Полный текст (6 324 стр.). Показаны 5951–5990 · переход к 5956.
стр. 5951
والصبيان.
٣٠٠٤٤ - وإن قالوا: لم يحظر قتلهم لأنفسهم، لكن لأنهم من المسلمين؛ كان هذا فرقًا بعد النقض.
٣٠٠٤٥ - فإن قيل: سقط تقويم دماء الصبيان تبعًا لآبائهم.
٣٠٠٤٦ - قلنا: سقوط ضمان النفس لا يتبع فيه الوالد، بدلالة أولاد المرتدين.
٣٠٠٤٧ - قالوا: ذكر مكلف محقون الدم.
٣٠٠٤٨ - قلنا: التكليف علم لإباحة الدم إذا صاحب الكفر، فكيف على التقويم؟.
٣٠٠٤٩ - قالوا: كافر أصلى محقون الدم لحرمته، فوجب أن يكون لدمه قيمة، أصله الذمي والمستأمن.
٣٠٠٥٠ - قلنا: لا نسلم أنه محقون الدم لحرمته، وإنما منع من قتله لتجويز إسلامه عند الدعوة، وإن سقط هذا الوصف انتقضت العلة بالصبيان والنساء.
٣٠٠٥١ - قالوا: كافر أصلي محقون الدم من أهل القتال.
٣٠٠٥٢ - قلنا: هذه أوصاف مؤثرة في إيجاب القتل، فلا تجعل علمًا على تقويم الدم، والمعنى في أهل الذمة ما ذكرنا.
٣٠٠٥٣ - قالوا: الإيمان بالنبي ﷺ لا يجب قبل الدعوة، فإذا تركه لم يتوجه عليه فرض الإيمان به، وهو تابع لمن وجه عليه فرضه، فوجب أن يكون قتله مضمونًا، أصله من أسلم ولم يعلم بتحريم الخمر فلم يترك شربها.
٣٠٠٥٤ - قلنا: هذا الذي لم يسمع دعوة النبي ﷺ إن كان غير مؤمن بعيسى أو عابد وثن فهو كافر بنوع من الكفر، فيجب سقوط تقويم دمه كذلك الكفر لا لترك الإيمان بالنبي ﷺ وإن كان على شريعة عيسى فسقوط قيمة دمه ليس للكفر، لكن لأنه لم يحرز دمه بدار الإسلام، كمن بلغته دعوة النبي ﷺ فأسلم ولم يهاجر على أصلنا. والمعنى فيمن لم يعلم بتحريم الخمر أنه لو علم بتحريمها فشربها، لم يسقط تقويم دمه، كذلك إذا شربها قبل العلم بتحريمها.
стр. 5952
مسألة ١٤٩٧
الفرقة بين الزوجين إذا سبيا معا
٣٠٠٥٥ - قال أصحابنا [﵏]: إذا شبي الزوجان معًا، لم تقع الفرقة بينهما.
٣٠٠٥٦ - وقال الشافعي ﵀: تقع الفرقة. وإذا سبي المملوكان كان فيه وجهان، أحدهما: لا تقع الفرقة. قالوا: والصحيح أن الفرقة تقع.
٣٠٠٥٧ - لنا: أن السبي معنى يجوز أن يبتدئ عقد النكاح عقيبه، فلا ينفي البقاء على النكاح، أصله إذا بيعا. ولا يلزم إذا سبي أحدهما؛ لأن النكاح لا يصح عقيب سبي مع اختلاف الدار. ولا يلزم الخلع؛ لأنه يجوز أن يبتدئ العقد عليه، وينافي النكاح؛ لأنه قد لا يجوز العقد عقيبه إذا نوى بالخلع الثلاث عندنا، وإذا خالعها بعد أن طلقها تطليقتين.
٣٠٠٥٨ - ولأن الاسترقاق حق تعلق بالرقبة، فوجب التصرف يها.
٣٠٠٥٩ - ولأن الاسترقاق يزيل الملك على من لا يصح أن يملكه مع الرق كالأموال والولاية على الولد، فأما ما يجوز أن يملك حال ارق بالاسترقاق لا يزيل ملكه عنه، لجواز الإقرار بالحدود والقصاص.
٣٠٠٦٠ - ولأن مخالفنا إن قال: إن الفرقة لا تقع استرقاق العبدين.
٣٠٠٦١ - قلنا: إن سبي الزوجين معًا لا تقع به فرقة، أصله سبي العبدين.
٣٠٠٦٢ - [ولأن كل حكم لا يتعلق بسبي العبدين]، لا يتعلق بسبي الحرين، أصله: جواز المثلة وعكسه التملك.
стр. 5953
٣٠٠٦٣ - وإن قالوا: إن الفرقة تقع.
٣٠٠٦٤ - بطل قولهم: إن علة الفرع حدوث الرق؛ لأن السبي المملوكين لا يحدث الرقبة وقد أوقع الفرقة.
٣٠٠٦٥ - فإن قيل: الرق في ملك الحربي غير مستقر؛ لأن العبد لو غلب على مولاه وحمله إلى دار الإسلام، صار عبدًا له، وإذا سبي استقر فيه الرق.
٣٠٠٦٦ - قلنا: فعلة الشافعي في الفرقة حدوث الرق لا استقراره.
٣٠٠٦٧ - ولأن رق عبد الحربي مستقر، لكن أملاكه غير مستقرة، فيجوز أن يزول ملكه عنها بالغلبة، ألا ترى أن أمواله كلها الملكية فيها مستقرة، وإن كان ملكه لها غير مستقرة؟ فالملك معنى غير المملوك.
٣٠٠٦٨ - فإن قيل: إذا طرأ السبي وهو سبب الاسترقاق على مملوك، فقد طرأ استرقاقه وصار متعلقًا بالسبب الأول والثاني، كمن زنى ثم زنى كل واحد من الوطأتين يوجب الحد كما لو تكرر المعجز ثبت النبوة بكل واحد من المعجزين.
٣٠٠٦٩ - قلنا: هذا غلط؛ لأن الاسترقاق هو طرآن الرق على الحرية، وهذا لا يوجد في سبي المملوك فسبب وجد غير مثبت للسبب.
٣٠٠٧٠ - ولا يقال: حدث الرق، وأما الزنى بعد الزنى فكل واحد [من الفعلين] أوجب حدًا كالآخر، بدلالة أن الفعل الأول لو طرأت فيه شبهة حد باتفاق، لكن الشريعة أسقطت أحد الحدين بعد وجوبه.
٣٠٠٧١ - فأما المعجز الثاني فحدوث العلم بالنبوة لا يتعلق به، فمن عرف المعجز الأول كما أن الثاني في مسألتنا لم يحدث الرق، فلا فرق بينهما.
٣٠٠٧٢ - ولأن المسلم إذا دخل دار الحرب فتزوج حربية، ثم سبيت وهو معها فخرجا جميعًا لا يجوز أن تقع الفرقة؛ لأن استباحة ملك المسلم وهو في يده، فلا يزول ملكه عنه بالغلبة كسائر أمواله.
٣٠٠٧٣ - فإن قال مخالفنا: إن الفرقة تقع.
٣٠٠٧٤ - بطل قوله بما ذكرنا.
стр. 5954
٣٠٠٧٥ - وإن قال: إنها لا تقع.
٣٠٠٧٦ - فقد حدث الرق فيها غير موجب للفرقة.
٣٠٠٧٧ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء إلا ما ملكت إيمانكم﴾. قالوا: والمراد بالمحصنات ذوات الأزواج، فتقدير الآية: حرمت عليكم ذوات الأزواج إلا ما ملكتموهن بسبي، فإنه مباح.
٣٠٠٧٨ - قلنا: المستثنى يجب أن يخالف المستثنى منه في وجه، فأما في كل وجه فلا. إذا كان كذلك اقتضت الآية القطع بتحريم ذوات الأزواج، وما سبي منهن لا يقطع بتحريمهن بل يقف حكمهن على الدليل، ولهذا لا تحل المسبية لذوي أرحامها ومن بينه وبينها رضاع.
٣٠٠٧٩ - [ولأن ذات] الزوج لا تحل بملك اليمين، إلا إذا وقعت الفرقة بالسبي، فكأنه قال: وذوات الأزواج إلا ما فارقن أزواجهن بالسبي. وقد اختلفنا في هذه: هل فارقت زوجها بالسبي أو لا، فلم تدخل في الآية.
٣٠٠٨٠ - فإن قيل: قال الله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذالكم﴾. فاقتضى ذلك إباحة من سوى المحرمات.
٣٠٠٨١ - قلنا: بل اقتضى إباحة من سوى المذكورات، فكأنه تعالى قال: من قطع بتحريمه ومن لم يقطع بتحريمه ولا إباحته وهن المسبيات. ثم ذكر من يقطع بإباحته وهن من وراء المذكورات من الفريقين المقطوع بتحريمهن ومن لا يقطع بتحريمه.
٣٠٠٨٢ - قالوا: روى أبو سعيد الخدري أن الآية نزلت في سبايا أوطاس لما أخذ النساء مع أزواجهن.
٣٠٠٨٣ - قلنا: النساء أخذن يوم أوطاس قبل الظفر بالرجال، ثم ظفر بالرجال بعد ذلك لأنهم انهزموا وتركوا الحريم، فغلب عليه. ومتى أخذت النساء وحصلت في
стр. 5955
عسكر المسلمين وذلك الموضع مغلوب عليه، فقد صار دار إسلام، وموضع الرجال دار الحرب، فوقعت الفرقة باختلاف الدارين.
٣٠٠٨٤ - قالوا: شخص طرأ عليه رق، فوجب أن ينفسخ نكاحه، أصله: إذا سبي وحده.
٣٠٠٨٥ - قلنا: إذا سبي أحدهما انقطع التوارث بينه وبين الآخر مع الحرية واتفاق الدين وعدم القتل، فدل ذلك على زوال النكاح، وإذا سبيا جاز أن يتوارثا مع الحرية، فلم ينقطع النكاح.
٣٠٠٨٦ - قاولا: الاسترقاق يزيل ملكه عن ماله بغير اختياره، فوجب أن يزيل ملكه عن زوجته، أصله: الموت.
٣٠٠٨٧ - قلنا: الموت يمنع ابتداء التمليك فجاز أن يمنع البقاء، والسبي لا يمنع ابتداء تملك البضع عقيبه فلم يمنع البقاء.
٣٠٠٨٨ - قالوا: الاستجابة ملك للزوج، فوجب أن يزول ملك المالك كالأموال.
٣٠٠٨٩ - قلنا: الرق ينافي ابتداء تملك ينافي البقاء، ولا ينافي ابتداء التمليك بعده فلم ينفي المنفي.
٣٠٠٩٠ - قالوا: عقد يقصد به المنافع كالإجارة.
٣٠٠٩١ - قلنا: الإجارة يتعذر فيها التسليم بالسبي وتبطل الإجارة بذلك، والنكاح لا يبطل بتعذر التسليم، فلذلك لم ينفسخ بالاسترقاق.
стр. 5956
مسألة ١٤٩٨
إذا دخل المسلمان دار الحرب فقتل أحدهما الآخر
٣٠٠٩٢ - قال أصحابنا [﵀]: إذا دخل المسلمان دار الحرب فقتل أحدهما الآخر في غير عسكر الإمام، فعليه الدية ولا قود عليه، وإن زنى لم يجب عليه الحد وإن خرج إلى دار الإسلام، وكذلك إن سرق أحدهما من الآخر لم يقطع.
٣٠٠٩٣ - وقال الشافعي ﵀: يجب الحد والقصاص.
٣٠٠٩٤ - لنا: أن الدار دار إباحة الدماء، وسبب الإباحة متى قارن ما سقط بالشبهة أثر فيه، كالوطء في الجارية المشتركة.
٣٠٠٩٥ - ولأنه مقتول في دار الحرب في غير عسكر الإمام، فلم يجب بقتله القصاص، كالذمي إذا قلته مسلم.
٣٠٠٩٦ - وأما الحد: لأنه زنى في مكان لا يد للإمام فيه، فأشبه الحربي أو زنى في دار الحرب.
٣٠٠٩٧ - فإن قيل: الحربي لا يحد وإن زنى في دار الإسلام.
٣٠٠٩٨ - قلنا: لأنه لا يد للإمام عليه حكمًا، بدليل أنه أخذ الأمان ليترك في حقوق الله تعالى على حكم داره.
٣٠٠٩٩ - ولأن الإمام لا يمكنه إقامة الحد عليه عقيب هذا الوطء، فإن علم به لم يملك إقامته في الثاني كالوطء بالشبهة.
٣٠١٠٠ - ولأنه زنى في دار الحرب في غير عسكر الإمام، فلم يقم الإمام عليه الحد كالحربي إذا خرج إلينا.
стр. 5957
٣٠١٠١ - فأما الظواهر التي تدل على القصاص: فقد أريد بجميعها العمد إذا عري من الشبهة، ونحن لا نسلم ذلك فيما وقع في دار الحرب.
٣٠١٠٢ - وكذلك الظواهر الدالة على إيجاب الحدود.
٣٠١٠٣ - وقد أريد با الأفعال العرية عن الشبهة، وعدم ثبوت يد الإمام شبهة عندنا.
٣٠١٠٤ - قالوا: دار يحرم فيها الزنى، فوجب [فيها حد الزنى، أصله: دار الإسلام، ولأنها دار تجب فيها العبادات لأوقاتها، فوجب] أن تجب فيها الحدود بوجود أسبابها. وكل دار وجبت فيها قيم المتلفات، وجب فيها الحدود. وكل حق وجب في دار الإسلام، وجب في دار الحرب كقيم المتلفات.
٣٠١٠٥ - قلنا: نقول بموجبه؛ لأن عندنا يجب في دار الحرب في عسكر الإمام. أو نقول: يجب الحد بالزنى، وتعذر استيفاؤه لعدم ثبوت يد الإمام عند الفعل.
٣٠١٠٦ - ولأن قيم المتلفات والعبادات لا تؤثر الشبهة في إيجابها، وعدم حرمان الأحكام في دار الحرب أكثر أحواله أن يكون شبهة، والحدود تؤثر الشبهة في وجوبها، فوجب أن يكون عدم جريان الأحكام شبهة فيها.
٣٠١٠٧ - قالوا: وجوب الحدود يتعلق بالأفعال ولا يتعلق بالإمام، وإنما جعل استيفاؤها إلى الإمام والمستوفي لا يعتبر من على موضوع الوجوب، بدلالة حقوق الآدميين.
٣٠١٠٨ - قلنا: الحقوق متعلقة بالأفعال العارية عن الشبهة، فوجود الفعل مع الشبهة لا يتعلق به وجوب، فكان على مخالفنا أن يبين أن الأفعال العارية عن الشبهة وجدت.
٣٠١٠٩ - فأما قوله: إن عدم يد المستوفي لا يمنع الوجوب؛ فغلط؛ لأن الحدود لا يجوز أن يستوفيها غير الإمام، وثبوتها عند الإمام فعلها لا يمكن، فأثر ذلك فيها كما تؤثر سائر الشبه. فأما حقوق الآدميين فلا تؤثر الشبه فيها، فعدم يد المستوفي لا تؤثر في ذلك.
стр. 5958
مسألة ١٤٩٩
إذا غلب أهل الحرب على أموالنا
٣٠١١٠ - قال أصحابنا [﵏]: إذا غلب أهل الحرب على أموالنا التي يملكها بعضنا على بعض بالعقود، فما يحرزوها بدارهم ملكوها.
٣٠١١١ - وقال الشافعي ﵀: لا يملكونها.
٣٠١١٢ - لنا: قوله تعالى: ﴿للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم﴾. فسماهم الفقراء، وأخبر انه كان لهم ديار وأموال، فلولا أن ملكهم زال عنها لم يسموا فقراء.
٣٠١١٣ - فإن قيل: عندكم رباع ملكه [لا يملك].
٣٠١١٤ - قلنا: روى الحسن عن أبي حنيفة أنها تملك.
٣٠١١٥ - ولأن الأعنة تملك عندنا.
٣٠١١٦ - فإن قيل: أضاف ذلك إليهم.
٣٠١١٧ - قلنا: أضافه إليهم حال إخراجهم، وعندنا أنهم لم يملكوها عند الإخراج.
٣٠١١٨ - قالوا: سماهم فقراء، لأنهم لا يتوصلون إلى الانتفاع بها.
٣٠١١٩ - قلنا: لو كان كذلك لسماهم أبناء السبيل، كما من هذه حاله في آية الصدقات وعطفه على الفقراء وحكم العطف غير حكم المعطوف عليه. وقال النبي ﷺ : (لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة). وذكر فيها الغازي وابن السبيل، فدل أنه سمي غنيًا.
стр. 5959
٣٠١٢١ - فإن قيل: هو فقير في عادة أهل اللغة، لأنهم يقولون لمن وقع ماله في البحر، افتقر، ولمن أخذ السلطان ماله: أفقره.
٣٠١٢٢ - قلنا: هذه العادة لا تعرفها العرب، فلا يقابل بها الكتاب والسنة.
٣٠١٢٣ - قالوا: إنما سماهم فقرا؛ لأنهم أعرضوا عن أموالهم.
٣٠١٢٤ - قلنا: قال الله تعالى: ﴿الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم﴾. فدل على أنهم لم يعرضوا وإن أقهروا وغلبوا.
٣٠١٢٥ - فإن قيل: إن هذه الآية نزلت قبل إباحة القتال، فكيف يملك بالقهر؟.
٣٠١٢٦ - قلنا: هذا سؤال على القرآن، والرجوع إلى ما دل عليه القرآن أولى، على أن عندنا أنه ﷺ لما استقر في دار الهجرة، تميزت الداران وانفردت كل واحدة من الدارين حكمًا، ويدل عليه [ما روي] أن النبي ﷺ قيل له لما دخل مكة: هلا نزلت دارك؟ فقال: (وهل ترك لنا عقيل من ربع؟) وقد كان باع دار النبي ﷺ ، فدل أنها تملك؟
٣٠١٢٧ - فإن قيل: كان نقضها وخربها.
٣٠١٢٨ - قلنا: لو كان كذلك لم يعرض عليه النزول فيها، فدل أنها لم تخرب إذا كانت تصلح للنزول.
٣٠١٢٩ - فإن قيل: عندكم أنها لا تملك.
٣٠١٣٠ - قلنا: قد بينا أن الحسن روى عن أبي حنيفة أنها تملك.
٣٠١٣١ - وعلى الرواية الأخرى يجوز بيع الأبنية، فلم يزل ﷺ فيبطله ملك غيره.
٣٠١٣٢ - فإن قيل: لم يكن ﷺ نزل، وإنما كان ينزل في دار أبي طالب، فلما مات أبو طالب ورثه عقيل دون جعفر وعلي؛ لأنهما كانا مسلمين فباعهما بالإرث.
٣٠١٣٣ - قلنا: لو كان باع ملك نفسه لم يلم على ذلك، فظاهر قوله: (وهل
стр. 5960
ترك لنا عقيل من ربع؟) ذم له.
٣٠١٣٤ - ولأنهم أضافوا الدار إلى النبي ﷺ ، وظاهر الإضافة الملك.
٣٠١٣٥ - قلنا: السكنى فلا تقتضي الإضافة عند مخالفنا؛ لأنه قال: إذا حلف لا يدخل دار فلان فدخل دارًا استأجرها، لم يحنث. فأما على قولنا فلو كانت إضافة سكنى؛ لم يجز أن يطلق مع زوال السكنى.
٣٠١٣٦ - فإن قيل: قد أضاف إضافة الملك، وإن كان قد زال الملك.
٣٠١٣٧ - قلنا: لأن المضيف لم يعلم أن الكافر يملك بالغلب فأضاف على اعتقاده في بقاء الملك، فبين له ﷺ خلاف ما اعتقده، فأما إضافة السكنى مع زوال السكنى مشاهدة فلا تصح.
٣٠١٣٨ - ويدل عليه ما روي عنه ﷺ أنه قال: (من أسلم على مال فهو له). ظاهر يقتضي أنه إذا أسلم وفي يده غنمه من المسلمين يكون له، وما روى أبو يوسف عن الحسن بن عمارة عن عبد الملك بن ميسرة عن طاووس عن ابن عباس أن رجلاً وجد بعيرًا له [قال المسلمون] أصابوه، فقال ﷺ (إن أصبته قبل أن يقسم فهو ذلك، وإن أصبته بعدما قسم تأخذه بالقيمة). ففرق ﷺ بين الحالتين، فلولا أنه يملك لكان له في الحالتين بغير شيء.
٣٠١٣٩ - قالوا: الحسن بن عمارة طعن عليه الحفاظ وقالوا: إنه قليل الضبط.
٣٠١٤٠ - قلنا: هذا حديث تابعه عليه مسعر بن كدام ذكره صالح بن أحمد في الكتاب الذي سمعه هو وأبوه من علي بن المديني. قال علي بن المديني: سمعت ييى ابن سعيد القطان يقول: حدثنا الحسن بن عمارة عن عبد الملك بن ميسرة عن طاووس
стр. 5961
عن ابن عباس، عن النبي ﷺ . [وذكر الحديث. قال علي: وسألته: مسعر بن كدام. فقال: هو من حديث عبد الملك] ولكني لا أحفظه فهذا يحيى بن سعيد القطاع وحاله في التيقظ والتحفظ معروفة، أخذ هذا الحديث عن الحسن بن عمارة وصححه مسعر ورواه علي بن المديني وأحمد بن حنبل عن مسلم، وحسبك بهذه الطبقة علمًا بالحديث.
٣٠١٤١ - فإن قيل: فلو كان أهل الحرب ملكوا ذلك لم [يستوفى] وجوده قبل القسمة وبعدها.
٣٠١٤٢ - قلنا: هذا اعتراض على النص، والرجوع إلى النص أولى.
٣٠١٤٣ - على أن الفرق ظاهر؛ لأن الغنيمة قبل القسمة على حكم ملك أهل الحرب، وما ملك بغير عوض فما دام على حكم ملكه يثبت حق مالكه الأول فيه كالرجوع في الهبة، فإذا قسمت الغنيمة فلم تبق لملك الحربي أثر وتجدد ملك مع رفع ذلك في سهمه فصار كالهبة إذا زال ملك الموهوبة عنها سقط الرجوع، فأثبت ﷺ الرجوع بعوض كما أثبت للشفيع.
٣٠١٤٤ - فإن قيل: إنه ﷺ أثبت لصاحبه بعد القسمة وكذلك نقول؛ لأنه يستحق بعد القسمة فيرد على صاحبه ويدفع الإمام القيمة من بيت المال حتى لا يفسخ القسمة فيضر بالمسلمين، فقد اتفقنا على أخذ المال بالقيمة إلا أنا اختلفنا في القيمة لم يلزم.
٣٠١٤٥ - قلنا: ظاهر قوله: (تأخذه بالقيمة). يلزمه كما يقال: إن المبتاع يأخذ المبيع بالثمن. فيفهم منه من يلزمه، ألا ترى أن المستحق يأخذ ما استحقه من يد المشتري من الغاصب ويرجع المشتري على الغاصب بالثمن، ثم لا يصح أن يقال: أخذها المستحق بالثمن. ولو كان الأمر على ما قاله المخالف، لا شتبه الأمر، وكان ﷺ لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة.
стр. 5962
٣٠١٤٦ - ولأنه ﷺ ... أصحب القيمة؛ فدل على أن حق الأخذ ثبت بها ولم يتقدم عليها كما تقول: أعطيت هذا أو ذاك. وعند مخالفنا حق الأخذ سابق لوجوب القمة. على أنه قد روي في خبر آخر ما يؤيد الخبر الأول ويسقط هذا التأويل. روى سفيان الثوري عن سماك بن حرب عن تميم بن طرفة: أن رجلًا أصاب له العدو بعيرًا فاشتراه منهم رجل، فجاء به فعرفه صاحبه، فخاصمه إلى النبي ﷺ فقال: (إن شئت أعطيته ثمنه الذي اشتراه به وهو لك، وإلا فهو له). وكذلك رواه حماد ابن زيد عن سماك بن حرب. فهذا يدل على تملكهم، وإيجاب الثمن لا يمكن تأويله على وجوبه في بيت المال حتى لا تفسخ القسمة، فصار إيجاب الثمن في هذا الخبر على المالك يدل على أن القيمة في الخبر الأول وجبت على المالك.
٣٠١٤٧ - ويدل عليه: إجمال السلف، ذكر محمد في السير الكبير عن أبي بكر وعمر وأبي عبيدة وزيد بن ثابت وابن عمر أن أهل الحرب يملكون على المسلمين بالسبي إلا أنهم اختلفوا، فقال أبو بكر الصديق، لا يعود حق المالك الأول أبدًا إلا بتمليك يرضي من ملك عليهم. وهو قول الحسن والزهري.
٣٠١٤٨ - وروى جابر عن حيوة عن قبيصة بن ذؤيب أن عمر بن الخطاب قال فيما أحرز المشركون فأخذه المسلمون فعرفه صاحبه، قال: إن أدرك قبل القسمة فهو له، وإن جرت فيه السهام فلا شيء له. وعن أبي عبيدة مثله. وذكر
стр. 5963
سليمان ابن يسار عن زيد بن ثابت مثله.
٣٠١٤٨ - وروى حماد بن سلمة عن قتادة عن خلاس أن علي بن أبي طالب قال: ما أحرزه العدو فهو جائز. وعن شريح مثله. ولا يعرف لهم مخالف.
٣٠١٤٩ - ولأن كل طائفتين يملك أحدهما على الأخرى بالقهر والغلبة، فإن الآخر يملك على صاحبه بذلك أيضًا، أصله: الترك والروم وعكسه أهل البغي والعدل.
٣٠١٥٠ - فإن نازعوا في هذا الأصل، دللنا عليه بما روي أن المغيرة بن شعبة خرج مع قوم من المشركين إلى النبي ﷺ ثم إنه استفزهم في بعض الطريق وقتلهم وأخذ مالهم، فجاء به إلى النبي ﷺ فقال ﷺ : (أما إسلامك فمقبول، وأما المال فمال غدر لا حق لك فيه). ولم يأمره برده على ورثتهم، فدل على أنه قد ملكه ملكًا محظورًا، ويدل عليه قوله ﷺ : (من أسلم على مال فهو له).
٣٠١٥١ - ولأنه حربي يملك ماله عليه بالغلبة في داره، أصله: إذ غلب عليه المسلم. وإذا ثبت هذا الأصل صح القياس عليه.
٣٠١٥٢ - ولأن سبب الملك يعود إلى فعل آدمي، فجاز أن يملك به على المسلم كالشراء. ولا يلزم الإرث؛ لأنه يعود إلى فعل الله تعالى.
٣٠١٥٣ - ولأن هذا آكد من البيع؛ لأنه يملك به الأجزاء ويملك به من غير تراضٍ، فلما جاز أن يملك الكافر بالشراء فبالقهر أولى.
٣٠١٥٤ - ولأن وجوب الرد والضمان بالتلف، وكل واحد منهما معنى يتعلق بأخذ المال، فإذا لم يجب الضمان بأخذ الحربي عند التلف كذلك الرد والضمان. ولا يلزم أخذ الدين؛ لأنه ليس بمال. ولا يلزم الباغي؛ لأنه لا يلزمه الضمان بالتلف ويلزمه رد العين؛ عندنا يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى.
٣٠١٥٥ - ولأنه مال مأخوذ على طريق القهر والغلبة، فجاز أن يتعلق به الملك،
стр. 5964
أصله ما أخذه المسلمون منهم. ولا يلزم ما أخذه البغاة.
٣٠١٥٧ - ولأن التعليل لأخذ مال المسلم في الجملة، فلا يلزمنا أعيان المواضع.
٣٠١٥٨ - قالوا: المعنى فيما أخذه المسلمون بالغلبة أنه أخذ بقهر مباحٍ، وليس كذلك ما يأخذونه منا لأنه أخذ محظور.
٣٠١٥٩ - قلنا: السبب المحظور يجوز أن يساوي المباح في وقوع المال، بدليل البيع الفاسد على أصلنا، وعلى الأصلين الأب إذا استولد جارية ابنه انتقلت الجارية إليه مع تعلق الحظر بالسبب، وكذلك المسلم إذا دخل دار الحرب بأمان فأخذ مالهم.
٣٠١٦٠ - قالوا: لما جاز أن يملك المسلم بالغلبة أحرارهم وأمهات أولادهم، فكذلك لا يملكون أموالنا.
٣٠١٦١ - قلنا: لا فرق بينهما، لأنا نملك عليهم بالقهر كما نملك عليهم بالعقود، وأحرارهم وأمهات أولادهم نملك عليهم بالعقود فكذلك بالغلبة. [ولما لم تملك أحرارنا وأمهات أولادنا علينا بالعقود فكذلك لا تملك بالغلبة].
٣٠١٦٢ - قالوا: المعنى في العقود أنه يجوز أن يملك بها بعضنا على بعض، فجاز أن يملكوا بها علينا، والغلبة لا يملك بها بعضنا على بعض كذلك لا يملكون علينا.
٣٠١٦٣ - قلنا: علة الأصل تبطل بالإرث؛ لأن بعضنا يملك به على بعض ولا يملكون به علينا، وعلة الفرع لا تصح؛ لأن بعضنا لا يملك على بعض بالغلبة، ثم يجوز أن يملك بعضهم على بعض بها، كذلك يجوز أن يملك على بعضنا بالغلبة ويملكون علينا.
٣٠١٦٤ - قالوا: أهل الحرب لو أبق إليهم عبيدنا لا يملكون، كذلك أموالنا، ولما ملكنا عبيدهم إذا أبقوا إلينا جاز أن نملك أموالهم.
٣٠١٦٥ - قلنا: عندنا يملكونهم إذا أخذوهم من أيدينا؛ لأن أيدينا يتعلق بها التمليك، فأما عبيدهم إذا أبقوا إلينا زالت أيدي الموالي عنهم فأخذناهم من أيدي أنفسهم وعندهم نملك عليهم ما في أيديهم من المال بالعقود كذلك بالغلبة.
стр. 5965
٣٠١٦٦ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم﴾. فمن على المسلمين بذلك، ولو كان الكفار يملكون مثلهم لبطل الامتنان.
٣٠١٦٧ - قلنا: هذا خطاب لأصحاب النبي ﷺ ، فموضع الامتنان أنه وجد تمكينهم من ديارهم وأموالهم، ولا تمكن الكفار من أموالهم وديارهم، وإن كان لو مكنهم لملكوها. ويجوز أن يقال: إنه من علينا بذلك؛ لأنه يحصل لنا من وجه مباح ولا يحصل لهم مثله من وجه مباح، فهذا وجه الامتنان.
٣٠١٦٨ - احتجوا: بحديث عمران بن الحصين: سبيت امرأة من الأنصار، وكانت ناقة النبي ﷺ قد أصيبت مثلها، فأفلتت ذات ليلة من الكفار ومن وثاقهم، فجعلت كلما أتت بعيرًا فمسته رغا فتركته حتى أتت الناقة فمستها فلم ترغ، فقعدت على عجزها ثم صاحت بها فانطلقت، فطلبت من ليلتها، فلم يقدر عليها، فجعلت لله عليها إن أجارها الله تعالى لتنحرنها، فقالوا: والله، لا تنحرها حتى يأذن رسول الله ﷺ . فأتوه فأخبروه، فقال: (بئس ما جازيتها، لا وفاء لنذر في معصية، ولا نذر فيما لا يملكه ابن آدم). وأخذ ناقته.
٣٠١٦٩ - فقالوا: فلو كانوا ملكوها لملكتها الأنصارية عليهم وصح نذرها فيها، فلما لم يصح؛ علم أنها لم تملكها.
٣٠١٧٠ - قلنا: إن عندنا يملكون بالغلبة والحيازة إلى دارهم، وليس معنى أنهم بلغوا بالسرح إلى دارهم. وحكاية الفعل إذا احتملت سقطت، والظاهر هذا، لأنهم لو حصلوا في دارهم لتعذر على المرأة النجاة منهم.
٣٠١٧١ - قالوا: في الخبر: (فأحرزوها).
٣٠١٧٢ - قلنا: إن ثبت هذا، جاز أن يكون إلى عسكرهم وموضع نزولهم.
٣٠١٧٣ - قالوا: روي: أنهم كانوا يسرحونها في السرح.
٣٠١٧٤ - قلنا: هذا يكون في موضع النزول.
٣٠١٧٥ - قالوا: لو كان الحكم يختلف لسألها.
стр. 5966
٣٠١٧٦ - قلنا: إذا عرف حد دار الإسلام على الموضع الذي بلغوا تقدر المدة فلا يحتاج إلى المسألة، ولو ثبت أنهم أحرزوها فإنما بطل نذرها؛ لأنها نذرت في دار الحرب، وإنما ملكت لأنها تملك بالحيازة إلى دار الإسلام، فنذرها في غير ملك ولا مضاف إلى ملك فلم يلزم الوفاء به.
٣٠١٧٧ - فإن قيل: لو كان كذلك، لكانت قد ملكتها وكان ﷺ لا يأخذها منها بغير قيمتها، فلما روي أنه أخذها ولم يذكر دفع القيمة دل على أنها لم تملك.
٣٠١٧٨ - قلنا: لم ينقل في هذا الحديث أن النبي ﷺ أخذ ناقته إلا عبد الوهاب الثقفي، وليس عبد الوهاب كحماد بن زيد فتقبل زيادته عليه على طريق أصحاب الحديث، لأنهم لا يقبلون زيادة من ليس بحافظ على حافظ، وعبد الوهاب ليس بحافظ، وحماد بن زيد في أعلى درجة الحفاظ.
٣٠١٧٩ - على أنه لو ثبت أخذ النبي ﷺ الناقة، جاز أن يكون أعطاها قيمتها، وليس في الخبر ما ينفي ذلك.
٣٠١٨٠ - قالوا: من لا يمل رقبة غيره بالقهر والغلبة، لا يملك ماله بها كالمسلم مع المسلم.
٣٠١٨١ - قلنا: لا يجوز أن يقال: لما ملك بهذا السبب ما لا يملك بالعقود لم يملك به ما يملك بالعقود بدليل الميراث، ورقابنا لا تملك بالعقود فلم تملك بالغلبة، ورقابهم تملك بالعقود فملكت بالغلبة؛ لأن أهل الحرب إذا باع بعضهم بعضًا وقد قهره صح بيعه، فلذلك يملك بالغلبة والأصل غير مسلم؛ لأن عندنا المسلمون يملك بعضهم على بعض بالغلبة؛ لأن من أسلم في دار الحرب ثم غلبنا على الدار غنمنا أمواله التي ليست في يده وغنمنا عقاره وإن كان في يده. والمعنى في المسلمين أن أحدهما لما لم يملك على الآخر بالقهر، لم يملك الآخر عليه، والمسلم الحربي لما ملك أحدهما على الآخر بالقهر جاز أن يملك الآخر به.
٣٠١٨٢ - قالوا: قهر محظور، فوجب ألا يملك به قياسًا على غصب المسلم مال المسلم.
стр. 5967
٣٠١٨٣ - قلنا: يبطل بالمسلم إذا قاتلهم بأمان فأخذ أموالهم عصبًا، وقد دل على هذا قصة المغيرة، فمنازعتهم فيه رد للنص.
٣٠١٨٤ - ولأن الأسباب المحظورة يجوز أن يقع بها الملك كالمبتاع على سوم غيره والبيع عند أذان الجمعة ووطء الأب جارية الابن إذا أعتقت.
٣٠١٨٥ - فإن قيل: المحظور الوطء وذلك لا يملك به، وإنما يملك بالعلوق وهو من فعل الله تعالى فلا يوصف بالحظر.
٣٠١٨٦ - قلنا: إنما يملك بالعلوق من وطئه، فالوطء أحد السببين كالإيجاب، وتم بالعلوق كما تم الإيجاب بالقبول، والمعنى في المسلمين مما قدمنا.
٣٠١٨٧ - قالوا: مملوك مسلم، فلا يملك عليه بالقهر والغلبة كأم الولد والمدبر والمكاتب.
٣٠١٨٨ - قلنا: قولكم مملوك لمسلم لا تأثير له؛ لأن عندكم أنهم لا يملكون أموال أهل الذمة.
٣٠١٨٩ - ولأن هذه العلة نصبت لإبطال علتنا، فالواجب أن تستوفي أوصافها، وعندنا يملك بالقهر والغلبة ما يصح أن يملك بالعقود؛ لأن الخلاف بيننا في هذا السبب هل يملك به أم لا، وأم الولد لا تملك لمعنى فيها لا للسبب، فلا معنى لذكرها كما لو اختلفا في عقد هل تملك به أم الولد، لم يملك به غيرها. والمعنى في أم الولد والمكاتب: أنهما لا يملكان بالعقود ولا يملكان بالقهر، وسائر الأموال تملك بالعقود، فجاز أن تملك بالقهر.
٣٠١٩٠ - قالوا: مال مسلم مأخوذ قهرًا، فكان صاحبه أحق به، أصله إذا وجده قبل القسمة.
٣٠١٩١ - قلنا: قبل القسمة المال على حكم مال أهل الحرب، ولهذا يجوز للإمام أن ينفل، فجاز للمسلم أن يأخذه كما لو وجده في أبنيتهم، وبعد القسمة استقر حق المسلمين فيه، ولهذا لا يجوز النفل، فلم يجز أن يأخذه بغير عوض. أو نقول: قبل القسمة لما جاز للإمام أن يملك هذا المأخوذ بغير عوض [بأن ينفله، جاز أن يرده بغير عوض].
стр. 5968
٣٠١٩٢ - قالوا: كل مال لو وجده قبل القسمة، أخذه بغير شيء إذا وجد بعدها أخذ بغير شيء كالعبد إذا أبق إليهم.
٣٠١٩٣ - قلنا: الآبق إذا فارق دار الإسلام زالت يد المولى عنه وثبتت يده على رقبته، فإذا فارق من يد يتعلق بها التمليك [لم يملكوه كما لو باع العبد رقبته بغير إذن مولاه هو مأخوذ من يد المولى وبه يتعلق بها ما حكم بالقهر].
٣٠١٩٤ - قالوا: هذا موجود في الدابة إذا ندت.
٣٠١٩٥ - قلنا: لا يد لها على نفسها، فحكم يد المالك باقية عليها حتى تتجدد يد أخرى.
٣٠١٩٦ - قالوا: ما خصه الإسلام عن التمليك لا يملك بالنهب، [فإذا دخل دار الحرب فوجده في غير يده.
٣٠١٩٧ - ولأن عندنا لا يملك بالنهب]، وإنما يملك بالغلبة والحيازة فيما يملك بالعقود، فنقول بموجب ما ذكروه.
٣٠١٩٨ - ولأن الملك إذا كان يقع بالحيازة إلى الدار والمسلمان في دار واحدة والمعنى في المسلمين ما قدمنا.
стр. 5969
مسألة ١٥٠٠
وطء أحد الغانمين جارية من الغنيمة
٣٠١٩٨ - قال أصحابنا [﵏]: إذا وطئ أحد الغانمين جارية من الغنيمة [قبل القسمة] فحملت، فعليه العقر يجعل في الغنيمة، [ولا حد عليه، ولا] يثبت النسب، والولد رقيق.
٣٠١٩٩ - وقال الشافعي ﵀: الولد حر ويثبت النسب. [وهل تصير الجارية أم ولد؟] فيه قولان، أحدهما: لا تصير أم ولد. وقال المروزي: وهو الصحيح. [والثاني: أم ولد، إذا ملكها في الثاني. قال الشافعي]: إذا أراد الإمام قسمة الغنيمة سلمت إلى الوطئ بغنيمتها، فإن زادت على حقه والفضل، وإن نقصت أخذ الفضل]. قال المروزي: تسلم إليه على القولين. وقال غيره: إنما تقوم على القول الذي قال: إنها تصير أم ولد حتى لا يقر بها [وعتق الأحبال].
٣٠٢٠٠ - وقد بنى أصحابنا هذه المسألة على أن الغنيمة لا تملك بالأخذ. وهذا الأصل مسلم، إلا أنا ندل عليه فنقول: لو كان في الغنيمة ولد أحد الغانمين أو والده لم يعتق، ولو ملك جزءًا منه عتق عليه.
стр. 5970
٣٠٢٠٢ - ولأن شهادة الغانمين مقبولة في المغنم إذا نازع منازع في شيء منه، ولو ملكوه لم تجز شهادة الإنسان فيما هو شريك فيه.
٣٠٢٠٣ - ولأن الإمام له أن يبيع المغانم ويقسم ثمنها، ولو كانت ملكت لم يجز بيعها إلا بإذنهم.
٣٠٢٠٤ - وأما الدليل على أن النسب لا يثبت: فلأنها مملوكه لا يعرف لها مالك معين، فإذا وطأها مع العلم برقها لم يثبت نسب ولدها، كالجارية الملتقطة وجارية بيت المال.
٣٠٢٠٥ - ولأنها حالة يجوز الانتفاع بالطعام من مال أهل الحرب، فلا يثبت نسب ولدها من الواطئ كما قبل الأخذ.
٣٠٢٠٦ - ولأنه وطء في غير ملك، وإنما يثبت ثم حق التمليك فصار كالجارية المشروط فيها الخيار للبائع إذا وطئ الجارية بعد الإيجاب قبل القبول.
٣٠٢٠٧ - احتجوا: بأنه وطء سقط فيه الحد بشبهة الملك، فوجب أن يثبت نسب الولد، أصله: إذا وطئ الأب جارية ابنه وإذا وطئ أحد الشريكين الجارية المشتركة.
٣٠٢٠٨ - قلنا: لا نسلم أن الحد سقط بشبهة الملك، وإنما سقط لأنه مختلف في ملكه، فصار الاختلاف شبهة.
٣٠٢٠٩ - وأما وطء الأب: فلأن له شبهة ملك في الجارية، فصار كالملك في إثبات النسب.
٣٠٢١٠ - وأما الجارية المشتركة: فلأن وطأه صادف ملكه، وذلك حكمه لثبوت النسب، وهو معنى لا يتبعض.
٣٠٢١١ - وسقوط الحد لا يستدل به على نسب، بدلالة الابن إذا وطئ جارية أبيه والعبد إذا وطئ جارية سيده.
стр. 5971
مسألة ١٥٠١
فتح مكة
٣٠٢١١ - قال أصحابنا [﵏] وجميع أهل السير وفقهاء الأمة: فتحت مكة عنوة.
٣٠٢١٢ - وقال الشافعي ﵀: فتحت صلحا.
٣٠٢١٣ - فخرج بذلك عن قول علماء الأمة أهل الحجاز والعراق والشام ونقلة السير [إذ لم يرو] قوله عن أحد منهم شاذًا ولا غير شاذ، ولا تقدمه سلف بهذا القول مع خلافه للقرآن والسير المشهورة.
٣٠٢١٤ - والدليل على ما قلناه: قوله تعالى: ﴿إذا جآء نصر الله والفتح﴾.
فمن عليه بذلك وهو أقدر القادرين، ولا يجوز أن يمن عليه بالصلح؛ لأن المن بالفتح على الآخر في النصرة وذلك هو القهر، أما الصلح فيقع مشتركًا، فليس بأن يقال: إنه فتح على المسلمين. بأولى من أن يقال: إنه فتح على أضدادهم.
٣٠٢١٥ - فإن قيل: هذه الآية نزلت آخر ما نزل من القرآن وقال: ﴿فسبح بحمد ربك واستغفره﴾. فدل ذلك على قرب أجله، والنبي ﷺ إنما فتح هوازن آخر عمره، فالآية في هوازن.
٣٠٢١٦ - قلنا: قال الله تعالى: ﴿ورأيت الناس يدخلون في دين الله أواجًا﴾.
وهذا لم يوجد في فتح هوازن، وإنما وجد في فتح مكة؛ لأن قريش أسلمت، فكانت القبيلة بعد القبيلة تسلم، على أن الفعل يغني عن الاستدلال.
٣٠٢١٧ - وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان عمر بن الخطاب بأذن لأهل بدر ويأذن لي معهم، فقال بعضهم: أتأذن لهذا الفتى ومن أبنائنا من هو مثله؟! فقال: إنه ممن قد علمتم. فأذن لهم ذات يوم، فأذن لي معهم، فسألهم عن قوله
стр. 5972
تعالى: ﴿إذا جآء نصر الله والفتح﴾. ولا أراه سألهم إلا من أجلي، فقال بعضهم: أمر الله نبيه إذا فتح الله عليه أن يستغفره وأن يتوب إليه. فسألني فقلت: ليست كذلك، ولكن أخبره تعالى بحضور أجله، فقال له: ﴿إذا جآء نصر الله والفتح﴾ فتح مكة. وذكر الحديث. فقال عمر: كيف تلوموني عليه بعد اليوم؟!. وهذا اتفاق من عمرو ابن عباس أن المراد بالآية فتح مكة. قال قتادة: لم يعش بعد ذلك إلا سنتين.
٣٠٢١٩ - وعن أبي السائب: ﴿إذا جآء نصر الله﴾ على الأعداء من قريش وغيرهم ﴿والفتح﴾ فتح مكة ﴿ورأيت الناس﴾ يعني: الأحياء ﴿يدخلون في دين الله أفواجًا﴾ يعني جماعات القبيلة بأسرها، وقبل ذلك إنما كان يدخل [الرجل والرجلان والثلاثة ونحو ذلك، فلم يعين الفتح كل معنى على الشهد فيما سمي هو المعمول به].
٣٠٢٢٠ - [وقيل: ذلك إنما كان يدخل] في موضع بغلبة أو صلح.
٣٠٢٢١ - قلنا: هذا غلط؛ لأن القادر على كل شيء لا يمن على نبيه بالنصر الذي هو الصلح والمكافأة، وإنما يمن بأعلى الجهات؛ لأنها لا تعجزه ولا تتعذر عليه.
٣٠٢٢٢ - ولأن الفتح في اللغة هو الحكم، ومنه قوله تعالى: ﴿إن تستفتحوا فقد جآءكم الفتح﴾. نزلت هذه الآية في دعاء أبي جهل يوم بدر حين قال: اللهم أقطعنا للرحم ومن جاءنا بما لا نعرف. والعرب تقول: حكم عليه. بمعنى: هلك وغلب. فسقط هذا السؤال. ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر﴾. فالمراد بهذا أهل مكة، ونكث عهد النبي ﷺ الذ عقده سهيل بن عمرو حين قاتلوا خزاعة مع بني بكر، وأئمة الكفر، سادة قريش، أبو سفيان، وعكرمة، وسهيل، وأبو سفيان بن الحارث،
стр. 5973
والحارث بن هشام. ثم قال: ﴿ألا تقاتلون قومًا نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول [وهم بدءوكم أول مرة﴾. ونحن نعلم أن الذين هموا بإخراج الرسول] أهل مكة. ثم قال: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأييديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين﴾. يعني خزاعة، فقد أمره تعالى بقتالهم، وأخبر أنه يعذبهم بأيديهم. قيل في التفسير: بالسيف، ﴿ويخزهم﴾ بالهزيمة. والظاهر أنه ﷺ امتثل أمر الله ولم يترك القتال وهو يجد مقاتلًا. ويجوز أن يراد: تركوا القتال؛ لأن المقاتلة تكون بين اثنين، فإذا انهزموا لم يكن في أمانهم ترك أمر الله تعالى، والصلح قبل ذلك ترك أمر الله تعالى، وقد قال تعالى: ﴿أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه﴾.
قيل: معناه: أتخشون قتالهم، فالله أحق أن تخشوه في مخالفة أمره. ويدل على ذلك من جهة السنة ما رواه أبو عبيد في كتاب الأموال قال: ثنا أبو النضر عن سليمان بن المغيرة قال: ثنا ثابت البناني عن عبد الله بن رباح عن أبي هريرة أنه قال: يا معشر الأنصار، ألا أعلمكم بحديث. وذكر فتح مكة، ثم قال: أقبل ﷺ حين قدم مكة، فبعث الزبير على إحدى المجنبتين، وبعث خالد بن الوليد على المجنبة الأخرى، وبعث أبا عبيدة بن الجراح على الحسر، فأخذوا بطن الوادي ورسول الله ﷺ في كتيبته، فنظر فرآني فقال: (يا أبا هريرة). قلت: لبيك يا رسول الله. فقال: اهتف لي بالأنصار، ولا [تأتني إلا بالأنصار]. فهتفت بهم، فجاءوا حتى أطافوا به، وقد وبشت قريش أوباشها وأتباعها، فلما أطافت الأنصار برسول الله ﷺ فقال: ([أترون] أوباش قريش وأتباعها، (ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى:
стр. 5974
(احصدوهم حصادًا حتى توافوني على الصفا). قال أبو هريرة: فانطلقنا، فما شاء أحد منا أن يتقل منهم من شاء إلا قتل. فجاء أبو سفيان بن حرب فقال: يا رسول الله، أبيحت- أو قال: أبيدت- خضراء قريش، ولا قريش بعد اليوم. فقال ﷺ : (من أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن). فغلق الناس أبوابهم؛ وهذا حديث متصل الإسناد يبطل قول مخالفنا؛ لأن أبا هريرة أخبر عن يوم دخول مكة، ولو كان القوم قبلوا ما أعطى النبي ﷺ أبا سفيان بمر الظهران، لم يأمر النبي ﷺ بقتلهم، ولا قال أبو سفيان: أبيدت خضراء قريش، ولا احتاج إلى تجديد أمان بقوله: (من أغلق بابه فهو آمن). وذكر أبو خضراء قريش، ولا احتاج إلى تجديد أمان بقوله: (من أغلق بابه فهو آمن). وذكر أبو عبيدة أيضًا حديث أنس بإسناد متصل نحو هذا الخبر.
٣٠٢٢٣ - وروي أيضًا بإسناده إلى النبي ﷺ قال يوم فتح مكة: (ألا لا يجهزن على جريح، ولا يتبعن مدبرًا، ولا يقتلن أسير، ومن غلق عليه بابه فهو آمن).
وهذا يدل على أنه دخلها مقاتلًا غالبًا، ولم يدخلها مصالحًا.
٣٠٢٢٤ - ويدل عليه ما روى محمد بن إسحاق قال: حدثني [ابن أبي هند] عن أبي مرة مولى عقيل بن أبي طالب أن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: لما نزل رسول الله ﷺ بأعلى مكة [فر إلى رجلان] من أحمائي من بني مخزوم، وكانت
стр. 5975
عنده هبيرة بن أبي وهب المخزومي فدخل علي أخي علي بن أبي طالب وقال: لأقتلهما. فأغلقت عليهما بابًا، ثم جئت إلى النبي ﷺ بأعلى مكة، فوجدته يغتسل في جفنة إن فيها أثر العجين وفاطمة بنته تستره بثوب. فلما اغتسل أخذ ثوبه فتوشح به وصلى من الضحى ثمان ركعات، ثم انصرف إلي فقال: مرحبًا وأهلًا بأم هانئ، ما جاء بك، فأخبرته بخبر الرجلين وخبر علي فقال: (أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت). ورواه ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي مرة مولى عقيل عن أخته أم هانئ. ومعلوم أنه لو كان أمان معقود كسائر أهل مكة، لم تخف على علي وكان لا يقدم على قتلهما، ولكان النبي ﷺ ينكر عليه.
٣٠٢٢٥ - ولكانا لا يحتاجان إلى جوار أم هانئ حتى يقول [النبي ﷺ ]: (أجرنا من أجرت). فلما قال ذلك، علمنا أنه لولا الجوار لكان لعلي قتلهما، وهذا يسقط ما أدعاه مخالفنا من الصلح.
٣٠٢٢٦ - فإن قيل: يجوز أن يكون من بني بكر.
٣٠٢٢٧ - قلنا: في الخبر أنهما من بني مخزوم.
٣٠٢٢٨ - [فإن قيل: يجوز أن يكون قائلًا.
٣٠٢٢٩ - قلنا: إذا سلموا أن قريشًا قاتلت، بطل قبول دعوى الأمان].
٣٠٢٣٠ - فإن قيل: يجوز أن يكونا لم يلقيا سلاحهما.
٣٠٢٣١ - قلنا: دخول البيت يكفي بانفراده، ويدل عليه ما روي عن عائشة أنها
стр. 5976
قالت: كل البلاد فتحت بالسيف إلا المدينة؛ فإنها فتحت بلا إله إلا الله. وقد روي هذا الخبر عنه ﵇.
٣٠٢٣٢ - ولأنه ﷺ دخل مكة على هيئة القتال وعبأ الجيوش وفرقهم من طرق، وكان في كتيبته في المهاجرون والأنصار وهم يتكفرون بالحديد، وكان على رأس النبي ﷺ المغفر، ولو كان دخلها صلحًا لم يحتج إلى ذلك.
٣٠٢٣٣ - فإن قيل: خاف العدو فدخل مستظهرًا، كما أنه في عمرة القضاء اضطبع ورمل، وأمر بذلك إظهار للجلد حتى لا يطمعوا في المسلمين.
٣٠٢٣٤ - قلنا: في أخذ عدة الحرب وهيئة الحرب إشعارًا لعدوه أنه نقض العهد، ويجوز أن يستظهر بما لا يوهم، كالرمل الذي هو إظهار الجلد وليس فيه ما يوهم النقض. ويدل عليه ما روى الربيع بن أنس عن أبي العالية عن أبين بن كعب قال: لما كان يوم أحد، قتل [في الأنصار أربع وستون، أو ستة وستين] من المهاجرين ومثلوا بهم، فقال ﷺ : (لئن كان لنا مثل هذا، لنربين عليهم). فلما كان يوم فتح مكة، دخل رسول الله ﷺ عنوة، فقال رجل لا يعرف: لا قريش بعد اليوم. فقال ﷺ : (الأبيض والأسود آمن، إلا مقسم بن صبابة وابن خطل وقينتي فلان). فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين﴾. فقال ﷺ : (نصبر ولا نعاقب).
٣٠٢٣٥ - وروي في هذا الخبر بإسناد صحيح قال: لما كان يوم فتح مكة، نادى رجل لا يعرف: لا قريش بعد هذا، فقال ﷺ : (كفوا عن آل الله). فقد قال:
стр. 5977
إنهم دخلوها عنوة. ثم ذكر أمان النبي ﷺ بعد دخوله، ولو كان الأمان متقدمًا لم يحتج إلى تكراره. ثم استثنى النفر المسمين، وما جرى بينه وبين أبي سفيان لم ينقل فيه استثناء، ولو كان ذلك لا أمان ثم. وقيل: لم يكن ﷺ أن يستثني منه أحدًا فلما استثنى النفر المسمين، وما جرى بينه وبين أبي سفيان لم ينقل فيه استثناء، ولو كان ذلك لا أمان ثم. وقيل: لم يكن ﷺ أن يستثني منه أحدًا فلما استثنى دل على أن الحكم تعلق بأمانه بعد الدخول.
٣٠٢٣٦ - قالوا: قوله: دخلها عنوة. يعني: صلحا، كما قال الشاعر: فما أخذوها عنوة عن مودة [ولكن بحد المشرفي استقالها]
٣٠٢٣٧ - قلنا: هذا غلط على اللغة؛ لأنه يقال: عنا يعنو، إذا ذل وخضع، ومنه قوله تعالى: ﴿وعنت الوجوه للحي القيوم﴾. يعني: خضعت وذلت. وقال ﷺ : (اتقوا الله في النساء، فإنهن عوان). يعني: أسرى. والعاني: الأسير في اللغة. والشعر ليس على ما قالوه، وإنما هو:
فما تركوه عنوة عن ملالة ولكن بحد المرهفات إشعالها
٣٠٢٣٨ - ولو كان الشعر ما قالوه على أنه سمى الصلح: عنوة، ولكنه قال: لم يأخذوها عن مودة تقدمت منهم، ثم صارت عداوة، ولكن العداوة لم تزل. ويحتمل أنهم لم يظهروا المودة، ثم أخذوها على وجه الخديعة والغدر، وإنما أخذوها مجاهرين بالعداوة.
٣٠٢٣٩ - وذكر الطحاوي بإسناده عن ثابت البناني عن عبد الله بن رباح عن أبي هريرة أنه ﵇ قال له: (يا أبا هريرة، اهتف بالأنصار). فنادى: يا معشر الأنصار، أجيبوا رسول الله. فجاءوا كأنما كانو على ميعاد، ثم قال: اسلكوا هذا الطريق، ولا تشرفن أحدًا إلا أنمتموه- أي: قتلتموه- وسار ﵇ وفتح مكة عليهم، وما قتل في ذلك اليوم إلا أربعة، ثم دخل صناديد قريش من المشركين الكعبة وهم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم، فأخذ بعضادتي الباب وقال: (ما تقولون [أني صانع؟] قالوا: نقول: أخ وابن أخ حليم رحيم. فقال ﵇: [(أقول كما قال يوسف]: ﴿لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين﴾). قال: فخرجوا
стр. 5978
كما خرجوا من القبور، فدخلوا من الإسلام. وذكر الحديث.
٣٠٢٤٠ - فقول النبي ﷺ حين دخلوا مكة: (لا تشرفن أحدًا إلا أنمتموه). يدل على أنه دخل بغير أمان.
٣٠٢٤١ - وقوله: إن صناديد قريش دخلوا الكعبة وهم يظنون أن السيف لا يرفع عنهم. يدل على أنه لا أمان لهم.
٣٠٢٤٢ - وقوله ﷺ : (ماذا تقولون إني صانع)، يدل أنه يخير، ولو كان الأمان منعقدًا لقالوا له: وما تقدر أن تصنع، وقد انعقد بيننا الأمان. فكيف ينعقد الأمان وهم يعتقدون أن السيف لا يرف عنهم، مع علمهم أنه أوفى الخلق ذمة وأصدقهم عقدًا وأكرمهم عهدًا.
٣٠٢٤٣ - ويدل عليه حديث سعيد المقبري قال: سمعت أبا شريح الخزاعي يقول لعمرو بن سعيد وهو على المنبر حين بعث معنا إلى مكة لقتال ابن الزبير: وما هذا، سمعت النبي ﷺ يقول: (إن مكة حرام حرمها الله ولم يحرمها الناس، وإنما أحل لي القتال فيها ساعة من النهار، ولعله أن يكون بعدي رجال يستحلون بها القتال، فمن فعل ذلك فقولوا: إن الله أحلها لرسوله ولم يحلها لك، فليبلغ الشاهد الغائب). ذكر هذا الخبر الطحاوي في مسألة فتح مكة. فقد أخبر ﷺ أنه قاتل بمكة، وهذا ضد الصلح.
٣٠٢٤٤ - فإن قيل: إنما كان هذا مع بقائه.
٣٠٢٤٥ - قلنا: فأنتم تدعون الصلح والأمان بقوله ﷺ لأبي سفيان: (من أغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى سلاحه فهو آمن). وهذا عام في بني بكر وغيرهم.
٣٠٢٤٦ - فإن قيل: قاتل من لم يلق سلاحه ولم يغلق بابه.
стр. 5979
٣٠٢٤٧ - قلنا: بل قتلت بنو بكر قتلًا عامًا، ولم يعتبر صفاتهم، وهذا أمر ذكره أهل السيرة ولم يختلفوا فيه، ونقلوا شعر الشعراء، فذكر الواقدي لبجير بن زهير بن أبي سلمى أخي كعب بن زهير في دخوله مكة، قال الواقدي وهي بيت:
نفي أهل الحبلق كل فج مزينة غدوة وبني خفاف
صبحناهم بسبع من سليم وألف من بني عثمان واف
نطا أكتافهم ضربًا وطعنًا ورشقًا بالمريشة اللطاف
ترى بين الصفوف لها حفيفًا كما انصاع الفواق من الرصاف
فرحنا والحياد تجول فيهم بأرماح مقومة الثقاف
فأبنا غانمين بما اشتهينا وآبو نادمين على الخلاف
فأعطينا رسول الله فينا مواثقنا على حسن التصاف
أعطونا المعادة يوم قلنا فقالوا يأرزونا للمصاف
٣٠٢٤٨ - وذكر ابن إسحاق أن حماس بن قيس بن خالد أحد بني بكر كان بعد سلاحًا قبل دخوله ﷺ ، فقالت له امرأته: لماذا تعد ما أرى؟ قال: لمحمد وأصحابه. قالت: والله ما أرى أن يقوم لمحمد وأصحابه شيء. قال: فو الله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم. قال ابن إسحاق: فجمع صفوان بن أبي أمية وعكرمة بن أبي جهل وهسيل بن عمرو وناس بالخندمة ليقاتلوا، فشهد حماس الخندمة معهم، فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد ناوشوهم شيئًا من قتال، فقتل من المسلمين كرز ابن جابر وخنيس بن خالد [واصيب من جهينة سلمة بن الميلاء]، وأصيب من
стр. 5980
المشركين يومئذ اثنتا عشر أو ثلاثة عشر، ثم انهزموا فدخل حماس منهزمًا حتى دخل بيته، ثم قال لامرأته: أغلقي علي بابي. قالت: فأين ما كنت تقول، فقال:
إنك لو شهدت يوم الخندمة إذ فر صفوان وفر عكرمة
وأبو يزيد قائم كالقائمة واستقبلتهم بالسيوف المسلمة
ضربًا فلا تسمع إلا غمغمة يقطعن كل ساعد وجمجمة
لهم نهيت خلفنا وممهمه لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة
٣٠٢٤٩ - فكيف يدعي الدخول مع الأمان والصلح وقبول القوم الأمان؟! وهؤلاء سادة القوم وقادتهم قد جمعوا الجمع وباشروا الحرب، وأصيب المسلمون بأيديهم وأصابوا منهم.
٣٠٢٥٠ - ويدل على ذلك أن الصحابة سموا أهل مكة: الطلقاء، وكانوا يسمون أولادهم: أولاد الطلقاء كما سماهم رسول الله ﷺ لا يختلف المسلمون في هذا النقل، ولو كانوا عقدوا صلحًا ودخلوا طوعًا لم يسموا الطلقاء، ومن أي شيء أطلقوا ولم يكن عليهم بأس ولا حرب؟.
٣٠٢٥١ - ولأن هذا الأمان الذي ادعاه مخالفنا لم يكن مؤقتًا بمدة ولم يبق إلا أن يكون مطلقًا. ولا يخلوا أن يكونوا أسلموا أو أقروا على كفرهم بجزية أو بغير جزية، ولو أسلموا لم يحتاجوا إلى أمان. ومعلوم من الحال أنهم أسلموا بعد ذلك.
٣٠٢٥٢ - ولا يجوز أن يكون أقرهم بالجزية؛ لأن عبدة الأوثان من العرب لا تقبل منهم الجزية، وإذا لم يجز ذلك، فلأن لا يجوز إقرارهم بغير جزية أولى.
٣٠٢٥٣ - ولأنه لما دخل كسر الأصنام، ولو كان أقرهم على كفرهم لم يتعرض لها؛ لأن الإمام يمنع الاعتراض في الأوثان.
٣٠٢٥٤ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليًا نصيرًا﴾. قالوا: والمراد به أهل مكة، فدل على أنهم لم يقاتلوا، ولو قاتلوه لنصر عليهم.
стр. 5981
٣٠٢٥٥ - قلنا: قد اختلفوا أهل التفسير في هذا، فمنهم من قال: المراد به أهل مكة؛ مرتب على قوله: ﴿هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام﴾.
وهذا قول قتادة. وقال ابن السائب: وهذا راجع إلى أسد وغطفان حلفاء أهل خيبر؛ لأن قوله تعالى: ﴿سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا﴾. وإنا أراد به أعراب المدينة، لأنهم تخلفوا عن النبي ﷺ في الحديبية ولم يكونوا قاتلوا مع أهل خيبر، فرجع هذا الكلام إليهم، فإن كان كذلك فلا حجة فيه.
٣٠٢٥٦ - وإن كان المراد أهل مكة فقد قاتوله وولوا الأدبار وفارق قادتهم الأوطان وأسلموا الأهل والأموال، ولم يجدوا من ينصرهم على رسول الله ﷺ حتى صفح عنهم ومن عليهم بعد القهر والذل، فقد سقط الاحتجاج بالآية.
٣٠٢٥٧ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة أو تحل قريبًا من دارهم حتى يأتي وعد الله﴾. قالوا: فأخبر الله تعالى أن القوارع وقد حل بمر الظهران فل أن الصلح وقع وزالت القوارع.
٣٠٢٥٨ - والجواب: أن سعيد بن جبير وابن السائب وغيرهما قالوا في تأويلها: القارعة: السرية، فقال الله تعالى: ﴿تصيبهم بما صنعوا قارعة﴾ من السرايا، ﴿أو تحل﴾ أنت يا محمد مع أصحابك ﴿قريبًا من دارهم حتى يأتي وعد الله﴾ فتح مكة.
٣٠٢٥٩ - وما قالوه خطأ في العربية؛ لأن ﴿أو﴾ لو كانت غاية بمعنى (متى) لقال: أو تحل بنص تحل. فلما قال: أو تحل علم أنها للعطف، فكأنه قال: تصيبهم قارعة بالسرايا أو يحلوا لك. فيكون الفتح. وقال معمر عن الحسن: أو تحل القارعة قريبًا من دارهم.
٣٠٢٦٠ - احتجوا: بما روى عبد الله بن العباس عن أبيه قال: لما نزل النبي ﷺ بمر الظهران قال العباس ﵁: لئن دخل النبي ﷺ مكة عنوة قبل أن يأتوه فيستأمنوه، إنه لهلاك قريش. فجلست على بغلة النبي ﷺ لعلي أجد ذا حاجة يأتي أهل مكة
стр. 5982
فيخبرهم بمكان النبي ﷺ فيخرجون إليه فيستأمنوه، وإني لأسير سمعت كلام أبي سفيان وبديل بن ورقاء وحكيم بن حزام ق خرجوا يتجسسوا الخبر عن النبي ﷺ ، فقلت: يا أبا حنظلة. فعرف صوتي، فقال: أبو الفضل؟ قلت: نعم، قال: فداك أبي وأمي، قلت: هذا رسول الله ﷺ قد جاء بما لا قبل لكم به عشرة آلاف من المسلمين، قال: فما ترى؟ قلت: تركب عجز هذه البغلة، فأستأمن لك رسول الله ﷺ ، فو الله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، وأردفته وخرجت به نحو النبي ﷺ ، فكلما مررنا بنار من نيران المسلمين فنظروا إلى البغلة فقالوا: عم رسول الله على بغلة رسول الله ﷺ . حتى مررنا بنار عمر بن الخطاب، فقال: الحمد لله أمكن منك بغير عهد ولا عقد، ثم اشتد نحو النبي ﷺ وركضت البغلة، فسبق عمر كما تسبق الدابة البطيئة الرجل البطيء، ودخل عمر على رسول الله فقال: يا رسول الله، أبو سفيان عدو الله قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد، فدعني حتى أضرب عنقه، فقلت: يا رسول الله، إني قد أجرته، فقال رسول الله ﷺ : (أذهب به فقد أمناه حتى تغدو به)، فرجعت به إلى منزلي، فلما أصبح غدوت به إلى رسول الله ﷺ إلى أن أسلم وعقد الأمان لأهل مكة على أن من ألقى سلاحه فهو آمن، فقلت: إن أبا سفيان يحب الصيت، فاجعل له شيئًا. قال: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن تعلق بأستار الكعبة فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن). ثم أمر به النبي ﷺ فأجلسه بمضيق الوادي حتى يبصر جنود الله، [فرده العباس، فقال: أغدرًا يا بني عبد مناف؟ فقال العباس: لا، ولكن يجلس في موضع كذا حتى يبصر جنود الله]، فلما مرت القبائل وكتيبة المهاجرين والأنصار، أمره أن يلحق بقومه ويحذرهم، فخرج مسرعًا حتى أتى مكة، فصرخ في المسجد: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم فيما لا قبل لكم به.
قالوا: فمه، قال: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن، ومن دخل الكعبة فهو آمن). فتفرق الناس إلى دورهم وإلى المسجد.
стр. 5983
٣٠٢٦١ - قالوا: هذا عقد النبي ﷺ الأمان، وقبلوه فدخل مكة ودماؤهم وأموالهم محظورة، ولهذا قال أبو سفيان: أغدرا يا بني عبد مناف. فلولا أنهم صالحوا، لم يكن رده غدرًا.
٣٠٢٦٢ - والجواب: أن أبا سفيان لم يكن رسولًا لأهل مكة حتى إذا عقد الصلح تم بعقده لهم، وإنما خرج مجسسًا وهو لا يعلم أن النبي ﷺ قصدهم. يبين ذلك أن ابن إسحاق روى القصة عن الزهري قال: حدثني عبد الله بن عبيد الله عن ابن عباس قال: لما نزل رسول الله ﷺ بمر ظهران، وعميت الأخبار على أهل مكة، قال العباس: فجلست على بغلة رسول الله البيضاء فخرجت عليها، حتى دخلت الأراك أقول: لعلي ألقى بعض الحطابة أو صاحب لبن أو ذا حاجة. قال: وإني لأسير عليها وألتمس ما خرجت له، إذا سمعت كلام أبي سفيان [وبديل وهما يتراجعان، وأبو سفيان] يقول: ما رأيت كالليلة نيرانًا قط ولا عسكرًا، قال بديل: هذه والله، هذه خزاعة حمشتها الحرب، فقال أبو سفيان: خزاعة والله أذل من أن تكون هذه نيرانها.
٣٠٢٦٣ - فإذا لم يكن رسولهم، لم ينعقد استئمانه، وإنما يقف الأمان على إجازتهم ورضاهم.
٣٠٢٦٤ - وأيضًا فأبو سفيان لم يلتمس الأمان، وإنما طلب له العباس الفخر، فقال ﵇: (من دخل دار أبي سفيان فهو آمن)، فقال أبو سفيان: وما تغني داري.
٣٠٢٦٥ - وكيف يعقد ﵇ صلحًا، وقد كان أبو سفيان خرج إلى المدينة لما نقضت قريش لتجديد العهد، فقال النبي ﷺ : (قد جاءكم أبو سفيان، وسيرجع راضيًا بغير شيء). ولم يعقد معه، وإنما تفضل النبي ﷺ بالمن عليهم عند القدرة فلما دخل أبو سفيان مكة فأخبرهم نزول النبي ﷺ وما من به عليهم عند القدرة.
٣٠٢٦٦ - قال الزهري في حديثه: فأتت إليه هند بنت عتبة فأخذت بشاربه
стр. 5984
وقالت: (اقتلوا الحميت الدسم). وإذا لم يعلم قبولهم للأمان، لم يمنع ذلك دخوله عنوة.
٣٠٢٦٧ - ولأنهم إذا ادعوا قبول جميع أهل مكة للأمان، لم يصح، لأنا قد روينا أن بعض أهلها قبولا الأمان، فدار الحرب إذا استأمن بعض أهلها أو أسلموا لم يمنع دخول المسلمين عنوة وقهرا، وإنما يمنع من ذلك استئمان جميعهم، وقد نقلنا خلاف ذلك. ولو لم ننقله لم يكن لمخالفنا حجة حتى ينقل قبول الجميع، وهذا لا سبيل إليه، فكيف يكونوا قبلوا الأمان وقد روينا أنهم التجئوا إلى الكعبة وهم يرون السيف لا يرفع عنهم، وقد كان مشركي قريش- وهو منهم- يعلم أن النبي ﷺ أوفاهم بعهد وذمة، فكيف يتم بينهم أمان ثم يتصورون أن يغدر بهم فلا يرفع السيف عنهم؟! ومن أقدم على المخالفة هذه الأخبار بعد ظهورها، كفى خصمه مؤنته.
٣٠٢٦٨ - احتجوا: بما روى أنس بن مالك وسعد بن أبي وقاص أن النبي ﷺ أمن الناس [كلهم إلا ستة نفر فإنه أمر بقتلهم.
٣٠٢٦٩ - قلنا: قد روينا أن النبي ﷺ أمن الناس] يوم الفتح إلى العدد الذي استثناه، وهذا يدل أنهم لم يقبلوا الأمان الأول، وانه ﷺ دخل بغير أمان، لولا ذلك لم يكن لتجديد أمان آخر معنى.
٣٠٢٧٠ - ولأنه ﷺ عقد لأبي سفيان أمانًا مطلقًا، ثم أمن الناس بمكة واستثنى، فدل على سقوط حكم ذلك الأمان، وإلا لم يجز الاستثناء بعد الإطلاق.
٣٠٢٧١ - يبين هذا ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال يوم الفتح: (كفوا السلاح إلا خزاعة عن بني بكر). ولا يصح أن يأمر بكف السلاح إلا وهو مبسوط، فدل على أن دخولها وقع بغير أمان.
٣٠٢٧٢ - قالوا: يجوز أن يكون الاستثناء في أمان أبي سفيان. قالوا: لأن الأمان الأول مفسر وهو مطلق، فيحمل المطلق على المفسر.
٣٠٢٧٣ - قلنا: لم ينقل أحد في قصة أبي سفيان استثناءً، ولو كان لم يترك نقله،
стр. 5985
وكذلك أبو سفيان لما حكى لأهل مكة الأمان لم يذكر فيه استثناء أحدٍ، فدل أن هذا أمان آخر غير الأول، وذلك لا يجوز أن يكون إلا مع سقوط الأول.
٣٠٢٧٤ - قالوا: روي عن صفوان بن أمية أنه عهد النبي ﷺ إلى أمراء الأجناد حين أمرهم أن يدخلوا مكة ألا يقاتلوا إلا من قاتلهم.
٣٠٢٧٥ - قلنا: قبل دخول النبي ﷺ كان الأمان الأول بحاله، فأمرهم ألا يبتدئوا القتال. فلما اجتمعت الأوباش وقاتلوا وقتلوا من المسلمين، بطل أمانهم، فدخلت الأجناد بغير أمان. ثم استأنف ﵇ المن عليهم بمكة كما ذكرنا.
٣٠٢٧٦ - قالوا: روي أنه ﷺ أعطى الراية سعد بن عبادة، فأخذها وقال: اليوم يوم الملحمة، اليوم تسبى الحرمة، فقال ﵇: (اليوم يوم المرحمة، اليوم تستر الحرمة). فأمر علي بن أبي طالب فأخذ الراية.
٣٠٢٧٧ - قلنا: هذا كان قبل الدخول، وقد بينا أنه قبل أن يدخله كان يجوز أن يقبلوا الأمان فلا يكون يوم الملحمة، فأما حال الدخول فقد كان الأمان زال بقتالهم وقتلهم المسلمين، يبين ذلك ما روى ثابت عن أنس بن مالك أنه ﵇ لما دخل مكة مشى ابن رواحة بين يديه وهو يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله اليوم نضربكم على تأويله
ضربًا يزيل الهام عن مقيله ويذهل الخليل عن خليله
٣٠٢٧٨ - فقال عمر: يا ابن رواحة بين يدي رسول الله وفي حرم الله تعالى تقول الشعر،! فقال النبي ﷺ : (خل عنه يا عمر، فو الذي نفسي بيده، [لهو أسرع فيهم] من وقع النبل – أو قال: نضح النبل-). وهذا يبين أن حال
стр. 5986
الدخول رد الأمان، وبأن ذلك حال الدخول فدخلوها بغير أمان.
٣٠٢٧٩ - احتجوا: بما روي في شعر حسان قبل خروج رسول الله ﷺ من المدينة:
عدمنا خيلنا إن لم تروها تبين النقع موعدها كداء
سار عنا الأعنة مسرجات يلطمن بالخمر النساء
فإن أعرضتم عنا اعتمرنا وكان الصلح وانكشف الغطاء
٣٠٢٨٠ - فلما رأى النبي ﷺ مسح النساء وجوه الخليل بخمرهن، قال العباس أو لأبي بكر: (لله در حسان حيث يقول). قال العباس. قلت: إنه يريد. فأنشدته، فقال: (كأنما ينطق عن روح القدس).
٣٠٢٨١ - قالوا: وهذا يدل على أنه دخلها بغير قتال؛ لأن استثناء النسا ومسحهن وجوه الخيل بخمرهن يدل على عدم القتال وعلى إظهار الفرح والسرور به وبدخوله إلى مكة.
٣٠٢٨٢ - وقوله: (كأنما ينطق عن روح القدس). يدل على وقوع الصلح كما قال حسان بن ثابت.
٣٠٢٨٣ - والجواب: أن هذه الطريقة من الاستدلال تجمع بين إحالة الرواية وتصور الحال بضدها، وذلك لأن الشعر موجود في كتاب ابن إسحاق وفي ديوان حسان:
عدمنا خيلنا إن لم تروها تبين النقع موعدها كداء
تظل جيادنا مضمرات يلطمهن بالخمر النساء
فإما تعرضوا عنا اعتمرنا وكان الفتح وانكشف الغطاء
وإلا فاصبروا لجلاد يوم يعز الله فيه من يشاء
وجبريل رسول الله فينا وروح القدس ليس له كفاء
٣٠٢٨٤ - هذا هو الشعر، فجعلوا بدل (الفتح) (الصلح)، ليصير ما هو حجة عليهم حجة لهم. لو كانت الرواية محفوظة كما قالوا، قالوا، لم يصح تعلقهم بها؛ لأنه قال: وإلا فاصبروا لجلاد يوم
стр. 5987
٣٠٢٨٥ - وقوله ﵇: (كأنما ينطق عن روح القدس). يجوز أن يكون في قوله: وإلا فاصبروا لجلاد يوم. ويبين بطلان ما نقلوه أنه قال: وانكشف الغطاء. [وإذا كان الصلح لا ينكشف الغطاء]، وإنما ينكشف بالفتح.
٣٠٢٨٦ - وأما قولهم في مسح النساء وجوه الخيل بخمرهن، يدل على مسرتهن بدخوله [ ﷺ ]. فكلام من لا يفقه ما أراده حسان ولا علم له بأيام العرب، وذلك أن النساء تضرب وجوه الخيل بالخمر [تعبيرًا للرجال وتحريضًا لهم على القتال يقول: لما عجزوا عن ضرب السيوف، فلم يبق إلا الضرب بالخمر]، فكيف يحمل هذا على المسرة وهو ضدها، وكيف يستدل على السلم به وهو دعاء إلى الحرب،
٣٠٢٨٧ - قالوا: عشرة آلاف من الجيش لو دخلوها بقتال، لوجب أن يكونوا أخذوا الأموال وسبوا النساء والصبيان، ولكان قسم الدور والعقار والأموال بين الغانمين، فلما لم ينقل أن أحدًا أخذ مالًا ولا ذرية، دل على أنهم أخذوها صلحًا.
٣٠٢٨٨ - قلنا: إذا نقلنا القتال وقتل المسلمين وقتل المشركين ومباشرة سادتهم للحرب وهو منهم يقاتل النقل لعدم النقل وبالاستدلال والاستقرار هذا لا يقابل.
٣٠٢٨٩ - ثم قد روي أنه في حال دخوله قال القائل لا يعرف: لا قريش بعد اليوم. فقال ﵇: (الأسود والأبيض آمن). فالتشاغل بالقتال والتحفظ من العدة شغلهم عن النهب والسلب، ولم تنصرم هذه الحالة حتى أمنهم النبي ﷺ ، فلم يبق للنهب وقت.
٣٠٢٩٠ - وقد روي أن أخت أبي بكر الصديق كانت تقود إبلها، فسلبت.
هذا يدل على أن القوم دخلوا حربًا. وجمله الأمر، أن الصلح عقد بالحديبية وهو دون مكة وأعمض فنقل نقلًا أجمع عليه ولم يختلف فيه، فكيف يظن أن الصلح عقد بمكة كان كذلك، ثم لم ينقل كنقل صلح الحديبية أو اشتهر، وكيف يكون الصلح وأهل المغازي نقلوا مغازي النبي ﷺ وعددها وأصنافها؟.
٣٠٢٩١ - قال الواقدي: حدثني- وذكر نيفًا وعشرين رجلًا من أهل المدينة-
стр. 5988
قال: فكل حدثني من هذا بطائفة وبعضهم من بعض، وغيرهم قد حدثني أيضًا، وكتبت كل الذي حدثوني. ثم قال: كانت مغازي النبي ﷺ بنفسه سبعًا وعشرين غزوة، وكان ما قاتل فيها تسعًا: بدر القتال، وأحد، والمريسيع، والخندق، وقريظة، [وخيبر، والفتح، وحنين]، والطائف. وإذا اقتصر مخالفنا في مقابلة هذا النقل على التجويز والتعجب لم ينتفع به.
٣٠٢٩٢ - فأما قسمة الأرضين: فالإمام عندنا إذا فتح أرضًا جاز أن يقر أهلها عليها، ويمن عليهم بأموالهم وذراريهم.
٣٠٢٩٣ - ولأنه ﵇ لم يغنم أرضهم؛ لأن أرض الحرم لا تملك كما لا يملك موضع الطواف وبين الصفا والمروة.
٣٠٢٩٤ - احتجوا: بما روي عن النبي ﷺ قال: (اللهم إني أبرأ إليك مما فعله خالد). وهذا إنكار لقتال خالد.
٣٠٢٩٥ - قلنا: هذا غلط عظيم، لم يقل النبي ﷺ هذا لأجل قتال مكة، وإنما بعث السرايا بعد الفتح فدعوا الناس إلى الإسلام، ولم يأمرهم بالقتال، وبعث خالد بن الوليد داعيًا لوم يبعثه مقاتلًا وأمره أن يسير بأسفل تهامة ومعه سليم ومدلج قبائل من غيرهم من عيونهم، فلما نزلوا الغميصاء وهي ما من بني جذيمة بن عامر بن عبد مناف، فكانت جذيمة قتلت عوف بن
стр. 5989
عبد عوف أبا عبد الرحمن بن عوف والفاكه بن المغيرة عم خالد، فلما رأوه أخذوا السلاح، فقال خالد: ضعوا السلاح، فإن الناس قد أسلموا. فلما وضعوا السلام، أمر بهم فكتفوا وعرضهم على السيف، فقتل منهم. فلما بلغ النبي ﷺ قال: (اللهم إني أبرأ إليك مما فعله خالد). وبعث لعلي بن أبي طالب وقال: أخرج إلى هؤلاء القوم، وانظر في أمرهم، وضع الجاهلية تحت قدميك). فخرج علي ومعه مال فوداهم.
стр. 5990
مسألة ١٥٠٢
خراج أرض الذمي إذا أسلم
٣٠٢٩٦ - قال أصحابنا [﵏]: إذا أسلم الذمي، لم يسقط خراج أرضه، وسقط خراج رقبته.
٣٠٢٩٧ - وقال الشافعي ﵀: يسقطان جميعًا. وزعموا أن الخراج الموضوع على السواد المفتتح في زمن عمر بن الخطاب لا يسقط.
٣٠٢٩٨ - وإنما نخالف في بلد من بلاد الكفار وصالحهم الإمام على أن يؤمنهم ويقرهم على أملاكهم وتجري في بلدهم أحكام المسلمين، ويؤخذ منهم من كل جريب كذا قالوا، فإن كان جملة ما على البلد إذا قسط على الرقاب أصاب كل رقبة دينارًا فصاعدًا، جاز وكان ذلك جزية. فإذا أسلموا، سقط، وإن كان نصيب كل واحد أقل من دينار لم يجز.
٣٠٢٩٩ - وأصحابنا في هذه المسألة دلوا على أن خراج السواد لا يسقط وهذا موضع اتفاق. وقد دل عليه قوله ﷺ : (منعت العراق قفيزها ودرهما). فذم الناس في آخر الزمان يمنعوا الخراج. ولا يجوز أن يكون الذم للكفار؛ لأن ذمهم بالكفر أولى، فعلم أن الذم توجه إلى المسلمين، فالخراج يجب على المسلمين.
٣٠٣٠٠ - وقد دلت الدلالة على أن السواد أقرت أرضه على أملاك أهله، وأن الخراج الموضوع ليس بأجرة ولا ثمن، فإذا لم يسقط بالإسلام فكذلك كل خراج وضع على الأرض.
٣٠٣٠١ - ولأنه إذا صالح أهل بلد من المشركين على أن يضع على رءوسهم حقًا
следующие страницы →