Полный текст (6 324 стр.). Показаны 5881–5920 · переход к 5886.
стр. 5881
كل مسكر وروى الشافعي بإسناده عن عائشة أن ﷺ سئل عن نبيذ التمر، فقال: (كل شراب أسكر فهو حرام). وذكر الحميدي في كتابه في الرد على أهل العراق عن مرثد بن عبد الله البوني عن دهم الحميري قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: إنا في أرض باردة يعالج بها عملًا شديدًا، وإنا نتخذ شرابًا من هذا القمح فنتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا. فقال: (هل مسكر،) قلت: نعم. قال: فاجتنبوه. قال: قلت: الناس عندنا ذلته. فقال: (وإن لم يتركوه، فاقتلوهم). وذكر الحميدي حديث جابر بن عبد الله أن نفرًا من أهل اليمن قالوا: يا رسول الله، إن أرضنا أرض باردة، وإنا نعمل بأنفسنا، وليس لنا من يمتهن دون أنفسنا، ولنا شراب نشربه بأرضنا يقال له: المزر، فإذا شربناه [فأعنا على] البرد. فقال لهم: (أمسكر هو؟) قالوا: نعم. فقال ﷺ : (كل مسكر حرام، وإن الله تعالى عهد إلي أن كل من شراب مسكرًا أن يسقيه من الخبال).
٢٩٥٩٩ - والجواب: أن هذه الأخبار آحاد وردت في تحريم ما علمنا إباحته بأخبار الاستفاضة والاتفاق، ولا يجوز ترك ما ثبت بدليل مقطوع به بطريق مظنون. ولأن المسكر ما يحدث السكر منه كما أن المشبع ما يحدث منه الشبع، ولا يقال للقمة إنها مشبعة، بمعنى أن جنسها مشبعة. كذلك البسر من الشراب لا يقال: إنه مسكر، بمعنى أن جنسه يسكر. فدلت الأخبار على تحريم ما يحدث السكر منه، وذلك عندنا حرام. والخلاف فيما لا يتولد منه سكر، وقد دل على هذا ما روي عن ابن عباس أنه قال: إن شربت تسعة أقداح ولم يسكرك، كان حلالًا، فإن شربت العاشر فأسكرك، كان العاشر حرامًا. وروى حماد عن إبراهيم عن علقمة قال: سألت ابن مسعود عن قوله ﷺ في السكر: (هي الشربة الأخيرة)، وقال إبراهيم: قول الناس: كل
стр. 5882
مسكر حرام، إنما هو: كل مسكر حرام. وقال إسماعيل بن عبد الملك: قلت لعطاء: إنا نعمل نبيذًا، فيغدوا أحدنا للحاجة، ويرجع فيتغدى فيشرب منه على غدائه القدح والقدحين ويشرب الكثير فيسكر، فقال: الشربة التي تسكر هي الحرام، قال ﷺ : (كل مسكر حرام).
٢٩٦٠٠ - فإن قيل: إنما يحدث السكر من الشربة الأخيرة تتقدم ما قبلها، فالجميع مسكر.
٢٩٦٠١ - قلنا: إذا شرب القليل فلم يحدث منه سكر، وإن كان يحدث إذا انضم غيره إليه، فلا يقال: إنه مسكر، كما لا يقال لجراحة لم تقتل: إنها قاتلة، وإن علمنا أنها تقتل بانضمام غيرها إليها. فأما إذا وصل الشراب [حتى يسكر]، فمن أصحابنا من يقول: جميع ما شرب محرم، لأن السكر حدث منه، وإنما يباح بشرط أن يتناول ما لا يبلغ السكر. ومن أصحابنا من قال: إذا شرب هو ولا يقصد السكر، ودام حتى سكر، فالحرام الجزء الأخير. وإن كان السكر حصل بشربه وبتقدم الجزء الأول، كما لو حمل السفينة مقدار ما تحمله، ثم جاء غيره فزاد على حملها فغرقت، وجب الضمان على واضع الجزء الأخير، وإن كان الغرق حصل بنقله ونقل ما تقدم عليه. فهذه طريقة في تأويل الخبر يشهد لها ما رويناه عن الصحابة.
٢٩٦٠٢ - وجواب آخر: وهو أن الله تعالى حرم الخمر بنص القرآن، وحرم النبي ﷺ كل شراب شديد بنهيه عن الانتباذ في الظروف، وجعل ذلك حسمًا لمادة تحريمها وقطعًا للعادة في شربها. ثم لما استقر التحريم، أباح الانتباذ في الظروف. وروي ذلك من طرق صحيحة مشهورة ذكرها البخاري ومسلم وأحمد [في كتابه عن علي وابن مسعود وعن ابن زيد عن أبيه وعن جابر. وأخرجه البخاري عن جابر. وذكر
стр. 5883
أحمد] عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن مغفل وأبي سعيد. وقد روى ذلك عن جماعة غيرهم أخرجهما أصحاب الحديث القائلون بالتحريم والغالون فيه [لو صرحها].
٢٩٦٠٣ - ومعلوم أنه ﷺ لم يحرم ما لا شدة فيه قط، ولابد أن تتناول الإباحة ما يتناوله التحريم حتى يصح النسخ، وهذا يفسد إباحة طارئة. ولهذا قال ابن مسعود: شهدنا تحريم النبيذ كما شهدتم، وشهدنا تحليله، فحفظنا ونسيتم. قال عبد الله بن المغفل: شهدت النبي ﷺ حين نهى عن نبيذ الجر، وشهدته حين أمر بشربه، وقال: (اجتنبوا السكر). والأخبار التي احتج بها مخالفنا ولو سلمنا تناولها للجنسي، احتمل أن يكون زوالها قبل الإباحة، فلا يصح التعلق بما لا ينقل تاريخ ولا سبيل إلى ذلك. وقد روى قيس بن طلق عن أبيه طلق بن علي قال: جلسنا عند نبي الله فجاءه وفد عبد القيس بن طلق عن أبيه طلق ب علي قال: جلسنا عند نبي الله فجاءه وفد عبد القيس وقال: (ما لكم قد اصفرت ألوانكم وعظمت بطونكم؟) فقالوا: أتاك سيدنا فسألك عن شراب كان لنا موافقًا، فنهيته عنه، وكنا بأرض وخمة. قال: (فاشربوا ما طاب لكم).
٢٩٦٠٤ - احتجوا: بطريق أخرى قالوا: روى جابر بن عبد الله عن النبي ﷺ قال: (ما أسكر كثيره فقليله حرام). وروت عائشة عن النبي ﷺ : (ما أسكر الفرق، فملء الكف منه حرام).
٢٩٦٠٥ - وهذه طريقة أخرى نتكلم عليها فنقول: أما حديث جابر ويرويه داود ابن بكر بن أبي الفرات عن محمد المنكدر عن جابر. وقال أصحاب بالحديث: أصل ما رواه [أبو جعفر محمد بن عثمان بن أبي شيبة] في كتابه في الأشربة
стр. 5884
قال: حدثنا أحمد بن عيسى المصري قال: حدثنا [ابن وهب قال: حدثنا] عبد الجبار بن عمر أن محمد بن المنكدر حدث عن جابر قال: قام فينا رسول الله ﷺ خطيبًا فقال: (كل مسكر حرام).
٢٩٦٠٦ - فقال محمد بن عثمان بن أبي شيبة: وقال علي بن المديني قال: حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي عن [عمارة بن غزية] عن أبي الزبير عن جابر قال: قال النبي ﷺ : (كل مسكر حرام).
٢٩٦٠٧ - وأما راوي خبرهم داود بن بكر بن أبي الفران المدني مولى أشجع لم يخرج عنه مسلم ولا البخاري شيئًا ولا أخرج هذا الحديث أبو عبد الرحمن النسائي.
٢٩٦٠٨ - قال الطحاوي: داود بن بكر [هذا لا يعرف].
٢٩٦٠٩ - فأما حديث عائشة فروى أبو عثمان عمرو بن سالم الأنصاري قال: سمعت القاسم بن محمد يحدث عن عائشة عن النبي ﷺ أنها سمعته يقول: (كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام).
وقال: (فالحسوة منه حرام).
стр. 5885
٢٩٦١٠ - فقال أصحاب الحديث: أصله ما روى مالك وسفيان بن عيينة عن الزهري عن أبي سلمة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : (كل شراب أسكر فهو حرام).
٢٩٦١١ - قال أبو عبد الرحمن النسائي: حدثنا أبو داود الحراني قال: حدثنا محمد بن سليمان قال: حدثنا عبد الله بن العلاء بن زبر عن القاسم بن محمد عن عائشة عن النبي ﷺ قال: (لا تنتبذوا في الدباء ولا المزفت ولا النقير، وكل مسكر حرام).
٢٩٦١٢ - فاما أبو عثمان الأنصاري راوي خبرهم فمتروك عند البخاري ومسلم وأبي عبد الرحمن النسائي. وقال أبو مخلد في كتابه أخبار يحيى بن معين: حدثنا جعفر بن أبي عثمان الطيالسي قال: سمعت يحيى بن معين يقول: سألني وكيع بن الجراح فقال: أبو عثمان هذا ما هو، قلت: صاحب سنة. قال: ما أراه إلا صاحب بدعة. قال جعفر الطيالسي: يعني حديث أبي عثمان الذي يرويه عن عائشة.
٢٩٦١٣ - فإن قيل: روى محمد بن بكار عن محمد بن طلحة عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن عائشة قالت: ما أسكر الفرق، فالحشوة منه حرام.
٢٩٦١٤ - قال محمد بن بكار: وحدثني أبو معشر عن موسى بن عقبة عن سالم عن أبيه عن النبي ﷺ مثل ذلك.
٢٩٦١٥ - قلنا: أصل حديث ابن عمر ما رواه محمد بن عثمان عن أبيه عثمان بن محمد بن أبي شيبة قال: وثنا إسماعيل ابن علية عن ليث بن أبي سليم عن نافع عن ابن عمر عن النبي ﷺ : (كل مسكر حرام). وليث بن أبي سليم مجمع على
стр. 5886
تصحيفه وترك الاحتجاج به، وكذلك أبو معشر السندي المدني. قال البخاري: عن محمد بن كعب ونافع منكر الحديث. وقال أبو قدامة السرخسي يقول: سمعت ابن مهدي يقول: أبو معشر يعرف وينكر. وقال يحيى بن معين: ما حدث به أبو معشر عن [محمد بن كعب] في التفسير فليس بشيء.
٢٩٦١٦ - فإن قيل: روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : (قليل ما أسكر كثيره حرام).
٢٩٦١٧ - قلنا: أصله ما روى محمد بن عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا علي بن المديني قال: حدثنا الضحاك بن مخلد عن عبد الله بن عمر أن رسول الله ﷺ نهى عن الخمر والميسر والكوبة، وقال: (كل مسكر حرام).
٢٩٦١٨ - قال ابن أبي شيبة: وحدثنا عبد الله بن عمر بن أبان عن عبد العزيز الدراوردي عن عبيد الله بن عمر العمري عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. لم يخرج هذا الحديث أبو داود ولا روى البخاري ولا مسلم عن عمرو بن شعيب شيئًا البتة.
٢٩٦١٩ - فإن قيل: روى ضحاك أبو عثمان الحزامي عن بكير بن عبد الله بن الأشج عن عامر بن سعد بن أبي وقاص [عن أبيه] عن النبي ﷺ : (أنهكم عن قليل ما أسكر كثيره.
стр. 5887
٢٩٦٢٠ - قلنا: قال عبد الرحمن بن أبي حاتم في كتابه: قال أبو زرعة الرازي: ليس الضحاك بن عثمان بالقوي. قال أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي: [يكتب حديثه] ولا يحتج به. ولم يخرج البخاري عنه شيئًا ولا صح هذا من حديثه عند مسلم ولا أخرجه أبو داود.
٢٩٦٢١ - فهذا كلام أصحاب الحديث على أسانيد هذه الطريقة، مع شدة تعصبهم لهذا الراوي واعترافهم فيه. فعلم أن هذه لم تثبت عن النبي ﷺ .
٢٩٦٢٢ - ولو ثبتت من طريق سالمة، كان جوابنا عنها ما تقدم أنه يجوز أن يكون قالها ﷺ في حالة التحريم ثم تحددت الإباحة، ولم يصح الاحتجاج بها إلا أن ينقل تاريخها، ولا طريق إلى ذلك.
٢٩٦٢٣ - وجواب آخر: وهو أن قوله: (ما أسكر كثيره). والحرام منه القليل وهو الجزء الذي يحدث السكر منه دون غيره، ولو أراد ما قالوا لقال: فهو حرام، [وكل مسكر حرام]. دل على أن التحريم يختص القليل منه، هذا قولنا.
٢٩٦٢٤ - قالوا: القدر الذي يخرج الشارب من الوقار والحلم إلى السفه والخفة سكر، وهو مباح عندكم.
٢٩٦٢٥ - قلنا: بل محظور، إلا أن أبا حنيفة قال: لا حد فيه. وسقوط الحد يدل على الإباحة.
٢٩٦٢٦ - قالوا: ما حرم إذا كان نيئًا، حرم إذا كان مطبوخًا، كلحم الخنزير والميتة والدم.
٢٩٦٢٧ - قلنا: هذا قياس باطل بإجماع الصحابة؛ لأن العصير إذا اشتد نيئًا حرم، فإذا طبخ حتى ذهب ثلثاه واشتد لم يحرم، قضى بذلك عمر بن الخطاب وعلي وعمار وعامة الصحابة. وعلله عبادة بعلة مخالفنا فقال: ما أرى النار تحل شيئًا. فأنكر ذلك عمر إنكارًا ظاهرًا، والتعليل المعترض على قول الصحابة لا يلتفت إليه. ولأن الطبخ يقع فيما ذكره بعد تحريمه، فوازنه من مسألتنا أن يشتد الشراب ثم يطبخ فلا يحل.
стр. 5888
٢٩٦٢٨ - قالوا: قال المزني: إذا تساوت الأشربة قبل حدوث الشدة في الإباحة وتساوت بعد زوال الشدة ولم تختلف أنواعها، كذلك عند حدوث الشدة يجب أن تتساوى في التحريم ولا تختلف باختلاف أنواعها.
٢٩٦٢٩ - قلنا: السباع والإبل تساووا في الطهارة حال حياتها عند مخالفنا وفي تحريم تناول لحمها، وتساووا بعد الموت في النجاسة والتحريم إذا ذكيت حلت الإبل وطهرت ونجست السباع عندهم ولم يحل لحمها، لأن الشرع اقتضى هذا التفريق، وحرم الله تعالى [السا في الما] الأثمان وجوز القرض وصفته صفة الصرف وإنما يتغير الحكم باللفظ، فلا يمتنع أن يختلف التحريم في هذه الأعيان بالاسم.
٢٩٦٣٠ - قال بعض من تكلم في هذه المسألة: روى أبو مالك الأشعري أنه سمع النبي ﷺ يقول: (ليشربن أناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها). قال هذا المحتج: هؤلاء أصحاب أبي حنيفة، شربوا الخمر وسموها بغير اسمها. وهذا كلام من ظن خصومه لا يرتضون بالشغب عوضًا عن الحجج، ولا يسمعون إلى فضول الكلام، ويجوز [العوام وليته كان] الأمر على ما ظنه في هذا، فلم أمن أحداث الطائفة وبأسها. ومن إذا سلك المنهج أعجزه إدراكه، وما هذا إقدام من يعلم أن القول في تحريم الحلال كالخطل في إباحة الحرام. ثم نقول له: أنت رميت أصحاب أبي حنيفة بهذا الكلام والسلف الصالح أردت أنهم لم يبتدعوا في هذا مذهبًا ولا خرجوا قولًا، بل قالوا [بما قال به] أصحاب النبي ﷺ ووجوه التابعين وزهادهم، فظن هذا القائل لعمر وعلي وابن مسعود وعمار بن ياسر وعلقمة والأسود وإبراهيم ﵁ أنهم شربوا الخمر غلطًا في اسمها، حتى إذا استدركه عليهم العلم بالعربية وحقيقة [الاسم والحكم]، وأصحاب وغلطوا ويحسن ظنًا بنفسه وسيء الظن ساعة، إن جرأة
стр. 5889
في الدين، وسوء عادة في العدول عن الحجة إلى السب. سمعت جدي يقول: سأل رجل إبراهيم الحربي في حلقته بجامع المنصور فقال: لنا إمام يشرب النبيذ، فنصلي خلفه، فقال له إبراهيم: أرأيت لو أدركت علقمة والأسود، أكنت تصلي خلفهما؟ قال: نعم. ولم يفهم السائل الجواب. فأعاد السؤال، فقال إبراهيم: قد أجبتك. وهذا كلام رجل يحالف أدبه العلم وقيد لسانه الدين بحرسه من الفجور وحماه من السوق. وهذه الحكاية لولا قبح مخرجها، لم أتشاغل بذكرها والكلام عليها.
стр. 5890
مسألة ١٤٧٥
حد شارب الخمر
٢٩٦٣١ - قال أصحابنا: حد الشارب والسكران ثمانون.
٢٩٦٣٢ - وقال الشافعي: حده أربعون، فإن اقتصر الإمام عليها جاز، وإن ضم إليها أربعين أخرى، [جاز على طريق التعزير].
٢٩٦٣٣ - لنا: ما روى الزهري أن حميد بن عبد الرحمن حدثه أن رجلاً من كلب يقال له: [ابن زمرة] حدثه أن أبا بكر كان يجلد في الشراب أربعين وكان عمر يجلد فيها أربعين. قال: بعثني خالد بن الوليد إلى عمر بن الخطاب، فقدمت عليه، فوجدت عنده عليًا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وهم متكئون في المسجد، قلت: يا أمير المؤمنين، إن خالدًا بعثني إليك. قال: ففيم، قال: إن الناس قد تخافوا العقوبة، وانهمكوا في الخمر، فما ترى في ذلك، قال عم لمن حوله: ما ترون؟ فقال علي: أرى يا أمير المؤمنين ثمانين جلدة. فقبل عمر ذلك. فكان خالد أول من جلد ثمانين، ثم جلد عمر ناسًا بعده.
٢٩٦٣٤ - وروى قتادة عن أنس أنه ﷺ أتي برجل قد شرب الخمر، فأمر به يضرب بجريدتين نحوًا من أربعين، ثم صنع أبو بكر نحو ذلك. فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف: يا أمير المؤمنين، أخف الحدود ثمانون. فقال:
стр. 5891
نعم. فهذا إجماع منهم، فلا تجوز مخالفته. لوم يخالف أحد من الفقهاء بعد ذلك إلا الشافعي.
٢٩٦٣٥ - فإن قيل: قد جلد أبو بكر أربعين، وهذا إجماع متقدم.
٢٩٦٣٦ - قلنا: إنما جلد أبو بكر بجريدتين وبنعلين، فلم يختلف العدد، وإنما اختلف الصفة. على أن المروي عن أبي بكر الفعل، وإنما يصير إجماعًا بانقراض العصر، ولم ينقرض حتى أجمعوا من طريق القول على خلافه.
٢٩٦٣٧ - وروى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ ضرب في الخمر بنعلين أربعين أربعين. فجعل عمر كل نعل سوطًا. وهذا ببين أن العدد لم يختلف، وإنما اجتهدوا في تغيير الصفة.
٢٩٦٣٨ - ولأنه عدد جلد يقدر في حد العبد بنقصانه، فلا يكون حدًا في الحر بنفسه، أصله الخمسون.
٢٩٦٣٩ - ولأن الأربعين جعلت حدًا في العبد بنقصانه إذا الحر يساويه فيه. ولأن كل عدد جاز للإمام أن يستوفيه في الشارب دفعة واحدة، فإنه على وجه الحد كالأربعين. ولأنه سبب واحد، فلا يتعلق به حد وتعزيز كالزنى. ولأن الزنى أغلظ من الشرب، فلم يجز أن يضم إلى حده تعزير، فالشرب أولى. فإن قيل: إن الحد يجب بالشرب، والتعزير بالشرب أو بالهجر.
٢٩٦٤٠ - لم يصح؛ لأن التعليل للشارب إذا لم يسكر ولم يهجر.
٢٩٦٤١ - فإن قيل: من أصلكم أن الحدود لا يجوز إثباتها بالقياس.
٢٩٦٤٢ - قلنا: هذا حد متفق على ثبوته، وإنما اختلفنا في صفته، وصفة الحد يجوز إثباتها عندنا بالقياس.
٢٩٦٤٣ - احتجوا: بما روى الشافعي عن الثقة عن معمر عن الزهري عن عبد
стр. 5892
الرحمن بن أزهر قال: أتي رسول الله ﷺ بشارب، فقال: (اضربوه). فضربوه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب، ثم قال: (بكتوه). فقالوا له: أما خشيت الله، أما استحييت من رسول الله! ثم أرسله. فلما كان أبو بكر سألف من حضر ذلك الضرب، فقومه أربعين، [فضرب في الخمر أربعين] حياته ثم عمر، حتى تتابع الناس في الخمر فاستشار [عمر عليًا] فضربه ثمانين.
٢٩٦٤٤ - قلنا: راوي هذا الخبر لم يضبط العدد الذي أمر ﵇ به، وراوي خبرنا ضبط العدد وأنه كان بنعلين أربعين أربعين أو بسوط له ثمرة. يبين ذلك: أنا أجمعنا أن ضربه على طريق الحد، ولا يجوز أن يكل ﷺ الحدود إلى طريق الاجتهاد، فلابد أن يكون ضرب عددًا مقدرًا، فالرجوع إلى علمه أولى ممن لم يعلمه.
٢٩٦٤٥ - فإن قيل: إذا كان ﷺ ضرب أربعين، فالزيادة عليها بعد ذلك إثبات شرع وذلك لا يجوز، والتعزيز جائز لأنه موكول إلى الأئمة، فعلم أن الزيادة [على أربعين] تعزير.
٢٩٦٤٦ - قلنا: هذا غلط؛ لأن الحدود لا يضم إليها تعزير إلا أن يضم إلى سببها.
٢٩٦٤٧ - ولأن عمر لما استشار الصحابة قالوا له: حد القذف. فجعلوا حكم الجميع واحدًا.
٢٩٦٤٨ - ولأنه أمر خالدًا أن يجلد ثمانين ولم يخيره في بعضها، ولو كانت تعزيرًا لخيره فيه.
٢٩٦٤٩ - ولأن الدلالة دلت أن التعزير لا يبلغ به أربعين.
٢٩٦٥٠ - فإن قيل: إنما لا يبلغ بالتعزير أربعين في شيء واحد، فأما في شيئين فيجوز أن يزاد على الأربعين، وهاهنا التعزير [على زوال] العقل والهذيان.
٢٩٦٥١ - قلنا: لم يثبت ذلك عندكم في الشارب، وإن لم يسكر ولم يهذ.
стр. 5893
٢٩٦٥٢ - احتجوا: بما روي أن الوليد بن عقبة شهد عليه حمران وآخر عند عثمان أنه شرب الخمر، فقال عثمان لعلي: أقم عليه الحد. فقال له الحسن: ول حارها من تولى قارها. فقال علي لعبد الله بن جعفر: أقم عليه الحد. فأخذ السوط بيده وجلده، وعلي بعده، فلما بلغ أربعين، قال علي: حسبك، جلد رسول الله ﷺ أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي.
٢٩٦٥٣ - قلنا: روى شريك عن أبي الحصين عن عمير بن سعيد عن علي قال: ما جلدت أحدًا حدا فمات فوجدت في نفسي منه شيئًا، إلا الخمر فإن رسول الله ﷺ لم يسن شيئًا. وهذا يعارض ما روي عنه ﵇ أنه جلد فيه أربعين.
٢٩٦٥٤ - ولأنه ﷺ جلد بنعلين أربعين أربعين، كما روى أبو سعيد، وجلد أبو بكر أربعين بسوط له ثمرة. ورأى عمر أنه فوق العدد، ثم رأى بعد ذلك أن يجمع العدد، فجلد ابن جعفر الوليد بسوط له شعبتان. وهكذا روى محمد بن علي عن أبيه علي بن الحسين.
٢٩٦٥٥ - فإن قيل: لو كان كذلك لم يختلف فعلهم، ولم يقل ويحملها عمر.
٢٩٦٥٦ - قلنا: بل قد اختلفت الصفة، لأن الضرب بنعلين وبسوط له شعبتان أخف، فغلظ عمر الصفة بتفريق الضرب والعدد بحاله، وهذا موضع للإمام أن يجتهد فيه، فأما الزيادة في القدر فلا اجتهاد. فكيف كانوا يسوغونه لعمر،!
٢٩٦٥٧ - قالوا: فعل يوجب الحد، فوجب أن يختص بعدد لا يشاركه فيه غيره، كالزنى والقذف.
٢٩٦٥٨ - قلنا: يبطل بزنى المحصن وبالسرقة.
٢٩٦٥٩ - فإن قيل: وجب أن يختص بحد لا يشاركه غيره فيه.
٢٩٦٦٠ - قلنا: الردة وقطع الطريق وزنى المحصن كل واحد منها سبب في الحد، وموجب جميعها القتل، فيشترك فيه وإن اختلفت صفته.
стр. 5894
٢٩٦٦١ - ولأن الحدود تختلف مقاديرها، ثم ليس في شيء منها حد يستوي الحر والعبد في عدده. ومعلوم أن حد العبد في القذف أربعون، فلا يكون حدًا في الأحرار.
стр. 5895
مسألة ١٤٧٦
الاضطرار إلى شرب الخمر
٢٩٦٦٢ - [قال أصحابنا]: يجوز للمضطر شرب الخمر.
٢٩٦٦٣ - وقال الشافعي: لا يجوز.
٢٩٦٦٤ - لنا: أن تحريم الخمر في القرآن كتحريم الميتة ولحم الخنزير، ثم كانت الضرورة تبيح بعض ذلك [يبيح بعينه].
٢٩٦٦٥ - ولأن الميتة محرمة مستقذرة، والخمر محرم غير مستقذر، فإذا جاز تناول الميتة عند الضرورة، فالخمر أولى.
٢٩٦٦٦ - ولأن حرمة مال الغير آكد من حرمة الخمر، بدليل أن من أكره على شرب الخمر أو أكل مال الغير، جاز أن يشربها ولا يأكل مال الغير، فالخمر أولى.
٢٩٦٦٧ - فإن قيل: الضرورة تزول بأكل الميتة، ولا تزول بشرب الخمر، لأن الشافعي قال: إنها تزيده عطشًا.
٢٩٦٦٨ - قلنا: نحن نتكلم في إباحتها للضرورة، ولا يعين ذلك في العطشان، بل فيمن غص بطعامه ولم يجد ماء يزيل عصته إلا الخمر.
٢٩٦٦٩ - ثم هذا الذي قاله فاسد؛ لأن من الكفار من يقتصر على شرب الخمر ولا يشرب الماء بحال، ولولا أنها تروي من العطش لم يمكن الاقتصار عليها.
٢٩٦٧٠ - ولأنها إذا كانت تزيل ضرورة العطش في الحال، لم يعتبر جواز أن يعطش في الثاني.
стр. 5896
٢٩٦٧١ - احتجوا: بقول تعالى: ﴿إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلواة فهل أنتم منتهون﴾.
٢٩٦٧٢ - قلنا: العداوة إنما تقع بالسكر، ونحن لا نبيح منها عند الضرورة إلا ما يمسك الرمق دون غيره.
٢٩٦٧٣ - قالوا: روي أنه ﷺ قال: (الخمر داء وليس بدواء).
٢٩٦٧٤ - قلنا: هذا يدل على أن التداوي بها لا يجوز، لأن غيرها من التداوي يقوم مقامها وهي محرمة في واجب التحريم، وكلامنا في الحال التي لا يوجد ما يقوم مقامها.
٢٩٦٧٥ - قالوا: قليلها يدعو إلى كثيرها، والكثير محرم فكذلك ما يدعو إليه.
٢٩٦٧٦ - قلنا: إنما يدعو شرب القليل إلى الكثير إذا شربها طربًا، فأما المضطر الذي يخاف الموت إذا أبحنا له ما يمسك رمقه لم يطرب حتى يدعوه ذلك إلى الكثير.
стр. 5897
مسألة ١٤٧٧
حكم الختان
٢٩٦٧٧ - قال أصحابنا [﵏]: الختان سنة مؤكدة. وأصحابنا بخراسان يقولون: إنه واجب، وليس بفرض.
٢٩٦٧٨ - وقال الشافعي: فرض.
٢٩٦٧٩ - لنا: ما روى أبي المليح عن أبيه عن شداد بن أوس أنه ﷺ قال: (الختان سنة في الرجال، مكرمة في النساء).
٢٩٦٨٠ - فإن قيل: السنة ما وضع ليقتدي به، وهذا موجود في الواجب.
٢٩٦٨١ - قلنا: إطلاق السنة في الشرع يقتضي ما يمدح الإنسان بفعله ولا يذم بتركه، ولهذا يقول الفقهاء: فرض الله كذا وسنته كذا.
٢٩٦٨٢ - فإن قيل: نحمله على ما قبل البلوغ.
٢٩٦٨٣ - قلنا: ذكر أنه سنة في الرجال، ولا يقال: رجل لمن لم يبلغ.
٢٩٦٨٤ - ولأن هذا مما تعم به البلوى به، فكان يجب أن يبين ﷺ بيانًا عامًا
стр. 5898
تشترك فيه الأمة، وفي علمنا أنه ليس فيه نقل مستفيض دلالة على أنه ليس بواجب.
٢٩٦٨٥ - ولأنه لو كان واجبًا، لم يجب أن نتولاه من نفسه كالقطع في السرقة.
٢٩٦٨٦ - ولأنه وضع للتطهر حتى لا تجتمع بقايا البول تحت الغلفة، وما يحصل هناك أقل من قدر الدرهم، وإزالة هذا المقدار من النجاسة قد بينا أنه مستحب وليس بواجب.
٢٩٦٨٧ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم﴾. وهذا يدل على وجوب إتباع إبراهيم ﵇.
٢٩٦٨٨ - قلنا: وكذلك نقول، وليس نعلم أن الله تعالى أمره أن يختتن بلفظ يقتضي الوجوب أو الاستحباب، فاحتاجوا إلى نقل في ذلك.
٢٩٦٨٩ - قالوا: روي أنه ﷺ قال: (ألق عنك شعر الكفر، واختتن).
٢٩٦٩٠ - قلنا: هذا خبر واحد فيما تعم به البلوى، فلا يثبت وجوبه بأخبار الآحاد.
٢٩٦٩١ - ولأنه محمول على الاستحباب، بدلالة أن جمع بينه وبين إزالة الشعر ليس على طريق الوجوب.
٢٩٦٩٢ - قالوا: قطع جزء صحيح من البدن لا يعود بعد قطعه أو يختتن ويألم، فكان واجبًا كقطع السرقة.
٢٩٦٩٣ - قلنا: القطع في السرقة دللنا أنه لما وجب لم يجز لمن وجب عليه أن يستوفيه من نفسه، ولما جاز أن يختتن بنفسه، صار الختان كقطع الطرف من ذاته.
٢٩٦٩٤ - قالوا: كشف العورة لا يجوز، ولأن إدخال الألم على الإنسان محرم، فلولا أن القطع واجب لم يجز أن يقطع، لأن الواجب لا يترك إلا بواجب.
٢٩٦٩٥ - قلنا: هذا باطل بالمراهق؛ فإن ستر عورته واجب ولا يحل لغيره النظر إليها، ثم جاز للختان أن يختنه، وليس الختان واجباً عليه. ويجوز لنا أن ندخل الألم بالختان وليس بواجب [عليه، ويبطل] بكشف العورة للطبيب أن المعالجة ليست بواجبة وإن جاز كشف العورة لأجلها.
стр. 5899
موسوعة
القواعد الفقهية المقارنة
المسماة
التجريد
كتاب صول الفحل
стр. 5900
مسألة ١٤٧٨
صول البهيمة أو المجنون على الآدمي
٢٩٦٩٦ - قال أصحابنا: إذا صالت البهيمة أو المجنون على آدمي فقتلها، ضمن [قيمة البهيمة] ودية المجنون. وروى الفضل بن غانم عن أبي يوسف استقبح أن يضمنه.
٢٩٦٩٧ - وقال الشافعي: لا ضمان عليه.
٢٩٦٩٨ - لنا: أنه أتلف مال الغير من غير سبب من جهة من وقف الحظر عليه، فلزمه ضمانه، كما لو اضطر إلى أكله أو قتله قبل الصول مخافة قتال. ولا يلزم العبد، لأن شطر دمه وقف عليه، بدلالة أنه يحل بفعله إذا ارتد ولا يحل بفعل المولى. ولا يلزم الصيد إذا صال على المحرم، لأنه ليس بمال آدمي.
٢٩٦٩٩ - ولأن سبب الإباحة حد، فمن وقف الحظر عليه هو الله تعالى.
٢٩٧٠٠ - ولا يقال: إن الإباحة في مسألتنا قد وجدت من الله تعالى، لأن الحظر لم يثبت لحقه، وإنما اختص لحق الآدمي. وإباحة الله تعالى فيما يختص حظر بالآدمي لا يسقط الضمان، كإذنه في مال غيره عند الضرورة إليه. ولا يلزم إذا اضطر المحرم إلى أكل لحم الصيد فقتله أنه يضمن، وإن وجد سبب الإباحة كمن حظر لأجله، لأن الإباحة للضرورة، وهو غير مضطر إلى القتل، وإنما اضطر إلى الأكل، والضمان يتعلق بالقتل.
стр. 5901
٢٩٧٠١ - ولأنه إتلاف مال يختص حظره بحق ملك آدمي من غير سبب من جهته ولا من جهة من قام مقامه، فأشبه إذا أتلفه قبل الصول. ولا يلزم إذا أتلف دواب أهل البغي أو أتلف الباغي [دواب أهل العدل]، لأن التحيز سبب وجد من جهة المالك، وهو يسقط الضمان. ولا يلزم، لأنا قلنا: من غير سبب من جهة المالك ولا ممن قام مقامه. وقد وجد من جهة العبد الصول، وهو قائم مقام المولى فيما يسقط الضمان بالقتل.
٢٩٧٠٢ - فإن قيل: إذا لم يقتل والقتل غير مباح.
٢٩٧٠٣ - قلنا: الإباحة لا تؤثر في إسقاط الضمان، بدلالة أن المضطر إلى الأكل أبيح له الإتلاف ويضمن، وقاتل المهجوم بالسيف غير مأذون له في الفعل ولا ضمان عليه.
٢٩٧٠٤ - فإن قيل: الجامع لمعنى في نفسه، ولا يوجد من البهيمة فعل، وفي مسألتنا أتلف لمعنى في البهيمة.
٢٩٧٠٥ - قلنا: التلف [في مسألتنا] لمعنى في القاتل، بدلالة أن البهيمة لو صالت فلم يخف منها، لم يحل له قتلها، ولم يسقط الضمان عنه.
٢٩٧٠٦ - ولأن قصد البهيمة لا يتعلق به شيء من الأحكام المقصودة، بدلالة القصاص والمأثم والضمان، فصار وجود القصد منها وعدمه سواء، ولو قتلها بعد صولها ضمن كذلك بعدها.
٢٩٧٠٧ - ولا يقال: إن صولها أباح قتلها، ولو لم تصل لم يبح [له إتلافه]، لأن المعنى هو خوفه منها، بدلالة أن [....] فخاف أن يسقط عليه، أبيح له إتلافه وإن لم يوجد منه فعل لوجود الخوف في المتلف.
٢٩٧٠٨ - ولأنه أتلف مال غيره من غير أن توجد إباحة آدمي [ولا] ما هو في
стр. 5902
حكم الإباحة، فأشبه ما [ذكرنا. ولا يلزم الصيد، لأنه ليس بمال. ولا يلزم مال الباغى، لأنه وجد] منه ما أجرى مجرى الإباحة وهو التحيز. ولا ضمان مال الآدمي لا يسقط إلا سبب من وقف الحظر على حقه، أصله قبل الصول. ولا يلزم العبد، لأنه وجد سبب وقف حظر القتل عليه وهو العبد.
٢٩٧٠٩ - احتجوا بقوله تعالى: ﴿ما على المحسنين من سبيل﴾.
٢٩٧١٠ - قلنا: أراد به أحكام الآخرة، بدلالة أول الآية وآخرها، قال الله تعالى: ﴿ليس على الضعفاء ولا على المرضى [ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله﴾]. ثم قال: ﴿والله غفور رحيم﴾.
٢٩٧١١ - قالوا: روي أنه ﷺ قال: (لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه). قال: فظاهره أن مال القاتل لا يجب لصاحب الفحل.
٢٩٧١٢ - قلنا: الحق عندنا يثبت في الذمة، وعين ماله لا يحل إلا بالتراضي أو القضاء، فإن تراضيا فقد طابت نفسه، وإن قضى القاضي حل بإجماع، أصله بدفع مباح فصار كالعاقل إذا صال عليه فدفعه فقتله.
٢٩٧١٣ - قلنا: يبطل برجل ركب صيداً وصال على محرم، فقد قتله بدفع مباح، ويجب عليه الضمان بدفع مباح.
٢٩٧١٤ - ولأن الإباحة لا تسقط الضمان، بدلالة المضطر إلى مال غيره، والتمليكات بالعقود كلها أسباب مباحة، والضمان متعلق بها، فعلم أن العاقل إذا صال أسقط الضمان بالإباحة، وإنما هو أن فعله أسقط حرمة دمه، وأفعاله يتعلق بها حكم، وأصله العاقل. والمعنى فيه أن أفعاله مؤثرة في سقوط تقويم دمه، فإذا قصد فقد فعل فعلاً سقط التقويم فهو كردته. والبهيمة [لا يتعلق] بفعلها إسقاط قيمة نفسها، فلذلك لم يسقط بصولها ضمانها.
стр. 5903
٢٩٧١٥ - قالوا: حرمة الفحل بمالكه، ولو صال مالكه سقطت قيمة دمه، فإذا صالت بهيمته أولى.
٢٩٧١٦ - قلنا: لا فرق عندنا بين البهيمة ومالكها، بدليل أن مالك البهيمة إذا كان صبياً أو مجنوناً فصال وجب الضمان على قاتله، وإن كان عاقلاً بالغاً سقط الضمان، لأنه ممن تسقط قيمة نفسه بأفعاله، والمملوك إذا كان بالغاً عاقلاً فهو مثل المالك، والبهيمة لا قصد لها فهي كالمالك المجنون الذي لا قصد له.
٢٩٧١٧ - قالوا: حل قتله بسبب كان منه، [فكان دمه] هدراً كالمرتد.
٢٩٧١٨ - قلنا: المعنى في المرتد أن قصوده تتعلق بها الأحكام، فلهذا سقط قيمة دمه بفعله. والبهيمة لا تتعلق بقصدها الأحكام المقصودة، فلم يجز أن يسقط تقويم دمها بفعلها.
стр. 5904
مسألة ١٤٧٩
اطلاع الرجل على منزل الرجل من ثقب أو خلل
٢٩٧١٩ - [قال أصحابنا]: إذا اطلع رجل إلى منزل رجل من ثقب أو خلل أو باب، قال الطحاوي: ليس عن أصحابنا في هذا نص، وقد ورد الخبر بإباحة فقء عينه، ويجب أن يكون مذهبهم موافقاً للخبر. وقد كان أبو بكر الرازي يقول: الذي يقضيه مذهبهم أنه إذا تمكن من دفعه بما دون فقء عينه لم يجز له فقء عينه، فإن لم يمكن دفعه إلا بذلك فله دفعه بما يندفع به من فقء عينه إذا كثر ذلك منه.
٢٩٧٢٠ - وقال أصحاب الشافعي: إذا اطلع في منزل رجل وهو مكشوف العورة أو عنده حرمة وليس المطلع من ذوي رحمها، فرمى عينه بحصاة أو ببندقة أو طعن عينه بعود خفيف فأعماه، كان هدراً. وقالوا: إن سرى هذا الجرح إلى النفس، لا ضمان فيه.
٢٩٧٢١ - لنا: قوله تعالى: ﴿والعين بالعين﴾. ولم يفصل.
٢٩٧٢٢ - فإن قيل: الخبر أخص، فيقضي على عموم الآية.
٢٩٧٢٣ - قلنا: الخبر محمول على من لا يندفع إلا بذلك، ويدل عليه قوله ﷺ : (كتاب الله القصاص). ولأن الاطلاع في وجه امرأته أبلغ من الاطلاع في بيته، ولو فعل ذلك في الطريق لم يجز قلع عينه، فإذا اطلع في منزله أولى. ولأن هذا الفعل إن كان على وجه الدفع، فيجب أن يترتب بحسب
стр. 5905
الإمكان. وإن كان الإبطال آلة النظر، فيجب أن يأتي على عينيه جميعًا.
فلما كان لو فقأ عينيه جميعًا ضمن إحداهما، كذلك يضمن الأخرى. ولأنه لو قصد قتله، كان له دفعه بأيسر ما يمكن بأن يندفع، وإلا زاد عليه بالاطلاع دون قصد القتل، فأولى أن يترتب الدفع ويدفع بالأدون ثم بما فوقه. ولأنه نظر إلى ما لا يجوز له النظر، فإذا ابتدأ ففقأ عينه، ضمن، كمن اطلع إلى دكان غيره، واطلع على عورته وقد انفرد في غير منزله.
٢٩٧٢٤ - احتجوا: بما روى مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي ﷺ : (من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم وفقئوا عينه، فلا دية ولا قصاص).
٢٩٧٢٥ - قلنا: محمول على أنهم فعلوا ذلك دفعًا له ولم يندفع بغيره، بدلالة الدفع عن القصد المستقر في الأصول فيمن قصد قتل غيره أو أخذ ماله.
٢٩٧٢٦ - قالوا: روي عن سهل بن سعد الساعدي أن رجلًا اطلع في حجرة من حجر النبي ﷺ وكان عنده مدرى يحك به رأسه، فقال: (لو أعلم أنك تنظر لقلعت عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل النظر).
٢٩٧٢٧ - قلنا: يجوز أن يكون هذا من المنافقين والكفار، لأن حرمة النبي ﷺ لا يهتكها مسلم. أو نقول: أخبر أنه يدفعه بذلك، وعندنا إذا فعله على وجه الدفع وغلب على ظنه أنه لا يندفع بما دونه جاز.
٢٩٧٢٨ - ولأن خبر الواحد إذا ورد وهو محتمل أن بيني على الأصول المستقرة، وجب أن يلحق بها ويحمل عليها ولا يحمل على خلافها، وقد استقر حكم الدفع عن النفس
стр. 5906
والمال وهما أعظم من الاطلاع على المنزل، فأولى أن تحمل هذه الأخبار على ذلك.
٢٩٧٢٩ - قالوا: إذا أدخل رجلًا في دار إنسان، كان له دفعها، وإن أبي عليه كذلك عينيه.
٢٩٧٣٠ - قلنا: لا فرق بينهما إذا أدخل رجله، دفعها بالأيسر فإن اندفع به وإلا بما فوقه، كذلك في البصر مثله.
стр. 5907
مسألة ١٤٨٠
إفساد المواشي الزرع
٢٩٧٣١ - قال أصحابنا: إذا أفسدت المواشي زرعًا وليس معها قائد ولا سائق، فلا ضمان على صاحبها [ليلًا ولا نهارًا.
٢٩٧٣٢ - وقال الشافعي: ما أفسدت بالنهار فلا ضمان فيه]. وأما الليل إذا حبسها أو عقلها فانفلتت وأفسدت، فلا ضمان عليه، وإن أرسلها بالليل ولم يردها من مراعيها أو تركها في البرية غير معقلة فهو ضامن لما أفسدت من الزرع. ومنهم من قال: وما أفسدت من غير الزرع. وقالوا في السنانير والكلاب: إذا كان من عادتها الفساد، ضمن صاحبها ما أفسدت ليلًا أو نهارًا. وقالوا في الكلب العقور: إذا خرج من الدار فعض إنساناً، فصاحبه ضامن، فإن دخل دار صاحبه بغير أمره فعقره، فلا ضمان عليه، وإن دخل بأمر صاحب الدار، ففيه قولان بناء على من ناول غيره سما فأكله.
٢٩٧٣٣ - لنا: قوله ﷺ : (العجماء جبار والقليب جبار والمعدن جبار). وهذا ينفي أن يتعلق بفعل البهيمة ضمان.
٢٩٧٣٤ - فإن قيل: روي أنه: (جرح العجماء جبار). وإفساد الزرع ليس بجرح.
٢٩٧٣٥ - قلنا: قوله: (العجماء جبار). يقتضي سقوط الضمان [عن جميع أفعالها.
٢٩٧٣٦ - وقوله: (جرح العجماء جبار). يقتضي سقوط الضمان] عن جرحها، والظاهر أن أصل الخبر العام والخاص من نقل الراوي. ولأنه لم يقر بها من
стр. 5908
موضع، فلم يضمن جنايتها، كما لو كان نهاراً. ولأنه لا يد له عليها، فلم يضمن جنايتها كالنهار. ولأن كل سبب لا يوجب الضمان بالنهار، لا يوجبه بالليل، أصله جناية العبد وجناية الحربي على المسلم. وما يوجب الضمان يستوي فيه الليل والنهار، كما لو قادها أو ساقها. ولأنه ليس بين الليل والنهار فرق، إلا أن أرباب الزرع تركوا حفظه نهارًا، ومن فرط في حفظ ماله، لم يسقط الضمان من متلفه، كمن وضع ماله في الصحراء أو ألقاه في البحر. وإذا بطل أن يسقط الضمان بالتفريط ليستوي الليل والنهار. ولأنه مملوك لا يضمن ما أتلفه نهارًا، فلم يضمن ما أتلفه [ليلاً كالعبد.
٢٩٧٣٧ - فإن قيل: العبد لا يضمن ما أتلفه ويده ثابتة عليه، فلا يضمن ما أتلفه] ولا يد له عليه. وفي البهيمة يضمن ما أتلفت إذا ساقها، كذلك جاز أن يضمن ولم تثبت يده عليها.
٢٩٧٣٨ - قلنا: لو ثبتت يد المولى على العبد على الوجه الذي ثبت على البهيمة يضمن مثل أن يزول اختياره ويدفعه على غيره. ولو تصور في البهيمة أن يكون لها اختيار كالعبد، لم يضمن.
٢٩٧٣٩ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث﴾. قالوا وقد كان سليمان حكم أن تدفع البهائم إلى صاحب الزرع ينتفع بها حتى يصلح زرعه.
٢٩٧٤٠ - قلنا: فهذا حكم غير ثابت في شريعتنا، [ولا يجوز] أن تجعل منفعة البهيمة في مقابلة الفساد، فسقط الاستدلال بالقصة.
٢٩٧٤١ - ولأنه منسوخ بقوله ﷺ : (العجماء جبار)
٢٩٧٤٢ - قالوا: روى الزهري عن حرام بن سعد عن البراء بن عازب أنه قال:
стр. 5909
كان للبراء ناقة ضارية، فدخلت حائط قوم فأفسدت فيه، فكلم رسول الله ﷺ في ذلك، فقضى أن حفظ الحائط على أهله بالنهار، وأن حفظ الماشية على أهلها بالليل، وأن على أهلها ما أصابت بالليل.
٢٩٧٤٣ - الجواب: أن هذا يجوز أن يكون حكم به على شريعة من تقدم، ثم نسخ ذلك في شريعته بقوله: (العجماء جبار).
٢٩٧٤٤ - ولأنه يتضمن أحكامًا تخالف الأصول، منها: الفرق في الضمان بين الليل والنهار، ومنها: أن تفريط المالك في ملكه بالنهار يسقط ضمانه عن متلفه، ومنها: أن جناية المملوك تلزم ملكه. وخبر الواحد إذا تضمن ما يخالف الأصول، لم يقبل.
٢٩٧٤٥ - ولأن قضاءه ﷺ على أرباب الحوائط بحفظها نهاراً وعلى أرباب المواشي بحفظها ليلاً لا يدل على إيجاب الضمان ولا سقوطه، لأن تارك حفظ ماله لا يوجب سقوط الضمان، وترك حفظ الإنسان لدابته لا يوجب ضمان ما يفعله إذا لم تكن يده عليها.
٢٩٧٤٦ - وقوله: وأن على أهلها ما أصابت ليلًا. ليس هذه الزيادة في جميع الأخبار، وقد ذكرها أبو داود، فمخالفنا يقول: ما أصابت إذا كان بتفريط من مالكها. ونحن نقول: ما أصابت إذا ساقها.
٢٩٧٤٧ - فإن قيل: وأي فائدة لتخصيص الليل؟
٢٩٧٤٨ - قلنا: لأن صاحبها إذا ساقها نهاراً وامتنع أرباب الزرع من دخوله، والليل لا يحفظونه فيتمكن من إرسالها.
٢٩٧٤٩ - قالوا: لأنه مفرط في جناية بهيمة، فوجب أن تكون بمنزلة جنايته في حكم الضمان، أصله إذا كان معها.
٢٩٧٥٠ - قلنا: لا نسلم التفريط، لأن العادة أن الغنم تترك ليلًا في الصحراء غير
стр. 5910
مربوطة ولا يحوط عليها وكذلك الإبل في البرية. وأصلهم إذا كان هذا غير مسلم حتى يكون مقرناً لها بالقود أو السوق، وإذا كان كذلك فهو الجاني، لأن البهيمة تسير باختياره وإرادته، فيصير هو الجاني. ولهذا لو أرسل كلبًا على صيد أكل وصار جرحه كجرحه ولو كان الكلب معه فرسل فأخذ صيداً لم يؤكل ولم يجعل فعله كفعله.
стр. 5911
مسألة ١٤٨١
نفح الدابة برجلها أو بذنبها
٢٩٧٥١ - قال أصحابنا: إذا نفحت الدابة برجلها أو بذنبها، لم يضمن ذلك راكبها ولا قائدها، ويضمن سائقها.
٢٩٧٥٢ - وقال الشافعي: يضمن الراكب والقائد الجميع.
٢٩٧٥٣ - لنا: ما روى سعيد بن المسيب عن النبي ﷺ أنه قال: (الرجل جبار). معناه: جناية الرجل. وهو عام، والجبار: الهدر. وروى هذا الخبر عباد ابن العوام عن سفيان عن حسين عن الزهري عن سعيد بن المسيب. ورواه محمد بن يزيد الواسطي عن سفيان بإسناده مثله. وأصل الخبر: (العجماء جبار، والبئر جبار، والرجل جبار). ورواه أحمد بن المقدام عن زياد بن عبد الله البكائي عن الأعمش عن أبي قيس عن هزيل بن شرحبيل عن أبي هريرة عن النبي ﷺ .
٢٩٧٥٤ - قالوا: معناه: الدابة جبار. فكأنه قال: ذو الرجل جبار، كما قال: (لا سبق إلا في خف أو حافز). معناه: في ذي خف أو ذي حافز.
стр. 5912
٢٩٧٥٥ - قلنا: هذا مجاز، ومتى أمكن حمل اللفظ على الحقيقة فهو أولى.
٢٩٧٥٦ - ولأنه ذكر العجماء وأراد به جناية الدابة، فلو حملنا قوله: (الرجل جبار). على الدابة أيضاً، كان حملاً على التكرار، ومتى علق بكل لفظ فائدة فهو أولى.
٢٩٧٥٧ - فإن قيل: نحمله على الدابة المنفلتة، وفائدة تخصيص الرجل أن غالب جناية الدابة برجلها.
٢٩٧٥٨ - قلنا: غالب جناية المنفلته يكون بصدمها، لم يصح ما ذكروه من فائدة التخصيص.
٢٩٧٥٩ - ولأن جناية الرجل لا يمكن للقائد والراكب الاحتراز عنها ولا يمكن المار في الطريق الاحتراز فهو هدر، أصله ما أثارت الدابة بسنابكها من التراب.
٢٩٧٦٠ - ولأن الراكب لا تفريط من جهته فيما أصابت برجلها، فصار كإتلاف الدابة.
٢٩٧٦١ - احتجوا: بأنها جناية بهيمة يد صاحبها عليها، فكانت جنايتها كجنايته، أصله ما أصابت بيدها أو فمها. قالوا: ولأن كل جناية إذا كانت باليد والفم كانت مضمونة إذا كانت بالرجل، فهي مضمونة كجناية العبد وعكسه المنفلتة.
٢٩٧٦٢ - قلنا: قد بينا الفرق بين الجنابتين، وهو أن الراكب والقائد لا يقدر على الحفظ من نفحة الرجل، لأنه لا يرى من وراءه، فتبعد الدابة ويبعده عنها، وما لا طريق إلى الاحتراز عنه هدر كجناية المعدن والبئر وكالمنفلتة.
٢٩٧٦٣ - وأما جناية اليد والفم فهو المشاهد من بين يديه فيقدر على إبعاد الدابة منه أو إبعاده عنها، فإذا أهمل ذلك، [صار مفرطاً فضمن ذلك. ولهذا ضمنا السائق كما شاهد بين يديه فيقدر على] إبعاده أو إبعاد الدابة، فإذا لم يفعله ضمن.
стр. 5913
موسوعة
القواعد الفقهية المقارنة
المسماة
التجريد
كتاب السير
стр. 5914
مسألة ١٤٨٢
دخول العدد الذي لا منعة له في دار الحرب
٢٩٧٦٤ - قال أصحابنا [﵏]: إذا دخل الواحد والاثنان والعدد الذي لا منعة لهم دار الحرب بغير إذن الإمام، لم يخمس ما أخذوه. وإن دخلت جماعة لها منعة بغير إذنه أو بإذنه، يخمس ما أخذوه. وأما إذا دخل العدد القليل بإذن الإمام، فعلى رواية الأصل: يخمس، وروى ابن شجاع عنهم: أنه لا يخمس وهو الصحيح، ولم يحدوا في الجماعة حدًا. وروي عن أبي يوسف أن أقل العدد المنيع تسعة فصاعدًا.
٢٩٧٦٥ - وقال الشافعي ﵀: ما أخذه الواحد يخمس، وكذا ما أخذه اللص.
٢٩٧٦٦ - لنا: أن حقوق الله تعالى المقدرة المتعلقة بالمال لا يجوز إثباتها إلا بتوقيف أو اتفاق كالزكاة، ولم يوجد ذلك فيما أخذه الواحد، فلا يجوز إثباته.
٢٩٧٦٧ - ولأنه مال مأخوذ من كافر بغير مقاتلة، فلا يخمس كالجزية. ولا يلزم إذا دخل الواحد بغير إذن الإمام، لأنا لا نخمس ما أخذه.
٢٩٧٦٨ - ولأنه مباح مأخوذ بغير سبب مقابله، فصار الحطب والحجارة. ولا يقال: الحطب لواحد بالمقاتلة لم يخمس، [لأنه يخمس عندنا].
٢٩٧٦٩ - ولأن العدد اليسير لا يدخلون لإعزاز الدين، وإنما يدخلون لاكتساب المال، فصاروا كالتجار.
٢٩٧٧٠ - ولأنه مأخوذ من دار الحرب بغير ظهر المسلمين، فلا يخمس كالحطب.
стр. 5915
ولا يلزم إذا دخلوا بإذن الإمام على رواية الأصل أن علية نصرتهم، فالمأخوذ بظهر المسلمين، ولا يلزم الجماعة التي لها منعة؛ لأن الإمام لا يجوز أن يقعد عنهم وإن دخلوا بغير أمره، لما في ذلك من الوهن على الإسلام، فما يأخذونه بظهر الجماعة.
٢٩٧٧١ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسة﴾.
٢٩٧٧٢ - قلنا: الغنيمة عند العرب: المال المأخوذ بالقهر والغلبة، وما يأخذه اللص يسمى: سرقة، وما يأخذه الواحد يسمى: خلسة ولا يقال له: غنيمة.
٢٩٧٧٣ - فإن قيل: ما وجد من الجماعة إذا تناوله الاسم، تناوله إذا وجد من الواحد.
٢٩٧٧٤ - قلنا: هذا إثبات اسم بقياس، وهو باطل بالجمعة.
٢٩٧٧٥ - قالوا: كل طائفة لو دخلت دار الحرب بإذن الإمام، خمس ما أخذت، فكذلك إذا دخلت بغير إذنه، أصله الجماعة التي لها منعة.
٢٩٧٧٦ - قلنا: الوصف غير مسلم على الرواية الصحيحة، فإن الواحد إذا دخل بإذن الإمام لا يخمس ما أخذ، وعلى الرواية الأخرى إذا دخل بإذنه لزمه. وجماعة المسلمين نصرته، فصار ما يأخذه بظهرهم يثبت حقهم فيه. وإذا دخله بغير أمره، لم تلزم نصرته؛ لأن مصاب الواحد لا يقدح في المسلمين.
٢٩٧٧٧ - قلنا: لم يأخذ بظهرهم، فلم يثبت حقهم فيما أخذه. أما الجماعة الممتنعة فما يأخذونه بظهر جماعة المسلمين، إذ لا يجوز لهم تركهم والقعود عنهم إن أصيبوا، لما في مصابهم من الوهن على الإسلام، فلذلك يخمس ما أخذوه.
٢٩٧٧٨ - قالوا: كل طائفة إذا كان لها منعة خمست غنيمتها، فكذلك إذا لم يكن لها منعة، أصله إذا كان بإذن الإمام.
٢٩٧٧٩ - قلنا: [قد بينا أن هذا الأصل غير مسلم وإن سلمنا على] الروايتين، قد تكلمنا عليه.
٢٩٧٨٠ - قالوا: كل غنيمة [اشترك فيها المباشر والردء، شاركهم] فيما أهل خمس، أصله غنيمة الطائفة.
стр. 5916
٢٩٧٨١ - قلنا: لا نسلم أن هذا غنيمة [وأن الردء مشارك؛ لأن المال أخذ بظهره وتمكينه، والمسلمون لم يأخذوا هذا المال بظهرهم ولا تمكينهم، فلا يثبت حقهم فيه].
٢٩٧٨٢ - قالوا: كل مال يملكه المسلمون على المشركين بالقهر والغلبة ولم يختص به بعضهم، خمس كسائر الغنائم.
٢٩٧٨٣ - قلنا: باطل بالجزية إذا ظهرنا على بلد فوضعنا الجزية بغير رضاهم، والمعنى في سائر الغنائم ما قدمنا.
стр. 5917
مسألة ١٤٨٣
إذا غلب المسلمون على بهائم أهل الحرب
٢٩٧٨٤ - قال أصحابنا [﵏]: إذا غلب المسلمون على بهائم أهل الحرب فأدركهم الكفار وخافوا أن يستنقذوها من أيدهم، ذبحوها وحرقوها بعد الذبح.
٢٩٧٨٥ - وقال الشافعي ﵀: لا يحل ذبحها.
٢٩٧٨٦ - لنا: أنه مال لأهل الحرب يجوز أكله، فجاز إتلافه.
٢٩٧٨٧ - ولأن الأكل منفعة يختص بها الآكل، وهذا منفعة تعم المسلمين، فإذا جاز الذبح لأقل الفرضين، فلأن يجوز لأعظمها أولى.
٢٩٧٨٨ - ولأن ما جاز إتلافه في حال القتال، جاز إتلافه في غير حال القتال، أصله [ما سوى الميدان. ولا يلزم الصيد؛ لأنه يجوز قتله بعد الأسر.
٢٩٧٨٩ - ولأن ما يجوز في حال القتال، جاز إتلافه في غير حال القتال، أصله] المال. ولا يلزم النساء والصبيان؛ لأنهم يقتلون بعد الأسر إذا كان الصبي أو المرأة ملكًا عليهم، ويجوز في حال القتال إذا قاتلوا.
٢٩٧٩٠ - ولا يقال: في حال القتال يجوز: قتلهم بالعقر، ولا يجوز في غير حال الحرب.
٢٩٧٩١ - لأن هذا كلام في كيفية القتل والتعامل للقتل، ولا يمتنع أن تتساوى الحالتان في القتل وإن اختلفت كيفية القتل، الدليل عليه أنا نحرقهم في حال القتال ونفرقهم ونخوفهم، وبعد أخذهم لا يجوز القتل بالمثلة.
٢٩٧٩٢ - فإن قيل: الأموال لها حرمة بمالكها وقد سقطت بكفره، فجاز إتلافها، والحيوان له حرمة بمالكه وبالله تعالى، ولهذا يحرم عليه ترك النفقة على بهائمه، فإذا أسقطت حرمة المال بالكفر تثبت حرمة الله تعالى.
стр. 5918
٢٩٧٩٣ - قلنا: والمال له حرمة بغير مالكه، بدلالة أنه ﷺ نهى عن إضاعة المال، فلو كانت حرمته بمالكه، لم يحرم عليه إتلافه بغير عوض.
٢٩٧٩٤ - ولأن البهائم حرمتها لحق الله تعالى موجودة.
٢٩٧٩٥ - احتجوا: بما روي عن عبد الله بن عمر أن ﷺ قال: (من قتل عصفورًا فما فوقها، سأله الله عن حقها). قيل: يا رسول الله، وما حقها؟ قال: (أن يذبحها فيأكلها، ولا يقطف رأسها فيرميها).
٢٩٧٩٦ - قلنا: نهي عن القتل والذبح لا يسمى قتلاً على الإطلاق، وعندنا القتل منهي عنه.
٢٩٧٩٧ - ولأنه ذكر الأكل لينبه به على كل ذبح لغرض، ولهذا لم يذكر إتلاف الحيوان حال المحاربة.
٢٩٧٩٨ - قالوا: روي أنه ﷺ نهى عن ذبح الحيوان إلا لمالكه لأكله.
٢٩٧٩٩ - قلنا: ذكر الأكل لينبه به كل غرض صحيح، وكيد الكفار وإلحاق الضرر بهم من أكبر الأغراض وأعظمها.
٢٩٨٠٠ - قالوا: روي أن أبا بكر الصديق قال ليزيد بن أبي سفيان لما بعثه إلى الشام: لا تعقرن شاة ولا بعيرًا إلا لمأكله.
٢٩٨٠١ - قلنا: روي في هذا الخبر أنه نهي عن قطع الشجر، وإن كان يقطع عند الحاجة باتفاق.
٢٩٨٠٢ - ولأنه إباحة للأكل، فصار ذلك تنبيهًا على ما هو مثله في الفرض أو أكبر منه.
٢٩٨٠٣ - قالوا: ذو روح، فلا يحل قتله لمغايظة الكفار قياسًا على صبيانهم ونسائهم.
٢٩٨٠٤ - قلنا: عندنا يذبح لمنفعة المسلمين ودفع الضرر عنهم، فأما المغايظة فلا. والمعنى في النساء والصبيان، أنه لا يستعان بهم في القتال غالبًا، والدواب يستعان بها في القتال.
стр. 5919
مسألة ١٤٨٤
قتل النساء والصبيان والشيوخ الذين لا يقاتلون
٢٩٨٠٥ - قال أصحابنا [﵏]: لا يقتل النساء والصبيان والشيوخ الذين لا يقاتلون ولا رأي لهم في الحرب ولا العميان ولا الزمني ولا أصحاب الصوامع الذين حبسوا أنفسهم فيها لا يخالطون الناس. وهو أحد قولي الشافعي ﵀.
٢٩٨٠٦ - وقال في قول آخر: يقتلون جميعًا إلا النساء والصبيان.
٢٩٨٠٧ - لنا: ما روي عن علي قال: كان نبي الله إذا بعث جيشًا من المسلمين إلى المشركين قال: (انطلقوا باسم الله وفي سبيل الله وعلى ملة رسول الله، لا تقاتلون القوم حتى تحتجوا عليهم). إلى أن قال: (ولا تقتلوا وليدًا طفلًا ولا امرأة ولا شيخًا كبيرًا).
٢٩٨٠٨ - وروى عكرمة عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ إذا بعث جيوشه قال: (اغزوا باسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله، لا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع).
٢٩٨٠٩ - وروي أنه قال حين رأى امرأة مقتولة: (ما كانت هذه لتقاتل). ونهي عن قتل النساء، فجعل العلة في ذلك أنها لا تقاتل، وهذا موجود في الشيخ الكبير.
٢٩٨١٠ - فإن قيل: هذا محمول على أنه ﷺ علم أن المصلحة في ترك قتلهم.
٢٩٨١١ - قلنا: اللفظ عام.
стр. 5920
٢٩٨١٢ - ولأن هذا إنما يكون إذا عرف المأخذ، فأما إذا لم يعرف لم تتبين المصلحة فيه. ويدل عليه وصية أبي بكر ليزيد بن أبي سفيان وعمرو بن العاص وشرحبيل بن حسنة لما بعثهم إلى الشام قال فيها: لا تقتلوا الولدان ولا الشيخ ولا النساء، وستجدون قومًا حبسوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما حبسوا له أنفسهم. وهذا بحضرة الصحابة من غير خلاف.
٢٩٨١٣ - ولأنه ممن لا يستعان به في القتال غالبًا، فلا يقتل بكفره الأصلي كالمرأة.
ولا يلزم المريض والجريح؛ لأنهما من أهل القتال، لكن حصل هناك مانع فهو كالمقاتل إذا حبس أو قيد.
٢٩٨١٤ - ولأن الأعمى لا ينتفع به في الحرب، والنساء ينتفع بهن في سقي الماء وصلاح الطعام ومداواة الجرحى، فإذا لم تقتل النساء، فالأعمى والزمن أولى.
٢٩٨١٥ - ولأن أهل الحرب رجال ونساء، فلما كان في أحد النوعين من لا يجوز قتله لكفره، وجب أن يكون كذلك في النوع الآخر.
٢٩٨١٦ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾.
٢٩٨١٧ - قلنا: هذا يتناول من يحتاج في قتله إلى الحصن وإعمال الحيلة، وذلك لا يحتاج إليه في العميان والزمنى.
٢٩٨١٨ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله﴾.
٢٩٨١٩ - قلنا: المقاتلة تكون بين اثنين، وهؤلاء لا يوجد منهم القتال، فإن وجد جاز قتلهم.
٢٩٨٢٠ - قالوا: روي أن النبي ﷺ قال: (اقتلوا شيوخ المشركين، واستبقوا شرخهم).
٢٩٨٢١ - قلنا: هذا محمول على الشيوخ المقاتلين، ليجمع بينه وبين خبرنا، ولو تعارضا لكان المثبت للحظر أولى.
٢٩٨٢٢ - قالوا: قتل المسلمون يوم حنين دريد بن الصمة وقد أتت عليه مائة
следующие страницы →