أن ابن مسعود أخذ نباشا. فكتب إلى عمر. فكتب عمر يقطع.
٢٩١١٨ - قلنا: من الإجماع في زمن مروان. روه الزهري وهو الثبت فيما يرويه عن السيرة بالمدينة.
٢٩١١٩ - وأما خبر ابن مسعود فلو كان صحيحا لنقله أهل الكوفة، ولو ثبت بالإجماع في زمن مروان لسقط ما قبله من الخلاف.
٢٩١٢٠ - وما روي من فعل ابن الزبير يجوز أن يكون نباشا سرق فقطع بسرقته؛ وعرف بفعل النبش، وإن قطع بغيره.
٢٩١٢١ - كما روي ابن الزبير أن النبي ﷺ قطع المخزومية التي كانت تستعير الحلي وتحبسه.
٢٩١٢٢ - قالوا: من وجب القطع بسرقته سترته كالحي يجب القطع بسرقة سترته وإن لم يجب ستر عورته وهو الصبي والصغير. وتنتقض العلة بالحربي. فإن القطع لا يجب بسرقة سترته، وإن وجب ستر عورته.
٢٩١٢٣ - والمعنى في الحي أن الضمان يستقل بإتلاف أطرافه فوجب القطع بسرقة أثوابه، وإن كانت أطراف الميت لا تضمن بالإتلاف لم يقطع بسرقة سترته، أو نقول سترة الحي لو سرق منها الدراهم لم يقطع. كذلك إذا سرقها لم يقطع.
٢٩١٢٤ - قالوا: حكم يتعلق بالسرقة فجاز أن يتلق بالكفن أصله الضمان.
٢٩١٢٥ - قلنا: وجوب الضمان أوسع ووجوب القطع أضيق. ألا ترى أن السارق من بيت المال ومن الحرز المأذون في دخوله والمختلس يجب عليهم دون القطع، ولأن الضمان في الكفن يجب بحق الوارث، والقطع لا يجب لحقه. لأن عند مخالفنا لو نبش القبر قطع. ولأن الضمان يجب في أخذ مال بيت المال كذلك لا يجب في أخذ الكفن. [وكما لم يجب القطع في أخذ مال بيت المال. كذلك لا يجب في أخذ الكفن].
стр. 5790
٢٩١٢٦ - قالوا: سرق نصابا في حرز مثله من غير شبهة فوجب قطعه إذا كان من أهل القطع أصله [السارق من] الحي.
٢٩١٢٧ - قلنا: لا نسلم أنه سرق. فإن قالوا: أخذ بطل بالمنتهب. فإن قالوا: اَخذ على وجه الاستخفاء بطل بمن أخذ من حرز مأذون له في دخوله.
٢٩١٢٨ - فلا نسلم أنه أخذ من حرز مثله. لأن الكفن لا يوضع في القبر ليحرز، وإنما يوضع للبذلة والفساد ولا يكون محرزا.
٢٩١٢٩ - فإن قالوا: إنما يوضع للمنفعة وإن فسد بها كما يلبس الثوب الحي لينتفع به. وإن بلي بلبسه.
٢٩١٣٠ - قلنا: الميت يوضع للفساد والبلى فكذلك كفنه، والحي محفوظ فكذلك ثيابه أيضا وإن كانت تبلى بالاستعمال.
٢٩١٣١ - والمعنى في غير الكفن أنه مأخوذ من مكان لو أخذت منه الدراهم لم يقطع كذلك إذا أخذ الثياب.
стр. 5791
مسألة ١٤٤٥
[سرقة العين التي قطع فيها بعد ردها]
٢٩١٣٢ - قال أصحابنا: إذا سرق عينا فقطع فيها فرجها ثم عاد فسرقها لم يقطع.
٢٩١٣٣ - وقال الشافعي: تقطع رجله اليسرى.
٢٩١٣٤ - لنا: قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ ظاهر يقتضي أن القطع لا يتعلق بغير اليد إلا أن يقوم دليل.
٢٩١٣٥ - فإن قيل: إذا سرقه ثانيا وقد ذهب رجله اليسرى بآفة قطعت يده اليسرى عندنا فنفرض الكلام في هذا.
٢٩١٣٦ - قلنا: القادح في دليل خصمه لا يفرض الكلام بما هو فاسد؛ لأن المراد بقوله: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾: أيمانهما باتفاق، وذلك في قراءة ابن مسعود. فكيف يحمل على اليد اليسرى.
٢٩١٣٧ - [ولأنه حد] وجب بهتك حرمة الغير التي اعتبرت في وجوبه. فإذا استوفي بهتكها مرة لم يستوف من الأولى بهتكها ثانية أصله القاذف إذا كرر القذف.
٢٩١٣٨ - ولا يلزم حد الزنى: لأنه لم يوضع لهتك حرمة المزني بها. بدلالة: أن الحد يجب عليها كما يجب عليه، والزانية لا حرمة لها، ولأن حد القذف وضع لصيانة الأعراض كذلك إذا تكرر الأخذ. ولأن حرمة الأعراض أغلظ من حرمة المال؛ لأن حرمة المال بمالكه، فإذا لم يتكرر الحد بهتك حرمة، فحرمة المال أولى. ولأنه حد لا يستوفى إلا بالخصومة فتكرر الحد في غير واحدة مما لا يوجب على الواحد
стр. 5792
غير حد واحد أصله القذف ولا يلزم حد الزنى: لأن استيفاءه لا يقف على الخصومة.
٢٩١٣٩ - [ألا ترى] أن الشهود لو شهدوا عليه بالزنا حد، ولو شهدوا أنه سرق أو أقر بالسرقة لم يقطع حتى [يحضر] المسروق منه فيطالب بالمال؟
٢٩١٤٠ - فإن قيل: المقصود بحد القذف تحقيق الكذب على القاذف، وقد حكمنا بكذبه فلم يجب بقذفه حد كما لو قال: أهل بغداد زنى لم يجب عليه حد.
٢٩١٤١ - قلنا: المقصود بالحد الزجر وتحقيق الكذب تابع؛ بدلالة أن جماعة لو قذفوا رجلا بزنى واحد وحد أحدهم لم يسقط الحد عن الباقين وإن كان الكذب تحقق عليهم. ألا ترى: أن جماعة لو أخبروا بخبر واحد فحكمنا بكذب أحدهم كان ذلك حكما بكذب جماعتهم.
٢٩١٤٢ - فأما من قال: أهل بغداد زنى فلا يجب عليه الحد؛ لأن المقذوف غير معين لما قالوه.
٢٩١٤٣ - فإن قيل: القاذف إذا تكرر منه القذف الذي حد فيه لم يجب عليه الحد؛ لأنا قد حققنا كذبه فيه للحد. فلو قذفه بزنى أخر؛ حد.
٢٩١٤٤ - قلنا: يكفي في التسليم تكرار القذف بزنى واحد، فأما اعتبار تحقيق الكذب فقد تكلمنا عليه، وهذا أيضا يبطل بالقاذف إذا أكذب نفسه وجب عليه الحد وإن حكم بكذبه باعترافه. ولأن العين معتبرة في وجوب القطع، والفعل معتبر، كان إيقاع فعل واحد في عينين لا يوجب أكثر من قطع واحد كذلك إيقاع فعلين في عين واحدة.
٢٩١٤٥ - فإن قيل: الحرز معين كالعين وإيقاع الفعل في حرزين يوجب قطعين.
٢٩١٤٦ - قلنا: الحرز شرط في وجوب القطع بالفعل وليس فعله. ولهذا لو سرق من حرزه الذي أجره قطع، وبمثله لو سرق ماله من حرز غيره لم يقطع.
٢٩١٤٧ - فإن قيل: إنما وجب قطع واحد بإيقاع فعلين في عينين. لأنه لم
стр. 5793
يستوف الحد بأحد الفعلين، ولهذا لو تكرر الفعل لم يجب: إلا قطع واحد.
٢٩١٤٨ - فأما بعد استيفاء القطع إن سرق عينا أخرى قطع كذلك إذا سرق العين الأولى.
٢٩١٤٩ - قلنا: إذا سرق نصابين دفعة واحدة لم يجب إلا حد واحد. لأن الفعل واحد وإذا كرر السرقة وجب بكل فعل حد، ثم تداخلت الحدود لاجتماعها، فلا نسلم ما قالوه. ولأنه إيقاع فعل في عين يستحق به إتلاف طرف فكانت تلك العين في حق الفاعل لا يتعلق بها قبل ذلك الحكم أصله قطع الطرف.
٢٩١٥٠ - فإن قيل: اليد المقطوعة في حق القاطع وحق جميع الناس متلفة حتى لا يتعلق بها قصاص بوجه، والعين في مسألتنا ليست متلفة. بدلالة وجوب القطع بسرقتها على غير السارق الأول لذلك يجب عليه.
٢٩١٥١ - قلنا: ليس إذا وجب القطع على غيره وجب عليه. لأن القطع يجب على الأجنبي بالسرقة ولا يجب على الأب والابن لاختلاف حكمها.
٢٩١٥٢ - كذلك العين في مسألتنا صارت في حكم المتلفة في حق من قطع فيها دون غيره، وعلى هذا المقذوف في حكم من الإحصان في حق المحدود في قذفه وإحصانه بحاله في حق جميع الناس. ولأنها عين لو استهلكها استقر ضمانها فلم يجب القطع بأخذها كما دون النصاب. ولأنه أخذ يستقر به الضمان فلا يتعلق به القطع كالغصب. ولأن الأخذ يتعلق به قطع وضمان فلو غيب العين فضمنها ثم سرقها لم يقطع كذلك إذا قطع فيها ثم سرقها لم يطع. ولأن من أصلنا أن الضمان لا يجتمع مع القطع. فلما قطع في العين فقد صارت في حقه كالمباح. بدلالة أنه يضمن باستهلاكها والمباح لا يجب بسرقته قطع. ولا يلزم: إذا كانت السرقة غزلا فنسجه ثم سرقه لأنه بالصنعة تغير. عن حاله الأولى. فصار بمنزلة الخشب لو سرقه لم يقطع فيه. كما لو اتخذ إناء فسرقه فقطع فيه.
٢٩١٥٣ - احتجوا: بالآية. وقد بينا أنها دلالة لنا، ولا يمكنهم التعليق بها في السرقة الثانية. لأن الواجب عندهم قطع الرجل دون اليد. ولا يمكن فرض المسألة في السرقة الثالثة أو فيمن ذهب رجله بآفة؛ لأن الآية تتضمن قطع اليد اليمنى.
стр. 5794
٢٩١٥٤ - ولأن الكلام في قطع اليد اليسرى مسألة مفردة نتكلم عليها.
٢٩١٥٥ - قالوا: روى أبو هريرة أنه ﷺ قال: (إذا سرق السارق فاقطعوا يده، فإن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، فإن سرق فاقطعوا رجله). ولم يفصل.
٢٩١٥٦ - قلنا: هذا الخبر إنما هو حكاية فعل. فأما قول فلا يصح عن رسول الله ﷺ وسنبين ذلك فيما بعد.
٢٩١٥٧ - ولأن قوله (ثم إن سرق) يقتضي سرقة منكرة، ولو كانت الأولى لعرفها. فلما ذكرها بلفظ التنكير دل على أنه أراد سرقة أخرى.
٢٩١٥٨ - قالوا: فعل يوجب الحد فتكرره في عين واحدة كتكرره في أعيان [أصله الزنى.
٢٩١٥٩ - قلنا: ليس] يمتنع أن يختلف تكرار سبب الحد في عين واحدة أو في أعيان [بدلالة حد القذف، ولأن حد] الزنا وجب لاستيفاء منفعة لا العين [والمنفعة الثانية غير الأولى. فصار] تباين المنفعتين كتباين العينين. وفي مسألتنا وجب الحد لصيانة العين، والعين واحدة فلم يتكرر الحد لأجلها، يبين الفرق بينهما أن حد السرقة إذا سقط بشبهة ضمنت العين وحد الزنى إذا سقط لم تضمن المنفعة.
٢٩١٦٠ - قالوا: سرق نصابا من حرز مثله لا شبهة له فيه، وهو من أهل القطع فوجب قطعه. أصله المرة الأولى.
٢٩١٦١ - قلنا: لا نسلم أن الفعل حصل من غير شبهة؛ لأن العين في حقه صارت غير مقومة بالإتلاف، وهذا شبهة.
٢٩١٦٢ - والمعنى في المرة الأولى لم يستوف لأجل العين أحد موجبي السرقة فمنع ذلك من وجوب القطع على المستوفى منه لأجلها. أصله إذا استوفى منه الضمان.
٢٩١٦٣ - قالوا: لو سرق غزلا فقطع فيه فنسج ثم سرق منه قطع وهذه مناقضة.
٢٩١٦٤ - قلنا: القطع عندنا سقط لأن العين في حكم المباحة للسارق.
стр. 5795
والأعيان المباحة إذا تغيرت بصفة وجب فيها القطع عندنا كالخشب إذا نحته أواني. والمناقضة إنما تدفعها العلل على أصوله.
٢٩١٦٥ - قالوا: كل عين إذا سرقها غير سارقها وجب قطعه، فكذا إذا أسرقها سارقها. أصله الغزل إذا قطع فيه ثم نسجه.
٢٩١٦٦ - قلنا: [وجوب الحد بالسرقة على واحد. لا يدل على وجوب الحد] على غيره. بدلالة الأب والأجنبي. ولأنا نعلم أن سارق الثوب هو سارق العين التي كان سرقها غزلا بل بالنسيج قد صارت في حكم عين أخرى.
٢٩١٦٧ - وقد تكلم مخالفونا على هذا فقالوا: لو سرق صوفًا فنسجه ثوبًا ثم عاد فسرقه قطع وإن كان اسم الصوف باقيا، وإذا سرق جديًا فقطع فيه ثم صار تيسا لم يقطع فيه بسرقته وإن كان الاسم قد زال.
٢٩١٦٨ - وهذا غلط لأنا نعتبر زوال الاسم وعامة المنافع بصفة حادثة، ولاسم يزول في الصوف إذا نسج. لأنه يقال: ثوب صوف، والجدي إذا صار تيسا. فقد زال الاسم. وأكثر المنافع باقية فلم يزل الاسم بصفة. والكلام في كيفية التعيين بشاغل يبقى بها وهذا عدول عن التسمية، وقد قاسوا على العين إذا قطع فيها ثم سرقها من مالك أخر.
٢٩١٦٩ - وهذا موضع لا يسلمه أصحابنا بالعراق وأكثر أهل خراسان ومن أصحابنا الخراسانيين من سلمه وقال: إن حرمة العين بمالكها كاختلاف العينين.
стр. 5796
مسألة ١٤٤٦
ما يقطع في السرقة الأولى
٢٩١٧٠ - قال أصحابنا: تقطع في السرقة الأولى اليد اليمنى وفي الثانية الرجل اليسرى، ويعزر في الثالثة ويحبس ولا يقطع.
٢٩١٧١ - وقال الشافعي: تقطع في الثالثة اليد اليسرى، وفي الرابعة الرجل اليمنى وفي الخامسة يعزر ويحبس.
٢٩١٧٢ - لنا: قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾. قال الفراء: كل شيء موحد من خلق الإنسان إذا ذكر مضافا إلى اثنين فصاعدا جمع. تقول: قد هشمت رؤوسهما، وملأت بطونهما وظهورهما ضربا ومثله ﴿إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما﴾، ومثله ما أنشده سيبوبه
ومهمهين قذفَيْن مرتين ظهراهما مثل ظهور الترسين.
٢٩١٧٣ - وليس للترس إلا ظهر واحد فثناه بلفظ الجمع. فلما كانت اليمنى واحدة من كل واحد ثناها بلفظ الجمع فدلت الآية على أن الواجب قطع يد واحدة من كل
стр. 5797
السارق. وفي قراءة ابن مسعود ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيمانهما﴾. وهذه القراءة بيان للمراد بالقراءة الأخرى. وهذا يسقط قولهم: إن الآية عامة في اليدين جميعًا.
٢٩١٧٤ - فإن قيل: ظاهر الآية يقتضي وجوب قطع اليد اليمنى. فإن كانت الأخرى شلاء أو مقطوعة.
٢٩١٧٥ - قلنا: كذلك يقتضي الظاهر لولا قيام الدليل. وترك الظاهر في مسألة أخرى لا يمنع التعلق به في مسألتنا. لأن الحدود لا يجوز إثباتها إلا بتوقف أو باتفاق، ولم يوجد ذلك في اليد اليسرى فلم يجز إثباته.
٢٩١٧٦ - ولأن إتلاف منفعة الجنس لا يستحق بالسرقة. دليله السرقة الأولى.
٢٩١٧٧ - ولأن ما لا يجب قطعه في قاطع الطريق أول مرة لا يجب في السرقة. أصله الأنفس والأذن. ولأن حد قاطع الطريق أغلظ. بدلالة: أنه يستحق به القتل والصلب. فإذا لم يقطع الأطراف الأربعة هناك، فها هنا أولى ولأن السرقة إذا تكررت ضعفت لهذا أسقط القطع في الخامسة باتفاق فإذا لم يستحق إتلاف منفعة الجنس في الأولى والثانية.
٢٩١٧٨ - فإن قيل: إذا جاز أن تتلف [منفعة الجنس قصاصا تتلف] في السرقة,
٢٩١٧٩ - قلنا/ القصاص مستحق به إتلاف ما سوى اليدين والرجلين من الأعضاء، ولا يستحق ذلك بالسرقة. فدل على اختلافهما.
٢٩١٨٠ - ولأن ما يجب بإتلافه جميع قيمته لا يستحق في السرقة كالعينين.
٢٩١٨١ - ولا يلزم اليد والرجل؛ لأن الواجب فيهما ثلاثة أرباع القيمة.
٢٩١٨٢ - ولأن الأخذ في السرقة الثالثة يستقر به الضمان على السارق فلا يجب به الحد كالدفعة الخامسة. ولأن كل أخذ لا يستحق به النفس لا يستحق بنوعه إتلاف، منفعة الجنس كحد القذف.
٢٩١٨٣ - احتجوا: بما روى الشافعي قال: أخبرنا بعض أصحابنا عن [ابن أبي ذئب] عن
стр. 5798
الحارث بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن النبي ﷺ : قال في السارق: (إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله).
٢٩١٨٤ - الجواب: أن الطحاوي قال: هذا حديث لا أصل له؛ لأن كل من لقيناه من حفاظ الحديث ينكرونه، ويذكرون أنهم لم يجدوا له أصلا.
٢٩١٨٥ - وأصحاب الشافعي: لا يجوز لهم العمل به. لأنه مرسل على أصولهم. ونحن لا يلزمنا مع إنكار حفاظ الحديث له.
٢٩١٨٦ - وقولهم: إن الشافعي يحتج به وقد ثبت عنده عدالة رواته، ويسقط طعنهم على المراسيل. أنه يجوز أ، يكون عدل من لو سماه لم يعدلوه. على أن هذا لا يجوز أن يكون قاله قبل استقرار الحد، وفي الحالة التي كان يجوز فيها قطع اليدين والرجلين في قاطع الطريق أول مرة كذلك قطع الأربعة الأعضاء في السرقة المكررة. وقد قطع [رسول الله] ﷺ : أيدي العُرَنيين وأرجلهم ثم استقرت الحدود فصار قاطع الطريق تقطع يده ورجله كذلك السارق إذا تكررت سرقته لم تقطع إلا يده ورجله.
٢٩١٨٧ - احتجوا: بحديث حماد بن أبي حميد عن محمد بن المنكدر عن جابر أن النبي ... أتي بسارق وقد سرق فأمر أن تقطع يده، ثم أتي به مرة أخرى وقد سرق فأمر أن تقطع رجله، ثم أتي به مرة أخرى [وقد سرق] فأمر أن تقطع يده، ثم أتي به مرة أخرى فأمر أن تقطع رجله.
стр. 5799
٢٩١٨٨ - قلنا: هذا بعض الحديث وتمامه روى عبد الله بن صالح قال: حدثني أبو معشر عن مصعب بن ثابت عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد الله قال: سرق رجل في زمان النبي ﷺ فجاءوا به. فقالوا: إن هذا سرق. فقال عليه [الصلاة و] السلام: (اقتلوه. فقالوا: إنما سرق يا رسول الله. قال: (اقطعوا يده) قال: ثم سرق مرة أخرى فجاؤا به، فقالوا: يا رسول الله إن فلانا سرق. قال: (اقتلوه) قالوا: إنما سرق قال: (اقطعوا يده الأخرى) ثم سرق مرة أخرى. فقالوا: يا رسول الله إن قلانا سرق. قال: (اقتلوه) قالوا: إنما سرق. قال: (اقطعوا رجله) قال: ثم سرق مرة أخرى. فقالوا: إن فلانا سرق. قال: (ألم أقل لكم اقتلوه). قال: فخرجنا إلى مربد النعم فحملنا عليه النعم فأشار بيده ورجله فنفرت الإبل عنه، فتلقيناه بالحجارة حتى قتلناه. فهذا أصل الحديث، وإنما اختصره راوي الحديث الأول. قال الطحاوي: وأبو معشر أجلى في قلوب الرواة من أمثال حماد بن أبي حميد. ومعلوم أنه ﷺ في الدفعة الأولى أمر بقتله: بمعنى أوجب القتل غير السرقة، فلما خاف أن يظنوا أن السرقة توجب القتل أمر بقطعه. فإذا كانت النفس مستحقة في الدفعة الأولى، وفي كل دفعة جاز أن تقطع أطرافه كلها؛ لأن المرتد [لا] يمثل به، ثم قتله في الخامسة لا بالسرقة لكن بمعنى أخر، كذلك قطع يده في الثالثة بذلك المعنى.
стр. 5800
٢٩١٨٩ - احتجوا: بما روى خالد الحذاء عن محمد بن حاطب أن أبا بكر قطع يدًا بعد يد ورجل.
٢٩١٩٠ - قلنا: ليس في واحد من الخبرين أن القطع وجب في السرقة فيجوز أن يكون قطعها قصاصا، والذي روي أن أبا بكر أضاف أسود مقطوع اليد والرجل فسرق [حلى] أسماء فقطع يده، فقد روي أنه أضاف أسود أقطع اليد اليمنى فسرق حليهم فقطع رجله. ولا يحمل على قضيتين. لأنه يبعد أن يكون ضيافة أبي بكر لأسودين كل واحد منهما [أقطع، وكل واحد منهما] سرق حليا فقطعه فعلم أنها قصة واحدة متعارضة. على أن هذا لو ثبت معارض بما روى شعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن سلمه أن عليا أتي بسارق فقطع يده، ثم أتي به فقطع رجله، ثم أتي به فقال: إني لأستحي أن أدعه ليست له يد يأكل بها، ولا
стр. 5801
يستنجي بها، ولا رجل يمشي عليها ثم حبسه في السجن. فصارت المسألة لو ثبت ما قالوا خلافا منهم.
٢٩١٩١ - قالوا: ما سقط القطع في السرقة بقطعه كان محلا للقطع كاليمين. بيان ذلك أن الحداد لو قطع اليد اليسرى سقط القطع بها.
٢٩١٩٢ - قلنا: ينعكس بالرأس فإن القطع يسقط بقطعه وليس بمحل للقطع.
٢٩١٩٣ - فإن قالوا: إنه لا يسقط قطعه، وإنما يسقط بفوات النفس.
٢٩١٩٤ - قلنا: كذلك لا يسقط قطع السرقة بقطع اليسرى. لأن اليمنى إذا قطعت فاتت منفعة الجنس.
٢٩١٩٥ - فإن قيل: لو لم يقع اليسرى موقع المستحق ضمنه القاطع.
٢٩١٩٦ - قلنا: إنما لا يضمن. لأنه عوضه عن اليسرى اليمنى، وهي من جنسها ومنفعتها زائد عليها، ولهذا لو قطع رجله ضمنها. لأنه لم يعوضه من جنس منفعتها والمعنى في اليمنى أنها تستحق في قاطع الطريق بأول مرة فجاز أن تستحق في السرقة، ولما كانت اليد اليسرى والرجل اليمنى لا يستحق في المرة الأولى من قاطع الطريق لم تستحق في السرقة الأولى وإن تكررت.
٢٩١٩٧ - قالوا: يد تقطع قودًا فجاز أن تقطع في السرقة كاليمنى.
٢٩١٩٨ - قلنا: القود يتعلق بالأنف والأذنين والسن والعين وبتلف النفس، وكل ذلك غير مستحق في السرقة. فدل على اختلاف موضع الأمرين.
٢٩١٩٩ - ولأن اليمنى عندنا تقطع إن لم يفت بها منفعة الجنس، فإن فاتت بها لم تقطع كالأشل اليسرى والمقطوع الرجل اليمنى، كذلك اليد اليسرى إذا فات بها منفعة الجنس لم تقطع.
٢٩٢٠٠ - قالوا: كل حكم ثبت لليد اليمنى، ثبت لليد اليسرى والرجل اليسرى. أصله غسلهما في الطهارتين ودخولهما في وجوب القود وتقدير الدية.
стр. 5802
٢٩٢٠١ - قلنا: يبطل بتقديم اليمنى على اليسرى في الوضوء فإنه سنة ثبتت لليد اليمنى، ولا يثبت لليد اليسرى، وافتراش الرجل اليسرى للتشهد حكم ثبت لها ولا يثبت لليمنى، والمعنى في الأصل أنه لا يختص اليدين والرجلين فجاز أن يعمهما، والقطع لا يعتدى اليدين والرجلين. فلم يعمهما كالمرة الأولى. فأما تقدير الدبة بتساوي اليدين في تقدير الأرش لا يوجب تساويهما في تعلق القطع بهما.
٢٩٢٠٢ - قالوا: كل حد تكرر مرتين تكررا أربع مرات كسائر [الحدود].
٢٩٢٠٣ - قلنا: كل [حد تكرر مرتين] فحكمه في الثالثة [كحكمه في الخامسة. أصله سائر الحدود]. ولأن هذه الحدود بنيت على التكرار بتكرر سببها، وقطع السرقة يخالفها. بدلالة: أنه يسقط في الخامسة كذلك يجوز أن يسقط في الثالثة.
٢٩٢٠٤ - قالوا: طرف في أبعاضه مال أرش مقدر كاليمنى.
٢٩٢٠٥ - قلنا: يبطل بالرأس.
٢٩٢٠٦ - قالوا: عضو يتوصل به إلى أخذ السرقة.
٢٩٢٠٧ - قلنا: يبطل بساعد الأقطع، والمعنى في اليمنى ما ذكرنا.
стр. 5803
مسألة ١٤٤٧
[الضمان والقطع هل يجتمعان في سرقة واحدة]
٢٩٢٠٨ - قال أصحابنا: إذا هلكت العين المسروقة فضمن السارق لم يقطع، وإن قطع قبل التضمين لم يضمن.
٢٩٢٠٩ - وقال الشافعي: يجمع بين القطع والضمان.
٢٩٢١٠ - لنا: قوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا﴾ وقال في آية المحاربين: ﴿إنما جزؤوا الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في ألأرض فسادا﴾ الآية فجعل الحد في الآيتين الجزاء. فمن زعم أنه يجب القطع والغرم جعل الحد بعض الجزاء، وهذا خلاف الظاهر. يبين ذلك أن الضمان حق الآدمي، والحد حق الله تعالى. والآدمي أحوج إلى حقه. فلما وجب كان الاهتمام ببيانه أحق بالذكر.
٢٩٢١١ - ويدل عليه ما روى سعد بن إبراهيم عن أخيه المسور بن إبراهيم
стр. 5804
عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يغرم صاحب السرقة إذا أقيم الحد).
٢٩٢١٢ - فإن قيل: هو مرسل لأن المسور بن إبراهيم لم يلق ده عبد الرحمن بن عوف.
٢٩٢١٣ - قلنا: لا يضرنا إرساله، وإن كان من أصلنا قبول المراسيل. لاسيما إذا أرسلها مثل سيد بن إبراهيم، وهو في الصحيحين وأبوه وابنه. وقيل لأحمد بن حنبل: لم يرو مالك عن سعد. فقال: سعد خير من مالك، وقد روى مالك عن رجلين عنه.
٢٩٢١٤ - فإن قيل: معناه أنه لا يغرم أجره قاطع يد.
٢٩٢١٥ - قلنا: بل ظاهره يقتضي نفي كل غرم. وعندكم يغرم أجرة القاطع إذا لم يكن في بيت المال شيء. فالخبر دلالة عليكم في الموضعين.
٢٩٢١٦ - فإن قيل: معناه لا يضاعف عليه الغرم، كما روي في حريسة الجبل فيها غرامة مثلها وجلدات نكال.
٢٩٢١٧ - قلنا: الظاهر يقتضي نفى كل غرم. على أن غرم المسلمين لم يثبت في الشرع إلا مع سقوط القطع؛ لأنه ... قال في حريسة الجبل: (غرامة مثلها وجلدات نكال. فإذا آواها المراح وبلغت ثمن المجن ففيها القطع).
٢٩٢١٨ - ولأنه فعل [تعلق به معنى مسقط] [معنى ثبت مع] يتعلق به
стр. 5805
حد ومهر، وقتل العمد لا يتعلق به قصاص ودية.
٢٩٢١٩ - فإن قيل: لا نسلم أنهما يتعلقان بفعل واحد. لأن الضمان يتعلق بالأخذ، والقطع يجب بالإخراج من الحرز.
٢٩٢٢٠ - قلنا: من نام في المسجد أو في الطريق فأخذ رجل ثوبه من تحت رأسه وجب عليه عندهم قطع وضمان، وتعلقا بفعل واحد، على أن القطع يجب بالأخذ إذا انضم إليه الإخراج من الحرز والضمان يجب بالأخذ فإن تم الفعل بالإخراج استقر الحد وسقط الضمان، وإن لم يتم استقر الضمان وسقط القطع.
٢٩٢٢١ - فإن قيل: يبطل بمن [شرب خمر ذمي.
٢٩٢٢٢ - قلنا] أكره امرأة على الزنى [فأقضاها.
٢٩٢٢٣ - قلنا]: وجب الحد بالتقاء الختانين والضمان بتحاوز ذلك الموضع المعتاد وبالوطء.
٢٩٢٢٤ - قالوا: إذا زنى في الحج وجب الحد والكفارة.
٢٩٢٢٥ - قلنا: الكفارة تتعلق بهتك حرمة الإحرام، ولهذا تجب الكفارة بوطء زوجته.
٢٩٢٢٦ - قالوا: إنما لا يجتمع الدية والقصاص؛ لأنهما بدلان عن مبدل واحد.
٢٩٢٢٧ - قلنا: كما لا يجتمع بدلان عن مبدل واحد كذلك لا يتعلق بفعل واحد أمران يتنافيان. ولأن الضمان سبب مختلف في وقوع الملك فيه فلم يجتمع معه قطع كالقبضة في البيع الفاسد. ولأنه إيقاع فعل في عين يتعلق به إتلاف طرف فإذا استوفى به الطرق لم يجب المال كمن قطع يد غيره ولا يلزم من قطع يمين رجلين. لأن كل واحد من
الفعلين تعلق به قطع طرف بكماله ولم يستوف ذلك، وإنما استوفى بعض الطرف، وهذه المسألة مبنية على أن الضمان يثبت الملك في المضمون وأنه إذا ضمن ثبت له حكم الملك من حين يضمن، ولهذا لو باع الغاضب ثم ضمن بعد بيعه [ولو] كان اكتسب استحق الكسب وحكم الملك ينافي القطع. وقد ثبت القطع بالإجماع فوجب إسقاط ما ينافيه.
٢٩٢٢٨ - ولا يلزم إذا غصب جارية فزنى بها ثم هلكت فضمن قيمتها. لأن الحد
стр. 5806
يسقط ذكر أبو يوسف ذلك في الإملاء.
٢٩٢٢٩ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدل عليكم﴾ وقال: ﴿وجزوا سيئة سيئة مثلها﴾.
٢٩٢٣٠ - قلنا: حقيقة اللفظ يقتضي الاعتداء على الأنفس دون المال. ولأن المثل عبارة عن الواجب بالفعل. بدلالة قوله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة [فله] عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها﴾ فجعل الثواب والعقاب مثلا للعمل. والمثل الواجب بالسرقة عندنا هو القطع. ورغم مخالفنا أن هاهنا مثلا آخر وهو الضمان. ولأنه لا يدل على إيجاب المثلين.
٢٩٢٣١ - قالوا: قال النبي ﷺ : (على اليد ما أخذت حتى ترد).
٢٩٢٣٢ - قلنا: هذا لا يقال إلا مع بقاء العين، وعندنا الرد واجب، وإنما اختلف إذا سقط وجوب الرد ما الواجب؟ والخبر لا يدل على ذلك.
٢٩٢٣٣ - قالوا: كل مال وجب القطع مع وجوب رده وجب القطع مع وجوب رده. أصله: إذا كان السارق باعه من رجل فإن السارق يقطع، ويلزمه رد الثمن وإن كان تالفا وجب رد بدله على المشترى.
٢٩٢٣٤ - قلنا: نقول بموجب هذه العلة؛ لأن عندنا نقطع السارق مع وجوب رد البدل عليه، وإنما يسقط البدل منه بالقطع. فأما حال الابتداء فالقطع والضمان لم يسقط. ولأن هذا التعليل لوجوب القطع وهو موضع اتفاق، وإنما يجب أن يقع التعليل لبقاء الضمان بعد القطع. فأما وجوب رد الثمن وبدله فلا تعلق للقطع به؛ لأن السارق يقطع أخذ الثمن أو لم يأخذ فلما لم يتعلق القطع بذلك لم يؤثر فيه اختلاف أحواله.
٢٩٢٣٥ - فأما الضمان الواجب على السارق المسروق منه فيتعلق بما تعلق به القطع فجاز أن يختلف [حاله مع] استيفائه.
стр. 5807
٢٩٢٣٦ - قالوا: إذا وجب القطع مع وجوب رد العين المسروقة وجب أن [يجتمع مع] بدلهما من المثل أو القيمة. لأن البدل قائم مقام العين فإذا اجتمع مع البدل [وجب اجتماعه مع البدل.
٢٩٢٣٧ - قلنا: قد بينا أن القطع واجب مع رد العين ومع وجوب رد بدلهما، ويسقط رد البدل باختيار المالك بالمطالبة بالقطع.
٢٩٢٣٨ - فإن عللوا بالوجوب رد البدل يعد القطع علة للسرقة يمتنع أن يجب رد العين القائمة، ولا يجب رد بدلها] إذا أتلفت كما يجب على الوارث رد الودائع التي عند الميت، ولا يجب رد بدلها إن تلفت وكذلك الثوب [إذا ألقته] الريح [في دار إنسان] والعبد إذا سرق من دار سيده وجب عليه رد العين القائمة فلا يجب رد بدلها إذا تلفت.
٢٩٢٣٩ - قالوا: القطع والقيمة حقان لمستحقين فجاز اجتماعهما في فعل واحد أصله إذا قتل صيدا مملو كا وجب الجزء والقيمة.
٢٩٢٤٠ - قلنا: إذا أردتم جواز اجتماع وجوبهما. قلنا: بموجبه. لأن السارق يجب عليه [قطع وضمان] كل واحد من الأمرين [مراعى فإذا استوفى] القطع سقط [الضمان.
٢٩٢٤١ - فإن أرادوا أجزاء اجتماع الاستيفاء انتقض] بمن وجب عليه قطع [بالسرقة والقصاص] والقتل بالقصاص والرجم أنها حقان
стр. 5808
مستحقان، ولا يجوز اجتماعهما في الاستيفاء والمعنى في الجزاء والقيمة في مال نفسه من وجوب الضمان المثبتة له حكم المالك لا تنفيه كما لا تنفيه نفس الملك. والقطع لا يجوز وجوبه في ملك نفسه ما لضمان ينافيه لأنه مختلف في إيجابه حكم الملك من حين أخذه.
٢٩٢٤٢ - قالوا: أتلف مال غيره متعديا من غير يدين ولا تأويل فلزمه ضمان كالغاصب.
٢٩٢٤٣ - قلنا: يبعد بالعبد [إذا أتلف مال مولاه. ولأنا نقول بموجبه لأن الإتلاف] تعلق به ضمان عندنا وسقط الملك باختياره المطالبة بالحد كما سقط بعد وجوبه بالبراءة. و [المعنى في الغاضب أنه لم يلزمه] عقوبة لا يجوز إيجابها في ماله. فكذلك جاز استيفاء الضمان، ولما وجب على السارق عقوبة لا يجوز إيجابها في ملكه لم يجز استيفاء الضمان معها. لأنه اختلف في ثبوت حكم الملك به.
٢٩٢٤٤ - قالوا: سرقة يجب ردها عند بقائها فوجب الضمان عند فواتها أصله إذا سرق [ربع دينار] وسرق ما يسرع إليه الفساد.
٢٩٢٤٥ - [قلنا: لا يخلو إما] أن يقطع في [هذا أو لا] يقطع [فإن رأى الأمام] إيجاب القطع سقط الضمان عندنا، وإن رأى إسقاط القطع وجب الضمان كما لو سرق عشرة درهم سقط القطع فيها بشبهة.
стр. 5809
مسألة ١٤٤٨
[حكم السارق من ذي رحم]
٢٩٢٤٦ - قال أصحابنا: إذا سرق من ذي رحم محرم لم يقطع.
٢٩٢٤٧ - وقال الشافعي: إن سرق [ممن لا دية] بينه وبينه قطع.
٢٩٢٤٨ - لنا: قوله تعالى: ﴿ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت أبابكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم﴾. فأباح سبحانه الأكل من بيوت محارمه، ولم يشرط الأذن. وهذا [يفيد إباحة] الدخول. وذلك يمنع وجوب القطع.
٢٩٢٤٩ - فإن قيل: أجمعنا أنه لا يجوز الأكل بغير إذن. والأذن شرط.
٢٩٢٥٠ - قلنا: لو شرط الإذن سقط التخصيص. لأن الإذن يبيح الأكل من
стр. 5810
الأجنبي [وإنما المراد بالآية إباحة] الأكل إذا كان ذلك غير ممانع للتبسيط فيكون الإذن بالعادة فسقط اعتبار الإذن بالنطق.
٢٩٢٥١ - فإن قيل: روي أنها نزلت على سبب وهو أن المسلم كان إذا خرج غازيا استخلف على بيته أقاربه وإذن لهم في الأكل. فلما أمروا بالناصحة ونهوا عن الخيانة امتنعوا من الأكل مع الإذن فنزلت الآية في إباحة ذلك.
٢٩٢٥٢ - قلنا: وقد قيل: إن الآية [نزلت في الأكل] من هذه البيوت إذا لم يجد الإنسان في بيته طعاما.
٢٩٢٥٣ - قالوا: عهد ومن الناس من حمل هذه الآية على إباحة أكل طعام الأقارب من غير إذن.
٢٩٢٥٤ - وهذا الاختلاف شبهة في إسقاط القطع.
٢٩٢٥٥ - فإن قيل: ذكر في الآية ﴿أو صديقكم﴾.
٢٩٢٥٦ - قلنا: هذا ظاهر يقتضي سقوط القطع عنه لولا قيام الدليل، ولأنه إذا عزم على سرقة مال صديقه فليس بصديق عند الأخذ فيجب عليه القطع؛ ولأنه ذو رحم محرم كالأب ولا تجوز منا كحته على التأييد لأجل القرابة.
٢٩٢٥٧ - فإن قيل: هذا الوصف صح في سرقة الرجل من المرأة، ولا يصح في سرقة رجل من رجل ولا امرأة من امرأة.
٢٩٢٥٨ - قلنا: إذا ثبت هذا بطل قول مخالفنا. وليس يلزمنا أن ينصب علة تعم مواضع الخلاف على أن التعليل يقع لجهة القرابة التي هي الأخوة والعمومة وتلك الجهة تثبت تحريم المناكحة ممن تصح منا كحته.
٢٩٢٥٩ - فإن قيل: اعتبار تحريم المناكحة لا يصح؛ لأن، الرضاع يتعلق به تحريم
стр. 5811
المناكحة على التأييد ولا يؤثر في القطع.
٢٩٢٦٠ - قلنا: لم نعلق الحكم بالتحريم. وإنما علقنا بالقرابة الكاملة. وجعل تحريم المناكحة حقيقة كمال القرابة، فمجرد التحريم إذن لم يؤثر في هذا الحكم فلم يلزمنا.
٢٩٢٦١ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾. وبقوله ﷺ : (القطع في ربع دينار).
٢٩٢٦٢ - قلنا: المراد به إذا سرق مالا من غير شبهة. ولا نسلم ارتفاع الشبهة في مال الأخ. ولأنه عموم مخصوص بما ذكرنا.
٢٩٢٦٣ - قالوا: قرابة لا يتعلق بها رد الشهادة فلا يتعلق بها سقوط القطع كابن العم.
٢٩٢٦٤ - قلنا: ابن العم عكس مسألتنا. لأنه قرابته لم تكمل. بدلالة أنها لا تحرم المناكحة. وقرابة الأخ كاملة على أن الأخ ألحلق بابن العم في جواز الشهادة وجريان القصاص. ولحق بالود في التحريم الدال على كمال القرابة. وفي حجب الأم كما يحجبها الولد وفي مشاركة الحد عندهم. وإذا كاد به أصلان كان ما يوجب سقوط الحد أولى مما يوجب ثبوته. وكان اعتبار ما يؤدي إلى صلة الرحم أولى مما يؤدي إلى قطعها.
٢٩٢٦٥ - وقولهم: إن النفقة لا تجب له مع اختلاف الدين. ولا تدخل في الكتاب يدل على الشبه بابن العم.
٢٩٢٦٦ - وقد بينا شبهه بالوالدين من الوجه الذي بينا.
стр. 5812
مسألة ١٤٤٩
[سرقة أحد الزوجين من الآخر]
٢٩٢٦٧ - قال أصحابنا: إذا سرق أحد الزوجين من الآخر لم يقطع. وهو قول الشافعي: في المزني.
٢٩٢٦٨ - وقال في اختلاف الأوزاعي: يقطع كل واحد منهما بسرقة الآخر.
٢٩٢٦٩ - وله قول ثالث: أن المرأة لا تقطع ويقطع الزوج.
٢٩٢٧٠ - لنا: ما روى مالك عن ابن شهاب عن السائب بن يزيد أن عبد الله بن عمرو الحضرمي جاء بغلام له إلى عمر بن الخطاب. فقال له: اقطع يد هذا فإنه سرق. فقال عمر: ماذا سرق، قال: سرق مرآة لا مرأتي قيمتها ستون درهما. فقال عمر: أرسله فليس عليه قطع فخادمكم سرق متاعكم. وإذا أسقط القطع عن عبد الزوج في مال الزوجة فلأن يسقط عن الزوج أولى ولا يحمل هذا على أنه سرق من البيت المأذون في دخوله؛ لأنه لم يستفصل ولأنه علل بأنه غلامهم. ولأنه بينهم سبب يوجب التوارث من غير حجب أو يوجب التوارث في جميع الأحوال كالوالد والولد.
٢٩٢٧١ - فإن قيل: الوصف غير مؤثر. لأن الحدود لد الولد يحجبون ولا يقطعون.
стр. 5813
٢٩٢٧٢ - قلنا: هذا يؤكد العلة؛ لأنه إذا سقط القطع مع الحجب فمن لا يحجب سببه أقوى فهو بٍاسقاط القطع أولى. ولأن كل واحد من الزوجين يبسط في مال الآخر في العادة فمنع ذلك القطع كالوالد والولد.
٢٩٢٧٣ - فإن قيل: قد يجوز كل واحد ماله عن الآخر.
٢٩٢٧٤ - قلنا: هذا لا يمنع التبسط. ولأنه من أصلنا أن شهادة أحدهما لا تقبل للآخر كالوالد والولد. ولأن [نفقتها] تلزمه، ولم يقطع في ماله كالولد مع الولد.
٢٩٢٧٥ - فإن قيل: الوالد إذا وطئ جارية الولد ولم يدع شبهة لم يحد والزوج يحد.
٢٩٢٧٦ - قلنا: الابن إذا وطئ جارية أبيه ولم يدع شبهة حد، وإن ساوى الأب في سقوط القطع.
٢٩٢٧٧ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما﴾ وبقوله ﷺ (لا قطع إلا في ربع دينار).
٢٩٢٧٨ - قلنا: اتفقنا أن المراد به سرقة مال لا شبهة فيه، ونحن لا نسلم ارتفاع الشبهة في مسألتنا.
٢٩٢٧٩ - قالوا: بينهما عقد على منفعة فأشبه عقد الإجارة.
٢٩٢٨٠ - قلنا: يبطل إذا سرق من البيت الذي هما فيه.
٢٩٢٨١ - فإن قالوا: العقد لم يمنع وإنما منع الإذن في دخول الحرز.
٢٩٢٨٢ - قلنا: فكذلك العقد عندنا لم يسقط القطع، وإنما أسقط التبسط في المال. ولأن عقد النكاح لا يجوز اعتباره بالإجارة في إثبات الحدية. بدليل: أن الإجارة لا يثبت بها التوارث والنفقة وتحمل الفطرة عندهم فكذلك يجوز أن يثبت النكاح حرمة تسقط القطع فلا يثبت [ذلك في] الإجارة.
٢٩٢٨٣ - قالوا: يجرى بينهما القصاص [فإذا وجب القصاص وجب القطع.
стр. 5814
٢٩٢٨٤ - قلنا: الابن يجب عليه القصاص] بالجناية على أبيه، ولا يقطع في ماله على أن حرمة النفس أقوى من حرمة المال. فيجوز أ، يقتص منه بقتلها لقوة الحرمة وما يقطع في مالها لأجل ضعف الحرمة.
стр. 5815
مسألة ١٤٥٠
[السرقة من المستأمن]
٢٩٢٨٥ - قال أصحابنا: إذا سرق سارق مال المستأمن لم يقطع.
٢٩٢٨٦ - وقال الشافعي: يقطع.
٢٩٢٨٧ - لنا أنه حربي فلا يقطع في أخذه ماله، كما لو أخذه قبل الأمان. ولأنه على حكم دار الحرب، ولهذا لا تؤخذ الجزية منه ولا نمنعه مع العود، فصار بقاؤه على حكم الحرب شبهة في سقوط القطع؛ ولأن معنى الإباحة حاصل في ماله؛ بدليل محظور حظرًا مؤجلا، ولهذا يزول الحظر بمضي المدة من غير إحداث سبب فيه، ومعنى الإباحة شبهة في سقوط القطع.
٢٩٢٨٨ - احتجوا: بالظواهر. وقد أحبنا عنها.
٢٩٢٨٩ - قالوا: من ضمن ماله جاز أن يقطع سارقة كالذمي. [قالوا: ولأن كل حكم تعلق بأخذ مال الذمي تعلق بأخذ مال المستأمن كالضمان]. ولأن المستأمن في عهده المؤقت كالذمي في عهده المؤبد فجريا مجرى واحدًا.
٢٩٢٩٠ - قلنا: اعتبار القطع في الضمان قاسد؛ لأن الولد والضيف يجب عليهما الضمان ولا يجب عليهما القطع.
٢٩٢٩١ - واعتبار المستأمن بالذمي فاسد؛ لأن معنى الإباحة لا يوجد في مال الذمي؛ لأنه محظور يتناوله على التأييد، والمستأمن حظر ماله مؤقت وإباحته منتظرة مترقبة، فأوجب ذلك شبهة فيه. ولأن الذمي من أهل دارنا، ولهذا لا يمكن من العود إلى دار الحرب والمستأمن من أهل دار الحرب؛ بدلالة أنه لا يمنع من العود إليها متى شاء إلا أن ماله حظر بالأمان، فوجب ضمانه؛ لأن الشبهة لا تؤثر في الضمان، وسقط القطع والقصاص الذي يسقط بالشبهة.
следующие страницы →