Полный текст (6 324 стр.). Показаны 6161–6200 · переход к 6166.
стр. 6161
مسألة ١٥٦٠
كفارة اليمين الغموس
مسألة ١٥٦٠
كفارة اليمين الغموس
٣١٥٩٢ - قال أصحابنا [﵏]: يمين الغموس يأثم بها، ويلزمه الاستغفار والتوبة، ولا كفارة عليه.
٣١٥٩٣ - وقال الشافعي ﵀: يجب فيها الكفارة.
٣١٥٩٤ - لنا: ما روى ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (من حلف على يمين يقتطع بها مالًا هو فيها فاجر، لقي الله تعالى وهو عليه غضبان). وقد دل تصديقا في كتاب الله تعالى: ﴿إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا﴾. فذكر الله تعالى الوعيد في يمين الغموس دون الكفارة وكذلك النبي ﷺ ، فالظاهر أن ذلك جميع حكمها، نلو وجبت الكفارة بينها.
٣١٥٩٥ - وروى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: (من حلف على منبري هذا بيمين آثمة، تبوأ مقعده من النار).
٣١٥٩٦ - وروي أنه ﷺ لما لاعن بين المتلاعنين قال: (أحدكما كاذب، فهل من تائب؟) فأمر بالتوبة، ولم يأمر بالكفارة. والتوبة معلوم وجوبها بالعقل، والكفارة إنما تعلم بالشرع، فكان بيان الكفارة لو وجبت أولى.
٣١٥٩٧ - وروي عن ابن مسعود أنه قال: كنا نعد من الذي لا كفارة فيه اليمين الغموس. وهذا إخبار عنه وعن نظرائه وأصحابه.
стр. 6162
٣١٥٩٨ - فإن قيل: ذكر الله تعالى المأثم في هذه الآية ولم يذكر الكفارة، وبينها في الآية الأخرى.
٣١٥٩٩ - قلنا: ذكر الله تعالى الكفارة في يمين معقود ولم يذكر في غيرها فلم يكن في ذلك بيان لما لا يعلم أنه منعقد.
٣١٦٠٠ - فإن قيل: ذكر الله تعالى في يمين الغموس المؤاخذة مجملة فقال: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾. وبين ﷺ المؤاخذة بالكفارة.
٣١٦٠١ - قلنا: قد ذكر الله تعالى المؤاخذة مجملة وبينها في الآية الأخرى بقوله: ﴿أولئك لا خلق لهم في الآخرة ولا يكلمهم الله﴾. وبينها ﷺ بقوله: (لقي الله وهو عليه غضبان). ولو كانت المؤاخذة عبارة عما بينه وعن الكفارة، لم يؤخر ذلك عن وقت الحاجة.
٣١٦٠٢ - وروي عن الأشعث بن قيس أنه قال: نزلت هذه الآية في وفي صاحب لي بيني وبينه [بئر في] أرض، فقال: هي لي، فأتينا النبي ﷺ فاختصمنا إليه، وقال لي: (هل لك شهود؟) قلت: لا، فقال لصاحبي: (احلف)، فعند ذلك نزلت الآية. والبيان لا يتأخر عن وقت الحاجة.
٣١٦٠٣ - فإن قيل: بأنه بين حكم الآخرة.
٣١٦٠٤ - قلنا: الظاهر أن ما بينه جميع الحكم.
٣١٦٠٥ - ولأنه ﷺ بين حكم الدنيا في اليمين الغموس، فقال: (تدع الديار بلاقع) ولم يذكر الكفارة.
٣١٦٠٦ - ولأنها يمين على أمر واقع، فلا تتعلق بها الكفارة كاللغو.
٣١٦٠٧ - ولأنها يمين يقارنها الحنث، فوجب لمن لا يتعلق بها الكفارة، أصله: بين اللغو. والدليل على مقارنة الحنث لها: أن ما به يحنث مقدم عليها، كما أن ما به
стр. 6163
يكذب المخبر [يقدم الخبر]. فإن كان الكذب يقارن خبر المخبر بالكذب، كذلك لا يحنث يقارن الحلف.
٣١٦٠٨ - ولا يلزم إذا حلف ليصعدن السماء أو ليقلبن هذا الحجر ذهبًا؛ لأن الحنث يتأخر هذا اليمين، بدلالة أن الحنث لا يكون باليأس من الفعل حتى يمضي وقت الفعل. ولهذا لو حلف ليصعدن السماء اليوم، لم يحنث حتى يمضي اليوم، وان كان اليأس موجودًا أول النهار ففي مسألة الإلزام اقتضت اليمين فعلًا يعقبها بشرط الحنث اليأس في ذلك الوقت، ولم يوجد [منع يحنث به مع اليمين لكنه] يعقبها.
٣١٦٠٩ - فإن قيل: يمين اللغو غير مقصودة، فلم تتعلق الكفارة بها، والغموس مقصودة فيه فيتعلق بها الكفارة، وحقوق الله تعالى يختلف فيها القصد وغير القصد، وعدم القصد في يمين للغو ليس هذا هو المسقط للكفارة، لكنه منع انعقاده، ولم تجب الكفارة بقصد الانعقاد.
٣١٦١٠ - وهذا المعنى موجود ي مسألتنا؛ لأن اليمين لم ينعقد لمعنى آخر، وليس عدم الانعقاد مختصًا بعدم القصد.
٣١٦١١ - ولأنها يمين لو وجدت مع النسيان، لم يتعلق بها كفارة، كذلك إذا وجدت مع القصد كاليمين مع الاستثناء.
٣١٦١٢ - ولأنها يمين لم يتأخر عنها الحنث، فلا تجب بها كفارة كيمين الصبي والمجنون واليمين مع الاستثناء واللغو.
٣١٦١٣ - ولأن اليمين لا تتعلق الكفارة بها كاليمين على المستقبل.
٣١٦١٤ - ولأن الكفارة تجب بارتكاب ما حظر به اليمين أو بمخالفة ما أوجبه، والإيجاب إنما يكون في المستقبل دون الماضي كأوامر الله تعالى ونواهيه. والدليل على أن هذا لا ينعقد أن العقد ما توهم فيه البقاء والانحلال، وهذا لا يوجد في الغموس.
٣١٦١٥ - ولا يلزم إذا حلف ليصعدن السماء؛ لأن البقاء متوهم، بدلالة أنه لو قال: لأصعدن السماء اليوم. لم يحنث إلا بعد غروب الشمس. وإذا أطلق فاليمين يبقى وقتًا واحدًا يعجز عن الفعل منه ثم ينحل.
٣١٦١٦ - ولأن ما يوجب انحلال العقد إذا قارنه، منع انعقاده كالردة إذا قارنت
стр. 6164
عقد النكاح والرضاع إذا قارنه، والحدث إذا قارنه تحريمة الصلاة.
٣١٦١٧ - ولا يلزم إذا حلف ليصعدن السماء؛ لأن الموجب بحل اليمين اليأس من الفعل في الزمان الذي اقتضت اليمين الفعل فيه، وذلك لا يكون إلا في وقت مستقبل بعد اليمين.
٣١٦١٨ - ولا يلزم إذا اشترى ذا رحم محرم منه؛ لأن المعنى الموجب لزوال الملك العتق، وذلك لا يقارن الشراء، وإنما تقارنه القرابة التي هي سبب الحرية.
٣١٦١٩ - ولأن العقد ما أوجب معنى أو حرم معنى، وهذا اليمين لا يوجد فيها أحد المعنيين فلم ينعقد إذا ثبت هذا، وكل يمين لم ينعقد لا تتعلق بها كفارة، أصله يمين اللغو؛ لأن الله تعالى أوجب الكفارة في اليمين المنعقدة.
٣١٦٢٠ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ [إلى قوله]: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾. قالوا: كفارة اللغو المنعقدة وان كانت هذه اليمين ليست بلغو كانت منعقدة، ثم فرق بين اللغو وغيرها بالمؤاخذة، وهذه اليمين مؤاخذ بها، فيجب أن تدخل في خبر التكفير. ثم قال: فكفارته تعلق التكفير بعقد اليمين، وذلك لا يكون إلا في الغموس. ثم قال: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم﴾. فكل حالف يجب أن تكون ذلك كفارته إلا ما خصه دليل، والحالف اسم لمن حلف على الماضي، قال الله تعالى: ﴿يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر﴾. فسمى الغموس حالفًا.
٣١٦٢١ - الجواب: أن الله تعالى نفي المؤاخذة عن عين اللغو، وأثبتها في اليمين المنعقدة، وقد دللنا على أن هذه اليمين غير منعقدة؛ لأنها لا توجب شيئًا ولا تثبت تحريمًا.
٣١٦٢٢ - فإن قيل: قرئت الآية بقراءتين بالتخفيف والتشديد، فقوله: ﴿عقدتم﴾ بالتشديد يفيد عقد القلب.
стр. 6165
٣١٦٢٣ - قلنا: قال الزجاج وأبو على: إن ﴿عقدتم﴾ بالتشديد لا يجوز أن يفيد معنى غير ما أفاد ﴿عقدتم﴾ التخفيف، وإنما يفيد التأكيد والتكرار، كقولنا: قلت وقتل، وضرب وضرب. فإذا كل واحد من القراءتين يفيد الانعقاد.
٣١٦٢٤ - قالوا: عقد اليمين هو القصد إليها بقلبه، يدل عليه قوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾. وكسب القلب هو القصد به، قال الشاعر:
خطرات الهوى تروح وتغدو ولقلب المحب حل وعقد
٣١٦٢٥ - قلنا: العمل هو الانعقاد لا القصد، بدلاله عقد البيع والنكاح، فأما قوله تعالى في سوره البقرة: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾. فالمراد به مؤاخذة المأثم. وقوله في سوره المائدة: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾. المراد به المؤاخذة بإيجاب الكفارة دون المأثم، بدلالة أن الكفارة تتعلق بالمؤثم فيه وبما يجب فيه الحنث إذا حلف لا يصلى، أو ليقتلن فلانًا.
٣١٦٢٦ - فأما السر الذي ذكره: فلا نعلم أنه مما يجوز الاحتجاج بقول مائلة، وهذا كلام لين من شعر المحدثين. على أن المراد به ليس القصد، وإنما المراد ما يخامر القلب من الحب ثم يفارقه، فسمى القلب بالحب عقد للقلب، وجعل زوال ذلك كلمه والحب فالقلب بغير قصد، فلا يثبت لمخالفنا ما ماله.
٣١٦٢٧ - فإن قيل: إن الله تعالى قال: ﴿ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾. وهذه يمين عقدها وإن لم تنعقد. وقد يقال: عقد فيما لم ينعقد، كبيع الحر.
٣١٦٢٨ - قلنا: هذا ليس بصحيح؛ لأن العقد الفعل، والانعقاد المفعول، فلا يقال: عقد.
٣١٦٢٩ - فأما قولهم: أنه قابل اللغو بالمنعقدة، فإذا كانت هذه اليمين من غير
стр. 6166
اللغو كانت منعقدة.
٣١٦٣٠ - وليس بصحيح؛ لأن هذا يكون إذا ثبت أنه لا قسم لليمين إلا قسمين، فأما اليمين عندنا فثلاثة أقسام، فلا يصح ما قالوه. كما إذا قلنا: هذا قتل ليس بخطأ. لم يجب أك يكون عمدًا؛ لأن القتل: عمد، وشبه عمد، وخطأ. فإذا انتفي عنه الخطأ لم يثبت العمد.
٣١٦٣١ - وأما قولهم: إنه فرق بين اللغو وغيرها بالمؤاخذة.
٣١٦٣٢ - فقد بينا أن المؤاخذة المذكورة في المائدة هي المؤاخذة بإيجاب الكفارة لا بالمأثم.
٣١٦٣٣ - وأما قوله: إنه علق الكفارة بنفس اليمين.
٣١٦٣٤ - غلط؛ لأن الحنث مراد بالإجماع، عندنا: المراد الحنث المتأخر، وعندهم المتقدم.
٣١٦٣٥ - وقوله: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾. الحنث مضمر فيه عند مخالفنا، فالمضمر: قد كنتم حنثتم، وعنانا: إذا خلفتم خنثتم. وما قلناه أولى؛ لأنه قال: ﴿واحفظوا أيمانكم﴾. واليمين التي يؤمر لزم بحفظها هي التي أمكن فيها البر والحنث، فأما الغموس: فالحنث معها فلا يؤمر بحفظها.
٣١٦٣٦ - فإن قيل: قوله: ﴿واحفظوا أيمانكم﴾. معناه: لا تحلفوا. قال الشاعر:
قليل الألايا حافظ ليمينه فإن صدرت منه الألية برت
٣١٦٣٧ - قالوا: والمراد بقوله: حافظ ليمينه. أي: لا تحلفوا. وليس المراد به: لا يحنث. فإن هذا قد ذكره في المصراع الثاني.
٣١٦٣٨ - قلنا: حفظ الشيء حقيقته أن يوجد فيحفظ، فأما ألا يوجد فيحفظ بمعنى أنه يفعل، فليس بحقيقة، يبين ذلك: أن الشاعر قال: قليل الألايا حافظ ليمينه. معناه: أنه يحلف قليلًا، ويحفظ ما حلف عليه. والمصراع الثاني، تأكيد لما في صدر البيت.
٣١٦٣٩ - قالوا: وجد الحلف بالله، والمخالفة مع القصد والاختيار من الحالف، فوجب أن تكون الكفارة واجبة، أصله اليمين على المستقبل وإذا قال: لأقتلن فلانًا
стр. 6167
وهو يعلم أنه ميت.
٣١٦٤٠ - قلنا: أما المخالفة فلا نسلمها؛ لأنها تكون إذا عقد على المستقبل، فأما الماضي فهو مخبر بالكذب.
٣١٦٤١ - ولا يقال: حالف ذكر العتبي في باب ما يضعه الناس في غير موضعه: وينتقض بالمولى إذا آلى، لا كفارة عليه عندهم مع وجود الأوصاف.
٣١٦٤٢ - وقولهم: وجد الحلف بالله تعالى لا معنى له؛ لأن الكفارة لا تختص بذلك بدلالة من قال لامرأته: أنت حرام علي. ومن قال: لله علي نذر. والمعنى في اليمين على الاستقبال، إذ الحنث لا يقارن في عقدها. وفي مسألتنا لما قارن عقدها لم تتعلق بها كفارة، فإذا حلف ليقتلن فلانًا فاليمين يتعلق بها إيجاب معنى، فجاز أن يحل إلى الكفارة.
٣١٦٤٣ - قالوا: ما تعلق بالحنث بالمستقبل تعلق بالماضي، أصله: وقوع الطلاق والعتاق.
٣١٦٤٤ - قلنا: إذا قال: إن كنت دخلت الدار فامرأتي طالق. هذا الإيقاع من غير شرط، فوقع. وفي مسألتنا: لا يتعلق باليمين بالشرط، فسقط وبقي ذكر اسم الله تعالى لا على وجه اليمين، فلم لا يتعلق به كفارة، ولهذا المعنى وقع اللغو في هذا اليمين، ولم يقع في الطلاق والعتاق لغو عندنا.
٣١٦٤٥ - ولأن تعليق الطلاق بأمر ماضٍ، لم يحنث. ولو وكل وكيلًا بالطلاق، تعلق الطلاق بأمر ماضٍ وقع الطلاق، ولو كان يمينًا لم يقع.
٣١٦٤٦ - قالوا: يمين بالله تعالى مترددة بين الصدق والكذب، فيجب أن يكون الكذب؛ لأن الكذب ي الماضي، وفي المستقبل خلف الوعد.
٣١٦٤٧ - وقولهم: فيجب أن يكون الكذب فيها حنثًا.
٣١٦٤٨ - ليس بصحيح؛ لأن هذا تعليل لإثبات اسم، وأهل اللغة قالوا: إن الماضي كذب لا يسمى حنثًا. فلا يصح القياس لإثبات لغة أنكروها، والمعنى في المستقبل ما ذكرنا.
٣١٦٤٩ - قالوا: كل يمين لو صح البقاء عليها، كانت يمينًا تتعلق بها الكفارة، وإن لم يصح البقاء عليه كقوله: لأقتلن فلانًا.
стр. 6168
٣١٦٥٠ - قلنا: لا نسلم أنه إذا قال: لأقتلن فلانًا. لا يصح البقاء عليها؛ لأنه تبقى جزء واحد من الوقت ثم يحنث، والمعنى في الأصل ما ذكرنا.
٣١٦٥١ - قال الشافعي: ليس في الغموس أكثر من المأثم، وذلك لا ينفي الكفارة كالظهار.
٣١٦٥٢ - قلنا: ليس المانع من الكفارة المأثم، وإنما المانع عدم انعقاد اليمين.
٣١٦٥٣ - قالوا: اليمين يقع على الماضي والمستقبل، فإذا كانت اليمين على المستقبل انقسمت إلى: ما تجب فيه الكفارة، وما لا تجب كذلك الماضي
٣١٦٥٤ - قلنا: اليمين على المستقبل عندنا غير منقسم، بل الكفارة تتعلق بجميعها، كما أنها على الماضي لا تنقسم، فلا يتعلق بجميعها الكفارة.
٣١٦٥٥ - قالوا: كل معنى إذا طرأ على عقد صحيح وأوجب الكفارة إذا قارنه، أوجب الكفارة كالوطء في الحج.
٣١٦٥٦ - قلنا: لا فرق بين أن يوجد الوطء في الإحرام الصحيح أو الفاسد في إيجابه الكفارة، ويبطل بمن أحرم وعليه طيب لو طرأ الطيب على الإحرام أوجب الكفارة، وإذا قارن لم يوجب. والجماع إذا طرأ على الصوم، أوجب الكفارة، وإن طلع الفجر وهو يجامع ونزع لم يوجب الكفارة. والمعنى في الإحرام: أن الكفارة تتعلق بهتك حرمته، وهذا المعنى موجود ي المقارن والطارئ، [والكفارات في مسألتنا تتعلق بحل يمين منعقدة، وهذا لا يوجد في الحنث بالمقارن].
٣١٦٥٧ - قالوا: اليمين إذا طرأ عليها اليأس من فعل المحلوف حلها، فإذا قارنها لم يحل انعقادها كذلك المحالف.
٣١٦٥٨ - قلنا: عندنا أن اليأس ما تناولته اليمين المقارن؛ لأنها تقضي إيجاد الفعل بعد اليمين، فما لم يوجد الوقت لا يتعلق باليأس حكم، كما لو قال: إن لم أصعد السماء غدًا. لم يحنث حتى يمضي الغد، وإن لم يقدم اليأس على مضيه. يبين ذلك: أن فوات وقت الوجوب، يوجب فوات الحج، فإذا أحرم قبل طلوع الفجر من الكوفة، فاليأس من الإدراك يتحقق ولا يصير حانثًا حتى يطلع الفجر.
стр. 6169
مسألة ١٥٦١
قول الحالف أحلف أو أشهد
٣١٦٥٩ - قال أصحابنا [﵏]: إذا قال الحالف: أقسم أو أحلف أو أشهد، كان حالفًا.
٣١٦٦٠ - وقال الشافعي ﵀: لا يكون حالفًا.
٣١٦٦١ - لنا: قوله تعالى: ﴿إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين ولا يستثنون﴾. ولم يقل: أقسموا بالله. والاستثناء إنما يدخل في اليمين، ﴿وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين﴾. وقال تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله﴾. ثم قال: ﴿اتخذوا أيمانهم جنة﴾.
٣١٦٦٢ - فإن قيل: إن الله تعالى أخبر أنهم أقسموا ولم يبين المقسم، فيجوز أن يكون أقسموا بالله، وهذا كما نقول: شتمت فلانًا. فذلك على وجود الشتم، ولا يدل على اللفظ الذي شتم فيه.
٣١٦٦٣ - قلنا: قوله تعالى: ﴿إذ أقسموا﴾ حكاية، فالظاهر أنهم قالوا: أقسمنا. وأنهم قالوا معنى ذلك غير الظاهر.
٣١٦٦٤ - قالوا: روي أن الله تعالى لما عاتب آدم على الأكل من الشجرة قال: ما علمت أن أحدًا يقسم بك كاذبًا، فدل أن إبليس أقسم بالله.
٣١٦٦٥ - قلنا: هو يقسم بالله تعالى وإن حذف اسمه من الكلام، فلا يكون فيما قالوه دلالة.
٣١٦٦٦ - ويدل عليه ما روى عبد الرحمن بن صفوان جاء أبي النبي ﷺ -
стр. 6170
ليبايعه على الهجرة، فمد ﵇ يده فبايعه، وقال: (أبررت عمي، ولا هجرة بعد الفتح).
٣١٦٦٧ - وقولهم: إن الراوي اختص اسم الله غير الظاهر. وروي أن أبا بكر فسر رؤيا، فقال له النبي ﷺ : (أصبت بعضًا، وأخطأت بعضًا). وقال أبو بكر: أقسمت عليك يا رسول الله لتخبرني بالذي أخطأت. فقال ﵇: (لا تقسم يا أبا بكر). ولم يقل: أقسمت بالله.
٣١٦٦٨ - ولأن قوله: (أقسم) حذف المفعول، قال أبو علي: هذا جائز، ويجوز القياس عليه، وإنه كثير في القرآن، قال تعالى: ﴿ربنا إنى أسكنت من ذريتي﴾. تقديره: ذرية من ذريتي. فإذا كان كذلك، فذكر اسم الله تعالى وحذفه سواء.
٣١٦٦٩ - ولأن القسم جملة تؤكد بها جملة، والحلف بغير الله تعالى لا يجوز، فيجوز حمل أمر المسلم على الصحة، وأنه أقسم بما أذن فيه ولم يقسم بما نهي عنه.
٣١٦٧٠ - ولأن القسم يذكر تعظيمًا للمقسم به، وهذا التعظيم يجري مجرى العبادات، فلا يستحقه إلا الله تعالى، فصار ذلك معلق بالحسن حذفه.
٣١٦٧١ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿والذين يرمون أزواجهم﴾ الآية. واللعان يمين، فدل على أن اليمين يفتقر إلى ذكر اسم الله تعالى.
٣١٦٧٢ - قلنا: اللعان شهادة مؤكدة باليمين، واليمين موضوعها أن يقع باسم الله تعالى، وقد يحذف الاسم اختصارًا؛ لأنه معلوم، وأمر الله تعالى بالأصل لا بالكلام وفيه احتمال، فأمر الله تعالى بذكر الاسم ليزول الاحتمال.
٣١٦٧٣ - فإن قيل: هذا الاحتمال في الحالف موجود.
٣١٦٧٤ - قلنا: إن أراد بقوله: أقسم بغير الله، لم يكن حالفا.
٣١٦٧٥ - فإن قيل: فينبغي أن يكون الشاهد عند الحاكم حالفًا؛ لأنه قال: أشهد، ويجوز أن يكون المؤذن حالفًا؛ لأنه قال: أشهد.
٣١٦٧٦ - قلنا: لا يمتنع أن تكون الشهادة مؤكدة بالقسم، ويكون الخبر في الأذان مؤكدا بالقسم.
стр. 6171
٣١٦٧٧ - قالوا: لفظ عري عن اسم الله تعالى، فوجب ألا يكون يمينًا تتعلق بها الكفارة، أصله: إذا قال: [أولي أو لا أبالي] لأفعلن كذا، وقال لرجل حلف: يميني مثل يمينك، أو: عقدت مثل ما عقدت.
٣١٦٧٨ - قلنا: لا نسلم أن اللفظ عري عن الاسم إذا كان محذوفًا وفي الكلام دلالة عليه، ولو سلمنا أن اللفظ عري بمعنى أنه لم ينطق بالاسم لم يصح؛ لأن ما دل عليه الكلام من الحذف فحكمه حكم المذكور ولا يختلفان في المعنى.
٣١٦٧٩ - فأما قوله: أولى. فهو يمين عندنا، والعرب تذكر ذلك حلفًا، قال الشاعر.
أولي برب الراقصات إلى منى ومطارح الألوان حيث تنير
٣١٦٨٠ - فإذا حذفوا الصفة أو الاسم فهو كقولهم: أقسم. وأما إذا قال: يميني مثل يمينك، أو عقدت ما عقدت، أو يميني في يمينك. فليس بيمين؛ لأنه لم يأت بشيء من الجملة.
٣١٦٨١ - وفي مسألة الخلاف جاء ببعض الجملة وحذف بعضها، فالمذكور فيها يدل على المحذوف، يبين ذلك: أنه إذا قال: أقسم بالله. كان يمينًا، فلو قال: أحلف على مثل يمينك. لم يكن حالفًا عندهم.
٣١٦٨٢ - قالوا: فإذا قال لا أفعل كذا. هلا جعلتموه حالفًا؛ لأنه أتى بجواب القسم، فدل على القسم.
٣١٦٨٣ - قلنا: لأن القسم جملة مؤكدة، والمؤكدة قد تخلو من التأكيد، فلم يكن في ذكر الجواب دلالة على القسم، والجملة التي هي القسم لا تخلو من القسم، ففي اللفظ دلالة عليه.
٣١٦٨٤ - فإن قيل: اللام في قوله: لأفعلن. لا تكون إلا جواب القسم.
٣١٦٨٥ - قلنا: وقد يكون جوابًا لغير القسم، قال الله تعالى: ﴿لئن لم ينته لنسفعًا بالناصية﴾.
стр. 6172
مسألة ١٥٦٢
قوله وحق الله
٣١٦٨٦ - قال أبو يوسف، ﵀: إذا قال: وحق الله فهو يمين. وقال محمد ﵀. فليس ييمين.
٣١٦٨٧ - [وقال الشافعي ﵀: هو يمين، نوى اليمين أو لم ينو، وان يرد اليمين فليس بيمين].
٣١٦٨٨ - لنا: ما روى عبادة بن الصامت قال: قلت: يا رسول الله، ما حق الله على عباده؟ قال: (أن لا يشركوا به شيئا ويعبدوه، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة). فأخبر أن حق الله العبادات، فصار كأنه حلف بالعبادات، فلا يكون حالفًا.
٣١٦٨٩ - احتجوا: بأنها يمين معتادة بصفة مضافة إلى الله، فوجب أن تكون يمينًا قياسًا على قوله: وعظمة الله.
٣١٦٩٠ - قلنا: قولكم: إنها يمين معتاد.
٣١٦٩١ - فلا نسلم ذلك في عادات السلف، قال الطحاوي: [قال مالك]- في قوله: وحق الله -: هذه يمين النساء والضعفاء من الرجال.
٣١٦٩٢ - وقولهم: إنها بصفة مضافة إلى الله.
٣١٦٩٣ - فليس كل صفة أضيفت إليه تعالى تكون يمينًا، إلا أن تكون من صفات ذاته، وحقه إذا كان بفعل الإنسان ما حلف، فليس هو من صفاته ذاته. ألا ترى أنه لا تصح الإشارة إلى غير الله تعالى فيقال: إنه من عظمته؟ يصح أن نشير إلى العبادات فتقول: إنها من حقوق الله تعالى.
стр. 6173
٣١٦٩٤ - قالوا: يمين بما يستحقه الله تعالى من صفات ذاته، فهو أكد من اليمين بصفة واحدة.
٣١٦٩٥ - قلنا: لا نسلم هذا بل هو حلف بما يجب لله تعالى من الطاعات، وقد التزموا الحلف بأمانة الله. وقد ذكر الطحاوي هذه المسألة وقال: ليس بيمين؛ لأن الأمانة لا تكلف، قال الله تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال﴾. فقوله: وأمانة الله وحق الله سواء عندنا.
٣١٦٩٦ - وقد ذكر ذلك الطحاوي بما روي بإسناده عن ابن بريدة عن أبيه أن النبي ﷺ قال: (من حلف بالأمانة فليس منا).
٣١٦٩٧ - فإن قيل: إذا كان الحق من صفات الله تعالى، فهلا جعلتموه كأنه قال: والله الحق؟.
٣١٦٩٨ - قلنا: الحق اسم من أسماء الله تعالى، فلو أراد ذلك لقال: والحق، فإذا قال: وحق الله، فقد ذكر حقًا مضافًا إلى الله، فلا يكون حلفًا كما لو قال: ورحمه الله، لم يكن حالفًا وإن كانت الرحمة من أسمائه تعالى.
стр. 6174
مسألة ١٥٦٣
قوله وعلم الله
٣١٦٩٩ - قال أصحابنا [﵏]: إذا قال وعلم الله، فليس بيمين استحسانًا.
٣١٧٠٠ - وقال الشافعي ﵀: هو يمين.
٣١٧٠١ - لنا: أنهم في العبادة يذكرون العلم ويريدون المعلوم، يقولون: اللهم اغفر لنا علمك. أي: معلومك، والحلف بمعلوم الله حلف بغيره.
٣١٧٠٢ - فإن قيل: قد يذكرون القدرة ويريدون المقدور، فيقولون: لله تعالى في هذا قدرة، ويقولون لما يستعظمونه: انظر إلى قدرة الله.
٣١٧٠٣ - قلنا: الأمر كما ذكرت إلا أن الموجود خرج بوجوده من أن يكون مقدورًا، فلا يجوز أن يريده بالحلف، وما لم يوجد فهو معدوم. وهم لا يحلفون بالمعدوم، فعلمنا أنهم حلفوا بالصفة التي هي صفة الذات. وليس كذلك العلم؛ لأنهم. يحلفون بالمعلوم الموجود وجوده لا يخرجه من أن يكون معلومًا، فحملت اليمين عليه، فلم تنعقد إن حلف بأن العلم صفة من صفات ذاته كالقدرة.
٣١٧٠٤ - احتجوا: بالعلم الذي هو الصفة.
٣١٧٠٥ - كان حالفًا كالقدرة، وإنما الخلاف إذا أرسل، فليس هناك ما يدل على التخصيص بالصفة.
٣١٧٠٦ - فإن قيل: إذا كان القسم بغير الله تعالى لا يجوز، وإلا حملتموه على ما يصح الحلف به.
٣١٧٠٧ - قلنا: لأنهم عرفوا في زمانهم عادة مجارية في استعمال هذه في المعلوم خاصة، فمنع العرب عندهم من حمل الكلام على ما يصح اليمين به.
стр. 6175
مسألة ١٥٦٤
قوله لعمر الله
٣١٧٠٨ - قال أصحابنا [﵏]: إذا قال: لعمر الله، كان يمينًا، وإن نوى غير اليمين، لم يكن يمينًا.
٣١٧٠٩ - وقال الشافعي ﵏: إن نوى اليمين كان يمينًا. ومن أصحاب الشافعي من قال: ليس بيمين، إلا أن ينوي به اليمين.
٣١٧١٠ - لنا: أنه من ألفاظ القسم، قال الله تعالى: ﴿لعمرك إنهم لفي سكرتهم يعمهون﴾.
٣١٧١١ - فإن قيل: إن الله تعالى يقسم بما ليس بمقسم به، كقسمه يخلقه.
٣١٧١٢ - قلنا: نحن استدللنا بأن هذا اللفظ قسم، ولم يعتبر المقسم لكل شيء أقسم الله به، وإن لم يصح به فإنه بحرف قسم كقوله تعالى: ﴿والضحى والليل إذا سجى﴾. هذا قسم بما لا نقسم به، لكنه دل على أن الواو من ألفاظ القسم.
٣١٧١٣ - ولأن عادة العرب جرت بالقسم بهذه الألفاظ، وهو كثير في أشعارهم، قال الشاعر:
لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ولا زاجرات الطير ما الله صانع.
٣١٧١٤ - وقال جرير:
لعمر الغواني ما جرى صبياتي بهن ولا يختبر حول القصائد
٣١٧١٥ - وقال آخر:
لعمرك ما يدرى الفتى كيف ينفي نوائب هذا الدهر أم كيف يحذر
стр. 6176
٣١٧١٦ - ولأن الغمر هو البقاء، وذلك من صفات ذاته تعالى، فصار قولهم: وعمر الله، كقولهم: وبقاء الله.
٣١٧١٧ - فأما قولهم: إذا لم رد بذلك اليمين، لم يكن يمينًا.
٣١٧١٨ - فليس بصحيح؛ لأنه لا احتمال في اللفظ بغير اليمين، والنية إنما تعمل في اللفظ المحتمل.
стр. 6177
مسألة ١٥٦٥
قوله أقسم بالله
٣١٧١٩ - قال أصحابنا ﵏: إذا قال: اقسم بالله، فهو حالف.
٣١٧٢٠ - وقال الشافعي ﵏: إن أراد: أني أقسم في المستقبل، فليس بحالف، وكذلك إن قال: أقسمت بالله، وقال: إني كنت أقسمت في الماضي، صدق.
٣١٧٢١ - وهذا التفصيل لم يذكره أصحابنا، فيجوز أن يقال: إن الحلف في قوله: أقسم للحال والاستقبال، وإن كانت في الحال أظهر، فإذا قال: أردت الاستقبال. فقد نوى ما يحتمله كلامه، والكفارة معنى يلزمه فيما بينه وبين الله تعالى، فيصدق في ذلك.
٣١٧٢٢ - وقد قال الشافعي: فيمن قال: أقسم لا الحال وقد أردت الاستقبال، كان موليًا ولم يصدق؛ لأن الإيلاء يتعلق به حق الزوجة. وهذا يدل على أنه جمل ظاهر اللفظ للحال، فصدقه فيما بينه وبين الله تعالى في ترك الظاهر، ولم يصدقه في الإيلاء في حق الزوجة، كقوله: أنت طالق. إذا قال: أردت طلاقًا من وثاق، صدق فيما بينه وبين الله تعالى ولم يصدق في القضاء.
стр. 6178
مسألة ١٥٦٦
الحلف بأن يكون يهوديًا أو نصرانيًا
٣١٧٢٣ - قال أصحابنا [﵏]: إذا قال: هو يهودي أو نصراني أو مجوسي أو برء من الله إن فعل كذا، ثم حنث، فعليه كفارة يمين.
٣١٧٢٤ - وقال الشافعي ﵏: لا تجب به الكفارة.
٣١٧٢٥ - لنا: ما روى ابن سيرين عن أي هريرة أن النبي ﷺ قال: (لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله). فقال ﷺ : (من حلف بملة غير ملة الإسلام، فهو كما قال). سماه حالفًا، وقد قال الله تعالى: (ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم). فإذا ثبت الاسم، فقد ثبت الخبر بالآية.
٣١٧٢٦ - قالوا: الخبر يقتضي أن يكون الحلف باللفظ الموضوع لليمين وهو قوله: واليهودية.
٣١٧٢٧ - قلنا: الخبر يقتضي هذا ويدل على أن الحالف بغير الله حالف.
٣١٧٢٨ - ولأن الحلف عبارة عن تأكيد جملة بجملة أخرى استعظاما لها، وذلك موجود فيمن قال: إن فعل كذا فهو يهودي. ومن قال: واليهودي لا أفعل. فوجب حمل اللفظ على عمومه.
стр. 6179
٣١٧٢٩ - ويدل عليه ما روى الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه أن رسول الله ﷺ سئل عن رجل قال: هو يهودي أو نصراني أو مجوسي أو برء من الإسلام في اليمين عليها فيحنث، فقال: وعليه كفارة يمين). [وكره إلا يهودي].
٣١٧٣٠ - وعن ابن عباس: أنه سئل عمن حلف باليهودية والنصرانية فقال: هي يمين يكفرها.
٣١٧٣١ - ولأنه علق المنع بما لا يجوز استباحته عن التأبيد لحق الله تعالى خالصًا، فصار كالحلف باسم الله.
٣١٧٣٢ - ولأن الكفر محرم لحق الله تعالى على التأييد، فوجب أن يكون على الحالف الكفارة كالمحالفة في اسم الله تعالى إذا حلف به. ولا يلزم الحالف بالنبي ﷺ ؛ لأن حرمته معتبرة لحق الله ولحقه، فلا يخلص لله تعالى. [ولا يلزم الحالف بالقرآن والكعبة؛ لأنه يدلل ني نفسه وهو ممنوع من نقل في الله تعالى] لحق الله تعالى وله في نفسه.
٣١٧٣٣ - فإن قيل: إذا حلف بشرب الخمر والزنى.
٣١٧٣٤ - قلنا: شرب الخمر كان مباحًا، وهو غير مباح إلا عند الضرورة، فحرمته غير متأبدة. وأما الزنا فلا يقال: إنه محرم على التأييد؛ لأن الشرع كان يجوز أن يرد بإباحته.
٣١٧٣٥ - فإن قيل: فالكفر يجوز استباحته عند الضرورة.
٣١٧٣٦ - قلنا: إنما يباح عند الضرورة إظهار كلمة الكفر وهو يقصد غيره، فأما الكفر: فلا يباح للضرورة ولا غيرها.
стр. 6180
٣١٧٣٧ - فإن قيل: اليهودية والنصرانية لم تحرم على التأييد، ولأنها شريعة موسى وعيسى ﵇.
٣١٧٣٨ - قلنا: الخلاف لا يتعين في هذا؛ لأنه لو قال: هو بريء من الله تعالى، أو عابد وثن. لم يكن حالفًا عندهم، وانه لم يجز استباحة هذا المعنى بحال. وأما اليهودية اليوم متضمنة لتكذيب النبي ﷺ والرد عليه، ولهذا لم يبح في شريعة موسى
٣١٧٣٩ - فإن قيل: هتك حرمة اسم الله تعالى [مباح في الشريعة ...] لم يتكلف كلامه؛ لأنه كفانا مؤنته بظهور غلطه. وإنما تجتمع حرمتان لله تعالى فترجح إحدى الحرمتين على الأخرى، وأما أن يباح هتك الحرمة فلا.
٣١٧٤٠ - ولأن اليمين على ضربين: يمين هي قسم، ويمين هي شرط وجزاء. فإذا كان في أحد النوعين ما ينعقد يمينًا من غير إيجاب فيه، ويجب بمقتضاه الكفارة، كذلك الآخر. ولا يمكن القول بموجبه في النذر المعلق بشرط؛ لأن هناك أوجب على نفسه قربة، ولا معنى يؤثر في القربة فيختلف في كونه يمينًا، فجاز أن يجب بمقتضاه كفارة يمين كقوله: أنت علي حرام.
٣١٧٤١ - ولأنه إذا قال: إن فعلت كذا، فأنا كافر. فهذه كناية عن يمين؛ لأنه امتنع فيما حلف عليه وحرمه على نفسه كحرمة الكفر؛ لأن كل ما يصير به كافرا حرام، فكأنه قال: هذا الشيء علي حرام. وقد ثبت من أصولنا أن من حرم حلالًا ثم انه استباحه فعليه كفارة يمين، فلا يعتبر في هذه الكناية يمين؛ لأن العرف قد يجري بالحلف بها، فصار جريان العرف كالنية.
٣١٧٤٢ - احتجوا: بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (لا تحلفوا بآبائكم ولا بأمهاتكم ولا بالأنداد، ولا تحلفوا إلا بالله، ولا تحلفوا بذلك إلا وأنتم صادقون). والصدق والكذب يكون في يمين الماضي، وعندنا يمين الماضي، لا ينعقد.
٣١٧٤٣ - احتجوا: بقوله ﷺ : (من حلف بملة غير ملة الإسلام، فإن كان صادقًا؛ فهو كما قال، وإن كان كاذبًا؛ لم يعد إليه سالماً).
стр. 6181
٣١٧٤٤ - قلنا: هذا في يمين الماضي التي يدخلها الصدق والكذب؛ لأنه لا يمتنع أن يبين بعض الأحكام ويمسك عن بعض ذلك إذا لم يكن ذلك عند سؤال سائل.
٣١٧٤٥ - احتجوا: بقوله ﷺ : (من حلف بملة غير ملة الإسلام، فكفارته أن يقول: لا إله إلا الله).
٣١٧٤٦ - قلنا: سماه حالفًا، وعندكم إذا حلف بغير الله فليس بحالف.
٣١٧٤٧ - ولأنه جعل كلمة الإخلاص كفارة)، وهذا إنما يكون فيمن كفر بالحلف وقال: واليهودية لا أفعل كذا. فيصير معظمًا لها بتكفير وكفارة هذا القول الإخلاص. فأما إذا قال: لئن فعلت كذا، فأنا يهودي؛ فإنه لا يكفر بالإخلاص باتفاق، فلم يتناوله الخبر.
٣١٧٤٨ - قالوا: ليس بمحدث أو بمحلوف، فصار كقوله: إن فعلت هذا، فأنا زانٍ أو شارب خمر أو فاسق.
٣١٧٤٩ - قلنا: يبطل إذا قال: إن فعلت هذا، فعلي نذر.
٣١٧٥٠ - ولأن المحدث والقديم يفترقان، فإن كانت الكفارة تجب لحرمة المحلوف به. وفي مسألتنا تجب الكفارة؛ لأنه حرم على نفسه حلالًا، فصار كقوله لزوجته: أنت علي حرام. أن الكفارة تجب باتفاق، وتجب الكفارة عندنا في تحريم كل مباح.
٣١٧٥١ - ولأن اليمين بالقديم سبحانه إنما وجبت الكفارة فيها بالهتك المتأكد، وهذا الهتك موجود في مسألتنا، إذ تحريم كل واحد من الهتكين لحق الله تعالى خالصًا. والمعنى فيما قاسوا عليه لم يتأبد؛ لأن الشرع كان يجوز أن في د بإباحة بعضه، والكفر متأكد الحرمة كتأكيد حرمة اسم الله تعالى. أو نقول: إن هذه المعاني المعصية فيها متعلقة بالفعل لا بالقول، فلذلك لم يجز أن يكون بها حالفًا. وفي مسألتنا المعصية فيها تتعلق بالقولء فجاز أن تجب الكفارة بالمحلف بها.
٣١٧٥٢ - قالوا: يمين بغير الله كما ذكروا.
٣١٧٥٣ - قلنا: لا يمتنع أن تجب الكفارة بغير الله تعالى كالحرام والنذر.
٣١٧٥٤ - ولأن تحريم ما حلف به إذا كان مآله لحق الله تعالى خالصًا، فكأنه
стр. 6182
يحلف به تعالى.
٣١٧٥٥ - قالوا: فعل ما وصف نفسه علة لفعله كالمعصية، فصار كقوله: هو زان.
٣١٧٥٦ - قلنا: المعصية في الزنى لا تتعلق بالوصف دون الفعل، فلم يكن فيه معنى اليمين، [والمعصية في الكفر تتعلق بنفس القول، فجاز أن تتعلق بالقول.
٣١٧٥٧ - قالوا: يمين بغير اسم الله وبغير صفة من صفاته.
٣١٧٥٨ - قلنا: عندكم لو قال: هو بريء من الله. لم يكن حالفًا]، فلا تأثير لهذا الوصف.
٣١٧٥٩ - ولأن الكفارة في اليمين لا تجب لذكر الاسم، ولهذا لم تجب قبل الحنث، وإنما تجب لهتك حرمة الاسم بالحنث، وهتك الحرمة موجود في مسألتنا على ما بينا.
стр. 6183
مسألة ١٥٦٧
يمين الكافر
٣١٧٦٠ - قال أصحابنا [﵏]: يمين الكافر لغو لا تنعقد بيمينه، وان حلف بها حالة الكفر أو بعد إسلامه لم تجب عليه الكفارة.
وقال الشافعي ﵏: تنعقد يمينه، فإن حنث حال كفره تحفر بالعتق أو الكسوة أو الطعام دون الصوم، وإن حنث بعد إسلامه تحفر بالصوم إن لم يقدر على غيره.
٣١٧٦١ - لنا: قوله تعالى: ﴿فقاتلوا أئمة الكفر إنهم ل أيمان لهم﴾. وأيمان جمع: يمين، وهذا ينفي انعقاد اليمين منهم.
٣١٧٦٢ - فإن قيل: معناه: إنهم لا يدينون بها، كما يقال: فلان لا دين له، بمعنى: لا يحافظ عليه. والدليل على ذلك أنه قال: ﴿ألا تقاتلون قومًا تكثوا أيمنهم﴾.
٣١٧٦٣ - قلنا: ظاهر النفي يقتضي منع الانعقاد.
٣١٧٦٤ - وقوله: ﴿وإن نكثوا أيمانهم﴾. تعيير لهم بترك الوفاء بما قرروه وأكدوه بالحلف، والأيمان قد يعير بالحلف وإن لم يلزمه به حكم شرعي.
ويدل عليه ما روى سماك بن حرب عن زيد بن حارثة أنه قال للنبي ﷺ : انطلق بنا إلى فلانة لنخطبها لك. فانطلق ﵇ معه فخطبها، فقالت: لم في عاهدت زوجي إن مات قبلي ألا أتزوج أبدًا، وعاهدني [إن مت قبله] على مثل ذلك. فقال ﷺ : (إن كان ني الجاهلية فأرفضيه عنك، وان كان ني الإسلام ففي بعهدك). وتفريقه بين الأمرين يدل على أن يمين الكافر لا تنعقد.
стр. 6184
٣١٧٦٥ - ولأن الكافر لا تصح منه الواجبات الشرعية التي لا تقف صحتها وقوعها قربة، فلم تنعقد يمينه كالصبي والمجنون. ولا يلزم عليه الإيمان؛ لأن وجوبه معلوم بالعقل لا بالشرع، ولأنه لا يصح منه التكفير بالصوم ولا هو أهل ذلك لا لمعنى في الوقت، فوجب ألا تنعقد يمينه، دليله: الصبي والمجنون. ولا يلزم الغني؛ لأن التفكير بالصوم يصح منه في كفارة الأذى. ولا يلزم الحائض؛ لأنها من أهل الصوم، وإن يصح منها.
ولا يلزم إذا كان ي رمضان أو ي يوم الفطر أو الأضحى؛ لأن هناك لا يصح منه التكفير بالصوم لأجل الوقت ولأن الصبي يصح منه التقرب بالنوافل، وان لم تصح منه الفرائض، والكافر لا يصح منه النفل ولا الفرض، وإذا لم ينعقد يمين الصبي، فيمين الكافر أولى.
٣١٧٦٦ - فإن قيل: المعنى في الصبي عدم التكلف، وهذا المعنى لا يوجد في الكافر.
٣١٧٦٧ - قلنا: عدم التكفير وعدم الإسلام قد أجريا مجرى واحدًا في المنع من فعل الواجبات الشرعية، كذلك يتساويان في منع انعقاد اليمين.
ولأنه عقد يقف على اسم الله تعالى أو ما هو في معناه، فوجب ألا ينعقد من الكافر كالصلاة. ولا يلزم الإيلاء؛ لأنها تنعقد عقد اليمين بالطلاق والعتاق وإيجاب الصفة والتأمل.
٣١٧٦٨ - على أن كفارة اليمين لا تصح منه؛ لأن موضوعها للتغطية والتكفير، وهذا المعنى لا يصح من الكافر. وقد ألزم مخالفونا الكافر إذا أتلف صيد الحرم، وزعموا أنا نقول: يجب عليه الجزاء. وهذا غلط، ولا جزاء على الكافر ني إتلاف الصيد.
٣١٧٦٩ - قالوا: المعنى في الصلاة والصوم أنه لو تطوع في ذلك لم يصح، والعتق والإطعام لو تطوع بهما صح.
٣١٧٧٠ - قلنا: لا لو تطوع بصدقة شاة أو خمس دراهم جاز، ولا يدل ذلك على وجوب الزكاة عليه.
٣١٧٧١ - ولأن العتق أحد أنواع التكفير، فلا يصح من الكافر كالصوم.
٣١٧٧٢ - فإن قيل: لا يمتنع أن يصح التكفير منه بالصوم ويصح بغيره، بدليل أن الغني لا يصح منه التكفير بالصوم ولا يصح بغيره.
٣١٧٧٣ - قلنا: إن الغني يصح منه التكفير بالصوم إذا تعد عن ماله، وصح منه
стр. 6185
التفكير بالصوم في كفارة الأذى، أما العبد: فلا يقدر على غير الصوم؛ لأنه لا ملك له، ولو تصور ملكه يصح منه فهو كالفقير. فإذا ثبت هذا قلنا: من لو حنث عقيب يمينه، لم تلزمه كفارة، فإذا حلف في حالة ثانية لم تلزمه كفارة كالصبي والمجنون. ولم ذا ثبت هذا قلنا: كل من حنث عقيب يمينه لم تلزمه كفارة إذا حنث باسم الله تعالى أو بما في معناه لم ينعقد كيمين الصبي واليمين مع الاستثناء. ولا يلزم اليمين بالطلاق والعتاق؛ لأن ذلك لا يختص باسم الله تعالى ولا بما في معناه.
٣١٧٦٤ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم﴾ وهو عام في الكافر والمسلم.
٣١٧٦٥ - قلنا: بل خاص في المسلمين، بدلالة أنه رتبه على قوله: ﴿يا أيها الذين أمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾ ثم قال ﴿فكفارته﴾ والكفارة هي التغطية وذلك لا يجتمع مع الكفر، ثم نقله إلى الصيام عند عدم ما سواه. والكافر غير مخاطب بالصيام، وإن وجد شرطه وهو عدم ما سواه.
٣١٧٧٦ - فإن قيل: فصح منه الصوم إذا قدم الإسلام، كما يصح من الجنب الصلاة إذا اغتسل.
٣١٧٧٧ - قلنا: الآية يقتضي من يصح منه الصوم بشرط واحد وهو عدم ما سواه، والكافر غير مخاطب بالصيام، وإن وجد شرطه وهو عدم ما سواه، فصح منه الصوم بشرط واحد وهو عدم ما سواه من أنواع الكفارات، والكافر لا يصح منه الصوم بهذا الشرط.
٣١٧٧٨ - قالوا: روي أن النبي ﷺ قال: (من حلف على يمين فرأي غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه).
٣١٧٧٩ - قلنا: قوله: (فليأت الذي هو خير خير). يخص المسلم لا الكافر؛ لأنه لا يكون منه الخير.
٣١٧٨٠ - وقوله: (وليكنوا). يتناول من وجه في حقه التغطية والتكفير، وذلك لا يكون في الكافر.
٣١٧٨٠ - ولأن قوله: (وليكفر عن يمينه). يتناول الكفارة المعروفة في الشريعة، والكافر لا يخاطب بأنواع التكفير.
стр. 6186
٣١٧٨٢ - قالوا: روي أن عمر بن الخطاب قال للنبي ﷺ : إني نذرت أن أعتكف يومًا في الجاهلية. قال ﷺ : (أوف بنذرك). قالوا: وما يمنع النذر لا يمنع اليمين؟.
٣١٨٧٣ - قلنا: قد أجمعنا أن نذر الكافر غير لازم، وان اختلف في يمينه، فإما أن يكون نذر في الجاهلية بعد إسلامه، أو يكون أمره بالوفاء على وجه الاستحباب.
٣١٧٨٤ - وقد عارض هذا ما روي أن قيس بن عاصم قال للنبي ﷺ : إني نذرت نذرًا في الجاهلية. فقال ﷺ الإسلام: (الإسلام يجب ما قبله). والنذر ضربان: نذر معين يلزم الوفاء به، ونذر مطلق فتجب الكفارة فيه. ولم يستفصل ﷺ ، فظاهر الخبر يقتضي سقوطها، وذلك دليل على مخالفنا.
٣١٧٨٥ - قالوا: من يستحلف في الدعاوي بالله ، وجب أن تصح يمينه في غيرها، أصله: المسلم.
٣١٧٨٦ - قلنا: اليمين في الحقوق تقع على الماضي، وتلك يمين غير منعقدة، والخلاف في انعقاد يمين الكافر، فلم يجز أن يستدل على انعقادها باستحلافه يمينًا لا تنعقد. والمعنى ني المسلم: أنه من أهل التكفير بالصوم، فانعقدت يمينه، والكافر لا يصح منه التكفير بالصوم ولا هو من أهله، فلا تنعقد يمينه.
٣١٧٨٧ - قالوا: من صح يمينه بالطلاق والعتاق يقتضي إزالة ملك، والكافر والمسلم يتساويان في إزالة الملك، فساواه في اليمين المفضية إلى ذلك.
٣١٧٨٨ - قلنا: اليمين بالله تعالى تفضي إلى وجوب عبادة، والكافر لا يساوي المسلم في العبادات. والمعنى في المسألة: أنه يصح أن نوجب مثل مقتضى اليمين بالنذر فانعقدت يمينه المفضية إلى ذلك، والكافر لا يصح منه إيجاب مثل مقتضى اليمين بالنذر، فلم تنعقد يمينه.
٣١٧٨٩ - قالوا: وجود الحلف بالله تعالى، والمحالفة مع القصد والاختيار من مكلف توجب الكفارة، أصله المسلم.
[قلنا: اليمين] هو إلزام حرمة اسم الله تعالى، والكافر ليس هو من أهل
стр. 6187
إلزام حقوق الله تعالى بدلالة العبادات، والكفارة موضوعة في حق المسلم للتكفير والتغطية، وهذا المعنى لا يوجد مع الكفر.
٣١٧٩٠ - ولأن الكفارة إذا كانت قربة تلزم الحالف بسبب فعله، حلت محل نذره، والكافر والمسلم يختلفان في النذر، وكذلك في الكفارة.
٣١٧٩١ - قالوا: يصح إيلاؤه إذا حلف بالله، فصحت يمينه كالمسلم، يبين هذا أن إيلاءه بالطلاق والعتاق لما صح، صحت نيته بهما في غير الإيلاء.
٣١٧٩٢ - ولأن المولي هو الذي لا يصل إلى الوطء إلا بمعنى يلزمه، فلو كان الكافر إذا وطئ لا يلزمه شيء لم يكن موليًا، كمن قال: لا أقربك سنة إلا يومًا.
٣١٧٩٣ - قلنا: الإيلاء عقد لا يختص باسم الله تعالى، فتساويا فيه، واليمين عقد يختص باسم الله أو بما فيه معناه، فاختلفا في انعقاده كالصلاة.
٣١٧٩٤ - ولأن الإيلاء يتعلق به حق الآدمي، [والكافر فيما يعود إلى حقوق الآدميين] كالمسلم، واليمين يتعلق بها حق الله تعالى خاصة، والكافر مخالف في ذلك لم ذا لم تكن عقوبة كالصلاة والصوم.
فأما قولهم: إنه لو لم يلزمه بالوطء كفارة لم ينعقد الإيلاء؟ فغلط؛ لأن وجوب الكفارة على المسلم إذا وطئ في مدة الإيلاء مختلف فيه، وإيلاؤه مجمع على صحته، فلا تجوز الحكم بالمتفق عليه معللًا بعلة مختلف فيها.
٣١٧٩٥ - قالوا: لو لم ينعقد بيمينه، لم يكن لاستحلافه في الحقوق معنى.
٣١٧٩٦ - قلنا: اليمين التي يستحلف بها الحاكم غير منعقدة عندنا؛ لأنها غموس. فكيف يستدل بثبوتها على الانعقاد؟.
٣١٧٩٧ - ولأن الكافر يستعظم اليمين، والغرض من اليمين أن تستعظم.
٣١٧٩٨ - ولأنه لا يحلف كاذبًا، فالفرض بها حاصل.
٣١٧٩٩ - ولأن الحاكم يضطر إليها في الدعاوى؛ لأنه لا سبيل له إلى القطع في الخصومة، إلا بها ولا ضرورة بنا إلى الانعقاد والتكفير.
стр. 6188
مسألة ١٥٦٨
تقديم كفارة اليمين على الحنث
٣١٨٠٠ - قال أصحابنا [﵏]: لا يجوز تقديم كفارة اليمين على الحنث.
٣١٨٠١ - وقال الشافعي ﵀: يجوز تقديم العتق والكسوة والإطعام، ولا يجوز تقديم الصوم، وإذا كانت اليمين على معصية، ففي تقديم الكفارة وجهان.
٣١٨٠٢ - لنا: أن الكفارة موضوعها للعظمة، و. يوجد باليمين معنى يحتاج إلى تغطية يختص باليمين، فلم يكن التعجيل كفارة، فلا تنوب عن الكفارة.
٣١٨٠٣ - فإن قيل: الكفارة تجب على الخاطئ ومن ندب إلى الحنث.
٣١٨٠٤ - قلنا: موضوع التكفير ما ذكرنا، ران جاز أن يتبع ذلك ما ليس في معناه.
٣١٨٠٥ - فإن قيل: كفارة الظهار تجب بعد الظهار بفعل يحدثه المظاهر وهو العود، وان كان الظهار سبب الكفارة.
٣١٨٠٦ - قلنا: الظهار عندنا علة الحفارة والعود شرطها؛ لأن الكفارة تجب عند العود بالظهار سببًا فلا.
ولأنه ليس بسبب في بعض الأنواع وهو الصوم، فلا يكون سببًا في بقية الأنواع كالبلوغ. ولأن اليمين عقد يقف وجوب الكفارة بعده على فعل يحدثه العاقد، فلا يكون العقد سببًا كعقد الإحرام.
٣١٨٠٧ - احتجوا: بحديث الحسن عن عبد الرحمن بن سمرة أن النبي ﷺ قال: (يا عبد الرحمن بن سمرة، إذا حلفت على يمين، فرأيت غيرها خيًرا منها) فأت الذي هو خير وكفر كن يمينك). وروي أنه قال: (يا عبد الرحمن بن سمرة). وذكر معناه، إلا أنه قال: (فكفر عن يمينك، ثم ائت الذي هو خير). واللفظ الأول يدل
стр. 6189
على أنه مخير في تقديم أيهما شاء؛ لأن (الواو) للجمع. واللفظ الثاني صريح في تقديم الكفارة؛ لأن (ثم) للترتيب.
٣١٨٠٨ - قال أبو داود: في أحاديث أبي موسى الأشعري وعدي بن حاتم وأبي هريرة اللفظان جميعًا، وأكثر ما قالوا: (فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير). قال أبو داود: واختلف على كل من رواه.
٣١٨٠٩ - الجواب: أن الرواي واحد، وقد روي اللفظان، وأصل الخبر أحدهما، فوجب التوقف حتى يعلم أصل الخبر.
ولأنه قال: (فليكفر) والكفارة هي التغطية، ولم يوجد معنى يصح أن يكون الكفارة تغطية له.
ولأن قوله: (فليكفر). أمر، فظاهر الأمر الوجوب، والكفارات لا تجب إلا بعد الخث، فعلم أن الخبر: (فليأت الذي فو خير ثم يكفر).
ولأن الكفارة اسم للأنواع الأربعة، ولا يمكن حمل اللفظ على جميعها إلا أن يكون بعد الحنث، فأما إذا كان قبله احتاج مخالفنا إلى تخصيص اللفظ.
ولأنه تارك للظاهر من ثلاثة أوجه:
أحدها: بسبب الكفارة، وليس هناك ما يكفر.
والثاني: صرف الأمر عن الوجوب إلى الجواز.
والثالث: تخصيص التكفير ببعض الأنواع.
وإذا حملنا الخبر على تقديم الحنث استعملنا الظاهر الثلاث، وحملنا قوله: (وليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير). على التقديم والتأخير؛ لأنه معلوم أن الكفارة لا تجب إلا بالحنث، وهذا كقوله في المحرم: (إذا لم يجد النعلين، فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين). والقطع مقدم في المعنى وان أخره في اللفظ؛ لأنه مفهوم.
فأما الذي روى: (فليكفر عن يمينه، ثم ليأت الذي هو خير). فقد روى: (فليأت الذي هو خير، ثم ليكفر عن يمينه). وهذا هو الأصل؛ لأن (ثم) لوجوب
стр. 6190
التراخي، ولا نقول له: إن تأخير الحنث واجب.
ولأن (ثم) قد تكون بمعنى (الواو)، وقال الله تعالى: (فك رقبة). ثم قال: ﴿ثم كان من الذين أمنوا﴾. والإيمان من حكمه أن يتقدم هذه الأفعال، وقال: و (استغفروا ربكم ثم توبوا إليه). والاستغفار إنما يكون بعد التوبة.
٣١٨١٠ - احتجوا: بقوله تعالى: (ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان).وقال: ﴿ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم﴾.
٣١٨١١ - قلنا: الآية فيها بيان الكفارة، وليس فيها بيان الخلاف في الوقت، وهذا كما لو قال: كفارة الآدمي كذا. لم يدل ذلك على وقف الوجوب، ولا على المعنى الذي به وجب.
ولأن الكفارة تجب بالحلف باتفاق، بدلالة أن من حلف وبر لم تلزمه الكفارة، وإنما تجب إذا حنث، فصار تقدير الآية: ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم وحنثتم. ولم يذكر الحنث؛ لأنه معلوم أن الكفارة لا تجب إلا به، وهذا كقوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾. وتقديره: فأفطر فعدته. وسكت عن الفطر؛ لأنه معلوم، وكذلك قوله: ﴿قمن كان منكم مريضًا أو به أذى من رأسه ففدية﴾. تقديره: فحلق ففدية. يبين ذلك: أن الكفارة تتناول الأنواع، وأجمعوا أن الحنث مشروط في الصوم كذلك في بقية الأنواع.
٣١٨١٢ - قالوا: حق مال يجب بسببين يختصان بهء فجاز تقديمه على أحدهما، أصله: الزكاة.
٣١٨١٣ - قلنا: لا نسلم أن الزكاة تجب بسببين يختصان بها؛ لأن المال سبب وجوب الزكاة ونفقة ذوي الأرحام والحج، وكذلك الحول سبب في استحقاق الجزية والدية على العاقلة. فإن أسقطوا ذكر الاختصاص، فالزكاة تتعلق بأسباب منها البلوغ والعقل والإسلام وعام الملك وعدم الدين.
٣١٨١٤ - فإن قالوا: الجزية لا تجب بالحول، وإنما تجب بالمساكنة، والدية تجب بالقتل، والحول يطلب للحلول.
стр. 6191
٣١٨١٥ - قلنا: وكذلك نقول: إن الزكاة تجب بوجود المال والحول لتكامل النماء، ثم الزكاة تجب بوجود المال، وحلول الحول شرط، فإذا وجد الحول وجبت الزكاة لأجل المال، والمال موجود قبل الحول، فجاز إخراج الزكاة. والكفارة تتعلق بالحنث، واليمين شرط، بدلالة أنها لا تجب قط باليمين، وإن وجد الحنث وجبت ولا يمين، فلم يجز أن تؤدى قبل الحنث. ولو سلمنا أن الحول والنصاب سببان، فلا يجوز أن يجتمعا، ولما لم يجتمع اليمين والحنث لم يكونا سببين.
٣١٨١٦ - قالوا: انعقدت يمينه بالله، فجاز أن يكفر بالمال، أصله: بعد الحنث.
٣١٨١٧ - قلنا: بعد الحنث وجدنا يفتقر إليه التكفير، فجاز التكفير، وقبله لم يوجد ما يحتاج إلى التكفير، فلم يجز التفكير كما قبل اليمين. والمعنى فيما عد الحنث، أنها حالة التكفير بالصوم، فلم تكن حالة للتكفير بالعتق.
٣١٨١٨ - قالوا: كفارة بالعتق، فجاز تقديمها على حال وجوبها ككفارة القتل وكفارة الصيد.
٣١٨١٩ - قلنا: تخصيص العتق لا يتقدم على وجوبها. والمعنى في كفارة العين: أنها تتعلق بالجرح بشرط الموت؛ لأن الجرح فعله والموت ليس من فعله، فإذا وجد الجرح، وجد ما يتعلق الوجوب به.
٣١٨٢٠ - وفي مسألتنا الكفارة لا تجب باليمين، بدلالة إذا بر فيها، وإنما تجب بالحنث ولم يوجد.
٣١٨٢١ - قالوا: حالة تجوز فيها كفارة اليمين كما بعد الوجوب.
٣١٨٢٢ - قلنا: الحالة التي يجوز فيها كفارة القتل، وهي الحالة اتي وجدت ~ الوجوب، مثل تلك الحالة التي ني اليمين لا توجد الا بعد الحنث.
٣١٨٢٣ - قالوا: الدليل على اليمين سبب قوله ﷺ : (من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه). فعلق الكفارة بهما على وجه واحد.
٣١٨٢٤ - قلنا: ليس إذا تعلق الوجوب بهما كانا سببين، بل يجوز أن يكون أحدهما شرطًا، وعندنا اليمين شرط في تعلق الإمارة بالحنث وليس بسبب.
٣١٨٢٥ - قالوا: الكفارة حكم يتعلق بالحنث، فوجب أن يتعلق باليمين، أصله: إذا قال: إذا دخلت الدار فامرأتي طالق. والدليل على أن اليمين سبب أن الشهود إذا رجعوا، ضمن شهود اليمين دون شهود الشرط.
стр. 6192
٣١٨٢٦ - قلنا: عندنا اليمين بالطلاق علة وقع الطلاق والدخول شرط بدلالة أن الطلاق يقع عند وجود الشرط باليمين، فشهود اليمين حصل في شهادتهم إيجاب الإتلاف، فلذلك ضمنوا.
٣١٨٢٧ - قالوا: أجمعوا على إضافة هذه الكفارة إلى اليمين، فقالوا: كفارة اليمين. وهذه الإضافة متفق عليها لاختلاف بينهم فيها، فدل هذا على أن اليمين سببها.
٣١٨٢٨ - قالوا: زكاة الفطر، وزكاة المال، وكفارة الظهار، وكفارة القتل.
٣١٨٢٩ - قنا: الإضافة لا تدل على أن المضاف إليه سبب؛ لأنه يضاف إلى السبب ويضاف إلى الشرط، وقد يضاف إلى صفة في الوقوع فيقال: طلاق السنة وطلاق البدعة، وإن لم تكن السنة سببًا ولا شرطًا، ويبطل ما لو قالوه كفارات الحج وكفارة الأداء يضاف الكفارة إلى الحج وإلى الأداء، وليس ذلك بسبب.
٣١٨٣٠ - وقولهم: لم يجمع عل هذه التسمية؛ لأن منهم من يقول: كفارة الأذى، وقومًا يقولون: كفارة الحلق.
٣١٨٣١ - قلنا: هذا غلط؛ لأنهم إذا أرادوا الإجمال قالوا: كفارة الأداء. فإذا فصلوا قالوا: كفارة الحلق وكفارة اللبس.
ثم هذا غلط؛ لأنهم جعلوا الإضافة دليلًا فلما ناقضناهم، قالوا: لم نجمع على الإضافة، فلو كانت الإضافة دليلًا لم نختلف بالإجماع والاختلاف، ثم الكفارة بالصوم تضاف إلى اليمين كما يضاف التكفير بالعتق، ولم تدل الإضافة على أن اليمين سبب في الصوم.
٣١٨٣٢ - فإن قالوا: قولهم: كفارة الأداء. فيه حذف وتقديره: فدية إزالة الأذى.
٣١٨٣٣ - قلنا: وكذلك نقول: في كفارة اليمين حذف وتقديره: كفارة الحنث في اليمين.
٣١٨٣٤ - قالوا: الإحرام طاعة وعبادة، ولا يجوز أن تكون الطاعة سببًا لوجوب الكفارة، وإنما سبب لتحريم الأفعال الموجبة للكفارة، واليمين لا يحرم الحنث فكان سببًا.
٣١٨٣٥ - قلنا: الإحرام يمنع أسباب التكفير، واليمين تعقد للوفاء والمنع من الحنث، فكما لا يكون الإحرام سببًا كذلك اليمين.
стр. 6193
مسألة ١٥٦٩
تفريق صوم كفارة اليمين
٣١٨٣٦ - قال أصحابنا [﵏]: تفريق صوم كفارة اليمين لا يجوز ويجب أن يصوم متتابعًا.
٣١٨٣٧ - وقال الشافعي ﵏: إن شاء تابع، وإن شاء فرق.
٣١٨٣٨ - لنا: قوله تعالى: ﴿فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام﴾. وإطلاق الأمر يقتضي الفور عندنا، والفور تتابع.
٣١٨٣٩ - فإن قيل: صوم رمضان يجب على الفور وليس بمتتابع؛ لأنه لو أفطر فيه لم يلزمه استئنافه.
٣١٨٤٠ - قلنا: التتابع إنما يجب في صوم لا يتعلق بزمان معين، وصوم رمضان يقع في زمان معين، فلذلك لم يجب التتابع فيه وان كان على الفور.
ولأنه روي في قراءة ابن مسعود وأبي بن كعب: (فصيام ثلاثة أيام متتابعات). وهذه التلاوة منسوخة، إلا أن نسخ التلاوة لا يوجب نسخ حكمها.
٣١٨٤١ - فإن قيل: هذا زيادة في القرآن بخبر الواحد.
٣١٨٤٢ - قلنا: قراءة ابن مسعود نقلت إلى زمن أي حنيفة بطرق الاستفاضة، وقد كان سعيد بن جير يصلي في مسجد الكوفة فيقرأ ليلة بقراءة أبي وليلة بقراءة عبد الله. ومتى نقلت القراءة باستفاضة فنقل ما نسخ منها بنقلها ثم انقطع نقلها فانقطع نقل منسوخها، وليس هذا كما روي في قراءة أبي: (فعدة من أيام أخر متتابعة). وقوله: (فصيام ثلاثة أيام متتابعة في الحج). لأن قراءة أبي لم تنقل نقل استفاضة، فلم تجز الزيادة في القران بها.
ولأنه صوم هو بدل في كفارة، فكان متتابعًا كصوم الظهار.
٣١٨٤٣ - فإن قيل: الصوم في كفارة اليمين أخف؛ لأنه يتعلق بسبب محظور تارة
стр. 6194
ومباح أخرى، فلهذا خف قدر الصوم، وثبت التخيير فيما سواه.
٣١٨٤٤ - قلنا: كفارة الظهار تجب بالعود وهو مباح وإن ثبت في فيها التتابع، فأما خفة مقادير هذه الكفارة: فلا يمنع مساواتها كفارة الظهار في الصفة، بدلالة العتق والإطعام.
٣١٨٤٥ - احتجوا بالآية- وهي دليلنا- قالوا: صوم بدل به القرآن مطلقًا كقضاء رمضان.
٣١٨٤٦ - قلنا: الوصف غير مسلم، لأنا بينا نزول القرآن بالتتابع. والمعنى في القضاء: أنه لم يثبت بدلًا في كفارة، فلم يجب فيه التتابع بأصل الشرع. وفي مسألتنا صوم هو بدل في كفارة، فكان متتابعًا كصوم الظهار.
٣١٨٤٧ - قالوا: صوم مقدر بثلاثة أيام كصوم الحلق.
٣١٨٤٨ - قلنا: نقصان حلقه لا يدل على نقصان صفته، بدلالة الإطعام في هذه الكفارة. والمعنى في صوم الحلق: أنه خير بينه وبين غيره فلم يجب فيه الترتيب بالشرع، والصوم في مسألتنا بدل في كفارة.
٣١٨٤٩ - قالوا: صيام لم يعدل به إطعام كصوم الحلق.
٣١٨٥٠ - قلنا: لا نسلم، بل أعدل به الإطعام في الموضعين، وليس إذا اختلف عدد المساكين. والصوم فليس بعدل؛ لأن العدالة بحسب ما رد به الشرع
٣١٨٥١ - قالوا: صوم يكون سببه محظورًا ومباحًا وما جاء كفدية الحلق.
٣١٨٥٢ - قلنا: فدية الحلق لا تكون سببًا محظورًا؛ لأن من حلق لغير عذر لم يجزه الصوم عندنا.
ولأن بينا أن سبب كفارة الظهار العود وقد يكون مباحًا.
٣١٨٥٣ - قالوا: صوم قصرت مدته، فلم تكمل صفته كصوم الحلق.
٣١٨٥٤ - قلنا: نقصان مدته لا يوجب خفة صفته، بدلالة أن الإطعام بعض قدره في هذه الكفارة، ولم يدل على نقصان صفته، وكذلك العتق في هذه الكفارة خف حكمه، بدلالة التخير بينه وبين غيره، ولم يوجب ذلك خفة صفته عندهم. وقد قال الشافعي: إن الله تعالى قيد الرقبة في كفارة القتل بالأيمان، وأطلقها في الظهار، فحملت المطلق على المقيد، كذلك قيد ني كفارة الظهار والقتل بالتتابع وأطلقه في
стр. 6195
كفارة اليمين، فكان الواجب أن يحمل الطلق على المقيد.
٣١٨٥٥ - فإن قيل: إن العتق لشركة الأصل واحد، والصوم قد ذكره الله تعالى مطلقًا في قضاء رمضان، ونص على التفريق في صوم المتمتع، فلم يكن حمله على صوم كفارة المتمتع بالتتابع بأولى من حمله على غيره.
٣١٨٥٦ - قلنا: أما قضاء رمضان: فليس بكفارة أو صوم المتمتع وإنما هو صومان مطلقان، فكان الواجب عليه أن يشترط فيهما التتابع اعتبارًا بالكفارة، على أن صوم المتمتع ليس بكفارة أيضا.
٣١٨٥٧ - وقولهم: إن قضاء رمضان كفارة؛ لأن النبي ﷺ قال: (من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها، فإن ذلك كفارتها).
٣١٨٥٨ - فالمعروف أن ذلك وقتها، ولو ثبت أنه ﷺ سمى قضاء الصلاة كفارة، لم يجب أن يكون قضاء الصوم كفارة.
стр. 6196
مسألة ١٥٧٠
الذي يجزئ من الكسوة
٣١٨٥٩ - روى الحسن عن أبي حنيفة ﵀: أنه يجزئ في الكسوة القميص والقباء والإزار والعمامة ما يجزئ في الصلاة. وعن أبي يوسف: أن العمامة والإزار لا تجزئ.
٣١٨٦٠ - وقال الشافعي ﵀: يجزئ الإزار والسراويل والقلنسوة، ولا يجزئ الخف والنعلان، والخلاف يتعين في القلنسوة.
٣١٨٦١ - لنا: أن اسم الكسوة لا يتناول القلنسوة؛ لأن أحدًا لا يقول للابسها: مكتس. ولا يمنع أن يقال: هو عريان. وما لا يتناوله الاسم، لا يجزئ كالنعل. ولأن ما يجزئ فيه الصلاة لا يجزى في الكسوة كالخف.
ولأنها كسوة واجبة، فلا يجوز الاقتصار فيها على القلنسوة، أصله: كسوة الزوجة. ولأن المقصود بالكسرة ستر العورة كما أن المقصود بالطعام سد الجوعة، فكما لا يجوز في الطعام ما لا يشبع، لا يجوز في الكسوة ما لا يستر.
٣١٨٦٢ - احتجوا: بما زعموا أن عمران بن الحصين قال: تجزئ القلنسوة. وقال: أرأيت لو قدم وفد على أميرنا فأعط هم قلنسوة، أما كان يقال: قد كساهم.
٣١٨٦٣ - قلنا: هذا لا يعرف، ولو ثبت لم يقبل قول الواحد إذا لم يفسر فيما يخالف ظاهر القرآن.
٣١٨٦٤ - وقد روي عن إبراهيم أنه قال في تفسير قوله تعالى: ﴿أو كسوتهم﴾:
стр. 6197
ثوبًا ثوبًا. وتفسير القرآن يؤخذ من طريق التوقيف، فكأنه رواه عن النبي ﷺ .
٣١٨٦٥ - قالوا: أعطى قلنسوة قيمتها قيمة الطعام جاز، فكل كسوة تجوز لم ذا بلغت قيمة الطعام جاز وإن نقصت كالقميص.
٣١٨٦٦ - قلنا: لا نسلم أنها كسوة.
ولأنها تجزئ عندنا عن قيمة الطعام، فلا يقال: إن القيمة الكاملة إذا جازت كذلك الناقصة، فأما القميص: فيجرئ عن نفسه فلا يصير بقيمة الطعام، وإنما جاز؛ لأنه يستر العورة وتجوز الصلاة فيه.
стр. 6198
مسألة ١٥٧١
كسوة خمسة مساكين وإطعامهم
٣١٨٦٧ - قال أصحابنا [﵏]: إذا كسا خمسة مساكين وأطعم خمسة، جاز، وقومت الكسوة طعامًا أو الطعام كسوة.
٣١٨٦٨ - وقال الشافعي ﵏: لا يجوز حتى يكمل أحد الصفتين.
٣١٨٦٩ - لنا: أن ما قصد به سد الخلة، فالقيمة فيه تقوم مقام المنصوص عليه، وقد دللنا على ذلك في الزكاة. فإذا ثبت في الزكاة، ثبت في الكفارة؛ لأن أحدًا لا يفصل بينهما، وأن كل واحد منهما صدقة واجبة، فعلى هذا لا فرق بين أن يطعم بدل الكسوة أو يكسو بدل الإطعام، كما لا فرق بين إخراج الدراهم عن كل واحد منهما وبين إخراج قيمتهما.
ولا يلزم إذا أخرج صاعًا جيدًا عن صاعين وسطًا؛ لأن الصاع الجيد إذا اختاره وهو مستحق عليه أن يعطي لكل مسكين غداء وعشاء، فإذا أعطاه ربع صاع فلم يحصل المقصود.
فإن ألزم على هذا صدقة الفطر إذا أخرج نصف صاع تمر ونصف صاع شعير.
٣١٨٧٠ - قلنا: من أصحابنا من قال تجزئ إذا كانت قيمة أحدهما قيمة الآخر.
ولأنه إذا اختار الكسوة، صارت فريضة فإذا أخرج عنها لم ينص عليه فيها بدلًا، جاز كما لو أخرج الدراهم. ولا يلزم صدقة الفطر؛ لأن المقصود بجميع أنواعها سد الخلة، فإذا اختار أحد أنواعها ثم أخرج الآخر عنه، فقد أخرج منصوصًا عليه، كما التزم إخراجه، فيجزئ عن نفسه ولا يجزئ عن غيره.
٣١٨٧١ - احتجوا: بأن الله تعالى خير بين ثلاثة أنواع، فلم يجز إثبات نوع رابع.
٣١٨٧٢ - قلنا: عدنانا لا يجوز أكثر من ثلاثة، إلا أنا نجوز قيمة كل مقوم منها، فإذا كسا بعض المساكين وأطعم بعضهم، جعلناه كاسيا لجميعهم أو مطعمًا، فيكون
стр. 6199
نوعًا واحدًا.
٣١٨٧٣ - قالوا: نوع من أنواع كفارة اليمين، فلا يجوز تبعيضه كالعتق.
٣١٨٧٤ - قلنا: نقول بموجبه؛ لأن الإطعام لا يتبعض عندنا، وإنما يقام مقام بعضه بالقيمة، وهذا لا يتصور في العتق؛ لأنه غير متقوم فلم يجز إخراج غيره بقيمته.
٣١٨٧٥ - قال مخالفونا: هذا ينتقض بإخراج نصف صاع بحيل من صاع وبإخراج الشعير في الفطرة عن التمر.
٣١٨٧٦ - قلنا: هذا غلط؛ لأن إذا منعنا إخراج القيمة عما لا يتقوم.
لا يلزمنا أن يكون كل ما يتقوم يجوز عما لا يتقوم لأنه عكس كلامنا.
стр. 6200
مسألة ١٥٧٢
حلف ألا يسكن الدار
٣١٨٧٧ - قال أصحابنا [﵏]: إذا حلف لا يسكن هذه الدار، فانتقل بنفسه وترك فيها عياله ورحله، حنث في يمينه.
٣١٨٧٨ - وقال الشافعي ﵏: إذا انتقل ونوى ألا يرجع إليها، فقد بر في يمينه.
٣١٨٧٩ - لنا: أن السكنى تكون بنفسه وبما يسكن من آله في المكان غالبا؛ بدلالة أن الناس يسكنون المنازل، فإذا حلف لا يسكن، فإنما عقد يمينه على إزالة ما صار به ساكنًا، فإذا أزال بعضه لم يبر في يمينه، كمن حلف على شيئين ففعل أحدهما.
ولأن الإنسان يحلف على ترك السكنى كراهة الدار ولجيرانها أو سلامتها، وما كرهه الإنسان لنفسه من ذلك، كرهه لأهله.
ولأنه لو خرج عقيب اليمين ولم ينو ترك العود، حنث في يمينه؛ لأنه لم يزل ما صار به ساكنًا. كذلك إذا نوى ألا يعود، فلا يجوز أن يكون البر حصل بنيته ألا يعود؛ لأنه حلف على ترك السكنى على التأييد، فإذا تركها في الحال فلم ينو الترك أبدًا فقد بر في هذه الحال، والحنث من بعد يتعلق بفعل السكنى لا بالنية، فاعتبار نيته في ترك العود لا معنى له.
ولأنه يقال: فلان ساكن في هذه الدار. فإن كان في سوقة أو في ضياعة، ولا يجوز أن تكون السكنى مضافة إليه، فلم يبق إلا أن يكون ساكنا لكون أهله ومتاعه فيها.
٣١٨٨٠ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتًا غير مسكونةٍ فيها متاع لكم﴾.
٣١٨٨١ - قلنا: قيل في التفسير: فيها متعة لكم لاتقاء الحر والبرد وقضاء الحاجة.
следующие страницы →