Полный текст (6 324 стр.). Показаны 6126–6165 · переход к 6131.
стр. 6126
الجاهلية.
٣١٣٥٣ - قالوا: الوليمة سنة في النكاح، بدلالة أنه ﵇ قال لعبد الرحمن: (أولم ولو بشاة). فالنعمة في الولد أعظم.
٣١٣٥٤ - قلنا: ليس السنة في النكاح الذبح وإنما تستحب الوليمة، كذلك يستحب ها هنا الذبح وإطعام الطعام، والخلاف في السنة التي يمنع من تركها.
стр. 6127
موسوعة
القواعد الفقهية المقارنة
المسماة
التجريد
كتاب الأطعمة
стр. 6128
كتاب الأطعمة
стр. 6129
مسألة ١٥٤٩
أكل السمك الطافي
٣١٣٥٥ - قال أصحابنا [﵏]: يكره أكل السمك الطافي.
٣١٣٥٦ - وقال الشافعي ﵀: لا يكره.
٣١٣٥٧ - لنا: ما روى أبو الزبير عن جابر قال النبي ﷺ : (ما ألقى البحر أو جزر عنه الماء فكلوه، وما طفا فلا تأكلوه).
٣١٣٥٨ - فإن قيل: هذا الخبر رواه الثوري وحماد بن سلمة عن أبي الزبير عن جابر قال: ما كان طافيا فلا تأكلوه، وما كان في حافته فكلوه، وإذا كان جزرًا فكلوه). فهذا موقوف من هذين الطرفين.
٣١٣٥٩ - قلنا: واسنده إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ . وهو حافظ زاد على حافظين، وزيادته مقبولة؛ لأنه لو انفرد بحديث قبل منه، فإذا انفرد بزيادة قبلت منه.
٣١٣٦٠ - فإن قيل: المراد به ما تعين.
٣١٣٦١ - قلنا: لو كان كذلك لم يفرق بين الطافي وما جزر عنه.
٣١٣٦٢ - فإن قيل: شرط الطفو ليس بشرط عندكم.
стр. 6130
٣١٣٦٣ - قلنا: إنما ذكر الطفو؛ لأن موته في الغالب لا يعلم إلا به.
٣١٣٦٤ - ولأنه حيوان له دم سائل، فإذا مات حتف أنفه لم يوكل كالشاة والبقرة.
٣١٣٦٥ - فإن قيل: لا تأثير لذكر السائل؛ لأن صغار السمك الذي لا دم له سائل لا يؤكل إذا مات حتف أنفه وكذلك الحشرات.
٣١٣٦٦ - قلنا: ما له دم سائل لا يحل إلا أن يكون موته بسبب، وما لا دم له منه ما يحل بغير سبب وهو الجراد، ومنه ما لا يحل، فقد بان التأثير.
٣١٣٦٧ - فإن قيل: المعنى في الشاة والبقر أنه لو مات بسبب لم يؤكل، كذلك لم ذا مات بغير سبب، وفي مسألتنا بخلافه.
٣١٣٦٨ - قلنا: الصيد إذا مات بسبب العقر أكل، ولو مات بغير عقر لم يؤكل،
٣١٣٦٩ - ولأنه حيوان يحل بالذكاة، فجاز أن يكون ميتة، أو فإذا مات حتف أنفه لم يؤكل، أصله: الشاة.
٣١٣٧٠ - والدليل على الوصف أن السمكة إذا أخذت وهى تبقى حية زمانًا، فذبحت حتى يعجل موتها حلت. ولا يلزم الجراد؛ لأنه لا يتأتى فيه الذكاة.
٣١٣٧١ - ولأن الله تعالى خلق الحيوان في البر والبحر، ثم كان في حيوان البر ما يحرم إذا مات حتف أنفه، كذلك في حيوان البحر.
٣١٣٧٢ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم وللسيارة﴾. قال عمر: صيده ما صدته، وطعامه ما قذف. وقال ابن عمر: طعامه ما ألقى. قال ابن عباس: طعامه ميتته. وروي: مليحة.
٣١٣٧٣ - قلنا: قد اختلف السلف في تأويل هذه الآية، فالذي رووه عن عمر وابنه لا حجة فيه؛ لأن ما قذفه وألقاه فهو حلال، فأما ابن عباس فروي عنه: طعامه مالحة، وما قذف منه البحر.
٣١٣٧٤ - قال أبو السائب: بنو نذبح أهل أسياف البحر؟ قالوا: يا رسول الله، إنا نصطاد من صيد البحر وربما مد البحر حتى يعلو الماء على كل شيء ثم يرجع ويبقى
стр. 6131
السمك بالأرض فنصيبه منا فحلال لنا أكله، فأنزل الله تعالى الآية. وهذا يبين أن الآية نزلت فيما ألقاه البحر.
٣١٣٧٥ - احتجوا: بقوله: ﷺ [في البحر]: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته).
٣١٣٧٦ - قلنا: هذا الخبر رواه سعيد بن سلمة عن المغيرة بن أبي بردة [عن أبي هريرة عن] النبي ﷺ .
٣١٣٧٧ - قال الطحاوي: سعيد بن سلمة مجهول لا يعرف بالعدل، وقد خالفه فيه يحيى بن سعيد الأنصاري وهو أجل منه فرواه عن المغيرة بن أبي بردة عن أبيه عن النبي ﷺ . وهذا منقطع ثم ميتة البحر ما أضيف موته إليه، وذلك لا يكون إلا إذ ألقاه أو مات من برده أو حره وذلك مباح عندنا.
٣١٣٧٨ - ولأن قوله: (الحل ميتته). عام وما طفا فلا يؤكل أخص منه، فيقضى به عليه، كما أن قوله: (حرمت عليكم الميتة). عام، وقوله: (الحل ميتته). خاص، فقضوا به عليه.
٣١٣٧٩ - احتجوا: بقوله ﷺ : (أحلت لنا ميتتان ودمان).
٣١٣٨٠ - قلنا: خبرنا أخص منه.
٣١٣٨١ - ولأن خبرنا يفيد الحظر، فهو مقدم على ما يتقضي الإباحة.
٣١٣٨٢ - فإن قيل: خبرنا عام متفق على استعماله، وخبركم خاص متفق في استعماله، فالعموم المتفق أولى عندكم.
٣١٣٨٣ - قلنا: وخبرنا خاص متفق على استعماله أيضًا؛ لأن المخالف يحمله على الطافي المتغير.
стр. 6132
٣١٣٨٤ - ولأن خصوصه يعضده عموم متفق عليه، وهو قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾.
٣١٣٨٥ - قالوا: يحل بموته بغير فعل مخصوص أو فعل فاعل مخصوص، فحل بموته حتف أنفه قياسًا على الجراد.
٣١٣٨٦ - قلنا: قولكم: بغير فعل مخصوص. لا نسلمه؛ لأنه لا يحل عندنا بفعل مخصوص وهو [أحد إحداد] أو اجتناب الماء عنه أو قذفه له.
٣١٣٨٧ - وقولهم: لا يعتبر فاعل مخصوص. فليس كذلك؛ لأن الله تعالى إذا أماته لم يحل، وإن مات بفعل غيره أو بنقصان الماء عنه. ولأنه إذا وسع حكمه حتى لا يعتبر الفاعل المخصوص، لم يعتبر الفاعل أصلًا، كما أن المتوحش وسع في حكمه فلم يعتبر فيه فعل مخصوص، ثم سقط اعتباره اعتبار الفعل أصلًا.
٣١٣٨٨ - والمعنى في الجراد: أنه نوع ليي له دم ساءل، فلم يعتبر في إباحته فعل حادث. أو نقول: لا تتأتى الذكاة في نوعه، فلم تقف إباحته على فعل حادث، وفي مسألتنا بخلافه.
٣١٣٨٩ - قالوا: ما حل بغير ذبح مع القدرة عليه، حل بموته حتف أنفه كالجراد.
٣١٣٩٠ - قلنا: السمك أخذ شبهًا من الجراد وأخذ شبهًا من حيوان البر، شبهه بالجراد أنه ليس له دم سائل، وشبهه بغيره أن له دمًا سائلًا، فوجب أن يعطى حكمًا من كل واحل من الشبهين ولا يلحق بأحدهما. ومخالفنا جعله كالجراد من كل وجه، وهذا لا يصح.
٣١٣٩١ - قالوا: ما حل أكله إذا مات في البر بكل حال، حل أكله إذا مات في البحر كالجراد.
٣١٣٩٢ - فلنا: إذا مات في البر فقد مات بفعل حادث، وأما إذا مات في الماء فقد مات حتف أنفه، وموت الحيوان الذي تتأتى فيه الذكاة حتف أنفه سبب الحظ.
٣١٣٩٣ - فإن قيل: إذا مات في الماء، فلا بد أن يموت بسبب إما من مرض أو غيره.
٣١٣٩٤ - قلنا: قوله بمرض هو الموت حتف أنفه، [وإنما يعتبر سبب حادث يضاف الموت إليه فلا يكون حتف أنفه].
стр. 6133
مسألة ١٥٥٠
ما يؤكل من حيوان الماء
٣١٣٩٥ - قال أصحابنا [﵏]: لا يؤكل ما سوى السمك من حيوان الماء.
٣١٣٩٦ - ونص الشافعي ﵀ على إباحة جميعه. وقال أصحابه: لا يؤكل الضفدع؛ لأن الخبر ورد فيه.
٣١٣٩٧ - لنا: قوله تعالى: و ﴿قل لا أجد في ما أوحى إلى محرمًا على طاعم يطعمه﴾. فحرم الميتة وهو عام في كل ميتة، وحرم الخنزير وهو عام في خنزير الماء وخنزير البر؛ لأن الاسم يتناوله. ألا ترى أن العرب إذا سمت حيوانًا باسم لم تخصه بما يوجد منه في موضع دون موضع؟ ويدل عليه قوله ﷺ : (أحلت لنا ميتتان ودمان). والمحصور بعدد يدل على أن ما عداه بخلافه على قول ابن شجاع.
٣١٣٩٨ - ولأن مخالفنا إن قال بإباحة جميع حيوان البحر.
٣١٣٩٩ - قلنا: الحيوان المتوحش في أصل خلقته بري وبحري، فإذا كان في أحدهما محظور ومباح، كذلك الآخر.
٣١٤٠٠ - ويدل على تحريم الضفدع ما روي أن النبي ﷺ سئل عن الضفدع يطرح في الدواء، فقال: (خبيثة من الخبائث). ولو كان حلالًا لم يمنع التداوي به.
٣١٤٠١ - ولا يقال: إنما منع منه؛ لأنه سم؛ لأنه إذا كان سمًا يحرم أكله، ولأن السموم تطرح في الأدوية، فلما نهى عن ذلك، علم أنه نهى عنه لتحريمه.
стр. 6134
٣١٤٠٢ - ولأنه ضفدع، فلا يحل أكله كالبرى إذا ثبت تحريم الضفدع.
٣١٤٠٣ - قلنا: حيوان بحري اختلف في أكله كالضفدع.
٣١٤٠٤ - [ولأنه حيوان بري من غير جنس السمك]، فلا يؤكل، [أصله: الضفدع].
٣١٤٠٥ - فإن قيل: المعنى في الضفدع أنه نهى عن قتله.
٣١٤٠٦ - قلنا: النهي عن قتله لا يقتضي التحريم، بدلالة الشاة والبعير، والدليل على تحريم خنزير الماء وكلبه الآية التي قدمناها وقوله ﷺ : (إن الله حرم الكلب وحرم ثمنه، وحرم الخنزير وحرم ثمنه).
٣١٤٠٧ - ولأنه خنزير، فلا يحل أكله كالبري.
٣١٤٠٨ - ولأنه سبع ذو أنياب كالبري.
٣١٤٠٩ - ولأنه يأكل الميتات كسائر السباع.
٣١٤١٠ - احتجوا: بقوله تعالى: (أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعًا لكم). قال ابن عباس: الصيد ما اصطدنا، وطعامه ميتته وقال عمر: (الصيد ما أصيد وطعامه ما رمى به).
٣١٤١١ - والجواب: أن الصيد مصدر صاد، وهو عبارة عن فعل الاصطياد وفعل الاصطياد مباح عندنا، والخلاف في الأكل، وقد يجوز اصطياد ما لا يؤكل لينتفع به في غير الأكل. وليس إذا صرف الصحابي اللفظ عن حقيقته إلى المجاز لزمنا ترك الحقيقة من غير دليل، يبين ذلك أن الله تعالى فرق بين الصيد والطعام، ولو كان كله مأكولًا كان جميعه طعامًا.
٣١٤١٢ - احتجوا: بقوله ﷺ في البحر: (هو الطهور ماؤه الحل ميتته).
٣١٤١٣ - قلنا: هذا عام مخصوص بما ذكرنا.
стр. 6135
٣١٤١٤ - قالوا: روي أن أصحاب النبي ﷺ وجدوا عنبرة على شاطئ البحر، فأكلوا منها، فسألوا النبي ﷺ قال: (هل بقي منها شيء).
٣١٤١٥ - قلنا: العنبرة: السمكة التي تبتلع العنبر، وهى مباحة عنانا.
٣١٤١٦ - قالوا: روي عن أبي بكر ﵁ أنه قال: ما من دابة في البحر تموت إلا قد ذكاها الله لكم.
٣١٤١٧ - قلنا: التذكية تقتضي الطهارة ولا تقتضي إباحة الأكل عندنا، وهذا الحيوان جميعه طاهر.
٣١٤١٨ - قالوا: حيوان لا يعيش إلا في الماء كالسمك، وفيه احتراز من الضفادع لأنها قد تعيش في البر.
٣١٤١٩ - قلنا: الضفدع الذي يعيش في البر نوع غير النوع الذي يعيش في الماء، وانتقض بالضفدع الذي لا يعيش إلا في الماء.
٣١٤٢٠ - ولأن هذا التعليل يقتضي إباحة جنس حيوان البحر، والأجناس متنوعة في الإباحة، بدلالة حيوان البحر.
٣١٤٢١ - ولأن المعنى في السمك أنه غير مستخبث، فليس كذلك ما سواه؛ لأنه مستخبث في العادة، فلم يحل أكله.
стр. 6136
مسألة ١٥٥١
أكل الضبع والثعالب
٣١٤٢٢ - قال أصحابنا [﵏]: يكره أكل الضبع والثعالب.
٣١٤٢٣ - وقال الشافعي ﵀: لا يكره.
٣١٤٢٤ - لنا: ما روي عن علي وابن عباس وخالد بن الوليد وأبي هريرة وأبي ثعلبة لخشني أن النبي ﷺ نهى عن أكل كل ذي ناب من السباع وذي مخلب من الطير. وفي حديث أبي هريرة أنه ﷺ قال: (كل ذي ناب من السباع حرام).
٣١٤٢٥ - وروي أنه ﷺ نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر والبغال وكل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير والمجثمة.
٣١٤٢٦ - فإن قيل: المراد به الناب القوى الذي يعدو به على الناس.
٣١٤٢٧ - قلنا: هذا التخصيص بغير دليل.
٣١٤٢٨ - ولأن ذوات الناب يضعف ناب بعضها عن بعض. ألا ترى أن الكلب كالأسد والسنور الأهلي لا يؤكل مع ضعف نابها؟.
٣١٤٢٩ - ولأن الضباع فاسدة وتبادر وتفترس الغنم وإن ضعفت عن غيرها.
٣١٤٣٠ - ولأنه ذو ناب من السباع مطعمًا؛ لأنها تنبش القبور وتأكل الموتى.
٣١٤٣١ - ولأنه ذو ناب متوحش كالذئب.
٣١٤٣٢ - فإن قيل: المعنى فيه أنه ذو ناب ضعيف.
٣١٤٣٣ - قلنا: يبطل بالهر.
стр. 6137
٣١٤٣٤ - [فإن قيل: الضبع يخلط مع الجيف غيرها.
٣١٤٣٥ - قلنا]: يبطل بالخنزير.
٣١٤٣٦ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحى إلى محرمًا على طاعم يطعمه﴾.
٣١٤٣٧ - قلنا: قيل في التفسير: إن الجاهلية كانوا يحرمون أشياء ويبيحون أشياء، فقال الله تعالى: ﴿قل لا أجد في ما أوحى إلى محرمًا﴾ مما تحرمون ﴿إلا أن يكون ميتة﴾. الدليل على هذا التأويل: أنه رتبه على ما ذكر مما حرموه، ثم قال: ﴿أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على الله كذبًا ليضل الناس﴾. ويبين ذلك: أنا قد علمنا أن الله تعالى قد حرم ما لم يذكر.
٣١٤٣٨ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبيث﴾. والضبع من الطيبات، قال الشافعي: ما زال الناس يأكلون الضبع ويبيعونه عندنا بين الصفا والمروة.
٣١٤٣٩ - قلنا: ﴿ويحل لهم الطيبات﴾. قيل في التفسير: التحريم التي كانت محرمة على بني إسرائيل، أن يحرم عليهم الخبائث يعني الخنزير والميتة والدم. فإن ظن ظان أن الإباحة تتبع ما تستطيبه العرب محال؛ لأنهم كانوا يستطيبون الخمر ولحم الخنزير ويأكلون ما دب على وجه الأرض إلا أم حبين.
٣١٤٤٠ - احتجوا: بحا روي عن عبد الرحمن بن أبي عمار أنه قال: سألت جابر ابن عبد الله عن الضبع أصيد هو، قال: نعم. قلت: سمعته من رسول الله ﷺ ، قال: نعم.
٣١٤٤١ - قلنا: هذا الخبر ذكره أبو داود ولم يذكر فيه الأكل، وإنما ذكر وجوب
стр. 6138
الجزاء. ويحتمل أن يكون سماعه من النبي ﷺ أنه صيد.
٣١٤٤٢ - ولأنه خبر واحد وقد عارضه خبرنا وقد رواه جماعة وهو في الصحيح، فهو أولى مما رواه الواحد.
٣١٤٤٣ - ولأن خبرنا يفيد الحظر، فيقدم على ما يقتضي الإباحة.
٣١٤٤٤ - قالوا: ما وجب الجزاء بقتله من غير امتزاج واختلاط، حل أكله قياسًا على الغزال. وربما قالوا: ما تمحصت ولادته من جنسه، ووجب الجزاء بقتله حل أكله.
٣١٤٤٥ - قلنا: السبع إذا وجب الجزاء بقتله ولم يحل أكله، دل على أن وجوب الجزاء لا يؤثر في الإباحة. ألا ترى أنه ضمان متلف، وضمان المتلفات يستوي فيه المأكول وغير المأكول، فلم يستدل بوجوب الضمان على الإباحة. والمعنى في الأصل أنها بهيمة متفق على طهارة سؤره، والضبع مختلف في طهارة سؤره كالكلب.
٣١٤٤٦ - قالوا: يحل بيع مذبوحة، فوجب أن يحل أكله.
٣١٤٤٧ - قلنا: في جوازه بيع لحم ما لا يؤكل روايتان، ثم جواز البيع لا يستدل به على الإباحة؛ لأن البيع لا يختص بالمأكولات، بدلالة أنه لم يصح فيما لا يؤكل، فكونه مبيعًا لا يدل على الإباحة.
٣١٤٤٨ - قالوا: يطهر بالذبح، فحل لحل لحمه كالشاة.
٣١٤٤٩ - قلنا: الطهارة لا تدل على جواز الأكل، وإنما تستدل إباحة الأكل على الطهارة، فلم يصح هذا الاستدلال.
٣١٤٥٠ - ولأن عند مخالفنا أنه لا يطهر بالذبح، وإنما كان طاهرًا قبل الذبح، فبقي بالذبح على ما كان عليه، فالوصف لا يصح على أصلهم.
стр. 6139
مسألة ١٥٥٢
أكل الضب والقنفذ وابن عرس
٣١٤٥١ - قال أصحابنا [﵏]: يكره أكل الضب والقنفذ وابن عرس.
٣١٤٥٢ - وقال الشافعي ﵀: لا يكره.
٣١٤٥٣ - لنا: ما روي عن عبد الرحمن ابن حسنة أنه قال: نزلنا أرضًا كثيرة الضباب، فأصابتنا مجاعة وطبخنا منها وإن القدر ليغلي بها، إذ خرج النبي ﷺ فقال: (ما هذا؟] فقلنا: ضباب أصبناها. فنهى عنها، وقال: (إن أمة من بني إسرائيل مسخت دوابًا في الأرض، وإني أخشى أن تكون هذه، فأكفئوها).
٣١٤٥٤ - وروي عن عبد الرحمن بن شيل أن النبي ﷺ نهى عن أكل الضب.
٣١٤٥٥ - وروي عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (وددت أن عندي خبزة بيضاء من برة سمراء ملبقة بسمن ولبن). فقام رجل [من القوم] فاتخذه وجاء به، فقال: (في أي شيء كان هذا؟) قال: في عكة ضب. قال: (ارفعه).
٣١٤٥٦ - وروى أبو حنيفة عن حماد عن إبراهيم عن عائشة أنه أهدي إليها ضب، فدخل عليها النبي ﷺ فسألته عن أكله، فنهاها عنه، فجاء سائل فقامت لتناوله، فقال
стр. 6140
- ﷺ لها: (أتطعمينه ما لا تأكلين).
٣١٤٥٧ - وروى حماد بن سلمة عن حماد عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة أن النبي ﷺ أهدى له ضب فلم يأكله فقام عليهم سائل فأرادت عائشة أن تعطيه فقال لها النبي ﷺ : (أتعطينه ما لا تأكلين؟).
٣١٤٥٨ - وفى حديث أبي حنيفة نهاها عنه وهو زائد فهو أولى، وفى خبر حماد ابن سلمة أنه منعها أن تتصدق به، ولو كان مباحًا لم يمنعها أن تتصدق به.
٣١٤٥٩ - وروى عيسى بن نميلة عن أبيه قال: كنت عند ابن عمر فسئل عن أكل القنفذ، فتلا: ﴿قل لا أجد في ما أوحى محرمًا على طاعم بطعمه﴾.
فقال شيخ عنده: سمعت أبا هريرة يقول: ذكر عند النبي ﵇، فقال: (خبيثة من الخبائث). فقال ابن عمر: إن كان رسول الله ﷺ قال هذا، فهو كما قال. ذكره أبو داود.
٣١٤٦٠ - ولأنه من حشرات الأرض، كالحية والفأرة.
٣١٤٦١ - ولأنه من أمة مسخت كالقردة.
٣١٤٦٢ - ولأن ابن عرس من سباع الهوام، والسباع محرمة، بدلالة سباع الوحش.
٣١٤٦٣ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿أحل لكم الطيبات﴾. والضب مما تستطيبه العرب، قال أبو سعيد الخدري: الضب أحب إلي من الدجاجة السمينة.
٣١٤٦٤ - قلنا: الطيبات المراد بها الحلال، لاستحالة أن تتعلق الإباحة بما يطيب لهم والمحرمات كلها طيبة لهم.
٣١٤٦٥ - ولأنه ﷺ سيد العرب وقال: (إني أجد نفسي تعافه). فكيف
стр. 6141
يدعى مخالفنا أنه استطابه كل العرب!.
٣١٤٦٦ - احتجوا: بحديث خالد بن الوليد أنه دخل مع النبي ﷺ بيت ميمونة، أخبروا رسول الله ﷺ بما يريد أن يأكل منه، فقيل: هو ضب. فرفع يده.
قال: فقلت: حرام هو؟ قال: (لا، ولكنه لم يكن بأرض قومي، فأجدني أعافه).
قال: خالد: فاجتررته فأكلته، ورسول الله ﷺ ينظر.
٣١٤٦٧ - قالوا: وعن ابن عباس قال: أهدت خالتي ميمونة إلى النبي ﷺ سمنًا وأقطا وضبا، فأكل رسول الله ﷺ من السمن والأقط، وترك الضب تقذرًا وأكل على مائدته.
٣١٤٦٨ - قلنا: هذا الخبر يفيد الإباحة، وخبرنا يفيد الحظر، والحظر أولى.
٣١٤٦٩ - قالوا: يجوز بيع مذبوحه، فحل أكله كالأرنب.
٣١٤٧٠ - وقد أجبنا عن هذين القياسين في المسألة الأولى.
٣١٤٧١ - قالوا: روي عن عمر أنه قال: لم ينه رسول الله ﷺ عن الضب، ولم يأمر به، ولو وجدناه لأكلناه.
٣١٤٧٢ - قلنا: إن كان الاستدلال بأنه ﷺ لم يحرمه، فقد روينا أنه حرمه، فيجوز أن عمر لم يبلغه ذلك. وإن كان الاستدلال بقول عمر، فقد روي عن علي كراهته.
стр. 6142
مسألة ١٥٥٣
أكل لحم الخير
٣١٤٧٣ - قال أبو حنيفة. ﵀: يكره أكل لحم الخيل.
٣١٤٧٤ - وقال أبو يوسف ومحمد [رحمهما الله]: لا يكره. وبه قال الشافعي ﵀.
٣١٤٧٥ - لنا: قوله تعالى: ﴿والأنعام خلقها لكم فيها دفء﴾. إلى قوله: ﴿لتركبوها وزينة﴾ فذكر منافع كل واحد من النوعين عل طريق الامتنان، ولو جاز أكل لحم الخيل لذكره؛ لأن منفعة الأكل أعظم من منفعة الركوب.
٣١٤٧٦ - ولا يقال: إنه ذكر المقصود من كل نوع، ولم يذكر جميع المنافع، بدلالة أنه لم يذكر البيع، ولم يذكر ركوب الأنعام.
٣١٤٧٧ - قلنا: الظاهر يقتضي أن البيع لا يجوز، لولا دلالة الإجماع، فأما ركوب الأنعام فقد ذكر: ﴿وتحمل أثقالكم﴾.
٣١٤٧٨ - فإن قيل: إنه تعالى ذكر منافع الحيوان، والأكل من منافع اللحم.
٣١٤٧٩ - قلنا: اللحم من منافع الحيوان، ولهذا ذكره في منافع الأنعام.
٣١٤٨٠ - فإن قيل: إنما لم يذكر الأكل؛ لأنه لم يعم جميعها، وذكره في الأنعام لأنه يعمها.
٣١٤٨١ - قلنا: لو جاز أكل شيء منها، لذكر الأكل.
٣١٤٨٢ - ولأنه لم يعمها كما ذكر الأنعام فقال: ﴿وتحمل أثقالكم﴾. ومعلوم أن الغنم لا تحمل الأثقال.
стр. 6143
٣١٤٨٣ - ويدل عليه ما روى صالح بن يحي بن المقدام بن معدي كرب عن أبيه عن جده عن خالد بن الوليد: أن النبي ﵇ نهى عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير وعن كل ذي ناب من السباع.
٣١٤٨٤ - فإن قيل: يجوز أن يكون نهى عن ذلك؛ لأن الحاجة دعت إلى ركوبها، كما روي أنه نهى عن ذبح ذوات الدر وعن ذبح فتي الغنم.
٣١٤٨٥ - قلنا: ظاهر النهي يفيد التحريم، فمتى عدل به عن الظاهر احتاج إلى دليل.
٣١٤٨٦ - قالوا: قال أبو داود: وهذا منسوخ، قد أكل لحوم الخيل جماعة من الصحابة، ابن الزير وفضالة بن عبيد وأنس وأسماء.
٣١٤٨٧ - قلنا: النسخ لا يثبت بالاستدلال، ولا يلتفت إلى قول أبي داود.
٣١٤٨٨ - ولأنه ذو حافر أهلي كالحمار.
٣١٤٨٩ - ولأن ولده لا يؤكل وهو البغل، فلا يؤكل نفسه كالحمار.
٣١٤٩٠ - فإن قيل: اتفاق الخيل والبغال في الحافر لا يوجب اتفاقهما في الحظر، ألا ترى أن الجمل والفيل قد اتفقا في الخف، ولم يتفقا ني الإباحة ولا في الحظر؟.
٣١٤٩١ - قلنا: الفيل وافق ذات الخف في الخف وفارقها في الناب، وذو الناب منصوص على تحريمه، فلم يصح القياس بالخف لإثبات إباحته، مع نص التحريم على أن الفيل لا خف له. قال ابن دريد في الجمهرة: الجمل والنعامة ذوا خف، وليس غيره من الحيوان ذو خف. والخيل ساوت الحمر والبغال في الحافر ولم تنفرد عنها بمعنى يمنع القياس.
٣١٤٩٢ - ولأن الخيل يستحق بها شيء من الغنم، فأثر ذلك في لحمها كالآدمي.
стр. 6144
٣١٤٩٣ - احتجوا: بحديث جابر قال: أطعمنا النبي ﷺ لحم الخيل، ونهانا عن لحوم الحمر. وروي أنه قال: ذبحنا يوم خيبر الخيل والبغال والحمير، ولم ينهنا عن الخيل.
٣١٤٩٤ - قلنا: خبر جابر قد اختلف لفظه، وروي: أطعمنا. وروي: لم ينهنا. وروي: رخص لنا. وخبرنا لا تعارض فيه، وخبر جابر يقتضي الإباحة. وليس يمنع أن يكون ﷺ حرم الحمر، وأنه حرم الخيل بعدها، أو يكون رخص فيها لأجل الضرورة، ولم يرخص في الحمر؛ لأن تحريم الخيل أخف.
٣١٤٩٥ - فإن قيل: يجوز أن يكون حرمها، ثم أذن فيها؛ لأن الإذن يقتضي تأخر الإباحة.
٣١٤٩٦ - قلنا: لم يقل أحد أن الخيل كانت محظورة ثم أبيحت.
٣١٤٩٧ - ولأن الإذن لا يقتضي تقديم حظر عليه، وإنما يفيد الإباحة وهي الأصل، والحظر طارئ فكان أولى.
٣١٤٩٨ - قالوا: روي عن ابن الزبير وأنس بن مالك وفضالة بن عبيد وسويد بن غفلة وأسماء بنت أبي بكر وعلقمة أنهم كانوا يأكلون لحوم الخيل وكانت قريش لا تزال تأكل لحوم الخيل على عهد النبي ﷺ ، فهو إجماع.
٣١٤٩٩ - قلنا: قد روي حظر لحومها عن ابن عباس، واحتج في ذلك بالآية، فكيف تصح دعوى الإجماع؟.
٣١٥٠٠ - قالوا: مذبوحه يحل بيعه أو مذبوحه طاهر، أو لا ينجس بالذبح، فصار
стр. 6145
كالنعم.
٣١٥٠١ - قلنا: البيع لا يدل على الإباحة كالسباع، والطهارة لا تدل على الإباحة، كالشاة المسومة.
٣١٥٠٢ - وقولهم: لا ينجس بالذبح. يبطل على أصلهم بالكلب؛ لأنه لا ينجس بالذبح، وإنما تبقى نجاسته بحالها. والمعنى في النعم أنه حيوان لطلب النماء بدره ونسله، والخيل يطلب النماء بنسلها دون درها. أو نقول: النعم ورد الشرع بالامتنان بركوبها وأكلها، والخيل ورد الشرع بالامتنان بركوبها دون أكلها.
٣١٥٠٣ - قالوا: حيوان يسابق عليه كالبعير.
٣١٥٠٤ - قلنا: المسابقة جازت لتلقين عدة القتال، وهذا المعنى يقتضي ترك الأكل ليتوفر على القتال، والمعنى في البعير ما قدمنا.
стр. 6146
مسألة ١٥٥٤
شبع المضطر من الميتة
٣١٥٠٥ - قال أصحابنا [﵏]: لا يجوز للمضطر أن يشبع من الميتة، وإنما يأكل منها مقدار ما يمسك رمقه. وهو أحد قول الشافعي ﵀.
٣١٥٠٦ - قال وفي قول آخر: يأكل حتى يشبع.
٣١٥٠٧ - لنا: قوله تعالى: ﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾. فحرم الميتة، وأباحها وهو ما يدعو إليه الضرورة، فما لا ضرورة إليه على أصل التحريم.
٣١٥٠٨ - فإن قيل: أنه يضطر إلى الشبع؛ لأن الغالب أن هذا يكون في الأسفار، فمتى لم يشبع لم يقدر على المشي فيتأخر عن رفقته.
٣١٥٠٩ - قلنا: إذا لم يخف التلف، لم يجز أن يأكل وهذا خلاف قولهم، وإذا خاف التلف من الوجه الذي ذكره، جاز أن يأكل عندنا ما يزيل ذلك الخوف، فسقط هذا الاعتراض.
٣١٥١٠ - قالوا: في الآية إضمار، فعندكم: إلا قدر الذي اضطررتم إليه. وعندنا: إلا الذي اضطررتم إليه. والإضمار الواحد أولى من إضمارين.
٣١٥١١ - قلنا: نحن نتساوى في الإضمار ونقول: إلا الذي اضطررتم إليه. وما زاد على تمسك الرمق لا ضرورة إليه، والذي قد يكون الجنس والقدر قد يدخل في الاستثناء إلا ما يستفاد دخوله.
٣١٥١٢ - ولأن الضرورة زالت بالجزء الأول، فلو أكل بعده أكل للحاجة لا للضرورة، والميتة لا تستباح بالحاجة كالابتداء. أو لأن الجزء الأول في حق المضطر كالطعام المباح، ولو كان معه ذلك المقدار من لحم مذكى فأكله، لم يجز أن يتمم أكله
стр. 6147
من الميتة، كذلك إذا أكل الجزء الأول منها.
٣١٥١٣ - ولأن كل حكم تعلق بمعنى، زال بزواله إلا أن يلحقه معنى آخر يتعلق الحكم به، وقد زالت الضرورة التي أبيح لأجلها، فتزول الإباحة.
٣١٥١٤ - فإن قيل: لا يمتنع أن يختلف حكم الابتداء والبقاء، كما أن القادر على نكاح الحرة لا يتزوج الأمة، فإذا تزوجها وهو لا يجد الطول ثم وجد، لم يؤثر ذلك في نكاحها.
٣١٥١٥ - قلنا: عندنا تتساوى الحالتان ني مسألة الاستشهاد، فيجوز أن يتزوج أمة مع وجود الطول وتبقى على نكاحها معه، لكنا نسلم أن في الأصول ما يختلف فيه الابتداء والبقاء إذا كانت علة الابتداء غير موجودة ني حال البقاء، فأما إذا وجدت في الحالتين على وجه واحد مثل مسألتنا لم يختلفا.
٣١٥١٦ - ولأن هذا الكلام يصح فيما له ابتداء ومداومة، وكل جزء من الأكل ابتداء أكل؛ لأن الأكل ينقطع ثم يستأنف ما يتناوله، فهو ابتداء. وأي فرق بين أن يأكل الجزء الأول من طعام مباح، فكذلك هو في الآخر.
٣١٥١٧ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عادٍ فلا إثم عليه﴾
٣١٥١٨ - قلنا: عندكم تقدير الآية: فلا إثم عليه في الأكل. وعندنا: فلا إثم عليه فيما يدفع الضرورة. وما أضمرناه أولى؛ لأن المضطر قد يضطر إلى أكلها وإلى الاستصباح بودكها وإلى لبس جلدها ليدفع الحر والبرد، وهذا حكم تبيحه الضرورة المذكورة، فإضمارنا بدفعها أولى من إضمار الأكل الذي لم نجد له ذكرًا.
٣١٥١٩ - ولأنه قال: ﴿غير باغٍ ولا عادٍ﴾. أي: باغ في الأكل، ولا متعدٍ فيه. ومن تجاوز قدر الضرورة، فقد اعتدى عندنا.
٣١٥٢٠ - وزعم مخالفنا أن المراد: غير باغ على الإمام.
٣١٥٢١ - وإذا اختلفا في ذلك، لم نسلم الإباحة إلا بعد ارتفاع البغي.
٣١٥٢٢ - فإن قيل: قد جعل الله تعالى البغي صفة الأكل عندما ابتدأ أكله فأنتم تجعلونه صفة في الحالة الثانية.
стр. 6148
٣١٥٢٣ - قلنا: بل نجعله صفة في الحالتين مبيحة الأكل غير قاصد الشبع؛ لأن القصد إلى ذلك بغي وعدوان.
٣١٥٢٤ - قالوا: روى جابر بن سمرة أن رجلًا جاء النبي ﷺ ومعه أهله وولده، فسأله عن ناقة له نفقت، فقال النبي ﵇: (هل عندك غنى يغنيك؟) قال: لا قال: (فكلوها). وهو عام في سد الرمق والشبع.
٣١٥٢٥ - قلنا: أباح بشرط ألا يجد ما يغنيه، وقد استغنى بالجزء الأول، فلا يحل له الباقي. يبين ذلك أن الإباحة في القرآن والأخبار مشروطة، فلا يسقط شرطها بخبر واحد، ولا بد من أن تحل الإباحة هاهنا على شرط لم ينقل.
٣١٥٢٦ - احتجوا: بحديث أبي واقد الليثي أن رجلًا قال: يا رسول الله، إنا نكون بأرض فتصيبنا المخمصة، فمتى تحل لنا الميتة؟ فقال: (ما لم تصطبحوا ولم تغتبقوا ولم تحتفئوا بها بقلًا، فشأنكم بها) فأباح أكلها إذا لم يجدوا ما ذكر وهو على عمومه.
٣١٥٢٧ - قلنا: للمضطر أكلها إذا وجد البقل وهو أصل البردي. كذلك يحظر إذا أكل منها ما يقوم مقامه، ومن يستيسده، وصار هذا تنبيهًا على أن الإباحة يشترط فيها الضرورة، وذلك لا يوجد في الجزء الثاني من الميتة.
٣١٥٢٨ - قالوا: ما جاز أن يسد الرمق منه، جاز الشبع منه، أصله: الطعام الحلال ولبن الميتة.
٣١٥٢٩ - قلنا: نقول بموجب العلة إذا كان ما به من الضرورة لا يزول إلا بالشبع، ويخالف الإكراه فإن المكره على أكل الميتة يجوز أن يشبع. والمعنى في المباح: أنه يجوز أن بيتدأ به من غير ضرورة فجاز البقاء، والميتة لا يجوز أكلها من غير ضرورة لولدها
стр. 6149
وبيضها ولحمها ولا يجوز أكلها في حال حياتها من غير ضرورة، فلم يجز الشبع منه بعد موتها.
٣١٥٣٠ - قالوا: طعام مباح من جهة الشرع، فجاز أن يشبع منه كسائر الأطعمة.
٣١٥٣١ - قلنا: نقول بموجبه على ما قدمنا، ولا نسلم أنه مباح على الإطلاق، بل أبيح منه ما يمسك الرمق.
٣١٥٣٢ - قالوا: يجوز أن يشبه من لبنها كالمذكاة.
٣١٥٣٣ - فقد كلمنا على هذا الوصف والأصل.
стр. 6150
مسألة ١٥٥٥
أكل الميتة أو مال الناس
٣١٥٣٤ - قال أصحابنا [﵏]: إذا اضطر إلى أكل ميتة أو إلى مال رجل من الناس لم يأذن له في أكل طعامه، أكل الميتة ولم يتعرض لملك غيره.
٣١٥٣٥ - وقال الشافعي ﵀: إذا لم يكن لصاحبه ضرورة إليه ولا يحتاج في أخذه إلى مقاتلة، فإنه يأكله ويضمنه، ولا يأكل الميتة. ومنهم من قال بقولنا.
٣١٥٣٦ - لنا: أن المنع من أكل الميتة لحق الله تعالى وقد أذن فيها بشرط الضرورة، والمنع من مال الآدمي لحقه ولم يأذن، ولا للآكل حق في ماله، فصار إطعام الآدمي إذن له في أكله، وطعام الآخر لم يأذن له.
٣١٥٣٧ - ولأن حق الله تعالى أوسع وحق الآدمي أضيق؛ لأن الله تعالى غني عن حقوقه والآدمي فقير إليها، ولهذا يقدم القصاص على الحدود، وكان تناول ما حظر لحق الله تعالى أولى من تناول ما حظر لحق الآدمي.
٣١٥٣٨ - ولأنه يضطر إلى ميتة والى ما يمنع منه إتلافه لحق الآدمي، وصار كمن وجد الميتة وذبيحة المجوسي، وكمن وجد الماء النجس وخمر الذمي.
٣١٥٣٩ - ولأن الضرورة تبيح كل واحد منهما، وفي مال الآدمي إضرار به وكان تناول لا تدخل الضرورة على غيره أولى. ولا يلزم إذا وجد الميتة ومال ابنه؛ لأن مال الابن لا تقف إباحته على الضرورة، بل يجوز أخذه للحاجة.
٣١٥٤٠ - احتجوا: بأن ما لو كان لأخيه أو عمه، منع من أكل الميتة، فإذا كان لأجنبي وجب أن يمنع، أصله: إذا كان صاحبه حاضرًا فبذله.
стр. 6151
٣١٥٤١ - قلنا: إذا بذله فقد وجد ما يجوز استباحته من غير ضرورة، ويمكنه إزالة ضرورته من غير إدخال الضرر على مالكه، فصار كما لو وجد طعامًا مباحًا وطعامًا للغير.
٣١٥٤٢ - قالوا: طعام طاهر صاحبه غير مضطر إليه ولا يحتاج ي لحله إلى أن يعوز بنفسه، فوجب أن يمنع من أكل الميتة، أصله: إذا بذل له صاحبه بعوض مثله أو بغير عوض.
٣١٥٤٣ - قلنا: إذا بذله صاحبه فقد زالت الضرورة، فلم يجز له أكل الميتة من غير وجود شرطها، وإذا لم يبذل لم يمكنه إزالة الضرورة إلا بإدخال ضرر على آدمي، فصار كما لو بذل له بأكثر من ثمن مثله جاز له أكل الميتة حتى لا تدخل الضرورة على نفسه يبذل الزيادة. فإذا كان يجوز له أن يأكل الميتة حتى لا يضر بنفسه في ماله، فلأن يأكلها حتى لا يضر بغيره في المال الذي لا تبيحه الضرورة أولى.
٣١٥٤٤ - فإن قاسوا على مال الأخ والعم، قلنا: بينهما رحم كامل، فتناول ماله عند الضرورة أولى من أكل الميتة، كمن وجد طعام ابنه أو أبيه، والله أعلم بالصواب.
стр. 6152
موسوعة
القواعد الفقهية المقارنة
المسماة
التجريد
كتاب السبق والرمي
стр. 6153
كتاب السبق والرمي
стр. 6154
مسألة ١٥٥٦
المسابقة على الأقدام
٣١٥٤٥ - قال أصحابنا [﵏]: تجوز المسابقة على الأقدام بعوض وبغير عوض.
٣١٥٤٦ - وقال الشافعي ﵀: لا تجوز بعوض. ومن أصحابه من قال: فيها وجه آخر وهو أنه يجوز.
٣١٥٤٧ - لنا: ما روي عن عائشة قالت: سابقني رسول الله ﷺ فسبقته، ثم سابقني فسبقني، وقال: (هذه بتلك). وإذا المسابقة بالأقدام، جاز العوض عليها كالسبق بالخيل والإبل. ولا يلزم السبق بالسفن؛ لأن قياس قولهم يقتضي جوازه. ولا يلزم السبق بالطيور؛ لأنه لا يجوز بغير عوض، ولأنه حيوان يسهم له من الغنيمة، فجاز المسابقة به بعوض كالفرس.
٣١٥٤٨ - ولأن القتال تارة يقع فارسًا وتارة يقع راجلًا، فإذا جازت المسابقة بعوض بالفرس كذلك بالرجل.
٣١٥٤٩ - ولأن المسابقة تجوز بالخيل والإبل لما فيها من المعونة على وجوب العدو والكر والفر، وهذا موجود في المسابقة بالقدم لما فيها من طلب الرجل العدو والنجاة منه إذا طلب.
٣١٥٥٠ - احتجوا: بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (لا سبق إلا في خف، أو في حافر، أو نصل). قالوا: هذا يقتضي أنه لا يجوز السبق بغير ذلك بعوض وغير عوض.
٣١٥٥١ - قلنا: قامت الدلالة على جوازه بغير عرض، يقي الباقي على الظاهر،
стр. 6155
وإنما ذكر النبي ﷺ التي يحتاج إليها في وقت القتال العدو لنفسه بها على كل وجه يجرى مجراها، ولم يتعرض لذكر العوض، وإنما العوض فرع على الجواز، فإذا ثبت مفهوم الكلام والإجماع جواز السبق علي الأقدام، ثبت جواز العوض أيضًا؛ لأنه مانع للجواز.
٣١٥٥٢ - قالوا: قد روي: (لا سبق إلا في خف أو حافر). والسبق: العوض المسابق عليه.
٣١٥٥٣ - قلنا: الرواية لا تضبط بتحريك السبق والمشهور تسكينها.
٣١٥٥٤ - ولأن النبي ﷺ تكلم بأحد الأمرين، فلا يجوز ثباتهما.
٣١٥٥٥ - قالوا: شرط العوض ليس بلازم، فوجب أن يكون فاسدًا كالسبق في السباحة والمقامرة.
٣١٥٥٦ - قلنا: السبق إذا لم يلزم العوض فسد العقد، بدلالة المضاربة، والذي قاسوا عليه أن كان يحتاج إليه في المجاهدة وأخذ العوض في السبق عليه جائز، وان كان لا يحتاج إليه فيما فهو لا ينتفع به ني الجهاد فكذلك لم [يجز أحد] العوض عنه.
٣١٥٥٧ - قالوا: نوع غرر، فلا يجوز العوض إلا فيما ورد الشرع به.
٣١٥٥٨ - قلنا: هذا كلام من يخص العلة، وعندكم لا يصح تخصيصها، فأما على قولنا فالغرر سامح به في العقود الجائرة كالمضاربة والشركة.
٣١٥٥٩ - قالوا: العدو لا يحتاج إلى تعلم وهو في مقدور كل أحد صحت بنيته، وكان بذل المال فيه من القمار كبذل المال على الصياح.
٣١٥٦٠ - قلنا: هذا غلط؛ لأن ركوب الخيل في كل طبع سليم الخلقة، لكنهم يتفاضلون فيه، فالمسابقة يرتاض فيها للتفاضل، كذلك العدو يتفاضل فيه الناس، ويتعلمون الصبر عليه والسرعة فيه حتى كل ما يتعلم الفروسية، والمسابقة تحصل بهذا المعنى، فأما الصياح فلا يحتاج إليه في الحرب بل يعد فضلًا، فكذلك لم يجز بدل العوض.
стр. 6156
مسألة ١٥٥٧
بدل العوض في الصراع
٣١٥٦١ - الذي يقتضيه مذهب أصحابنا [﵏] أن بدل العوض في الصراع جائز.
٣١٥٦٢ - وقال أصحاب الشافعي [﵏]: المشهود من المذهب أنه لا يجوز، وفيه وجه أخر أنه جائز.
٣١٥٦٣ - لنا: ما روي أنه ﷺ خرج إلى الأبطح، فرأى [يزيد بن] ركانة يرعى أعتزًا، فقال للنبي ﷺ : هل لك في أن تصارعني يا محمد؟ فقال النبي ﷺ : (ما تسبق لي؟) فقال: شاة. فصارعه فصرعه. ثم قال: هل لك في العود؟ فقال: (ما تسبق لي؟)، قال: شاة. فصارعه فصرعه، ثم قال: هل لك في العود ثالثة؟ فقال: (ما تسبق لي؟)، قال: شاة. فصارعه فصرعه، فقال: اعرض علي الإسلام، فما وضع جنبي الأرض أحد قبلك. وهذا يدل على جواز المصارعة وأخذ العوض عنها.
٣١٥٦٤ - فإن قيل: علم النبي ﷺ أنه يسلم.
٣١٥٦٥ - قلنا: علمه بأنه يسلم لا يجوز له شرط ما لا يجوز شرطه.
٣١٥٦٦ - قالوا: لما أسلم رد العوض عليه، فدل أنه لا يستحق.
٣١٥٦٧ - قلنا: ليس إذا تبرع بالرد يدل على أن الأخذ لم يكن مستحقًا، بل تبرع له برده بعد إسلامه.
٣١٥٦٨ - قالوا: ليس بآلة للحرب مع القدرة، فصار كالمشابكة.
٣١٥٦٩ - قلنا: لا نسلم ذلك؛ لأنه يحتاج إليه في قتال العدو، ولأنه يحدث الشدة فيبادر الإنسان عدوه بنفسه، فأما المشابكة فيجوز بدل العوض فيما
стр. 6157
مسألة ١٥٥٨
العقد في المسابقة
٣١٥٧٠ - قال أصحابنا [﵏]: بدل العوض في المسابقة لا يلزم بالعقد، وإنما يلزم بوجود السبق. وهو أحد قول الشافعي ﵀.
٣١٥٧١ - وقال في القول الآخر: هو عقد لازم كعقد الإجارة.
٣١٥٧٢ - لنا: أنه عقد على ما لا يمكن فيه التسليم عقيب العقد، فلا يتعلق به الاستحقاق كالمضاربة.
٣١٥٧٣ - ولا يلزم إذا استأجر جملًا إلى مكة لا يمكن تسليم ما يستوفي من المنفعة عقيب العقد.
٣١٥٧٤ - ولا يلزم السلم؛ لأنه يمكن تسليم المسلم فيه عقيب العقد.
٣١٥٧٥ - ولأن المسابقة تعقد للحث على إظهار الجلد، فصار كما لو قال الإمام: من قتل قتيلًا فله سلبه، ومن غلب على شيء فله ربعه.
٣١٥٧٦ - ولأنه تمليك عين [لا يحصل له في مقابلتها منفعة تحصل له ولجماعة المسلمين]، فلا يلزم بالعقد كالوصية والهبة.
٣١٥٧٧ - ولا يلزم إذا استأجره ليبني له مسجدًا؛ لأن عماره المسجد منفعة تحصل له ولجماعة المسلمين؛ لأنه عقد لا يلزم تسليم العوض عقيب عقد محدد، فلم يكن لازمًا كالجعالة.
٣١٥٧٨ - ولأنه عقل على مال وعمل في الجهتين، فلم يكن لازمًا كالشركة.
٣١٥٧٩ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا أوفوا بالعقود﴾.
стр. 6158
٣١٥٨٠ - قلنا: المراد به: أوفوا بأحكام العقود. وحكم هذا العقد الوفاء به عند حصول العمل.
٣١٥٨١ - قالوا: عقد من شرطه أن يكون العوض فيه معلومًا، وما في مقابلته معلومًا، فأشبه عقد الإجارة.
٣١٥٨٢ - قلنا: لا نسلم أن العمل فيه معلوم؛ لأنه شرط السبق، وقد يسبق بمكابدة الدابة أو [...] بمسافة كبيرة. والمعنى في الإجارة أنه يمكن تسليم العين التي يستوفي منها المنفعة ي الحال، وفي مسألتنا بخلافه.
٣١٥٨٣ - قالوا: إذا لم يلزم العقد بطل المقصود به ومنع من الدخول فيه؛ لأنه إذا أخبرت بالعلة وظهرت دلالة السبق، رجع عنه وفسخ العقد، فيبطل العمل ويسقط العوض. وليس كذلك المضاربة؛ لأنه إذا فسخها بعد العمل، مكنه من بيع ما اشترى ليحصل له الربح، وفي الجعالة إذا عمل بعض العمل يقول للذي شرط: إن أردت فسخ العقد، فعليك أجرة المثل لما عمل.
٣١٥٨٤ - قلنا: هذا غلط؛ لأنهما إذا استبقا ولم يظهر الواحد منهما أمارة السبق، فأما على العقد: فاستحق العوض، فإذا كانت الفائدة موجودة من موضع واحد اكتفي
стр. 6159
مسألة ١٥٥٩
الشرط الفاسد في المسابقة
٣١٥٨٥ - قال أصحابنا [﵏]: إذا شرط في المسابقة شرطًا فاسدًا مثل أن يقول: إني أطعم العوض أصحابي. صح العقد وبطل الشرط.
٣١٥٨٦ - وقال الشافعي ﵀: العقد فاسد.
٣١٥٨٧ - لنا: أنه عقد لا يتعلق به اللزوم فلم يفسده الشرط الفاسد كالهبة والرهن، وقد دل محلى الرهن قوله ﷺ : (لا تعلق الرهن ولا الهبة).
٣١٥٨٨ - ولأن النبي ﷺ أجاز العمرى لأهلها وأبطل الشرط.
٣١٥٨٩ - ولأنه عقد لا تقف صحته على تسمية بدل، فلم يفسده الشرط كالنكاح.
٣١٥٩٠ - احتجوا: بأنه تمليك شرط فيه ما يمنع كمال التصرف، كما لو باع طعامًا وشرط أن أصحابه يأكلونه.
٣١٥٩١ - قلنا: هناك العقد لا يصح بغير بدل، فإذا شرط في البدل شرطًا فاسدًا فسد العقد. وفي مسألتنا يصح العقد من غير ذكر البدل، فإذا شرط في البدل شرطًا فاسدًا لم يبطل العقد كالنكاح.
стр. 6160
موسوعة
القواعد الفقهية المقارنة
المسماة
التجريد
كتاب الأيمان
стр. 6161
مسألة ١٥٦٠
كفارة اليمين الغموس
مسألة ١٥٦٠
كفارة اليمين الغموس
٣١٥٩٢ - قال أصحابنا [﵏]: يمين الغموس يأثم بها، ويلزمه الاستغفار والتوبة، ولا كفارة عليه.
٣١٥٩٣ - وقال الشافعي ﵀: يجب فيها الكفارة.
٣١٥٩٤ - لنا: ما روى ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (من حلف على يمين يقتطع بها مالًا هو فيها فاجر، لقي الله تعالى وهو عليه غضبان). وقد دل تصديقا في كتاب الله تعالى: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا﴾. فذكر الله تعالى الوعيد في يمين الغموس دون الكفارة وكذلك النبي ﷺ ، فالظاهر أن ذلك جميع حكمها، نلو وجبت الكفارة بينها.
٣١٥٩٥ - وروى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: (من حلف على منبري هذا بيمين آثمة، تبوأ مقعده من النار).
٣١٥٩٦ - وروي أنه ﷺ لما لاعن بين المتلاعنين قال: (أحدكما كاذب، فهل من تائب؟) فأمر بالتوبة، ولم يأمر بالكفارة. والتوبة معلوم وجوبها بالعقل، والكفارة إنما تعلم بالشرع، فكان بيان الكفارة لو وجبت أولى.
٣١٥٩٧ - وروي عن ابن مسعود أنه قال: كنا نعد من الذي لا كفارة فيه اليمين الغموس. وهذا إخبار عنه وعن نظرائه وأصحابه.
стр. 6162
٣١٥٩٨ - فإن قيل: ذكر الله تعالى المأثم في هذه الآية ولم يذكر الكفارة، وبينها في الآية الأخرى.
٣١٥٩٩ - قلنا: ذكر الله تعالى الكفارة في يمين معقود ولم يذكر في غيرها فلم يكن في ذلك بيان لما لا يعلم أنه منعقد.
٣١٦٠٠ - فإن قيل: ذكر الله تعالى في يمين الغموس المؤاخذة مجملة فقال: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾. وبين ﷺ المؤاخذة بالكفارة.
٣١٦٠١ - قلنا: قد ذكر الله تعالى المؤاخذة مجملة وبينها في الآية الأخرى بقوله: ﴿أولئك لا خلق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله﴾. وبينها ﷺ بقوله: (لقي الله وهو عليه غضبان). ولو كانت المؤاخذة عبارة عما بينه وعن الكفارة، لم يؤخر ذلك عن وقت الحاجة.
٣١٦٠٢ - وروي عن الأشعث بن قيس أنه قال: نزلت هذه الآية في وفي صاحب لي بيني وبينه [بئر في] أرض، فقال: هي لي، فأتينا النبي ﷺ فاختصمنا إليه، وقال لي: (هل لك شهود؟) قلت: لا، فقال لصاحبي: (احلف)، فعند ذلك نزلت الآية. والبيان لا يتأخر عن وقت الحاجة.
٣١٦٠٣ - فإن قيل: بأنه بين حكم الآخرة.
٣١٦٠٤ - قلنا: الظاهر أن ما بينه جميع الحكم.
٣١٦٠٥ - ولأنه ﷺ بين حكم الدنيا في اليمين الغموس، فقال: (تدع الديار بلاقع) ولم يذكر الكفارة.
٣١٦٠٦ - ولأنها يمين على أمر واقع، فلا تتعلق بها الكفارة كاللغو.
٣١٦٠٧ - ولأنها يمين يقارنها الحنث، فوجب لمن لا يتعلق بها الكفارة، أصله: بين اللغو. والدليل على مقارنة الحنث لها: أن ما به يحنث مقدم عليها، كما أن ما به
стр. 6163
يكذب المخبر [يقدم الخبر]. فإن كان الكذب يقارن خبر المخبر بالكذب، كذلك لا يحنث يقارن الحلف.
٣١٦٠٨ - ولا يلزم إذا حلف ليصعدن السماء أو ليقلبن هذا الحجر ذهبًا؛ لأن الحنث يتأخر هذا اليمين، بدلالة أن الحنث لا يكون باليأس من الفعل حتى يمضي وقت الفعل. ولهذا لو حلف ليصعدن السماء اليوم، لم يحنث حتى يمضي اليوم، وان كان اليأس موجودًا أول النهار ففي مسألة الإلزام اقتضت اليمين فعلًا يعقبها بشرط الحنث اليأس في ذلك الوقت، ولم يوجد [منع يحنث به مع اليمين لكنه] يعقبها.
٣١٦٠٩ - فإن قيل: يمين اللغو غير مقصودة، فلم تتعلق الكفارة بها، والغموس مقصودة فيه فيتعلق بها الكفارة، وحقوق الله تعالى يختلف فيها القصد وغير القصد، وعدم القصد في يمين للغو ليس هذا هو المسقط للكفارة، لكنه منع انعقاده، ولم تجب الكفارة بقصد الانعقاد.
٣١٦١٠ - وهذا المعنى موجود ي مسألتنا؛ لأن اليمين لم ينعقد لمعنى آخر، وليس عدم الانعقاد مختصًا بعدم القصد.
٣١٦١١ - ولأنها يمين لو وجدت مع النسيان، لم يتعلق بها كفارة، كذلك إذا وجدت مع القصد كاليمين مع الاستثناء.
٣١٦١٢ - ولأنها يمين لم يتأخر عنها الحنث، فلا تجب بها كفارة كيمين الصبي والمجنون واليمين مع الاستثناء واللغو.
٣١٦١٣ - ولأن اليمين لا تتعلق الكفارة بها كاليمين على المستقبل.
٣١٦١٤ - ولأن الكفارة تجب بارتكاب ما حظر به اليمين أو بمخالفة ما أوجبه، والإيجاب إنما يكون في المستقبل دون الماضي كأوامر الله تعالى ونواهيه. والدليل على أن هذا لا ينعقد أن العقد ما توهم فيه البقاء والانحلال، وهذا لا يوجد في الغموس.
٣١٦١٥ - ولا يلزم إذا حلف ليصعدن السماء؛ لأن البقاء متوهم، بدلالة أنه لو قال: لأصعدن السماء اليوم. لم يحنث إلا بعد غروب الشمس. وإذا أطلق فاليمين يبقى وقتًا واحدًا يعجز عن الفعل منه ثم ينحل.
٣١٦١٦ - ولأن ما يوجب انحلال العقد إذا قارنه، منع انعقاده كالردة إذا قارنت
стр. 6164
عقد النكاح والرضاع إذا قارنه، والحدث إذا قارنه تحريمة الصلاة.
٣١٦١٧ - ولا يلزم إذا حلف ليصعدن السماء؛ لأن الموجب بحل اليمين اليأس من الفعل في الزمان الذي اقتضت اليمين الفعل فيه، وذلك لا يكون إلا في وقت مستقبل بعد اليمين.
٣١٦١٨ - ولا يلزم إذا اشترى ذا رحم محرم منه؛ لأن المعنى الموجب لزوال الملك العتق، وذلك لا يقارن الشراء، وإنما تقارنه القرابة التي هي سبب الحرية.
٣١٦١٩ - ولأن العقد ما أوجب معنى أو حرم معنى، وهذا اليمين لا يوجد فيها أحد المعنيين فلم ينعقد إذا ثبت هذا، وكل يمين لم ينعقد لا تتعلق بها كفارة، أصله يمين اللغو؛ لأن الله تعالى أوجب الكفارة في اليمين المنعقدة.
٣١٦٢٠ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ [إلى قوله]: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾. قالوا: كفارة اللغو المنعقدة وان كانت هذه اليمين ليست بلغو كانت منعقدة، ثم فرق بين اللغو وغيرها بالمؤاخذة، وهذه اليمين مؤاخذ بها، فيجب أن تدخل في خبر التكفير. ثم قال: فكفارته تعلق التكفير بعقد اليمين، وذلك لا يكون إلا في الغموس. ثم قال: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم﴾. فكل حالف يجب أن تكون ذلك كفارته إلا ما خصه دليل، والحالف اسم لمن حلف على الماضي، قال الله تعالى: ﴿يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر﴾. فسمى الغموس حالفًا.
٣١٦٢١ - الجواب: أن الله تعالى نفي المؤاخذة عن عين اللغو، وأثبتها في اليمين المنعقدة، وقد دللنا على أن هذه اليمين غير منعقدة؛ لأنها لا توجب شيئًا ولا تثبت تحريمًا.
٣١٦٢٢ - فإن قيل: قرئت الآية بقراءتين بالتخفيف والتشديد، فقوله: ﴿عقدتم﴾ بالتشديد يفيد عقد القلب.
стр. 6165
٣١٦٢٣ - قلنا: قال الزجاج وأبو على: إن ﴿عقدتم﴾ بالتشديد لا يجوز أن يفيد معنى غير ما أفاد ﴿عقدتم﴾ التخفيف، وإنما يفيد التأكيد والتكرار، كقولنا: قلت وقتل، وضرب وضرب. فإذا كل واحد من القراءتين يفيد الانعقاد.
٣١٦٢٤ - قالوا: عقد اليمين هو القصد إليها بقلبه، يدل عليه قوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾. وكسب القلب هو القصد به، قال الشاعر:
خطرات الهوى تروح وتغدو ولقلب المحب حل وعقد
٣١٦٢٥ - قلنا: العمل هو الانعقاد لا القصد، بدلاله عقد البيع والنكاح، فأما قوله تعالى في سوره البقرة: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾. فالمراد به مؤاخذة المأثم. وقوله في سوره المائدة: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾. المراد به المؤاخذة بإيجاب الكفارة دون المأثم، بدلالة أن الكفارة تتعلق بالمؤثم فيه وبما يجب فيه الحنث إذا حلف لا يصلى، أو ليقتلن فلانًا.
٣١٦٢٦ - فأما السر الذي ذكره: فلا نعلم أنه مما يجوز الاحتجاج بقول مائلة، وهذا كلام لين من شعر المحدثين. على أن المراد به ليس القصد، وإنما المراد ما يخامر القلب من الحب ثم يفارقه، فسمى القلب بالحب عقد للقلب، وجعل زوال ذلك كلمه والحب فالقلب بغير قصد، فلا يثبت لمخالفنا ما ماله.
٣١٦٢٧ - فإن قيل: إن الله تعالى قال: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾. وهذه يمين عقدها وإن لم تنعقد. وقد يقال: عقد فيما لم ينعقد، كبيع الحر.
٣١٦٢٨ - قلنا: هذا ليس بصحيح؛ لأن العقد الفعل، والانعقاد المفعول، فلا يقال: عقد.
٣١٦٢٩ - فأما قولهم: أنه قابل اللغو بالمنعقدة، فإذا كانت هذه اليمين من غير
следующие страницы →