ثبوت نزول القرآن من الله
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [النمل: ٧٦]، ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢]، ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: ٢١]، ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١) قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ [النحل].
هذه الآيات فيها إخبار عن القرآن بأنه منزل من عند الله، والآيات التي فيها الإخبار عن نزول وتنزيل وإنزال القرآن كثيرة جدًا ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)﴾ [النمل]، والقرآن يوصف بأنه يقصُّ، وأنه يبشِّر، وينذر، ويهدي، كلها قد جاءت في القرآن ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (٩) وأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٠)﴾ [الإسراء]، ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُّصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى
стр. 142
لِلْمُحْسِنِين (١٢)﴾ [الأحقاف]، فالقرآن يوصف بأنه يقصُّ؛ لاشتماله على القصص كأخبار الأنبياء مع أممهم، وعلى ما فيه من الأوامر، والنواهي، كل هذا يقصه على العباد ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)﴾، هنا جاء التقييد ببني إسرائيل، كما قص عليهم ما قصَّ من أمر المسيح ﵇، ومن أمر ما حرم عليهم ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآية [الأنعام: ١٤٦].
وهذه الآيات التي فيها الإخبار عن نزول القرآن، تؤكِّد ما مضى من أن القرآن كلام الله؛ لأنه منزل من الله ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢]، ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِين (١٩٣)﴾ [الشعراء]، ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيم (١)﴾ [الزمر]، ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيم (٢)﴾ [غافر]، ﴿تَنزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم (٢)﴾ [فصلت].
فهذه الآيات التي فيها الإخبار عن نزول القرآن من الله يستدل بها على أن القرآن كلام الله منزل منه سبحانه، ويستدل بها على علوه تعالى؛ لأن النزول إنما يكون من العلو، فهي تؤكِّد الأمرين جميعًا.
* * * *
стр. 143
إثبات رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة
وقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة (٢٣)﴾ [القيامة]، ﴿عَلَى الأَرَائِكِ يَنظُرُون (٢٣)﴾ [المطففين]، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]، ﴿لَهُمْ مَا يَشَاؤُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيد (٣٥)﴾ [ق]. وهذا البابُ في كتابِ اللهِ تعالى كثيرٌ، مَنْ تدبَّرَ القرآن طالبًا للهدى منه؛ تَبينَ له طريق الحق.
وهذه الآيات ختم بها المؤلف ﵀ ما أورده من النصوص القرآنية الدالة على إثبات صفات الرب ، وهي النصوص الدالة على إثبات رؤية العباد لله تعالى، وهذه مسألة كبيرة ضلَّ فيها كثير من الطوائف، ووفَّق الله للحق فيها وغيرها أهل السُّنة والجماعة، ومسألة الرؤية داخلة في مسائل الصفات.
والمعطلة: يقولون إنه تعالى لا يرى (١).
وأهل السُّنة والجماعة يؤمنون بما دلَّ عليه الكتاب والسُّنة: من أنه تعالى يرى بالإبصار، يراه من شاء من عباده، وقد دلَّت النصوص على
стр. 144
أن المؤمنين يرونه يوم القيامة في الجنة، وفي عَرَصات القيامة، ومن هذه الأدلة قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة (٢٣)﴾ ناضرة: بهية حسنة مشرقة، وهي: وجوه أولياء الله المؤمنين يوم القيامة.
﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة (٢٣)﴾ مِنْ النظر بالبصر؛ يعني: تنظر إلى ربها بأبصارها.
ونظر: يأتي متعديًا (بنفسه)، ومتعديًا ب (فِي)، ومتعديًا ب (إلى) (١)؛ فالمتعدي بنفسه بمعنى الانتظار قال تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللّهِ تُرْجَعُ الامُور (٢١٠)﴾ [البقرة]، ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ﴾ [الأعراف: ٥٣] بمعنى: هل ينتظر هؤلاء الكفَّار إلا تأويل ما وعدوا به.
والمتعدي ب (في)، بمعنى التفكر ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، يعني: أولم يتفكروا، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنفُسِهِمْ﴾ [الروم: ٨].
أما المتعدي ب (إلى)، فهو بمعنى نظر العين، تقول: نظرت إلى كذا، يعني: بعيني، كما قال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنظُرُوا إِلَى السَّمَاء فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوج (٦)﴾ [ق].
فهذه الآية ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَة (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَة (٢٣)﴾ هي أدلُّ دليل على إثبات رؤية المؤمنين لله تعالى.
ومن الأدلَّة ما توعَّد الله به الكفار المكذبين بقوله: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُون (١٤) كَلاَّ إِنَّهُمْ عَنْ رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُون (١٥) ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُو الْجَحِيم
стр. 145
(١٦) ثُمَّ يُقَالُ هَذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُون (١٧)﴾ [المطففين]، فتهديد الكافرين بحجبهم عن ربهم؛ يدلُّ على أن المؤمنين بخلاف ذلك، وأنهم يرون الله سبحانه، فلو كان المؤمنون لا يرونه لما كان بينهم وبين المكذبين فرق، ولو كان تعالى لا يرى البتة كما تزعم المعطلة؛ لما كان في هذا الوعيد فائدة؛ لأن الرؤية على قولهم مستحيلة؛ فالكل محجوب.
ومن الأدلة القرآنية على إثبات الرؤية قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾، وقد جاء تفسير: الزيادة (١) والمزيد (٢) بأنه: النظر إلى وجهه الكريم ، ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾: الجنة، وزيادة عظيمة هي نظرهم إلى وجهه الكريم ، وفي الدعاء المأثور: «وأسألك لذة النظر إلى وجهك» (٣). نسأله تعالى أن يرزقنا لذة النظر إلى وجهه الكريم.
стр. 146
هذه أظهر الآيات التي يستدل بها على إثبات رؤية العباد لربهم ، وهناك أدلة منها قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] والمعطلة يتمسكون بهذه الآية، ويقولون: لا تدركه الأبصار: لا تراه الأبصار، ثم يحرفون الآيات الأخرى، وهذه الآية التي يحتجون بها على نفي الرؤية، هي حجة عليهم؛ لأن الإدراك هو الإحاطة بالشيء، وهو قدر زائد على الرؤية، فمعنى قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ أي: لا تحيط به الأبصار؛ لكمال عظمته ، ونفي الإحاطة يستلزم إثبات الرؤية من غير إحاطة؛ إذ لو كان لا يرى مطلقًا لما كان لنفي الإحاطة وهو المعنى الخاص فائدة، فنفي الإحاطة يستلزم إثبات الرؤية من غير إحاطة.
فكانت الآية التي يستدل بها المعطلة على نفي الرؤية دليلًا عليهم لا لهم (١).
ولعل الإمام ابن تيمية تعمَّد هذا الترتيب وتحرَّاه، وهو أنه ختم هذه النصوص التي أوردها من القرآن على إثبات صفات الرب، مما يحقق للعباد معرفتهم بربهم، فنحن عرفنا ربنا بأسمائه وصفاته، وذلك بما أنزله في كتابه، وبلَّغه رسوله ﷺ ، فيحصل للعباد في هذه الحياة العلم بربهم، لكنه علم من غير إحاطة ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ [طه]، ففي الدنيا العباد لا يرونه، ويوم القيامة يرونه، فيجتمع لهم العلم الذي في قلوبهم، والرؤية له تعالى بأبصارهم، فكأن الإمام ابن تيمية في إيراد هذه الآيات في هذا الموضع ينبه إلى أن رؤية العباد لربهم غاية لهم،
стр. 147
فتتوق نفوسهم إلى النظر إلى وجهه الكريم، بعد أن عرفوه في الدنيا بأسمائه، وصفاته، كما علَّمهم، فإنه تعالى يتمم هذا لأوليائه يوم القيامة، ويكشف الحجاب لهم؛ فينظرون إليه، وذلك غاية نعيمهم، فلا يلتفتون إلى شيء مع نظرهم إليه (١).
وفي النهاية يقول المؤلف: وهذا باب واسع، يعني: النصوص الدالَّة على أسماء الرب، وصفاته، وأفعاله، مما يورث العلم بالله، باب واسع، مَنْ تدبر هذه النصوص؛ تبين له طريق الحق، فتَدَبُر القرآن هو سبيل العلم النافع، وهو الطريق لمعرفته المعرفة الصحيحة؛ فإن العقول لا تستقل بمعرفته، غاية ما تحصله العقول المعرفة الإجمالية، أما معرفة أسماء الله، وصفاته على التفصيل، فلا سبيل للعقول إلى ذلك، وإنما طريق العلم في ذلك هو ما جاءت به الرسل.
فرحم الله الإمام ابن تيمية على هذه العناية العظيمة، فقد يقول بعض الناس: إنه أسهب وأكثر، لكن المقام جدير بالعناية، فنصوص الصفات في القرآن ليست محدودة قليلة في موضع، أو اثنين، أو ثلاثة، بل هي كثيرة جدًّا، فهذه الآيات التي ساقها هي قليل من كثير.
فاقرأ أيَّ سورة تجد فيها من إثبات أسمائه، وصفاته، وأفعاله.
وانظر السورة الجامعة لمضمون القرآن كله سورة الفاتحة، وكيف أنها صدرت ب ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ
стр. 148
الدِّينِ (٤)﴾، هذه الآيات الثلاث، فيها جماع أسماء الرب، وصفاته، لكن على سبيل الإجمال.
وفي قول الشيخ: «من تدبر القرآن طالبًا للهدى منه»: تنبيه إلى أن الانتفاع بالقرآن، وحصول المعرفة، وظهور الحق لا يحصل بمجرد التدبُّر بل لا بد من صحة النية، وسلامة القصد، وذلك بأن يكون القصد من التدبر طلب الهدى والفرقان بين الحق والباطل.
* * * *
стр. 149
ذكر بعض أحاديث الصفات
إثبات النزول والفرح والضحك والعَجَب والقَدَم
ثم سنَّة رسول الله ﷺ ؛ فالسُّنة تفسِّر القرآن وتبيِّنه، وتدلُّ عليه، وتعبِّر عنه، وما وصف الرسول به ربه من الأحاديث الصحاح التي تلقَّاها أهل المعرفة بالقبول؛ وجب الإيمان بها كذلك.
مثل قوله ﷺ : «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟» متفق عليه (١). وقوله ﷺ : «لله أشد فرحًا بتوبة عبده من أحدكم براحلته .. ». الحديث متفق عليه (٢) وقوله ﷺ : «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخلان الجنة» متفق عليه (٣).
стр. 150
وقوله: «عجب ربنا من قنوط عباده [٢٨/ ١] وقرب غِيَرِهِ (١)، ينظر إليكم أزلين (٢) قنطين فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب». حديث حسن (٣).
وقوله ﷺ : «لا تزال جهنم يُلقى فيها وتقول: هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها [رجله] (٤) - وفي رواية: عليها قدمه -، فينزوي بعضها إلى بعض فتقول: قط قط». متفق عليه (٥).
وقوله: يقول الله: «يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار». متفق عليه (٦).
[وقوله: «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان»] (٧).
стр. 151
وقوله في رقية المريض: «ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض، كما رحمتك في السماء اجعل رحمتك في الأرض اغفر لنا حوبنا وخطايانا؛ أنت رب الطيبين، أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك على هذا الوجع». رواه أبو داود. (١) وقوله: «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء». رواه البخاري وغيره (٢). وقوله: «والعرش فوق الماء، والله فوق العرش (٣)، وهو يعلم ما أنتم عليه». رواه أبو داود والترمذي وغيرهما (٤). وقوله للجارية: «أين الله؟ قالت: في السماء. قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة». رواه مسلم (٥). وقوله ﷺ : «أفضل الإيمان
стр. 152
أن تعلم أن الله معك حيث ما كنت». حديث حسن. (١) وقوله ﷺ : «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الله قِبَلَ وجهه، فلا يبصقنَّ قبل وجهه ولا عن يمينه، ولكن عن يساره أو تحت قدمه». متفق عليه (٢).
وقوله ﷺ : «اللهم رب السموات السبع، ورب العرش العظيم ربنا ورب كل شيء فالق الحب والنوى منزل التوراة والإنجيل والقرآن؛ أعوذ بك من شر كل دابة أنت آخذ بناصيتها أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس [٢٨/ ٢] فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء اقض عني الدين وأغنني من الفقر». رواه مسلم (٣). وقوله لما رفع أصحابه أصواتهم بالذكر: «أيها الناس ارْبَعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصمَّ ولا
стр. 153
غائبًا إنما تدعون سميعًا قريبًا إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته». متفق عليه (١).
تقدَّم بيان مذهب أهل السُّنة والجماعة في صفات الرب ، وأسمائه أنهم يصفون الله بما وصف به نفسه، وما وصفه به رسوله ﷺ إثباتًا، ونفيًا.
فيثبتون له ما أثبته لنفسه، وأثبته له رسوله ﷺ من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل.
وينفون عنه ما نفاه عن نفسه، أو نفاه عنه رسوله ﷺ إثباتًا بلا تشبيه، وتنزيهًا بلا تعطيل.
ومضمون هذا أنه يجب الإيمان بما جاء في القرآن من أسماء الرب وصفاته، وما جاء في سنة الرسول ﷺ ، ولهذا لما أورد الإمام ابن تيمية كثيرًا من النصوص القرآنية المتضمنة لكثير من أسماء الله وصفاته مما يدخل في القاعدة المتقدمة (٢)، وهي: «أنه موصوف بالإثبات والنفي» أتبع ذلك بذكر بعض النصوص النبوية المشتملة على بعض أسماء الرب وصفاته.
стр. 154
فإن السُّنة هي الأصل الثاني في الاستدلال؛ فإن الله أنزل على نبيه الكتاب والحكمة، الكتاب هو القرآن، والحكمة هي سنة الرسول ﷺ ، فكلاهما وحي، كما قال : ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ [النجم].
فكل ما يُبَلِّغه النبي ﷺ عن الله - سواء كان قرآنًا، أو سنة - فإنه وحي أوحاه الله إليه، وكل منهما منزل كما في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ [النساء].
فيجب الإيمان بكل ما أخبر الله به في كتابه، أو أخبر به الرسول ﷺ في سنته، كما يجب العمل بما أمر الله به في القرآن، والانتهاء عما نهى عنه سبحانه، وكذلك ما أمر به الرسول ﷺ ، أو نهى عنه، فإنه يجب العمل بأوامره ﷺ ، ونواهيه، وطاعته في أمره ونهيه.
وإنكار السنة مطلقًا، ودعوى أننا لسنا مكلفين إلا بالقرآن كفر، وضلال، ومخالفة للقرآن؛ فإن الله تعالى أمر باتباع الرسول ﷺ ، وطاعته.
قال الشيخ ﵀: «فالسنة تفسر القرآن وتبينه وتدل عليه وتعبر عنه»: المراد بالسنة في هذا السياق سنة الرسول ﷺ وهي: أقواله، وأفعاله، وتقريراته، هذا هو المراد بالسنة إذا قيل: الكتاب والسنة.
فسنة الرسول القولية، والفعلية، والتقريرية؛ تبين وتفسر القرآن، وتدل عليه وتعبر عنه، والأغلب على سنة الرسول ﷺ أنها بيان.
стр. 155
ومن السنة ما يتضمن أخبارًا، وتشريعات ليست في القرآن، قال الله تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُون (٤٤)﴾ [النحل]، الذكر: القرآن.
فالرسول ﷺ قد فسَّر القرآن وبيَّنه، ففسَّر ما أشكل من ألفاظه، وكثيرٌ من ألفاظه يعرفها المخاطبون باللسان العربي، كما روي عن ابن عباس: التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يُعذر أحد بجهله، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله (١).
فالرسول ﷺ بيَّن القرآن، ف السنة فيها تفصيل ما أُجمل في القرآن، وتقييد المطلق، وتخصيص العام ؛ فأحكام الصلاة التفصيلية: صفتها، أفعالها، أقوالها، مواقيتها، أكثرها إنما تجده في السنة، وأحكام الزكاة: أنصبة الزكاة، الأموال التي تجب فيها الزكاة، والحج كثير من أحكامه إنما عرفت تفصيلًا بسنة الرسول ﷺ ، وهذا الموضوع وتفصيله يطول الحديث عنه.
والمقصود أن ما وصف الرسول ﷺ به ربه من الأحاديث الصحيحة التي تلقَّاها أهل العلم والمعرفة - أهل الشأن وهم أهل الحديث - بالقبول، وجب الإيمان بها كذلك.
стр. 156
يعني كما يجب الإيمان بما وصف الله به نفسه في كتابه، يجب الإيمان بما وصف الرسول ﷺ به ربه من الأحاديث الصحيحة، التي تلقَّاها أهل العلم بهذا الشأن بالقبول.
يجب الإيمان بها، سواء كانت من قبيل المتواتر، أو الآحاد، فأهل السُّنة والجماعة يقبلون كلَّ ما صحَّ عن النبي ﷺ .
أما أهل البدع (١) فإنهم بناء على أصولهم الفاسدة في نفي صفات الرب سبحانه يردُّون نصوص الصفات، إما بحجة أنها آحاد، والآحاد يزعمون أنه لا يحتج بها في العقائد.
وإن كانت متواترة قالوا: إنها ظنية الدلالة لا تفيد اليقين، فهم يدفعون هذه النصوص، ويردونها زاعمين؛ إما أنها لم تثبت، أو أنها ظنية الدلالة.
هذا وهم ليسوا من أهل هذا الشأن فلا يميِّزون بين صحيح ولا ضعيف، ولا بين متواتر وآحاد.
أما أهل السُّنة والجماعة فإنهم يصفون الله بكل بما وصفه به الرسول ﷺ مما صحَّ عنه ﷺ في الأحاديث التي تلقَّاها أهل العلم بالحديث بالقبول، ويؤمنون بذلك، وهذا هو الواجب، كما يجب الإيمان بما في القرآن.
стр. 157
وقد أورد الإمام ابن تيمية في هذا الفصل أمثلة لهذه الأحاديث، فمنها ما دلَّ على صفات قد دلَّ عليها القرآن كالتكليم في قوله ﷺ : «ما منكم من أحد إلا سيكلمه ربه ليس بينه وبينه ترجمان» (١).
أو العلو كما في قوله ﷺ : «ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء» (٢). هذا مثل قوله سبحانه: ﴿أَأَمِنتُم مَنْ فِي السَّمَاء﴾ [الملك: ١٦]، وكقوله ﷺ للجارية: «أين الله؟» قالت: في السماء (٣). أو إثبات بعض الأسماء مع تفسيرها، كالأول والآخر والظاهر والباطن، كما في حديث أبي هريرة ﵁ في الدعاء الذي كان النبي ﷺ يدعو به يقول: «اللهم رب السموات والأرض ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء» - إلى قوله -: «اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء وأنت الباطن فليس دونك شيء» (٤).
أقول: إن كل هذه الأحاديث إنما دلَّت على مثل ما دلَّ عليه القرآن، فتكون هذه الصفات قد تطابقت عليها دلالة القرآن، ودلالة السنة، فتكون ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع أهل السنة والجماعة.
وهذه النصوص - أعني تلك النصوص التي قد دلَّت على مثل ما دلَّ عليه القرآن - سنكتفي فيها بهذه الإشارة.
стр. 158
ونتأمل ما أورده الشيخ من النصوص الدالة على صفات لم يأتِ ذكرها في القرآن، وألاحظ أن الإمام ابن تيمية ﵀ قد قدم هذه الأمثلة وساقها تباعًا، وهي هذه الأدلة:
حديث: النزول، الفرح، الضحك، حديث القَدَم، فهذه الصفات إنما ثبتت بالسنة، فليس في القرآن ذكر لهذه الصفات فيما أعلم.
فأول ذلك قوله ﷺ : «ينزل ربنا إلى السماء الدنيا كل ليلة حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له» (١). وهذا الحديث رواه جمع غفير من الصحابة، وعده أهل العلم من المتواتر، فقد تواترت السنة عن النبي ﷺ بإثبات نزول الرب تعالى في آخر الليل (٢).
لذلك أهل السنة والجماعة يثبتون النزول الإلهي ويؤمنون به، مع نفي مماثلته لنزول الخلق، ونفي العلم بالكيفية، فيقولون: إنه تعالى ينزل حقيقة، ونزوله سبحانه يتضمن دنوًا وقربًا، وإذا قلنا: ينزل حقيقة، فلا يعني أنه ينزل مثل نزول العباد، لا بل ينزل كيف شاء، والنزول معلوم، والكيف مجهول، لا كما يقول المعطلة: تنزل رحمته، أو أمره، أو ينزل ملَك (٣). فهذا من التحريف الذي ينكره أهل السنة والجماعة، ويرفضونه، والله قد ذم اليهود لتحريف الكلم عن مواضعه، وهذا منه.
стр. 159
فالرسول ﷺ يقول: «ينزل ربنا»، والأصل أن يحمل الكلام على الحقيقة، ويؤكد الحقيقة قوله: فيقول: «من يدعوني فأستجيب له؟ .. » وهذا يمنع من احتمال المجاز.
هل يجوز أن يقول الملك، أو تقول الرحمة: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟
فأهل السنة مجمعون على أن النزول من فعل الرب تعالى، وأنه هو الذي ينزل حقيقة، لا كنزولنا، ولا يقاس به، ونزول الله تعالى صفة فعلية تكون بمشيئته.
والمعطلة يلبِّسون على الجهَّال، ويقولون: هذا يتضمَّن أن الله يزول عن مكانه.
فهذه من الشبهات التي يشبهون بها على الأغرار، ولهذا قال بعض الأئمة: إذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه.
فقل: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء (١).
ما أحسن هذا الرد المفحم: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء.
ينزل كيف شاء، واستوى على العرش كيف شاء، ويجيء يوم القيامة للفصل بين عباده كيف شاء، فعَّال لما يريد.
стр. 160
أما إذا قيل: إنه لا ينزل، لا يجيء، لا يتكلم .. فهذا تعجيز وتنَقُّص للرب سبحانه، فالذي يفعل أكمل ممن لا يفعل.
وكذلك القول في الفرح، والضحك، فيجب الإيمان بالفرح والضحك، أن الله يفرح، وفرحه تعالى يتضمن محبته بما يفرح به، ورضاه به وعنه.
يفرح كما في الحديث الصحيح المتفق على صحته عن النبي ﷺ : «لله أشد فرحًا … » (١). يفرح حقيقة، لكن لا كفرح العباد، إذا فسَّرنا فرح العباد بأنه: لذة وسرور بالمحبوب أو نحوه، فهذه صفة المخلوق، فاللذة لا نضيفها لله، لكنه فرح يتضمن المحبة.
فقوله ﷺ : «لله أشد فرحًا بتوبة عبده». هذا يتضمن أن الله يحب توبة التائبين، بل يفرح بتوبة التائبين، فالفرح إذًا صفة يجب إثباتها له تعالى، وأنها لا تماثل فرح المخلوق، ولا نعلم كنهها، وكيفيتها.
وهكذا الضحك، وقد جاء في أحاديث عدة، ومنها هذا الحديث أن النبي ﷺ قال: «يضحك الله إلى رجلين يقتل أحدهما الآخر، كلاهما يدخلان الجنة»، فقالوا كيف يا رسول الله؟ قال: «يقاتل هذا في سبيل الله فيستشهد ثم يتوب الله على القاتل، فيسلم فيقاتل في سبيل الله فيستشهد» (٢). فالله يضحك إليهما؛ لأن أمرهما عجب، يجتمعان في الجنة، القاتل والمقتول، وضحكه إليهما يتضمن رضاه عنهما، ولا أقول: إن هذا تفسير للضحك، لا، بل هو تعالى يضحك كيف شاء، وهو
стр. 161
معنى يختلف عن معنى الفرح، فيجب إثبات ذلك كله، مع نفي التمثيل، ونفي العلم بالكيفية.
وإذا كان العلم بالكيفية مستحيلًا، فلا يجوز التفكر فيه، كالتفكر في كيفية نزول الرب، أو فرحه، أو ضحكه؛ لأنه لا سبيل إلى أن نتعلمها، فلا تفكر ولا تتخيل، بل آمِنْ وأثبت ما أخبر به الرسول ﷺ عن ربه مع نفي التمثيل، ونفي العلم بالكيفية.
وأما الحديث الرابع: فهو حديث قال عنه الشيخ: إنه حديث حسن، رواه الإمام أحمد وغيره، وهو حديث طويل، والشيخ اقتصر على الشاهد، كما اقتصر على الشاهد في الحديث الثاني.
فقوله ﷺ : «عجب ربنا من قنوط عباده وقرب غِيَرِهِ، ينظر إليكم أزلين قنطين، فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب» (١).
الشاهد منه في هذا المقام: «فيظل يضحك» وفيه دلالة على إثبات صفة العَجَب والضحك والنظر، لكن صفة العَجَب والنظر ثابتتان في القرآن وقد تقدم الكلام على النظر (٢)، والعَجَب لم يمر في الشواهد التي ساقها المؤلف لكنه ثابت.
ومن الأدلة القرآنية على إثبات العَجَب قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتُ وَيَسْخَرُونَ ١٢﴾ [الصافات] في قراءة صحيحة سبعية (٣)، فالضمير في
стр. 162
﴿عَجِبْتُ﴾ يعود لمن؟ إلى الله تعالى، كما دلَّ على صفة العَجَب قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَئِذَا كُنَّا تُرَابًا أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد: ٥].
وهذا الحديث - كذلك - من الأدلة على إثبات صفة العَجَب، فهو تعالى يُوصَف بالعَجَب على المنهج المقرر: إثبات مع نفي التمثيل، ونفي العلم بالكيفية.
وليس عجبه تعالى لجهله بالأسباب، فهذا شأن المخلوق الذي يعجب - أحيانًا - لجهله بالسبب، كما يقال: إذا ظهر السبب بطل العجب، هذا في عجب المخلوق، أو في بعض عجب المخلوق.
«من قنوط عباده» القنوط: شدة اليأس.
«ينظر إليكم أزلين» والأَزْل: الشدة، والأزِل: هو الذي قد بلغت به الشدة حدًّا بعيدًا، واستولى عليه اليأس، فالأزِل والقَنِط معناهما متقارب.
«ينظر إليكم أزلين قنطين، فيظل يضحك يعلم أن فرجكم قريب» مع قرب الفرج، وقرب تغيير الله للأحوال من الشدة إلى الرخاء، من القحط إلى الخصب، في هذا الظرف الله تعالى يعجب لهذه الحال، فيظل يضحك كيف شاء ، فإن العباد إذا طالت عليهم الشدة استولى عليهم اليأس، واشتد، وآل بهم الأمر إلى القنوط، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاء كَيْفَ يَشَاء وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُون (٤٨) وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِين (٤٩) فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ
стр. 163
اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (٥٠)﴾ [الروم].
الحديث الخامس: قوله ﷺ : «لا تزال جهنم يُلقى فيها وهي تقول: هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها رجله - وفي رواية: عليها قدمه -، فينزوي بعضها إلى بعض فتقول: قط قط». متفق عليه (١).
وفي هذا الحديث إثبات الرِّجل، والقدم له ، وأهل السنة يثبتون لله ما جاء في هذا الحديث على حقيقته، كما يثبتون سائر الصفات، كاليدين والعينين له ، ويقولون: إن له تعالى قدمين، كما جاء في الأثر المشهور عن ابن عباس ﵁ في تفسير الكرسي: أنه موضع القدمين (٢)، أي: قدمي الرب .
والقول في القدمين واليدين واحد، لا مجال للتفريق، وأهل السنة لا يفرقون، وأهل البدع لا يفرقون! كيف ذلك؟
стр. 164
أهل البدع ينفون كل هذه المعاني، كما ينفون حقيقة نزوله، واستوائه، وينفون حقيقة الفرح، والضحك، والعجب، وينفون اليدين، والعينين، والوجه، والقدم، ينفون ذلك كله؛ لأن مبدأهم أن إثبات الصفات لله يستلزم التجسيم، والتشبيه، وما أشبه ذلك.
ثم إن كانت نصوصًا قرآنيةً لا يمكن أن يدفعوها بعدم الثبوت، يقفون منها - كما تقدم (١) - أحد موقفين:
إما التفويض بأن يجروها ألفاظًا من غير تدبُّر ولا فهم لمعناها، زاعمين أنها لا يفهم منها شيء.
أو التأويل بحملها على معانٍ بعيدة.
أما الأحاديث (٢) فالأمر عندهم فيها أوسع، فإنها إن كانت آحادًا قالوا: هذه آحاد، وقد يدفعونها من أول الأمر دون أن ينظروا فيها، أو يحكموا على متنها بتفويض أو تأويل.
وإن كانت متواترة وقفوا منها موقفهم مما جاء في القرآن، كالجهمية، والمعتزلة، والأشاعرة، هذه الطوائف تتفق على نفي هذه الصفات التي دلَّت عليها السُّنة الصحيحة عن النبي ﷺ ، كما نفوا ما جاء في القرآن.
فبالنسبة للفرح، والضحك يمكن أن يفسِّروه بالرِّضا، ثم الرضا له تفسير معروف عند نفاة الصفات وهو: إرادة الإحسان، أو نفس الإحسان بما يخلقه الله من النعم.
стр. 165
ويفسِّرون الغضب: بإرادة الانتقام، أو هو نفس الانتقام بما يخلقه الله من العقوبة.
أما الرِّجْل فالذين يؤولون يقولون: المراد بالرِّجْل الجماعة من قول العرب: رجل من جراد، فالمراد جماعة من أهل النار. لا تزال جهنم يُلقى فيها حتى يلقي الله تعالى عليها جماعة من أهل النار، وفوجًا كثيرًا حتى يغطيها ويملأها بها.
وهذا خلاف ما فهمه السلف الصالح من الصحابة، والتابعين، وخلاف ما يدل عليه السياق، ثم إن رواية «عليها قدمه» توضح، وتدفع هذا التحريف.
ومضمون هذا الحديث قد جاء أصله في القرآن: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَّزِيد (٣٠)﴾ [ق]، فهذه الآية شاهدة لما أخبر به الرسول ﷺ ، وكلام الله، وكلام رسوله يصدق بعضه بعضًا، لا تزال جهنم يلقى فيها يعني أهلها، ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِير (٨)﴾ [الملك]، أهل جهنم يُلقَون فيها إلقاء، ويطرحون طرحًا، ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [فصلت: ٤٠].
قوله ﷺ : «لا تزال جهنم» هذا الفعل يدلُّ على الاستمرار يعني أنها تبقى، وتستمر تطلب المزيد «حتى يضع رب العزة فيها رِجْله» في بمعنى: على، كما في الرواية الأخرى «عليها قدمه» فينزوي بعضها إلى بعض أي: تتضايق فتمتلئ، وتقول: قط قط، يعني: يكفي يكفي، نعوذ بالله من النار.
стр. 166
وفي هذا تحقيق لوعده ؛ فإنه قد وعد الجنة والنار بملئهما؛ إذ قال ﵎ للجنة: «أنتِ رحمتي أرحم بك من أشاء، وقال للنار: أنت عذابي أعذب بك من أشاء، ولكل واحدة منكما ملؤها» (١).
فالنار يضيقها الرب حتى تمتلئ، وأما الجنة فإذا دخل أهل الجنة يبقى فيها فضل، فهي واسعة مع كثرة من يدخلها من عباد الله، ومع ذلك يبقى فيها فضل، فينشئ الله لها أقوامًا، فيسكنهم الجنة برحمته (٢).
أما النار فإنه لا يعذب بها إلا المستحقين لعذابه، نعوذ بالله من عذاب الله.
فالمقصود أن هذه الصفات التي تضمنتها هذه الأحاديث كلها إنما ثبتت بالسنة، وليس في القرآن - فيما أعلم - ما يدل عليها.
أما ما بعد هذه الأحاديث إلى آخر ما أورده الشيخ، فكلها قد دلت على صفات دل عليها القرآن: كالتكليم، والعلو، والمعية، والسمع، والرؤية، وإثبات بعض الأسماء: كالأول، والآخر، والظاهر والباطن، والسميع وغيرها، والله أعلم.
* * * *
стр. 167
رؤية المؤمنين لربهم سبحانه، ووسطية أهل السنة والجماعة بين الفرق
وقوله: «إنكم سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها [فافعلوا] (١)». متفق عليه (٢).
إلى أمثال هذه الأحاديث التي يخبر فيها رسول الله ﷺ عن ربه بما يخبر به.
فإن الفرقة الناجية - أهل السنة والجماعة - يؤمنون بذلك، كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه، من غير تحريف، ولا تعطيل، ومن غير تكييف، ولا تمثيل.
بل هم الوسط في فِرَق الأمة، كما أن الأمة هي الوسط في الأمم.
فهم وسط في باب صفات الله ، بين أهل التعطيل الجهمية، وبين أهل التمثيل المشبهة.
وهم وسط في باب أفعال الله بين القدرية، والجبرية.
وفي باب وعيد الله بين المرجئة وبين الوعيدية: من القدرية وغيرهم.
стр. 168
وفي باب الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية.
وفي أصحاب رسول الله ﷺ بين الروافض وبين الخوارج.
لاحظ أن المؤلف ختم أحاديث الصفات بحديث الرؤية، كما ختم ما أورده وذكره من آيات الأسماء والصفات بالآيات الدالة على رؤية الرب تعالى تدرك أن الشيخ تعمد هذا الترتيب، وكأنه إشارة إلى أن الرؤية هي التي ينتظرها المؤمنون، وهي محققة للمؤمنين الذين آمنوا بالله، وبما أخبر به في كتابه، وأخبر به رسوله ﷺ مما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله ﷺ .
وأحاديث الرؤية من الأحاديث المتواترة (١)، فرؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة ثابتة بالكتاب، وبالسنة المتواترة، وإجماع الصحابة، ومن تبعهم بإحسان، وهم الفرقة الناجية (٢).
يقول الشيخ: «إلى أمثال هذه الأحاديث» يعني: هذه نماذج، وإلا فأحاديث الصفات التي بيَّن فيها الرسول ﷺ أسماء ربه، وصفاته، وأفعاله كثيرة جدًّا لا حصر لها.
стр. 169
فإن الفرقة الناجية المنصورة - أهل السنة والجماعة - يؤمنون بذلك، كما يؤمنون بما أخبر الله به في كتابه، لا يفرقون بين ما جاء في القرآن، وما جاء في السنة؛ بل يؤمنون بهذا كله، من غير تحريف ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل، كما تقدم ذكره (١).
يقول الشيخ عن الفرقة الناجية أنهم: «وسط في فرق الأمة» الفرقة الناجية هي الوسط في فرق الأمة، والوسط: العدل الخيار، كما أن هذه الأمة وسط في الأمم، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣].
أي: عدولًا خيارًا، فلا إفراط ولا تفريط، ولا غلو، ولا جفاء، ولا تقصير، ولا تجاوز، اعتدال، واستقامة، والوسطية تحقق الاستقامة، والاستقامة هي: لزوم الصراط المستقيم، فلا انحراف هنا، ولا هناك.
كما أن الأمة المحمدية التي تحقق لها الإيمان بالله ورسوله، ولم تأتِ بما تخرج به عن الإسلام وسط في الأمم، وإن كان لبعضهم ذنوب وأخطاء، وعند بعضهم بدع.
لكن ما دام أنه قد تحقق لهم الإيمان ظاهرًا وباطنًا، ولم يأتِ أحد منهم بما يخرج به عن الإسلام، فإنه من الأمة المحمدية التي يثبت لها هذا الوصف بحسبها، فكل من كان أتم استقامة كان حظه من الوسطية بحسب ذلك.
стр. 170
المقصود أن الشيخ يقول: إن الفرقة الناجية - أهل السنة والجماعة - وسط في فِرق الأمة، كما أن الأمة وسط في الأمم، ثم يفصل ذلك في مسائل يقول:
فهم وسط في باب صفات الله بين أهل التعطيل الجهمية، وأهل التمثيل المشبهة، أهل التعطيل ينفون صفات الرب، ويعطلون الرب عن صفات كماله، ويعطلون النصوص عما دلت عليه من الحق، وشرهم الجهمية إذ ينفون الأسماء والصفات، ويدخل فيهم المعتزلة، فإن لفظ الجهمية إذا أطلق يتناول المعتزلة.
ويقابلهم أهل التمثيل، الذين يمثلون صفات الرب بصفات الخلق، يقول أحدهم: له يد كيدي - تعالى الله -، وسمع كسمعي، وبصر كبصري، وهكذا، فهؤلاء أهل التمثيل.
وكل من المذهبين ضلال وكفر، كما قال الإمام نعيم بن حماد (١) ﵀: من شبَّه الله بخلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس فيما وصف الله به نفسه ولا رسوله تشبيه (٢).
стр. 171
فأهل السنة يثبتون لله ما أثبته لنفسه بلا تعطيل؛ خلافًا للمعطلة، فإن المعطلة غلوا في التنزيه، وزعموا أنهم ينفون الصفات عن الله حذرًا من التشبيه، فغلوا في التنزيه، فأفضى بهم ذلك إلى التعطيل، وفروا من تشبيه، فوقعوا في تشبيه أقبح.
وقولنا: «بلا تشبيه» معناه تنزيه الله عن النقائص والعيوب خلافًا للمشبهة، أعني: أهل التمثيل الذين غلوا في الإثبات حتى شبهوا الله بخلقه، ولهذا قال بعض أهل العلم (١): «إن المعطل يعبد عدمًا والمشبه يعبد صنمًا» لأن نفي جميع الصفات يستلزم نفي الذات.
والمشبه الذي يقول: لله سمع كسمعي، وبصر كبصري، ليس هذا هو الله الإله الحق الذي لا يستحق العبادة سواه.
فأهل السنة وسط يثبتون لله الأسماء والصفات، وينزهونه عن كل ما لا يليق به، إثباتًا بلا تشبيه، وتنزيهًا بلا تعطيل، فهذه وسطيتهم، فكانوا بريئين من الإفراط والتفريط، وسائر الانحرافات والضلالات التي وقع فيها من خالفهم.
ثانيًا: و أهل السنة وسط في باب أفعال الله بين الجبرية والقدرية.
الجبرية يقولون: لا فعل للعبد؛ بل كل الأفعال أفعال الله، فالعبد لا فعل له، والله هو الفعال لكل شيء.
стр. 172
وعلى مذهبهم الباطل الخبيث يكون الله هو الفاعل لأفعال العبد، بمعنى أنه هو الموصوف بها، فهو المصلي، والصائم، والآكل، والشارب .. ونحوها.
فلا فعل للعبد عندهم، ولا إرادة ولا مشيئة، وحركاته لا اختيار له فيها؛ بل مَثَله مَثَل الريشة في مهب الريح، وحركته كحركة الأشجار، وحركة المرتعش، والعروق النابضة.
ويقابلهم القدرية، ومنهم المعتزلة، ينفون القدر، والجبرية يثبتونه، لكنهم يغلون في الإثبات.
وأما القدرية فيراد بهم في الغالب النفاة الذين يقولون: إن الله تعالى لا يقدر على أفعال العبد، بمعنى أن العبد يخلق فعله، فيتصرف دون مشيئة الله، ودون قدرته، فالله لا يقدر أن يجعل هذا مؤمنًا وهذا كافرًا، ويجعل المطيع عاصيًا أو العاصي مطيعًا، أو الكافر مؤمنًا أبدًا.
فالعبد يفعل بإرادته المحضة المطلقة المنقطعة عن مشيئة الله، وعن قدرة الله، فينفون عموم المشيئة، وعموم الخلق.
وأهل السنة والجماعة بين ذلك، وسط في أفعال الله، فيقولون: إنه تعالى خالق كل شيء، فجميع ما في الوجود خلقه، فهو تعالى خالق السموات والأرض ومن فيهن، وهو خالق العباد، وخالق قدرتهم وإرادتهم، وخالق أفعالهم ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيل (٦٢)﴾ [الزمر]، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُون (٩٦)﴾ [الصافات].
стр. 173
ولكن للعبد فعل، فأفعال العباد ليست أفعالًا لله، فالعبد هو المصلي والقائم، والراكع والساجد، والآكل والشارب، والصادق والكاذب، والظالم والسارق، وهكذا.
العبد هو الذي يُوصَف بهذه الأفعال، هي أفعال للعبد، لكنها واقعة بمشيئته تعالى وبقدرته، وهي مفعولة له ليست فعلًا له، فالمفعول غير الفاعل، المفعول: هو الشيء المصنوع المنفصل عن الفاعل.
وأما الفعل فمن شأنه أن يقوم بالفاعل.
وقد تقدم (١) أن الذين ينفون صفة المحبة والرضا، والغضب والسخط عن الله، يفسرها بعضهم بأشياء منفصلة، - مفعولات -: بالنعم، والعقوبات المخلوقة.
إذًا؛ أهل السنة والجماعة وسط في أفعال الله، بين الجبرية الذين يقولون: إن العبد مجبور وليس له إرادة ولا اختيار ولا فعل، وإضافة الأفعال إليه إضافة مجازية، وإلا فهي في الحقيقة أفعال لله، لكن الفعل عندهم هو المفعول فليس هناك إلا الفاعل والمفعول ليس هناك فعل يقوم به؛ لأن من الممتنع عندهم قيام الأفعال الاختيارية به .
والقدرية النفاة الذين يقولون: إن العبد يخلق فعله، وإنه لا تعلق لمشيئة الله، ولا لقدرته بأفعال العبد.
стр. 174
فأهل السنة يثبتون القدر، ويؤمنون بكل مراتبه، ويؤمنون بالشرع، ويثبتون فعل العبد، فخالفوا بذلك الجبرية والقدرية، وكانوا وسطًا بين الطائفتين الضالتين المنحرفتين.
ثالثًا: أهل السنة وسط في باب وعيد الله بين المرجئة، والجهمية، وبين الوعيدية من الخوارج والمعتزلة.
فالخوارج والمعتزلة وعيدية، والجهمية مرجئة.
فأهل السنة في باب الوعيد - والمراد بالوعيد: الوعد بالعذاب والعقاب لأهل كبائر الذنوب من الموحدين، كما توعَّد الله القاتل، وآكل مال اليتيم، وآكل الربا، ومَن فر من الزحف، وقاذف المحصنات الغافلات المؤمنات، وما أشبه ذلك من نصوص الوعيد - وسط بين المرجئة الجهمية، والوعيدية من الخوارج والمعتزلة.
فالمرجئة نظرتهم إلى الوعيد ضعيفة؛ لأن الإيمان عندهم هو التصديق فقط، أو المعرفة فقط، ويقولون قولتهم المشهورة: «إنه لا يضر مع الإيمان ذنب كما لا ينفع مع الكفر طاعة»، إذًا؛ انتفى الوعيد، ليفعل المسلم ما يشاء، ولا يخاف! هذه نظرة المرجئة إلى وعيد الله نظرة تهوين وتهاون وغفلة وإعراض ولا يقيمون له وزنًا.
أما الوعيدية وهم الخوارج والمعتزلة فيقولون: إن الوعيد الذي توعد الله به العصاة حتمي، فمن مات مصرًّا على كبيرة، فلا بد له من دخول النار، وإذا دخل النار فلا بد له من الخلود فيها.
وهم يتفقون على تخليد مرتكب الكبيرة في النار.
стр. 175
وأهل السنة والجماعة وسط في هذا المقام، يؤمنون بما جاء في الكتاب والسنة من الوعيد، مما توعد الله من عصاه وخالف أمره.
ويقولون: إن هذا الوعيد معلق على المشيئة، فالعاصي إذا مات فهو تحت مشيئة الله؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨]، فهو تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له، وإن عذبه بالنار؛ فمآله إلى الخروج منها؛ للأحاديث المتواترة في خروج الموحدين من النار (١).
فيقولون: إن مرتكب الكبيرة مستحق للوعيد، ومتعرض للوعيد، ولا بد أن يعذب الله مَنْ شاء من مرتكبي الكبيرة، خلافًا للمرجئة الجهمية.
ويقول أهل السنة: إنه تحت مشيئة الله، إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه، ثم يخرجه من النار خلافا للخوارج والمعتزلة.
ويقولون: نصوصُ الوعيد تُمَرُّ كما جاءت، ولا تحرف، وإن كانت كل نصوص الوعيد على الذنوب مقيدة بقيد متفق عليه، وهو نصوص التوبة، فكل من تاب من الذنب تاب الله عليه.
ومقيدة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء﴾ [النساء: ٤٨].
ومقيدة بنصوص خروج الموحدين من النار.
стр. 176
ورابعًا: أهل السنة والجماعة وسط في أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، هذا التقابل قريب، ومرتبط بالذي قبله، فالتقابل بين الطائفتين المتطرفتين المنحرفتين واحد.
وأهل السنة والجماعة وسط في أسماء الإيمان والدين، وهي: الأسماء الشرعية التي ترجع إلى حال الإنسان في دينه: مؤمن، مسلم، تقي، صالح. وكذلك: كافر، منافق، فاسق، عاص، هذه هي أسماء الإيمان والدين، فأهل السنة وسط في هذه الأسماء التي تتضمن، وتستتبع أحكامًا دنيوية وأخروية.
وسط في باب أسماء الإيمان والدين، أو في باب الأسماء والأحكام، بين الحرورية - وهو: اسم للخوارج نسبة إلى الموضع الذي خرجوا فيه: حَرَوْراء (١) -، والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، هذا الانقسام يتعلق أيضًا بمرتكب الكبيرة.
لكن القضية الأولى: تتعلَّق بحكم الوعيد في الآخرة، وقد علمنا حكم مرتكب الكبيرة في الآخرة عند أهل السنة، وعند الخوارج، والمعتزلة، وعند المرجئة، والجهمية.
والثانية: حكمه في الدنيا؛ فالحرورية يقولون: إن مرتكب الكبيرة كافر، يخرج عن الإيمان، ويدخل في الكفر، ويكون مرتدًّا كافرًا حلال الدم، والمال.
стр. 177
والمعتزلة يقولون: هو في منزلة بين المنزلتين، لا هو مؤمن، ولا كافر، وهذا أصل من أصولهم، كما أن من أصولهم إنفاذ الوعيد يعني حتمية وقوع ما توعد الله به من عصاه.
وأما المرجئة فيقولون: العاصي مؤمن كامل الإيمان؛ لأن الإيمان عندهم هو التصديق، فكل من كان مصدقًا بربوبيته تعالى، ومصدقًا برسالة النبي ﷺ ؛ فهو مؤمن كامل الإيمان.
انظر إلى التقابل والتناقض؛ الخوارج يقولون: كافر، والمعتزلة قالوا: هو في منزلة يخرج عن دائرة الإيمان، وليس بمؤمن، والمرجئة يقولون: بل هو مؤمن كامل الإيمان.
وأهل السنة بين ذلك، يقولون: من أظهر الإيمان وأبطن الكفر؛ فهو منافق، ومن ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب وأصر عليها؛ فهو فاسق، وهو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، مؤمن ناقص الإيمان، فلا يسلبون عنه مطلق الاسم، ولا يعطونه الاسم المطلق يقولون مؤمن ناقص الإيمان (١).
إذا صاروا وسطًا: في مرتكب الكبيرة وهو الموحد الذي لم يأتِ بناقض يقولون عنه: عاصٍ فاسق ناقص الإيمان، لا يقولون: مؤمن كامل الإيمان، ولا يقولون: كافر، ولا يقولون: إنه في منزلة بين المنزلتين.
وبهذا تظهر وسطيتهم، ويظهر تطرف من خالفهم، فالحرورية والمعتزلة في طرف، والمرجئة في طرف، هؤلاء هم المتطرفون حقًّا،
стр. 178
أما أهل السنة فهم عدول خيار وسط، لا إفراط ولا تفريط، أهل عدل في أحكامهم، وأقوالهم، وأفعالهم.
خامسًا: أهل السنة وسط في ما يجب لأصحاب رسول الله ﷺ فقد اختلفت فيهم الفرق، ففريق غَلَوا، وفريق جَفَوا، وفريق توسطوا.
فأهل السنة والجماعة وسط في أصحاب رسول الله ﷺ بين الرافضة والخوارج.
فإن الرافضة يغلون في آل بيت النبي ﷺ يغلون في علي بن أبي طالب ﵁، وفاطمة بنت النبي ﷺ ورضي عنها وذريته منها، ويتجاوزون فيهما الحد.
وأما الخوارج فإنهم يكفِّرون كثيرًا من الصحابة، ومنهم علي ﵁، فكانوا مع الرافضة على طرفي نقيض.
فالخوارج هم شر النواصب؛ لأن الطائفة الناصبة نصبوا العداء لأهل بيت النبي ﷺ ، وخيرهم مطلقًا علي ﵁. والرافضة مع غلوهم في عليّ ﵁ وذريته نصبوا العداوة لخير هذه الأمة بعد نبيها، لأبي بكر، وعمر، وعثمان، وجمهور الصحابة ﵃، ولا يستثنون إلا نفرًا قليلًا.
فهم شر من الخوارج؛ لأنهم شاركوا الخوارج في نظير ما ضلوا وانحرفوا فيه من أمر الصحابة، وزادوا عليه، فالرافضة شر، والخوارج خير منهم بكثير (١)، فالذي يبغض مثلًا عليًا، أو يكفره أهون ممن يبغض أبا بكر، ويكفره، وإن كان الكل ضالًّا منحرفًا زائغًا عن سبيل الحق.
стр. 179
فأهل السنة وسط، يحبون أصحاب رسول الله ﷺ وينزلونهم منازلهم، ولا يبغضون أحدًا منهم، ولا يتبرؤون من أحد منهم، ولا يذكرونهم إلا بالجميل، ويبغضون من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم.
وينزلونهم منازلهم، ولا يغلون في أحد منهم، كما صنعت الروافض، ولا جفاء كما صنعت الخوارج، والله المستعان.
* * * *
стр. 180
من الإيمان بالله وكتبه: الإيمان بعلوه ومعيته
وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمان بما أخبر الله في كتابه، وتواتر عن رسوله ﷺ ، وأجمع عليه سلف الأمة: من أنه سبحانه فوق سمواته على عرشه، عليٌّ على خلقه، وهو سبحانه معهم أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون، كما جمع بين ذلك في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (٤)﴾ [الحديد] [٢٩/ ١]. وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر أينما كان، وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه مهيمن عليهم، مطلع إليهم، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته. وكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة [مثل أن يُظن أن ظاهر قوله: ﴿فِي السَّمَاء﴾ أن السماء تقله، أو تظله، وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان، فإن الله قد وسع كرسيه