Полный текст (6 324 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
مسألة ١٨
السنة مسح الأذن بالماء الممسوح به الرأس
٣٠٨ - قال أصحابنا: السنة مسح الأذن بالماء الذي مسحَ به الرأس.
٣٠٩ - وقال الشافعي: يفرد بالماء.
٣١٠ - لنا: ما روت الربيع بنت معوذ بن عفراء ﵂ أن النبي ﷺ مسح مقدم رأسه ومؤخره، ثم أجرى يديه على صدغيه، ثم مسح باطن أذنيه وظاهرهما بالمسح الواحدة التي مسح بها رأسه.
٣١١ - وروى واصل بن السائب الرقاشي عن أبي سودة بن أخي أبي أيوب
стр. 72
الأنصاري عن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا توضأ استنشق بالماء وتمضمض، وإذا مسح رأسه بإصبع واحدة ما أدبر من أذنه مع رأسه.
٣١٢ - قالوا: يحتمل أن يكون أجس الأذن بعض أصابعه.
٣١٣ - قلنا: الراوي أخبر أنه مسح مسحة واحدة، ومتى أفرد الإصبع كانت مسحتين، وروى أنس وابن عباس وأسامة وأبو أمامة وأبو هريرة وابن عمر: أن النبي ﷺ قال: ((الأذنان من الرأس))، وهو لا يعلمنا المشاهدة، فلم يبق إلا بيان الحكم، ولا يجوز أن يكون ذلك الحكم بيان الموضحة وحكم الإحرام؛ لأن ابن
стр. 73
عباس روى أن النبي ﷺ توضأ ومسح أذنيه، وقال: الأذنان من الرأس، فدل أنه أراد حكم الطهارة، فلم يبق إلا أن يكون المراد بها: يمسحان مع الرأس، أو: يمسحان كالرأس، وتساويهما في المسح لا يوجب كون أحدهما من الآخر، كما لا يقال: اليد من الوجه، فلم يبق إلا ما ذكرناه.
٣١٤ - ولا يقال: إضمارنا أولى؛ لأنا بَيَّنَّا أنه لا يصح أن يراد، فلا معنى للترجيح، ولأنا أضمرنا: مع الرأس، أو بماء الرأس، وهذا مثل إضمارهم.
٣١٥ - ولا يقال: راوي هذا الخبر شهر بن حوشب، وقد سرق خريطة من بيت المال، فقال فيه الشاعر:
لقد باع شَهرٌ دِينَه بخريطةٍ ... فمَن يأمنُ القُرَّاءُ بعدك يا شهرُ
وذلك لأنا بينا كثرة طرق الخبر، ولأن شهر بن حوشب أحد الزهاد، وَليَ بيت المال بجرجان، فأخذ خريطة وضع فيها مفاتيح بيت المال، فمدحه هذا الشاعر، فلم يجَزه؛ فهجاه وكذب عليه، وهذا لا يَقْدَح في الرواية.
стр. 74
٣١٦ - قالوا: الأذن بين ممسوح ومغسول، فأشكل أمرها، فقال ﵇: الأذنان من الرأس؛ لئلا يظن أنها تغسل كالوجه.
٣١٧ - قلنا: لو كان كذلك لوجب أن يبين حكمها بلفظ صريح، فأما أن يضيفها إلى عضو آخر فهذا لا يدل على التساوي في الطهارة، ولو كان كما قالوا لواجب أن يبين حكم البياض الذي مع العذار؛ لأنه بين مغسول وممسوح، وطهارته واجبة، فهو أحوج إلى البيان من المسنون؛ ولأنه أصل في مسنون المسح، فلم يكن من سننه إفراد الماء، كما لو زاد على قدر الفرض، ولأن المسنون على ضربين: أحدهما: يتميز عن الوضوء، والآخر: لا يتميز عنه. فإذا كان أحدهما لا يفرد بالماء كذلك الآخر، ولأنه مَسْح زيد على مفروضه على وجه السنة، كمسح الخف.
٣١٨ - قالوا: المعنى في مسح الرأس والخف: أن جميعه يجزئ عن الفرض، فصار في حكم الشيء الواحد، والأذن لما خالفت الرأس في حكم الإجزاء صارا كالعضوين.
٣١٩ - قلنا: تَساوي الرأس في المسح في الجواز عن الفرض يدل على تأكده، فإذا لم يفرد مع التأكيد، فالأضعف أولى، ولأن باطن الخف لا يُفْرَد بالماء عندهم، وإن كان يخالف ظاهره في الأداء عن الفرض.
٣٢٠ - احتجوا: بحديث المقدام: أن النبي ﷺ توضأ فغسل وجهه، ثم يديه، ثم مسح رأسه، ثم أذنيه. وثم للمهلة.
стр. 75
٣٢١ - والجواب: أنه يجوز أن يتراخى مسح الأذنين عن مسح الرأس والماء واحد، ولا دليل في التراخي على تجديد الماء.
٣٢٢ - والجواب: أن تجديد الماء لا يدل على أن الماء الواحد لا يجزئ، والاقتصار على ماء واحد يدل على أنه لا يُسَنَّ الإفراد، ألا ترى أن من غسل وجهه بماء بعد ماء لم يخرجه من حكم العضو الواحد وإن جاز بمرة واحدة، ولأن هذا حكاية فعل، فيجوز أن يكون نشف الماء في يده فجدد أخذ الماء كما يجدد لأبعاض رأسه ثم نشف الماء، وإن جاز بماء واحد.
٣٢٤ - قالوا: كل ما لا يجزئ مسحه عن مسح الرأس لا يُمْسَح مع الرأس، كالجبهة.
٣٢٥ - قلنا: كونه لا يجزئ عن الفرض لا يمنع كونه تبعًا، كالأنف مع الجبهة عندهم، وأسفل الخف في المسح، ولأن الجبهة ليست من سنن المسح فلم تتبع الرأس، والأذن أصل من مسنون المسح.
٣٢٦ - قالوا: كل ما لا يجزئ تقصيره في الحج لم يكن من الرأس، كالقفا.
٣٢٧ - قلنا: ليس بين المسح والحلق تجانس، فلا معنى لاعتبار أحدهما
стр. 76
بالآخر، ثم إنَّ التقصير لا يتعلق بالأذن فرضًا ولا سنة، فلا معنى لذكر صفاته، ولما تعلق بها المسح جاز اعتبار صفاتها.
٣٢٨ - قالوا: أحد نوعي فعل الطهارة، فوجب أن يكون سنته سنة مفردة بالماء، كالغسل.
٣٢٩ - قلنا: الغسل آكد والمسح أضعف، فجاز أن تتأكد سنن الغسل بالإفراد، وتصف المسح إلى المسح، وقد ذكر ابن شجاع عن أصحابنا فيمن اغترف غرفة فغسل منها وجهه وتمضمض، جاز، وكان حسنًا، فلم نُسَلِّم الأصل.
٣٣٠ - قالوا: الرأس تتعلق به أحكام المسح، والحلق، والتقدير في الموضحة، والأذن تنفرد في هذه الأحكام.
٣٣١ - قلنا: أما الحلق فلا يتعلق بها، فلا معنى لذكر انفرادها، وأما الموضحة فلا تتصور في الأذن؛ لأنه لا عظيم فيها، فإن أوضح العظم من موضع الأذن تعذرت الموضحة.
٣٣٢ - قالوا: البياض الذي بين الأذن والرأس أقرب إليه، وهو ينفد عنه.
٣٣٣ - قلنا: لا نسلم؛ لأن ذلك من الرأس، ويجزئ مسحه عن الفرض.
стр. 77
مسألة ١٩
حكم الموالاة في الوضوء
٣٣٤ - قال أصحابنا: الموالاة في الوضوء غير واجبة.
٣٣٥ - خلافا لأحد قولي الشافعي.
٣٣٦ - لقوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ والواو لا توجب الموالاة؛ تقول: رأيت زيدًا وعمرًا، وإن تراخت رؤية أحدهما.
٣٣٧ - قالوا: جزاء الشرط من حكمه أن يتعقبه، والغسل في الآية جواب الشرط.
٣٣٨ - قلنا: هذا يقال في الشرط والجزاء، والعبادات المتعلقة بالشروط ليست جزاء عنها، ولأنها تقتضي أن يجب غسل الوجه عقيب القيام، وأحد لا يقول ذلك.
٣٣٩ - قالوا الأمر عندكم على الفور.
٣٤٠ - قلنا: فعلى هذا يجب أن تسقط الموالاة قبل دخول الوقت؛ لأنه لم يؤمر بالوضوء.
٣٤١ - ويدل عليه: قوله ﵇: ((لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه، فيغسل وجهه، ثم يديه))، وثم للتراخي، ولأنه تفريق للطهارة،
стр. 78
كاليسير.
٣٤٢ - احتجوا: بما روي أن النبي ﷺ توضأ، وقال: ((هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به))، ولا يجوز أن يكون فرق؛ لأن الوضوء مقبول مع ترك التفريق بالاتفاق، فثبت أنه والى.
٣٤٣ - والجواب: أنه قوله: ((هذا وضوء)) إشارة إلى الوضاءة، وهذا يفيد الغسل دون صفاته التي لا تسمى وضوءًا.
٣٤٤ - قالوا: روي أن رجلا صلى وعلى رجله لمعة لم يصبها الماء، فقال النبي ﷺ : ((أعد الوضوء والصلاة)).
٣٤٥ - قلنا: أَمَرَهُ بإِعادة الوضوء؛ ليقع على الوجه المسنون.
٣٤٦ - قالوا: عبادة يبطلها الحدث، فكانت الموالاة فيها شرطًا، كالصلاة.
٣٤٧ - قلنا: لا نُسلِّم أن الموالاة شرط في الصلاة؛ لانه لو سبقه الحدث، أو نام خلف الإمام بنى مع تَرْك الموالاة، ولأن الصلاة لا ينفرد بعضها عن بعض، فجاز اعتبار الموالاة فيها، وأعضاء الطهارة تنفرد بعضها عن بعض، فصار كالعبادات.
٣٤٨ - قالوا: عبادة على البدن، لها بدل من غير جنسها، وجبت عن معنى سابق، فكان من شرطها الموالاة، كصوم الظهار.
٣٤٩ - قلنا: يبطل بقضاء رمضان؛ لأن له بدلًا من غير جنسه، وهو الفدية، ووجب عن معنى سابق، وهو الفطر، والمعنى في صوم الظهار أن بعضه لا ينفرد عن بعض، وهذا بخلاف.
٣٥٠ - قالوا: عبادة لها أركان مختلفة تُراد للصلاة، فكانت الموالاة من
стр. 79
شرطها، كالأذان.
٣٥١ - قلنا: روي عن أبي حنيفة -فيمن أذن بالفارسية- جاز إن وقع الإعلام، فعلى هذا يجوز ترك الموالاة وإن وقع الإعلام، ثم المعنى في الأذان: المقصود منه الإعلام، وذلك لا يقع مع التفريق.
стр. 80
مسألة ٢٠
الواو للجمع والاشتراك
٣٥٢ - قال أصحابنا: الواو للجمع والاشتراك.
٣٥٣ - وقال الشافعي: للترتيب.
٣٥٤ - لنا: قوله تعالى: ﴿وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة﴾، وقال في موضع آخر: ﴿وقولوا حطة وأدخلوا الباب سجدًا﴾؛ ولو كانت الواو للترتيب لم يصح تأخير ما قدمه.
٣٥٥ - وروي عن النبي ﷺ : ((لا تقولوا ما شاء الله وشئت، ولكن قولوا: ما شاء الله ثم شئت))، ولو كانت الواو للترتيب لكانت في معنى (ثم)، فلم يكن للتفريق معنى.
٣٥٦ - قالوا: إنما ذكر (ثم) للمهلة التي فيها.
٣٥٧ - قلنا: الواو عندكم ترتب، وفيها احتمال المهلة أيضًا، ويدل عليه ما قاله سيبويه في كتابه: إن الواو لا توجب تقديم مقدم ولا تأخير مؤخر، وإنما هي
стр. 81
للاشتراك، وقال السيرافي في شرحه: أجمع نحاة البصرة والكوفة أن الواو لا ترتب شيئًا على شيء، والمرجع في هذا إلى نقلهم.
٣٥٨ - ولا يقال: حكى عن الفراء وثعلب أنهما قالا: الواو إذا دخلت بين الشيئين المختلفين رتبت.
٣٥٩ - قلنا: حكاية أبي سعيد يكذب هذا.
стр. 82
٣٦٠ - قال المراعي: قرأت جميع كتب الفراء فلم أجد هذه الحكاية فيها، ولأن الواو دخلت بين الاسمين المختلفين بدلًا من حرف التثنية، فإذا كانت للتثنية لا تدل على التقديم كذلك الواو، ولأن هذه الحروف موضوعة لإفادة المعاني، فالفاء للتعقيب، و (ثم) للتراخي، فلو كانت الواو للترتيب لم يبق ما يفيد الجمع، وهذا خلاف موضع اللغة.
٣٦١ - قال السيرافي: الواو لا تصلح أن تكون جواب الشرط، فلو رتبت صلحت أن تكون جوابًا، كالفاء، ولا يلزم ثم أنها تُرَتِّب ولا تكون جوابًا؛ لأنها تقتضي التراخي، وجواب الشرط يتعقب، ولأن لفظ المقارنة يدخل مع الواو، تقول: رأيت زيدًا وعمرًا معًا.
٣٦٢ - احتجوا: بما روي أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقول: من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن يعصهما فقد غوى، فقال: ((بئس الخطيب أنت، قل: من يعص الله ورسوله))، فدل أن الواو ليست للاشتراك.
٣٦٣ - قلنا: لم يمنعه من اللفظ الأول للجمع، وإنما منعه للجمع في كناية واحدة، وهذا يقتضي التساوي، فلا يصح أن يسوى بين الله وبين غيره، ولهذا قال تعالى: ﴿والله ورسوله أحق أن يرضوه﴾ ولم يقل يرضوهما.
٣٦٤ - قالوا: روي عن عمر أنه قال عن قول الشاعر:
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيًا
ولو قَدَّمْتَ الإسلام لأجزتك.
стр. 83
٣٦٥ - قلنا: هذا ليس للترتيب، ولكن الإنسان يقدم في اللفظ ما هو الأهم عنده، أن يكون اهتمامه بالإسلام أولا أقوى.
٣٦٦ - قالوا: روي أن قومًا قالوا لابن عباس: كيف تأمرنا بالعمرة قبل الحج والله تعالى يقول: ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ فقال: كيف تقرأون ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾.
٣٦٧ - قلنا: هذا لا دلالة فيه؛ لأن ابن عباس رد قولهم، وبين أن التقديم في اللفظ لا يرتب الفعل، واستشهد بالآية الأخرى، وقوله حجة، ولا نسلم أن القوم من أهل اللغة حتى يحتج بقولهم.
٣٦٨ - قالوا: لو قال لامرأته قبل الدخول: أنت طالق وطالق، بانت بواحدة، فلو كانت الواو للجمع وقعا معًا.
٣٦٩ - قلنا: الطلاق إذا تلفظ به إنما يقع على ما بعده، وإذا كان له ما بين فيه الشرط والاستثناء، وبعض التطليقات لا تؤثر في بعض، فلم تقف الأولى على التلفظ بالثانية، فسبقت بالوقوع، فلما تلفظ بالثانية وهي أجنبية فقد جمعها مع الأولى بعد البينونة، فلا يقع، ولأنا لا نقول الواو للمقاربة، وإنما يجمع الثاني في حكم الأول، والطلاق يقع في زمان، وزمان الأولى غير زمان الثانية، فتحصل الثانية مع البينونة فلا يقع، والأمر بغسل الأعضاء لا يحتاج إلى زمان مرتب، فاجتمع بعضه مع بعض في الحكم.
стр. 84
مسألة ٢١
حكم الترتيب في الوضوء
٣٧٠ - قال أصحابنا: الترتيب في الوضوء ليس بواجب.
٣٧١ - خلافا للشافعي.
٣٧٢ لقوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم﴾، وقد بينا أن الواو للجمع، فكأنه قال: فاغسلوا هذه الأعضاء؛ فلا يفيد الترتيب.
٣٧٣ - قالوا: الفاء للتعقيب إذا دخلت مدخل المجازاة، فوجب الابتداء بالوجه، وهذا ضد قولكم.
٣٧٤ - قلنا: الآية ليس فيها مجازاة، وإنما هو أمر يتعلق بشرط، ولو ثبت ما قالوا لم يدل؛ لأن الواو جَمَعَت الأعضاء، فكأنه قال: فاغسلوا هذه الأعضاء، وهذا حكم الشرط والجزاء مثل: إن خِطْتَ هذا فلك درهم ودينار، وإن دخلت السوق فاشتر خبزًا ولحمًا، فلا يفيد ذلك التقديم.
٣٧٥ - قالوا: العرب تُخْبِر عن جنس ثم تنتقل إلى غيره. تقول: ضربت زيدًا وعمرًا، وأعطيت بكرًا، ولا تقول: ضربت زيدًا، وأعطيت وضربت بكرًا، فلما أدخل الله تعالى المسح بين الغسلين دل على الترتيب.
стр. 85
٣٧٦ - قلنا: الطهارة جنس واحد، وإن اختلفت صفاتها، فهو كالعطاء المختلف الصفات، فيجوز أن يُخْبَر ببعضه عقيب بعض، ولأن الفائدة في دخول المسح بين الغسلين استحباب الترتيب، أو ليعطف الرِجْل على الرأس لفظًا، وعلى الوجه حكمًا.
٣٧٧ - ولا يقال: إذا ثبت أن دخولها للترتيب ثبت وجوبه؛ لأن الأمر على الوجوب.
٣٧٨ - قلنا: لم يثبت أنه قال: الترتيب بالأمر، وإنما بيناه لطلبًا فائدة الكلام، والفائدة لا تختص بالوجوب.
٣٧٩ - قالوا: العرب تخبر عن الأقرب فالأقرب، فلما ذكر الله تعالى اليدين عقيب الوجه، وأَخَر الرأس مع قُربه؛ دل على الترتيب.
٣٨٠ - قلنا: يحتمل أن يكون أخره لفضيلة الترتيب على ما قدمناه، ويدل عليه حديث الرُّبَيِّع: أن النبي ﷺ توضأ وضوءه للصلاة فغسل يديه ثلاثا، وتمضمض ثلاثا، واستنشق ثلاثا، وغسل وجهه ثلاثا، ويديه إلى المرافقين ثلاثا، وغسل رجليه ثلاثا، ثم مسح برأسه، وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﷺ دعا بماء في إناء، فغسل كفيه ثلاثا، ثم غسل وجهه ثلاثا، ثم غسل دراعية ثاثا، ثم مسح برأسه، وهذا يفيد تقديم الكفين على الوجه، وذكر أبو داود حديث عمار في التيمم، وأن النبي ﷺ قال: ((إنما يكفيك أن تصنع هكذا)) فضرب بيده على الأرض فنفضها، ثم ضرب شماله على يمينه، ويمينه
стр. 86
على شماله على الكفين، ومسح وجهه، ولأنها طهارة، كغسل النجاسة والجنابة.
٣٨١ - قالوا: الجنابة فرض واحد، بدلالة جواز نقل الماء من عضو إلى عضو، فصارت كالعضو الواحد؛ فلا يعتبر فيه الترتيب.
٣٨٢ - قلنا: هذا لم يمنع من استحباب الترتيب، ألا ترى أن الأفضل الابتداء بمواضع الوضوء، فكان لا يمنع من وجوبه أيضًا، وعلية الفرع تبطل بغسل اليدين إن نقل الماء من إحداهما إلى الأخرى، ولا يجب الترتيب.
٣٨٣ - قالوا: إزالة النجاسة طريقها التروك فلا ترتب، والوضوء طريقه الأفعال فَتُرتَّب.
٣٨٤ - قلنا: كل واحد منهما إيجاد فعل وترك المعنى المانع، فلا فرق بينهما، ولأن أعضاء الطهارة يصح إيقاعها دفعة إذا أمر جماعة فغسلوا أعضاءه معًا، وما صح وقوعه دفعة لم يترتب، كغسل الجنابة، ولأن كل عضو منها يصح أن ينفرد عن الآخر في الوجوب، كالعبادات، ولا يلزم جواز انفراد الطواف عن السعي، لأن كل واحد منهم لا نفرد عن الآخر.
٣٨٥ - قالوا: العبادات لا يفْسد بعضها بفساد بعض، والوضوء يفسد بعضه بفساد بعض.
٣٨٦ - قلنا: قد لا يفْسد بعضه بفساد بعض، ألا ترى أن نزع الخف يُبْطِل طهارة الرِجْل، ولا تبطل طهارة باقي الأعضاء؟ ولأنهما عضوان من أعضاء الوضوء فجاز ترك الترتيب فيهما، كاليدين.
стр. 87
٣٨٧ - قالوا: المعنى في اليدين والرجلين أنهما في حكم العضو، بدلالة بطلان المسح في أحدهما بنزع الخف عن الآخر.
٣٨٨ - قلنا: أصلنا اليدين، وهذا المعنى لا يوجد فيها ولا سيما لو كانا كالعضو جاز نقل الماء من أحداهما إلى الأخرى، ولا يجوز أن يقال: إنه لا يجوز النقل لأنه لا ينفصل عن العضو؛ لأنهما لو كانا كالعضو جاز النقل مع الانفصال كما يجوز غسل الجنابة في الرِّجْل بالماء الذي وقع على الرأس وإن لم يصب باقي البدن، ولأنه لو جمع ين يديه لم يجز نقل الماء من إحداهما إلى الأخرى وإن لم ينفصل، فأما بطلان المسح في أحد الرجلين فليس لما قالوا، لكن لأن الجمع بين الغسل والمسح لا يجوز فيهما، ولأن من شرط بقاء المسح تغطيتهما، كما أن من شرط الابتداء تغطيتهما.
٣٨٩ - احتجوا: بما روي أن النبي ﷺ سئل عن البداءة بالصفا والمروة، فقال: ((ابدأوا بما بدأ الله تعالى به))، وهذا عام.
٣٩٠ - قلنا: سؤالهم يدل على بُطْلان قولكم في الترتيب؛ لأنهم فهموا الآية، فلو اقتضت الترتيب لم يسألوا.
٣٩١ - وقد روى الشافعي هذا الخبر فذكر فيه: ((نبدأ بما بدأ الله به))، فإن كان هذا أصل الخبر فلا دلالة فيه؛ لأنه إخبار عن فعله، وفعله لا يدل على الوجوب. وإن كان أصل الخبر ((ابدأوا)) صح تعلقهم به، فوجب التوقيف، ولا يجوز إثباتهما والقصة واحدة؛ لأنه إثبات خبر بالتجويز، ولأن قوله: ((ابدأوا بما بدأ الله به)) لا يمكن حمله على ظاهره من وجوب البداءة بالفعل بما بدئ به في التلاوة؛ ألا ترى أن الله تعالى قد بدأ بما يجب تأخيره في قوله ﴿واسجدي واركعي﴾ فيحتمل أن يكون
стр. 88
المراد به: ابدأوا فعلا بما بدأ الله به حكما، وهذا موضع الخلاف، على أنا إذا قلنا: الواو للجمع، لم نُسَلِّم البداءة في الآية بشيء من الأعضاء.
٣٩٢ - قالوا: روى خلاد بن السائب عن أبيه أن النبي ﷺ قال: ((لا يقبل الله صلاة امرئ حتى يضع الطهور مواضعه، فيغسل وجهه، ثم يغسل يديه ثم يمسح برأسه، ثم يغسل رجليه)) و (ثم) للترتيب.
٣٩٣ - والجواب: أن (ثم) تقتضي وجوب التراخي مع الترتيب، وذلك غير مراد، فعلم أن حقيقتها متروكة، فصارت بمعنى الواو، كقوله: ﴿ولقد خلقناكم ثم صورناكم﴾.
٣٩٤ - ولا يقال: إنها تقتضي الترتيب والتراخي، فإذا سقط أحدهما بدلالة بقي الآخر، كلفظ العموم إذا خص؛ لأن العرب لم تستعمل (ثم) في أحد الأمرين دون الآخر، فلم يجز إثبات ما لا يعرفونه، وقد استعملوا لفظ العموم في الخصوص، فلذلك حمل عليه بدليل.
٣٩٥ - قالوا: قد أفاد الخبر المهملة، وقو غسل ما بين العضوين.
٣٩٦ - قلنا: لو وجب الفور بالخبر لم يتصور الغسل إلا على هذا الوجه، ولا بد من مقارنة الفور للمهلة.
٣٩٧ - قالوا: توضأ النبي ﷺ وقال: ((هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به)) (١)، ولا يجوز أن يكون ترك الترتيب؛ لأن ذلك غير منقول، فعلم أنه رَتَّبَ.
стр. 89
٣٩٨ - قلنا: قوله (هذا) إشارة إلى ما يتناوله اسم الوضوء، والترتيب لا يُسَمَّى وضوءًا، فلم يقع الإشارة إليه وإن اتفق مع الوضوء ككونه في مكان مخصوص، كالصلاة.
٣٩٩ - قلنا: لا نسلم أن الحدث يبطل الصلاة على الإطلاق؛ لأنها تصح مع الحدث إذا كان بغير فعله، ثم المعنى في الصلاة أن كل ركن منها لا يصح أن ينفرد عن الآخر، ولما جاز أن ينفرد كل عضو عن الآخر لم يعْتَبَر الموالاة فيه والترتيب، ولأن الصلاة لما اعتبر فيها الموالاة جاز اعتبار الترتيب، ولما لم تعتبر الموالاة في الوضوء لم يُعْتَبَر الترتيب.
٤٠٠ - قالوا: عبادة ترد إلى شرطها، كالصلاة.
٤٠١ - قلنا: لا نسلم وجوب الترتيب في الصلاة؛ لأن المدرك لو بدأ بقضاء الفائت جاز وإن ترك الترتيب، ثم المعنى في الصلاة أنه لما لم يجز جمع مسنوناتها بعد الفراغ من فرائضها جاز أن تترتب فرائضها، ولما جاز جميع مسنونات الوضوء بعد الفراغ من فرائضه لم تترتب فرائضه.
٤٠٢ - قالوا: عبادة ذات أركان تتقدم الصلاة، كالأذان.
٤٠٣ - قلنا: الوضوء ليس بذي أركان، وإنما هو فعل واحد تختلف صفاته، وكذلك للأذان أذكار مجتمعة، فلا يقال إنها أركان، ولأن من ترك الترتيب في الأذان جاز إن وقع الإعلام، وإن لم يقع فلأن المقصود من الأذان لم يحصل، والمقصود بالوضوء يحصل مع عدم الترتيب.
٤٠٤ - قالوا: عبادة تجمع أفعالًا نفلًا وفرضًا، كالحج.
٤٠٥ - قلنا: لا نُسَلِّم وجب الترتيب في الحج، وإنما لا يوجد وقت الركن إلا بعد تقدم ما قبله، ولهذا لو وقف بعرفة لم يجز أن يطوف في بقية الليل؛ لعدم الوقت، ثم المعنى في الحج أن الترتيب يقع في سننه، فجاز في فرائضه، ولما لم يقع الترتيب في
стр. 90
سنن الوضوء لم يقع في فرائضه، ولأن الترتيب في الحج يتصور في الطواف والسعي، والمعنى فيه أن السعي لا ينفرد عن الطواف فترتب عليه، وبعض الأعضاء ينفرد عن بعض؛ فلم يترتب.
٤٠٦ - قالوا: مسح بالماء، فكان من شرطه تقدم الغسل، كمسح الخفين.
٤٠٧ - قلنا: يبطل بالجبيرة على الوجه، وبمقطوع اليدين من فوق المرافق، إذا كان بوجهه عذر أنه يبتدئ بمسح الرأس، ثم يعكس فنقول: فجاز أن يقع به الفراغ من الوضوء مع سلامة الأعضاء، كالمسح على الخف.
стр. 91
مسألة ٢٢
حمل الجنب للمصحف
٤٠٨ - قال أصحابنا: يجوز للجنب حمل المصحف بغلافه.
٤٠٩ - خلافًا للشافعي.
٤١٠ - لنا: أن الغلاف ليس من المصحف؛ بدلالة أنه لا يدخل في بيعه إلا بتسميته، فصار كالجوالق إذا كان فيه مصحف، ولأنه يحول بينه وبين ما ليس منه، فصار كالدراهم التي عليها القرءان في صرة، ولا يقال: إن حامل المتاع والصرة لا يقصد حمل المصحف، وذلك لأنه إذا علم فقد قصد حمله وحمل غيره، فهو كما لو قصده في نفسه.
٤١١ - قالوا: إنه قاصد لحمل القرءات مع الجنابة؛ فصار كأخذه بالدفتين.
٤١٢ - قلنا: وهذا ليس بصحيح، لأن الدفة من المصحف، ولهذا تدخل في بيعه من غير تسميته، فصار كأوراقه، ولأن القصد إلى حمله لا يكون بأكثر من تقليبه بقضيب، فإذا جاز أحدهما بالحائل المنفصل جاز الآخر.
стр. 92
مسألة ٢٣
حكم استقبال القبلة واستدبارها في البيوت عند قضاء الحاجة
٤١٣ - قال أصحابنا: لا يجوز استقبال القبلة عند الحاجة في البيوت والصحاري، وفي استدبارها روايتان.
٤١٤ - وقال الشافعي: يجوز في الأبنية.
٤١٥ - لنا: ما رواه الزهري عن عطاء بن يزيد عن أبي أيوب أن النبي ﷺ قال: ((إذا أتيتم الغائط فعظموا قبلة الله، فلا تستقبلوها، ولا تستدبروها، ولكن
стр. 93
شرقوا، أو غربوا))، قال أبو أيوب: لما قدمنا الشام وجدنا مراحيضهم قد بنيت نحو الكعبة، فنحن ننحرف عنها، ونستغفر الله ، فالخبر عام، وقد فهم الراوي منه البنيان وغيره.
٤١٦ - وروى سلمان أن النبي ﷺ نهى أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، وذكر أبو داود حديث معقل بن أبي معقل الأسدي قال: نهى رسول الله ﷺ أن يستقبلوا القبلة ببول أو غائط.
٤١٧ - قالوا: هذه الأخبار ذكر فيها الغائط، وهو الموضع المطمئن من الأرض، وذلك لا يكون في الصحاري.
٤١٨ - قلنا: الغائط قد صار في العرف اسما للحاجة.
стр. 94
٤١٩ - قالوا: الأخبار خرجت على المعتاد، ولم يكن بني بالمدينة أخلية.
٤٢٠ - قلنا: هذا تخصيص للعموم بالسبب، والمعتبر عموم اللفظ دون خصوص السبب، ولأنه حكم يتعلق بالقبلة، فلا يختلف بالصحاري والبيوت، كالاستقبال في الصلاة، ولأنه تعظيم لحق الله تعالى فلا يختلف بالبنيان وغيره، كتعظيم المساجد، ولأن حكما مُنع المصلي من استعماله في الشرع أبيح مع الحائل بالبعد، كالحائل، أصله: الصلاة إلى القبر، فلما لم يجز الاستقبال مع البعد؛ كذلك الحائل، ولأن كل محل نزه عن الخلاء إذا كان غير مبني نزه مع البناء، كالمسجد. ولا يقال: إن الأبنية تحول بين الإنسان وبين المصلي، والفضاء ليس فيه حائل فيستقبل المصلي عورته؛ وذلك لأن البناء والبعد في المنع سواء، فلو منع الحائل منع البعد. ولا يقال الأبنية تضيق فيشق اعتبار الانحراف فيها والصحاري لا تضيق؛ لأن صحون الدور وسطوحها لا تضيق عن الانحراف وإن جوز الاستقبال، ولأن عادة الناس في سائر بلادهم أن يحرفوا البناء، ولو شق لم يتكلفوه، ولأن الضيق إنما يؤثر في البناء، ويجوز أن يبنى نحو القبلة وينحرف الجالس عليه.
٤٢١ - احتجوا بما رواه خالد بن أبي الصلت عن عراك عن عائشة ﵂ قالت: ذكر لرسول الله ﷺ أن قومًا يكرهون استقبال القبلة بوجوههم
стр. 95
فقال: ((أو قد فعلوها، استقبلوا بمقعدتي القبلة)).
٤٢٢ - والجواب: أن البخاري ذكر في تاريخه أن هذا الخبر مرسل، وأن الثقات أوقفوه على عائشة.
٤٢٣ - وقولهم: إن عراك سمع ممن هو في طبقة عائشة لا يمنع إرساله؛ لأن البخاري لم يذكر جهة الإرسال؛ فيجوز أن يكون خالد لم يسمع من عراك، ويجوز أن يكون عراك سمع من في طبقة عائشة دونها؛ ولأن الخبر لا دلالة فيه؛ لأنها لم تقل في ماذا تكلموا، فيجوز أن يكونوا اعتقدوا تحريم البناء نحو القبلة فأنكر النبي ﷺ ذلك؛ لأن التحريم في الجلوس، ولهذا أمر بتحويل مقعدته ولم يتحول بنفسه.
٤٢٤ - احتجوا: بما روى عن ابن عمر أنه قال: لقد رقيت على سطح مرة، فرأيت النبي ﷺ جالسًا على لبنتين مستقبل الكعبة.
стр. 96
٤٢٥ - وفي بعض الأخبار: مستقبل بيت المقدس. وروى جابر قال: نهى رسول الله ﷺ عن استقبال القبلة للبول، ثم رأيته قبل أن يقبض بعام يستقبل.
٤٢٦ - والجواب: أن خبر ابن عمر روي في الاستدبار، وهو جائز في إحدى الروايتين، ولأن حكاية فعل فيحتمل أن يكون لعذر، فلا يمكن التعلق بعمومه، ثم
стр. 97
النهي عن استقبال القبلة استفاض في الصحابة، وهذه الأخبار إما أن تنسخ وإما أن تخصص، فكان يجب أن يبينها ﷺ بيانًا ظاهرًا، فأما أن يقع البيان بفعله في حال لا يجوز الاطلاع عليه فلا، ولو ثبت جواز الاستقبال بهذه الأخبار لثبت بكل حال، ألا ترى أنه ﷺ إذا فعل فعلًا لم يختص جوابه بالبقعة التي فعله فيها، ولا معنى لقولهم كيف يظن بالنبي ﷺ أن يفعل باطنًا ما لا يجوز؛ لأنا لا نظن ذلك، وإنما حملنا فعله على حالة العذر، ومنعنا تبين الشرع في حالة لا يجوز أن يشاهد عليها.
٤٢٧ - وقولهم: إن الصحابة رجعوا إلى عائشة في التقاء الختانين بقولها: فعلته أنا ورسول الله ﷺ فاغتسلنا، لا يصح؛ لأنهم رجعوا أن روايتها أن النبي ﷺ قال: ((إذا التقى الختانان وجب الغسل)) ثم ذكرت الفعل بعد ذلك، ولأنهم رجعوا إليها في هذا الفعل الذي يجوز لها أن تطلع عليه، ولأن الأخبار لما تعارضت كانت أخبارنا أشهر، وأكثر رواة، وأصح طرقًا، وتوجب الحظر، وهو قول متقدم على الفعل.
٤٢٨ - ومن أصحابنا من حمل رواية استقبال القبلة على استقبال بيت المقدس، وقد روي عن النبي ﷺ : أنه نهى عن استقبال القبلتين، فلما نسخت القبلة الأولى جاز استقبالها.
٤٢٩ - قالوا: الصحراء لا تخلو من مصلى أو ملك، فيستقبله بفرجه،
стр. 98
والبنيان يحول بين الجالس وبين المصلي.
٤٣٠ - وهذا ليس بصحيح؛ لأنه يقتضي أن يكون المنع لعين حرمة القبلة، وقد فهم المسلمون من التحريم أنه تكرمة القبلة دون المصلين، ولأن الحائل لو أزال المعنى الذي ذكروه زال بالبعد، كما قلنا في الصلاة إلى القبر.
٤٣١ - قالوا: الأبنية تضيق والفضاء يتسع، ففرق بينهما للمشقة، كما فرق بين الصلاة على الراحلة في الحضر والسفر.
٤٣٢ - قلنا: لو كان هذا يشق لم يتفق فعل الناس على احتمال المشقة، ولأن الصلاة لا تختلف بالبنيان والفضاء، وإنما تختلف بالمصر وخارج المصر، وعلى أن الصلاة عكس مسألتنا، ألا ترى أنها حُظرت في المصر وأبيحت خارج المصر؟ فلم يجز أن يُعْتَبَرَ بها مع المخالفة.
стр. 99
مسألة ٢٤
حكم الاستنجاء
٤٣٣ - قال أصحابنا: الاستنجاء ليس بواجب.
٤٣٤ - خلافا للشافعي.
٤٣٥ - لقوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ إلى قوله: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ ولم يذكر الاستجمار، ولو كان واجبا لذكره، ولا يقال: القصد من الآية بيان طهارة الحدث؛ لأن المقصد منها ما يستبيح به فعل الصلاة.
٤٣٦ - ويدل عليه حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: ((من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج)) وأدنى الوتر واحدة، وقد أزال الحرج في تركها؛ فدل على أنها لا تجب.
٤٣٧ - قالوا: قوله ((من استجمر فليوتر)) أمر متعلق بشرط، وقوله: ((ومن لا فلا حرج)) استثناء، فرجع إلى الأمر دون الشرط كقولهم: من أكل فعليه الجزاء إلا الناسي.
стр. 100
٤٣٨ - قلنا: ليس في الخبر استثناء، وإنما هو خبر آخر، الظاهر رجوعه إلى ما تقدم، ألا ترى أن قوله: ((من فعل فقد أحسن)) لا يرجع إلى الإيتار؛ وإنما يرجع إلى الاستجمار؛ لأن الأمر بالوتر قد أفاد الحسن؟ فالظاهر أنه يكون ما أفاده بالأول، وإذا انصرف الحسن إلى الاستجمار رجع النفي إليه.
٤٣٩ - ولا يقال: إن الاستجمار فعل، والإيتار صفة فيه، والفاعل الاستجمار إنما يؤمر بالصفة بعد وقوع الفعل، فكأنه قال: من استجمر شفعًا فليجعلها وترًا.
٤٤٠ - قلنا: تقدير الخبر كأنه قال: من أراد الاستجمار فليوتر، وهذا لا يقتضي تقدم الفعل، ألا ترى أن الأمر بالوتر لا يختص بمن فعل الشفع بل هو عام؟ فالظاهر تعلق الأمر بالجميع.
٤٤١ - قالوا: جعل الوتر أفضل من الشفع، وأقل ذلك الوتر بالثلاث، وإلا فالواحدة لا تكون أفضل من الثنتين.
٤٤٢ - قلنا: بل إذن إيقاعهن أفضل مما زاد عليها شفعًا، ولأنها نجاسة على البدن لا تجب إزالتها بالمائع مع القدرة، فلا يجب تخفيفها كما يبقى بعد الحجر والقدر اليسير مع الدم.
٤٤٣ - وقولهم: إزالته واجب، وله أن يسقط الوجب بالحجر ليس بصحيح؛ لأنا نريد بقولنا: لا يجب، بمعنى: لا يتعين الوجوب، ولا يلزم المني؛ لأنه إذا كان على البدن لا يجزي فيه إلا الغسل، ولا يقال: اعتبار الأثر بالأصل لا يصح، كأثر المني بعد الفرك، وذلك أن من أصحابنا من قال: إن فرك المني من الثوب ومسح الخف يطهرهما، كالغسل، فعلى هذا ليس هناك أثر نجس عفي عنه.
٤٤٤ - ومنهم من قال: إن النجاسة بقي منها أجزاء يسيرة لو جمعت كانت قدر الدرهم، فلذلك اقتصر على المسح، ولو تصور أن ما يبقي بعد الفرك لو جمع زاد على مقدار الدرهم لم يجز الاقتصار عليه.
٤٤٥ - وقولهم: المعنى في قليل الدم وأثر الاستنجاء أن يشق إزالته وموضع
стр. 101
الاستنجاء لا يشق استعمال الحجر فيه ليس بصحيح؛ لأن الغالب في الناس اختيار إزالة الأثر بالماء، وإزالة قليل النجاسة لو شق لم يتفق عليه الأكثر، ولأن موضع الاستنجاء إذا شق إزالة أثره وجب أن يؤثر في إسقاط فرضه، وإن لم يشق كمشقة السفر المبيحة للفطر، أن الفطر يباح مع عدمها لأجل السفر، ولأن الاستجمار ليس بطهارة نجاسة ولا حدث، فكان مسنونًا في النذر، كغسل الجمعة.
٤٤٦ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿والرجز فاهجر﴾ يعني: النجاسة.
٤٤٧ - والجواب: أنه قد قيل: إن معناه الأوثان، ولو سلم ما قالوه لم يصح التعلق بالآية في الاستجمار؛ لأنه ليس بهجر للنجاسة، وإنما هي باقية بحالها.
٤٤٨ - احتجوا: بحديث أبي أيوب أن النبي ﷺ قال: ((وليستنج بثلاث أحجار)).
٤٤٩ - والجواب: أن هذا خبر واحد، فلا يثبت ما تعم به البلوى على أصولنا، ولأنه يقتضي تعيين الأحجار بالوجوب إذا نابت فيه الحروف، لأن ذلك ينقص الصلاة عندنا دون الوضوء، ولا يجوز حمل أخبارنا على الاستحباب؛ لأن ذلك ليس بقول لأحد، وإذا سقط ظاهره لم يتعلق به إلا فيما تقدم عليه الدلالة.
٤٥٠ - قالوا: نجاسة لا تلحق المشقة في إزالتها غالبًا، فأشبه ما زاد على قدر الدرهم.
стр. 102
٤٥١ - قلنا: لا يخلو إما أن يقولوا: نوجب إزالتها، فلا يصح في الفرع، أو يقولوا: نوجب تخفيفها، فلا يوجد في الأصل، ولأن ما زاد على قدر الدرهم من النجاسة لما وجب إزالته من البدن وجب بالمائع مع القدرة، فلما لم يجب في مسألتنا سقط وجوبه.
٤٥٢ - قالوا: كل ما منع الصلاة إذا كان أكثر من قدر الدرهم، فإنه يمنع وإن كان أقل، أصله: ما يبقى في أعضاء الطهارة.
٤٥٣ - قلنا: موضع الاستنجاء يعفى عنه عندنا وإن زاد على قدر الدرهم؛ لأن التقدير عندنا إنما هو بموضع الاستنجاء، فلم نسلم الوصف.
٤٥٤ - وإن قالوا: كل ما منع الصلاة إذا كان في غير موضع الاستنجاء منع فيه بطل بالأثر.
стр. 103
مسألة ٢٥
المعتبر في الاستنجاء الإنقاء دون العدد
٤٥٥ - قال أصحابنا: المعتبر في الاستنجاء الإنقاء دون العدد.
٤٥٦ - وقال الشافعي ﵀: المعتبر الأقصى من الإنقاء والثلاث.
٤٥٧ - لنا: قوله ﵇: ((من استجمر فليوتر)) وأدنى ما يسمى وترا واحد، فجاز الاقتصار عليه، ولأن ما لا يُحتاج إليه في الإنقاء لا يثبت في الاستنجاء، كالرابعة، ولا يقال: إنه يجوز أن يثبت المسح للإنقاء ولغيره، كما تثبت العدة للاستبراء ولغيره؛ لأن العدة تثبت ابتداء للاستبراء؛ فجاز أن يثبت بعضها كذلك، والاستجمار لا يثبت ابتداء لغير الإنقاء، وكذلك لا يثبت بعضه، ولأن ما يقع به الاستنجاء لا يعتبر فيه العدد، كماء، ولا يقال إن الماء يزيل النجاسة، فلا يعتبر عدده، والحجر لا يزيلها، فجاز اعتبار عدده؛ لأن علة الأصل تبطل بالوقوف على أصلهم، وعلة الفرع لا تصح؛ لأن الخلاف فيما يقع به تخفيف لا إزالة، وهذا لا فائدة فيه، وإن كانت النجاسة لم تزل.
٤٥٨ - احتجوا: بحديث أبي أيوب أن النبي ﷺ قال: ((وليستنج بثلاثة أحجار))
стр. 104
وحديث سلمان: نهانا رسول الله ﷺ أن نجتزئ بأقل من ثلاثة أحجار.
٤٥٩ - والجواب: أن الاستنجاء عبارة عما أزال النجو، وهذا لا يوجد فيما لا يقع به الإنقاء، فلم نسلم تناول الاسم له، ووجب حمل الخبر على من لم ينقه ما دون الثلاث، ولأنه ﵇ اقتصر للموضعين على ثلاث، وهذا يدل على خلاف قولهم.
٤٦٠ - ولا يقال: إذا ثبت اعتبار الثلاث ثبت اعتبارها لكل سبيل؛ لأنا نقول: إذا ثبت بالخبر جواز الاقتصار على ثلاث للموضعين؛ ثبت أن العدد لا يعتبر.
٤٦١ - فإن قيل: ما معنى نهيه ﵇ عن الاقتصار على ما دون الثلاث.
٤٦٢ - قلنا: لأن ما دونها إذا وقع للسبيلين لم ينق في الغالب، فكان استعماله عبثًا، ولأن الخبر متروك الظاهر بالاتفاق؛ لأن العدد عندهم لا يجب في الحجر، وإنما يجب في المسحات، وإذا ترك الظاهر لم يصح التعلق به.
٤٦٣ - قالوا: طهارة ورد الشرع فيها بعدد من جنس فوجب أن يكون العدد فيه شرطًا، كالولوغ.
٤٦٤ - قلنا: لا نسلم في الأصل أن الشرع ورد بعدد من جنس، بل من جنسين: التراب والماء، وإذا سقط هذا الوصف انتقضت العلة بغسل دم الحيض؛ لأن الشرع ورد فيه بالحَتّ، والقَرص والغسل ليس بواجب، ثم لا نسلم وجوب العدد في الولوغ، ولا معنى لاعتبار الاستنجاء برمي الجمار؛ لأن العدد لما اعتبر هناك لم يجز بحجر واحد، ولما جاز في مسألتنا بحجر ذي جوانب دل على أن العدد ليس معتبرا.
стр. 105
مسألة ٢٦
يكره الاستنجاء بالعظم والروث ويقع بهما الإنقاء
٤٦٥ - قال أصحابنا: يكره الاستنجاء بالعظم والروث، ويقع بهما الإنقاء.
٤٦٦ - وقال الشافعي: عليه أن يعيد.
٤٦٧ - لنا: قوله ﵇: ((من استجمر فليوتر)) وهذا عام في الحجر النجس والطاهر؛ ولأن الإنقاء يقع بالعظم؛ فصار كالحجر، ولأن النهي عنه يلحق العبث فصار كالماء المغصوب.
٤٦٨ - احتجوا: بما روي عن النبي ﷺ أنه نهى عن الاستنجاء بالعظم والروث وروي أنه قال: ((من استنجى بالعظم والروث فقد برئ من محمد)).
стр. 106
٤٦٩ - والجواب: أن هذا يقتضي النهي، وكذلك نقول: فأما الإنقاء فلا يمتنع حصوله مع النهي، كالماء المغصوب، ولأنه بين أن النهي لحق الجن، فلا يكون أعظم من النهي لحق الإنس.
٤٧٠ - قالوا: إزالة نجاسة، فلا يجوز بالنجاسة، كالغسل بالماء النجس.
٤٧١ - قلنا: الغسل بالماء النجس يزيل النجاسة ويخلفها غيرها، وفي مسألتنا: تخفيف النجاسة والعين يابسة، فلا يخلفها غيرها.
٤٧٢ - قالوا: العظم صقيل وعليه دسومة في الغالب؛ فلا ينقي النجاسة.
٤٧٣ - قلنا: الخلاف في العظم الذي ينقي، فأما ما لا يحصل ذلك به فهو كالحجر الذي لا ينقي.
стр. 107
مسألة ٢٧
حكم طهارة من نام في الصلاة
٤٧٤ - قال أصحابنا: إذا نام راكعًا أو ساجدًا أو قائمًا فلا وضوء عليه.
٤٧٥ - وقال الشافعي: عليه الوضوء.
٤٧٦ - لنا: ما رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن عبد السلام بن حرب، عن يزيد بن أبي خالد الدالاني عن قتادة عن أبي العالية، عن ابن عباس
стр. 108
عنهما قال: نام رسول الله ﷺ في صلاته حتى غط، ثم مضى فيها، ثم قال: ((إذا نام الرجل راكعًا أو ساجدًا فلا وضوء عليه حتى يضطجع، فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله)). واللفظ لأبي عروبة: الحسين بن محمد بن مودود.
٤٧٧ - قالوا: أبو العالية ضعيف، لأن ابن سيرين قال: حدث عمن شئت إلا عن الحسن وأبي العالية، فإنهما كانا لا يباليان عمن أخذا.
٤٧٨ - قلنا: قال الدارقطني: أجمع أصحاب الحديث أن أبا العالية ثقة، وكونه لا يبالي عمن أخذ، يؤثر في مراسيله، فأما إذا روى عن ابن عباس، فقد زال الإبهام.
стр. 109
٤٧٩ - قالوا: قتادة مدلس.
٤٨٠ - قلنا: التدليس لا يقدح في الرواية؛ لأنه إرسال، وذلك لا يمنع من الخبر وقد ذكره سفيان بن عيينة، والثوري وكبار أصحاب الحديث.
٤٨١ - قالوا: قال شعبة: لم يسمع قتادة من أبي العالية إلا ثلاثة أحاديث ليس هذا منها.
٤٨٢ - قلنا: قد ذكر علي بن المديني أنه لم يسمع إلا أربعة، فإذا خفي على شعبة ما عرفه ابن المديني، جاز أن يخفى عليهما الخامس، ألا ترى: أنهما لم يرويا العدد عن قتادة، وإنما أخبرا بذلك عن سماعهما، ويجوز أن يسمع غيرهما ما لم يسمعاه.
стр. 110
٤٨٣ - قالوا: طعن أبو داود على هذا الحديث.
٤٨٤ - قلنا: ذكره ابن أبي شيبة وابن شجاع ولم يطعنا عليه، وذكره أحمد ولم يطعن عليه أكثر من حرف واحد، وقالوا: إنه غير محفوظ، فأما أبو داود فلم يعترض على الراوي، وإنما قال: قوله: ((فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله)) زاده هناد وعثمان بن أبي شيبة، ولم يقله يحيى بن معين، قال: وقوله: ((الوضوء على من نام مضطجعًا)) منكر لم يروه إلا يزيد الدالاني، وروي أوله جماعة. فجعل انفراد الواحد به [من بين] مشاهير أصحاب قتادة طعنًا، وهذا لا يقدح في الخبر عند الفقهاء؛ لجواز أن ينفرد الواحد بما لم يسمعه غيره.
٤٨٥ - قالوا: التعليل يناقض الخبر؛ لأنه قال: ((لا وضوء على من نام قائمًا))، ثم قال: ((فإنه إذا اضطجع استرخت مفاصله))، والاسترخاء موجود في
следующие страницы →