Полный текст (6 324 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
٣١٥١ - وإنما يبطلها عدم الطهارة. ثم نقول بموجب العلة على ما قدمنا. ولأن الطهارة لا تبطل غي المأموم وإن علم أن إمامه على غير طهارة، وكذلك إذا لم يعلم، وفي الصلاة يبطل إذا علم ببطلان صلاته، وكذلك إذا/ لم يعلم.
٣١٥٢ - قالوا: أحد المشتركين في الصلاة فلا تبطل صلاته ببطلان صلاة الآخر، كالإمام.
٣١٥٣ - قلنا: نقول بموجبها، فلا نسلم أن الإمام لا تبطل صلاته ببطلان صلاة المؤتم؛ لأن في الجمعة إذا نقص العدد بطلت صلاة الإمام. ولأن الإمام ليس بتابع للمؤتم فلا تبطل صلاته ببطلان صلاته، والمؤتم تابع لإمامه فجاز أن تبطل صلاته بمعنى يعود إليه، كما لو علم أنه على غير طهارة.
٣١٥٤ - قالوا: المأموم يستفيد بالجماعة فوجب أن تبطل ببطلان صلاة الإمام ما استفاد بالشركة، وهو الفضيلة.
٣١٥٥ - قلنا: يبطل بحال العلم. ولأنه لا يمتنع أن يستفيد بالمشاركة الفضيلة، وإذا بطلت المشاركة زالت الفضيلة ومعنى الإجزاء؛ ألا ترى أن المرتدة والشيخ الكبير لا يستفيدان بالإسلام حقن الدم: في الشيخ الكبير على المذهبين، وفي المرتدة على أصلهم، وكذلك الحجة النافلة إذا دخل فيها استفاد المضي عليها، فإذا أفسدها لزمه المضي فيها، وهذا زيادة على ما استفاده بالدخول.
٣١٥٦ - قالوا: من صلى الظهر يوم الجمعة بقوم ثم صلى الجمعة، بطلت صلاته ولم تبطل صلاتهم؛ لأن المؤتم غير منسوب [إلى التفريط] في الائتمام.
стр. 667
٣١٥٧ - قلنا: بطلان صلاة الإمام بعد الفراغ من الصلاة لا يوجب بطلان صلاة المؤتم، كما لو ارتد. ولأن بطلان صلاة المؤتم إنما هو لأنه بنى صلاته على صلاة باطلة، وهذا المعنى لا يوجد إذا بطلت بعد الفراغ.
***
стр. 668
مسألة ١٧٤
بول الصبي والصبية نجس لا يطهر إلا بالغسل
٣١٥٨ - قال أصحابنا: بول الصبي والصبية نجس، لا يطهر إلا بالغسل.
٣١٥٩ - وقال الشافعي: بول الصبي- ما لم يطعم- يقتصر فيه على الرش حتى يغمره، ويطهره وإن لم ينفصل عنه.
٣١٦٠ - لنا قوله ﵇ "إنما يغسل الثوب من المني والدم والبول". ولأنها نجاسة لا تطهر بالرش، كسائر النجاسات. ولأنه حيوان يجب غسل بول الأنثى منه فوجب غسل بول الذكر، كسائر الحيوانات، ولان كل حيوان وجب غسل بوله إذا طعم وجب وإن لم يطعم، كالأنثى. ولأن الرش يزيد في النجاسة ويتسع في الثوب، فلا معنى له، ولأنه بول نجس، كسائر الأبوال.
٣١٦١ - ولا يقال: لا يمتنع أن تتفق الأبوال في النجاسة وتختلف في الإزالة، كالمني- على أصلكم- وغيره من النجاسات، وكذلك النجاسة في الخف والثوب [متساويان في النجاسة ومختلفان] في الإزالة؛ وذلك لأن الاختلاف إنما
стр. 669
يعود إلى مكان إزالة إحدى النجاستين بالمسح دون الأخرى، والرش لا يزيل النجاسة ولا يخففها.
٣١٦٢ - احتجوا: بما روي عن علي بن أبي طالب [﵃] أن النبي ﷺ قال: يغسل من بول الجارية وينضح من بول الغلام. وفي حديث لبابة بنت الحارث أن الحسين [بن علي] بال على النبي ﷺ فقلت: أعطني ثوبك أغسله، فقال: "إنما يغسل من [بول] الأنثى وينضح من بول الذكر".
٣١٦٣ - وعن أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن لها لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ ، فأجله في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فنضحه ولم يغسله. وعن عائشة [﵂] أنها قالت: أتي النبي ﷺ بصبي يحنكه ويدعو له، فبال عليه، فدعا بماء، فنضحه عليه.
стр. 670
٣١٦٤ - والجواب: أن النضح عبارة عن صب الماء؛ بدلالة قوله ﵇: "إني لأعرف مدينة ينضح البحر بحافتها"، ومعلوم انه لم يرد الرش، وإنما أراد جريان الماء. وقد روت عائشة [﵂] أن النبي ﷺ أتي بصبي فبال عليه [فأتبعه الماء] ولم يغسله. وفي حديث أم الفضل قالت في الحسين: قلت: يا رسول الله، أعطنيه لأكفله أو أرضعه بلبني، ففعل فأتيته به، فوضعه على حجره، فبال عليه وأصاب إزاره، فقلت [له]: يا رسول الله، أعطني أزارك أغسله، فقال: "إنما يصب على بول الغلام ويغسل بول الجارية". فعلم بهذه الأخبار أن المراد بالنضح الصب، وذلك يجزئ عندنا.
٣١٥٦ - وقوله: ولم يغسله، صحيح؛ لأن الصب متى حصل على النجاسة فزالت لم يحتج إلى الغسل الذي هو عصر [الثوب]. وفرق بين الجارية والغلام إما أن يكون قاله في حالين فجمع الراوي بينهما وظن أنه فرق بينهما؛ لأن بول الصبي لا يتسع في الثوب وبول الجارية يتسع فيه، فاكتفى في أحدهما بالصب، وفي الآخر بالصب والغسل.
٣١٦٦ - قالوا: الغلام يقع بلوغه بمعنى ظاهر، والجارية يقع بلوغها بشيء نجس، فلذلك افترقا.
стр. 671
٣١٦٧ - قلنا: لا فرق بينهما عندنا؛ لأن كل واحد منهما يقع بلوغه بما هو نجس، ولو سلمنا ما قالوه لم يصح الفرق؛ لأن هذا المعنى لما لم يمنع من تساوي يولهما بعدما طعما كذلك قبله.
***
стр. 672
مسألة ١٧٥
قليل النجاسة معفو عنه .
٣١٦٨ - قال أصحابنا: قليل النجاسة معفو عنه.
٣١٦٩ - وقال الشافعي: لا يعفى إلا عن دم البراغيث، وأثر الاستنجاء. وله في سائر الدماء قولان: أحدهما- ذكره المزني-: أن قليل كل دم معفو عنه، وذكر المروزي أن ذلك يختص بدم البراغيث، وما سواه غير معفو عنه.
٣١٧٠ - لنا: ما روي أن النبي ﷺ خلع نعله في الصلاة فلما سلم قال: "أخبرني جبريل أن عليهما أذى"، وروي: "سرجين"، وروي: "دم حلمة"، ولم يستأنف الصلاة. فلولا أن قليل النجاسة معفو عنه لاستأنف. وروي أن النبي ﷺ قال:
стр. 673
"من صلى وفي ثوبه أكثر من مقدار الدرهم من الدم أعاد الصلاة"، فعلق الإعادة بما زاد على مقدار الدرهم، فلو كان الجميع سواء لم يكن للتخصيص معنى. ولأنها نجاسة لم تزد على مقدار الدرهم، كموضع الاستنجاء. ولأنه دم فوجب أن يعفى عن قليله، كدم البراغيث. ولأن الصلاة تجوز مع النجاسة في حال العذر من غير أن ينتقل فرضها إلى البدل، فصار يسيرها معفوا عنه حال عدم العذر، كالمشي في الصلاة.
٣١٧١ - احتجوا بقوله تعالى: ﴿وثيابك فطهر﴾.
٣١٧٢ - والجواب: أنه قيل في التفسير: قلبك، الدليل عليه: ﴿والرجز فاهجر﴾. يعني: الأوثان، ولا يقال: طهر ثوبك ولا تعبد الوثن، ويقال: طهر قلبك ولا تعبد الوثن.
٣١٧٣ - واحتجوا: بقوله ﵇: "حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء"، ولم يفصل.
стр. 674
٣١٤٧ - قلنا: الغالب أن دم الحيض إذا أصاب الثوب زاد على قدر الدرهم، فخرج كلامه على الأغلب. ولأن الخبر أريد به الغسل المستحب؛ بدلالة قوله: "حتيه ثم اقرصيه"، فالمستحب عندنا غسل القليل والكثير.
٣١٧٥ - احتجوا: بقوله ﵇: "استنزهوا [من] البول".
٣١٧٦ - قلنا: هذا وجوب تنزهها في الجملة، وكذلك نقول، والكلام في تفصيل ما يجوز الصلاة معه، وما لا يجوز موقوف على دليل آخر.
٣١٧٧ - قالوا: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "إنما يغسل الثوب من المني والدم والبول".
٣١٧٨ - قلنا: المراد به الكثير؛ بدلالة أنه ذكر الدم، وقد وافقونا في قليل الدم أنه معفو عنه.
٣١٧٩ - قالوا: نجاسة مقدور على إزالتها من غير مشقة، فأشبه ما زاد على قدر الدرهم.
٣١٨٠ - قلنا: باطل بموضع الاستنجاء، أنه لا يشق إزالته؛ ألا ترى أن الإنسان يزيله في غالب أحواله.
٣١٨١ - فإن قالوا: إن ذلك يشق.
٣١٨٢ - قلنا: يسير النجاسة يشق إزالتها أيضا؛ لأن الإنسان لا يمكنه التحفظ من يسير النجاسة، فلو كلفناه تكرار غسل الثوب لشق عليه. ثم المعنى فيه أنه لا يعفى عنه في موضع الاستنجاء فلم يعف في غيره، قلنا: القليل معفو عنه في موضع الاستنجاء، كذلك في غيره.
***
стр. 675
مسألة ١٧٦
إذا أصاب الخف أو النعل نجاسة لها جرم
فدلكه بالأرض جازت الصلاة فيه
٣١٨٣ - قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا أصاب الخف أو النعل نجاسة لها جرم، فدلكها بالأرض، جازت الصلاة فيه.
٣١٨٤ - وقال محمد: لا يجوز إلا الغسل، وهو أحد قولي الشافعي.
٣١٨٥ - لنا: ما رواه سعيد بن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة [﵁] أن النبي ﷺ قال: "إذا أصاب نعل أحدكم أو خفه أذي فليمسحه بالأرض، ثم ليصل فيه، فإن ذلك له طهور".
٣١٨٦ - ولا يجوز أن يحمل الأذى على الطين؛ لأنه عام. ولان إزالة الطين لا تسمى طهورا؛ لأنه طاهر في نفسه.
стр. 676
٣١٨٧ - وفي حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ أتى المسجد، فأراد أن يدخل فأخبره جبريل ﵇ أن على نعله دم حلمة. وروت عائشة: فمسحه بالأرض ودخل وصلى. ولأنها إحدى الطهارتين، فإذا وقعت في الخف جاز أن يكتفي فيه المسح، كطهارة الحدث. ولأنها طهارة تتعلق بالرجل حال ظهورها، فجاز/ أن ينتقل [إلى المسح] حال تغطيتها بالخف، كطهارة الحدث.
٣١٨٨ - ولأن طهارة الإزالة تتعلق بالبدن: تارة غسلا وتارة مسحا، فجاز أن تتعلق بالخف مسحا، كطهارة الحدث.
٣١٨٩ - ولأنها عين لها جرم، فإذا جفت على الخف وحكت جازت الصلاة فيه، كالمني.
٣١٩٠ - احتجوا: بأنه محل أصابه نجاسة، فوجب أن لا يطهر بالمسح، كالثوب.
٣١٩١ - والجواب: أن من أصحابنا من قال: لا يطهر الخف، وإنما تخف النجاسة، فعلى هذا نقول بموجب العلة.
٣١٩٢ - ولأن الخف صقيل غير متخلل، فإذا وقعت النجاسة عليه وكشف ما لاقى الأرض اجتذب الرطوبة التي على وجه الخف، فإذا دلكت لم يبق إلا أجزاء [يسيرة من النجاسة، وذلك معفو عنه، وليس كذلك الثوب؛ لأنه متخلل الأجزاء]، فإذا حصلت النجاسة لم تزل بالمسح، وصار كالخف الذي لم يمسح.
стр. 677
٣١٩٣ - ولا يقال: إن الرطوبة التي في السرجين لو أصابت الخف لم يجز فيها إلا الغسل، فكذلك إذا انضم إليه غيره أولى أن لا يجزئ إلا الغسل.
٣١٩٤ - وربنا قالوا: كلما كان رطبا لم يجز فيه إلا الغسل، كذلك إذا كان يابسا كما لا جرم له.
٣١٩٥ - والجواب: أن ما لا جرم له إذا التصق بالخف بقي بحاله، فإذا مسح لم يزل، وما له جرم يجتذب الرطوبة، فيخف خروجه من الخف، فصار وزانه ما لا جرم له أن يصيب الخف البول فيلتصق عليه طين ثم يجف فيمسحه، فيطهر عندنا.
***
стр. 678
مسألة ١٧٧
دم السمك طاهر
٣١٩٦ - قال أبو حنيفة ومحمد: دم السمك طاهر.
٣١٩٧ - وقال أبو يوسف: نجس، وبه قال الشافعي.
٣١٩٨ - لنا: أن السمك أبيح أكله [بدمه] فحل دمه محل سائر أجزائه.
٣١٩٩ - ولأن ما أبيح أكله من أجزاء الدم محكوم بطهارته، أصله: ما في اللحم بعد ذكاته. ولأنه لو كان نجس وقف استباحته على الذكاة، كالشاة.
٣٢٠٠ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾، وقوله [تعالى] ﴿أو دما مسفوحا﴾.
٣١٠٢ - والجواب: أن هذا يدل على التحريم، وقد أجمعنا على الإباحة، والخلاف في النجاسة، فلم يصح التعلق بالظاهر.
٣٢٠٢ - قالوا: روي عن النبي ﷺ أنه قال: "أحلت لنا ميتتان ودمان".
стр. 679
٣٢٠٣ - وهذا يدل على أنه لم يبح دم ثالث.
٣٢٠٤ - والجواب: أن هذا الخبر دليلنا؛ لأنه أباح السمك بدمه وجميع أجزائه، فدل على طهارته، فأما حصره للدماء فلا يدل على نفي غيرها؛ لأن المحصور بالعدد لا ينفي ما سواه. ولأنه إنما اقتصر على دمين لأن دم السمك استفيد بإباحة السمك، لم يكرر ذكره. ولأن الخبر فيه إباحة، والنجاسة والطهارة غير الإباحة.
٣٢٠٥ - قالوا: دم مسفوح فكان نجسا، كدم سائر الحيوان.
٣٢٠٦ - قلنا: هذا دليل لنا؛ لانه لما وقف استباحة الحيوان على سفحه دل على نجاسة دمه، ولما لم يقف استباحة السمك على سفح دمه دل على طهارته. ولأن قوله: دم مسفوح، لا تأثير له؛ لأن سائر الدماء نجسة وإن كانت مسفوحة.
***
стр. 680
مسألة ١٧٨
المني نجس
٣٢٠٧ - قال أصحابنا: المني نجس.
٣٢٠٨ - وقال الشافعي: طاهر.
٣٢٠٩ - لنا: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال لعمار: "مم تغسل ثوبك." قال: من نخامة، فقال: "إنما يغسل الثوب من المني والدم والبول". فنقله عن غسل النخامة وأمره بغسل المني، فلو كان واحد منهما كالآخر لم يكن للتفريق معنى، وأمره بغسل الثوب من المني، وهذا يفيد وجوب غسله.
٣٢١٠ - ولا يقال: قوله: "إنما يغسل الثوب" [خبر] وليس بأمر، فكأنه قال: إنما يغسل الثوب من هذه الأشياء؛ وذلك لأنه ﵇ لا يعلم العادات، ولا يخبر عنها، وإنما يعلم الأحكام ويخبر عنها، فالظاهر أنه بين الحكم وأمر به، دون العادة، فلا فرق بينهما، ولو [كان] يخبر عن العادة لم يفرق؛ لأن العادة غسل الجميع.
стр. 681
٣٢١١ - ويدل [عليه] ما روى سليمان بن يسار أن النبي ﷺ أمر عائشة بغسل المني وقال: "إذا رأيت المني رطبا فاغسليه". وروي أنها قالت: أمرني رسول الله ﷺ بغسل المني [من الثوب إذا كان] ركبا وبفركه [إذا كان] يابسا. وهذا يقتضي وجوب الغسل. وكل من قال بوجوب غسله قال بنجاسته.
٣٢١٢ - ولا يقال: إن كان نجسا لم يجز فيه الفرك؛ لأن وجوب الغسل يدل على النجاسة، وجواز غير الغسل لا ينفي ذلك، كمسح موضع الاستنجاء، ومسح الخف على أصلنا.
٣٢١٣ - ولأنه مائع خارج من السبيل، كالبول. ولأنه مائع يتعلق بخروجه نقض الطهارة، كالبول. ولأن خروجه يتعلق به الغسل، كالحيض. ولا يلزم الولد؛ لأن الغسل لا يتعلق بخروجه، وإنما يتعلق بما يكون معه من الدم.
٣٢١٤ - ولا يقال: إن الغسل لا يجب بخروج الحيض وإنما يجب بانقطاعه؛ لأن خروج الحيض ينقض الطهارة، فإذا انقطع وجب الغسل عند الانقطاع بالخروج السابق، ولا يجب قبل الانقطاع؛ لأن الصلاة [لا] تجب. ولأنه لا يصح وجوده. ولأن المذي من أجزاء المني؛ بدلالة أن الشهوة تجلب كل واحد منهما،
стр. 682
وإذا رق المني صار على صفة المذي، فإذا كان المذي نجسا فكذلك المني.
٣٢١٥ - قالوا: [المعنى في جميع ما ذكرتموه أنه لما وجب غسله يابسا وجب غسله رطبا، ولما لم يجب غسل المني يابسا لم يجب غسله رطبا].
٣٢١٦ - قلنا: التعليل وقع للنجاسة، والمعارضة في وجوب الغسل معارضة في فصل آخر؛ لأنا لا نسلم أن المني لا يجب غسله يابسا؛ لأنه إذا كان على البدن لا يجزئ [فيه] إلا الغسل. وكذلك لا نسلم في علة الأصل؛ لان الدم لا يجب غسله يابسا إذا كان على الخف وما جرى مجراه. ولأن المني إذا يبس على الثوب زال بالفرك، وإذا كان رطبا لم يزل.
٣٢١٧ - ولا يقال: لما لم يتعين وجوب الغسل إذا زالت العين به وبغيره لم يتعين إذا لم تزل إلا به. ولأن النجاسة قد تتساوى ويختلف إزالتها باختلاف صفاتها، فلم يجز أن يستدل باختلاف صفة الإزالة على الطهارة. ولأنه [مني] حيوان محرم، كمني الكلب والخنزير.
٣٢١٨ - قالوا: المعنى في الكلب أنها دابة نجسة فكذلك منيه، والإنسان طاهر.
٣٢١٩ - قلنا: طهارة الحيوان لا يستدل بها على طهارة ما ينفصل منه، كالبول. ولأن المني يجري مجرى النجاسة، فوجب أن يكون نجسا كسائر المائعات إذا حصلت في محل [نجس].
٣٢٢٠ - ولا يقال: إن الخلاف في كونه نجسا في أصله لا في نجاسته لمجاورة النجاسة؛ وذلك لأنه نجس عندنا في الأصل، وقد حدث معنى يوجب نجاسته لو كان طاهرا، وعندهم أنه طاهر في الأصل، وطاهر مع وجود هذا المعنى، فصار كالحكم الثابت [بعلتين]، فيجوز الاقتصار على أحدهما.
стр. 683
٣٢٢١ - ولا يقال: إن مجرى المني غير مجرى البول. وهذا يجوز أن يقال في الأصل، فأما في قصبة الذكر فخروجهما واحد، وذلك معلوم بالمشاهدة، وداخل القصبة نجس، لجريان البول فيه.
٣٢٢٢ - قالوا: لا يحكم بنجاسة المني وإن خرج وجرى في محل النجاسة؛ لأن الشيء إنما ينجس بالمجاورة في ظاهر البدن، فأما في داخل البدن فلا يحكم له بذلك؛ ألا ترى أن الله تعالى أخبر أنه يخرج اللبن من [بين] فرث ودم، ولم يوجب ذلك نجاسته.
٣٢٢٣ - قلنا: هذا يبطل على أصلهم بلبن الميتة أنه ينجس [في داخل البدن، وكذلك من ابتلع ماء ينجس بحصوله في جوفه وإن لم يكن في ظاهر البدن. فأما اللبن فهو نحس في حال كونه في] الفرث والدم، وإنما يطهر بالاستحالة منهما، كما يحدث من المني النجس حيوان طاهر بالاستحالة.
٣٢٢٤ - واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وهو الذي خلق من الماء بشرا﴾، وإطلاق الماء يقتضي الطاهر.
٣٢٢٥ - والجواب: أن المني لا يسمى ماء في الإطلاق، الدليل على هذا: اللغة والعرف؛ ألا ترى أن الألف واللام إذا لم تكن للجنس فهي للتعريف والتعريف، يمنع الإطلاق، كقولهم: ماء نجس.
٣٢٢٦ - احتجوا: بقوله تعالى ﴿ولقد كرمنا بنى ادم﴾، ومن أخبر بكرامته وأبان عن فضيلته لم يجز أن يخلقه من نجس؛ ألا ترى أن هذا مما يقع به المدح والذم، [يقال]: فلان من أصل طاهر.
стр. 684
٣٢٢٧ - والجواب: أن الله تعالى أخبر بكرامة [بني آدم]، وعندنا أنه حال كونه آدميا طاهر، فلأن يكون من الكرامة أن يخلقه من ماء نجس ويجعله طاهرا مكرما، وهذا أبلغ في باب المنة.
٣٢٢٨ - ولأن كرامته لا تمنع من نجاسة أجزائه، كالدم وما أشبهه، كذلك لا يمنع من نجاسة أصله.
٣٢٢٩ - قالوا: روى ابن عباس أن النبي ﷺ قال في المني: "أمطه عنك بإذخرة؛ فإنما هو كمخاط أو بصاق"، أنه شبهه بالمخاط والبصاق فهذا يدل على أنه مثله في الحكم.
٣٢٣٠ - والجواب: أن هذا الخبر رواه الثقات موقوفا عن ابن عباس، وإنما غلط فيه إسحاق الأزرق ورواه عن شريك عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عطاء عن ابن عباس عن النبي ﷺ ، ورواه عن شريك عن ابن أبي ليلى في غير هذا الحديث، وسكت عنهما هاهنا، وقال غيره: إن رواية ابن أبي ليلى عن عطاء لا يلتفت إليها؛ لأنه لقيه بعد ما اختلط حديثه. ولو ثبت لم يدل؛ لان أمره بالإماطة يقتضي وجوبها، وعندهم ليس بواجب، فصار هذا دليلا لنا من الخبر، وتشبيهه بالمخاط والبصاق دليل لهم، فتساوينا.
стр. 685
٣٢٣١ - ولا يقال: إن تشبيهه بالمخاط والبصاق/ يقتضي الحكم؛ لأنه يجوز أن شبهه لحقه حكم في باب الإزالة. ولأنه ملصق بظاهر الثوب. ويمكن أن نجيب عنه بشيء. مفارقته لسائر النجاسات التي تتداخل في أجزاء الثوب، فلا يزول بالفرك.
٣٢٣٢ - ولا يقال: تركتم ظاهر التشبيه في البصاق وخصصتم الإماطة؛ لأن عندك يجوز بالإذخر إذا كان يابسا على الثوب؛ لأنا لم نترك ظاهر التشبيه؛ لأن الشيء لا يشبه بالشيء من جميع الجهات، وإنما يشبه من وجه، فإذا بينا وجها واحدا وبينوا آخر تساوينا، فبقي تركهم لظاهر الخبر وتخصيصنا العموم، فهو ظاهر بظاهر. على انه قد روي عن محمد أنه قال في رطبه: يزول بحب كيابسه، فعلى هذا لم يخص العموم. ويجوز أن يقال: قوله ﵇: "أمطه عنك بإذخرة" يفيد إماطة جميعه، وذلك لا يمكن بالإذخر إلا أن يغسل به، فكأنه قال: اغسله عنك بإذخر. فاعتبر الإذخر لأن المني لزج لا يزول بمجرد الماء إلا بمشقة.
٣٢٣٣ - قالوا: روت عائشة ﵂ قالت: كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ وهو يصلي.
٣٢٣٤ - والجواب: أنه يجوز أن يكون أقل من مقدار الدرهم.
٣٢٣٥ - قالوا: روى ابن عباس وسعد وعائشة ﵂ مثل قولنا.
стр. 686
٣٢٣٦ - قلنا: روى عن عمر وابن عمر أنه يغسل الثوب منه.
٣٢٣٧ - ولا يقال: [إنه يحمل] على الاستحباب؛ لان المذاهب لا تتأول، وإنما يتأول قول صاحب الشريعة.
٣٢٣٨ - قالوا: لأنه مبتدأ خلق بشر، فكان طاهرا، كالصلصال.
٣٢٣٩ - قلنا: هذا الوصف لا يصح؛ لأن ابتداء الخلق لا يقع من المني، وإنما وقع من التراب، فالخلق من المني إنما هو توسط أحواله، فلا يقتضي الطهارة، فمحال كونه دما. ولأنا لا نعلم أن الصلصال الذي خلق منه آدم ﵇ كان طاهرا. ولو سلمنا فالمعنى فيه أن الطهارة تقع [به]، فكان طاهرا، والمني ينقض الطهارة، فكان نجسا.
٣٢٤٠ - قالوا: لأنه مسمى في الشرع بالماء، فأشبه الماء.
٣٢٤١ - قلنا: يبطل بمني الكلب والخنزير؛ لأنه في الشرع ماء؛ قال الله تعالى: ﴿والله خلق كل دابة من ماء﴾ الآية. ولأن المعنى في الماء أنه يقع به الطهارة، وليس كذلك المني، لأنه ينقض الطهارة.
٣٢٤٢ - قالوا: الإنسان طاهر، فوجب أن يكون متولدا من طاهر، كالدجاجة والبيضة.
٣٢٣٤ - قلنا: ينتقض بالدود المتولد من النجاسة، إنه طاهر مع تولده من نجس. ولأن طهارة الحيوان بعد الاستحالة لا تدل على طهارته قبلها، كسائر الأعيان الطهارة الاستحالة. ولأن الدجاجة لا تتولد من البيضة قبل الحياة، وفي ذلك الحال هو عندنا نجس.
стр. 687
٣٢٤٤ - قالوا: مائع يثبت الحرمة فأشبه اللبن.
٣٢٤٥ - قلنا: الحرمة تثبت بالوطء، فأما بالماء فلا. ولأن اللبن لا يتعلق بخروجه من الإنسان الطهارة، فكان طاهرا، ولما تعلق بخروج المني الطهارة كان نجسا.
٣٢٤٦ - قالوا: ما لا يجب غسل يابسه لا يجب غسل رطبه، كالمخاط.
٣٢٤٧ - قلنا: سقوط الغسل لا يستدل به على الطهارة، كموضع الاستنجاء، ونقول- بموجب هذه العلة- بما روي عن محمد أن الرطب لا يجب غسله، والمعنى في المخاط أنه يخرج من الآدمي فلا يتعلق به نقض الطهارة، والمني بخلافه.
***
стр. 688
مسألة ١٧٩
العلقة نجسة
٣٢٤٨ - قال أصحابنا: العلقة نجسة.
٣٢٤٩ - واختلف أصحاب الشافعي: فقال أبو إسحاق مثل قولنا. وقال الصيرفي: طاهرة.
٣٢٥٠ - والدليل على ما قلناه قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة والدم﴾. والمني من جنس الدم، ولا يقال: المحرم من الدماء ما كان مسفوحا؛ لأن اللفظ عام. ولأنه دم خارج من الرحم، كدم الحيض.
٣٢٥١ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿أو دما مسفوحا﴾، فدليله أن غير المسفوح طاهر.
٣٢٥٢ - والجواب: أنا لا نقول بدليل الخطاب. ولأن هذه الآية دلت على تحريم المسفوح، والآية الأخرى دلت على تحريم غيره.
***
стр. 689
مسألة ١٨٠
إذا جبر عظمه بعظم الخنزير
ونبت عليه اللحم لم يجب قلعه
٣٢٥٣ - قال أصحابنا: إذا جبر عظمه بعظم الخنزير ونبت عليه اللحم، لم يجب قلعه.
٣٢٥٤ - وقال الشافعي: إذا لم يخف التلف أو تلف عضو من الأعضاء قلعه، وإن خاف التلف فظاهر قول الشافعي أنه لا يجب قلعه. ومنهم من قال: يجب.
٣٢٥٥ - لنا: أنه نجاسة معينة في البدن فلا يجب إزالتها، كالدم. ولأنه محل لا يجب إزالة نجاسته الأصلية، فلا يجب إخراج نجاسة طارئة فيه، كالمعدة. ولأن القيء فيمن شرب الخمر أيسر من كسر العظم، فلما لم يجب أيسر الأمرين فلأن لا يجب [إخراجها] [أولى].
٣٢٥٦ - ولأن إزالة النجاسة تسقط لخوف الضرر، [أصله: من كان معه ماء وهو يخاف العطش. ولأنها تسقط لخوف الضرر] على ماله، فلأن تسقط إذا خاف الضرر على بدنه أولى.
٣٢٥٧ - [ولا يقال: إن الخمر] إذا شربها استحالت فتغيرت، فلذلك لم يجب إخراجها؛ لأن إخراجها لم يجب عقيب شربها وإن لم تستحل. ولأن ما وجب
стр. 690
إزالته من النجاسة إذا لم يستحل ويتغير وجب وإن تغير، كناجسة الثوب والأرض.
٣٢٥٨ - ولا يقال: إن الخمر إذا أخرجت لم يطهر محلها، والعظم إذا قلع طهر محله؛ لأن الواجب إزالته [جملة] النجاسة وما قدر عليه منها، كموضع الاستنجاء.
٣٢٥٩ - ولا يقال: إن النجاسة التي في موضع العظم أصلية ونجاسة العظم طارئة، فلذلك وجب إزالة العظم دونها؛ لان يبطل بنجاسة المعدة [؛ لأنها أصلية، ويستوي سقوط إزالتها وإزالة الطارئ فيها.
٣٢٦٠ - ولا يقال: إن المعدة] محل النجاسة، فلذلك لم يجب إزالة النجاسة منها؛ لان داخل اللحم محل النجاسة ويجب إزالة العظم عندهم.
٣٢٦١ - ولأن موضع الاستنجاء محل النجاسة ولو أصابها نجاسة أخرى وجب إزالتها.
٣٢٦٢ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿والرجز فأهجر﴾.
٣٢٦٣ - والجواب: أنه قيل في التأويل: الأوثان، فلا يحمل على النجاسة.
٣٢٦٤ - في غير محلها لا يخاف التلف من أزالتها، فوجب أن يجب إزالتها، أصله: إذا لم ينبت عليه اللحم، وإذا وصلت شعرها بشعر الميتة.
٣٢٦٥ - قلنا: لا يطلق على من كان في باطن بدنه نجاسة أنه حامل لها، كما لا يقال لمن شرب الخمر: حامل للنجاسة. ثم لا نسلم أن هذه النجاسة في غير محلها؛ لأن هذا محل النجاسات.
٣٢٦٦ - ثم المعنى في الأصل أنه لم يحصل النجاسة في باطن البدن، وإنما هي [في] ظاهره، فجاز أن يجب، وفي مسألتنا حصلت في باطن البدن، أو نقول: المعنى فيما قاسوا عليه انه لا يلحقه ضرر بالإزالة، فجاز أن يلزم، وفي
стр. 691
مسألتنا يلحقه ضرر بالإزالة، فلذلك ل يلزم. وينتقض ما قالوه بمن جبر عظمه ثم مات: لا يجب قلعة، نص الشافعي عليه، مع وجود ما قالوه من العلة.
***
стр. 692
مسألة ١٨١
إذا نجست الأرض فذهب أثر النجاسة
بالشمس ومضى الزمان جازت الصلاة عليها
٣٢٦٧ - قال أصحابنا: إذا نجست الأرض فذهب أثر النجاسة بالشمس ومضي الزمان، جازت الصلاة عليها.
٣٢٦٨ - وقال زفر: لا تجوز، وبه قال الشافعي.
٣٢٦٩ - لنا: قوله ﵇: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" وقوله "ليس على الأرض من أنجاس الناس شيء، إنما أنجاسهم على أبدانهم". ولأن من شأن الأرض إحالة الأشياء وتغييرها عن جنسها، والاستحالة لها تأثير في التطهير؛ بدلالة الخمر إذا تخللت.
٣٢٧٠ - ولأن استحالة ما على الأرض أبلغ من استحالة الخمر؛ [لأن استحالة الخمر] يؤثر [في] طعمها خاصة، وهذه الاستحالة تغير سائر صفاتها، فإذا
стр. 693
طهرت الخمس بالاستحالة فهذا أولى. ولأنها نجاسة طرأت على عين يصح فيها الاستحالة، فجاز أن تطهر بالاستحالة، كجلد الميتة وما وقع في الملاحة.
٣٢٧١ - احتجوا: بما روي أن الأعرابي بال في المسجد فقال ﷺ : "صبو عليه ذنوبا من ماء"، ولو كان يطهر بالترك لم يكلفهم الغسل.
٣٢٧٢ - والجواب: أن النبي ﷺ أراد أن يجعل تطهير المسجد، والطهارة بالبقاء تحتاج إلى زمان طويل، فهذه فائدة تكليف الغسل.
٣٢٧٣ - قالوا: موضع لا يجوز التيمم منه لأجل النجاسة فلم تجز الصلاة عليه، أصله: إذا لم يذهب [في] الأرض.
٣٢٤٧ - قلنا: الوصف غير مسلم؛ لان ابن كاس روى عن أصحابنا أن التيمم من تلك البقعة جائز. ثم لو سلمنا فالنجاسة إذا استحالت بقي أجزاء منها يسيرة، ويسير النجاسة إذا جعل فيما يتطهر به منع، وإن حصل فيما بصلي عليه لم يمنع.
٣٢٧٥ - ثم المعنى في الأصل أن الاستحالة لم تحصل فبقيت [النجاسة] على ما كانت عليه، وفي مسألتنا استحالت، فجاز أن تطهر بالاستحالة.
٣٢٧٦ - قالوا: محل نجس لا يطهر بالشمس، كالبساط.
٣٢٧٧ - والجواب: أنا نقول بموجبه: أنها لا تطهر بالشمس عندنا، وإنما تطهر بالاستحالة.
стр. 694
٣٢٧٨ - فإن قالوا: فوجب أن لا تطهر بالاستحالة، لم يصح ذلك في البساط؛ لأنها لا تحيل النجاسة، فإن استحالت النجاسة التي على البساط بمعنى آخر طهرت.
٣٢٧٩ - قالوا: إذا نجس جميع البقعة فاستحالت، والأجزاء التي تثبت من النجاسة منبسطة على الموضع كما كان الأصل، وذلك أكثر من قدر الدرهم، فيمنع الصلاة.
٣٢٨٠ - قلنا: أما في إحدى الروايتين فلم يبق نجاسة كبيرة ولا صغيرة وعلى الرواية الأخرى: يبقى أجزاء يسيرة، إلا أنها لا تكون متصلة،/ وإنما هي متفرقة في البقعة، ولا يوجد منها في مكان واحد أكثر من قدر الدرهم، ولو وجد ذلك لم تكون الاستحالة حاصلة.
***
стр. 695
مسألة ١٨٢
إذا ورد الماء على النجاسة نجس
٣٢٨١ - قال أصحابنا: إذا ورد الماء على النجاسة نجس.
٣٢٨٢ - وقال الشافعي: إذا ورد ماء دون القلتين لم ينجس إلا أن يتغير.
٣٢٨٣ - لنا: قوله تعالى: ﴿ويحرم عليهم الخبائث﴾، وهذا لا يتوصل إلى جزء من الماء إلا بجزء من الخبث، فوجب أن يكون محرما. ولأن كل ماء نجس بورود النجاسة [عليه نجس بوروده عليها، كالخل واللبن.
٣٢٨٤ - ولأن الماء إذا لاقى النجاسة] نجس كما لو تغير. ولان كل ملاقاة لو حصلت مع التغيير نجست كذلك وإن لم يتغير، أصله: إذا وردت النجاسة على الماء.
стр. 696
٣٢٨٥ - ولأن تأثير النجاسة في الماء أبلغ من تأثيرها في الثوب؛ بدلالة أنه يستوي قليلها وكثيرها في الماء ويختلف في الثوب، فإذا استوي في الثوب أن يرد على النجاسة أو ترد عليه فالماء أولى.
٣٢٨٦ - احتجوا: بما روي أن الأعرابي بال في المسجد فقال ﵇: "صبوا عليه ذنوبا من ماء"، فلو كان الماء ينجس إذا ورد على النجاسة لم يكن في [الصب] فائدة؛ لأنه زيادة نجاسة.
٣٢٨٧ - والجواب: [أن الموضع] يجوز أن يكون رخوا، فإذا صب الماء عليه نزلت النجاسة إلى أسفل الأرض وطهر وجهها، كما يطهر بالعصر.
٣٢٨٨ - قالوا: [لو] نجس الماء إذا ورد على النجاسة لم تطهر النجاسة بالغسل؛ لان الماء ينجس بالملاقاة، فيصير كما لو غسلها بماء نجس.
٣٢٨٩ - قلنا: هذا هو القياس عندنا، وإنما تركناه للإجماع.
٣٢٩٠ - ولأن الماء [الأول] يجاور النجاسة، والماء الثاني وكذلك الثالث يجاور ما جاور النجاسة، فلا يكون نجسا في نفسه.
٣٢٩١ - ولا يقال: لو كان كذلك لم يجز أن يطهر الثوب بغسل مرة واحدة.
٣٢٩٢ - قلنا: إنما [يطهر] بمرة إذا كثر الصب، فيصير الجزء الأول من الماء كالغسلة الأولى، والجزء الثاني كالغسلة الثانية، والجزء الثالث كالغسلة الثالثة، ولهذا المعنى لو صب ماء يسيرا لم يطهر الثوب؛ لأنه يصير في حكم الغسلة الأولى.
٣٢٩٣ - ويجوز أن يقال: إن الماء لا ينجس، وإنما يجاور النجاسة، فالماء الأول يخرج من الثوب معظم النجاسة، وكذلك الثاني، ويبقى أجزاء يسيرة تخرج بالماء
стр. 697
الثالث، فلا يبقى في الثوب شيء من الأجزاء حتى ينجس البلل الذي فيه، فلذلك [كان المنفصل] في الدفعة الثالثة نجسا وما بقي من البلل في الثوب طاهرا. ولان هذا يلزم مثله في الماء إذا صب على الثوب وتغير بالنجاسة يكون نجسا وقد انفصل من ثوب طاهر. ويلزمهم في الماء الأول إذا لم يتغير؛ لأنه طاهر عندهم ينفصل من ثوب نجس.
***
стр. 698
مسألة ١٨٣
إذا وقعت النجاسة على الأرض فإن كانت رخوة
طهرت بصب الماء، وإن كانت صلبة لم تطهر
٣٢٩٤ - قال أصحابنا: إذا وقعت النجاسة على الأرض فإن كانت رخوة طهرت بصب الماء، وإن كانت صلبة لم تطهر.
٣٢٩٥ - وقال الشافعي: إذا كوثرت بالماء طهرت. ومن أصحابه من قال: يعتبر صب الماء سبعة أمثالها.
٣٢٦٩ - وهذه المسألة مبنية على الأولى؛ وذلك لأن الماء إذا ورد على النجاسة نجس، وإن كانت الأرض رخوة نزل الماء من وجه الأرض إلى أسفلها واجتذب النجاسة، فصارت كالثوب إذا غسل وعصر، فأما إذا كانت صلبة فالماء ينجس، ويبقى على وجه الأرض فتزيد النجاسة بالصب، فلذلك لم تطهر. والشافعي بنى على أصله: أن الماء إذا صب على النجاسة لم ينجس إلا بالتغيير، ويحتج في بقية المسألة أن كل نجاسة لا تطهر بصب الخل عليها لا تطهر بصب الماء، كجلد الميتة.
٣٢٩٧ - احتجوا: بحديث الأعرابي أن النبي ﷺ أمر بأن يصب على بوله ذنوب من ماء.
стр. 699
٣٢٩٨ - والجواب: أن الأرض يجوز أن تكون رخوة فتطهر بصب الماء عليها، ويجوز أن تكون صلبة، وحكاية الفعل إذا احتملت وجهين سقطت.
٣٢٩٩ - وروي أن الأعرابي بال عند سدة المسجد، فيجوز أن يكون ﵇ أمر بصب الماء عليه ليندفع مع النجاسة إلى خارج المسجد فيطهر المسجد- وإن نجس ما اندفع الماء إليه-. وقد روي في هذا الخبر أن النبي ﷺ أمر بحفر الموضع الذي بال عليه الأعرابي، وهذا يدل أنه ظن أن الأرض رخوة فلما تبين أنه صلبة أمر بحفرها، ولو كانت طهرت بالصب لم يكن لحفرها معنى.
***
стр. 700
مسألة ١٨٤
إذا احترقت النجاسة بالنار طهرت
٣٣٠٠ - قال أبو حنيفة ومحمد: إذا احترقت النجاسة بالنار طهرت. وقال أبو يوسف: لا تطهر.
٣٣٠١ - وبه قال الشافعي.
٣٣٠٢ - لنا أن المعنى الموجب لنجاسة الأشياء المستحيل ما فيها من الاستحالة، ولهذا قال النبي ﷺ في الروثة، "إنها ركس"، ومتى احترقت زالت الاستحالة، فزالت النجاسة بزوال علتها. ولأنها [عين نجسة] فجاز أن تطهر بالاستحالة، كالخمر وجلد الميتة.
٣٣٠٣ - ولأن النار تحيل النجاسة أبلغ من إحالة الخل؛ لأنها تغير سائر الصفات والتخليل يغير الطعم خاصة، فإذا طهرت الخمر بالتخليل فلأن تطهر النجاسة بالنار أولى.
٣٣٠٤ - احتجوا: بقوله: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾، فخصه بالتطهير، وهذا ينفي أن يقع بغيره.
٣٣٠٥ - والجواب: أن تخصيص الاسم بالذكر لا يدل على نفي ما عداه، وهذا قول عامة الناس، وإنما خالف في ذلك شذوذ لا يعتد بهم.
стр. 701
٣٣٠٦ - ولا يقال: إن هذه الآية خرجت مخرج الامتنان فنفى مشاركة غير الماء للماء؛ لأن المشاركة لا تمنع الامتنان. ولأن الماء فيه معنى المبالغة، وذلك غير موجود في غيره، فيجوز أن يكون لتخصيص الامتنان لذلك.
٣٣٠٧ - قالوا روي أن النبي ﷺ نهى عن الصلاة في المقبرة، وكان المعنى فيها أنها تنبش فيخرج التراب النجس إلى وجه الأرض، ولو طهر بالاستحالة لجازت الصلاة.
٣٣٠٨ - قلنا: إنما نهى عن الصلاة في المقبرة لا لما ذكرتموه، لكن لما في ذلك من تعظيم القبور، ولهذا نهى عن الصلاة إلى قبر الني [ ﷺ ] فقال: "لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد".
٣٣٠٩ - ولو سلمنا أن النهي لأجل النجاسة لم يدل؛ لأن المقبرة تنبش فيخرج من بطن الأرض ما لم يستحل كما يخرج منها ما استحال.
٣٣١٠ - قالوا: ما لا ينجس بالاستحالة لم يطهر بالاستحالة، كالدم.
٣٣١١ - قلنا: يبطل بجلد الميتة. والأصل غير مسلم؛ لأن الدم يطهر بالاستحالة.
٣٣١٢ - قالوا: نجس لم يرد عليه الماء، فصار كما لم يحترق.
٣٣١٣ - قلنا: ينتقض بالخمر إذا تخللت.
٢٢١٤ - قلنا: النار لا مدخل لها في تطهير الحدث، كذلك في تطهير النجاسات.
٣٣١٥ - قلنا: يبطل بالدباغ وباستحالة الخمر.
٣٣١٦ - ولا يقال: إن عين النجاسة باقية بعد الاحتراق؛ لأنها باقية مع الاستحالة، فصارت كالجلد إذا دبغ، وكالخمر إذا تخللت.
стр. 702
مسألة ١٨٥
لا يجوز للجنب الاجتياز في المسجد
٣٣١٧ - قال أصحابنا: لا يجوز للجنب الاجتياز في المسجد.
٣٣١٨ - وقال الشافعي: يجوز الاجتياز ولا يجوز اللبث.
٣٣١٩ - لنا: حديث عائشة [﵂] أن النبي ﷺ خرج فرأى أبوابا مشروعة إلى المسجد فقال: "سدوا هذه البيوت عن المسجد؛ فإني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب"، ومعلوم أن الأبواب [تراد] للاجتياز دون القعود، فدل على أن الاجتياز لا يجوز. ولأن قوله: "لا أحل المسجد" [عام]، ألا ترى
стр. 703
أن أبلغ التحريم أن يعلق بالعين، كقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم الميتة﴾ و ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾.
٣٣٢٠ - ولا يقال: هذا الخبر رواه الأفلت بن خليفة عن جسرة بنت دجاجة عن عائشة، قالوا: والأفلت ضعيف.
٣٣٢١ - قلنا: ذكر هذا الخبر أبو داود ولم يطعن فيه. ورواه عن الأفلت عبد الواحد بن زياد، وهو لا روي إلا عن ثقة. وقد طرق الطبري هذا الخبر في تاريخه من وجوه كثيرة فلم يجز الطعن عليه مع شهرته. ولأن كل بقعة [منع] من اللبث [فيها] لمعنى منع من الاجتياز لذلك المعنى، كدار الغير، ولا يلزم عليه الطريق؛ لأنه منع من القعود إذا أضر بغيره، ولا يمنع متى لم يضر. والاجتياز على وجه يضر ممنوع، ومباح على وجه لا يضر.
٣٣٢٢ - ولأنها بقعة منع القعود فيها فمع من دخلوها للاجتياز، كالدار المغصوبة. ولأنه كائن في المسجد مع الجنابة من غير ضرورة، فصار كالقاعد.
٣٣٢٣ - ولا يقال: إن القعود في ملك الغير والاجتياز ممنوع منه لمعنى واحد، وهو عدم الإذن فلم يجز أن يجعل أحدهما علة للآخر؛ لأنه لا يمتنع تعليل الأصل بعلل، ولا يمتنع [أيضا] أن يحمل الفرع على الأصل بغير علة الأصل.
стр. 704
٣٣٢٤ - قالوا: الاجتياز لا يغير بالقعود؛ بدلالة أن المحتلم في المسجد يجوز له الخروج منه ولا يجوز له اللبث؛ وذلك لأن الخروج إنما يجب للضرورة، واللبث لأجل الضرورة جائز أيضا، وهو إذا خاف السبع. ولأنه إنما يخرج بعد ما يتيمم، واللبث على هذه الصفة عند الحاجة جائز؛ بدلالة من لم يجد الماء. ولأن من حاضت في المسجد لا يجوز لها اللبث ويجوز لها الخروج، ولا يجوز لها أن تبتدئ [دخول المسجد] إذا لم يؤمن تلويثه. ولان من احتلم في المسجد ابتدأ الدخول على وجه مباح ثم طرأ الخطر، فصار- كم أذن لغيره في دخول داره ثم نهاه- أن اللبث لا يجوز، وقد يجوز الاجتياز للخروج، ولا يجوز ابتداء الدخول [على وجه مباح]، فكذلك في مسألتنا.
٣٣٢٦ - ولأنها مماسة منع الجنب منها لحق الله تعالى، فاستوى فيها القليل والكثير، كمس المصحف.
٣٣٢٧ - ولأنه حكم يعود إلى منعه لحق الله تعالى، فإذا تعلق باللبث تعلق بالاجتياز، كالوقوف بعرفة.
٣٣٢٨ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا لا تقربوا الصلاة وأنت سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عباري سبيل حتى تغتسلوا﴾، والصلاة يعبر بها عن مكان الصلاة، كقوله تعالى: ﴿لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد﴾، فقد أجاز الله تعالى الاجتياز في المسجد للجنب، والمصلي لا
стр. 705
يسمى عابر سبيل، والمجتاز يسمى بذلك.
٣٣٢٩ - قالوا: ولأن الصحابة [﵃] قد اختلفوا في قوله تعالى: ﴿لا تقربوا الصلاة﴾ فقال ابن مسعود [المراد] المكان، وقال علي وابن عباس: المراد به: الصلاة، قالوا: وحمله على المكان أولى؛ لأنه قال: ﴿لا تقربوا الصلاة﴾ والقرب يكون في الأماكن دون الأفعال. ولأن حمله على الصلاة يقتضي أن يسمى المصلي عابر سبيل، وهذا لا يصح.
٣٣٣٠ - والجواب: أن حقيقة الصلاة عبارة عن الأفعال، وإنما يسمى المكان [الصلاة] مجازا، وحمل الاسم على الحقيقة أولى.
٣٣٣١ - ولأنه قال: ﴿حتى تعلموا [ما تقولون]﴾، وصحة الصلاة تقف على القول، والمكان لا تعلق له بالقول.
٣٣٣٢ - وقد روي أن الآية نزلت في قوم سكروا فلم يحسنوا القراءة في الصلاة على الترتيب.
٣٣٣٣ - فأما قولهم: إن القرب يقتضي المكان، فليس بصحيح؛ لأنه يقال: قرب يقرب بضم الراء من المكان، ويقال: قرب يقرب بكسر الراء من التلبس بالفعل، والمذكور في الآية: ﴿لا تقربوا﴾، فدل على أن المراد به ترك التلبس بالفعل.
٣٣٣٤ - فأما قولهم: إن المصلي لا يقال عابر سبيل، فإنه لا يقال للمجتاز عابر سبيل، إنما يقال ذلك للمسافر على الإطلاق.
٣٣٣٥ - قالوا: حمل الآية على ما تقولونه يقتضي إضمار التيمم.
٣٣٣٦ - قلنا: التيمم مذكور في آخر الآية: فلا نضمره. ولأنا لو أضمرناه
следующие страницы →