Полный текст (6 324 стр.). Показаны 876–915 · переход к 881.
стр. 876
فعل الخطبة في حق المؤتم لم يعتبر حضوره. ويبطل هذا بالشهادتين؛ لأنها شرط في افتتاح الجمعة، والعدد ليس بشرط فيها.
٤٠٣٥ - قالوا: الخطبة أقيمت مقام ركعتين؛ بدلالة أنه لو لم يخطب صلى الظهر أربعا، فإذا كان العدد شرطا في الركعتين كان شرطا في الخطبتين.
٤٠٣٦ - والجواب: أنا لا نسلم أن الخطبة قائمة مقام شيء من الصلاة، وليس إذا كانت شرطا في الجمعة قامت مقام ركعتين، كالعدد والإمام.
* * *
стр. 877
مسألة ٢٣٢
لا يكره السفر يوم الجمعة قبل الزوال وبعده
٤٠٣٧ - قال أصحابنا: لا يكره السفر يوم الجمعة قبل الزوال وبعده. وقال محمد في السير الكبير: إلا أن يكون لا يفارق البلد حتى يخرج وقت الجمعة، فهذا لا يجوز له تركها.
٤٠٣٨ - وقال الشافعي: لا يجوز السفر بعد الزوال. وبعد طلوع الفجر قبل الزوال على قولين.
٤٠٣٩ - لنا: ما روي أن النبي ﷺ لما جهز جيش مؤتة أمرهم بالخروج يوم الجمعة، فلما صلى رأى عبد الله بن رواحة، فقال له: (ما أخرك؟). فقال: أشهد الجمعة ثم أروح، فقال: (لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها)، قال: فراح منطلقا.
стр. 878
٤٠٤٠ - ولا يجوز أن يقال: [إن] هذا كان قبل الزوال؛ لأنه روي أنه صلى معه، ولو لم يرو كان اللفظ عاما.
٤٠٤١ - ولا يقال: إن الخلاف في السفر المباح، فأما الواجب فيجوز ترك الجمعة لأجله؛ وذلك لأن الغدو لا يجب إلا إذا تعين. وقوله ﵇: (غدوة في سبيل الله) عام فيما تعين وجوبه وفيما لم يتعين. وقد روى الأسود ن قيس عن أبيه عن عمر ﵁ قال: لا تحبس الجمعة عن سفر، قال الطحاوي: ولا نعلم عن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ في هذا خلافا.
٤٠٤٢ - ولأنه لما جاز السفر في وقت العصر من هذا اليوم جاز في وقت الظهر، أصله: سائر الأيام. ولأنه سافر قبل حضور آخر الوقت، فصار كما لو سافر قبل طلوع الفجر. ولأنه ليس في ذلك أكثر من سقوط الوجوب بسفره، وهذا لا يكره، كالسفر في رمضان.
٤٠٤٣ - احتجوا: بأن الجمعة تجب بالزوال فلم يجز التشاغل بما يسقطها، كترك فعلها حتى تفوت.
٤٠٤٤ - والجواب: أنا لا نسلم أنها تجب بالزوال؛ لأن الوجوب عندنا يكون بآخر الوقت. ولأنه إذا تشاغل عن فعلها من غير سفر فلم يوجد معنى يؤثر في إسقاطها، وإذا سافر فالسفر يؤثر في ذلك، وفرق بين الأمرين في الأصول؛ بدلالة من سافر في رمضان جاز له ترك الصوم، ولو أراد تركه مع الإقامة لم يجز.
* * *
стр. 879
مسألة ٢٣٣
إذا دخل الرجل والإمام يخطب يوم الجمعة لم يصل تحية المسجد
٤٠٤٥ - قال أصحابنا: إذا دخل الرجل والإمام يخطب يوم الجمعة لم يصل تحية المسجد.
٤٠٤٦ - وقال الشافعي: يركع ركعتين خفيفتين لا يزيد عليهما.
٤٠٤٧ - لنا: قوله تعالى: ﴿وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾، وروي أن ذلك نزل في شأن الخطبة، وروي أنه نزل في شأن الصلاة، فيحمل عليهما.
٤٠٤٨ - ولا يقال: إنه يجمع بين الصلاة والاستماع؛ لأن الاشتغال بالصلاة والقراءة فيها تنفي الاستماع، فلذلك لا تجوز القراءة والزيادة على الركعتين. ولأنه أمر بالإنصات والاستماع، والمصلي لا ينصت.
٤٠٤٩ - وروي أن النبي ﷺ قال: (إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب: أنصت،
стр. 880
فقد لغوت)، ومعلوم أن الأمر بالإنصات واجب، وقد جعله ﵇: لغوا لأنه يشغل عن الخطبة.
٤٠٥٠ - وروى ابن عباس قال: بينما رسول الله ﷺ يوم الجمعة يخطب إذ تلا آية فقال رجل إلى جنب ابن مسعود: متى نزلت هذه الآية، ما سمعتها إلا الساعة؟ فقال ابن مسعود: سبحان الله! فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة قال ابن مسعود: (إنك لم تجمع معنا)، فانطلق الرجل إلى رسول الله ﷺ فأخبره بما قال ابن مسعود، قال: (صدف ابن أم عبد). ومعلوم أن السؤال عن تاريخ نزول الآية واجب في ذلك الوقت؛ لأنه يكون نسخا، فإذا كان الواجب الذي يشغل عن الاستماع غير مشروع فيه، فالنفل أولى.
٤٠٥١ - ويدل عليه حديث ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: (إذا خرج الإمام فلا صلاة ولا كلام).
٤٠٥٢ - ولأن استماع الخطبة واجب وفعل الركعتين نفل، والفرض لا يجوز تركه بالنفل. ولأنها صلاة غير مستحقة فمنعه منها الخطبة، كالزيادة على الركعتين.
٤٠٥٣ - ولا يلزم الفائتة؛ لأنها مستحقة. ولأن كل حالة لا يجوز [فيها الزيادة]
стр. 881
على ركعتين لأجل الخطبة لا تجوز الركعتين، أصله: إذا أدرك آخر الخطبة فخاف [أن] يفوته بعض الصلاة مع الإمام.
٤٠٥٤ - ولأنه ذكر جعل شرطا في صحة الجمعة فوجب أن يمنع من النفل، كالتكبيرة والقراءة.
٤٠٥٥ - احتجوا: بحديث جابر ﷺ قال: دخل سليك الغطفاني يوم الجمعة والنبي ﷺ يخطب فقال [له]: (أصليت؟) فقال: لا، قال: (صل ركعتين).
٤٠٥٦ - والجواب: أن ابن عبدل قال: روى/ أيوب عن عامر [عن] ابن عمر أن النبي ﷺ أمر سليكا الغطفاني أن يصلي ركعتين، ثم نهى عن الصلاة والإمام يخطب. قال: رواه محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح عن مجاهد عن جابر أن النبي ﷺ كان يخطب، فجاء سليك فقال له النبي ﷺ : (قم فاركع ركعتين ولا تعد لمثل هذا).
٤٠٥٧ - وهذا يدل على نسخ الفعل، أو على أنه اختص بذلك. وقد روى ليث عن أبي الزبير عن جابر قال: جاء سليك يوم الجمعة ورسول الله ﷺ قاعد على المنبر،
стр. 882
وهذا يدل على أنه صلى ورسول الله ﷺ ممسك عن الخطبة؛ لأنه كان لا يخطب قاعدا، فقد ذكر الدارقطني حديث أبي معشر عن محمد بن قيس أن النبي ﷺ لما أمره أن يصلي أمسك عن الخطبة حتى فرغ من ركعتيه ثم عاد إلى الخطبة.
٤٠٥٨ - ولا يقال: إن عندكم إذا خرج الإمام لم تجز الصلاة وإن لم يخطب فكيف في حال الخطبة؛ وذلك لأنا لا نجوز ذلك؛ لأن الإمام غير منتظر، فهو يبتدئ بالخطبة فينقطع عن السماع، وهاهنا النبي ﷺ ترك الخطبة فأمن أن يعود إليها وهو يصلي. ويجوز أن يكون هذا في حال إباحة الكلام في الصلاة وفي حال الخطبة، ومتى جاز الكلام جازت الصلاة، يبين ذلك أن النبي ﷺ تكلم في خطبته.
٤٠٥٩ - ويحتمل أن يكون في يوم جمعة يخطب غير خطبة الجمعة، فلا يمنع من الصلاة. وما رواه أن النبي ﷺ قال: (إذا دخل أحدكم والإمام يخطب فليصل ركعتين) محمول على الحالة التي كان الكلام مباحا في الصلاة وفي حال الخطبة.
٤٠٦٠ - قالوا: روي أن أبا سعيد الخدري ﵁ جاء ومروان يخطب، فقام فصلى ركعتين فجاء إليه الأحراس يجلسوه فأبى أن يجلس، فلما قضى صلاته أتيناه فقلنا: يا أبا سعيد كاد هؤلاء أن يفعلوا بك فقال: ما كنت لأدعهما لشيء بعد شيء رأيته من رسول الله ﷺ ، جاء رجل وهو يخطب فدخل المسجد بهيئة بذة فقال:
стр. 883
(أصليت؟) قال: لا، قال: (فصل ركعتين)، وحث الناس على الصدقة، فألقوا ثيابا، فأعطاه رسول الله ﷺ منها ثوبين، فلما كانت الجمعة الأخرى جاء الرجل والنبي ﷺ يخطب فقال له: (ما صليت؟ فقال: لا، فقال: (صل ركعتين)، ثم حث الناس على الصدقة، فطرح أحد ثوبيه، فصاح به رسول الله ﷺ ، وقال: (خذه).
٤٠٦١ - والجواب: أن هذا يحتمل أن يكون حالة إباحة الكلام، أو في غير خطبة الجمعة، والدليل عليه أن النبي ﷺ قال: (انظروا إلى هذا، جاء تلك لجمعة بهيئة بذة، فأمرت الناس بالصدقة، فطرحوا ثيابا، فأعطيته منها ثوبين، فلما جاءت الجمعة أمرت الناس بالصدقة فجاء فألقى أحد ثوبيه)، وهذا كلام من النبي ﷺ في حال الخطبة، فدل على ما قلناه. وجملة هذا أن هذه الأخبار محتملة للتأويل، مخالفة للمشهور من فعل السلف، فلا يعترض بها. وقد روي عن علي ﵁ أنه قال: أخطأ السنة من صلى والإمام يخطب.
٤٠٦٢ - قالوا: لأنه ممن يصح منه الصلاة لا يخاف فواتها دخل موضعا بني لها فوجب أن يصلي في الخطبة، كما قبل الخطبة.
٤٠٦٣ - والجواب: أن هذا ينتقض بمن دخل حال التحريمة. ثم إن ما قبل الخطبة غير مسلم إذا خرج الإمام. وقبل خروج الإمام لما جاز الزيادة على الركعتين جازت
стр. 884
الركعتان، ولما لم تجز الزيادة في حال الخطبة على ركعتين كذلك الركعتان.
٤٠٦٤ - قالوا: تحية المسجد، فلا يمنع منه الخطبة، كالطواف.
٤٠٦٥ - قلنا: غير مسلم، ولا يجوز الطواف في حال الخطبة.
٤٠٦٦ - قالوا: إذا أتى بالتحريمة حفظها ولم يفت [الإنصات، وإذا أنصت ضيع التحية، فكان حفظ الأمرين أولى.
٤٠٦٧ - قلنا: الإنصات] مع الصلاة محال. [و] لأنه يأتي بالواجب ويترك النفل فكان أولى من فعل النفل وترك بعض الواجب.
* * *
стр. 885
مسألة ٢٣٤
يكره للمعذور أن يصلي الظهر يوم الجمعة في جماعة
٤٠٦٨ - قال أصحابنا: يكره للمعذور أن يصلي الظهر يوم الجمعة في جماعة.
٤٠٦٩ - وقال الشافعي: لا يكره. وقال في الأم: يخفونها حتى لا يظن بهم أنهم رغبوا عن الصلاة مع الإمام.
٤٠٧٠ - لنا: أن الناس في سائر الأعصار يغلقون المساجد يوم الجمعة ولا يجمعوا فيها الظهر ولا تخلو ممن لا يلزمه الفرض، فلو جاز الجمع لم يترك. ولأن في إباحة فعلها في جماعة تسهيل لترك الجمعة؛ لأنهم يتبعهم من ليس بمعذور فيصلي معهم، فحسمت المادة في ذلك. [ولأنهم صلوا الظهر في المصر يوم الجمعة جماعة فيكره ذلك لمن ليس بمعذور]. ولأنه لما كره إظهار الجماعة كره فعلها، كالنوافل في غير رمضان.
٤٠٧١ - وما روي عن النبي ﷺ من الحث على الجماعة منصرف إلى الصلوات التي خوطب العامة بفعلها في جماعة، وهذا لا يوجد في مسألتنا.
٤٠٧٢ - ولا يقال لمن لم يلزمهم الجمعة: صاروا كأهل الصلوات كلها؛ وذلك لأن تلك الصلوات خوطب العامة بفعلها في جماعة، وهذه خوطب العامة بتركها، فكان الأقل تابعا للأكثر.
стр. 886
مسألة ٢٣٥
يكره الكلام إذا خرج الإمام
٤٠٧٣ - قال أبو حنيفة: يكره الكلام إذا خرج الإمام.
٤٠٧٤ - وقال أبو يوسف ومحمد: لا يكره ما لم يأخذ في الخطبة، وهو قول الشافعي.
٤٠٧٥ - لنا: ما روى [ابن عمر] أن النبي ﷺ قال: (إذا خرج الإمام فلا صلاة ولا كلام).
٤٠٧٦ - وذكر الطحاوي عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيب إن كان عنده ولبس من أحسن ثيابه ثم خرج حتى يأتي المسجد فلم يتخط رقاب الناس ثم ركع ما شاء الله أن يركع وأنصت إذا خرج الإمام، كانت كفارة ما بينها وبين الجمعة التي قبلها).
٤٠٧٧ - ولأن كل حالة منع من الصلاة فيها لأجل الخطبة فإنه يكره الكلام، كحال الخطبة.
٤٠٧٨ - ولا يقال: إن الصلاة منع منها لأنه يخطب الإمام فلا يقدر على قطعها، والكلام يمكن قطعه؛ لأن الإمام إذا كان شيخا كبيرا يعلم أنه لا يقدر على بلوغ المنبر
стр. 887
حتى يصلي ركعتين خفيفتين لم تجز الصلاة وإن أمن ما ذكروه.
٤٠٧٩ - ولا يقال: إن المعنى في حال الخطبة أنه ينقطع عن السماع؛ لأنه يكره الكلام في الجلسة بين الخطبتين وإن كان لا يسمع خطبة.
٤٠٨٠ - ولأن ما نهي عنه في حال الخطبة كان منهيا عنه إذا خرج الإمام قبل الخطبة، أصله: الصلاة.
٤٠٨١ - احتجوا: بما روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: (إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت). وهذا يقتضي أن حال الخطبة يخالف ما قبله.
٤٠٨٢ - والجواب: أن هذا لا دلالة فيه؛ لأن الحكم إذا علق بشرط عندنا لم يدل على نفي ما عداه. ولأن الخلاف في الكلام المباح، والأمر بالإنصات واجب، فيجوز أن يقال: إنه لغو في حال الخطبة وليس بلغو قبلها.
٤٠٨٣ - قالوا: روى السائب بن يزيد قال: رأيت عمر بن الخطاب ﵁ يتحدث يوم الجمعة والمؤذنون يؤذنون. وعن عثمان مثله، وعن ثعلبة بن أبي مالك قال: كنا نصلي يوم الجمعة حتى يخرج عمر، فإذا خرج وجلس على المنبر فأذن المؤذنون جلسنا نتحدث، حتى إذا سكت المؤذنون قام عمر فسكتنا فلم يتكلم أحد.
٤٠٨٤ - والجواب: أنه روي عن ابن مسعود وابن عباس كراهة الصلاة والكلام في هذه الأوقات، ويحتمل أن يكون عمر تحدث والمؤذن يؤذن خارج المسجد، أو
стр. 888
يكون تكلم بما لابد منه، ومن أصحابنا من قال: إن الإمام يجوز له أن يتكلم في هذا الوقت بما لابد منه، وإن لم يجز للمؤتم.
٤٠٨٥ - احتجوا: بما روي أن النبي ﷺ كان ربما نزل عن المنبر وقد أقيمت الصلاة فيقوم له الرجل فيحدثه حديثا طويلا ثم يتقدم إلى الصلاة.
٤٠٨٦ - والجواب: أن هذا يحتمل أن يكون في حال إباحة الكلام في الخطبة.
٤٠٨٧ - قالوا: حالة قبل الخطبة، فوجب أن لا يحرم فيها الكلام، كما قبل ظهور الإمام.
٤٠٨٨ - والجواب: أن المعنى فيه أن الصلاة لا تكره، فكذلك الكلام.
٤٠٨٩ - قالوا: لو كان الكلام محرما وجب أن يكون منوعا من الأذان، كحال الخطبة.
٤٠٩٠ - قلنا: الأذان سنة، وليس إذا جاز المشروع من الذكر جاز الكلام، كما يجوز للإمام أن يخطب الخطبة [ولا يجوز لغيره أن يتكلم].
٤٠٩١ - [قالوا: الإنصات إنما هو إلى الخطبة، فوجب أن يكون حين الخطبة].
٤٠٩٢ - قلنا: هذا يبطل بالعقدة بين الخطبتين، أن الإنصات واجب وإن لم يسمع الخطبة.
* * *
стр. 889
مسألة ٢٣٦
إذا أحدث الإمام في الجمعة استخلف من يصلي الجمعة
٤٠٩٣ - قال أصحابنا: إذا أحدث الإمام في الجمعة استخلف من يصلي الجمعة.
٤٠٩٤ - وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يجوز.
٤٠٩٥ - لنا: ما روي أن النبي ﷺ أمر أبا بكر ﵁ أن يصلي بالناس ثم وجد في بعض الأيام [في نفسه] خفة فخرج فوقف عن يسار أبي بكر فابتدأ بالقراءة من الموضع الذي انتهى أبو بكر إليه. فدل على جواز الاستخلاف وفعل الصلاة بإمامين.
٤٠٩٦ - وروي أن النبي ﷺ خرج يصلح بين بني عمرو بن عوف فقدم الناس أبا بكر [﵁] فلما رجع رسول الله [ ﷺ ] رآه الناس صفقوا، فالتفت أبو بكر، فرأى النبي ﷺ فتأخر، فقال له النبي/ ﷺ : (مكانك)، فتأخر أبو بكر وتقدم رسول الله ﷺ ، فلما قضى صلاته قال له: (ما منعك أن تقف؟) فقال أبو بكر ﵁: ما كان الله ليرى ابن أبي قحافة يتقدم بن يدي رسول الله ﷺ . ولأن
стр. 890
الجماعة تنتظم الإمام والمأموم، فإذا جاز أن يخلف الإمام غيره جاز أن يخلف الإمام غيره. ولأن حدث المأموم لم يغير الصلاة عن حكم الجماعة، كذلك حدث الإمام، بعلة اشتراكهما فيها.
٤٠٩٧ - احتجوا: بما روي أن النبي ﷺ كبر بأصحابه ثم تذكر أنه جنب فأشار إليهم: كما أنتم، ودخل الحجرة واغتسل وخرج ورأسه يقطر ماء، فصلى بهم. ولو جاز الاستخلاف لاستخلف. وروى عن عمر أنه أحرم [وتذكر أنه جنب، قال: كما أنتم، وخرج فاغتسل وعاد فصلى. وعن علي أنه أحرم] ثم خرج وتطهر ورجع فأتم صلاته.
٤٠٩٨ - والجواب: أنا قد بينا أن النبي ﷺ استأنف الصلاة بعد العود. ولو ثبت ما قالوه لم يدل؛ لأنه لم يصح دخوله في الصلاة لأجل الجنابة؛ فلذلك لم يستخلف، وإنما الخلاف فيمن صح دخوله ثم أحدث.
٤٠٩٩ - قالوا: صلاة بإمامين فلم تجز، كما لو استخلف في الجمعة من لم يدخل معه فيها.
٤١٠٠ - قلنا: يجوز استخلافه عندنا.
٤١٠١ - قالوا: جواز الاستخلاف يفضي إلى المناقضة؛ لأن من حكم المأموم أن لا يجهر بالقراءة ولا يزيد على الفاتحة ولا يسجد إذا سها، فإذا صار إماما
стр. 891
تغيرت هذه الأحكام.
٤١٠٢ - قلنا: غير ممتنع؛ لأن المسبوق إذا قام يقضي تغير حكمه: يجهر بالقراءة ويسجد للسهو، فإذا كان قبل ذلك لا يفعل.
٤١٠٣ - ولا يجوز أن يقال: لو جاز الاستخلاف لكان الإمام إذا فرغ من صلاته وخلفه مسبوقون يستخلف من يتم بهم؛ وذلك لأن خليفة الإمام يقوم مقامه، وهو لا يجوز أن يؤم المسبوق فيما يقضيه، فلم يجز لخليفته. ولأن المسبوق قد اقتضت تحريمته أن يفعل ما سبق به على الانفراد، فإذا فعله في جماعة [تغير حكم التحريمة. وفي مسألتنا: التحريمة أوجبت فعل الصلاة في جماعة] فالاستخلاف لا يغير حكمها.
* * *
стр. 892
مسألة ٢٣٧
السنة في الخطبة أن يخطب قائما فإن خطب جالسا مع القدرة جاز
٤١٠٤ - قال أصحابنا: السنة في الخطبة أن يخطب قائما، فإن خطب جالسا مع القدرة جاز.
٤١٠٥ - وقال الشافعي: لا يجوز.
٤١٠٦ - لنا: قوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾، ولم يفصل. ولأنه ذكر يتقدم التحريمة، فلم يكن من شرطه القيام، كالأذان.
٤١٠٧ - ولا يقال: المعنى في الأصل أنه ليس بواجب، فلذلك لم يجب فيه القيام؛ لأنه لا يمتنع أن يكون الشيء واجبا في نفسه فإذا فعله لم يصح إلا بشرائط، كصلاة النافلة.
٤١٠٨ - ولأنه ذكر لا يعتبر فيه استقبال القبلة بحال، فلا يجب فيه القيام، كالشهادتين، ولأنه إنشاء لذكر الله تعالى على وجه التعظيم، فأشبه إذا كان قائما. ولأن المقصود من القيام المبالغة في سماع الصوت، فصار كصعود المنبر.
٤١٠٩ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿وتركوك قائما﴾، وهذا يدل على اعتبار القيام.
٤١١٠ - والجواب: أن هذا خبر عما كان عليه النبي ﷺ في تلك الخطبة،
стр. 893
وذلك لا يدل على الوجوب أو غيره.
٤١١١ - قالوا: روى جابر بن سمرة أن رسول الله ﷺ كان يخطب قائما ثم يجلس ثم يقوم فيخطب قائما، فمن حدثك أنه كان يخطب جالسا فقد كذب. وروى جابر وابن عمر: أن النبي ﷺ كان يخطب يوم الجمعة قائما يفصل بجلوس، قالوا: وقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ مجمل، ففعله ﵇ كان بيانا له.
٤١١٢ - والجواب: أن هذا ليس بمجمل؛ لأنه يقتضي وجوب السعي إلى ذكر الله تعالى، فيفيد كل ما يتناوله الاسم، وإذا لم يكن مجملا يخرج فعله من أن يكون بيانا.
٤١١٣ - قالوا: فقد قال النبي ﷺ : (صلوا كما رأيتموني أصلي).
٤١١٤ - قلنا: هذا يقتضي إيقاع الفعل كفعله إذا علمت جهته.
٤١١٥ - قالوا: ذكر واجب يختص بالصلاة ليس من شرطه الجلوس، فجاز أن
стр. 894
يكون من شرطه القيام، كالقراءة في الصلاة.
٤١١٦ - قلنا: الأصل غير مسلم؛ لأن القيام ليس من شرائط القراءة عندنا، وإنما يفعل القيام لأنه ركن في نفسه، والقيام في مسألتنا عندهم شرط في الذكر. ويجوز أن يقال: إن القراءة شرط في القيام في الصلاة فلا يمكن قياس الخطبة عليه. ولأن القراءة في الصلاة تابعة للقيام؛ بدلالة أنه قد يجب القيام بغير قراءة، والقيام في مسألتنا تابع للخطبة؛ بدلالة أنه لا يجب دونها، فلم يصح قياس أحدهما على الآخر.
٤١١٧ - قالوا: لأن الخطبتين تقوم مقام ركعتين؛ بدلالة أن من لم يخطب يلزمه الظهر، فإذا كان القيام شرطا في الركعتين فكذلك في الخطبتين.
٤١١٨ - قلنا: لا نسلم الوصف؛ لأن الخطبة لا تقوم مقام ركعتين عندنا. وليس إذا وجبت الظهر لعدم الخطبة كان قائمة مقام بعضها، كما أن الجماعة إذا لم توجد والإمام والاستيطان عندهم والمصر والسلطان عندنا وجبت الظهر، ولم يدل ذلك على أن هذه المعاني تقوم مقام ركعتين.
* * *
стр. 895
مسألة ٢٣٨
إذا خطب الإمام بتسبيحة واحدة جاز
٤١١٩ - قال أبو حنيفة: إذا خطب الإمام بتسبيحة واحدة جاز.
٤١٢٠ - وقال أبو يوسف ومحمد: لا تجوز إلا بما يسمى خطبة.
٤١٢١ - وقال الشافعي لا يجوز إلا بخطبتين تتضمن أربعة أجناس: حمد الله، والصلاة على رسول الله ﷺ ، والعظة، والقرآن.
٤١٢٢ - لنا: قوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾، ولم يفصل، والتسبيحة الواحدة ذكر الله.
٤١٢٣ - وروي أن النبي ﷺ كتب إلى مصعب بن عمير: (إذا مالت الشمس من اليوم الذي يتجهز فيه اليهود لسبتها فاجمع من قبلك من المسلمين وذكرهم بالله، وازدلف بهم إليه ركعتين، ولم يخص ذكرا بعينه أو قدرا بعينه.
٤١٢٤ - وروي عن عمار أنه خطب فأوجز، فقيل له: لو تنفست! فقال: أمرنا رسول الله ﷺ بإقصار الخطب وإطالة الصلاة.
٤١٢٥ - وروى جابر بن سمرة أن النبي ﷺ كان [لا] يطيل الموعظة يوم
стр. 896
الجمعة، وإنما هي كلمات.
٤١٢٦ - [وروي عن عثمان ﵁ أنه صعد المنبر] في أولى جمعة ولي، فقال: الحمد لله. وأرتج عليه، فقال: إنكم إلى إمام فقال: أحوج منه إلى إمام قوال، وإن أبا بكر وعمر ﵄ كانا يعدان لهذا المقام مقالا، وستأتيكم الخطب من بعد واستغفروا الله لي ولكم، بحضرة المهاجرين فلم ينكره أحد. ولأنه أتى بذكر الله تعالى على وجه الخطبة، فأشبه إذا خطب خطبتين. ولأنه ذكر يتقدم الصلاة فلا يفتقر إلى [قراءة] القرآن، كالأذان. ولأنه ذكر جعل شرطا في ابتداء الجمعة فجاز (بالله أكبر)، كالتحريمة.
٤١٢٧ - ولأنه ذكر متعلق بالصلاة فلا يكون من شرطه الوصية والعظة، كسائر [الأذكار].
٤١٢٨ - ونفرض الكلام في أن الذكر اليسير يمسى خطبة، والدليل عليه ما روي أن رجلا قال للنبي ﷺ علمني علما يدخلني الجنة، فقال ﵇: (لئن قصرت الخطبة لقد عرضت المسألة). ولأن الخطبة مأخوذة من مخاطبة الغير، وهذا المعنى موجود في القليل والكثير. ولأن المقصود ذكر الله تعالى على وجه المخاطبة، ولهذا لو طول الذكر ولم يذكر الله تعالى لم يجز، وهذا المعنى موجود في اليسير،
стр. 897
فإذا ثبت هذا قلنا: أتى بما يسمى خطبة، فأشبه إذا خطب خطبتين.
٤١٢٩ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾، وهذا مبهم يحتاج إلى تفسير، وقد بينه النبي ﷺ وفسره، وخطب لنا نقلت فاقتضى ذلك وجوبها.
٤١٣٠ - والجواب: [أن الآية] لا تفتقر إلى البيان؛ لأنها مستقلة بنفسها تفيد كل ما سمي ذكر اسم الله عليه، فلم يسلم الإجمال، فلا يبين إلا مجرد فعله ﵇، وذلك لا يدل على الوجوب.
٤١٣١ - قالوا: ذكر راتب يتقدم صلاة مفروضة، فوجب أن لا يقتصر على كلمة، كالأذان.
٤١٣٢ - قلنا: إنما الأذان لا يجوز الاقتصار على كلمة واحدة فيه على وجه السنة لأنه ليس بواجب، وكذلك لا يجوز الاقتصار في الخطبة مسنونا، والكلام في الفرض. ولأن المقصود بالأذان الإعلام، وذلك لا يوجد في بعض كلماته، والمقصود من الخطبة ذكر الله [تعالى]، وذلك يوجد في بعض الكلام. ولأن الأذان لما اعتبر فيه لفظ محصور لا يجوز مجاوزته لم يجز الاقتصار على بعضه، ولما لم تنحصر الخطبة بذكر لم تنحصر بقدر. وينعكس عليهم فيقال: فلا يكون من شرطه/ قراءة القرآن، كالأذان.
٤١٣٣ - قالوا: الدليل على أن ذكر الخطبة لا يقع على ذكر واحد [أن] من جلس يأكل فقال: (بسم الله)، أو ذبح فقال: (بسم الله)، لم يقل إنه خطب. ولأن العرب جعلت لكل صيغة اسما، فقالت لمن قال (بسم الله): سمى، ولمن
стр. 898
قال الحمد لله: حمد، ولمن قال (لا اله إلا الله): هلل، ولمن قال: (الله أكبر): كبر، ولمن أتى بكلام منظوم: خطبة.
٤١٣٤ - قلنا: هذا كلام في اعتبار الخطبة، وعند أبي حنيفة من شرط الجمعة ذكر الله، فأما الخطبة فلا، وهذه الأفكار كلها أذكار الله. ثم لا معنى لتشاغلهم بما يسمى خطبة.
٤١٣٥ - ولو خطب عندهم خطبة طويلة لم يجز حتى يأتي بخطبتين. ثم ما قالوه ليس بصحيح؛ لأن من سمى على الأكل والذبيحة لم يقصد مخاطبة الغير، ولا يمتنع أن يختلف الاسم بالقصد؛ ألا ترى أن أحدا لا يمتنع أن يقول إذا قال الإمام (الحمد لله): قد خطب، وأسمع الخطبة؛ لأنه يقصد بها المخاطبة. فأما قولهم: إنه يقال لمن قال (لا اله إلا الله): هلل، فلا يمتنع أن يقال [له]: هلل، ويقال: إنه خطب إذا خاطب به الغير.
٤١٣٦ - قالوا: الأصل الظهر، وإنما ينتقل عنها إلى الجمعة بشرائط، فوجب أن لا ينتقل عنها إلا بما أجمعنا عليه.
٤١٣٧ - قلنا: هذا لا يصح على أصلكم؛ لأن الأصل الجمعة، والظهر بدلها. ثم الانتقال عن الأصل يكون بالاتفاق ويكون بالنص، وقد بينا أن الله تعالى شرط فيها ذكره ولم يشرط غيره، فوجب الانتقال بالنص وإن لم يتفق.
* * *
стр. 899
مسألة ٢٣٩
إذا خطب الإمام من غير طهارة جاز ويكره
٤١٣٨ - قال أصحابنا: إذا خطب الإمام من غير طهارة جاز ويكره.
٤١٣٩ - وقال الشافعي في أحد قوليه: لا يجوز.
٤١٤٠ - لنا: قوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾، ولم يفصل. ولأنه ذكر تقدم التحريمة فلم يكن من شرطه الطهارة، كالأذان.
٤١٤١ - ولأنه ذكر في غير الصلاة، كالشهادتين.
٤١٤٢ - ولأنه ذكر يجوز مع استدبار القبلة في جميع الأحوال فلم يشرط فيه الطهارة، كخطب الحج والتسليمة الثانية في الصلاة.
٤١٤٣ - قالوا: ذكر واجب يختص بالصلاة فوجب أن يكون من شرطه الطهارة، كتكبيرة الإحرام.
٤١٤٤ - قلنا: تكبيرة الإحرام ليس من شرطها الطهارة عندنا، ولكن الصلاة تتعقبها، فالطهارة مشروطة لما يتعقبها من الصلاة. ولأنه لما وجب فيه استقبال القبلة وجب الطهارة، ولما كان استدبار القبلة مسنونا في الخطبة لم يكن من شرطها الطهارة.
٤١٤٥ - قالوا: الخطبة أقيمت مقام ركعتين فوجب أن تكون الطهارة من شرطها.
٤١٤٦ - قلنا: هذا غير مسلم. وقد بيناه فيما مضى.
* * *
стр. 900
مسألة ٢٤٠
يقرأ في الجمعة بما شاء ولا يتعين سورة بعينها
٤١٤٧ - قال أصحابنا: يقرأ في الجمعة بما شاء، ولا يتعين سورة بعينها.
٤١٤٨ - وقال الشافعي: يستحب أن يقرأ في الأولى سورة الجمعة، وفي الثانية ﴿إذا جاءك المنافقون﴾.
٤١٤٩ - لنا: قوله تعالى: ﴿فاقرءوا ما تيسر من القرآن﴾، ولم يفصل. وروي أنه ﵇ نهى عن تحزيب القرآن وأن يتخذ من القرآن شيئا مهجورا. وروى النعمان ابن بشير أن النبي ﷺ كان يقرأ في يوم الجمعة على أثر سورة الجمعة: ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾.
стр. 901
٤١٥٠ - وروي أنه كان يقرا بـ ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، و ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ كان يقرأ بسورة الجمعة و ﴿إذا جاءك المنافقون﴾، وهذا يدل على أن القراءة فيها لا تتعين. ولأنها صلاة من الصلوات فلا يسن فيها مع الفاتحة سورة بعينها، كسائر الصلوات. ولأن كل سورة لا تتعين في الظهر لا تتعين في الجمعة، كسائر السور. وأما حديث أبي هريرة فقد بينا أنه قد روي خلافه، فدل على أن القراءة لا تختص.
٤١٥١ - قالوا: لأنها تواليها في التأليف، ولأن المنافقين يستمعون إليها.
٤١٥٢ - قلنا: سورة الجمعة لا تتعين عندنا، فلا معنى لاعتبار ما يليها. فأما استماع المنافقين فموجود في سائر الصلوات.
* * *
стр. 902
مسألة ٢٤١
إذا دخل وقت العصر وهو في صلاة الجمعة خرجت من أن تكون فرضا
٤١٥٣ - قال أصحابنا: إذا دخل وقت العصر وهو في صلاة [الجمعة خرجت من أن تكون فرضا.
٤١٥٤ - وقال الشافعي: يبني عليها الظهر.
٤١٥٥ - لنا: أن] الجمعة والظهر صلاتان مختلفتان؛ بدلالة أن الجمعة تحتاج إلى شرائط لا يفتقر الظهر إليها، وهي المكان والإمام والعدد والوقت والخطبة والسلطان، واختلاف العبادات يدل على اختلافها، وليس كذلك صلاة السفر والإقامة؛ لأن المفعول في السفر يوافق صلاة الحضر في شرطها، وإنما يحتاج إلى الشرط في سقوط ما بقي من الشرائط، والجمعة تحتاج إليها في صحة المفعول. وإذا ثبت أنهما فرضان مختلفان لم يجز بناء أحدهما على الآخر، الظهر والعصر. ولأنهما صلاتان تختلف شرائطهما، فلا يبنى إحداهما على الأخرى، كالفجر
стр. 903
والجمعة. ولأن إحداهما لا يجوز أداؤهما بنية الأخرى ابتداء، فلا يجوز أن يبني عليها، كالظهر والعصر. ولأنهما صلاتان يجهر بالقراءة في إحداهما ولا يجهر في الأخرى، كالظهر والفجر.
٤١٥٦ - ولا يقال: المعنى في الأصل أنهما فرضا وقتين فلذلك لم يبن أحدهما على الآخر، وفي مسألتنا هما فرضا وقت واحد؛ وذلك لأن علة الأصل تبطل على أصلهم بجواز الاقتداء مع اختلاف الفرضين، وعلة الفرع تبطل بحال بقاء الوقت أن البناء لا يجوز مع بقاء الجماعة وإن كانا فرضا وقت واحد.
٤١٥٧ - قالوا: المعنى في الأصل أن فرض إحداهما لا يسقط بفعل الأخرى، فلذلك لم يبن عليها، ولما سقط في مسألتنا فرض إحداهما بفعل الأخرى جاز أن يبنى عليها.
٤١٥٨ - قلنا: هذا يبطل بحال بقاء الوقت. ولأنهما صلاتان لا يبنى إحداهما على الأخرى في الوقت مع بقاء شرائطها، فلا يبنى عليها بحال بقاء الوقت والعدد. ولأنها عبادة يبطلها الحدث، فجاز أن تبطل بخروج الوقت، كالمسح على الخفين.
٤١٥٩ - احتجوا: بأن كلا صلاة صحت تحريمته بها لم تبطل بخروج وقتها، كالظهر والعصر.
٤١٦٠ - قلنا: المعنى في الظهر أنه يجوز أن يبتدئها عقيب خروج وقتها، فلذلك لم
стр. 904
تبطل بخروجه، ولما لم يجز ابتداء الجمعة عقيب خروج وقتها بطلت بخروجه. ولا يلزم على علة الأصل صلاة الفجر؛ لأن عندنا يجوز أن يبتدئ بها عقيب خروج وقتها. ونقلب العلة، فنقول: فلم يجز أن يبنى عليها فرض يخالفها في شرائطها، كالظهر والعصر.
٤١٦١ - قالوا: صلاتان يسقط فرض إحداهما بفعل الأخرى، فجاز بناء الأكثر منهما على تحريمة الأقل، كالإتمام والقصر.
٤١٦٢ - قلنا: لا نسلم أن صلاة السفر والإقامة صلاتان، بل هما صلاة واحدة وإن اختلف عددها. ثم المعنى فيه أن صلاة الإقامة يجوز بناؤها على صلاة السفر في الوقت بكل حال، ولما لم يجز بناء الظهر على الجمعة في الوقت بكل حال لم يجز بعد الوقت.
٤١٦٣ - قالوا: عبادة جاز الإتيان ببدلها عقيب خروج وقتها، كالظهر، وعكسه الحج والصوم.
٤١٦٤ - قلنا: الوصف غير مسلم؛ لأن الظهر ليس ببدل عن الجمعة.
٤١٦٥ - فإن قالوا: إنه يأتي عقيب خروج وقتها بما يقوم مقامه ويسقط فرضها، بطلت بالمسح؛ لأنه يجوز أن يأتي عقيب خروج وقته بما يقوم مقامه، وهو الغسل، ولا يجوز أن يبنى عليه بعد [خروج الوقت]، والمعنى في الأصل ما ذكرناه.
٤١٦٦ - قالوا: فرضا وقت، فجاز أن يبنى أحدهما على الآخر، كصلاة السفر والإقامة.
٤١٦٧ - قلنا: الوصف غير مسلم؛ لأن فرض الوقت عندنا الظهر. وكذلك من الفرع غير مسلم؛ لأن صلاة السفر والإقامة فرض واحد، فإن أرادوا بهما فرضين يؤديان في هذا الوقت بطل بالظهر والعصر بعرفة، وإن أرادوا أنهما واجبان بطل بالفائتة وصلاة الوقت، والمعنى في الأصل ما قدمناه.
* * *
стр. 905
مسألة ٢٤٢
إذا أدرك المؤتم الإمام في الجمعة بعد ما قعد مقدار التشهد بنى عليها الظهر
٤١٦٨ - قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إذا أدرك المؤتم الإمام في الجمعة بعد ما قعد مقدار التشهد بنى عليها الظهر.
٤١٦٩ - وقال [محمد: إن أدركه قبل الركوع بنى عليها الجمعة وإن أدركه بعد الركوع بنى عليها الظهر]، وبه قال الشافعي.
٤١٧٠ - لنا: ما روي عن النبي ﷺ انه قال: (ما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا)، والذي فاته الجمعة فوجب أن يقضيها.
٤١٧١ - ولا يقال: قوله: (ما أدركتم فصلوا) يقتضي أن يكون المدركة صلاة، وذلك لا يكون إلا أن يدرك ركعة؛ وذلك لأن المدرك وإن لم يسم صلاة فإنه يصح أن يقول: صلى مع الإمام، وإن كان المفعول ليس بصلاة، كما يقال
стр. 906
للداخل في الصلاة: أنه يصلي مع الإمام، وإن لم يأت بركعة. ولأن الاستدلال من قوله: (وما فاتكم فاقضوا) إن لم يكن صلاة. ولأنه أدرك حكم تحريمة الإمام للجمعة، فجاز أن يبني عليها جمعة، أصله: إذا أدرك ركعة. ولا يلزم إذا أدرك أول الصلاة ثم نفر الناس/؛ لأنه يجوز له البناء وإن انقطع حكم الجواز [كما يجوز في مسألتنا، وإن انقطع حكم الجواز] إذا خرج الوقت.
٤١٧٢ - ولأنها صلاة تختص بذكر فوجب أن يستوي إدراك ركعة منها وما دونها في جواز البناء، أصله: العيد.
٤١٧٣ - ولأن مشاركة المؤتم يحتاج إليها لتعين الفرض، فاعتبر فيها قدر التحريمة، أصله: مشاركة المسافر للمقيم. ولأن كل محل لو دخل المسافر في صلاة المقيم لزمه الإتمام إذا أدركه المؤتم من الجمعة بنى عليه جمعة، أصله: حال الركوع.
٤١٧٤ - ولا يقال: إن المسافر ينتقل من نقص إلى كمال، فلذلك اعتبر مقدار التحريمة، وفي مسألتنا انتقل من كمال إلى نقص، ففرق [فيه] بين القليل والكثير، كالمقيم إذا سافر اختلف كثير سفره ويسيره؛ وذلك لأن علة الأصل تبطل بنية الإقامة؛ لأنها انتقال من نقص إلى كمال، ولا يستوي فيها القليل والكثير؛ لأن إن نوى الإقامة يوما لم يكن مقيما، وإن نوى عندهم أربعة أيام صار مقيما. وعلة الفرع تبطل بالسفر؛ لأن خروج المسافر من مصره ينقله من كمال إلى نقص، ولا يختلف فيه القليل والكثير؛ لأن من كان على طرف قصر إذا جاوز البيوت، ومن كان في أول البلد لم يقصر حتى يجاوز البيوت. وأما قولهم: إنه يختلف بالسفر القليل والكثير فليس بصحيح؛ لأن هذا الاختلاف إنما هو فيما يصير مسافرا.
٤١٧٥ - احتجوا: بما روى الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: (من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)، وروي: (من أدرك من
стр. 907
الجمعة ركعة فليصل إليها أخرى). وفي بعضها: (فليضف إليها أخرى)، فدليله: أن من لم يدرك ركعة لم يدرك الصلاة ولا يضيف إليها أخرى.
٤١٧٦ - والجواب: أن هذا يدل على أن من أدرك ركعة فقد أدرك، ومن أدرك ما دونها غير مذكور، فلا يثبت حكمه بدليل الخطاب. ويجوز أن يحمل الخبر على إدراك أول الصلاة، فإن أدرك مع الجماعة ركعة أضاف إليها أخرى، وإن أدرك ما دونها صلى الظهر. ويجوز أن يكون فائدة تخصيص إدراك الركعة بالذكر أن يبين جواز تبعيض الجمعة؛ لئلا يظن ظان أن الجمعة إذا لم يجز فعلها إلا في جماعة لم يجز في المسبوق أيضا.
٤١٧٧ - قالوا: روى ياسين بن معاذ الزيات عن الزهري الخبر، وفيه: (من أدرك من الجمعة ركعة صلى إليها أخرى، فإن أدركهم جلوسا صلى إليها أربعا)، ووافقه على هذا صالح بن أبي الأخضر، وسليمان بن أبي داود عن الزهري.
٤١٧٨ - والجواب: أن ياسين بن معاذ كنيته: أبو خلف، قال البستي: كان يروي الموضوعات عن الثقات ويتفرد بالمعضلات عن الأثبات، لا يجوز
стр. 908
الاحتجاج به. وأما صالح فهو ابن أبي الأخضر، هكذا ذكره الدارقطني، وهو مولى هشام بن عبد الملك، قال البستي: يروي عن الزهري أشياء مقلوبة، واختلط عليه ما سمع من الزهري بما وجده مكتوبا، فلم يكن يميز هذا من ذاك. وأما سليمان بن أبي داود الحراني، فقال البستي: هو منكر الحديث لا يحتج به إلا فيما وافق الأثبات. ثم أصل هذا الخبر ما رواه معمر والأوزاعي، ومالك عن الزهري [عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (من أدرك من الصلاة ركعة فقد أدركها).
قال معمر: قال الزهري:] فنرى الجمعة من الصلاة، [فهذا ليس من الخبر، بل كلام الزهري] أدرجه الرواة وبينه معمر. وقد ذكر الدارقطني في
стр. 909
حديث ياسين بن معاذ أن النبي ﷺ قال: (وإن فاتته الركعتان صلى أربعا)، فدليله: إن فاتته أقل من ركعتين صلى الجمعة. وذكر الدارقطني في هذا الحديث أن النبي ﷺ قال: (من أدرك الإمام جالسا قبل أن يسلم فقد أدرك الصلاة)، وهذا معارض لما قالوه.
٤١٧٩ - وقولهم: إن راويه نوح بن أبي مريم وهو ضعيف، فليس بدون من ذكرنا. ويحتمل أن يكون المراد به: أدركهم جلوسا بعد السلام ليبين أن الجمعة لا تقضى إذا فرغ منها الإمام. ولأن ما ذكرناه من الخبر متفق على استعماله، [وهو] غير مختلف في طريقه، فكان الرجوع إليه أولى.
٤١٨٠ - قالوا: روي عن ابن مسعود وابن عمر وأنس مثل قولنا. وعن عمر: (إن أدركها مع الخطبتين وإلا صلى الظهر). ولم يقل أحد منهم مثل قولكم، فلا يجوز إحداث قول ثالث.
٤١٨١ - والجواب: أنه قد روي عن معاذ مثل قولنا.
٤١٨٢ - قالوا: لم يدرك معه ما يعتد به من فرضه، فوجب أن لا يكون مدركا للجمعة، أصله: إذا أدرك معه التسليمة الثانية.
٤١٨٣ - قلنا: الأصل غير مسلم؛ لأنه إذا أدركه في [تسليمة ثانية] فسجد
стр. 910
للسهو كان مدركا. ولأن الإدراك لتعيين الفرض لا يعتبر فيه ما بعتد به، كدخول المسافر في صلاة المقيم، والمعنى: إذا أدركه في التسليمة الثانية لم يدرك حكم التحريمة، وليس كذلك ما قبلها؛ لأنه أدرك حكم التحريمة. أو نقول: إنه محل لو أدرك فيه المسافر المقيم لم يلزمه الإتمام.
٤١٨٤ - قالوا: لم يدرك من الجمعة ركعة مع العدد فوجب أن لا يكون مدركا لها، كما لو انفضوا عنه قبل الركعة.
٤١٨٥ - قلنا: حكم الإدراك في أول الصلاة أضيق منه في آخرها؛ ألا ترى أن من لم يدرك الخطبة لا يجوز أن يفسخ الجمعة، ويجوز أن يكون خليفة في الرأي. ولأن الإدراك في أول ما يحتاج إليه للبناء، فلذلك اعتبر أكثر أفعال الركعة. وفي مسألتنا يحتاج إليه لتغيير الفرض، فاعتبر فيه قدر التحريمة.
٤١٨٦ - قالوا: العدد شرط في صحة الجمعة، لا فيما يقضيه؛ ألا ترى أنه لا يعتبر في ركعة واحدة إذا قضاها ولم يخرج من أن يكون شرطا. ولأن العدد إنما يعتبر في حال الجماعة، وأما بعد القضاء [بها] فلا يعتبر.
٤١٨٧ - قالوا: الركعة أصل؛ بدليل أن المدرك يعتد به وما دونه لا يعتد به؛ فلذلك لم يجز الإضافة إليه.
٤١٨٨ - قلنا: الركعة أصل في باب الاعتداد؛ فأما في تغيير الفرض والبناء فلا؛ بدلالة ما ذكرناه.
٤١٨٩ - قالوا: من لم يدرك الركوع لم يسقط عنه شيء من فرض الانفراد، أصله: سائر الصلوات.
٤١٩٠ - [قلنا: نعكس فنقول: فوجب أن لا يمنع بناء تلك الصلاة، أصله: سائر الصلوات] أو: فوجب أن لا يبنى عليها صلاة لأخرى. ثم الوصف غير مسلم؛ لأن
стр. 911
عندنا يسقط شيء من فرض الانفراد؛ لأن من فرض الانفراد أن لا يتابع، والمتابعة واجبة هنا. ويبطل ما قالوه بدخول المسافر في صلاة المقيم؛ أنه يسقط بها شيء من فرض الانفراد، وهو وجوب القعدة عقيب الركعتين.
* * *
стр. 912
مسألة ٢٤٣
إذا صعد الإمام المنبر فظاهر المذهب أنه لا يسلم
٤١٩١ - قال الطحاوي: إذا صعد الإمام المنبر، فظاهر المذهب أنه لا يسلم.
٤١٩٢ - وقال الشافعي: يسلم ثم يجلس.
٤١٩٣ - وهذا مبني على أصلنا أن خروج الإمام يقطع الكلام، فلا يجوز السلام كما لا يجوز سائر أنواع الذكر، ولأنها حالة منع فيها من ابتداء الصلاة لأجل الخطبة، فلا يسن فيها السلام [كحال الخطبة. ولأنه ذكر يتقدم الصلاة فلا يسن السلام] في ابتدائه، كالإقامة.
٤١٩٤ - احتجوا بحديث نافع عن ابن عمر قال: كان رسول الله ﷺ إذا قرب من منبره سلم على من عند منبره ويصعد، فإذا أقبل على الناس سلم وجلس.
٤١٩٥ - والجواب: أن الطحاوي قال: لم نجد في هذا حديثا صحيحا يجب القول به، ووجدنا فيه أحاديث ضعافا [لا يقوم] الحجة بمثلها، ولو ثبت احتمل أن يكون في وقت إباحة الكلام.
стр. 913
٤١٩٦ - قالوا: إقبال بعد استدبار فوجب أن يسلم، كما لو انصرف من مجلس ثم عاد إليه.
٤١٩٧ - قلنا: يبطل بالإمام إذا سلم ثم توجه إلى القبلة ثم انحرف بوجهه إلى القوم. ولأن الكلام في هذه الحالة هل يجوز فيها الكلام أو لا، فلا معنى لتعليله بالاستقبال والاستدبار.
* * *
стр. 914
مسألة ٢٤٤
القعدة بن الخطبتين ليست بواجبة
٤١٩٨ - قال أصحابنا: القعدة بين الخطبتين ليست بواجبة.
٤١٩٩ - وقال الشافعي: واجبة.
٤٢٠٠ - لنا: قوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾، ولم يفصل. وروي أن عمارا خطب فأوجز، فقيل: لو تنفست، فقال: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بإقصار الخطب وإطالة الصلاة. وحديث عثمان وقد قدمناه، وروي أن عليا خطب ولم يجلس. ولأنه ذكر يفعل في حال القيام، فلا يجب فيه الفصل. ولأنهما ذكران يتقدمان الصلاة فلا يجب الفصل بينهما بقعدة، كالأذان والإقامة.
٤٢٠١ - احتجوا: بحديث جابر بن سمرة: أن رسول الله ﷺ كان يخطب قائما ثم يجلس فيوم فيخطب قائما.
٤٢٠٢ - والجواب: أن مجرد الفعل لا يدل على الوجوب.
стр. 915
٤٢٠٣ - قالوا: الخطبة أقيمت مقام ركعتين، فكما يجب القعدة في الركعتين كذلك في الخطبة.
٤٢٠٤ - قنلا: القعدة تجب عقيب الركعتين، فأما بينهما فلا.
* * *
следующие страницы →