Полный текст (6 324 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
السفر يثبت فيما دون ذلك كان الخبر بيانا لبعض المسافرين، وهذا لا يصح. ولأن الألف واللام للجنس، فظاهر هذا يقتضي أن جميع المسافرين يكون يمسح ثلاثة أيام.
٣٧٣٧ - ولا يقال: إن من سافر يومين يمكنه أن يستوفي المسح بأن يقطع المسافة في ثلاثة أيام؛ لأن إطلاق السفر يقتضي السير المعتاد، وهو بيان المسافة التي [يتكرر لها] سير معتاد لم يمكنه استيفاء الرخصة فيها.
٣٧٣٨ - ويدل عليه ما روي أن النبي ﷺ قال: (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر ثلاثة أيام إلا مع محرم أو زوج). ولو كان ما دون الثلاث سفرا لم يكن لتخصيص الثلاثة معنى.
٣٧٣٩ - قالوا: روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: (لا تسافر المرأة يوما إلا مع ذي محرم).
٣٧٤٠ - والجواب: أن هذا لا يعارض خبرنا؛ لأنا نجمع بينهما فنقول: لا تسافر يوما قاصدة مسيرة ثلاثة أيام إلا مع محرم، فنكون قد [علقنا بكل واحد] منهما فائدة. ومتى جعل اليوم مدة السفر بطل تعلق الحكم بالثلاثة وتخصيصه بها. ولأنها مدة لا يمكن استيفاء رخصة مسح المسافر فيها، فلا تكون مدة لأقل السفر، كما دون اليوم.
٣٧٤١ - [ولا يقال: إنا نعتبر المسافة دون المدة؛ لأن قولنا: مدة] يعني أن
стр. 807
مدة سير هذه المسافة في العادة لا يمكن استيفاء المسح فيها. ولأن كل مسافة لو قطعها في معصية لم يترخص برخص السفر، وكذلك في الطاعة، كالمرحلة الواحدة.
٣٧٤٢ - ولأنها مسافة يجوز للمرأة الخروج إليها للحج من غير محرم أو زوج، فلا تكون مدة لأقل السفر، كالمرحلة.
٣٧٤٣ - ولأن ما يقدر به مدة الخيار لا يقدر به أدنى [مدة] السفر كاليوم، الواحد. ولأنه معنى يؤثر في الصلاة والصوم، فلا يقدر أقله بليلتين، كالحيض. ولأن الحيض يشبه السفر؛ بدلالة أن السفر يسقط الركعتين من الصلاة إلى غير بدل ويسقط الصوم إلى بدل، كما يسقط الحيض الصلاة إلى غير بدل والصوم إلى يدل. ولأن كل حالة لا يجب فيها القصر وجب فيها الإتمام، كالمسافة اليسيرة.
٣٧٤٤ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾، قالوا: والضارب هو السائر والماشي، فظاهره يقتضي جواز القصر لكل سائر إلا ما خصه دليل.
٣٧٤٥ - والجواب: أن إطلاق الضرب في الأرض يتناول السفر الطويل؛ ألا ترى أنه يقال لمن سافر أياما: هذا ضارب في الأرض. ومن حكم اللفظ أن يحمل على إطلاقه. ولأن المذكور في الآية القصر في صفة الصلاة الذي من شرطه الخوف؛ بدلالة أن قصر الركعات لا يقف على الخوف، وقصر الأفعال يقف عليه،
стр. 808
فلم يكن في الآية دليل.
٣٧٤٦ - ولا يقال: [روي] أن يعلى بن أمية قال لعمر بن الخطاب ﵁: ما لنا نقصر الصلاة وقد أمنا، فدل على أنه فهم من الآية قصر الركعات الذي يثبت من غير خوف؛ لأنه يجوز أن يكون سأل عمر عن قصر الأفعال على الراحلة من غير خوف، فلا يدل على ما قالوه.
٣٧٤٧ - قالوا: روى مجاهد وعطاء بن أبي رباح عن ابن عباس أن النبي ﷺ قال: (يا أهل مكة، لا تقصروا في أدنى من أربعة [برد، من] مكة إلى عسفان)، فدل على جواز القصر في الأربعة.
٣٧٤٨ - والجواب: أن هذا الخبر ذكره الدارقطني، ورواه عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن عطاء بن أبي رباح، قال الدارقطني: عبد الوهاب بن مجاهد ليس بالقوي، ولم يرفعه غيره، وقال: والمحفوظ أنه عن ابن عباس. وقال البستي: عبد الوهاب ابن مجاهد كان يروي عن أبيه ولم يره ويجيب في كل ما يسأل عنه وإن لم يحفظ، [فاستحق الترك]، وكان الثوري يرميه بالكذب، وقال يحيى بن معين:
стр. 809
ليس بشيء، وقال أحمد: هو ضعيف جدا. ورواه عن عبد الوهاب بن مجاهد إسماعيل بن عياش، وقد أجمعوا على ضعفه فيما يرويه عن الشاميين، وعبد الوهاب منكر. ثم الخبر لا دلالة فه؛ لأنه يدل على أنه لا يقصر فيما دون هذه المسافة، وحكمها موقوف على الدليل.
٣٧٤٩ - [قالوا: مسافة تجمع مراحل فجاز القصر فيها، كالثلاث.
٣٧٥٠ - قلنا: اعتبار المراحل لا معنى له]؛ لأن الأحكام المؤثرة في العبادات إنما تقدرت في الشريعة بالأزمان دون الأماكن؛ بدلالة الحيض والإغماء على أصلنا، والنفاس. ولأن أصلهم: إن كان ثلاثة مراحل فهو غير مسلم؛ لأنا عندنا إذا كانت تقطع في أقل من ثلاثة أيام سيرا معتادا لم يقصر فيها، وإن كان على أصلهم ثلاثة أيام فقد لا تجمع المراحل بأن يكون طريقا صعبا على جبل أو عقبة، ولا يمكن أن يسلك في ثلاثة أيام إلا مرحلة واحدة مراحل تستوفى في ثلاثة أيام.
٣٧٥١ - قلنا: المعنى فيها أنها مسافة جمعت مراحل، وليس كذلك في الفرع؛ لأنها دون المراحل، فصارت كمرحلة واحدة.
٣٧٥٢ - قالوا: القصر إنما جاز في السفر لأجل المشقة، وذلك يوجد في المرحلتين؛ لأن العادة أن الإنسان يغيب عن داره يوما معتادا، فإذا زاد ذلك شق عليه.
٣٧٥٣ - قلنا: فعلى هذا يجب أن يقدر بأقل من مرحلتين، وهذا خلاف قولكم. ولأن العادة أن المشقة تحصل بتكرار السفر والانتقال، وذلك لا يكون إلا في الثلاثة.
стр. 810
٣٧٥٤ - قالوا: معنى له تأثير في إسقاط الصلاة، فوجب أن يقصر أقله عن الثلاث، كالجنون والإغماء والنفاس.
٣٧٥٥ - قلنا: هذه المواضع لم يجعل لأقلها قدر حتى يقع الكلام فيه، وقد جعل لأقل السفر قدر، فلم يصح أن يوجد حكم المقدر في التقدير عن غير المقدور. ونقلب هذه العلة فنقول: ولا نقدر أقله بليلتين، كأقل النفاس والجنون.
* * *
стр. 811
مسألة ٢١٢
فرض المسافر ركعتان
٣٧٥٦ - قال أصحابنا: فرض المسافر ركعتان.
٣٧٥٧ - وقال الشافعي: هو مخير: إن شاء صلى صلاة السفر فكانت رخصة، وإن شاء صلى صلاة الإقامة.
٣٧٥٨ - لنا: ما رواه مسروق عن عائشة قالت: أول ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة صلى إلى كل صلاة مثلها غير المغرب- فإنها وتر النهار- وصلاة الصبح أقرها، وكان إذا سافر عاد إلى صلاته الأولى). وهذا ينفي أن تكون رخصة، وروي أنها قالت: فزيد في صلاة الحضر وأقرت صلاة السفر على ما كانت عليه.
стр. 812
٣٧٥٩ - وروى مجاهد عن ابن عباس قال: فرض الله تعالى على لسان نبيكم في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين.
٣٧٦٠ - ولا يقال: هذا يدل على أن فرض السفر ركعتان ولا ينفي الزيادة، وعندنا أنه إذا صلى أربعا فلم يصل فرض السفر؛ وذلك لأن الخبر يقتضي كون الركعتين فرضا، وعندهم أنه رخصة، وهذا يدل على أنه لا يجوز الزيادة عليه؛ لأن الفرائض المعدودة لا يجوز الزيادة عليها.
٣٧٦١ - وروى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عمر قال: صلاة الأضحى ركعتان، والجمعة ركعتان، وصلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان نبيكم. وعن ابن عمر أنه قال: صلاة السفر ركعتان، من خالف السنة كفر. وهذا نص من جهة النبي ﷺ ؛ لولا ذلك لم يذكر الوعيد. ويدل عليه ما روي أن فتى سأل عمران بن الحصين عن صلاة رسول الله ﷺ في السفر، فقال: إن هذا الفتى سألني عن صلاة رسول الله ﷺ في السفر، فاحفظوها علي: ما سافر رسول الله ﷺ سفرا إلا صلى ركعتين حتى يرجع، فإنه أقام بمكة زمن الفتح ثمان عشرة يصلي ركعتين ثم يقول: (يا أهل مكة، قوموا فصلوا ركعتين أخريين فإنا
стр. 813
قوم سفر)، ثم غزا حنين والطائف فصلى ركعتين ركعتين، ثم رجع إلى الجعرانة فاعتمر منها في ذي القعدة فصلى ركعتين، ثم غزوت مع أبي بكر واعتمرت مع عمر فصلى ركعتين، [ومع عثمان صدرا من إمارته فصلى ركعتين]، ثم إن عثمان صلى [بعد ذلك] أربعا بمنى، فلو كان يخير في حال السفر لفعل النبي ﷺ كل واحد من الأمرين.
٣٧٦٢ - ولأنه قال: (أتموا فإنا قوم سفر) ولم يقل فإنا لا نريد الإتمام. ويدل عليه إجماع الصحابة، وهو ما روي أن عثمان ﵁ صلى بمنى أربعا فأنكروا عليه، وقالوا: صلينا مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر ركعتين ركعتين.
٣٧٦٣ - وروي عن الزهري أنه قال: إنما أتم عثمان لأنه كان نوى الإقامة بمكة بعد الحج وعنه أنه قال: إنما أتم لأنه قال: إنما يقصر من حمل الزاد والمزاد ورحل وارتحل. ولم ينقل أن عثمان قال: إنما أتممت لأني لم أنو القصر، أو: إني مخير بين الأمرين.
стр. 814
٧٦٤ - ولا يجوز أن يقال: كيف يظن بعثمان أنه يصلي أربعا والفرض ركعتان لئلا يظن الناس أن الفصل ركعتان؛ وذلك لأنه يجوز أن يكون لما خاف ذلك نوى الإقامة ليجوز له فعل الأربعة على طريق البيان.
٣٤٦٥ - ولا يقال: روي أن ابن مسعود أنكر عليه، ثم قام فصلى بهم أربعا، فقيل له في ذلك؛ فقال: الخلاف شر؛ وذلك لأن ابن مسعود من جملة الجند، فحمل أمر عثمان على أنه نوى الإقامة بمكة كما قال الزهري، فصار مقيما بإقامة إمامه، وهذا معنى قوله: الخلاف شر، أي: لا يجوز مخالفة الإمام في النية.
٣٧٦٦ - ولا يقال: إنما أنكروا عليه ترك المستحب؛ لأن ترك الفضيلة لا يستحق به الإنكار. وروي أن سعد بن أبي وقاص والمسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن عبد يغوث كانوا في سفر فكان سعد يقصر ويفطر وكانا يتمان، فقيل لسعد: نراك تقصر الصلاة ويتمان، فقال سعد: نحن أعلم. وروي أن سلمان خرج في ثلاثة عشر من أصحا رسول الله ﷺ ، وكان سلمان أسنهم، فحضرت الصلاة، فقالوا: تقدم، فقال: ما أنا بالذي أتقدم، أنتم العرب، ومنكم النبي، فليتقدم بعضكم، فتقدم بعض القوم، فصلى أربعا، فلما قضى الصلاة قال سلمان: ما لنا وما للمربعة، إنما يكفينا نصفها، قال الطحاوي: ولا يجوز أن يعترض على
стр. 815
الإجماع بفعل هذا الإمام، ولا بما روي عن مسور وعبد الرحمن؛ لأن من روى عنه الإنكار يدل قوله على أن الإتمام لا يجوز، ومن روى عنه الإتمام بفعله يحتمل إما أن يكون يعتقد أن القصر لا يجوز إلا في سفره القربة، وقد حكي ذلك عن ابن مسعود، أو يعتقد أن المسافة لا يقصر في مثلها، أو يعتقد أن المسافر إذا دخل بلدا أتم، كما روي عن عثمان أنه قال: إنما يقصر من رحل وارتحل. ولا يعترض على ذلك بما روي أن عائشة كانت تتم في السفر؛ لأنه روي عنها أنها قالت: أنا أم المؤمنين فأين حللت فهو داري. ولأنه عدد من الركعات يجوز له تركه منفردا فلم يكن واجبا، كعدد النفل.
٣٧٦٧ - ولا يلزم العبد والمرأة إذا حضرا؛ لأنه لا يجوز لهم ترك عدد الظهر مع الانفراد. ولأنه عدد يجوز أن يقتصر عليه المنفرد، كصلاة الفجر.
٣٧٦٨ - ولا يقال: المعنى في صلاة الفجر أنه لا يتغير عددها بنية الإقامة [ولا بالاقتداء] بالمقيم، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن عددها لما جاز أن يتغير بالنية والاقتداء [لم يكن أصل فرضه؛ لأن معارضة الأصل تبطل على أصلنا بالجمعة؛ لأنها لا تتعين بالاقتداء] وليست أصل الفرض عندهم. ولأن من لا يخير في صلاة الفجر لم يخير في عدد الظهر، كالمقيم.
٣٧٦٩ - ولأنها إحدى حالتي المصلي، فلم يخير فيها بين أعداد الركعات، كحال الإقامة ولا نقلب العلة؛ لأنهم إن قالوا: فجاز أن يصلي أربعا، قلنا بموجبه إذا
стр. 816
اقتدى بمقيم، فإن قالوا: فوجب أن يصلي أربعا، انتقض بالصبي.
٣٧٧٠ - ولأن ما يكره الزيادة عليه من الأعداد لا يكون الزيادة عليه فرضا، كالفجر والجمعة. ولأنها صلاة شفع فجاز أن يجب إسقاط فرضها بركعتين، كالظهر في يوم الجمعة والفجر.
٣٧٧١ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾، ورفع الجناح في الشيء يدل على إباحته، لا على وجوبه.
٣٧٧٢ - والجواب: أن هذه الآية لا تتضمن صلاة السفر، إنما تتضمن صلاة الخوف، والقصر إنما عني به القصر في أفعالها بالإيماء وترك بعض الشرائط، الدليل على ذلك أنه شرط فيه الخوف، وفعل الركعتين لا يشترط فيه الخوف.
٣٧٧٣ - ولا يقال إنه شرط فيه الضرب في الأرض، وصلاة الخوف لا يشترط فيها السفر؛ لأن الغالب أن الخوف يكون مع السفر، فخرج الكلام على الغالب.
٣٧٧٤ - ولا يقال: إن يعلى بن أمية قال لعمر بن الخطاب: ذكر الله تعالى القصر في الخوف فأين القصر في غير الخوف، فقال: عجبت ما عجبت منه فسألت النبي ﷺ فقال: (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته). ففهما جميعا أن المراد بالآية السفر؛ وذلك أن يعلى بن أمية يجوز أن يكون اشتبه عليه فعل الصلاة على الراحلة نفلا في غير حالة الخوف فسأل عمر عن ذلك وقال: لم يجوز في غير الخلاف؟. ويجوز أنه اعتقد أن القصر في الصفات إذا وقف على
стр. 817
شرط الخوف فقصر الركعات مثله، فبين النبي ﷺ أنهما يختلفان.
٣٧٧٥ - وقد روي أن أمية بن خالد قال لابن عمر: إنا نجد صلاة الخوف وصلاة الحضر في القرآن، فأين صلاة السفر؟ فقال ابن عمر: إنا نفعل كما رأينا رسول الله ﷺ يفعل، فهذا يدل على أنهما لم يفهما من الآية صلاة السفر، فعارض ذلك ما رووه.
٣٧٧٦ - قالوا: روي أن النبي ﷺ قال لعمر: (صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته)، وقبول الصدقة في الشرع ليس بواجب، وإنما المتصدق عليه بالخيار.
٣٧٧٧ - قلنا: (فاقبلوا صدقته) أمر، والأمر يقتضي الوجوب، وقولهم: إن قبول الصدقة ليس بواجب، ليس بصحيح؛ لأنه لا يمتنع أن لا يجب عليه قبول الصدقة من الآدمي؛ لأن طاعتهم لا تجب، ويجب عليه قبول صدقة الله تعالى؛ لأن طاعته واجبة. ولأن الصدقة إنما يجب قبولها إذا كان فيها تمليك للمتصدق عليه، فإن لم يكن فيها تمليك وجبت ولم يحتج إلى القبول، كالعفو عن دم العمد والعتق والبراءة من مال الكتابة.
٣٧٧٨ - قالوا: روت عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ في السفر يصوم ويفطر ويتم ويقصر.
стр. 818
٣٧٧٩ - [والجواب: أن هذا الخبر لا يصح، وقد أنكره أحمد وغيره].
وقد روى جابر أن النبي ﷺ دخل مكة صبيحة يوم الرابع من ذي الحجة وخرج إلى منى يوم التروية وكان يقصر الصلاة، فهذه إقامة أكثر من أربعة أيام.
٣٧٨٠ - ولا يقال: يجوز أن يكون لم ينو الإقامة؛ لأن من دخل مكة للحج فلابد أن ينوي الإقامة حتى يقضي حجه.
٣٧٨١ - وروى أبو حنيفة عن عمر بن ذر عن مجاهد عن ابن عباس وابن عمر أنهم قالوا: إذا دخلت بلدة وأنت مسافر وفي نيتك أن تقيم بها خمسة عشر يوما فأكمل الصلاة، وإن كنت لا تدري متى تخرج صلى ركعتين، والمقادير لا تعلم إلا من جهة التوقيف، فكأنهما رويا ذلك عن النبي ﷺ .
٣٧٨٢ - قالوا: روي عن ابن عمر ﵁ قال: ثلاثة عشر يوما، وروى عن علي وابن عباس ﵃: عشرة أيام. وعن عثمان ﵁ من أربعا صلى أربعا.
стр. 819
٣٧٨٣ - قلنا: نحمل أقوالهم على التوقيف، فكأنها أخبار رويت، فالزائد منها أولى. ولأنه معنى يؤثر في الصلاة والصوم، فلا يقدر أقله بأربعة أيام، كالطهر. ولأن ما لا يجعل مدة للفصل بين الحيضتين لا يكون مدة للإقامة، أصله: ما دون أربعة أيام. ولا معنى لقولهم: إن الطهر عندنا قد يكون أربعة أيام؛ لأن الحامل تحيض وتطهر [من حيضتها] وتلد بعد أربعة أيام، فيكون الأربعة طهرا صحيحا، وكذلك إذا طهرت بعد النفاس أربعة أيام ثم رأت الدم كان حيضا؛ لأنهم لا يقدرون ذلك بأربعة أيام، ولو كان يوما واحدا كان طهرا عندهم. ولأنها مدة يتكرر فيها رخصة مسح المسافر، كما دون الأربعة. ولأنها مدة يجوز الحيض فيها فلم يتقدر بها الإقامة، كما دون الأربعة.
٣٧٨٤ - احتجوا: بما روي أن عمر بن عبد العزيز سأل جلساءه: ماذا سمعتم في مقام المهاجر بمكة؟ فقال السائب بن يزيد: حدثني العلاء بن الحضرمي أن النبي ﷺ قال: (يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا)، فحرم عليهم المقام بمكة، وقدر لهم ثلاثة أيام، فلو كانت المدة خمسة عشر لم يقدر لهم الثلاثة؛ لأنه أراد التخفيف عليهم، فكان زيادة المدة أخف.
٣٧٨٥ - والجواب: أن النبي ﷺ منعهم من المقام لئلا يتذكروا ديارهم فيتركوا
стр. 820
المدينة، لا المعنى يعود إلى الإقامة والسفر؛ ألا ترى أنه لو أراد ذلك لقدر بأربعة أيام؛ لأن يوم الخروج عندهم لا يعتد به. وفائدة تقديره بالثلاث أنه علم أن حاجتهم في التأهب للسفر يكتفى فيها بهذا القدر، فلم يزد عليه.
٣٧٨٦ - قالوا: روي أن عمر ﵁ أجلى أهل الذمة من الحجاز ثم ضرب لمن دخل منهم تاجرا مقام ثلاثة أيام. ولو كانت الخمسة عشر هي المدة لما حد الثلاث.
٣٧٨٧ - والجواب: أنه يجوز أن يكون فعل ذلك لأن هذه المدة أدنى المدد التي يتمكن فيها من التصرف، وما زاد عليها يحتج إليه فقدرها تضييقا عليهم؛ ألا ترى أنه لم يقدر ذلك بأربعة وإن لم تكن مدة للإقامة عندهم.
٣٧٨٨ - قالوا: قال الله تعالى: ﴿ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب قريب﴾، ثم قال: ﴿تمتعوا في داركم ثلاثة أيام﴾، فدل ذلك على أن الثلاث قريب.
٣٧٨٩ - ولا يدل على أن الأربع ليس بقريب. ويجوز أن يكون كل واحد منهما قريبا وإن كان أحدهما أقرب.
٣٧٩٠ - قالوا: كل مدة زادت على مدة المسح في السفر وجب أن تقطع القصر، كمدة خمسة عشر يوما.
٣٧٩١ - قلنا: هذا يبطل بمن نوى أربعة أيام مع يوم الخروج، ومن نوى ثلاثة أيام وبعض اليوم الرابع. ولأن هذا إثبات مدة بقياس، والمقادير لا تثبت قياسا، والمعنى في
стр. 821
الخمسة عشر أنها يجوز أن تفصل بين دمي الحيض، وليس كذلك ما دونها؛ لأنه لا يفصل بين دمي الحيض، فلم يكن مدة للإقامة.
٣٧٩٢ - قالوا: المدة التي تغير الفرض إلى القصر ابتداء لا تقدر بخمسة عشر. وكذلك المدة التي تغير الفرض إلى الانتهاء لا تقدر بخمسة عشر.
٣٧٩٣ - قلنا: اعتبار إحدى المدتين يتقدر بيومين، والأخرى بستة، وكذلك على قولنا لا يمتنع أن يختلفا.
٣٧٩٤ - قالوا: الإتمام إنما يوجب بطول المقام، والثلاث في حد القليل، ولذلك قدر بها مدة الخيار، فوجب أن يعتبر ما زاد عليها.
٣٧٩٥ - قلنا: الثلاث وإن كانت في حكم القليل في حكم فقد جعلت في حكم الكثير في حكم آخر؛ بدلالة أنها أقصى مدة الخيار وأكثر مدة المسح، فدل على أن ما جعل قليلا في حكم لا يكون كذلك في كل حكم.
* * *
стр. 822
مسألة ٢١٣
إذا أقام المسافر في بلد ولم ينو الإقامة صلى ركعتين
٣٧٩٦ - قال أصحابنا: إذا أقام المسافر في بلد ولم ينو الإقامة صلى ركعتين.
٣٧٩٧ - وقال الشافعي: إذا أقام سبعة عشر يوما أتم وإن لم ينو الإقامة. وقال المروزي: له قول آخر، إنه إذا أقام أكثر من أربعة أيام أتم، وقال: في المحارب إذا أقام أكثر من سبعة عشر قولان.
٣٧٩٨ - لنا: ما روي عن عكرمة عن ابن عباس أن النبي ﷺ أقام بمكة زمن الفتح سبعة عشر يوما يصلي ركعتين، وروي أنه أقام بتبوك عشرين ليلة يقصر الصلاة.
стр. 823
٣٧٩٩ - ولا يجوز أن يقال: روي أنه أقام سبعة عشر؛ لأن الزائد من الخبرين أولى.
٣٨٠٠ - ولا يقال: إن الشافعي قال: إذا أقام أكثر مما أقام النبي ﷺ بتبوك أتم، فإن ثبت أنه أقام عشرين يوما قلنا بذلك؛ لأن الشافعي قدره بسبعة عشر، وجعل العلة فيه مقامه ﵇ بتبوك، والخطأ في العلة لا يتغير بها مذهبه، وفيه إجماع السلف.
٣٨٠١ - وروي أن أنسا أقام بنيسابور سنة وشهرين يصلي ركعتين، وعن سعد بن أبي وقاص أنه أقام بقرية من قرى الشام يقال لها: عمان أو عوان فكان يصلي ركعتين. وأقام أنس بالشام مع عبد الملك بن مروان شهرين يصلون صلاة المسافر. وروي أن ابن عمر أقام بأذربيجان أشهرا، فكان يصلي ركعتين. وأقام مروان بالسلسلة سنتين وقصر. وروى إبراهيم عن علقمة أنه أقام بخوارزم
стр. 824
سنتين يقصر.
٣٨٠٢ - ولأنه لم ينو الإقامة، ولا دخل في صلاة مقيم فلم ينقطع حكم سفره بفعله، كما إذا أقام أقل من أربعة.
٣٨٠٣ - ولأن المقيم للحرب لا تتعلق إقامته باختياره؛ لأنه إن هزم انصرف، فلم تعتبر إقامته، كالعبد مع مولاه.
٣٨٠٤ - ولأن كل حكم لا يتعلق بإقامة خمسة عشر يوما لا يتعلق بإقامة ما زاد عليها، أصله: وجوب الأضحية.
٣٨٠٥ - وقد قال الطحاوي: إن قول الشافعي أنه يصير مقيما بإقامة أربعة أيام خلاف الإجماع؛ لأنه لم ينقل ذلك عن أحد تقدمه.
٣٨٠٦ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾، فعلق القصر بالضرب، وهذا ليس بضارب.
٣٨٠٧ - والجواب: أنا قد بينا أن المراد بالآية قصر الصفات، لا قصر الركعات.
٣٨٠٨ - قالوا: إذا كان محاربا فقد نوى الإقامة أربعة أيام، فلم يجز له القصر، كالتاجر.
٣٨٠٩ - قلنا: لا نسلم هذا؛ لأن التاجر إذا نوى أربعة أيام لم يصر مقيما.
٣٨١٠ - فإن قالوا: يصير مقيما، فكذلك المحارب.
стр. 825
٣٨١١ - فالجواب: إن] نوى إقامة خمسة عشر يوما، فالمعنى في التاجر أن إقامته في دار الحرب متعلقة باختياره، فصار كنية الإقامة في دار الإسلام، والمحارب إقامته لا تتعلق اختياره، فصار كالعبد مع مولاه.
* * *
стр. 826
مسألة ٢١٤
يجوز للمسافر أن يصلي ركعتين وإن لم ينو القصر
٣٨١٢ - قال أصحابنا: يجوز للمسافر أن يصلي ركعتين وإن لم ينو القصر.
٣٨١٣ - وقال الشافعي: لا يجوز إلا أن ينوي القصر مع نية الصلاة.
٣٨١٤ - وهذا فرع على أصلنا: أن الركعتين أصل الفرض وليس رخصة، وفعل الفرض لا يفتقر إلى نية عدده، كصلاة الفجر.
٣٨١٥ - ولأن الرخصة تارة تكون في نقصان العدد، وتارة في نقصان الأفعال. ومعلوم أن صلاة المومئ والقاعد تجوز من غير نية الإيماء، فكذلك الرخصة في الأعداد تجوز من غير نية الرخصة. ولأنه مؤدي للفرض فلا يحتاج مع نية صلاة معينة إلى نية أخرى، كالظهر والجمعة.
٣٨١٦ - احتجوا: بأن الأصل الإتمام، والقصر رخصة، فإذا أطلق النية لزمه الأربع فلم يجز فعل الركعتين.
٣٨١٧ - وهذا غير مسلم؛ لأن الفرض عندنا في هذه الحالة لا يخير فيه، فإذا أطلق النية لم يلزم بها إلا ركعتان.
стр. 827
مسألة ٢١٥
إذا سافر في آخر الوقت جاز له أن يصلي صلاة المسافر
٣٨١٨ - قال أصحابنا: إذا سافر في آخر الوقت جاز له أن يصلي صلاة المسافر.
٣٨١٩ - وقال الشافعي: إن كان بقي من الوقت ما يصلي فيه أقل من أربع ركعات لزمه الإتمام.
٣٨٢٠ - وهذا فرع على أصلنا: أن الوجوب يتعلق بآخر الوقت مقدار التحريمة، فمتى حصل وقت الوجوب وهو مسافر جاز له أن يصلي صلاة المسافر، كما قبله. ولأنه وقت لو أقام فيه المسافر لم يجز له أن يقصر، فإذا سافر فيه المقيم جاز له القصر، كما لو بقي مقدار أربع ركعات. ولأنه سافر مع بقاء شيء من الوقت، فأشبه إذا سافر في وسط الوقت.
٣٨٢١ - والمخالف بنى على أصله: أن الوجوب يتعلق بأول الوقت ويتضيق إذا بقي من الوقت مقدار أربع ركعات، وإذا استقر الفرض لم يتغير بعد ذلك، وهذا أصل نخالفه فيه.
* * *
стр. 828
مسألة ٢١٦
إذا فاتت الصلاة في حال السفر قضاها في الحضر صلاة السفر
٣٨٢٢ - قال أصحابنا: إذا فاتت الصلاة في حال السفر قضاها في الحضر صلاة السفر.
٣٨٢٣ - وقال الشافعي: يلزمه الإتمام.
٣٨٢٤ - وهذا فرع على أصلنا: أن فعل الركعتين نفس الفرض، وليس برخصة، فإذا فات الوقت استقر الفرض بفواته فلم يتغير عل حاله، وقد قال ﵇: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها). وهذه إشارة إلى الفائتة بصفتها. ولأن كل عدد جاز الاقتصار عليه في حال السفر لم يزد بالإقامة بعد الوقت، كصلاة الفجر. ولا يلزم المسافر إذا حضر الجمعة؛ لأن العدد عندنا [لا يتغير] [بالإقامة]. إنما يتغير بفواتها مع الإمام. ولأن السفر والإقامة كل واحد منهما يطرأ على الآخر، ومعلوم أن ما فات في حال الحضر إذا قضاه في السفر لم يتغير، كذلك ما فات في حال السفر إذا قضاه في [حال] الحضر لم يتغير.
стр. 829
٣٨٢٥ - وحكى ابن المنذر في الاختلاف إجماع الأمة في المقيم إذا سافر بعد الوقت أنه لا يقصر.
٣٨٢٦ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض﴾، وهذا غير ضارب.
٣٨٢٧ - وقد بينا أن صلاة السفر غير مرادة [بالآية].
٣٨٢٨ - قالوا: لأنه مقيم، فلم يكن له القصر، كمن ترك صلاة الحضر في الحضر وتذكرها فيه.
٣٨٢٩ - قلنا: هناك لم يجز إسقاط فرضها حال وجوبها بركعتين ابتداء فلم يجز عند القضاء، ولما جاز في مسألتنا إسقاط الفرض ابتداء بالركعتين جاز عند القضاء.
٣٨٣٠ - قالوا: صلاة ردت إلى ركعتين فوجب أن يكون من شرطها الوقت.
٣٨٣١ - قلنا: يبطل بمن فاتته صلاة في السفر فقضاها في السفر.
٣٨٣٢ - قالوا: القصر إنما يجوز بالمشقة، وقد زالت.
٣٨٣٣ - قلنا: لا نسلم، بل المفعول أصل الفرض، فأما أن يتعلق بالمشقة فلا.
* * *
стр. 830
مسألة ٢١٧
إذا صلى المسافرون خلف المسافر وأحدث الإمام فاستخلف مقيما لم يجز للمؤتم الإتمام
٣٨٣٤ - قال أصحابنا: إذا صلى المسافرون خلف المسافر وأحدث الإمام فاستخلف مقيما، لم يجز للمؤتم الإتمام.
٣٨٣٥ - وقال الشافعي: يلزمه.
٣٨٣٦ - وهذا مبني على أن [أصل] الفرض ركعتان.
٣٨٣٧ - وإنما يلزمه الإتمام بنية الإقامة، أو بالتزام تحريمة الإمام، وهذا المعنى لم يوجد.
٣٨٣٨ - ولأن الإمام الثاني قائم مقام الأول، ولولا ذلك كانت الصلاة مؤداة بإمامين، فصار الأول باقيا.
٣٨٣٩ - احتجوا: بأنه مؤتم بمقيم فأشبه إذا دخل معه في أول الصلاة.
стр. 831
٣٨٤٠ - قلنا: هناك التزم تحريمته فلزمه موجبها، وهنا لم يلتزم تحريمة الإمام الثاني فلم يلزمه موجبها.
٣٨٤١ - قالوا: كل ما لزمه الإتمام أول الصلاة لزمه في أثنائها، كنية الإقامة.
٣٨٤٢ - قلنا: الذي يلزمه في ابتداء الصلاة التزامه تحريمة المقيم، وهذا المعنى لا يوجد حال البقاء.
* * *
стр. 832
مسألة ٢١٨
تجوز الصلاة في السفينة قاعدا وإن قدر على القيام
٣٨٤٣ - قال أبو حنيفة: تجوز الصلاة في السفينة قاعدا وإن قدر على القيام.
٣٨٤٤ - وقالا: لا يجوز إلا من عذر، وبه قال الشافعي.
٣٨٤٥ - لنا: قوله ﵇: (صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم)، ولم يفصل.
٣٨٤٦ - ولا يقال: إن التفصيل حصل بين الصلاتين، وعندنا من صلى قاعدا في السفينة فليس يصلي؛ وذلك أن من صلى الفرض قاعدا من غير عذر فقد أخل بشرط من شرائط الفرض ليس بشرط في النفل، فيكون صلاته نفلا، كمن ترك تعيين النية، أو صلى قبل الوقت، ويدل عليه ما رواه هشام وحماد عن أنس بن سرين أنه خرج مع أنس بن مالك فصلى بهم جماعة في السفينة جالسا على بساط وهم جلوس، صلى بهم ركعتين، فسلم، ثم قام فصلى ركعتين، وذلك في نهر معقل. وروى
стр. 833
جابر قال: كنا مع جنادة بن أبي أمية في البحر وكنا نصلي قعودا نتحرى القبلة في السفر. وهذا صحابيان إذا فعلا ما لا يستدرك من طريق القياس حمل على التوقيف، وإذا لم يعرف لهما مخالف وجب تقليدهما. ولا يقال: روي عن أبي سعيد أنه كان يصلي في السفينة قائما؛ لأن هذا ليس بخلاف إذا كان مخيرا بين الأمرين.
٣٨٤٧ - قالوا: هذه قصة في عين، فيحتمل أنه فعل ذلك لعذر أو لضيق الموضع.
٣٨٤٨ - قلنا: قد روي أنه صلى في الحال قائما، وروي أنه قال: لو شئنا لخرجنا إلى الحد.
٣٨٤٩ - ولا يقال: يجوز أن يكون نافلة؛ لأن النافلة لا تفعل في جماعة إلا في قيام رمضان. ولأنها صلاة جازت مع السير، فلم يكن من شرطها القيام، كصلاة الراكب.
٣٨٥٠ - ولا يقال: إن صلاة الراكب لما جاز فيها ترك الركوع والسجود جاز ترك القيام؛ لأن الراكب يعجز عن القيام والركوع والسجود، وراكب السفينة يشق عليه القيام ولا يشق عليه الركوع والسجود، فلذلك اختلفا.
٣٨٥١ - ولأن راكب السفينة أجري مجرى راكب الدابة في جواز صلاته مع السير، ومجرى من على الأرض في مكان القيام، فأعطي الشبه بينهما في أن له ترك القيام، فلم يجز له ترك ما سواه. ولأن الغالب من القائم في السفينة خوف
стр. 834
الضرر بالقيام؛ لأن رأسه تدور، فتعلق الحكم بالغالب، ولم يعتد بالنادر، كمشقة السفر التي تعلق بها الرخص في حق من لا مشقة عليه.
٣٨٥٢ - ولأن القيام لو لزمه لكان إذا أتى به مع عدم الاستقرار لم يجز، كالراكب.
٣٨٥٣ - احتجوا: بحديث عمران بن الحصين أن النبي ﷺ قال: (صل قائما فإن لم تستطع فجالسا).
٣٨٥٤ - والجواب: أن الخبر يدل على وجوب القيام، وليس فيه تكرار؛ لأن الأمر لا يفيد ذلك.
٣٨٥٥ - قالوا: كل ركن لم يجز تركه في السفينة إذا كانت واقفة لم يجز إذا كانت سائرة، كالركوع والسجود.
٣٨٥٦ - والجواب: أن السفينة إذا وقفت لم يلحق المصلي قائما ضرر، فلم يسقط عنه القيام، وإذا كانت سائرة لحقه الضرر في الغالب فلم يلزمه القيام وإن لم يستقر، فأما الركوع والسجود فلا يلحقه فيهما ضرر بكل حال، فلم يسقط عنه.
* * *
стр. 835
مسألة ٢١٩
إذا خرج الرجل إلى بلد له طريقان، أحدهما: لا يقصر فيه الصلاة والآخر: يقصر في الصلاة فسلك الأبعد، صلى ركعتين
٣٨٥٧ - قال أصحابنا: إذا خرج الرجل إلى بلد له طريقان أحدهما: لا يقصر فيه الصلاة، والآخر: يقصر فيه الصلاة، فسلك الأبعد صلى ركعتين.
٣٨٥٨ - وقال الشافعي: إن سلك الأبعد لغرض قصر، وإن سلك لغير غرض إلا القصر لم يقصر، في أحد قوليه.
٣٨٥٩ - لنا: قوله ﵇: (صلاة المسافر ركعتان حتى يؤوب إلى أهله).
ولأنه إذا طول لغير غرض لا يكون بأكثر ممن سافر ابتداء لغير غرض، فإذا جاز القصر في أحد الموضعين كذلك الآخر. ولأنه سفر صحيح فجاز أن يقصر فيه الصلاة، كما لو سلكه لغرض.
٣٨٦٠ - احتجوا: بأنه لما عدل عن الأقرب لغير غرض صار كمن خرج في الأقرب وجعل يعرج يمينا وشمالا حتى طال سفره.
٣٨٦١ - والجواب: أنه إذا عرج يمينا وشمالا والمسافة لا تقصر في مثلها
стр. 836
الصلاة فلم يعتبر بفعله، وإنما تعتبر المعتاد فيها. وفي مسألتنا المسافة يقصر فيها الصلاة، فالغرض في قطعها غير معتبر، كالسفر لغير غرض.
* * *
стр. 837
مسألة ٢٢٠
إذا سافر الرجل لقصد المعصية- كمن خرج لقطع الطريق أو البغي على الإمام أو العبد يأبق من مولاه- جاز لهم الترخص برخص السفر
٣٨٦٢ - قال أصحابنا: إذا سافر الرجل لقصد المعصية- كمن خرج لقطع الطريق أو البغي على الإمام أو العبد يأبق من مولاه- جاز لهم الترخص برخص السفر.
٣٨٦٣ - وقال الشافعي: إذا أنشأ السفر للمعصية لم يترخص، وإن طرأ العصيان في حال السفر ففيه وجهان. وإن أقام [لمعصية هل يمسح مسح المقيم، فيه وجهان]. [وهل يمسح المسافر مقدار [مسح] المقيم، فيه وجهان].
٣٨٦٤ - والكلام في هذه المسألة يقع في كل رخصة على حيالها: فأما جواز الاقتصار على ركعتين فلقوله ﵇: (صلاة المسافر ركعتان حتى يؤوب إلى أهله).
ولأن كل عدد جاز الاقتصار عليه في حال السفر لم يختلف [حال] الطاعة والمعصية، كصلاة الفجر والجمعة، ولأن فعل الركعتين عندنا أصل الفرض وليس برخصة، فلم يؤثر فيه العصيان، كصلاة الإقامة.
стр. 838
٣٨٦٥ - ولأن الصلاة تفعل في حال الإقامة والسفر، فإذا لم تؤثر المعصية في فعل أحد الفرضين فكذلك الآخر.
٣٨٦٦ - وأما جواز مسح ثلاثة أيام فلقوله ﵇: (يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليها) ولم يفصل. ولأنه مسح أقيم مقام غسل فجاز استباحته في سفر المعصية، كما يجوز في سفر الطاعة، أصله: مسح الجبيرة والتيمم. ولأنه سافر سفرا صحيحا فجاز أن يستبيح مسح المسافر، كالطائع.
٣٨٦٧ - وأما جواز أكل الميتة عند الضرورة فلقوله تعالى: ﴿إلا ما اضطررتم إليه﴾. وروي أن النبي ﷺ سئل عن أكل الميتة فقال: (ما لم تصطحبوا أو تغتقبوا أو تحتفئوا بقلا بشأنكم بها). ولأنه يخشى التلف بترك الأكل، فصار كالطائع. ولأن ترك الأكل حتى يموت معصية، وإقامته على معصية لا يبيحه معصية أخرى، كسائر المعاصي، ولأن المعصية لا تبيح قتله، ولا يجوز له قتل نفسه، فما لا يبيح القتل أولى.
٣٨٦٨ - ولا يقال: إنا لا نأمره بقتل نفسه، لكنا نأمره بالتوبة ثم يأكل فيتوصل إلى إحياء نفسه؛ لأن ترك التوبة معصية ليس لها تعلق بالأكل، وقتل نفسه
стр. 839
معصية، ففعل إحداهما لا يجوز الأخرى.
٣٨٦٩ - ولأن هذا يؤدي إلى أن لا تباح الميتة للعاصي المقيم والكافر ما لم يقدم الإيمان. ولأن الميتة في حق المضطر كالطعام المباح [في حق القادر، ومعلوم أن العاصي لا يجوز له ترك المباح]، فكذلك لا يجوز له ترك الميتة عند العجز. ولأن أكل الميتة يقف على الضرورة وليس له تعلق بالسفر، فصار كسائر الرخص التي يستوفيهن المسافر والمقيم.
٣٨٧٠ - وأما الدليل على جواز الفطر في رمضان فلقوله تعالى: ﴿[أو على سفر] فعدة من أيام أخر﴾، وقوله ﵇: (إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة والصوم). ولأنه سافر سفرا صحيحا فجاز له الفطر، كالطائع. ولأن السبب المبيح للفطر لا يختلف أن يكون بمعصية أو طاعة. كالمرض.
٣٨٧١ - وأما الصلاة على الراحلة: فلقوله تعالى: ﴿فإن خفتم فرجالا أو ركبانا﴾ ولأن كل من جاز له [ترك] القيام إذا كان طائعا جاز وإن كان عاصيا، كالمريض.
٣٨٧٢ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم فإن الله غفور رحيم﴾ وقوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾،
стр. 840
قالوا: حظر الله تعالى الميتة، وأباحها بشرط، وهو ترك الإثم، ولا يجوز استباحتها مع فقد الشرط.
٣٨٧٣ - والجواب: أن قوله تعالى: ﴿فمن اضطر في مخمصة﴾ شرط لا يجوز أن يكون جوابه: ﴿فإن الله غفور رحيم﴾، وكذلك قوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ﴾ فلا يجوز/ أن يكون جوابه ﴿فلا إثم عليه﴾. فإن الضرورة لا تعود إلى فعله، فعلم أن [في] الآية جوابا محذوفا، فيصير تقدير الآية: فمن اضطر [في مخمصة فأكل غير متجانف لإثم، فيكون الإثم صفة للأكل. وعلى قولهم: فمن اضطر] غير متجانف فأكل، فيصر الإثم صفة له قبل أكله. وإذا احتمل إضمار الأمرين سقط التعلق به، وما لناه أولى؛ لأن الأكل عندنا لا يباح إلا بشرط ترك الإثم فيه، وعندهم قد يباح للآثم الأكل إذا لم يكن الإثم في سفره. ومن حمل اللفظ على العموم كان أولى. وهذا التقدير يتقدر في قوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد﴾. ويجاب عنه أيضا بأن البغي لا يجوز حمله على البغي على الإمام؛ لأن هذه الآية نزلت على النبي ﷺ فلابد أن تكون تلك الحال مرادة بها، والباغي على النبي ﷺ كافر. ولأن الأكل قد جرى له ذكر، والسفر لم يجر له ذكر، فكان حمل البغي على الأكل المراد بالآية أولى.
٣٨٧٤ - ولا يجوز أن يقال: إنه حمل اللفظ على التكرار؛ لأنا نحمل البغي على من قصد الأكل ليشبع، والعدوان على من تعدى سد الرمق، فيكون كل واحد من اللفظين محمولا على فائدة أخرى.
٣٨٧٥ - قالوا: معنى لم يوجد أكثره له تأثير في إسقاط الصلاة، فوجب أن يتنوع نوعين: مؤثرا وغير مؤثر، كزوال العقل.
٣٨٧٦ - قلنا: هذا يبطل بالدخول في الجمعة؛ لأنها تؤثر في إسقاط ما زاد على
стр. 841
عدد الركعتين ولا يتنوع. وكذلك الكفر الأصلي يسقط الصلاة ولا يتنوع عندنا؛ لأن القليل منه لا يسقط، وهو من نوعه.
٣٨٧٧ - قالوا: معصية، فوجب أن يتعين بها فرض الصلاة، كالمسابقة في المعصية.
٣٨٧٨ - قلنا: المسابقة يتعين بها الفرض؛ لأنه يجوز أن يؤخر الصلاة لأجلها إذا كان يخاف على نفسه ترك القتال، ولأن المعصية في مسألتنا لا يتعين الفرض بها عندنا، وإنما يتعين بالمشقة التي تلحق السفر، وذلك ليس بمعصية. ولأن المسابقة في المعصية مأمور بتركها، فلا يجوز أن يتشاغل بها عن فعل الصلاة، والمسافر في المعصية غير مأمور بترك السفر، وإنما هو مأمور بترك المعصية.
٣٨٧٩ - قالوا: التخفيف بالسفر رخصة، فإذا أتاه عاصيا فيريد أن يستبيح بالمعصية الرخص، وهذا لا يصح.
٣٨٨٠ - قلنا: هذا يبطل بمن غصب خفا فلبسه ليمسح عليه؛ فإنه يتوصل بالعصية إلى الرخصة، ومع ذلك يجوز، وكذلك من كسر رجله ليصلي قاعدا.
٣٨٨١ - قالوا: ترك القيام يتعلق بالعجز، وليس ذلك بمعصية.
٣٨٨٢ - قلنا: وجواز القصر يتعلق بالمشقة، وليس ذلك بمعصية، وإنما السفر سبب فيها، كما أن لبس الخف المغصوب سبب في الرخصة.
* * *
стр. 842
مسألة ٢٢١
لا يجمع المسافر بين الصلاتين في وقت إحداهما
٣٨٨٣ - قال أصحابنا: لا يجمع المسافر بين الصلاتين في وقت إحداهما.
٣٨٨٤ - وقال الشافعي: هو مخير: إن شاء صلى الظهر والعصر في وقت الظهر، وإن شاء صلاهما في وقت العصر، وكذلك المغرب والعشاء: إن شاء صلاهما في وقت المغرب، وإن شاء صلاهما في وقت العشاء.
٣٨٨٥ - لنا: ما روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: (إن للصلاة أولا وآخرا، وإن أول وقت الظهر حين تزول الشمس، وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر، وأول وقت العصر حين يدخل وقتها، وآخر وقتها حين تصفر الشمس).
стр. 843
٣٨٨٦ - وروى أبو قتادة عن النبي ﷺ أنه قال: (ليس في النوم تفريط، إنما التفريط أن يؤخر الصلاة إلى وقت أخرى). وروى عبد الله بن مسعود قال: ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاة لغير ميقاتها [إلا صلاة بجمع وصلاة بالمزدلفة، وصلاة الصبح من الغد قبل ميقاتها]. وقد كان ابن مسعود يصحب النبي ﷺ في السفر والحضر، فلو كان يجمع بين الصلاتين لم يخف عليه. ومن أصحابنا من حكي عن مسند الحسن بن سفيان حديثا عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: (من جمع بين صلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر)، وذكره الدارقطني أيضا. ولأن كل صلاتين لا يجمع بينهما في الحضر من غير مطر لم يجمع بينهما في السفر، كصلاة الفجر والظهر.
٣٨٨٧ - ولأنهما صلاتان لا يجوز للعاصي في سفره أن يجمع بينهما، فلم يجز لغير العاصي، كالعشاء والفجر. ولأنها صلاة مؤقتة، فلم يجز تقديمها على وقتها
стр. 844
الموضوع لها لأجل السفر، كالظهر. ولأنها عبادة تختص بوقت فلم يجز تقديمها على وقتها لأجل السفر، كصلاة رمضان.
٣٨٨٨ - ولأن السفر عذر واحد، فلم يجز أن يؤثر في الصلاة من وجهين، كالمرض والخوف، بيان ذلك أن السفر متى أثر في أعداد الركعات لم يؤثر في أوقاتها، [كالمرض] المؤثر في صفات الأركان لا يؤثر في الأعداد، وكذلك الخوف المؤثر في الصفات لا يؤثر في الأعداد. ولأن وقت العصر يفسق بتأخير الظهر إليه من غير سفر ولا مطر، فلم يجز له التأخير إليه لأجل السفر، كوقت المغرب.
٣٨٨٩ - ولا يقال: المعنى في سائر الصلوات أنه لا يجمع بينهما بحق النسك، فكذلك بحكم السفر، ولما جاز الجمع بين الظهر والعصر بحق النسك جاز الجمع بينهما بحق السفر، وذلك أن الجمع عندهم ليس بحق النسك، وإنما هو لأجل السفر، ولذلك لا يجوز للمقيم عندهم.
٣٨٩٠ - فلم يصح هذا التعليل على هذا القول، وعلى القول الآخر لا يصح؛ لأن النسك لما كان عذرا في الجمع كان مؤثرا من وجه واحد، فلم يؤثر في الأعداد، فعلى هذا إذا أثر السفر في الأعداد لم يؤثر في الجمع.
٣٨٩١ - قالوا: الفجر والظهر لا يتصل وقتهما، فلذلك لا يجمع بينهما، والظهر والعصر يتصل وقتهما، فلذلك جمع بينهما.
٣٨٩٢ - قلنا: صلاة العشاء والفجر يتصل وقتهما، فلا يجمع بينهما عندكم.
٣٨٩٣ - احتجوا: بما رواه كريب عن ابن عباس أنه قال: ألا أخبركم بصلاة رسول الله ﷺ في السفر، كان إذا زالت الشمس وهو في منزله جمع بين الظهر والعصر في الزوال، فإذا سافر قبل الزوال أخر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر.
стр. 845
٣٨٩٤ - والجواب: أن هذا الخبر رواه الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن كريب عن ابن عباس، قال البستي: الحسين بن عبد الله يقلب الأسانيد ويرفع المراسيل. وقال يحيى بن معين: هو ضعيف. فلا يجوز الاحتجاج بمثل هذا الخبر في إسقاط الوقت الذي ثبت من طريق الاستفاضة، لاسيما ابن مسعود أكثر صحبة للنبي ﷺ وأضبط من ابن عباس لأفعال النبي ﷺ ، وهو يقول: ما صلى رسول الله ﷺ صلاة لغير ميقاتها. ثم قوله: جمع بينهما في الزوال، متروك الظاهر؛ لأن فعل الصلاة في الزوال لا يجوز، فكان في الخبر إضمار، فإن أضمروا؛ يجمع بينهما فيما يلي الزوال.
٣٨٩٥ - وأما قوله: أخر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر لوقت العصر، معناه: أخر الظهر إلى آخر وقتها وفعل العصر أول وقتها، فيكون جامعا بينهما في وقت العصر؛ [ألا ترى أن الجمع يقع بفعل الثانية، فإذا كان ذلك في وقت العصر] أضيف الجمع إليه وإن لم يفعل فيه إلا إحدى الصلاتين.
٣٨٩٦ - ولا يقال: إن الجمع عندكم لا يكون إلا على وجه واحد، والخبر يقتضي جمعا على صفتين.
٣٨٩٧ - قلنا: المراد بالخبر عندنا الجمع بين الصلاتين في نزول واحد. فالجمع
следующие страницы →