القدر ما أقول؟ قال قولي: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني» (١). فالله يحبُّ لعباده أن يعفو بعضهم عن بعض، وأن يغفر بعضهم لبعض ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾، وهذه الآية نزلت في أبي بكر ﵁ عندما حلف ألا ينفق على مسطح ابن بنت خالته، فلما أنزل الله هذه الآية قال: «بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي»، فَرَدَّ على مسطح نفقته (٢).
ومن الصفات التي ورد بعض الأدلة والشواهد عليها العزة، فمن صفاته تعالى العزة، والعزة تفسر: بالقوة، والغلبة، ومن أسمائه العزيز، فله العزة جميعا بكل معانيها، وهو الذي منه العزة، فيعز من يشاء، ويذل من يشاء، وقد جعل العزة الحقة للرسول ﷺ ، وللمؤمنين، ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [المنافقون: ٨].
وكلما كان حظُّ الإنسان من الإيمان أكبر كان حظه من العزة، والنَصْر، والنجاة أوفر، فاسمه العزيز يدل على صفة العزة، فليس اسمًا محضًا مجردًا خاليًا عن المعنى.
стр. 107
وقال عن إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِين (٨٢)﴾ [ص]، فأقسم إبليس بعزة الله، وهدد آدم وذريته بالإغواء، نعوذ بالله من إبليس، وجنوده من شياطين الإنس والجن.
فلله تعالى الغلبة على كل شيء ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّين (٢٠) كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز (٢١)﴾ [المجادلة]، وهو سبحانه العزيز - أي -: الذي لا مثيل له، فله تعالى العزة بكل معانيها على أكمل وجه، وإن كان المخلوق قد يسمى عزيزًا، كما قال تعالى: ﴿قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ﴾ [يوسف: ٥١]، فله عزة تناسبه، وليس العزيز كالعزيز، ولا العزة كالعزة، فسبحان الله العظيم الذي له الأسماء الحسنى والصفات العلا، وله المثل الأعلى.
* * * *
هذه الآيات التي ساقها المؤلف ﵀ تختلف عن الآيات السابقة، فإن هذه الآيات: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾، ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾.
هذه الآيات تتضمَّن وصف الله بنفي تلك النقائص عنه سبحانه، فالله موصوفٌ بالإثبات وبالنفي، ومن صفات النفي التي يُوصَف الله بها تعالى أنه منزَّه عن: الولد، والوالد، والكفء، والنِّدِّ، والشريك، والولي من الذل.
قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ فيه نفي الولد، ونفيُ الولد نَجده في القرآن كثيرًا كما في هذه الآيات التي فيها التنديد بالذين ينسبون إليه الولد، وذلك لأن كثيرًا من الأمم نسبوا إليه ذلك تعالى الله عمّا يقولون، فاليهود قالت: عزيز ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، ومشركو العرب قالوا: الملائكة بنات الله؛ ولهذا كثر التنديد بمقالتهم ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُون (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُون (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُون (١٥١)﴾ ﴿وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِين (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُون (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُون (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُّبِين (١٥٦)﴾ [الصافات]، ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ
стр. 110
وَلَهُ الأُنثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ [النجم]. توبيخٌ لهم وتقريعٌ وإفحامٌ، وأنه لا حجَّة لهم من عقلٍ ولا شرعٍ ولا حسٍّ، ما هو إلا الكذب والافتراء الذي زينه الشيطان لهم.
وكل من أشرك مع الله غيره فقد جعل له مثلًا، وجعل له ندًّا؛ ولهذا أنكر الله عليهم ذلك ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ لا تجعلوا له أشباهًا، ونظراء؛ فإنه لا نظير له، لا تجعلوا له أندادًا في العبادة، فإنه الإله الحق الذي لا يستحقُّ العبادة سواه، فلا مثيل له في ذاته، ولا في صفاته، ليس كمثله شيء.
وهذه الآيات الغالب فيها النفي، وإن كان فيها إثبات، لكن الشيخ ﵀ ساقها للاستشهاد بها على الصفات السلبية، فالله تعالى موصوفٌ بنفي النقائص، والعيوب، كنفي الشريك، ففي القرآن: ﴿لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: ١٦٣]، ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُون (٤٣)﴾ [الطور] ونفي الولد، والصاحبة ﴿مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣)﴾ [الجن]، ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١]، ونفي المِثْل ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُون (٧٤)﴾ [النحل]، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].
فذمَّ الذين اتخذوا من دون الله أندادًا في المحبة يحبونهم كحبهم لله.
والسمي، والندّ، والكفء أو الكفو، والمثل؛ كلها ألفاظ متقاربة تفسر بالمثل، والشبه، والشبيه، والنظير، فإنه لا سمي له، ولا كفو له، ولا ندّ له، ولا يقاس بخلقه، ونفي هذه النقائص يستلزم إثبات
стр. 111
الكمال، وتفرُّده به، فهو المتفرد بربوبيته، وإلهيته، وأسمائه، وصفاته، ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ﴾ [المؤمنون: ٩١]، نفى الولد، ونفى الإله، لو كان مع الله إله آخر لكان للإله خلق، ولانفرد، وذهب كل إله بما خلق، ولعلا بعضهم على بعض، ولكنه ما ثَمَّ إلا إله واحد، هو الإله الحق، وكل ما يعبد من دون الله فهو معبود بالباطل.
فليس في الوجود إله حق إلا الإله الواحد ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيم (١٦٣)﴾ [البقرة]، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُون (٢٥)﴾ [الأنبياء]، لا إله إلا الله: أصل دين الرسل كلهم من أولهم إلى آخرهم، لا إله إلا الله: نفي لإلهية ما سوى الله، وإثبات الإلهية له تعالى، ولا يتحقق التوحيد إلا بذلك بإثبات الإلهية له، ونفي الإلهية عما سواه، ثم تخصيصه بالعبادة، وعبادته تعالى وحده، وترك عبادة ما سواه ﴿وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: ٣٦].
قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾.
تبارك: هذه الكلمة تدل على التنزيه، والتقديس، تنزيه الله تعالى، وتقديسه عن كل النقائص، والعيوب من: الشركاء، والأنداد، والأولاد.
وفيها: الدلالة على أنه تعالى ذو الخيرِ، والبركةِ، والبركةُ: هي الخير الكثير، وهو الذي بيده الخير، وهو الذي له الأسماء الحسنى، والصفات العلا.
стр. 112
وتبارك: تدلُّ على أن بركته تعالى ذاتيَّة ليست مكتسبة، أما المخلوق فما يكون فيه من بركة، فهي بركة موهوبة.
قال الله عن عيسى ﵇: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾ [مريم: ٣١]، فالعبد يكون مباركًا، ولا يقال في العبد: إنه تبارك، لا تقل: فلان تبارك، كما يجري على ألسنة بعض الناس يقولون: تباركت علينا يا فلان، أو تبارك هذا الشيء، تباركت هذه السلعة، أو هذه الدار .. هذا غلط، والصواب أن تقول: هذه سلعة مباركة، وهذه دابة مباركة، وسيارة مباركة، وهذا شيء مبارك، وما إلى ذلك .. (١) فالله يجعل البركة فيما شاء من خلقه، أما الله تعالى فبركته ذاتية له، فهو الذي يوصف بأنه تبارك، يقال: تبارك الله أحسن الخالقين، تبارك الله رب العالمين، تبارك الذي نزل الفرقان على عبده.
ف (تبارك) لا تضاف إلا إلى الله، أو إلى اسم من أسمائه، ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالإِكْرَام (٧٨)﴾ [الرحمن].
وتقدَّم (٢): أن القاعدة فيما يُوصَف الله به من النفي: أن يكون مجملاً لا مفصلًا، وهذا هو الغالب، وقد يأتي النفي مفصلًا؛ فنفي الكفء، والندّ، والسمي، والمثل؛ كل هذا من قبيل النفي المجمل؛ لأنه نفي مطلق عام، فلا سمي له، ولا كفء له، ولا ند له، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فهذا نفي مجمل.
стр. 113
أما نفي الولد، ونفي النوم والسِّنة، ونفي الصاحبة؛ فهذا من النفي المفصَّل.
وكلُّ ما يُوصَف الله به من النفي؛ فإنه متضمِّن لإثبات كمال، فنفي السِّنة والنوم؛ يتضمَّن إثبات كمال حياته، وقيوميَّته.
ونفي الضلال والنسيان ﴿لاَّ يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ [طه] يتضمن إثبات كمال علمه.
ونفي الغفلة عنه تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِين (١٧)﴾ [المؤمنون]، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون (١٢٣)﴾ [هود] يتضمَّن كمال علمه، فلِكمال علمه سبحانه لا يغفُل.
ونفي الشريك يتضمن كمال تفرده في ربوبيته، وإلهيته؛ فهو الواحد، وهو الأحد، وهو الإله الذي لا شريك له ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ نَفَى الولد ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ لا شريك له في ملكه، ولا شريك له في شيء من: أسمائه وصفاته سبحانه.
ونفي الولي من الذل يتضمَّن كمال عزَّته، وكمال قوَّته، وقدرته. ووَلايتُهُ لأوليائه لم تكن لحاجة وذلٍّ يلحقه تعالى وتقدَّس؛ بل هو القوي العزيز، وهو القدير المقْتدِر؛ ولهذا قال سبحانه: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ [الإسراء]، عَظِّم ربك تعظيمًا بالقول، وبالفعل؛ فهو الكبير المتعال، وهو أكبر من كل شيء، الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلًا.
стр. 114
ومن الآيات التي ساقَها المؤلِّف قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾.
الفواحش: الفَعْلات المنكرة البالغة في القبح غايته، وتستفحشها، وتستقبحها الفطر السليمة، والعقول المستقيمة.
والبغي: ظلم الخلق.
﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ﴾ ولعل هذا هو الشاهد، فتحريم الشرك بالله يتضمَّن نفي الشريك كما أن قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ نهيٌ عن جعل الأنداد لله؛ لأنه لا ندَّ له، فلما كان تعالى لا ندَّ له حَرَّم على عباده أن يتَّخذوا له أندادًا؛ لأن ما يتَّخذونه أندادًا، وشركاء هي ليست أندادًا، ولا شركاء إلا في زعم المشركين وظنهم، وإلا فهي مخلوقات مربوبة ناقصة عاجزة.
المقصود أن هذه الآيات ساقها المؤلف استشهادًا على أنه تعالى: موصوف بالإثبات، والنفي، وأن الله جمع فيما وصف، وسمَّى به نفسه بين النفي والإثبات، فنجد بعض الآيات فيها إثبات، وبعضها فيها نفي فقط، وبعضها يجمع الله فيها بين النفي والإثبات، وكل إثبات فإنه يتضمَّن نفي ضده.
فإثبات العلم يستلزم نفي الجهل، والنسيان، والضلال، والغفلة، ونفي هذه الأشياء يتضمن كمال العلم، وهكذا نجد أن أساليب القرآن في وصفه تعالى متنوعة كثيرًا، مجملةً، ومفصلةً، ونصوص الصفات هي أكثر ما في القرآن.
стр. 115
إثبات استواء الله تعالى على عرشه
وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ في ستة مواضع: في سورة الأعراف قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقال في سورة يونس: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: ٣]، وقال في سورة الرعد: ﴿اللّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الرعد: ٢]، وقال في سورة طه: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه]، وقال في سورة الفرقان: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ [الفرقان: ٥٩]، وقال في سورة ألم السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُون (٤)﴾ [السجدة]، وقال في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الحديد: ٤] (١).
стр. 116
يتابع الشيخ ﵀ سوق الشواهد القرآنية على إثبات صفاته ، فيذكر النصوص الدالة على صفة استواء الله على عرشه ، وبيَّن أن ذِكرَ استواء الله على عرشه جاء في هذه المواضع السبعة في كتاب الله.
وقال أهل العلم: العرش: معناه في اللغة: سرير المُلْك، أو سرير المَلِك (١)، والمعنى واحد.
والمراد بالعرش في هذه الآيات عرش الرحمن، وهو سرير مخلوق، وهو أعلى المخلوقات، وأعظمها، ولا يقدُر قدره إلا الله، ولا يحيط العباد بعظمة هذا العرش، وقد وصف الله العرش بأنه: عظيم ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم (٢٦)﴾ [النمل]، وكريم ﴿لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيم (١١٦)﴾ [المؤمنون]، ومجيد ﴿ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدِ ١٥﴾ [البروج] على قراءة الجر (٢).
وفي هذه الآيات التي ساقها المؤلف أخبر الله فيها عن استوائه على العرش، ومعناه كما جاء ذلك عن السلف (٣): علا، وارتفع، واستقرَّ على العرش.
стр. 117
استوى سبحانه على العرش استواء يليق به، ويخصُّه، لا يشبه استواء المخلوقِ.
هل المخلوقُ يُوصَف بالاستواء على غيره؟ نعم ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ﴾ [الزخرف: ١٣]، ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِين (٢٨)﴾ [المؤمنون]، واستوت سفينة نوح ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤]، وليس الاستواء كالاستواء؛ فاستواء الله على عرشه ليس كاستواء المخلوق بل استواء يخصُّه، ويليق به، ويناسبه، ولا يعلم العباد كنهه، فيجب أن يثبت ذلك لله مع نفي مماثلته لصفة المخلوق، ونفي العلم بالكيفية، لكن الاستواء معناه معلوم كما قال الأئمة، قال الإمام مالك لما قال له رجل: كيف استوى؟ قال: «الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة» (١).
أي: معناه معلوم في اللغة العربية؛ لأن الله أنزل هذا القرآن بلسان عربي مبين، وأمر عباده بتدبر القرآن، وذمَّ المعرضين عن ذلك.
فمعنى استوى: علا، وارتفع، واستقرَّ، كيف شاء نعلم معنى ذلك، لكننا لا نعلم كيفية ذلك.
стр. 118
«والإيمان به واجب».
لأن أصل الإيمان هو الإيمان بكل ما أخبر الله به في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ، فالإيمان بالقرآن والإيمان بالرسول ﷺ يقتضي التصديق بكل ما في الكتاب والسُّنة من الأخبار.
«والسؤال عنه بدعة»؛ لأنه تكلُّف، وسؤال عمَّا لا سبيل إلى العلم به.
ونلاحظ أن آية طه ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ فيها الإخبار بأنه استوى على العرش، لكن متى؟ الله أعلم لم تدلَّ الآية على ترتيب هذا الاستواء، أو وقت هذا الاستواء، لكنّ سائر الآيات فيها ذكر خلق السموات والأرض، وعطف الاستواء على ذلك بحرف (ثم)، فهي تدلُّ على أن استواءه على العرش بعدما خلق السموات والأرض، وهذا في كل الآيات الست ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ استواء الله مخصوص بالعرش، فلا يقال: إنه تعالى استوى على السماء، فضلًا أن يقال: استوى على الأرض؛ بل استوى على العرش الذي هو سقف المخلوقات، فهو أعلى المخلوقات وأعظمها، والله تعالى فوق جميع المخلوقات، ويلزم من استوائه على العرش علوه فوق جميع المخلوقات.
وأهل السُّنة مجمِعون على إثبات هذه الصفة، وأهل البدع من: الجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة هذه الطوائف الرئيسة، ومن دخل مدخلهم كالرافضة؛ لأن الرافضة اتبعوهم فصاروا معتزلة، وكذلك الزيدية الذين دخلت عليهم أصول المعتزلة، الكل ينفون صفة الاستواء، ومنهم من ينفي حقيقة العرش أيضًا، ويقول: المراد بالعرش المُلك، استوى على العرش يعني: استولى على الملك، فيفسرون الاستواء بالاستيلاء، والعرش بالمُلك، وقد يكتفي
стр. 119
بعضهم بتأويل الاستواء إلى الاستيلاء بصرف لفظ الاستواء إلى الاستيلاء، وهذا تحريف للكلم عن مواضعه.
أما العرش فقد دلَّت النصوص على أنه مخلوق متميِّز عن سائر المخلوقات وصف في القرآن بأنه: عظيم، وكريم، ومجيد.
وجاء في السُّنة أنه: ذو قوائم (١)، وجاء في القرآن أنه محمول ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [غافر: ٧] هل يصح أن تكون الذين يحملون الملك؟!
هم من جملة ملك الله؛ فلا يستقيم هذا التفسير الذي هو في الحقيقة تحريف.
وتفسير الاستواء بالاستيلاء أيضًا فاسد من جهة اللغة، ومن جهة الشرع، فإنه لا يُعرَف في اللغة، استوى: بمعنى استولى، ولا دليل لهم عليه إلا بيت قاله الأخطل النصراني (٢):
قد استوى بشر على العراق
من غير سيف ودم مهراق (٣)
стр. 120
قالوا: إن هذا معناه استولى على العراق. وليس هذا صريحًا، استوى بشر على العراق، يعني: علا على عرشه، صار سلطانًا عليه، وهذه عمدتهم.
وأيضًا من جهة المعنى، لا يصح، فإن الاستيلاء يشعر بأنه كان قبل ذلك غير مستولٍ عليه، وأنه صار مستوليًا عليه بعد أن لم يكن، أو يشعر أيضًا بالمغالبة (١).
المهم: أن المعطلة ومن سلك سبيلهم ينفون حقيقة الاستواء، ويفسرونه بالاستيلاء، وأهل التأويل منهم.
أما أهل التفويض؛ فيقولون: هذه نصوص يجب أن نمرُّها ألفاظًا دون أن يفهم منها معنى، ودون أن تفسر.
أي: تقرأ ألفاظًا جوفاء، لا تتدبر، ولا يعقل لها معنى، وكلا القولين باطل قول أهل التفويض، وأهل التأويل -.
فالاستواء يجب إثباته لله، ويجب أن نؤمن بأنه تعالى مستوٍ على العرش، وأنه استوى عليه بعد خلق السموات والأرض، والعرش مخلوق قبل ذلك قال النبي ﷺ : «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض، وكتب في الذكر كل شيء» (٢).
стр. 121
وفي الحديث الآخر عنه ﷺ : «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات، والأرض بخمسين ألف سنة، وعرشه على الماء» (١).
ونصوص الاستواء نوع من أنواع أدلة علوه تعالى على خلقه التي سيذكر الشيخ منها نماذج في الشواهد التالية.
* * * *
إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين (٤٦)﴾ [الأنفال]، ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللّهِ وَاللّهُ مَعَ الصَّابِرِين (٢٤٩)﴾ [البقرة].
جملة من هذه الآيات تدلُّ على علوه تعالى، وأدلَّة علو الله تعالى على خلقه أنواع كثيرة جدًّا في القرآن، والسُّنة، أوصلها العلَّامة ابن القيم إلى أكثر من عشرين نوعًا (١)، كل نوع تحته أفراد من الأدلة، فمثلًا:
من أنواع أدلَّة العلو:
١ - التصريح باستواء الله على عرشه: هذا نوع، وتحته سبعة أدلة في القرآن، كلها فيها تصريح باستواء الله على عرشه.
٢ - التصريح برفع بعض المخلوقات إليه: قال تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾ [النساء]، وقال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥].
٣ - التصريح بصعود بعض المخلوقات إليه: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]، وعروج بعض المخلوقات إليه ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، وقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ﴾ [السجدة: ٥].
стр. 124
٤ - التصريح بفوقيته تعالى على عباده: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِير (١٨)﴾ [الأنعام].
٥ - التصريح بالفوقية مقرونة بمِنْ: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون (٥٠)﴾ [النحل].
٦ - التصريح بأنه في السماء: وهذا في القرآن في موضعين، قال تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاء أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُور (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاء أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِير (١٧)﴾ [الملك].
٧ - إخباره تعالى عن فرعون بأنه قال لهامان: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَاب (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر]. ووجه دلالة هذه الآية على العلو: أن فرعون تظاهر بأنه يطلب إله موسى في السماء، مما يدل على أن موسى قد أخبره بأن إلهه في السماء، فذهب الطاغية يقول لوزيره هامان: ﴿ابْنِ لِي صَرْحًا لَّعَلِّي أَبْلُغُ الأَسْبَاب (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾، يعني: الذي يزعم أنه في السماء، فهذا هو وجه الاستدلال بهذه الآية على أن الله في السماء.
٨ - التصريح بوصف العلو ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيم (٤)﴾ [الشورى] العلي: اسم من أسمائه؛ فله العلو بكل معانيه، وله الفوقية بكل معانيها: ذاتًا، وقدرًا، وقهرًا.
стр. 125
وغيرها من أنواع الأدلة (١). وأنكر المعطِّلة علو الذات (٢). وعلو القدر وإنْ أثبتوه لفظًا فما أثبتوه في الحقيقة؛ لأن من نفى صفات الرب تعالى، ونفى أسماءه فما أثبت لله علو القدر ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾.
فالعلو الذي فيه نزاع بين أهل السنة، وطوائف المبتدعة، هو علو الذات، فأهل السُّنة يؤمنون بما دلَّت عليه هذه النصوص من أنه في العلو، فوق جميع المخلوقات، فهو سبحانه عال بذاته فوق جميع المخلوقات، فهو العلي الأعلى ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (١)﴾.
وأما أهل البدع - نعوذ بالله من الضلال، وزيغ القلوب - فيقولون: إنه ليس في السماء، ليس في العلو، بل هو في كل مكان، حال في المخلوقات، وهؤلاء هم الحُلوليَّة الذين ردَّ عليهم الإمام أحمد، وقال: «إن قولكم يستلزم أن يكون الله في أجسامكم، وأجوافكم، وأجواف الخنازير، والحشوشِ» (٣).
وكفى بهذا تنقُّصًا لرب العالمين، فالله أعلى وأجلُّ من أن تحيط به مخلوقاته، وأن يحويه شيء من مخلوقاته، بل هو العلي العظيم، العلي فوق كل شيء، العظيم الذي لا أعظم منه، فلو كان حالًّا في كل مكان لما كان هو العلي، ولما كان هو العظيم مطلقًا.
стр. 126
وهؤلاء الضلَّال عمدوا لهذه النصوص الكثيرة، فحرَّفوها كما حرَّفوا نصوص الاستواء، أو فوَّضوا، فقد يقولون:
﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾: رفع الله عيسى إلى محل عظمته، وسلطانه؛ هذا من نوع تحريفاتهم.
و ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ إلى محلِّ عظمته وسلطانِه؛ وسلطانُ الله في كل مكان.
وقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ يقولون: أأمنتم من في السماء أمره، وأمرُ الله سبحانه وسلطانه نافذ في كل شيء.
فيؤولون النصوص بنحو هذه التأويلات السمجة.
والنصوص دالَّة على أن من العباد، ومن المخلوقات ما هو عنده ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾ هؤلاء الملائكة المقرَّبون.
فعندهم: أن الله في كل مكان، والملائكة لا تعرج إليه، ونسبة كل المخلوقات إلى الله نسبة واحدة ليس بعضها أقرب إلى الله من بعض.
وكفى بهذا تنقُّصًا لرب العالمين، وتلاعبًا بكلامه حيث يصرف عن وجهه، ويحرف عن مواضعه، ويدعى أن كل هذه النصوص ليست على حقيقتها بل هي مجاز.
إذًا؛ يجب الإيمان بأنه تعالى له العلو بكل معانيه، والفوقية بكل معانيها، وأنه تعالى فوق جميع المخلوقات، ولا يخفى عليه شيء من
стр. 127
أعمالهم، فتقول: إنه تعالى فوق جميع المخلوقات، وإنه العالي على جميع المخلوقات، ولكن لا تقل: إنه استوى على جميع المخلوقات، فالاستواء مختَصٌّ بالعرش، وأما العلو فإنه على جميع المخلوقات.
و الفرق بين العلو والاستواء:
١ - أن العلو: طريق العلم به: الكتاب، والسُّنة، والإجماع، والعقل، والفطرة.
والاستواء: طريق العلم به: الكتاب، والسُّنة، والإجماع.
والاستواء دليلٌ على العلو.
٢ - الاستواء متعلِّق بالعرش فلا يقال: مستوٍ على السماء الدنيا مثلًا، وأما العلو فالله تعالى عالٍ على كل شيء تقول: الله فوق العرش، وفوق السماء، وفوق عباده، وفوق كل شيء.
٣ - الاستواء صفة فعلية تتعلَّق بالمشيئة، فالله استوى على العرش حين شاء، وقد أخبر أنه استوى على العرش بعد خلق السموات، والأرض، وهو مستوٍ بذاته تعالى.
وأما العلو فهو صفة ذاتية؛ فالعلو لا ينفك عن ذاته فله العلو المطلق دائمًا وأبدًا (١).
ثم ذكر الشيخ ﵀ بعد أن ساق جملة من النصوص الدالة على علوه تعالى على خلقه - النصوص الدالة على المعية، وفي هذا تناسب،
стр. 128
ففي مقابل أدلة العلو يذكر أدلة المعيَّة، ومن هذه النصوص آية الحديد: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، وفي سورة المجادلة: ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ وهذه هي المعيَّة العامة المتضمِّنة للعلم.
﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾.
والمعيَّة في اللغة العربية: تدلُّ على مطلق المقارنة، والمصاحبة، ولا تستلزم اختلاطًا، ولا ممازجةً، فوصفه تعالى بأنه مع عباده لا يدلُّ على أنه حالٌّ في المخلوقات، كما زعم المبطلون الغالطون: أن هذه الآيات تدلُّ على أنه في كل مكان مع عباده، معهم في بيوتهم، ومعهم في سائر ما يكونون فيه.
هذا فهمٌ خاطئٌ، هو سبحانه في السماء، في العلو، مستوٍ على عرشه، وفي نفس الوقت هو مع عباده يسمع كلامهم، ويرى مكانهم، وحركاتهم وسكناتهم، ويعلم سرَّهم، ونجواهم، لا يخفى عليه شيء من أمرهم.
ولا يعني ذلك أنه مع النجوى الثلاثة، والأربعة .. في المكان الذي هم فيه، وأنه متَّصِل بهم، ومن فهم أنّ الله تعالى حالٌّ بين أولئك النجوى داخل السقف الذي هم تحته؛ فهو جافُّ الطبع، جامد العقل، فاسد الفهم.
стр. 129
تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرا، وعمَّا يظنه الجاهلون، فذلك من ظن السوء بالله.
وهذه المعية يسميها أهل العلم: المعية العامة؛ لأن الله مع الناس كلهم ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾، ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ﴾.
ومن قال من السلف إنه تعالى معهم بعلمه؛ فهو حق، إنما قال ذلك؛ لبيان أن مقتضاها: العلم، والسمع، والبصر، وقال الإمام أحمد: إن الله تعالى بدأ آية المعية بالعلم وختمها بالعلم (١).
فمعنى أنه معهم أين ما كانوا يعني: معهم بعلمه، وهو فوق السموات.
وأما المعية الخاصة ففي الآيات الأخرى، كقوله تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾، ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (٤٦)﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾ هذه معيَّة خاصَّة؛ لأنها جاءت مقيَّدة، ف (الصابرون)، و (المتقون) هم بعض العباد لا كلهم. وقوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ هذا قاله الرسول ﷺ لأبي بكر ﵁ عندما قال له: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال ﷺ : «يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما» (٢). وأخبر الله سبحانه عن هذه المقالة ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ هذه معية خاصة، والمعية
стр. 130
الخاصة تتضمَّن ما تتضمَّنه المعية العامة من: العلم، والسمع، والبصر، وتزيد: بالنصر، والتأييد، والرعاية، وتتضمن حفظهم، وكلاءتهم.
والخلاصة أن المعية المضافة إلى الله نوعان (١): معية عامة، ومقتضاها العلم، والسمع، والبصر.
ومعية خاصة، ومقتضاها الخاص: الحفظ، والنصر، والتأييد، والعناية، والرعاية منه لأوليائه.
فالمعية العامة، عامة للبر والفاجر، وأما الخاصة، فهي خاصة بالمرسلين، والمؤمنين، والمتقين، والمحسنين، والصابرين، وهكذا.
وأهل السُّنة والجماعة يثبتون المعيَّة له تعالى على ما يليق به، ويؤمنون بأنه لا منافاة بين علوه، ومعيته، فهو عالٍ في دنوه، قريب في علوه، ولا تعارض بين النصوص الدالَّة على علوه، والنصوص الدالَّة على قربه، ومعيَّته .
وأهل الضلال يعارضون بينها، ولاحظ كيف حرفوا نصوص العلو، وحملوا نصوص المعية على ظاهرها عندهم، وليس ما فهموه هو ظاهرها، كلا، لكنهم فهموا نصوص المعية، وحملوها على ظاهرها عند ذي الفهم السقيم، والذهن الجاف الجامد.
стр. 131
والله سبحانه مع عباده أين ما كانوا، لا يخفى عليه من أحوالهم خافية، عِلمُ الله في كل مكان محيط بكل شيء، والله تعالى فوق مخلوقاته ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ (١).
* * * *
هذه الآيات ساقها الإمام ابن تيمية ﵀ للاستدلال بها على إثبات كلام الله، وأن الله يتكلم، ويُكلم، وقال ويقول، والنصوص القرآنية الدالة على إثبات صفة الكلام لله كثيرة جدًّا.
وأهل السُّنة يؤمنون بما دلَّت عليه هذه النصوص بأنه تعالى لم يزل متكلمًا إذا شاء بما شاء، وكيف شاء، لم يحدث له الكلام بعد أن كان غير متكلِّم، فيوصف تعالى بالقول فهو يقول، وبأنه يتكلم ، ويوصف بالمناداة، فهو ينادي، ويناجي ، ويتكلم كلامًا يسمعه من شاء من عباده، وكلامه بحرف وصوت، يعني: بكلمات وحروف، فكلامه تعالى حروف وكلمات، وسور وآيات، فيجب إثبات صفة الكلام له مع نفي مماثلته تعالى للمخلوقات، فكلامه، وتكلمه ليس ككلام أحد من الخلق ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.
وكلامه تصعق منه الملائكة، «إذا قضى الله الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خَضَعانًا لقوله» (١) أي: تعظيمًا له سبحانه، ولعظم ما يسمعون من وقع كلامه ، ولكنه إذا شاء كلم عباده، وجعل لهم الطاقة والقدرة على سماع كلامه، أو يكلمهم كيف شاء كلامًا تحتمله قواهم، كما كلَّم موسى، ونادى الأبوين ﴿وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ﴾ فكلامه كلام مسموع يُسْمِعه من شاء من عباده،
стр. 134
وأهل البدع المعطلة، ومن تبعهم ينفون الكلام عن الله (١)، ويقولون: إنه لا يتكلم، ولا يكلم، وأن هذا يستلزم التشبيه، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، فنفوا حقيقة الكلام عن الله بمثل هذا التلبيس الذي هو من وحي إبليس البعيد العدو المبين.
وماذا يقول هؤلاء الضلَّال عن القرآن؟
يقولون: إنه كلام مخلوق خلقه الله في الهواء لا في محل، وعبَّر عنه جبريل، أو خلق كلامًا في الهواء، وتلقَّاه جبريل، وبلَّغه.
المهم أنهم يقولون: القرآن مخلوق، كذلك ما يكلم الله به من شاء من عباده مخلوق، فيقولون: إذا أراد أن يكلم أحدًا خلق كلامًا، ومن ذلك خطاب الله لموسى وكلامه له، زعم الجهمية والمعتزلة: أن الله خلق كلاما في الشجرة هو ما قصَّه الله علينا في القرآن ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾، ﴿هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥) إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٦)﴾ [النازعات]، ومما قَصَّه الله من ذلك قال له: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ [طه] إلى آخر ما قصَّه الله علينا من خطابه وكلامه لكليمه موسى ﵊، فعندهم أن هذا الكلام الذي
стр. 135
سمعه موسى كلام مخلوق، خلقه الله في الشجرة، لا أنه كلام قائم به ، ولا أن موسى سمع كلامَ الله من الله، وهذا مع أنه تحريف للكلم عن مواضعه، فإنه غاية في التنقُّص لرب العالمين، فإن الكلام كمال، فالذي يتكلَّم أكمل من الذي لا يتكلَّم، والله عندما وبَّخ بني إسرائيل على عبادتهم العجل، ذكر أن العجل لا يتكلَّم، فكيف يعبدونه ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِين (١٤٨)﴾ [الأعراف]، وفي الآية الأخرى ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِي (٨٨) أَفَلَا يَرَوْنَ أَلاَّ يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلاً وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾ [طه]، فجعل من الدليل على بطلان إلهيَّة العجل أنه لا يرجع إليهم قولًا، ولا يرد عليهم جوابًا، ولا يتكلَّم.
وقد دلَّ على إثبات صفة الكلام هذه الآيات، وغيرها.
والتوراة أنزلت على موسى ﷺ ، والإنجيل على عيسى ﷺ ، والزبور على داود ﷺ ، والقرآن الكتاب المصدق لما بين يديه من الكتب على محمد ﷺ ؛ كلها كلام الله، منزَّلة من عند الله.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ﴾ فهو كلام الله، وإضافة القرآن إلى الله من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ كعلمه، وسمعه، وبصره، وحياته، ووجهه، ويديه.
стр. 136
والمعطِّلة نفاة الكلام يقولون: هذا القرآن مخلوق، وهذا ما أنكره عليهم أئمَّة الإسلام، وكَفَّروا من قال: القرآن مخلوق. وصبر الذين امتحنوا في أمر القرآن؛ ليقولوا بأن القرآن مخلوق، وعلى رأس هؤلاء الإمام أحمد إمام أهل السُّنة الذي امتحن بالضرب، والسجن؛ ليقول القرآن مخلوق، فأبى على الجهمية، وصبر على أذاهم (١)، فلا غرو أن حاز ذلك اللقب «إمام أهل السُّنة»، فرحمه الله وسائر أئمة الهدى.
وهذه الآيات التي ساقها المؤلِّف؛ للاستدلال بها على إثبات صفة الكلام لله، أولها قول الله: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)﴾، أي: لا أحد أصدق من الله حديثًا، ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾، القيل والقول معناهما واحد، أو متقارب، وقال الله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ فكلامه تعالى يسمى حديثًا، وقال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ فأخباره تعالى غاية في الصدق، فهو أصدق الصادقين، ولا أحد أصدق من الله، وهذا معنى من أصدق من الله حديثًا.
وشرائعُه، وأوامره، ونواهيه، كلها عدل، ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾.
وكلمات الله نوعان (٢): كلمات كونية، وهي: ما يُكَوِّن به الكائنات، كما قال: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون (٤٠)﴾ [النحل]، كما قال
стр. 137
لليهود العتاة المتمردين، ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِين (١٦٦)﴾ [الأعراف].
وكلمات شرعية، وهي: كلامه الذي أنزل على رسله، وهي: كتبه، وأعظمها، وأشرفها القرآن، فالقرآن كلامه، وكله من كلماتِه الشرعية.
وكلماتُه الكونية، والشرعية كلها كلامه، ليس شيء منها مخلوقًا؛ ولهذا جاء التعوذ بكلمات الله في غير ما حديث (١) كحديث «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» (٢) فاستدل العلماء بمثل هذا على أن كلام الله غير مخلوق.
ومن هذه الآيات ﴿إِذْ قَالَ اللّهُ يَاعِيسى﴾ في غير موضع: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥]، ﴿إِذْ قَالَ اللّهُ يَاعِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ﴾ [المائدة: ١١٠]، ﴿وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ١١٦]، ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ
стр. 138
قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ﴾، إلى آخر القصة.
كلها فيها إضافة القول إلى الله، ومنها قوله تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ كلمه: خاطبه بكلام؛ بأخبار، وأوامر ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)﴾، ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾.
الله تعالى نادى موسى وناجاه.
والنداء هو: الخطاب بصوت رفيع.
والمناجاة: الخطاب بصوت خفي.
فموسى هو كليم الله، وهو نجي الله، فالله تعالى موصوف بالمناداة والمناجاة، والعباد يوصفون بالكلام، والتكليم، وبالمناداة وبالمناجاة، وليست المناداة كالمناداة، ولا المناجاة كالمناجاة، ولا التكليم كالتكليم، وهذا كله في القرآن ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُون (٤)﴾ [الحجرات]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ [المجادلة: ١٢]، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المجادلة: ٩].
المقصود أن كل ما يُوصَف الله به من ذلك، ليس مثل ما يُوصَف به المخلوق.
﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، كلم اللهُ: بالرفع فاعل، وموسى: مفعول هو المكلَم، وتكليمًا: مصدر مؤكِّد يرفع ويدفع احتمال المجاز.
стр. 139
والمعطِّلة يحرِّفون هذه الآية لكن هيهات، يقولون: وكلَّم اللهَ، ويكون على تحريفهم التكليم من موسى لله، يعني: موسى كلَّم الله (١).
ولو كان الأمر كذلك فهل يكون لموسى خصوصية؟
لا، كل أحد يمكن أن يكلم الله، أنت تكلِّم الله، وتناجيه «إذا كان أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه» (٢) الداعي يكلم ربه يقول: يا رب، يا رب، لكن خصوصية موسى في أن الله كلمه، ولا يستطيع مبطل معطِّل أن يبطل هذه الأدلة يقول: وكلَّم اللهَ،؛ لأن كلام الله محفوظ في الصدور، وفي المصاحف: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيد (٤٢)﴾ [فصلت].
وهذا التكليم بيَّن اللهُ أنه كان مناداة، ومناجاة، كما في آية سورة مريم ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾، فالله تعالى نادى موسى، ونادى الأبوين آدم وحواء من قبل لما عصيا، وخالفا أمر الله، وارتكبا ما نُهيا عنه ﴿فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِين (٢٢) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِين (٢٣)﴾ [الأعراف]، وكذلك ينادي المشركين يوم القيامة توبيخًا لهم ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُون (٦٢)﴾ [القصص]، ويخاطب الرسل ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ
стр. 140
قَالُوا لَا عِلْمَ لَنَا إِنَّكَ أَنْتَ عَلاَّمُ الْغُيُوب (١٠٩)﴾ [المائدة]، وفي الحديث «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان» (١).
فالله تعالى لم يزل، ولا يزال متكلِّمًا، إذا شاء بما شاء، وكيف شاء، ويكلم من شاء من عباده من: ملائكته، ورسله، وعباده، وسائر الخلق، ومن كلامه الكتب، ومنها القرآن، فالقرآن كلام الله، ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، هو كلام الله كيفما تصرَّف غير مخلوق، محفوظ في الصدور، ومسموع بالآذان ومقروء بالألسنة، ومكتوب في المصاحف؛ كله كلام الله.
لكنْ كلام الله يُسمع ممن؟
يُسمع من القارئ، فقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، يسمعه إما من: الرسول ﷺ ، أو من بعض المؤمنين.
أما الذي سمع القرآن كلام الله من الله؛ فهو جبريل ﵇؛ لأنه هو الموكَّل بالوحي ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِين (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِين (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِين (١٩٤)﴾ [الشعراء]، فجبريل الروح الأمين سمع كلام الله من الله، ومحمد ﷺ سمع القرآن من جبريل، والصحابة سمعوا القرآن من الرسول ﷺ ، ويسمعه بعضهم من بعض، وهكذا.
والآيات الكثيرة المتقدمة التي جاءت بأساليب، وبألفاظ مختلفة كلها تدل على إثبات كلام الله .
стр. 141
ثبوت نزول القرآن من الله
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦]، ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢]، ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]، ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ [النحل].
هذه الآيات فيها إخبار عن القرآن بأنه منزل من عند الله، والآيات التي فيها الإخبار عن نزول وتنزيل وإنزال القرآن كثيرة جدًا ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)﴾ [النمل]، والقرآن يوصف بأنه يقصُّ، وأنه يبشِّر، وينذر، ويهدي، كلها قد جاءت في القرآن ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠)﴾ [الإسراء]، ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى
стр. 142
لِلْمُحْسِنِين (١٢)﴾ [الأحقاف]، فالقرآن يوصف بأنه يقصُّ؛ لاشتماله على القصص كأخبار الأنبياء مع أممهم، وعلى ما فيه من الأوامر، والنواهي، كل هذا يقصه على العباد ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)﴾، هنا جاء التقييد ببني إسرائيل، كما قص عليهم ما قصَّ من أمر المسيح ﵇، ومن أمر ما حرم عليهم ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٦].
وهذه الآيات التي فيها الإخبار عن نزول القرآن، تؤكِّد ما مضى من أن القرآن كلام الله؛ لأنه منزل من الله ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢]، ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِين (١٩٣)﴾ [الشعراء]، ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيم (١)﴾ [الزمر]، ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيم (٢)﴾ [غافر]، ﴿تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم (٢)﴾ [فصلت].
فهذه الآيات التي فيها الإخبار عن نزول القرآن من الله يستدل بها على أن القرآن كلام الله منزل منه سبحانه، ويستدل بها على علوه تعالى؛ لأن النزول إنما يكون من العلو، فهي تؤكِّد الأمرين جميعًا.
* * * *
стр. 143
إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة
وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة (٢٣)﴾ [القيامة]، ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُون (٢٣)﴾ [المطففين]، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، ﴿لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيد (٣٥)﴾ [ق]. وهذا البابُ في كتابِ اللهِ تعالى كثيرٌ، مَنْ تدبَّرَ القرآن طالبًا للهدى منه؛ تَبينَ له طريق الحق.
وهذه الآيات ختم بها المؤلف ﵀ ما أورده من النصوص القرآنية الدالة على إثبات صفات الرب ، وهي النصوص الدالة على إثبات رؤية العباد لله تعالى، وهذه مسألة كبيرة ضلَّ فيها كثير من الطوائف، ووفَّق الله للحق فيها وغيرها أهل السُّنة والجماعة، ومسألة الرؤية داخلة في مسائل الصفات.
والمعطلة: يقولون إنه تعالى لا يرى (١).
وأهل السُّنة والجماعة يؤمنون بما دلَّ عليه الكتاب والسُّنة: من أنه تعالى يرى بالإبصار، يراه من شاء من عباده، وقد دلَّت النصوص على
стр. 144
أن المؤمنين يرونه يوم القيامة في الجنة، وفي عَرَصات القيامة، ومن هذه الأدلة قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة (٢٣)﴾ ناضرة: بهية حسنة مشرقة، وهي: وجوه أولياء الله المؤمنين يوم القيامة.
﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة (٢٣)﴾ مِنْ النظر بالبصر؛ يعني: تنظر إلى ربها بأبصارها.
ونظر: يأتي متعديًا (بنفسه)، ومتعديًا ب (فِي)، ومتعديًا ب (إلى) (١)؛ فالمتعدي بنفسه بمعنى الانتظار قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الامُور (٢١٠)﴾ [البقرة]، ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] بمعنى: هل ينتظر هؤلاء الكفَّار إلا تأويل ما وعدوا به.
والمتعدي ب (في)، بمعنى التفكر ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، يعني: أولم يتفكروا، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ﴾ [الروم: ٨].
أما المتعدي ب (إلى)، فهو بمعنى نظر العين، تقول: نظرت إلى كذا، يعني: بعيني، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوج (٦)﴾ [ق].
فهذه الآية ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة (٢٣)﴾ هي أدلُّ دليل على إثبات رؤية المؤمنين لله تعالى.
ومن الأدلَّة ما توعَّد الله به الكفار المكذبين بقوله: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون (١٤) كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُون (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيم
стр. 145
(١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُون (١٧)﴾ [المطففين]، فتهديد الكافرين بحجبهم عن ربهم؛ يدلُّ على أن المؤمنين بخلاف ذلك، وأنهم يرون الله سبحانه، فلو كان المؤمنون لا يرونه لما كان بينهم وبين المكذبين فرق، ولو كان تعالى لا يرى البتة كما تزعم المعطلة؛ لما كان في هذا الوعيد فائدة؛ لأن الرؤية على قولهم مستحيلة؛ فالكل محجوب.
ومن الأدلة القرآنية على إثبات الرؤية قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾، وقد جاء تفسير: الزيادة (١) والمزيد (٢) بأنه: النظر إلى وجهه الكريم ، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾: الجنة، وزيادة عظيمة هي نظرهم إلى وجهه الكريم ، وفي الدعاء المأثور: «وأسألك لذة النظر إلى وجهك» (٣). نسأله تعالى أن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم.