Полный текст (6 324 стр.). Показаны 6021–6060 · переход к 6026.
стр. 6021
مسألة ١٥١٤
تداخل الجزية إذا اجتمع حولان
٣٠٥٥٣ - قال أبو حنيفة ﵀: إذا اجتمع حولان، تداخلت الجزية واقتصر على جزية واحدة.
٣٠٥٥٤ - وقال أبو يوسف ومحمد [رحمهما الله]: لا تتداخل. وبه قال الشافعي ﵀.
٣٠٥٥٥ - لنا: أنها عقوبة، فإذا اجتمعت إتيانها من جنس واحد، كان لاجتماعها تأثير في التداخل كالحربي، والدليل على أنها عقوبة أنها وضعت للتبقية على الكفر، ومن لا يستحق العقوبة لا يوضع عليه كالصبي والمجنون ويمنع الإسلام من وجوبها كالقتل، ولا يبتدأ بها مسلم، ولا توضع إلا على كافر، وأنها عقوبة من جنس واحد استيفاؤها إلى الإمام، فجاز أن تتداخل عند اجتماع أسبابها كالحدود.
٣٠٥٥٦ - واحتجوا: بقوله ﷺ : (الزعيم غارم).
٣٠٥٥٧ - قلنا: الزعيم هو الكفيل، فأما من التزم المال بعقد، فلا يقال له: زعيم.
٣٠٥٥٨ - ولأن الغرم يلزمه عندنا ثم يسقط، وليس في الوجوب ما يمنع ذلك.
٣٠٥٥٩ - قالوا روي أنه ﵇ كتب إلى أهل اليمن أن يؤخذ من كل حالم دينار في كل سنة.
٣٠٥٦٠ - قلنا: هذا يقتضي أن الأخذ يتكرر بتكرر السبب، وليس فيه أنها إذا لم تؤخذ هل تؤخذ مجتمعة أو لا تؤخذ.
стр. 6022
٣٠٥٦١ - قالوا: أمان متكرر بتكرر الحول، ومال يجب في كل حال، فوجب ألا تتداخل كالزكاة والدية على العاقلة.
٣٠٥٦٢ - قلنا: الزكاة وضعت على وجه الطهرة فلم تتداخل، والجزية وضعت عقوبة فجاز أن تتداخل. فأما الدية فلا يقال إنها تتكرر بتكرر الأحوال، أو لأنها تجب في كل حول لأنها تختص بثلاث سنين، ولأنهم يؤدون مواساة وليست بعقوبة، والجزية عقوبة للبقاء على الكفر.
٣٠٥٦٣ - قالوا: الجزية عوض عن حقن الدم وإقرارهم في دارنا، فالعوض الواجب بالعقد لا يتداخل كالثمن والأجرة.
٣٠٥٦٤ - قلنا: لو سلمنا أنها عوض، لم يمنع ذلك أن يكون على وجه العقوبة، والثمن والأجرة ليسا على العقوبة، والتداخل يقع في العقوبات ولا يقع في الأعواض التي ليست عقوبة.
стр. 6023
مسألة ١٥١٥
سقوط الجزية إذا أسلم الذمي
٣٠٥٦٥ - قال أصحابنا [﵏]: إذا أسلم الذمي، سقط عنه ما وجب من الجزية.
٣٠٥٦٦ - وقال الشافعي ﵀: يؤخذ منه الجزية الماضية.
٣٠٥٦٧ - لنا: قوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صغرون﴾.
فأمر بأخذ الجزية على وجه الصغار، والمسلم لا يجوز أن يستصغر، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف﴾. وهذا يمنع مطالبتهم بأحكام الكفر.
٣٠٥٦٨ - ولا يقال: إن الغفران ينصرف إلى الذنوب؛ لأن الغفران التغطية فيقتضي تغطية كلها، ويدل عليه قوله ﷺ : (الإسلام يجب ما قبله). وقال ﷺ : (ليس على كل مسلم جزية). وهذا ينفي الابتداء والانتهاء. ذكره أبو داود والطحاوي عن ابن عباس عن النبي ﷺ .
٣٠٥٦٩ - ولأنه مسلم فلا تستوفى منه جزية عن رقبته، كما لو كان في الابتداء مسلمًا.
٣٠٥٧٠ - ولأنها عقوبة للبقاء على الكفر فتسقط بالإسلام كالقتل، والدليل على أنها عقوبة: أنه لا يبتدأ بها إلا الكفار، ولأن النبي ﷺ أمر بعرض الشهادتين عليهم فإن أبوا عرضت عليهم الجزية، فدل على أنها تجب لترك الإسلام كالقتل، ولأنها لا توضع إلا على من كان من أهل العقوبة. ولا يلزم الرق؛ لأنه ليس بعقوبة، بدليل أنه
стр. 6024
يبتدأ في الصغار ولا عقوبة عليهم.
٣٠٥٧١ - فإن قيل: إنما يسترقون تبعًا لآبائهم وإن لم يستحقوا العقوبة، كما أن ترك الصلاة على سوى الكفار عقوبة وتتبعهم أولادهم فلا نصلي عليهم.
٣٠٥٧٢ - قلنا: ترك الصلاة ليس بعقوبة؛ لأن الميت لا يعاقب، ولأن الشهيد لا يصلى عليه عند مخالفنا فلم يكن ذلك عقوبة، ولا يصلى على قتلى المسلمين إذا غلب عليهم قتلى الكفار وإن لم يستحقوا العقوبة.
٣٠٥٧٣ - ولأنه إسلام طارئ فلا يستوفي بعده جزية، أصله: عابد الوثن من العرب.
٣٠٥٧٤ - احتجوا: بقوله ﷺ : (الزعيم غارم).
٣٠٥٧٥ - قلنا: الزعيم هو الكفيل، وهذا [ليس بكفيل بشيء].
٣٠٥٧٦ - ولا يقال: إن الزعيم الضمين، وقد ضمن؛ لأن من عقد عقدًا يلزمه عوض؛ لا يقال: إنه زعيم به؛ لأن وجوبه لا يقف على ضمانه وإن سلمنا أنه زعيم، وإنما ضمن بشرط ليسقطه عن نفسه، فلا يستحط عليه، فإذا سقط القتل عنه بإسلامه، لم يلزمه الضمان لفوات شرطه.
٣٠٥٧٧ - قالوا: مال يجب على الكافر صح أداؤه في حال الكفر، فوجب ألا يسقط، أصله: حقوق الآدميين. وربما قالوا: دين ثابت في ذمته، فلا يسقط بإسلامه. والعبارة الأولى احترزوا بها عن الزكاة إذا قالوا: إن الكافر مخاطب؛ لأنه لا يطالب بها في حال الكفر، والعبارة الثانية إذا قالوا: إن الكافر غير مخاطب.
٣٠٥٧٨ - والجواب: أنه يبطل بامرأة الكافر إذا أسلمت قبل الدخول، سقط مهرها.
٣٠٥٧٩ - فإن قالوا: لا يسقط بالإسلام، لكن بالفرقة الحاصلة بالإسلام.
٣٠٥٨٠ - قلنا: كذلك الجزية لا تسقط بالإسلام، لكن بالإسلام يحقن دمه، فسقط حقن الجزية. ونقول بموجب العلة لم سقط بإسلامه وإنما يسقط؛ لأنه بدل عن القتل، فإذا سقط القتل عنه لم يلزمه بدله. ونقول: إنه لا يستصغر والجزية فيها
стр. 6025
صغار وذلة. وكذلك نقول في الديون التي يتعذر أداؤها مع الإسلام: إنها تسقط، كالذمي إذا استقرض خمرًا ثم أسلم في إحدى الروايتين. والمعنى في الديون: أن الإسلام لا ينفي ابتداء وجوبها، فلا ينفي استيفاؤها. ولما كانت الجزية دينا لابتداء وجوبه على المسلم، لم يجز أن تستوفى بعد إسلامه. أو نقول: الديون تستوفى بعد الإسلام على الوجه الذي وجبت عليه، والجزية لا يمكن أن تستوفى على الوجه الذي وجبت حال كفره.
٣٠٥٨١ - [قالوا]: لم تسقط بإسلامه كالخراج.
٣٠٥٨٢ - قلنا: إن قستم على خراج موضوع على الأرضين نفلا استصغار فيه؛ لأن حقوق الأموال لا صغار فيها، ولهذا نقول: إن الخراج يبتدأ به المسلم، وليس كذلك حقوق الزمان، ولأن فيها صغارًا والمسلم لا يستصغر.
٣٠٥٨٣ - وإن قستم على أهل الحرب إذا صولحوا على خراج من أرضهم جزية عن رءوسهم، فذلك الخراج سقط بالإسلام لأنه جزية.
٣٠٥٨٤* قالوا: الجزية عوض عن حقن الدم والإقرار على الكفر في دار الإسلام، ولهذا لا يجب على النساء والصبيان؛ لأن دماءهم محقونة، فالدليل على أنها عوض عن المساكنة؛ أنه يجوز أن نهادنهم في دارهم أكثر من سنة بغير جزية ولا يجوز في دارنا.
٣٠٥٨٥ - قالوا: والعوض لا يسقط بالإسلام، كالعوض في الصلح عن الدم والأجرة.
٣٠٥٨٦ - والجواب: أن الجزية ليست عوضًا عن إسقاط القتل، بدليل أن المستأمن في دار الإسلام إذا أقام أكثر من حول، وضعنا عليه الجزية وإن لم يجز قتله، وإنما هي معاقبة، فمتى سقط قتل الكافر وجبت الجزية عليه. وأما المساكنة: فلا تجب الجزية بها، بدليل أن الذمي لو خرج تاجرًا إلى دار الحرب وأقام حولًا، لم تسقط جزيته، وإن كانت المساكنة لم توجد.
стр. 6026
مسألة ١٥١٦
سقوط الجزية بالموت
٣٠٥٨٧ - قال أصحابنا [﵏]: الجزية تسقط بالموت.
٣٠٥٨٨ - وقال الشافعي ﵀: تستوفى من التركة.
٣٠٥٨٩ - لنا: قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله﴾ إلى قوله: ﴿حتى يعطوا الجزية﴾. والميت لا يقاتل، فلا تؤخذ منه الجزية. وقال: ﴿عن يد وهم صغرون﴾. والاستصغار لا يصح بالموت، فتعذر الاستيفاء على الوجه المأمور به فسقط.
٣٠٥٩٠ - ولأنه حق يعتبر فيه الحول، فسقط بالموت كالدية المأخوذة من العاقلة.
٣٠٥٩١ - ولأن الموت معنى يسقط الدية عن العاقلة، فتسقط الجزية، أصله: الاستيفاء.
٣٠٥٩٢ - ولأن الموت يؤثر في التكليف، فيمتنع استيفاء الجزية، أصله: إذا مات أول الحول.
٣٠٥٩٣ - فإن قالوا: هناك لم تجب الجزية.
٣٠٥٩٤ - لم نسلم؛ لأن وجوبها يتعلق بأوله.
٣٠٥٩٥ - ولأنها عقوبة على الكفر، بدلالة أنها تعاقب القتل فصارت كالقتل.
٣٠٥٩٦ - ولا يقال: إن القتل حق بدن فسقط بالموت، والجزية حق مال فلا تسقط، ولأن الحج حق بدن فلا يسقط عند مخالفنا بالموت، والقصاص حق بدن ولا يسقط عندهم بالموت بل ينتقل إلى التركة.
٣٠٥٩٧ - احتجوت: بأنه مال ثابت في الذمة، فوجب ألا يسقط بالموت كسائر الديون.
٣٠٥٩٨ - قلنا: يبطل بمال الكتابة والدية على العاقلة.
стр. 6027
٣٠٥٩٩ - فإن قالوا: مال الكتابة ليس بثابت؛ لأن المكاتب يعجز نفسه فيسقط.
٣٠٦٠٠ - قلنا: والجزية ليست ثابتة؛ لأنه يسلم فتسقط عندنا.
٣٠٦٠١ - ولأنها لا تسقط عندنا بالموت، وإنما تسقط لأنها لا يمكن استيفاؤها على الوجه الذي وجبت عليه، ولهذا سقط عنه في حال الحياة بالإسلام لهذه العلة. والمعنى في الديون: أنها ديون صحيحة لم تجب على وجه الصغار والذلة، ولما وجبت الجزية على وجه الصغار والذلة، سقطت بالموت.
٣٠٦٠٢ - قالوا: الجزية عوض عن حقن الدم وإقرارهم على كفرهم في دار الإسلام، والعوض إذا ثبت لم يسقط بموت من ثبت عليه كالأجرة والثمن والمهر.
٣٠٦٠٣ - قلنا: قد تكلمنا على هذا الوصف وأبطلنا قولهم: إنها عوض عن حقن الدم. بدلالة أنها توضع على المستأمن ودمه محقون، وتؤخذ من الذمي إذا أقام سنة في دار الحرب. والمعتبر في الأجرة والثمن أنه يمكن استيفاؤها بعد الموت على الوجه الذي وجب، وهذا لا يوجد في مسألتنا. أو نقول: إنما يصح إيجابها بعد الموت في مال الميت بأن يبتاع الوصي عبدًا ليعتقه أو ليستأجر من يعمل في ملكه عملًا، وليس كذلك الجزية؛ لأنه لابيتدأ إيجابيها في مال الميت فلا يصح أن يبقى وجوبها بعد الموت.
стр. 6028
مسألة ١٥١٧
الجزية على نساء بني تغلب
٣٠٦٠٤ - قال أصحابنا [﵏]: نساء بني تغلب يؤخذ منهن مثل ما يؤخذ من رجالهم.
٣٠٦٠٥ - وقال زفر: لا يؤخذ من النساء شيء. وبه قال الشافعي ﵀.
٣٠٦٠٦ - لنا: ما روي أن عمر بن الخطاب صالحهم على أن يضاعف عليهم ما يؤخذ من المسلمين. ومعلوم أن المسلم يؤخذ من ماله الزكاة وكذلك المسلمة، فيجوز أن يضاعف على التغلبية.
٣٠٦٠٧ - ولأن هذه جزية وجبت بالصلح والتراضي، فيجوز أن تؤخذ من المرأة، بدليل ما روي عن النبي ﷺ أنه قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن: (خذ من كل حالم وحالمة دينارًا).
٣٠٦٠٨ - ولأن كل من تجب عليه الزكاة إذا كان مسلمًا، تؤخذ منه ضعفها إذا كان تغلبيًا كالرجل؛ لأن المكلف من أهل الحرب رجال ونساء، فإذا جاز أن يجب الجزية على أحد الفريقين، جاز أن تؤخذ من الفريق الآخر.
٣٠٦٠٩ - احتجوا: بأنها جزية، فلا تجب على النساء كغير بني تغلب.
٣٠٦١٠ - قلنا: غير بني تغلب إما أن يضع الإمام جزية عليهم ابتداء ويضعها بالتراضي والصلح، فإن وضعها ابتداء لم يضعها على النساء، وإن وضعها بالتراضي والصلح فهي بحسب ما يقع التراضي عليه، فإن تراضوا على أن يخص الرجال كانت كذلك وتراضوا على أن يكون على الرجال والنساء جاز مثل مسألتنا.
٣٠٦١١ - قالوا: المرأة محقونة الدم، فلا تجري عليها الجزية المضاعفة كالصبي.
٣٠٦١٢ - قلنا: يبطل بالمستأمن إذا وضعت عليه الجزية لإقامته في دارنا أكثر من
стр. 6029
سنة، والمعنى في الصبي: أنه غير مكلف فلم يعاقب بالجزية، والمرأة مكلفة فجاز أن تعاقب بالجزية كالرجل.
٣٠٦١٣ - قالوا: من لا يجري عليه أصل الجزية، [لا تجب عليه] الجزية المضاعفة كالصبي.
٣٠٦١٤ - قلنا: الوصف غير مسلم؛ لأن المرأة يجري عليها أصل الجزية بالصلح، والمعنى في الصبي ما بينا.
стр. 6030
مسألة ١٥١٨
رد المرأة المسلمة بعد عهد الإمام إلى أهل الحرب
٣٠٦١٥ - قال أصحابنا [﵏]: إذا عاهد الإمام قومًا من أهل الحرب فخرجت امرأة منهم إلينا مسلمة، لم يجز ردها إليهم، ولا يجب رد مهرها على زوجها.
٣٠٦١٦ - وقال الشافعي ﵀: الأشبه ألا ترد المهر. وفيها قول آخر: أنه يجب أن يرد المهر من خمس الخمس، فإن خرجت أمة منهم مسلمة لم يردها. وقيل: يرد ثمنها أو قيمتها. فيه قولان.
٣٠٦١٧ - لنا: أن الزوج سلم له البضع بالدخول، فلا يستحق المهر، أصله سائر الحقوق.
٣٠٦١٨ - ولأن المبدل سلم له، فلا يرد إليه كالبيع.
٣٠٦١٩ - ولأن خروجها إما أن تقع فيه الفرقة على ما نقول، أو هو سبب فيها، وإنما كان لم يجب به رد المهر بعد الدخول كالردة، وإن كان الخلاف إذا شرط الإمام رد ذلك، فإن كان شرطًا فاسدًا، فلا يجب به رد شيء كسائر الشروط الفاسدة.
٣٠٦٢٠ - ولأنه لا يجب ردها، فلا يجب رد مهرها، كمن لا هدنة لهم.
٣٠٦٢١ - ولأن زوجها لو خرج مسلمًا، لم يستحق مهرها، كذلك إذا خرج [كافرًا.
٣٠٦٢٢ - قالو]: إذا خرج بعد الإسلام، فقد التزم الإسلام، وليس كذلك إذا خرج كافرًا؛ لأنه لم يلتزم الإسلام.
٣٠٦٢٣ - قلنا: إذا خرج كافرًا فطالب بها ثم أسلم، وجب له المهر وإن كان قد التزم حكم الإسلام.
стр. 6031
٣٠٦٢٤ - فإن قيل: إذا انقضت عدتها أو ماتت فالحيلولة التي ثبتت بينه وبينها ليست هي الإسلام، فلا يجب رد شيء قبل ذلك الحيلولة بالإسلام؛ فوجب رد المهر.
٣٠٦٢٥ - قلنا: الحيلولة بالإسلام حيلولة بحق، فهي كانقضاء العدة، فلا فرق بينهما.
٣٠٦٢٦ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهجرات﴾ إلى قوله: ﴿وأتوهم ما أنفقوا﴾. والمراد بالنفقة: المهر باتفاق.
٣٠٦٢٧ - قلنا: الآية منسوخة؛ لأن منع رد النساء لا يقف على محنتهن، فإنما كان قبل نزول الآية، فكان إذا جاءت امرأة منهن امتحنت: هل خرجت كراهة لزوجها أو لحديث أحدثته أو لحب الإسلام خاصة، ولم يرو رد مهرها، وهذا حكم قد سقط فلا يجوز ردها من غير امتحان ولا يجب رد شيء لأجل منعها. وقد دل على ذلك ما روى يزيد بن هارون عن محمد بن إسحاق أن ابن شهاب حدثه عن عروة ابن الزبير: أن الله تعالى أنزل بعض العهد في النساء يمنع أن يردون إلى المشركين، وأنزل فيهن سورة الممتحنة، وحكم عليهن في ذلك بالذي حكم. وكان النبي ﷺ يرد من جاء من رجال، ويمسك من جاء من النساء إذا امتحن قال عروة بن الزبير: لأنه ﷺ صالح قريشًا يوم الحديبية على أن يرد عليهم من جاء بغير إذن وليه، فلما هاجر النساء أبى الله أن يردون على المشركين، إذا هن امتحن محنة الإسلام وأمر رد صدقاتهم.
٣٠٦٢٨ - وكذلك روي عن جماعة من السلف إذا نسخت الآية بسورة براءة ونبذ العهد، سقط التعلق بها لأن ذلك الشرط صح من النبي ﷺ يوجب الرد،
стр. 6032
فلما تعذر الفسخ وجب رد العوض، وهاهنا لا يوجد؛ لأن الشرط لا يصح.
٣٠٦٢٩ - فإن قيل: الحديبية كان على رد الرجال دون النساء.
٣٠٦٣٠ - قلنا: لأن أهل النقل اختلفوا أن الصلح وقع على رد من جاء مسلمًا، وهذا عام.
٣٠٦٣١ - يبين ذلك: أن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط هاجرات، فجاء أخوها يطالبان بها، فقال ﷺ : (إن الله قد منع الصلح).
٣٠٦٣٢ - فإن قيل: اللفظ عام، فلا يختص بالسبب.
٣٠٦٣٣ - قلنا: بل هو مخصوص؛ لأنه لا يقف منع الرد على المحنة إلا في أهل الصلح خاصة، فأما غير الصلح فلا يرد النساء إليهم من غير محنة، فلم يجز ادعاء الخصوص.
٣٠٦٣٤ - قالوا: للشافعي في صلح الحديبية ثلاثة أقوال: أحدها: أنه شرط رد النساء، وذلك شرط صحيح، ثم نسخ فوجب رد المهر، وأما الآن فلا يصح الشرط فلا يجب المهر. القول الثاني: إن الشرط كان فاسدًا، والله تعالى نبة [ ﷺ ] على الخطأ، وإنما وقع على رد الرجال، إلا أنه شرط أنه لا يتعرض لأنفسهم وأموالهم، والبضع مال للزوج فوجب عوضه للصلح.
٣٠٦٣٥ - وهذا الذي قالوه خطأ؛ لأن الأموال لا تصح في الإخبار عن الماضي. وهذا أمر كان، فلا بد أن يكون وقع على وجه من الوجوه، فالأقاويل لا وجه لها.
٣٠٦٣٦ - وأما قولهم: إن الشرط كان خطأ؛ فالنبي ﷺ معصوم فيها بينه من أحكام الشريعة لا يجوز عليه الخطأ فيه.
٣٠٦٣٧ - وقولهم: إن الأمان تناول الأموال، والبضع مال للزوج.
٣٠٦٣٨ - غلط، لأنا لو أمنا حربيًا على نفسه وماله، لم تدخل زوجته فيه، فسقط هذا الكلام.
стр. 6033
مسألة ١٥١٩
الأخذ من الحربي إذا دخل دارنا بأمان
٣٠٦٣٩ - قال أصحابنا [﵏]: إذا دخل الحربي دارنا بأمان، أخذ الإمام من ماله مثل ما يأخذ أهل الحرب من تجارنا، فإن لم يعلم ما يأخذونه، أخذ منه العشر، ويؤخذ من الذمي إذا مر بماله في كل حول نصف العشر.
٣٠٦٤٠ - وقال الشافعي ﵀: إذا شرط عليه في الأمان أخذ شيء من ماله، أخذ منه، وإن لم يشرط لم يؤخذ منه، وأما الذمي فلا يؤخذ منه أكثر من الجزية، إلا أن يريد دخول الحرم، فلا يدخله إلا إذا أذن الإمام، وإن شرط على المعاهد أخذ شيء، جاز كما يجوز إن شرط على الحربي.
٣٠٦٤١ - لنا: ما روي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عماله: خذوا من الحربي العشر، ومن الذمي نصف العشر، ومن المسلم ربع العشر. حدثني بذلك من سمعه من النبي ﷺ .
٣٠٦٤٢ - وروى عمر بن الخطاب أنه قال لعماله: إذا مر بكم الحربي فخذوا منه ما يأخذون من تجارنا، فإن لم تعلموا ما يأخذون، فخذوا العشر، ومن الذمي نصف العشر، ومن المسلم ربع الشعر. وهذا بمحضر الصحابة من غير خلاف.
٣٠٦٤٣ - فإن قيل: فيه إضمار: خذوا العشر وإن كانوا يأخذون مثله. وعندنا فيه إضمار: إن كنتم شرطتموه.
٣٠٦٤٤ - قلنا: ليس في الخبر عندنا إضمار؛ لأنه أوجب العشر إذا لم يعلم ما
стр. 6034
يأخذون من غير شرط، وأوجب في مال مطلقًا، وعندكم يحتاج إلى شرطين: دخول الحرم، والشرط. وهذا خلاف ظاهر الخبر.
٣٠٦٤٥ - وروي أن عمر بن الخطاب ولى أنس بن مالك البصرة، فولى أنس ابن سيرين مولاه العشر فقال له: توليني المكس من عملك. فقال له أنس: هذا كتاب عمر، فاعمل بما فيه. فكان فيه: خذوا من الحربي العشر، ومن الذمي نصف العشر، ومن المسلم ربع العشر.
٣٠٦٤٦ - ولأنهم استفادوا حظر المال بدخولهم، فوجب أن يلزمهم حق يؤخذ من مالهم كما لو عقدنا الذمة.
٣٠٦٤٧ - ولأن ما جاز أن يؤخذ من مال الكافر بالتراضي، جاز أن يأخذ الإمام بغير شرط، أصله: الجزية.
٣٠٦٤٨ - ولأنه استفاد وحظر دمه وماله، فوجب أن يلزمه حق يأخذه الإمام كما لو شرط عليه.
٣٠٦٤٩ - احتجوا: بأنه قال: لم يشرط الإمام. فوجب أن يكون محظورًا بالأمان المطلق، أصله: ما زاد على العشر.
٣٠٦٥٠ - قلنا: ما زاد على العشر ليس بمحظور إن كانوا يأخذون مثله من تجارنا.
٣٠٦٥١ - ولأن ما زاد على العشر لم يتقدر من حقوق المال المأخوذ من المسلمين، فلم يقدر به ما يؤخذ من مال الكافر، والعشر ونصف العشر يقدر به حق يؤخذ من مال المسلمين، فجاز أن يتقدر به حق يؤخذ من مال الكفار.
٣٠٦٥٢ - قالوا: مال لم يشرط فيه عوض، فصار كما لو عقد الهندنة لأهل الردة وأذن لرسولهم أن يدخل دارنا برسالة.
٣٠٦٥٣ - قلنا: إذا عقد الهدنة لأجل الردة، لم تجب عليهم الجزية، ألا ترى أنه لا يجوز ابتداؤهم بما فلم يلزمهم بغير شرط، وقد تلزم الجزية بغير شرط وهو المستأمن إذا أقام في دارنا أكثر من سنة، كذلك يجوز أن يختلف في باب الأمان لمن هو في دارنا أو من دخل دارنا، وأما الرسول فيؤخذ مما معه العشر عندنا.
стр. 6035
٣٠٦٥٤ - قالوا: مال يؤخذ من الكفار، فلا يعتبر فعلهم فيه، أصله: الجزية.
٣٠٦٥٥ - قلنا: عندنا أنهم إذا أخذوا من تجارنا الجزية، أخذنا منهم الجزية. وأما الجزية: فلو تغيرت في حق أهل الذمة، لم يصح لأنهم من أهل دار الإسلام فلم يجر فيهم فعل أهل الحرب، والحربي من أهل الأمان فيعتبر مثل هذا السبب في تجارنا.
٣٠٦٥٦ - قالوا: الاعتبار بفعل أهل الحرب بأنهم إن كانوا إذا عاهدوا نهبوا وقتلوا فلم يجز أن يفعل مثل ذلك وأخذ عشر مقدر يجوز أن يفعل بالشرط.
٣٠٦٥٧ - لأن لا نقتدي بهم في أفعالهم، ولكن الغرض استمرار الأمان لتجارنا وتجارهم لتصل المنافع بيننا وبينهم إذا أخذنا منهم مثل ما يأخذون منا كان داعيًا إلى تبقية الأمان، لأنهم لا يكررون ذلك، فتكثر بذلك منافع دار الإسلام.
стр. 6036
مسألة ١٥٢٠ -
عقد الذمة مع الكفار
٣٠٦٥٨ - قال أصحابنا [﵏]: إذا عقد الذمة مع الكفار، لم ينتقض شيء مما يأتونه إلا أن يتحيزوا ويتهادنوا بدار الحرب متحيزين بها.
٣٠٦٥٩ - وقال أصحاب الشافعي [﵏]: إذا امتنعوا من مال الجزية أو جريان أحكام المسلمين عليهم أو امتنع بعضهم وقاتلوا، كان ذلك نقضًا لعهدهم وجهًا واحدًا. وسبعة أشياء فيها جهان: الزنى بمسلمة، وإصابتها بنكاح، أو يفتن مسلمًا عن دينه، أو يقطع على المسلمين الطريق، أو يكون جاسوسًا لأهل الحرب، أو يدل على عورات المسلمين، أو يقتل مسلمًا. قالوا: فإن لم يكن شرط في عهدهم أنهم إذا خالفوا فيها يكون نقضا لعهدهم، فإن شرط كان ذلك نقضا وعليه نص الشافعي. ومن أصحابه من قال: لا يكون ذلك نقضًا وإن شرط. وأما سب النبي ﷺ وسب القرآن، فقال المروزي: يكون نقضًا للعهد قولًا واحدًا. وقال غيره: هو كالسبعة التي قدمناها.
وأما إذا رفعوا أصواتهم بالتوراة والإنجيل وأظهروا ضرب الناقوس والخمور والخنازير وتطاول البنيان على بناء المسلمين وتركوا القمار والزنى، فليس بنقض العهد وإن شرط في العهد أنهم ينقضون.
٣٠٦٦٠ - لنا: ما روى حماد بن سلمة عن عطاء بن السائب [عن أبيه]
стр. 6037
عن عبد لله بن عمرو أن قومًا من اليهود قالوا للنبي ﷺ : السام عليك. فقال ﷺ : (السام واللعنة عليكم). ولم ينقض عهدهم بذلك.
٣٠٦٦١ - وروى قتادة عن أنس أن يهوديًا سلم على رسول الله ﷺ فقال: السام عليك. فقال ﷺ : (أتدرون ما قال؟) قالوا: نعم، ورجع مثل ذلك. فقال ﷺ : (إذا سلم عليكم أحد من الكفار، فقولوا: وعليكم).
٣٠٦٦٢ - وروى الزهري قال: أخبرني عروة عن عائشة ﵂ قالت: دخل عدة من اليهود على النبي ﷺ فقال: السام عليك. ففهمتها، فقلت: عليكم السام واللعنة. فقال ﷺ : (مهلًا يا عائشة، فإن الله تعالى يحب الرفق في الأمر كله). فقلت: يا رسول الله، ألم تسمع؟ فقال ﷺ : (قد قلت: وعليكم).
وهذا سب له ﷺ ، ولو كان من مسلم حل دمه، ولم يقتلهم النبي ﷺ .
٣٠٦٦٣ - وروى زيد بن أرقم قال: سحر النبي ﷺ رجل من اليهود، فاشتكى أيامًا، فأتاه جبريل فقال: إن رجلًا من اليهود عقد لك عقدًا، وجعلها في بئر كذا وكذا. فأرسل ﷺ فأخرجها من البئر، فكأنما نشط من عقال، فما رأى ذلك الرجل مما صنع في وجه النبي ﷺ شيئًا ولا خبر به. وهذا قصد الإضرار به في جسده وهو أكثر من السب.
٣٠٦٦٤ - وروى شعبة عن هشام بن زيد عن أنس أن امرأة يهودية أتت النبي ﷺ بشاة مسمومة فأكل منها، فجيء بها فقيل له: ألا تقتلها؟ فقال: (لا).
٣٠٦٦٥ - فإن قيل: ذكر الواقدي أن النبي ﷺ قتل اليهودية.
стр. 6038
٣٠٦٦ - قلنا: روينا أنه لم يقتلها، وإن ثبت فيجوز أن يكون قتلها؛ لأنه تكرر منها ذلك الفعل، فقتلها للسعي في الأرض بالفساد.
٣٠٦٦٧ - فإن قيل: النبي ﷺ لم يقتلها لضعف الإسلام وأن يده تظل عليهم.
٣٠٦٦٨ - قلنا: إن عجز عن قتلها لم يعجز عن بيان وجوب ذلك، فلما لم يبين ذلك دل على أنه يجب؛ لأن أهل الذمة يسبون الله تعالى ويقولون له ولد، والمجوس يقولون ضد وهو أم بين فلا ينقضون العهد بذلك، فسب النبي ﷺ مثله.
٣٠٦٦٩ - ولأنه نوع كفر فلا ينقض بذلك العهد كسائر أنواعه، لأنهم لو سبوا النبي ﷺ في كنائسهم وبيعهم لم ينقضوا به العهد وما لا ينتقض العهد في كنائسهم لا ينتقض به في غيرها كضرب الناقوس وإظهار الخنازير.
٣٠٦٧٠ - ولأن الجزية دين عليهم، والامتناع منها كالامتناع من سائر الديون يؤخذ بغير اختيارهم.
٣٠٦٧١ - ولأن امتناعهم من جريان أحكام الإسلام عليهم أم رحظر بالأمان، فإذا فعلوا وهم في أيدينا لم ينتقض العهد كإظهار الخمر والخنزير.
٣٠٦٧٢ - ولأنه عقد قام بيننا وبينهم، فلا يفسخ بقولهم كعقد البيع.
٣٠٦٧٣ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ إلى قوله: ﴿وهم صغرون﴾. قالوا: فأمر بترك قتلهم شرط إعطاء الجزية، فإذا امتنعوا وجب القتال لعدم الشرط.
٣٠٦٧٤ - قلنا: القتال سقط بالتزام الإعطاء، وقد التزموا فسقط قتالهم. وليس في الآية تكرار الإعطاء، فلا يجوز قتالهم إذا امتنعوا بظاهر الآية.
٣٠٦٧٥ - قالوا: روي أن رجلًا قال لابن عمر: [إني سمعت] راهبًا سب النبي ﷺ . فقال عبد الله بن عمر: لو كنت سمعته أنا لقتلته، إنا لم نعطهم الأمان على ذلك. قالوا: ولا يعرف له مخالف.
٣٠٦٧٦ - قلنا: رواه حصين بن عبد الرحمن عن رجل عن ابن عمر وهم لا يقولون
стр. 6039
بالمراسيل.
٣٠٦٧٧ - ولأن هذا القول لا يعلم انتشاره، وتقليد الصحابي فيما روي عن النبي ﷺ خلافه لا يجوز
٣٠٦٧٨ - قالوا: معنى يحقن دم الكافر، فوجب أن ينتقض بسبهم النبي ﷺ ، أصله: الإسلام. ولأن الإيمان آكد في عقد الذمة، فإذا انتقض بسبهم النبي ﷺ ، فالذمة أولى.
٣٠٦٧٩ - قلنا: المعنى في الإسلام أنه ينتقض باعتقاد الكفر، فلا ينتقض بسب النبي ﷺ .
٣٠٦٨٠ - قالوا: عقد أمان، فوجب أن ينتقض بالمخالفة فيما انعقد، أصله: الهدنة.
٣٠٦٨١ - قلنا: الهدنة خالفوا وتحيزوا، وأما إذا لم يتحيزوا وكانوا في أيدينا فإنا نلزمهم الجزية بغير اختيارهم.
٣٠٦٨٢ - قالوا: ما كان نقضًا للعهد إذا وجد من العدد الكثير، كان نقضًا إذا وجد من العدد القليل، أصله جناية أهل الهدنة.
٣٠٦٨٣ - قلنا: الحكم عندنا لا يختلف بالقلة والكثرة؛ لأن جملة أهل الذمة لو امتنعوا ولم يتحيزوا لم يكن ذلك منهم نقضًا، والواحد إذا تحيز وامتنع كان ذلك منه نقضًا. وكذلك أهل الهدنة إذا خالف الواحد منهم فلم يرضوا ما فعل، فذلك ليس بنقض من جماعتهم.
٣٠٦٨٤ - قالوا: حقن الدم يتعلق ببذل الجزية وجريان أحكام المسلمين عليهم، فما امتنعوا منه يجب أن يعود إلى الإباحة، كما لو امتنع المسلم من الشهادتين.
٣٠٦٨٥ - قلنا: الإباحة [إنما كانت لأنهم حرب لنا، ولهذا تزول الإباحة] من غير جزية، فالهدنة والامتناع لا يعود به حربًا، فإذا تحيز عاد سبب الإباحة فعادت.
٣٠٦٨٦ - فأما المسلم إذا جحد الشهادتين: فلم تعد الإباحة الأولى، وإنما تجددت إباحة أخرى، بدلالة أن الإباحة الأولى ترتفع بالاسترقاق والجزية، وهذه الإباحة لا ترفع إلا بالإسلام، فعلم أن الإباحة الأولى لم تعد بجحود الشهادتين، فلم نسلم الحكم في الأصل.
стр. 6040
مسألة ١٥٢١
مهادنة أهل الحرب
٣٠٦٨٧ - قال أصحابنا [﵏]: يجوز للإمام أن يهادن أهل الحرب بحسب المصلحة، وإن زاد على عشر سنين.
٣٠٦٨٨ - وقال الشافعي ﵀: يجوز لأربعة أشهر لغير حاجة، وعشر سنين للحاجة. ولا يجوز أكثر من ذلك.
٣٠٦٨٩ - لنا: أن الإمام إنما يهادن لما رأى من المصلحة، وقد يوجد ذلك فيما يزيد على عشر سنين.
٣٠٦٩٠ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله﴾. فظاهر الآية يمنع المهادنة إلا أنه ﷺ صالح سهيل بن عمرو عشر سنين، فخصصنا الآية به، وما سواه على الظاهر.
٣٠٦٩١ - قلنا: إنما صالح ﷺ على هذه المدة؛ لأنه رأى المصلحة في ذلك، وهذا موجود فيما زاد إذا كانت المصلحة فيه ثابتة.
стр. 6041
موسوعة
القواعد الفقهية المقارنة
المسماة
التجريد
كتاب الصيد والذبائح
стр. 6042
كتاب الصيد والذبائح
стр. 6043
مسألة ١٥٢٢
أكل الكلب من الصيد
٣٠٦٩٢ - قال أصحابنا [﵏]: إذا أكل الكلب من الصيد، لم يؤكل.
٣٠٦٩٣ - وقال الشافعي ﵀ في القديم: يؤكل.
٣٠٦٩٤ - لنا: قوله تعالى: ﴿وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله﴾. فشرط في الجارح التعليم، وتعليم الكلب يكون بترك الأكل، بدليل ما روي عن ابن عباس أنه قال: تعليم الكلب أن يترك الأكل، وتعليم البازي أن يأتيك إذا دعوته. ثم قال: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾. ومتى أكل منه فلم يمسك علينا، وإنما أمسك على نفسه.
٣٠٦٩٥ - فإن قيل: قد أمسك الباقي على صاحبه.
٣٠٦٩٦ - قلنا: إنما أمسكه؛ لأنه استغنى عنه؛ إذ الظاهر أنه استوفى حاجته.
٣٠٦٩٧ - فإن قيل: الآية تدل على إباحة ما أمسك، وحظر غيره موقوف على الدليل.
٣٠٦٩٨ - قلنا: السؤال حصل عن الإباحة، فالظاهر أن ما عدا المذكور غير مباح.
٣٠٦٩٩ - ولأن الحكم المعلق بشرط يدل على أن ما عداه بخلافه على قول كثير من أصحابنا، ويدل عليه ما روى الشعبي عن عدي بن حاتم أن النبي ﷺ قال: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله تعالى، فكل، فإن أكل فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه).
٣٠٧٠٠ - فإن قيل: روي أنه قال: (فإني أخاف أن يكون أمسك على نفسه).
٣٠٧٠١ - قلنا: قوله: (فلا تأكل). يفيد التحريم، وقوله: (إني أخاف).
стр. 6044
يجوز أن يكون علة للتحريم، ويجوز أن يكون علة للكراهة، فلا يسقط الظاهر التحريم، فلا يأكل بالشك.
٣٠٧٠٢ - ولأن التجويز علة في تحريم الصيد، بدلالة قوله ﷺ : (فإن وقع في ماء فلا تأكل، فلعل الماء قتله).
٣٠٧٠٣ - ولأن ترك الصيد معنى شرط في إباحة الصيد الأول، فكان صيدًا فيما بعده، أصله الإرسال.
٣٠٧٠٤ - ولأنه صيد أكل منه الكلب قبل ثبوت يد صاحبه عليه، فأشبه إذا ترسل بنفسه فوجده قد أكل من الصيد أو أصابه المرة السابقة إذا أكل من الصيد.
٣٠٧٠٥ - ولأنه يجوز أن يكون أكل لفقد التعليم، ويجوز أن يكون أكل لشدة الجوع، فاجتمع فيه وجه الحظر والإباحة، فغلب الحظر كما لو وقع في الماء.
٣٠٧٠٦ - ولأن التعليم في الكلب يكون بترك الأكل، فإذا أكل دل على فقد التعليم، وصيد غير المعلم لا يؤكل.
٣٠٧٠٧ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾. ولم يفصل.
٣٠٧٠٨ - قلنا: بشرط التعليم وهذا غير معلم، وشرط الإمساك وهذا لم يمسك علينا.
٣٠٧٠٩ - احتجوا: بما روي في حديث أبي ثعلبة الخشني أن النبي ﷺ قال: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله، فكل). فقال: وإن أكل منه؟ قال: (نعم، وإن أكل منه).
٣٠٧١٠ - قلنا: هذا الحديث رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمر، وقد روي الخبر عن أبي ثعلبة وأبي إدريس الخولاني وأبي أسماء وغيرهم، ولم يذكروا هذه اللفظة، ولو ثبتت عارضها حديث عدي بن حاتم وهو حاضر، والخبران إذا تعارضا فالمثبت للحظر أولى من المثبت للإباحة.
٣٠٧١١ - ولأن حديث عدي بن حاتم يوافق قوله: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾.
стр. 6045
٣٠٧١٢ - ولأن أخبار عدي بن حاتم في الصيد أشهر، فهو أولى.
٣٠٧١٣ - ولأن خبرنا معلل فهو أولى.
٣٠٧١٤ - ولأن خبرنا بأصل؛ لأن الأصل الإباحة.
٣٠٧١٥ - فإن قيل: نجمع بين الخبرين، نحمل خبركم على الأكل في المرة الأولى، وخبرنا على الأكل في المرة الرابعة.
٣٠٧١٦ - قلنا: في خبرنا: (إذا أرسلت كلبك المعلم). ولا يكون معلمًا إلا بعد الثالثة. ثم هذا استعمال يؤدي إلى حمل الخبرين جميعًا على الخصوص، ونحن نحمل خبر عدي بن حاتم على عمومه وخبر أبي ثعلبة يحمل على الخصوص، ونحمله على الأكل منه بعد ما ثبتت يد صاحبه ونحمله على الأكل من طن أو على الكلب إذ أكل فأدركت ذكاته، ومن حمل أحد الخبرين على عمومه وخص الآخر أولى ممن خصهما جميعًا.
٣٠٧١٧ - قالوا: روي عن ابن عمر وسلمان وأبي هريرة وسعيد بن المسيب أن صيد الكلب يؤكل وإن أكل منه.
٣٠٧١٨ - قلنا: روي عن علي بن أبي طالب وابن عباس وعدي بن حاتم وأبي هريرة وسعيد بن جبير وإبراهيم مثل قولنا.
٣٠٧١٩ - قالوا: عقر الكلب بمنزلة الذكاة، ولو ذبحه آدمي وأكل منه لم يحرم، كذلك عقر الكلب مثله.
٣٠٧٢٠ - قلنا: يبطل بالمرة الثالثة.
٣٠٧٢١ - فإن قالوا: الأكل لا يمنع، وإنما يمنع فقد التعليم.
٣٠٧٢٢ - قلنا: كذلك نقول: إن الأكل ليس بمانع، وإنما المانع فقد التعليم، [ولهذا لو أكل بعد أخذ صاحبه لم يؤثر، لما لم يدل على فقد التعليم].
стр. 6046
٣٠٧٢٣ - ولأننا لا نسلم أن عقره ذكاته بشرائطه، ومن شرطه عندنا ترك الأكل.
٣٠٧٢٤ - قالوا: جارحة أكل من الصيد كالبازي.
٣٠٧٢٥ - قلنا: الأكل عندنا لا يمنع، وإنما يمنع فقد التعليم، وأكل الكلب يدل على عدم التعليم، وأكل البازي لا يدل على عدم التعليم؛ لأن الكلب يضرب حتى يعود ترك الأكل، والبازي لا يمكن ضربه وإنما يعود إلى صاحبه والأكل من الصيد، فأكله يدل على التعليم.
٣٠٧٢٦ - قالوا: لو أكل بعد ما أخذه صاحبه لم يحرم كذلك حال الأخذ.
٣٠٧٢٧ - قلنا: يبطل بالمرة الثالثة.
٣٠٧٢٨ - ولأن أكله بعد أخذ صاحبه لا يدل على فقد التعليم، وأكله قبل ذلك يدل عليه.
٣٠٧٢٩ - قالوا: تعليمه قد حصل بالعادة بترك الأكل، فأكله يحتمل أن يكون لشدة الجوع ويحتمل لنسيان التعليم، فلا يبطل ما علم من تعليمه بالاحتمال.
٣٠٧٣٠ - قلنا: الأكل يحتمل [أن يكون لشدة الجوع] لعدم التعليم ويكون تركه للأكل فيما مضى للشبع والاستغناء عنه، ويحتمل ما ذكروه، والحظر والإباحة إذا تعارضا فالحكم للحظر.
٣٠٧٣١ - ولأنه لو تعلم، لم يتطرق عليه النسيان.
٣٠٧٣٢ - ولأن الصنائع ضرورية، فلا ينساها من تعلمها وإن ضعف فيها.
стр. 6047
مسألة ١٥٢٣
أكل جوارح الطير من الصيد
٣٠٧٣٣ - قال أصحابنا [﵏]: جوارح الطير إذا أكلت من الصيد، أكل.
٣٠٧٣٤ - وقال الشافعي ﵀ في الجديد: لا يؤكل.
٣٠٧٣٥ - لنا: أنه حيوان طاهر السور، أكله من صيده لا يحرمه كالآدمي، [وإن أكله لا يحرم ما تقدم من صيوده، فلا يحرم الصيد الذي أكل منه كالآدمي]، وكما لو أكل بعد ثبوت يد صاحبه عليه.
٣٠٧٣٦ - ولأن البازي لا يمكن ضربه ليترك الأكل، وإنما تعليمه عوده إلى صاحبه، فالأكل لا يدل على فقد التعليم.
٣٠٧٣٧ - ولأنه يعود الأكل من لحم الصيد، ليألف العود ويصيد، وما كان جهة التعليم لا يحرم به الأكل.
٣٠٧٣٨ - فإن قيل: لو كان كذلك، لم يؤكل صيده إذا لم يأكل.
٣٠٧٣٩ - قلنا: ليس الأكل هو التعليم، وإنما هو أحد طرقه.
٣٠٧٤٠ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾.
٣٠٧٤١ - [قلنا: هذا خاص] في الكلب، بدلالة ما ذكرناه.
٣٠٧٤٢ - وكذلك الجواب عن خبر عدي بن حاتم.
٣٠٧٤٣ - قالوا: جارحة أكل من الصيد قبل ثبوت يد صاحبه عليه، فكان كالكلب.
стр. 6048
٣٠٧٤٤ - قلنا: المعنى في الكلب أنه نجس السؤر، فجاز أن يؤثر أكله في التحريم، والبازي طاهر السؤر وأكله لا يؤثر كالآدمي، فإن الكلب يمكن ضربه لترك الأكل والبازي لا يمكن ضربه، فصار هذا موضع ضرورة فيه فلم تمنع الإباحة كالجرح في غير الحلق واللبة.
стр. 6049
مسألة ١٥٢٤
أكل الكلب من الصيد يحرم ما تقدم من صيوده
٣٠٧٤٥ - قال أبو حنيفة ﵀: إذا أكل الكلب من صيده، حرم ما تقدم من صيوده.
٣٠٧٤٦ - وقال أبو يوسف ومحمد [رحمهما الله]: يحرم ما أكل منه، ولا يحرم ما تقدم. وهو قول الشافعي ﵀ على القول الذي يقول: إن الكلب إذا أكل، حرم ما أكل منه.
٣٠٧٤٧ - فمن أصحابنا من حمل قول أبي حنيفة على الصيدين المتقاربين إذا أمسك أحدهما فأكل من الآخر؛ لأن المدة القريبة لا ينسى فيه الصناعة، فعلم أن إمساكه المتقدم لم يكن للتعليم، فأما المدة البعيدة الذي يجوز النسيان في مثلها فلا تحرم ما تقدم.
٣٠٧٤٨ - وقال هذا القائل: وإنما خرج الأمر على العادة؛ لأن لحم الصيد يدخر المدة القريبة ولا يدخر المدة البعيدة.
٣٠٧٤٩ - وهذا الذي قاله هذا القائل يتصور في الكلب القريب العهد بالتعليم فأما ما بعد عهده فإن الأكل يدل على أنه لم يكن معلمًا أمس، وكونه كذلك أمس يدل على أنه لم يكن معلمًا اليوم الذي قبله فلا يزال كذلك حتى يحرم جميع ما تقدمه.
٣٠٧٥٠ - وظاهر قول أبي حنيفة يدل على هذا، وأن المدة القريبة والبعيدة سواء.
٣٠٧٥١ - والدليل على ذلك قوله ﷺ في حديث عدي بن حاتم: (فإن أكل منه فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه). فجعل الأكل علمًا على نفي التعليم، وصيد ما ليس بمعلم لا يؤكل.
٣٠٧٥٢ - ولأن كل جارحة لا يؤكل صيد ما أكلت منه، لا يؤكل ما تقدم من
стр. 6050
صيودها، أصله: غير المعلم وعكسه البازي.
٣٠٧٥٣ - ولأن أكله يدل على فقد التعليم، والأصل فيه عدم التعليم، وما بين الحالتين يحتمل، فغلبت الحالتان المعروفتان الحالة المتوسطة المحجوزة. ولا يلزم المجوس إذا أسلم ثم ارتد؛ لأن الأصل فيه فطرة الإسلام وليس فيه المجوسية؛ لأن ما تقدم من الصيود اجتمع فيه الحظر والإباحة، فالحظر يجوز أن يكون غير معلم كما هو عليه الآن، ويحتمل أن يكون معلمًا وقد نسي فغلب الحظر على الإباحة، كما لو اشترك في الإرسال مسلم ومجوسي.
٣٠٧٥٤ - ولأن تعليم الصيد من الصنائع الضرورية التي تجري مجرى الخياطة والبناء، ومعلوم أن هذه الصنائع إذا تعلمت لم يتصور فيها النسيان بطول العهد، وإن جاز أن يضعف. وإنما يتصور النسيان في علوم الاستدلال والمحفوظات، والتعليم.
أصله: ترك الأكل، فلما أكل لم يجز أن يكون نسي، فلم يبق إلا أن يكون لم يتعلم في الأصل.
٣٠٧٥٥ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿فكالوا مما أمسكن عليكم﴾. وما تقدم قد أمسك على صاحبه.
٣٠٧٥٦ - قلنا: شرط الله إمساك المعلم بقوله: ﴿وما علمتم من الجوارح﴾.
٣٠٧٥٧ - قالوا: روي أنه ﷺ قال لأبي ثعلبة الخشني: (إن كان لك كلاب مكلبة فكل مما أمسكن عليك).
٣٠٧٥٨ - قالوا: وهو فيما تقدم ممسك.
٣٠٧٥٩ - قلنا: التعليم شرط باتفاق، ولو وجد لم ينسه، فعلم أنه ليس بمعلم.
٣٠٧٦٠ - ولأنا نتيقن بأكله في الثاني أنه لم يمسك عليه، بقي الأول يجوز أن يكون إنما أمسك للاستغناء ونحو ذلك، فلا يثبت الشرط الذي علقت الإباحة به.
٣٠٧٦١ - قالوا: روي في حديث أبي ثعلبة أنه ﷺ قال: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله تعالى، فكل ما أمسك عليك). فقال: وإن أكل منه، قال:
стр. 6051
(وإن أكل منه). وإذا دل الخبر على إباحة ما أكل منه، فما لم يأكل منه أولى.
٣٠٧٦٢ - قلنا: ذكر الأكل بعد الإمساك، ومتى أكل الكلب من الصيد بعد إمساكه على صاحبه لم يحرم ما أكل منه [ولا ما تقدمه، ولابد من حمل الكلام على هذا، ولا ناقض الكلام وصار تقديره: كل منه] إذا أمسك وإن لم يمسك.
٣٠٧٦٣ - قالوا: كل ما حل من صيد البازي، حل من صيد الكلب، أصله: إذا لم يأكل منه.
٣٠٧٦٤ - قلنا: يجوز أن يقال: لما حل ما لم يأكل. ألا ترى أن صيده في الحال لو لم يأكل منه حل، فلما أكل، حرم باتفاقنا، لم يجز اعتبار أحد الأمرين بالآخر؟
٣٠٧٦٥ - ولأن البازي لا يمكن ضربه ليترك الأكل، [فلم يجز ضربه على صيوده، والكلب يمكن ضرب على الأكل، فأكله مؤثر في صيوده.
٣٠٧٦٦ - قالوا: ترك أكل الكلب شرط في إباحة صيده، كما أن إسلام الرجل شرط، ثم لو ارتد المرسل لم يرتد ذلك] في صيوده المتقدمة كذلك إذا أكل الكلب.
٣٠٧٦٧ - وربما قالوا: عقر الكلب ذكاة كما أن ذبح الآدمي ذكاة، ثم لا تؤثر الردة فيما تقدم من ذبح الآدمي، كذلك ما تقدم من صيد الكلب.
٣٠٧٦٨ - قلنا: الردة تكون شبهة طارئة على المسلم وذلك لا يؤثر فيما تقدم، من الاعتقاد فلم تستند الردة إلى حالة سابقة، فلم يقدح فيما تقدم، وأكل الكلب يدل على عدم التعليم وذلك لا يؤثر فيما تقدم؛ لأنه لو كان معلمًا لم ينس التعليم. وإذا استند فقد التعليم إلى ما تقدم، لم يحل أكل الصيود المتقدمة.
٣٠٧٦٩ - فإن قيل: إذا جاز أن يتعلم الآدمي القرآن والشعر ثم ينساهما، جاز أن يتعلم الكلب ثم ينسى.
٣٠٧٧٠ - قلنا: الآدمي ينسى ما طريقة الاستدلال والحفظ، ولا ينسى ما طريقة الضرورة كالخياطة والسباحة، وتعلم الكلب من هذا قبيل. ثم [إن الآدمي] إذا
стр. 6052
حفظ وأقام بالدرس لم يجز أن ينسى، كالكلب إذا أدام الصيد إلى أن أكل، لا يجوز أن يكون نسى، فلم يبقى إلا أن يكون لم يتعلم.
٣٠٧٧١ - فإن قيل: الكلب إذا استرسل بالإغراء والزجر وإمساك الصيد لم يجز أن يكون هذا بالاتفاق بل بالتعليم، كما أن الآدمي لا يقول الشعر بالاتفاق.
٣٠٧٧٢ - قلنا: التعليم جملة علوم تحصل للكلب، ففيها الاسترسال عند الإغراء والحد عند الزجر ومنها الإمساك، فليس يمتنع أن يكون تعلم بعض هذه العلوم ولم يتعلم الإمساك، وإنما أمسك فيما تقدم للاستغناء، فعاد إلى طبعه الأكل، فدلنا ذلك على أنه لم يكمل تعليمه، على أنه يجب أن يكتفي في إثبات الحكم بالتجويز، وقد اكتفينا به وذلك لا يمكن دفعنا عنه.
стр. 6053
مسألة ١٥٢٥
ترسل الكلب على الصيد بنفسه
٣٠٧٧٣ - قال أصحابنا [﵏]: إذا ترسل الكلب على الصيد بنفسه فزجره صاحبه فانزجر وأخذ الصيد، حل أكله.
٣٠٧٧٤ - وقال الشافعي ﵀: لا يحل أكله.
٣٠٧٧٥ - لنا قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾. ولم يفصل بين تقدم الإرسال أو تأخره بعد الترسل، فظاهره يقتضي إباحة الجميع.
٣٠٧٧٦ - ولأن هذا معنى لا يمكن أن يحفظ منه في صيد الكلب؛ لأنه ثبت أن الصيد بالطبع، وقد شاهده قبل مشاهدة صاحبه فيتحظر إليه سحبه صاحبه بالزجر والإغراء أو ما لم يمكن الاحتراز فيه في الصيد يسقط اعتباره، أصله وقوع الحرج في محل الذكاء.
٣٠٧٧٧ - ولأن الزجر لو وجد ابتداءً أباح، فإذا وجد بعد ترسل الكلب أباح، أصله: إذا وقف بالزجر. والترسل إذا وقف فقد انقطع ترسله الأول وزوال حكمه وصار ما يفعله بعد ذلك ابتداءٍ ترسل غير مبني على الفعل الأول، وإذا لم يقف فهو ماضٍ على فعله، وإنما يريده حركة ويقوى نشاطه.
٣٠٧٧٨ - قلنا: إذا انزجر فقوي طلبه فقد اجتمع فعل الكلب وفعل صاحبه، وهذا سبب الإباحة كالإرسال المبتدأ، [وكما لو وقف وترسل فالزاجر اجتمع في الترسل الثاني فعلمها ولم نمنع الإباحة].
٣٠٧٧٩ - ولأن فعل الكلب لا يتعلق به حظر [ولا إباحة؛ لأنه آلة، والآلات لا توصف بذلك.
стр. 6054
٣٠٧٨٠ - ولأن من تعلق بفعله حظر] يتصور أن تقع بفعله الإباحة، كالمجوسي إذا أسلم، فلما لم تتعلق بالكلب إباحة بحال، لم تحصل الإباحة بفعل الآدمي لا لوجود فعل الكلب، فإذا زجره فانزجر [انضم إلى] فعله فعل الآدمي، فيتعلق الحكم وسقط ما كان تقدم فيما لا يوصف بالخطر ولا بالإباحة.
٣٠٧٨١ - ولا يلزم إذا أرسل كلبه فشاركه كلب ترسل بنفسه أن الحظر يتعلق بفعل ذلك الكلب؛ لأن الحظر هناك أن فعل الآدمي انضم إلى فعل الكلب فشاركه في الإباحة ما لا يوصف بالإباحة. ولا يلزم إذا أكل الكلب من الصيد؛ لأن أكله يدل على فقط التعليم، وما ليس بمعلم لا يقوم مقام فعل صاحبه.
٣٠٧٨٢ - فإن قيل: إذا قلتم إن فعل الكلب لا يوصف بالإباحة، لم يبق إلا أن يوصف بالحظر.
٣٠٧٨٣ - قلنا: بل نقول: إنه لا يبيح ولا يحظر، وإنما تتعلق الإباحة بفعل آدمي، والحظر يفقد بفعله وفعل الكلب كالموت المبتدأ الذي لا يؤثر في حظر ولا إباحة، وإنما المؤثر في الميتة فقد فعل الآدمي. يبين ذلك أن فعل الكلب موجود مع فعل الآدمي إذا أرسله ابتداء، فلو تعلق بفعله حظر صار كإرسال مسلم ومجوسي، يكشف ذلك أن السمك لما لم يفتقر إلى ذكاة حل بعقر الكلب ولا يحل بالموت.
٣٠٧٨٤ - ولأنه انزجر بزجره من غير تقدم فعل يتعلق به الحظر، فصار كما لو ابتدأ الترسل بالزجر، وكما لو ترسل على شاة فزجره [فاشتد وأخذ صيدًا، وكما لو وقفه وترسل.
٣٠٧٨٥ - قال أصحابنا: ولأن الكلب إذا ترسل فزجره صاحبه فانزجر تعلق الحكم، ولو ترسل على آدمي أو دابة أو صيد فتركه ولو لم يزجر فلم] يضمن.
٣٠٧٨٦ - قال مخالفنا: إذا كان الكلب مع صاحبه ويده ثابتة عليه فما أتلفه بغير زجره يضمنه صاحبه، كما يضمن جناية الدابة إذا كانت معه، فلم يتعلق الحكم بالتمرس والتحريض.
٣٠٧٨٧ - قلنا: إذا انفلت من غير زجر، فقد زالت اليد عنه، فكيف يضمن جنايته مع عدم ثبوت يده عليه، ثم هذا خلاف النص، وقوله ﷺ : (العجماء
стр. 6055
جبار) والعجماء الدابة المنفلته.
٣٠٧٨٨ - قالوا: وإن كان ذلك ليس في يده وجهان، قال المروزي: يضمن ما أتلفه الكلب إذا أغراه. قالوا: فعلى هذا الوجه الفرق بينه وبين الصيد أن المغلب في الصيد الحظر متى اجتمع سبب الإباحة والحظر، والمغلب في مال الآدمي جهة الضمان.
٣٠٧٨٩ - قلنا: المرسل المغلب من الحل إلى الحرم أو من الحرم إلى الحل فلم يتغلب جهة الضمان على غيره، وإنما وجب الضمان بالفعل المحظور، وهذا إرسال محظور كالإرسال في الحرم على صيد.
٣٠٧٩٠ - قالوا: والوجه الثاني أن من أغرى كلبًا على الآدمي فالضمان عليه؛ لأن للكلب اختيارًا ويفارق هذا الاصطياد.
٣٠٧٩١ - ولأن الكلب بالتعليم صار فعله كفعل المكاتب وهو لا يعلم إتلاف الآدمي، فلم يقم فعله مقام فعله.
٣٠٧٩٢ - قلنا: يلزمكم إذا أغراه لصيد آدمي بعدما ترسل وجب ضمانه وسقط حكم ترسله بنفسه، فعلم أنهم كيف جازوا عن هذا الكلام وخرجوا لوجوه فهو لازم لهم.
٣٠٧٩٣ - احتجوا: بأن ترسل الكلب يتعلق به الحظر، وزجر الآدمي يتعلق به الإباحة، وإذا اجتمع سبب التحريم والتحليل، يغلب حكم التحريم، كما لو أرسله مسلم ومجوسي.
٣٠٧٩٤ - قلنا: قد دللنا على أن فعل الكلب لا يوصف بالحظر، وفعل المجوسي يوصف بالحظر، فلم يصح الجمع بينهما.
٣٠٧٩٥ - قالوا: ترسل الكلب فعله، فإذا زجره صاحبه فانزجر بناء على فعله الأول، فصار كما لو أرسله مجوسي فزجره مسلم فانزجر.
٣٠٧٩٦ - قلنا: لا فرق بينهما في المعنى؛ لأنه إذا انزجر بزجر المسلم، فقد اشتركا في الاصطياد فكأنما أرسلاه معًا.
٣٠٧٩٧ - وفي مسألتنا إذا انزجر بزجره فقد اشتركا فكأنه أرسله ابتداءً فترسل.
стр. 6056
مسألة ١٥٢٦
قتل الكلب صيدًا صدمًا
٣٠٧٩٨ - قال أصحابنا [﵏]: إذا قتل الكلب الصيد صدمًا أو خنقًا لوم يجرحه، لم يؤكل. وهو أحد قولي الشافعي ﵀.
٣٠٧٩٩ - وروي عن أبي حنيفة ﵀ أنه يؤكل، وهو أحد قولي الشافعي.
٣٠٨٠٠ - لنا: ما روي عن النبي ﷺ أنه سئل عن صيد المعراض فقال: (إن خزق فكل، وإن أصاب بعرضه فلا تأكل، فإنما هو وقيذ). فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿والمنخنقة والموقوذة والمتردية﴾.
٣٠٨٠١ - فإن قيل: الموقوذة التي ضربت على رأسها حتى ماتت.
٣٠٨٠٢ - قلنا: بل التي وقذ بالضرب، أي موضع وقع الضرب فيها. على أن عند مخالفنا إذا وقذه الكلب بالضرب على رأسه حتى قتله، أكل. وقوله تعالى: ﴿والمنخنقة﴾ عام فيما خنقه الكلب وغيره. ولأنه آلة للاصطياد فاعتبر فيه الجرح كالسهم.
٣٠٨٠٣ - ولا يلزم الآلة التي يصطاد بها السمك؛ لأن التعليل للآلة لا للصيد.
٣٠٨٠٤ - ولأنه حيوان له ذكاة، فلا يحل من غير جرح كغير الصيد.
٣٠٨٠٥ - ولأن ما كان ذكاته العقر مع القدرة فهو ذكاة مع الامتناع، كالبعير إذا ند.
٣٠٨٠٦ - ولأنها بهيمة خرجت روحها من غير عقر كالمقدور.
٣٠٨٠٧ - فإن قيل: المعنى في المقدور أنه اعتبر بحل العقر، فاعتبر العقر، ولما سقط في مسألتنا المحل سقط العقر.
стр. 6057
٣٠٨٠٨ - قلنا: يبطل بالرمي فإن محل الرمي، سقط فيه ولا يسقط اشتراط العقر.
٣٠٨٠٩ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾.
٣٠٨١٠ - قلنا: شرط التعليم، وما لا يعاد الجرح فليس بمعلم.
٣٠٨١١ - قالوا: في حديث أبي ثعلبة: (إن كانت الكلاب معلمة، فكل مما أمسكن عليك). وقال لعدي بن حاتم: (إذا أرسلت كلبك المعلم وذكرت اسم الله، فكل).
٣٠٨١٢ - [قلنا: روي أنه قال]: (ما أنهر الدم، فكل). فدل على أن الجرح معتبر، وقال تعالى: ﴿والمنخنقة والموقوذة﴾. فدل على أنه إذا أمسك ووقذ وخنق لم يؤكل.
٣٠٨١٣ - قالوا: الكلب لا يمكن تعليمه كيفية القتل، وما لا يمكن تعليمه للكلب سقط اعتباره، كالجرح في محل الذكاة.
٣٠٨١٤ - قلنا: الكلب لا يحتاج إلى تعليم الجرح؛ لأنه طبعه، وترك الجرح نادر فيه وما كان في طبعه لا يقال: إن وجوده متعذر. فأما الجرح في محل الذكاة، فليس بغالب في حالة وتعليمه يشق فقط اعتباره كما يسقط الجرح.
٣٠٨١٥ - قالوا: جارح قتل الصيد بفعله الواصل إليه، فأشبه إذا عقره.
٣٠٨١٦ - قلنا: ليس إذا أبيح الأكل مع العقر، أبيح مع فقده، بدلالة السهم.
٣٠٨١٧ - فإن قيل: السهم يمكن الرامي أن يرمي بالمحدد ولا يرمي بالمثقل، فإذا رمى بما لا حد له فقد فرط، وإن رمى بالمحدد ولم يجرح فهو أضعف، وأما الكلب فالجرح وصاحبه لا يقدر عليه منه، فليس يشترط وجوده.
٣٠٨١٨ - قلنا: إذا رمى بالمعراض فأصاب بعرضه فذلك نادر، والمعتاد أن يصيب بحده، فإذا اتفق النادر الذي يكون أضعف الرمي لم يؤكل، كذلك طبع الكلب للجرح فإذا اتفق ترك الجرح الذي يكون من فتور الكلب وضعف تكلبه لم يؤكل.
٣٠٨١٩ - وقولهم: إن صاحبه لا يقدر على فعله.
٣٠٨٢٠ - يبطل بشرط الإمساك، فإن صاحبه لا يقدر على ذلك وهو شرط.
стр. 6058
مسألة ١٥٢٧
أكل الأقل من الصيد من ناحية العجز
٣٠٨٢١ - قال أصحابنا [﵏]: إذا أبان الأقل من الصيد من ناحية العجز فمات، أكل الجملة ولم يؤكل الأقل البائن، وإن كان الأقل من جهة الرأس أكل الجميع.
٣٠٨٢٢ - وقال الشافعي ﵀: أكل الجميع في الحالتين.
٣٠٨٢٣ - لنا: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (ما أبين من الحي فهو ميت). ومعلوم الطرف مبين منها وهي حية، فوجب أن يكون منعه بظاهر الخبر.
٣٠٨٢٤ - فإن قيل: إن هذا خرج على سبب وهو أنهم كانوا يقطعون الألية ويأكلونها، ولا تبقى الغنم حية، ولهذا روي: (ما أبين من حي فهو ميت).
٣٠٨٢٥ - قلنا: المعتبر عندنا وعندهم بعموم اللفظ وإن خرج على سبب خاص، فلأن العقر لا يكون ذكاة حال وقوعه حتى تخرج الروح من غير أن يقدر على الذبح، فالحالة التي يصير الجرح فيها ذكاة العضو بائن فلا يكون ذكاة الجملة ذكاة المنفصل منها. ولا يلزم إذا كان القطع من مقدمها؛ لأن ذلك يقطع العروق وهو ذكاة عند وقوعه، ولهذا يجب ذبح الصيد، وإن ثبتت يده عليه فكان ذكاة الجملة.
٣٠٨٢٦ - ولأنه انفصل منها مع بقاء الحياة.
٣٠٨٢٧ - ولا يلزم إذا قطع المقدم؛ لأن القطع إذا وقع في الصيد لم تبق حياة مستقرة.
٣٠٨٢٨ - فإن قيل: المعنى فيه إذا ذبحه أن الجرح الأول خرج من أن يكون ذكاة، وصار الذبح هو الذكاة. وفي مسألتنا الجرح هو الذكاة؛ لأن الجرح لم يكن ذكاة عند وقوعه، بدلالة أنه يتصور بعده الذكاة وإنما يصير ذكاته عند خروج الروح كما
стр. 6059
يجعل الذبح بعد الجرح ذكاة والعضو في الحالتين بائن فلا يلحقه حكم الذكاة.
٣٠٨٢٩ - ولأنه لم يقطع أكثر الأوداج، فلم يؤكل ما بقي منه، أصله: إذا بقى يومًا.
٣٠٨٣٠ - احتجوا: بما روي أنه ﷺ قال لأبي ثعلبة: (ما ردت عليك قوسك، فكل). وروي: (ما ردت عليك يدك، فكل).
٣٠٨٣١ - قلنا: الرواية: (ما ردت عليك قوسك من الصيد). والعضو الباقي ليس بصيد، فلا يتناوله الخبر.
٣٠٨٣٢ - وقوله ﷺ : (ما أنهر الدم وأفرى الأوداج). ولا يكون فري الأوداج إلا بقطع المقدم.
٣٠٨٣٣ - قالوا: ما كان ذكاة لبعض البدن، كان ذكاة لجمعية، أصله: إذا قطع الثلث المقدم.
٣٠٨٣٤ - قلنا: إذا قطع المقدم فكذلك الجرح ذكاة عند وجوده، بدلالة أن الذبح لا يتصور بعده، وكان ذكاة للجميع. والعقر في مسألتنا ليس بذكاة، بدلالة أن ترتيب الذبح بعده وإنما يصير ذكاة عند خروج الروح قبل القدرة والنحر منفصل في تلك الحال، وتبطل العلة بالدم وما لا يؤكل في الحيوان مثل العروق.
٣٠٨٣٥ - فإن قالوا: ما كان ذكاة لبعض الجملة، كان ذكاة لبقيتها، كالأتان الوحشية إذا حملت من الحمار الأهلي.
стр. 6060
مسائل الذبح
مسألة ١٥٢٨
ترك التسمية على الذبيحة
٣٠٨٣٦ - قال أصحابنا [﵏]: إذا تركت التسمية على الذبيحة أو على رمي الصيد وإرسال الكلب عمدًا، لم يحل أكله.
٣٠٨٣٧ - وقال الشافعي ﵀: يحل أكله.
٣٠٨٣٨ - لنا: قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق﴾. وهذا نهي وظاهر النهي التحريم.
٣٠٨٣٩ - قالوا: الذكر ضد النسيان، وذلك يكون بالقلب، فكأنه شرط ذكر اسم الله تعالى بالقلب، وهذا موجود في ذبح المسلم لا ينسى اسم الله تعالى.
٣٠٨٤٠ - قلنا: إطلاق الذكر ما كان بالنسيان، قال الله تعالى: ﴿اذكروا الله ذكرًا كثيرًا﴾. وقال: ﴿والذاكرين الله كثيرًا والذاكرات﴾.
٣٠٨٤١ - ولأن الذكر بالقلب له وجه آخر.
٣٠٨٤٢ - ولأنه قال: ﴿ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه﴾. والذكر بالقلب لا يكون على الذبيحة، وإنما الذكر عليها باللسان.
٣٠٨٤٣ - قالوا: المراد بالآية الميتة، بدليل قوله تعالى: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم﴾؛ وذلك لأن لاكفار كانوا يأكلون ما قتلتموه، ولا يأكلون ما قتل الله.
следующие страницы →