Полный текст (6 324 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.
стр. 946
في موضع [فرض] التكبير، وكذلك الركوع [عندهم لا يتكرر] في موضع فرض الركوع. ولأن التكبير في سائر الصلوات [جاز أن يتكرر في العيد على طريق الزيادة، ولما لم يتكرر الركوع في سائر الصلوات] لم يجز أن يتكرر في مسألتنا على وجه الزيادة.
* * *
стр. 947
مسألة ٢٦٠
ليس في صلاة الخسوف خطبة
٤٣٣٢ - قال أصحابنا: ليس في صلاة الخسوف خطبة.
٤٣٣٣ - وقال الشافعي: يخطب بعد الصلاة خطبتين.
٤٣٣٤ - لنا: ما روى جابر أن النبي ﷺ [قال]: (إن الشمس [والقمر] آيتان من آيات [الله] لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم شيئا من ذلك فصلوا حتى تنجلي).
٤٣٣٥ - وفي حديث أبي بكر [أن النبي ﷺ ] قال: (فصلوا حتى تنجلي).
стр. 948
٤٣٣٦ - وفي حديث ابن مسعود أن النبي ﷺ قال: (فقوموا فصلوا). وما هذا بيان لجميع الحكم المتعلق بالكسوف من غير ذكر الخطبة. ولأنها صلاة نافلة فلم يكن فيها خطبة، كسائر النوافل، ولأنه ليس من شرطها الجماعة، كسائر الصلاة. ولأنها صلاة تفعل لخوف الضرر، كالصلاة التي تفعل عند الزلازل والأمطار.
٤٣٣٧ - احتجوا: بحديث عائشة (قالت: خسفت الشمس فصلى رسول الله ﷺ ثم خطب فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: (إن الشمس والقمر آيتان).
٤٣٣٨ - وروى سمرة بن جندب أن النبي ﷺ صلى ركعتين ثم حمد الله وأثنى عليه، وروى الحسن أن ابن عباس صلى بالبصرة في خسوف القمر ثم ركب فخطب وقال: فعلت مثل ما فعل رسول الله ﷺ .
٤٣٣٩ - والجواب: أن النبي ﷺ أراد بيان حكم شرعي؛ لأن الناس قالوا: إنها كسفت لموت إبراهيم ﵇، فرد ذلك عليهم وأخبرهم أن السنة: الفزع إلى الصلاة. وهذا لا يتعلق بالصلاة، والخلاف في خطبة تتعلق بالصلاة. من ذلك أنه لم ينقل في شيء من الأخبار ذكر الخطبتين على ما شرطوه.
٤٣٤٠ - قالوا: صلاة نافلة سن لها الجماعة تختص بوقت، فكان من سننها الخطبة، كصلاة العيد.
стр. 949
٤٣٤١ - قلنا: لا نسلم أنها نافلة. ولأن الخطبة في العيدين يحتاج إليها لتعليم صدقة الفطر والأضحية، وموضوع الخطبة أن تفعل؛ لأنها شرط، أو لتعليم شرع.
٤٣٤٢ - ولا يجوز أن يقال: إنها تفعل في مسألتنا للتعليم، لتعلم أن صلاة الكسوف سنة وتبيين صفتها؛ لأن هذا المعنى قد بينه بفعله بفعله؛ ألا ترى أن [في] خطبة العيد لا تبين كيفية صلاة العيد؛ لأنه قد فعلها في الحال، وإنما تبين صدقة الفطر والأضحية.
* * *
стр. 950
مسألة ٢٦١
صلاة خسوف القمر ليس من سننها الجماعة
٤٣٤٣ - قال أصحابنا: صلاة خسوف القمر ليس من سننها الجماعة.
٤٣٤٤ - وقال الشافعي: من سننها الجماعة، ككسوف الشمس.
٤٣٤٥ - لنا: أن كسوف القمر اتفق على عهد رسول الله ﷺ كما اتفق كسوف الشمس أو أكثر؛ لأن العادة أنه يتكرر أكثر من الشمس، فلو صلى النبي ﷺ جماعة وداوم لنقل؛ ككسوف الشمس، فلما لم ينقل نقلا ظاهرا، دل على أنه ليس من سننها الجماعة. ولأن كسوف القمر يقع بالليل، والاجتماع فيه متعذر، فلم يسن الاجتماع، كالصلاة في الأمطار والزلازل.
٤٣٤٦ - احتجوا: بما روي أن النبي ﷺ قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله) إلى قوله (فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة) فأمر بالصلاة فيهما معا، فدل على تساويهما.
٤٣٤٧ - والجواب: أن الخبر يدل على فعل الصلاة، ولا يقتضي الجماعة، وإنما
стр. 951
أثبتناها في الشمس بدليل الخبر، ولم يوجد ذلك الدليل في القمر.
٤٣٤٨ - قالوا: روي عن ابن عباس أنه صلى بهم في كسوف القمر بالبصرة، وقال: صليت كما رأيت رسول الله ﷺ .
٤٣٤٩ - قلنا: نحن لا ننكر أن تفعل في جماعة، وإنما نقول إنها ليست سنة، إنما هو مخير فيها؛ للمشقة التي تلحق، فلا يكون في مجرد الفعل دليل حتى تنقل المداومة؛ لأن السنة تتكرر بتكرر سببها.
٤٣٥٠ - قالوا: كسوف يصلى لأجله، فسن فيه الجماعة، ككسوف الشمس.
٤٣٥١ - قلنا: كسوف الشمس يتفق نهارا فلا يتعذر فيه الاجتماع، [وهذا يقع في وقت يتعذر فيه الاجتماع].
٤٣٥٢ - قالوا: صلاة يفعل مثلها ليلا ونهارا، فإذا كانت الجماعة مسنونة لصلاة النهار منها وجب أن تكون مسنونة لصلاة الليل، كالفرائض.
٤٣٥٣ - والجواب: أن الفرائض موضوعها أن تفعل في جماعة، فلا تختص بأحد الزمانين، والنوافل موضوعها أن تفعل فرادى؛ بدلالة قوله ﵇: (صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجده إلا المكتوبة). وإنما تفعل
стр. 952
الجماعة في النوافل لعارض، فيجوز أن تختص بأحد الزمانين، كالتراويح: إنها نافلة سن لها الجماعة بالليل ويتنفل بمثلها في النهار، ولا يسن لها الجماعة.
* * *
стр. 953
مسألة ٢٦٢
ليس في الاستسقاء صلاة في جماعة
٤٣٥٤ - قال أبو حنيفة: ليس [في] الاستسقاء صلاة في جماعة. وكان أبو بكر الرازي [يقول]: إنه ليس فيه صلاة مسنونة، فإن صلى جاز.
٤٣٥٥ - وقال أبو يوسف ومحمد: يصلي ركعتين، وبه قال الشافعي.
٤٣٥٦ - لنا: قوله تعالى: ﴿فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا * يرسل السماء عليكم مدرارا﴾. فعلق نزول الغيث بالاستغفار، فلو كان فيه صلاة يتعلق بها نزول الغيث لذكرها. روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ استسقى فقال: (اللهم [اسق عبادك] وبهائمك وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت)، ولم يذكر الصلاة. وروي أن النبي ﷺ استسقى في [يوم] الجمعة على المنبر ونزل
стр. 954
فصلى الجمعة ولم يصل الاستسقاء، فلو كانت مسنونة لم يتركها.
٤٣٥٧ - ولا يقال: إن النبي ﷺ بين في هذه الأخبار جواز الترك، وفي أخبارنا فضيلة الفعل؛ لأنا نقول: إن مثل ذلك أنه بين بأخبارنا أن الفعل ليس بمسنون؛ لأن المسنون لا يترك عند سببه، وبأخبارهم جواز الفعل، ونحن لا نمنع من جوازه. وروي عن عمر ﵁ أنه استسقى بالعباس فقيل له: ما زدت على الاستغفار، فقال: لقد استسقيت بمجاديح السماء التي يستنزل بها القطر. ولم ينقل أنه صلى. ولأنه خوف ضرر في الدنيا، فأشبه الزلازل. ولا يلزم الكسوف؛ لأنه من علامات الآخرة، فأما أن يكون خوفا في الدنيا فلا، ولهذا قال [النبي] ﷺ : (إنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته).
٤٣٥٨ - ولأنها صلاة نافلة، والأصل في النوافل أن يفعلها منفردا أفضل؛ بدلالة
стр. 955
قوله ﵇: (صلاة المرء في بيته أفضل من صلاته في مسجده إلا المكتوبة). ولأنها حالة لاستنزال الغيث، فلم يسن فيها الصلاة لأجله، أصله: حال الخطبة يوم الجمعة.
٤٣٥٩ - احتجوا: بحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ خرج [يوما] مستسقيا، فصلى بنا ركعتين بلا أذان ولا إقامة. وفي حديث ابن عباس قال: فصلى ركعتين كما يصلي في العيد.
٤٣٦٠ - والجواب: أن هذا الخبر يقتضي فعل الصلاة، وقد بينا جوازها. والكلام في أنها مسنونة، والمسنون ما تكرر عند سببه ولم يترك من غير عذر، وهذا لا يوجد؛ لأنا قد نقلنا أنه ترك.
٤٣٦١ - قالوا: حادثة سن لها الاجتماع والدعاء، فسن لها الصلاة، كالخسوف.
٤٣٦٢ - والجواب: أن الخسوف يتعلق بأمر الآخرة؛ لأنه من أمارتها، فجاز أن يسن، والاستسقاء يعود إلى أمر الدنيا، فلم يسن فيها الصلاة.
* * *
стр. 956
فصل
مسألة ٢٦٣
صلاة الاستسقاء ركعتان كصلاة الفجر
٤٣٦٣ - قال أبو يوسف: يصلي في الاستسقاء ركعتين كهيئة صلاة الفجر.
٤٣٦٤ - وقال الشافعي: كصلاة العيد: يكبر في الأولى سبعا وفي الثانية: خمسا.
٤٣٦٥ - لنا: أن النبي ﷺ صلى في الاستسقاء بحضرة الجماعة، فلو كبر فيها لنقل كنقله في العيد، فلما لم ينقل إلا في خبر محتمل دل على أنه ليس بثابت. ولأنها صلاة مسنونة فلا يتوالى فيها التكبير، كصلاة الكسوف.
٤٣٦٦ - احتجوا: بحديث ابن عباس أن النبي ﷺ صلى ركعتين كما صلى في العيد.
٤٣٦٧ - قلنا: يحتمل أنه صلاهما بغير أذان ولا إقامة وجهر بالقراءة فيهما وخرج إلى المصلى ولم يخرج المنبر، ويخرج إليها النساء والرجال والصبيان، فشبهها بالعيد من هذه الوجوه. وقد يشبه الشيء بالشيء إذا أشبهه من وجه وإن خالفه في غيره، كقوله تعالى: ﴿إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم﴾ فشبهه من حيث
стр. 957
عدم الأب وإن اختلفا في وجود الأم.
٤٣٦٨ - قالوا: روي في حديث ابن عباس أن النبي ﷺ كبر في الأولى سبع تكبيرات وقرأ: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾، وقرأ في الثانية: ﴿هل أتاك حديث الغاشية﴾ وكبر فيها خمس تكبيرات.
٤٣٦٩ - قلنا: هذا الخبر ذكره الدارقطني عن محمد بن عبد العزيز عن أبيه عن طلحة قال: أرسلني مروان إلى ابن عباس أسأله عن سنة الاستسقاء، وذكر الحديث، ومحمد بن عبد العزيز هو [من] ولد عبد الرحمن بن عوف، قال البستي: يروي عن الثقات المعضلات، وإذا انفرد بالطامات عن الأثبات، حتى سقط الاحتجاج به. وهو [الذي جلد بمشورته ابن مالك بن أنس] وقد ذكروا في هذه المسألة عن الأئمة الأربعة مثل قولهم، وهذا لا يعرف، ولم يذكره أحد يوثق به.
* * *
стр. 958
فصل
مسألة ٢٦٤
السنة في الاستسقاء الدعاء من غير خطبة
٤٣٧٠ - وقد قال أبو حنيفة: إن السنة في الاستسقاء الدعاء من غير خطبة.
٤٣٧١ - وقال الشافعي: يخطب بعد الصلاة خطبتين يجلس بينهما جلسة.
٤٣٧٢ - لنا: حديث ابن عباس أنه قال: خرج رسول الله ﷺ متواضعا مبتذلا متخشعا متضرعا، فصلى ركعتين كما يصلي في العيد ولم يخطب خطبتكم). ولأن من أصلنا أنه مخير بين الصلاة وتركها، فلا يسن فيها خطبة، كسائر النوافل. ولأن كل ذكر لا يسن في الزلازل لا يسن في الاستسقاء، كالأذان، وعكسه الدعاء. فأما حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ صلى ركعتين وخطب، فيحتمل أن يكون دعاء، فظن أنه خطبة، وقد بين ابن عباس أنه لم يخطب.
* * *
стр. 959
مسألة ٢٦٥
ليس من السنة تقليب الرداء
٤٣٧٣ - قال أبو حنيفة: ليس من السنة تقليب الرداء.
٤٣٧٤ - وقال الشافعي: هو سنة.
٤٣٧٥ - لنا: ما روي أن النبي ﷺ استسقى يوم الجمعة على المنبر ولم يقلب الرداء، ولأن من أصلنا أنه لا يخطب، وكل من قال ذلك قال: لا يقلب الرداء. ولأن هذه الخطبة إما أن تعتبر بخطبة الجمعة أو العيد، وكل واحد منهما لا يقلب فيها الرداء. ولأنها حالة خوف، فصار كالزلازل.
٤٣٧٦ - وما روي أن النبي ﷺ استسقى وعليه خميصة سوداء فأراد أن يأخذ بأسفلها فيجعله أعلاها فلما ثقلت عليه قلبها على عاتقه)، فيحتمل أن
стр. 960
يكون ذلك كما يتفق للإنسان من تغيير الرداء أو إصلاحه. ويجوز أنه علم من طريق الوحي أن الحال [ينقلب إلى الخصب] إذا قلب الرداء، فقلب الرداء لذلك، وهذا لا يوجد في غيره.
* * *
стр. 961
مسألة ٢٦٦
إذا ترك الصلاة معتقدا لوجوبها، حبس وعزر حتى يصلي
٤٣٧٧ - قال أصحابنا: إذا ترك الصلاة معتقدا لوجوبها، حبس وعزر حتى يصلي.
٤٣٧٨ - وقال الشافعي: يقتل. واختلف أصحابه، فمنهم من قال: إذا ترك الأولى وتضيق وقت الثانية قتل. ومنهم قال: إذا ترك ثلاثة وتضيق وقت الرابعة قتل. ونص الشافعي على أنه يقتل بالسيف.
٤٣٧٩ - وقال ابن سريج يضرب بالعصا وينخس بالسيف حتى يصلي أو يأتي على نفسه.
стр. 962
٤٣٨٠ - لنا: قوله ﵇: (لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس). ولا يقال: إن قتل تارك الصلاة ثابت بخبر آخر فيضم إليه كما ضم نهيه ﵇ عن كل ذي ناب من السباع إلى قوله: (إلا أن يكون ميتة)؛ لأن الضم إنما يصح إذا لم يسقط شيء من الخبر، ولو ضممنا في مسألتنا بطل قوله: (إلا بإحدى ثلاث)، فصار الحكم بتعلق بإحدى أربع.
٤٣٨١ - ولا يقال: إن النبي ﷺ أوجب قتل المسلم بكفر يوجد مع الإسلام، وهذا لا يكون إلا في ترك الصلاة؛ لأنه كفر بعد إيمان، وهذا لا يقتضي اجتماعهما. ولأنه إيقاع عبادة شرعية، فتركه لا يوجب القتل، كالحج والصوم والزكاة. ولا يلزم ترك الزنا؛ لأنه ليس بإيقاع عبادة؛ ألا ترى أن الزنا له أضداد، فالنهي عنه لا يكون أمرا بشيء من أضداده.
٤٣٨٢ - ولا يلزم التصديق برسول الله ﷺ ؛ لأنها عبادة عقلية لها وقت يكره فعلها فيه، كالحج. ولأنها عبادة تنتقل بجنسها، كالصوم. أو عبادة لها تحريم
стр. 963
وتحليل. أو عبادة يطرأ عليها الفساد. أو عبادة تؤدى وتقضى، كالحج، ولا يلزم الإيمان؛ لأنه لا يوصف بالفساد.
٤٣٨٣ - ولا يقال: المعنى في الحج والصوم أنه تقع النيابة فيها بالبدن والمال فلذلك لم يقتل بتركها، والصلاة [لا تقع] النيابة فيها عندهم في ركعتي الطواف إذا حج عن غيره، فلم يصح هذا الفرق. ولأنها عبادة يبطلها الحدث، كالوضوء.
٤٣٨٤ - ولا يقال: [إن] الوضوء تاركه تارك للصلاة، فيقتل عندنا؛ لأنه يقتل لترك الصلاة، لا لترك الوضوء. ولأنها عبادة شرط فيها تقديم الإيمان، كالصوم.
٤٣٨٥ - ولا يقال: إن المقصود من الصلاة لا يحصل بغيره؛ وذلك لأن المقصود من الحج والصوم لا يحصل إلا بالنية، وذلك لا يقع بغيره، فإن اقتصروا على ظاهر الفعل فمثله في الصلاة ممكن؛ لأنه يوضأ ويجبر على القيام والركوع والسجود خلف إمام حتى لا يحتاج إلى القراءة. ولأنه لا يخلو أن يقتل بترك الأولى أو الثانية، ولا يجوز أن يقتل بالأولى؛ لأنها فائتة، ووقت فعلها غير متضيق. ولا يجوز أن يقتل بالثانية؛ لأنها لم تفت عن وقتها، فلا يقتل بها، كالأولى. ولا يقال: إنه يضرب عندكم فيلزمكم مثل ما ألزمتمونا؛ لأن العازم على ترك الصلاة يضرب عندنا بالعزم، فلا يلزمنا [ما ألزمناهم].
٤٣٨٦ - احتجوا: بقوله تعالى: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم﴾، ولم يقتل المشركين، ورفع القتل عنهم بشرط التوبة وإقامة الصلاة.
٤٣٨٧ - والجواب: أن الآية لا تتناول موضع الخلاف؛ لأن من يسلم ارتفع
стр. 964
القتل المتعلق بالكفر بالإجماع، فإذا ترك الصلاة ابتداء فإنما يجب القتل عليه عندهم: قتل آخر غير ذلك القتل، فلا يصح الاستدلال. فأما [من] فعل الصلاة ثم تركها فلا شبهة أن الآية لا تفيد قتله؛ لأن الصلاة إذا سقطت سقط القتل. ولأن إقامة الصلاة المذكورة [في الآية] المراد بها: اعتقاد وجوبها؛ بدلالة أن قتل الكافر يسقط بالاعتقاد وإن لم ينضم إليه الفعل بالإجماع، وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿وآتوا الزكاة﴾.
٤٣٨٨ - ولا يقال: إن حمل الإقامة على الاعتقاد مجاز؛ لأنه مجاز صرنا إليه بدليل مجمع عليه.
٤٣٨٩ - قالوا: روي أن النبي ﷺ قال: (ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة، فمن تركها فقد كفر).
٤٣٩٠ - قالوا: وقد علمنا أنه لم يرد به كفر يخرج به عن الإسلام، فثبت أن المراد به بعض أحكام الكفر، وهو القتل؛ وذلك لأن الكفر حقيقة يقتضي الجحود، وهذا
стр. 965
لا يكون إلا في تارك الاعتقاد، وجب حمل اللفظ على حقيقته. ولأنا نحمل الصلاة على الاعتقاد، وهو مجاز، ونحمل الكفر على حقيقته، ويحملون الصلاة على حقيقة الفعل، ويحملون الكفر على مجازه، فتساوينا في الظاهر. على أن الترك حقيقة يقتضي تركا من جميع الجهات، وهذا لا يكون إلا في ترك الاعتقاد والفعل معا.
٤٣٩١ - ولا يقال: إن حمله على الاعتقاد يسقط فائدة تخصيص الصلاة، وحمله على الفعل لا يسقط فائدة التخصيص؛ وذلك لأنه يجوز أن يخص الصلاة؛ لأنها أشرف العبادة، فيخصها بالوعيد. ولأنها تجب على كل واحد [وإن كانت العبادة يختلف وجوبها. ولأنها ما يستدل بها على الإسلام، وذلك لا يوجد] في غيرها. ولأنهم إذا حملوا الخبر على ثبوت بعض أحكام الكفر فكذلك نقول؛ لأن الضرب والحبس من أحكام الكفر في المرتدة عندنا.
٤٣٩٢ - قالوا: روي عن النبي ﷺ أنه قال: (نهيت عن قتل المصلين)، فدليله أنه لم ينه عن قتل غيره، فإذا لم ينه عن قتله ثبت وجوبه، أي: وجوب قتله بالإجماع.
٤٣٩٣ - قلنا: نحن لا نقول بدليل الخطاب؛ لأن المراد: نهيت عن قتل من هو من أهل الصلاة؛ بدلالة أن المعتقد للفعل لا يقتل بإجماع قبل فوات الوقت، فدليله أنه يقتل من لم يكن من أهل الصلاة، وكذلك نقول.
٤٣٩٤ - قالوا: الصلاة عبادة محضة تجب لا بفعله، لا يدخلها النيابة ببدن ولا مال فجاز أن يقتل بتركها، كالإيمان. أو لأنها أحد الأركان الخمس لا يدخلها النيابة مقصودة بوجه.
٤٣٩٥ - والجواب: أن هذه الأوصاف كلها موجودة في الفائتة.
٤٣٩٦ - ولا يقال: إنه كان يقتل لأجلها قبل فواتها؛ لأن الصلاة الأولى لا يقتل
стр. 966
لأجلها في الوقت ولا بعده.
٤٣٩٧ - ولا يقال: إن التعليل لجملة الصلاة؛ لا نعكس كلامهم من طريق المعنى. ولأن المعنى في الإيمان أنه عبادة مقصودة لا تفتقر إلى شرائط تتقدم عليها، فلهذا جاز أن يقتل بتركها، ولما كانت الصلاة لا تصح إلا بتقديم الإيمان عليها صارت كسائر الشرعيات.
٤٣٩٨ - قالوا: صلاة مشبهة بالإيمان؛ لأنها لا تفعل إلا خالصة لله تعالى، وسائر العبادات [يفعل مثلها] لغير الله تعالى؛ لأنه يتطهر تبردا، ويمسك عن الأكل تداويا، ويدفع تلطفا، ويحج لتجارة، والإيمان والصلاة لا يفعلان إلا لله، وقد قال الله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾، أي: صلاتكم.
٤٣٩٩ - والجواب: أن الصلاة قد تفعل نفاقا ومراءاة، فلا يقصد بها الله تعالى، والحج إذا فعل للتجارة فهو مفعول لله تعالى وإن انبعث للتجارة في سفره.
٤٤٠٠ - قالوا: تسمية الصلاة إيمانا.
٤٤٠١ - فلا حجة فيه؛ لأن النبي ﷺ قال: (الإيمان بضع وسبعون خصلة، أدناها إماطة الأذى عن الطريق)، فسمى ذلك إيمانا.
стр. 967
٤٤٠٢ - قالوا: أحكام الشرع التابعة للإيمان ضربان: مأمور به، ومنهي عنه، قم في المنهي عنه: ما يقتل بفعله مع اعتقاد وجوبه، وهو الزنا والقتل، كذلك يجب في المأمور ما يجب القتل بتركه مع اعتقاد وجوبه.
٤٤٠٣ - قلنا: عندنا المأمور به من طريق الشرع يجوز أن يقتل بتركه، وهو ترك التزام الجزية وترك التعظيم للنبي ﷺ .
٤٤٠٤ - ولأن المنع من الزنا لا يقتل [بتركه وإنما يقتل بإيقاع] فعل آخر، وهو جحود الصلاة لغير الله تعالى.
* * *
стр. 968
مسائل الجنائز [ ٢٦٧ - ٢٩٥]
مسألة ٢٦٧
الأفضل في الميت أن يجرد من ثيابه وتغطى عورته ثم يغسل
٤٤٠٥ - قال أصحابنا: الأفضل في الميت أن يجرد من ثيابه وتغطى عورته ثم يغسل.
٤٤٠٦ - وقال الشافعي: السنة أن يغسل في قميص ويكون كمه واسعا حتى يدخل يده فيغسل بدنه، فإن كان ضيقا جرده.
٤٤٠٧ - لنا: ما روي عن عائشة ﵂ قالت: (لما اجتمعوا لغسل النبي ﷺ لم يدروا كيف يغسلونه.
٤٤٠٨ - قالوا: ما ندري أنغسله كما نفعل بموتانا أو نغسله وعليه ثيابه؟ فأرسل الله عليهم النوم حتى ما فيهم رجل إلا وذقنه في صدره نائما، إذ ناداهم مناد: أن
стр. 969
غسلوا رسول الله ﷺ وعليه ثيابه، ([فغسلوه وعليه ثيابه]) وهذا يدل أن غسل جميع الناس مخالف لغسله، وهذا خلاف قولهم.
٤٤٠٩ - ولأن المقصود بغسله النظافة، وإذا جرد كان أمكن، بدلالة الحي. ولأن القميص يبقي عليه بلل النجاسة، وتعود إلى جسمه فلا يطهر إلا بمشقة. ولأنه غسل واجب، كالجنابة.
٤٤١٠ - ولا يقال: إن الجنب يتجرد لنفسه والميت يطلع عليه غيره؛ لأن هذا القميص ينزع عنه فيحصل الاطلاع. ولا معنى للاستدلال بغسله ﷺ ؛ لأن ذلك اختص به لعظم حرمته، وقد بينا من قول الصحابة أنه مخالف لغيره.
٤٤١١ - ولا يقال: إن الميت يكون ببدنه عيب أو أثر من الموت فإذا جرد اطلع عليه؛ لأن هذا المعنى موجود في نزع هذا الثوب عنه في حال التكفين.
* * *
стр. 970
مسألة ٢٦٨
ليس في غسل الميت مضمضة ولا استنشاق
٤٤١٢ - قال أصحابنا: ليس في غسل الميت مضمضة ولا استنشاق.
٤٤١٣ - وقال الشافعي: يصب الماء في فمه وفيما يصل إليه من أنفه.
٤٤١٤ - لنا: أن المضمضة إدارة الماء في فمه، والاستنشاق: جذبه بخياشيمه، وهذا المعنى لا يتأتى فيه، ومتى سقط موضوع الشيء سقط حكمه.
٤٤١٥ - ولأن في صب الماء في فمه مثلة؛ لأنه يصل إلى جوفه.
٤٤١٦ - ولا يقال: إن الحي لو تمضمض وبلع الماء جاز عندكم؛ لأنه قد روى عن أبي يوسف: أنه إذا شرب الماء لا يعتد به من المضمضة.
٤٤١٧ - ولأنه إن صب الماء كان مثلة، وإن مسح الفم بخرقة كان مسحا، والمضمضة ليس من سنتها المسح.
٤٤١٨ - احتجوا: بما روي أن النبي ﷺ قال لأم عطية لما غسلت ابنته: (ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء).
٤٤١٩ - والجواب: أنه يحتمل أن يريد الواجب من مواضع الوضوء.
стр. 971
مسألة ٢٦٩
لا يسرح شعر الميت
٤٤٢٠ - قال أصحابنا: لا يسرح شعر الميت.
٤٤٢١ - وقال الشافعي: يسرح بمشط واسع الأسنان.
٤٤٢٢ - لنا: أن التسريح يتناثر معه الشعر في العادة، ومن حكم الشعر أن يدفن مع الميت، فلا معنى لإزالته.
٤٤٢٣ - ولا يقال: إن الغسل بالسدر يزيل الشعر وهو جائز؛ لأن هذا يراد للنظافة، والتسريح لا يحتاج إليه لهذا المعنى، ولأن التسريح يفعل للزينة والميت لا يزين وإنما ينظف.
٤٤٢٤ - احتجوا: بما روي أن النبي ﷺ قال: (اصنعوا بموتاكم ما تصنعون بعرائسكم).
стр. 972
٤٤٢٥ - والجواب: أنه لم يرد به كما يصنع بالعروس، وإنما المراد به: ما يصنع من التنظيف والطيب.
* * *
стр. 973
مسألة ٢٧٠
يستحب أن يغسل الميت بماء حار
٤٤٢٦ - قال أصحابنا: يستحب أن يغسل الميت بماء حار.
٤٤٢٧ - وقال الشافعي: إذا لم يكن عليه وسخ أو نجاسة لا يزول إلا بماء حار جاز، وإلا فالأفضل البارد.
٤٤٢٨ - لنا: أن المقصود من الغسل النظافة، والحار أبلغ في إزالة الدرن، ولهذا إذا أراد الحي المبالغة في النظافة استعمله، فكان أولى.
٤٤٢٩ - ولا يقال: إن البارد يصلب البدن، والحار يرخيه؛ لأن الميت يصير إلى البلى، فلا معنى لاعتبار ما يصلبه ويقويه.
* * *
стр. 974
مسألة ٢٧١
لا يقص شعر الميت ولا ينتف شعر إبطه ولا يؤخذ شعر عانته
٤٤٣٠ - قال أصحابنا: لا يقص شعر الميت ولا ينتف إبطه ولا يؤخذ شعر عانته.
٤٤٣١ - وقال الشافعي: يجوز ذلك في أحد قوليه إلا أنه قال: ليس بسنة، وقال: في حلق رأسه على وجهين: إن كان ممن يتزين بترك الشعر لم يحلق، وإن كان ممن عادته أن ينظف حلق.
٤٤٣٢ - لنا: ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: (أتريدون أن أنصوا موتاكم)
стр. 975
فأنكرت ذلك، ولا مخالف لها.
٤٤٣٣ - ولا يقال: روي (أن سعدا غسل ميتا فاستدعى موسى). لأنه يجوز أن يكون شعر التزق به دم، أو نجاسة لا تزول إلا بإزالته، ولأنه شيء من بدنه من غير حاجة، كالختان.
٤٤٣٤ - ولأنه إذا حلق دفن معه، فلا فائدة للتفريق بينهما.
٤٤٣٥ - ولأن أخذ الشارب واللحية مسنون في حال الحياة، ولا يثبت بعد الموت وكذلك أخذ الإبط.
٤٤٣٦ - احتجوا: بما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (اصنعوا بموتاكم ما تصنعون بعرائسكم).
٤٤٣٧ - قلنا: نحن نعلم أنه لم يرد جميع ما يصنع بالعروس، فبقى أن يكون المراد بعضه من الغسل والطيب.
٤٤٣٨ - قالوا: إزالة هذه الأشياء نظافة ليس فيها قطع عضو، فأشبه الغسل وإزالة النجاسة.
٤٤٣٩ - قلنا: الحلق إنما يفعل للنظافة، لكن لا يحصل فيه وسخ في الثاني، وإلا فبالغسل يتنظف؛ فالحي يجوز أن يصيبه وسخ ونجاسة، فأمرنا بإزالة ذلك عنه، والميت إذا نظف بالغسل، أمن به النجاسة، فلم يحتج إلى إزالته، ألا ترى أن موضع الحار يراد للنظافة حين لا يجتمع فيه البول، فلما أمن من الميت هذا المعنى لم يحتج إلى إزالته؟.
* * *
стр. 976
مسألة ٢٧٢
إذا خرج من الميت نجاسة بعد الغسل غسل ذلك الموضع ولم يعد غسله
٤٤٤٠ - قال أصحابنا: إذا خرج من الميت نجاسة بعد الغسل، غسل ذلك الموضع، ولم يعد غسله.
٤٤٤١ - ومن أصحاب الشافعي من قال: يعاد الغسل، ومنهم من قال: يعاد الوضوء.
٤٤٤٢ - فالقول الأول: فاسد؛ لأن غسل الميت كالغسل من الجنابة، ومعلوم أن من اغتسل من الجنابة ثم خرجت منه نجاسة؛ لم يعد الغسل.
٤٤٤٣ - والقول الثاني: خطأ أيضا؛ لأنه يؤدي إلى انتقاض طهارة الميت بالحدث، والموت ينافي ابتداء وجوب الأحكام عليه.
٤٤٤٤ - ولأن الموت في نفسه حدث، فلو كان الوضوء يجب بخروج خارج لوجب بالموت.
стр. 977
مسألة ٢٧٣
إذا مات المحرم فعل به ما يفعل بغيره من تخمير رأسه وتطييبه
٤٤٤٥ - قال أصحابنا: إذا مات المحرم فعل به ما يفعل بغيره من تخمير رأسه وتطييبه.
٤٤٤٦ - وقال الشافعي: لا يخمر رأسه ولا يقرب طيبا.
٤٤٤٧ - لنا: ما روي عن عيسى بن أحمد، عن علي بن عاصم، عن عطاء، عن ابن عباس ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: (خمروا رؤوس موتاكم، وغطوا وجوههم، ولا تتشبهوا باليهود). وبإسناده: (قال ﷺ في المحرم يموت: خمروهم، ولا تتشبهوا باليهود).
стр. 978
٤٤٤٨ - ولا يقال إن هذا الخبر رواه عطاء مرسلا؛ لأنه قد روي عن عطاء أنه قال: (إذا مات المحرم فليخمر رأسه؛ فإنه بلغنا عن النبي ﷺ أنه قال: (خمروا وجوههم، ولا تتشبهوا باليهود) وروي [مسندا مرسلا].
٤٤٤٩ - ويدل عليه: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (إذا مات المرء المسلم انقطع عمله إلا من ثلاث: علم ينتفع به، وولد صالح يدعو له، وصدقة جارية).
٤٤٥٠ - ومعلوم أن الميت ينقطع عمله من طريق المشاهدة، والنبي ﷺ لا يعلمنا المشاهدات، [فعلم أنه أراد: انقطع عمله]، ولهذا استثنى منه الحكم.
٤٤٥١ - ولا يقال: إن المراد به: ثواب العمل؛ لأنه الظاهر إيقاع الحكم الذي هو الثواب وغيره لا يختص إلا بدليل؛ لأن العمل إذا علم بانقطاعه؛ فالثواب الذي يستحقه لا ينقطع بالإجماع، وما يستحق في الثاني لا يستحق مع انقطاع العمل، فلم يكن ادعاء العموم.
٤٤٥٢ - ولأنها عبادة شرعية أو يتعلق بالجوارح الظاهرة، أو لا يصح إلا بعد اعتقاد الإيمان، أو لها تحليل وتحريم، أو يخرج عنها بفعل مباح فوجب أن ينقطع بالموت، كالصوم والصلاة.
стр. 979
٤٤٥٣ - ولا يقال: إن الصلاة لا تنقطع بالموت؛ لأنا نريد بقولنا: أنه لا يبقى لها حكم، بدلالة أنه يستدبر به القبلة وينتقل حكمه، ينقطع بالجنون فانقطع بالموت، والإحرام عبادة محضة لا يبطل حكمها بالجنون، فلا يبطل بالوفاة.
٤٤٥٤ - قلنا: إن جعلنا أصل العلة الصوم؛ لم نسلم أنه يبطل بالجنون، وإن كان الأصل الصلاة؛ فلا يصح على أصلهم؛ لأن الجنون لا يبطل الصلاة وإنما يبطل الطهارة، فتبطل الصلاة لفقدها.
٤٤٥٥ - ولأن الإحرام لا يبطل بالجنون؛ لأن أداء الأفعال ممكن مع الجنون أو مرجو بعده، وذلك لا يوجد في الموت.
٤٤٥٦ - ولا يقال: إن الصلاة تفتقر إلى الطهارة فبطلت بالموت، والإحرام لا يفتقر إليها فلم يبطل؛ لأن الصوم لا يفتقر إلى الطهارة ويبطل بالموت.
٤٤٥٧ - ولأن الصلاة افتقرت إلى طهارة، والإحرام يفتقر إلى التكليف في حال فعله، أو جواز أن يفعل في الثاني، ولأن الموت معنى يمنع وجوب الكفارات، كالتحلل.
٤٤٥٨ - ولا يقال: إن الكفارات تجب للانتفاع والميت لا ينتفع؛ لأن المجنون يجب عليه الكفارات وإن لم ينتفع.
٤٤٥٩ - ولأن الكفارة وإن كانت تجب للانتفاع فالحظر وقع للاستمتاع، والميت لا يستمتع. ولأن ما كان مسنونا في الميت الحلال كان مسنونا في المحرم، كالتكبير والغسل؛ لأن كل من سن فيه التكبير سن فيه التطيب وتغطية الرأس، كالحلال.
٤٤٦٠ - ولأنه لا يمنع من تغطية وجهه، فلا يمنع من تغطية رأسه كالحلال.
٤٤٦١ - ولا يلزم على هذه العلل المحرم الذي مات على عهد رسول الله ﷺ لأن
стр. 980
التعليل لثبوت الحكم في المستقبل؛ فلا يناقض بالماضي.
٤٤٦٢ - ولأن حكم ذلك مخصوص به لمعنى لا يوجد في غيره وسنبينه.
٤٤٦٣ - احتجوا بحديث ابن عباس ﵁ (أن محرما وقصته ناقته فذكر ذلك للنبي ﷺ فقال: (اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبيه، ولا تخمروا رأسه؛ فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا)، وروى: (ولا تقربوه طيبا).
٤٤٦٤ - والجواب: أن ترك تخمير الرأس كان مشروعا في بدء الإسلام في جميع الموتى اتباعا لشرع من تقدم حتى نسخ بقوله ﵊: (خمروهم، ولا تتشبهوا باليهود). فيجوز أن يكون هذا قبل النسخ، فمنع من تخميره ليس لأجل الإحرام، ومنعهم من تطييبه؛ لأنهم محرمون. وقوله: (فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا) بيان حاله في الآخرة.
٤٤٦٥ - وجواب آخر: أن النبي ﷺ علق الحكم بعلة، وهو بقاء إحرامه في الآخرة وذلك لا يعلم في غيره، فلم يجز إثبات الحكم مع عدم العلم بالعلة.
* * *
стр. 981
مسألة ٢٧٤
إذا ماتت المرأة لم يجز لزوجها غسلها
٤٤٦٦ - قال أصحابنا: إذا ماتت المرأة؛ لأم يجز لزوجها غسلها.
٤٤٦٧ - وقال الشافعي: يجوز ذلك.
٤٤٦٨ - لنا: ما روي عن النبي ﷺ أنه قال: (لا ينظر الرجل إلى فرج امرأة وابنتها تحل له).
٤٤٦٩ - [ومعلوم أن زوجته لو ماتت قبل الدخول جاز له أن يتزوج بابنتها، فلو غسل أمها لنظر إلى فرجها وابنتها تحل له].
٤٤٧٠ - ولا يقال: النظر إلى الفرج لا يجوز في حال الحياة، ولا بعد الموت؛
стр. 982
لأن مذهب الشافعي: أن النظر جائز في الحالتين، وإنما هذا شيء التزمه بعض أصحابه.
٤٤٧١ - قالوا: المراد به: النظر للشهوة. قلنا: ظاهر الخبر يقتضي العموم وحمله على التخصيص لا يجوز بغير دليل.
٤٤٧٢ - ويدل عليه: ما روي أبو عمر الشيباني عن ابن مسعود ﵁ (أنه قال: قلت لعلي: لم غسلت فاطمة؟ فقال: أما علمت أن النبي ﷺ ضمن أنها زوجتي في الدنيا والآخرة)، فدل من اتفاقهما أن الغسل لا يجوز.
٤٤٧٣ - وروي عن عمر "أن امرأته لما ماتت قال لأهلها: نحن كنا أحق بها في حال حياتها، فأما الآن فأنتم أحق). ولأنه ارتفع النكاح وأحكامه؛ فوجب أن لا يغسلها كما لو ماتت في حياته.
٤٤٧٤ - ولا يلزم إذا اشتراها؛ لأنه يغسلها بحكم الملك، ولا يجوز له تزوج أختها؛ فلم يجوز له غسلها [بحكم النكاح] كما لو طلقها، ولأنه كل حالة لا يجوز للزوج الاستمتاع به لم يجز له غسلها بحكم النكاح، كما لو طلقها طلاقا رجعيا ثم ماتت.
٤٤٧٥ - قالوا: المعنى فيما ذكرتموه أنه لا يجوز لها الغسل فلم يجز له أن يغسلها، ولما جاز لها في مسألتنا غسله إذا مات، كذلك جاز له.
٤٤٧٦ - قلنا: القياس عندنا يمنع غسلها له، وموضع الاستحسان لا يحصل وصفا في المعارضة.
٤٤٧٧ - ولأنه إنما جاز لها الغسل لبقاء العدة التي أوجبها النكاح، فجاز أن يبقي حكم النظر، ولما لم يبق بعد موتها نكاح ولا عدة؛ لم يجز الغسل بحكم، وصار
стр. 983
وزانه أن يموت الرجل ثم تضع حملها. ولا يلزم على ما ذكرناه العدة حال الحياة.
٤٤٧٨ - لأن تلك العدة لم يوجبها النكاح وإنما أوجبها الوطء، وعدة الوفاة أوجبها النكاح، بدلالة ثبوتها، وطئ أو لم يطأ. ولا يلزم إذا مات المظاهر؛ لأنه روي عن أبي يوسف في جواز غسلها روايتان.
٤٤٧٩ - وإذا ارتدت بعد موت الزوج: قال زفر: تغسله، وعند أبي يوسف لا تغسله، ولا يعرف مذهب أبي حنيفة.
٤٤٨٠ - احتجوا: بما روي عن عائشة ﵂ (أنها قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وأنا أجد صداعا قلت: وا رأساه فقال: (بل أنا وا رأساه ما عليك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك ودفنتك).
٤٤٨١ - وهذا يدل على أن له غسلها. والجواب: أنه يحتمل أن يكون المراد: أمرت بغسلك. وقد يضاف الشيء إلى الإنسان بمعنى: الأمر به، كما قيل: زنا ماعز، فرجمه رسول الله ﷺ ؛ ولأن الزوجية لم تنقطع بينهما بالموت؛ لأن النبي
стр. 984
- ﷺ قال لها: (أنت زوجتي في الدنيا والآخرة)، وقال: (كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي)، وإذا لم ينقطع النكاح بالموت جاز الغسل، ولهذا لم يجز لهن التزويج لبقاء حكم النكاح.
٤٤٨٢ - قالوا: لو كان كذلك، لم تجب عليهن عدة.
٤٤٨٣ - قلنا: لسنا نقول: إن نفس النكاح باق والعدة ثابتة. ولا يقال: إن زوجات النبي ﷺ إذا متن جاز له أن يتزوج بأخواتهن. وقد تزوج علي ﵁ بعد فاطمة ﵂ بأمامة بنت بنت رسول الله ﷺ ؛ فدل أن النكاح قد زال.
٤٤٨٤ - قلنا: المعنى المانع من الجمع: خشية العداوة، وقطع الرحم، وهذا المعنى يزول بالموت.
٤٤٨٥ - قالوا: قال رسول الله ﷺ : (كل سبب [ونسب] ينقطع يوم القيامة، إلا سببي ونسبي) يريد به الإسلام، بدلالة أن نسبه كنسب غيره.
٤٤٨٦ - قلنا: المفهوم من النسب النكاح، وقد فهم ذلك عمر ﵁ وهو الراوي، فقال لما خطب أم كلثوم: (إنما تزوجتها لأني سمعت النبي ﷺ يقول: (كل سبب ونسب ينقطع يوم القيامة) الخبر.
٤٤٨٧ - قالوا: نسب النبي ﷺ كنسب غيره يوم القيامة.
стр. 985
٤٤٨٨ - قلنا: قد روي: (إن الناس يدعون يوم القيامة بأمهاتهم)؛ فيجوز أن يكون نسبه [﵊] غير منقطع؛ لأنه يدعى بالأب وكذلك ولده ينسب إليه، ولا ينسب إلى أمه.
٤٤٨٩ - قالوا: روي عن أسماء ﵂ أنها قالت: (أوصت إلي فاطمة أن أغسلها أنا وعلي، فغسلتها أنا وعلي).
٤٤٩٠ - قالوا: ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة.
٤٤٩١ - قلنا: قد روينا أن ابن مسعود ﵁ أنكر. ولأنه إنما غسلها لما بينا أن الزوجية بينهما لم تنقطع. وقد رويت هذه القصة متعارضة، فذكر الواقدي أن أسماء غسلتها. وروي أن أم هانئ كانت تغسلها وعلي يعطيها الماء، فأضيف الغسل إليه. كما روي (أن النبي ﷺ غسله ستة: العباس وعلي والفضل بن العباس وقثم بن العباس، ومولياه: شقران وأسامة، وإنما كان العباس يصب الماء وعلي يتولى الغسل).
٤٤٩٢ - وأضيف إلى جماعتهم لأجل المعاونة. وقد ذكر الطحاوي بإسناده
следующие страницы →