← Акыда

Акыда · id 17773

توضيح مقاصد العقيدة الواسطية - البراك

عبد الرحمن بن ناصر البراك

Полный текст (295 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ورابعًا: أهل السنة والجماعة وسط في أسماء الإيمان والدين بين الحرورية والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، هذا التقابل قريب، ومرتبط بالذي قبله، فالتقابل بين الطائفتين المتطرفتين المنحرفتين واحد. وأهل السنة والجماعة وسط في أسماء الإيمان والدين، وهي: الأسماء الشرعية التي ترجع إلى حال الإنسان في دينه: مؤمن، مسلم، تقي، صالح. وكذلك: كافر، منافق، فاسق، عاص، هذه هي أسماء الإيمان والدين، فأهل السنة وسط في هذه الأسماء التي تتضمن، وتستتبع أحكامًا دنيوية وأخروية. وسط في باب أسماء الإيمان والدين، أو في باب الأسماء والأحكام، بين الحرورية - وهو: اسم للخوارج نسبة إلى الموضع الذي خرجوا فيه: حَرَوْراء (١) -، والمعتزلة، وبين المرجئة والجهمية، هذا الانقسام يتعلق أيضًا بمرتكب الكبيرة. لكن القضية الأولى: تتعلَّق بحكم الوعيد في الآخرة، وقد علمنا حكم مرتكب الكبيرة في الآخرة عند أهل السنة، وعند الخوارج، والمعتزلة، وعند المرجئة، والجهمية. والثانية: حكمه في الدنيا؛ فالحرورية يقولون: إن مرتكب الكبيرة كافر، يخرج عن الإيمان، ويدخل في الكفر، ويكون مرتدًّا كافرًا حلال الدم، والمال.

стр. 177

والمعتزلة يقولون: هو في منزلة بين المنزلتين، لا هو مؤمن، ولا كافر، وهذا أصل من أصولهم، كما أن من أصولهم إنفاذ الوعيد يعني حتمية وقوع ما توعد الله به من عصاه. وأما المرجئة فيقولون: العاصي مؤمن كامل الإيمان؛ لأن الإيمان عندهم هو التصديق، فكل من كان مصدقًا بربوبيته تعالى، ومصدقًا برسالة النبي ﷺ ؛ فهو مؤمن كامل الإيمان. انظر إلى التقابل والتناقض؛ الخوارج يقولون: كافر، والمعتزلة قالوا: هو في منزلة يخرج عن دائرة الإيمان، وليس بمؤمن، والمرجئة يقولون: بل هو مؤمن كامل الإيمان. وأهل السنة بين ذلك، يقولون: من أظهر الإيمان وأبطن الكفر؛ فهو منافق، ومن ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب وأصر عليها؛ فهو فاسق، وهو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، مؤمن ناقص الإيمان، فلا يسلبون عنه مطلق الاسم، ولا يعطونه الاسم المطلق يقولون مؤمن ناقص الإيمان (١). إذا صاروا وسطًا: في مرتكب الكبيرة وهو الموحد الذي لم يأتِ بناقض يقولون عنه: عاصٍ فاسق ناقص الإيمان، لا يقولون: مؤمن كامل الإيمان، ولا يقولون: كافر، ولا يقولون: إنه في منزلة بين المنزلتين. وبهذا تظهر وسطيتهم، ويظهر تطرف من خالفهم، فالحرورية والمعتزلة في طرف، والمرجئة في طرف، هؤلاء هم المتطرفون حقًّا،

стр. 178

أما أهل السنة فهم عدول خيار وسط، لا إفراط ولا تفريط، أهل عدل في أحكامهم، وأقوالهم، وأفعالهم. خامسًا: أهل السنة وسط في ما يجب لأصحاب رسول الله ﷺ فقد اختلفت فيهم الفرق، ففريق غَلَوا، وفريق جَفَوا، وفريق توسطوا. فأهل السنة والجماعة وسط في أصحاب رسول الله ﷺ بين الرافضة والخوارج. فإن الرافضة يغلون في آل بيت النبي ﷺ يغلون في علي بن أبي طالب ﵁، وفاطمة بنت النبي ﷺ ورضي عنها وذريته منها، ويتجاوزون فيهما الحد. وأما الخوارج فإنهم يكفِّرون كثيرًا من الصحابة، ومنهم علي ﵁، فكانوا مع الرافضة على طرفي نقيض. فالخوارج هم شر النواصب؛ لأن الطائفة الناصبة نصبوا العداء لأهل بيت النبي ﷺ ، وخيرهم مطلقًا علي ﵁. والرافضة مع غلوهم في عليّ ﵁ وذريته نصبوا العداوة لخير هذه الأمة بعد نبيها، لأبي بكر، وعمر، وعثمان، وجمهور الصحابة ﵃، ولا يستثنون إلا نفرًا قليلًا. فهم شر من الخوارج؛ لأنهم شاركوا الخوارج في نظير ما ضلوا وانحرفوا فيه من أمر الصحابة، وزادوا عليه، فالرافضة شر، والخوارج خير منهم بكثير (١)، فالذي يبغض مثلًا عليًا، أو يكفره أهون ممن يبغض أبا بكر، ويكفره، وإن كان الكل ضالًّا منحرفًا زائغًا عن سبيل الحق.

стр. 179

فأهل السنة وسط، يحبون أصحاب رسول الله ﷺ وينزلونهم منازلهم، ولا يبغضون أحدًا منهم، ولا يتبرؤون من أحد منهم، ولا يذكرونهم إلا بالجميل، ويبغضون من يبغضهم، وبغير الخير يذكرهم. وينزلونهم منازلهم، ولا يغلون في أحد منهم، كما صنعت الروافض، ولا جفاء كما صنعت الخوارج، والله المستعان. * * * *

стр. 180

من الإيمان بالله وكتبه: الإيمان بعلوه ومعيته وقد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله: الإيمان بما أخبر الله في كتابه، وتواتر عن رسوله ﷺ ، وأجمع عليه سلف الأمة: من أنه سبحانه فوق سمواته على عرشه، عليٌّ على خلقه، وهو سبحانه معهم أينما كانوا، يعلم ما هم عاملون، كما جمع بين ذلك في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (٤)﴾ [الحديد] [٢٩/ ١]. وليس معنى قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ أنه مختلط بالخلق، فإن هذا لا توجبه اللغة، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، بل القمر آية من آيات الله من أصغر مخلوقاته، وهو موضوع في السماء، وهو مع المسافر أينما كان، وهو سبحانه فوق العرش رقيب على خلقه مهيمن عليهم، مطلع إليهم، إلى غير ذلك من معاني ربوبيته. وكل هذا الكلام الذي ذكره الله من أنه فوق العرش وأنه معنا حق على حقيقته لا يحتاج إلى تحريف، ولكن يصان عن الظنون الكاذبة [مثل أن يُظن أن ظاهر قوله: ﴿فِي السَّمَاء﴾ أن السماء تقله، أو تظله، وهذا باطل بإجماع أهل العلم والإيمان، فإن الله قد وسع كرسيه

стр. 181

السموات والأرض، وهو الذي يمسك السموات والأرضَ أن تزولا وَيمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه، ومن آياته أن تقوم السماء والأرض بأمره] (١). هذا فصل خصَّصه الشيخ ﵀ لتقرير صفتين من صفات الله، تقدم ذكرهما وذِكر أدلتهما من الكتاب والسنة (٢)، وهما: علوه تعالى على خلقه واستواؤه على عرشه، ومعيته لعباده، ولكنه خصص لهاتين الصفتين فصلًا خاصًّا؛ لوجود الاضطراب في هذا المقام، وكثرة الاشتباه في هذا الأمر. ذكر الشيخ: أن من الإيمان بالله: الإيمان بما أخبر به في كتابه، وتواتر عن رسوله ﷺ ، وأجمع عليه سلف الأمة: من أنه سبحانه فوق سمواته على عرشه، عليٌّ على خلقه، وهو سبحانه معهم أينما كانوا كما في آية الحديد، فإن الله تعالى قد جمع فيها بين الأمرين: بين ذكر العلو والمعية ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (٤)﴾ [الحديد].

стр. 182

فمن الإيمان بالله الإيمان بعلوه تعالى، وفوقيته على خلقه، واستوائه على عرشه، وأنه تعالى مع ذلك هو مع عباده، لا يخفى عليه شيء من أمرهم، فهذا مما أخبر الله به في كتابه، وأخبر به رسوله ﷺ ، وأجمع عليه سلف الأمة. إذًا: هاتان الصفتان ثابتتان بالكتاب والسنة والإجماع، ولا منافاة بين هاتين الصفتين؛ فإنه تعالى مع علوه على خلقه واستوائه على عرشه هو مع عباده، مطلع، ورقيب، ومهيمن عليهم، لا يخفى عليه شيء من حالهم وأمرهم. والمعية التي وصف الله بها نفسه ويجب إثباتها له لا تقتضي أن يكون الله مختلطًا بالخلق، وحالًّا فيهم، تعالى الله عن ذلك. يقول الشيخ: «فإن هذا المعنى الباطل لا توجبه اللغة»: المعية لا تقتضي اختلاطًا، ولا حلولًا، فاللغة لا توجبه، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، وخلاف ما فطر الله عليه الخلق، فالذين لم يفهموا من معيته تعالى لعباده إلا أنه مختلط بهم حالٌّ فيهم حتى قالوا: إنه في كل مكان! هؤلاء خارجون عن موجب اللغة، مخالفون لما أجمع عليه سلف الأمة، ومخالفون لما تقتضيه الفطرة السوية. ومعية المخلوق للمخلوق لا تقتضي اختلاطًا وحلولًا، ومثاله: هذا القمر، فوق حيث شاء وبعيد عن الأرض، ويقال: إنه معنا مع المسافر وغير المسافر، وهو في مكانه، فإذا كانت معية المخلوق للمخلوق لا تقتضي اختلاطًا، فكيف بمعية الخالق للمخلوق؟!

стр. 183

يجب أن يعلم أن ما وصف الله به نفسه من علوه ومعيته، وفوقيته ومعيته أن كل ذلك حق على حقيقته. الله تعالى مستوٍ على عرشه حقيقة، عالٍ على خلقه حقيقة، وهو معنا حقيقةً، وليس في قولنا: إنه معنا حقيقة ما يتضمن الحلول، هو معنا حقيقة على ما يليق به، ويناسبه ويختص به، فهو حق على حقيقته. يقول الشيخ: «لا يحتاج إلى تحريف وصرف له عن ظاهره»: الله تعالى نفسه معنا، وهو فوق سمواته مستوٍ على عرشه، وهو سبحانه معنا يرانا، ويسمعنا، وعلمه محيط بنا ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَّجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلاَّ هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]. يقول المؤلف: «ولكن يصان عن الظنون الكاذبة»: ما يُثبت لله من الفوقية من كونه في السماء يجب أن يصان عن الظنون الكاذبة، مثل: أن يظن أن مَعْنى أنه الله في السماء: في داخل السماء تقله، وتحمله، والسماء الأخرى تظله تعالى الله، فهذا ظن كاذب، وسوء ظن بالله، وهو خلاف ما أجمع عليه سلف الأمة، فإن أهل السنة والجماعة مجمعون على أن معنى في السماء يعني في العلو فوق جميع المخلوقات، فهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء. وكذلك المعية يجب أن تصان عن الظن الكاذب؛ كظن الحلولية الذين يقولون: معنى أنه معنا: أنه في كل مكان حالٌّ في الأشياء في داخل الغرف، في داخل الأمكنة المستخبثة، حال في كل شيء يعني

стр. 184

أشبه ما يكون بالهواء الذي يملأ الفراغ تعالى الله عما يقول الظالمون، والجاهلون، والمفترون علوًا كبيرًا، سبحان الله عما يصفون. ويشير الشيخ إلى الدليل الدال على امتناع أن يحيط به شيء من مخلوقاته، فإنه سبحانه العلي وهو العظيم الذي لا أعظم منه، فالمخلوقات كلها في قبضته ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]، وهو العظيم الذي ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، وهو الذي ﴿يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ [فاطر: ٤١]، ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاء وَالأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم: ٢٥]، فهذه العوالم كلها في قبضته تعالى يدبرها كيف شاء. و هذا الفصل ينبغي حفظه ؛ لأن فيه عبارات جيدة تتضمن بيان ما يجب انتهاجه والثبات عليه من إثبات هاتين الصفتين: العلو والمعية، والإيمان بذلك من الإيمان بالله وبكتابه ورسوله ﷺ . * * * *

стр. 185

لا منافاة بين علوه وفوقيته، وقربه ومعيته ودخل في ذلك: الإيمان بأنه قريب من خلقه [مجيب] (١) كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون (١٨٦)﴾ [البقرة]، وقال النبي ﷺ : «إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته» (٢). وما ذكر في الكتاب والسنة من قربه، ومعيته، لا ينافي ما ذكر من علوه، وفوقيته، فإنه سبحانه ليس كمثله شيء في جميع نعوته، وهو عليٌّ في دنوه، قريبٌ في علوه. هذا الفصل متمم للذي قبله؛ ولهذا يقول: فقد دخل في ذلك يعني فيما تقدم من الإيمان بعلوه ومعيته الإيمان بأنه قريب مجيب قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، فالله تعالى موصوف بالعلو والفوقية، كما أنه موصوف بالقرب وبالمعية، وكل من هذه المعاني ثابت بالنصوص من الكتاب والسنة، ولا منافاة بين

стр. 186

علوه وفوقيته، وقربه ومعيته، هو فوق جميع المخلوقات مستوٍ على عرشه، وفي نفس الوقت هو مع عباده، وهو قريب من الداعين والعابدين، وهذا الفصل مكمل أضاف إليه مسألة القربِ، والكلامُ فيها مع العلو يشبه الكلام في المعية مع العلو، والله المستعان. * * * *

стр. 187

اعتقاد أهل السنة في القرآن ومن الإيمان به وكتبه الإيمان بأن القرآن كلام الله منزل غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود، وأن الله تكلم [به] (١) حقيقة، وأن هذا القرآن الذي أنزله على محمد ﷺ هو كلام الله حقيقة لا كلام غيره، ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله، أو عبارة، بل إذا قرأه الناس، أو كتبوه في المصاحف لم يخرج بذلك عن أن يكون كلام الله حقيقة، فإن الكلام إنما [٢٩/ ٢] يضاف حقيقة إلى من قاله مبتدئًا لا إلى من قاله مبلغًا مؤديًا، [وهو كلام الله؛ حروفه ومعانيه؛ ليس كلام الله الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف] (٢). هذا الفصل من أعظم فصول هذه العقيدة أهمية؛ لأنه يتعلق بقضية كبرى ألا وهي مسألة كلام الله التي اضطرب فيها الناس، واختلف فيها أهل الضلال، وهدى اللهُ إلى الحق فيها أهلَ السنة والجماعة، وهذه المسألة هي التي نشأت عنها الفتنة الكبرى فتنة القول بخلق القرآن،

стр. 188

والمحنة بذلك في خلافة المأمون حتى حُمل الناس على هذه البدعة بالقوة، وامتحن العلماء، وعلى رأسهم إمام أهل السنة الإمام أحمد ﵀. يقول الشيخ ﵀: «ومن الإيمان به وبكتبه الإيمان بأن القرآن كلام الله»: القرآن الكتاب المبين الحكيم العظيم، هذا القرآن هو كلام الله حقيقة تكلم به سبحانه وسمعه منه جبريل، وبلغه إلى محمد ﷺ : ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ [الشعراء] وهذا هو المعقول؛ فكل عاقل إذا سمع إضافة الكلام إلى متكلم عَقَلَ أنه كلامه، وقال: هذا كلام فلان. فالقرآن العظيم هو المكتوب في المصاحف المبدوء بسورة الفاتحة المختوم بسورة الناس، وهو محفوظ في الصدور ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: ٤٩]. يقول الشيخ: «القرآن كلام الله منزل» قال تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾ [الزمر: ١]، ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٠٢]، هذه هي عقيدة أهل السنة في القرآن أنه منزل غير مخلوق، بل هو صفة من صفات الله. فالكلام صفة الله، والقرآن من كلام الله، تكلم به سبحانه، منزل غير مخلوق خلافًا للجهمية والمعتزلة ومن شابههم من القائلين بأن هذا القرآن مخلوق، وأن الله لا يتكلم فالقرآن ليس كلامه حقيقة، وإن أضيف إليه فهو من إضافة المخلوق إلى خالقه، ويقولون: القرآن كلام الله؛ لكنه ليس على معنى أنه تكلم به؛ بل على معنى أنه خلقه، وقد صرح

стр. 189

الله بإضافة القرآن إليه وأنه كلامه ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللّهِ﴾ [التوبة: ٦]. ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٥]. والمعطلة من الجهمية والمعتزلة يقولون: هذا القرآن مخلوق خلقه الله إما في الهواء أو في نفس جبريل أو كيفما كان (١)، وأهل السنة يؤمنون بأنه كلام الله حقيقة منزل غير مخلوق منه بدا - أي -: ظهر القرآن من الله، وسُمع من الله كلامًا تكلم به سبحانه كيف شاء. فالله يتكلم بالوحي كيف شاء، ويتلقاه عنه من شاء من ملائكته، وجبريل هو الموكل بالوحي كما في آيات كثيرة منها: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِين (١٩٣)﴾ [الشعراء]، وجبريل هو الروح الأمين، بل قال سبحانه: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيم (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِين (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِين (٢١)﴾ [التكوير]. وقول الشيخ: «وإليه يعود»: يشير إلى رفعه في آخر الزمان حين يرفع القرآن من المصاحف والصدور كما جاء ذلك في كثير من الآثار (٢)؛

стр. 190

لأنه قرب قيام الساعة يُقبض المؤمنون، فلا يبقى في الأرض أحد يقول: الله الله (١). وهذا معنى قول أهل السنة: وإليه يعود. إذًا: القرآن هو كلام الله حقيقة لا مجازًا، والذين ينفون الكلام عن الله مطلقًا يقولون: إنه ليس كلام الله حقيقة بل إضافته إليه من قبيل إضافة المخلوق إلى خالقه. يقول الشيخ: «ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة»: هذه إشارة إلى مذهب الأشاعرة، فالأشاعرة يقولون: إن كلام الله معنى واحد نفسي قديم قائم بالرب ليس بحرف ولا صوت، وأما ما يسمعه الملائكة، أو يسمعه الأنبياء، أو هذا القرآن، أو غيره من الكتب، هذه الألفاظ عبارة أو حكاية قد يعبرون بهذا أو هذا، وقولهم: عبارة أي: تعبير عن كلام الله ليس القرآن كلام الله حقيقة، بل هو مجاز، تعالى الله عما يقول الجاهلون والغالطون علوًا كبيرًا، إنهم بذلك يشبهون الله بالأخرس الذي تكون في نفسه المعاني، ويعبر عنها من يفهم إشارته عن المعنى الذي فهمه منه. ولهذا أشار الشيخ إلى بطلان قول هؤلاء بقوله: «ولا يجوز إطلاق القول بأنه حكاية عن كلام الله أو عبارة»: لا بل هو كلام الله حقيقة، والكلام إنما يُضاف إلى من قاله مبتدئًا لا إلى من قاله مبلغًا مؤديًا، فلا يقال: إن القرآن كلام محمد، هذا قول الكفار ﴿إِنْ هَذَا إِلاَّ قَوْلُ الْبَشَر (٢٥)﴾ [المدثر]، لا يقال: إنه كلام محمد ﷺ ، أو كلام بشر، أو إنه كلام جبريل؛

стр. 191

لأن الكلام وإن كان جبريل قد بلَّغه ومحمد ﷺ قد بلغه، وقد أضيف إليهما القرآن بلفظ القول ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ كلمة رسول تنبئ أن إضافة القول للرسول إضافة تبليغ ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾، وقد أضيف إلى جبريل كما في آية التكوير ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيم (١٩)﴾ ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيم (١٩)﴾ [التكوير]، وأضيف إلى محمد ﷺ وهو الرسول البشري في سورة الحاقة ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُون (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُون (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيم (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَا تُؤْمِنُون (٤١)﴾ [الحاقة]. وهذا يمنع أن يقال: إنه قول جبريل ابتداء؛ ابتدأه جبريل، أو أنه ابتدأه محمد؛ لأنه قد أضيف إليهما، فلا يجوز أن يكون كل منهما ابتدأه، كلا بل كلٌ منهما بلغه، فإضافة القرآن إلى جبريل الرسول من الملائكة، أو إلى محمد وهو الرسول من البشر إضافة تبليغ كما ينبئ عن ذلك لفظ رسول، إذًا: الكلام ليس كلامه، بل كلام مرسِلِه. ولهذا جاء التنصيص على أنه كلام الله، وقد أجمع أهل السنة على أن القرآن كلام الله؛ لأن من ينفي أن يكون القرآن كلام الله حقيقة، وأنه مخلوق إنما يقول ذلك بناء على أصله الفاسد، وهو أن الله لا يتكلم تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وتقدم (١) أن نفي الكلام عن الله تنقص لرب العالمين، وأن الله بيَّن لبني إسرائيل بطلان إلهية العجل بأنه لا يتكلم، ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلاً جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِين (١٤٨)﴾ [الأعراف].

стр. 192

وختم الشيخ هذا الفصل بقوله: «فالقرآن هو كلام الله حروفه ومعانيه ليس كلام الله الحروف دون المعاني، ولا المعاني دون الحروف»: والجهمية والمعتزلة نفاة الكلام مطلقًا يقولون: القرآن ليس كلام الله حروفه ومعانيه، بل الكل مخلوق، وأما الأشاعرة فيقولون: المعنى كلام الله، أما الحروف فهي مُعبَّرٌ بها عن تلك المعاني، والحق أن القرآن كلام الله حروفه ومعانيه، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ هذه الآية تكلم الله بها كيف شاء، وتلقاها عنه الرسول الكريم جبريل ﵇، وبلغها للرسول الكريم من البشر محمد ﷺ . وهكذا، فالقرآن كله من الله حقيقة حروفه ومعانيه، وهكذا سائر الكتب المنزلة هي كلامه يعني -: قبل التحريف، فقد أنزل الله على موسى التوراة، وأنزل الإنجيل على عيسى، وقَرَن الله في كتابه بين الكتب الثلاثة بقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيل (٣) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران]، أي: هذا الكتاب. هذا ما يتعلق بهذا الفصل، وهو فصل ضمَّنه الشيخ ﵀ تقريرًا وافيًا للمذهب الحق - مذهب أهل السنة والجماعة - في القرآن، وهو منافٍ للمذاهب الباطلة. * * * *

стр. 193

من الإيمان بالله ورسله: الإيمان برؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة وقد دخل أيضًا فيما ذكرنا من الإيمان به وبكتبه وبرسله الإيمان بأن المؤمنين يرونه يوم القيامة عَيانًا بأبصارهم كما يرون الشمس صحوًا ليس دونها سحاب، وكما يرون القمر ليلة البدر ولا يضامون في رؤيته، يرونه سبحانه وهو (١) في عَرصات القيامة، ثم يرونه بعد دخول الجنة كما يشاء الله . وهذا فصل عقده الشيخ لمسألة الرؤية لمزيد العناية بها؛ لأن مسألة الرؤية مما اتسع فيها الكلام، وعظم فيها الاشتباه والاضطراب. فبيَّن الشيخ أنه قد دخل فيما ذكرناه من الإيمان بالله وكتبه ورسله واليوم الآخر - دخل في هذه الأصول الإيمان - بأن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة عيانًا بأبصارهم، ليست رؤية قلبية كما يقول المحرفون، لا بل عيانًا بأبصارهم، والدليل على هذا نصوص الكتاب، والسنة المتواترة (٢)، وإجماع سلف الأمة، فهي قضية تضافرت عليها الأدلة.

стр. 194

يقول الشيخ: «يرونه وهم في عَرَصات القيامة» يعني: يرونه في ساحات القيامة ومواقفها، ويرونه كذلك بعد دخولهم الجنة كما يشاء: كيفية، وزمانًا، ومكانًا، لا نحدد إلا في حدود ما صرحت به النصوص الثابتة من الكتاب أو من السنة الصحيحة. فالمقصود أن الشيخ عقد لبعض هذه المسائل - التي سبق ذكر أدلتها (١) - فصولاً؛ لأنها مسائل كثر الكلام والخلاف فيها بين فرق الأمة، وبين أهل السُّنة ومخالفيهم. * * * *

стр. 195

الإيمان باليوم الآخر وما يدخل فيه أحوال الناس بعد الموت، وبعد البعث ومن الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت؛ فيؤمنون بفتنة القبر، وبعذاب القبر، وبنعيمه. فأما الفتنة: فإن الناس يفتنون في قبورهم، فيقال للرجل: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟ ف ﴿يُثَبِّتُ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]، فيقول: المؤمن الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد نبيي. وأما المرتاب فيقول: آه آه (١) لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته، فيضرب بمرزَبَة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق (٢)، ثم بعد هذه الفتنة إما نعيم، وإما عذاب

стр. 196

إلى يوم القيامة الكبرى، فتُعاد الأرواح إلى الأجساد، وتقوم القيامة التي أخبر الله تعالى بها في كتابه [و] (١) على لسان رسوله وأجمع عليها المسلمون، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاة عراة غرلًا، وتدنو منهم الشمس، ويلجمهم العرق، وتنصب الموازين فيوزن فيها أعمال العباد ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُون (١٠٣)﴾ [المؤمنون]، وتنشر الدواوين وهي صحائف الأعمال فآخذٌ كتابه بيمينه، وآخذ كتابه بشماله، أو من وراء ظهره كما قال سبحانه: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كَتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ [الإسراء] [٣٠/ ١]. الإيمان باليوم الآخر هو أحد أصول الإيمان الستة التي فسَّر بها النبي ﷺ الإيمان، وهو الأصل الخامس: الإيمان باليوم الآخر، أو بتعبير آخر: الإيمان بالبعث بعد الموت. ويدخل في الإيمان باليوم الآخر أشياء كثيرة مما جاءت به النصوص، فكل ما أخبر الله به في كتابه، أو أخبر به رسوله ﷺ مما يكون بعد الموت فهو داخل في الإيمان باليوم الآخر.

стр. 197

فالدور ثلاث: دار الدنيا - وهي دار العمل - ودار البرزخ، والدار الآخرة - وهُما دارا جزاء -. فيجب الإيمان بما دلت عليه نصوص الكتاب والسنة من: فتنة القبر، وعذابه، ونعيمه، وما يكون بعد ذلك من القيامة الكبرى؛ فإن القيامة قيامتان: قيامة صغرى: وهي الموت الذي يكون به الانتقال من دار الدنيا إلى دار البرزخ. وقيامة كبرى: وهي التي أخبر الله تعالى بها في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ، وأجمع عليها المسلمون. فإنه تعالى يبعث الأموات من قبورهم ﴿﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُور (٧)﴾ [الحج]، وفتنة القبر وعذابه ونعيمه: أحوال من أحوال دار البرزخ. ومعنى البرزخ: الحاجز بين الدنيا، والدار الآخرة ﴿وَمِنْ وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون (١٠٠)﴾ [المؤمنون]، وهو: ما بين الموت إلى البعث. وقد دلَّ القرآن، والسنة المتواترة (١) على فتنة القبر وعذابه. والفتنة: الابتلاء، والمراد بفتنة القبر: سؤال الملكين: منكر ونكير للميت «فإن الميت إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه أتاه ملكان فيقعدانه ويسألانه يقولان له: من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟».

стр. 198

فأما المؤمن فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد، وأما الكافر فيتلجلج ويحار، فيقول: هاه هاه لا أدري ف ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ﴾، كما ذكر ذلك في كتابه، فهذه الآية فسرت التثبيت في القبر ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ بالاستقامة على الإسلام حتى الموت ﴿وَفِي الْآخِرَةِ﴾ بالتثبيت عند فتنة القبر. وقد صحَّ عن النبي ﷺ أنه قال: «إنه أُوحي إلى أنكم تفتنون في قبوركم مثل أو قريبًا من فتنة المسيح الدجال: فيؤتى أحدكم فيقال: ما علمك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن فيقول: هو محمد رسول الله جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا واتبعنا هو محمد ثلاثًا، فيقال نم صالحًا قد علمنا إن كنت لموقنًا به، وأما المنافق فيقول: لا أدري سمعت الناس يقولون شيئًا؛ فقلته» (١). تفتنون: يعني تمتحنون بالسؤال. وبعد هذه الفتنة إما نعيم وإما عذاب، ومن عذاب الشقي أنه إذا تحيَّر في الجواب، وقال: سمعت الناس يقولون شيئًا فقلتُ، يُوكل به من يضربه بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق. وهذه الأمور تجري في القبور، والناس قريبون جدًّا منها ولا يدرون شيئًا عنها، فهي من علم الغيبِ، والإيمانُ بها من الإيمان بالغيب.

стр. 199

وقد جاء في الصحيحين (١) حديث صاحبي القبرين، وأن الرسول ﷺ أخبر بأنهما يعذبان، والصحابة معه لا يدرون عن تعذيبهما، ولا عن سبب تعذيبهما، ومن حكمة الله أنه ستر أحوال القبور، وأهوالها، وعذاب المعذبين فيها، وقد جاء عن النبي ﷺ أنه قال: «لولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يُسمعكم من عذاب القبر ما أسمع» (٢). ولو سمع الناس ما في القبور لما استطاعوا المُقام، ولما طاب لهم عيش، ولما تدافنوا، ولفرَّ الناس وهاموا على وجوههم. فالقبور فيها أمور وخطوب؛ ولهذا جاءت الاستعاذة بالله من عذاب القبر، ومن فتنة القبر في كثير من النصوص، وانظروا كيف أوصانا النبي ﷺ أن نستعيذ بالله من هذه الأخطار العظيمة في كل صلاة بعد التشهد. قال النبي ﷺ : «إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع يقول: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال» (٣). ولو كُشف للناس أحوال القبور لما كان لهم ثواب على الإيمان بذلك؛ لأن الثواب إنما هو على الإيمان بالغيب، فهذا هو الذي فيه الفضل، ويتبين فيه المؤمن المصدق من الكافر الجاحد قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِين (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ الآية [البقرة].

стр. 200

ولهذا إذا عاين الإنسان مصيره انغلق عليه باب التوبة، فالله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر، ويقبل توبة التائبين ما لم ييئسوا من الحياة، ويعاينوا العذاب كما أخبر الله عن الهالكين من المكذبين ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِين (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُون (٨٥)﴾ [غافر]. إذًا؛ فمن أصول أهل السنة الإيمان بفتنة القبر، وعذاب القبر، ونعيم القبر، وقد أنكر ذلك بعض المبتدعة، وأنكره الملاحدة الزنادقة (١)، ويلبسون فيقولون: هذه القبور لا نرى فيها شيئًا، فلا يؤمنون إلا بما تدركه حواسهم. وهذا ضلال بيِّن، فكم من الأمور الموجودة القريبة منا ولا ندركها؟ أليس الإنسان قد وكل الله به ملائكة من حوله يكتبون أعماله ويحفظوه ولا يحس بهم؟ بل إن ملائكة الموت ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب حين نزع الروح أقرب إلى الإنسان من أهله، وهم لا يدرون. ﴿فَلَوْلَا إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُوم (٨٣) وَأَنتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُون (٨٤) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنكُمْ وَلَكِن لاَّ تُبْصِرُون (٨٥)﴾ [الواقعة]، فأحوال القبور الإيمان بها من الإيمان بالغيب، ولا يصح أن يكون عند المسلم أدنى شك لكونه لا يرى شيئًا ولا يحس به.

стр. 201

و قد يكشف الله لبعض الناس شيئًا من أحوال القبور كما تواترت الأخبار، فيُكشف أحيانًا لبعض الناس أشياء: إما أمور مسموعة، أو أمور مرئية (١). وبعد ذلك يبقى الناس في قبورهم، وفي أحوالهم إلى القيامة الكبرى التي أخبر الله بها في كتابه، وعلى لسان رسوله ﷺ ، وأجمع عليها المسلمون، فالقيامة البعث بعد الموت، فالإيمان بها من أصول الإيمان، ومن أنكر البعث فهو كافر ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ [التغابن: ٧]، والحديث عن البعث في القرآن طويل، ومستفيض، ومتنوع، وكثير، وواسع. قال المؤلف: «يقوم الناس من قبورهم» هذه القيامة الكبرى، تُعاد الأرواح إلى الأجساد، ويُجمع شتات الأبدان، يجمع ما تمزق وتفرق ويُعاد خلقًا جديدًا ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءهُمْ مُنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيب (٢) أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيد (٣) قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظ (٤)﴾ [ق]، فالأجزاء المتفرقة والأوصال المتمزقة والعظام النخرة يجمعها ربك، وينشئها نشأة أخرى، ويعيد الأرواح نفسها إلى تلك الأبدان التي ينشئها الله نشئًا جديدًا، فتتشقق عن الناس قبورهم، ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾ [ق: ٤٤]، تتشقق الأرض كما تتشقق عن النبات، يدفن البذر في الأرض فتنمو هذه البذور فتنشق عنها الأرض، فتخضر وتخرج الأشجار والثمار، والله شبه إحياء الأموات وإخراجهم من

стр. 202

قبورهم بإحياء الأرض بعد موتها ﴿وَتَرَى الأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيج (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (٦)﴾ [الحج]، وفي الآية الأخرى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاء اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير (٣٩)﴾ [فصلت]، وهذا المعنى في القرآن كثير. ويكونون «حفاة عراة غرلًا»: أي غير منتعلين، ولا مكتسين، ولا مختونين ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، ولما أخبر الرسول ﷺ بذلك، سألته أم المؤمنين عائشة: الرجال والنساء ينظر بعضهم إلى بعض؟! قال الرسول ﷺ : «يا عائشة إن الأمر أشد من أن يهمهم ذلك» (١). وذكر الشيخ جملة مما يكون يوم القيامة فمن ذلك: دنو الشمس من رؤوس الخلائق، كما جاء بذلك الحديث الصحيح: «فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق؛ فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما» (٢). ولو كانت خِلقتهم وطبيعتهم كطبيعتهم في هذه الحياة لأحرقتهم الشمس، لكن حياة الآخرة خلقت للبقاء، وإذا ردت الأرواح إلى الأبدان فإنها ترد ردًّا لا انفصال، ولا فراق بعده.

стр. 203

ومما يكون يوم القيامة: نصب الموازين، ووزن الأعمال ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِين (٤٧)﴾ [الأنبياء]. والآيات في هذا المعنى كثيرة، وكذا نصوص السنة الدالة على وزن الأعمال (١). وكذلك نشر الدواوين، وهي: صحائف الأعمال، والآيات في هذا كثيرة ذكر الشيخ منها قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كَتَابَكَ﴾ [الإسراء]، أي: ألزمناه عملَه، ونصيبُه في عنقه ملازم له. ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا﴾ كتابًا حقيقيًّا الله أعلم بكيفيته. ﴿يَلْقَاهُ مَنْشُورًا﴾ أي: مفتوحًا ﴿وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَت (١٠)﴾ [التكوير]. ﴿اقْرَأْ كَتَابَكَ﴾ كتاب قد أُحصي على الإنسان فيه كل صغير وكبير. ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩]، ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَر (٥٣)﴾ [القمر]. فكل هذا مما يجب الإيمان به، وهو داخل في الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بكل ما أخبر الرسول ﷺ به من فتنة القبر، وعذاب القبر، ونعيم القبر، والبعث بعد الموت، وقيام الناس من قبورهم حفاة،

стр. 204

ودنو الشمس، ونصب الموازين، ووزن الأعمال، ونشر الدواوين، كل هذا مما يجب الإيمان به، وأهل السنة والجماعة يؤمنون بهذا كله؛ لأن منهجهم ومذهبهم قائم على الإيمان بكل ما أخبر الله به في كتابه، وما أخبر به رسوله ﷺ لا يعارضون شيئًا من ذلك بعقولهم، أو بعقل فلان، أو بآراء فلسفية، أو جدل كلامي، بل مذهبهم قائم على التسليم لخبر الله سبحانه، وخبر رسوله ﷺ يؤمنون بذلك كله كما جاء عن الإمام الشافعي ﵀ أنه قال: آمنت بالله، وبما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت برسول الله، وما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله ﷺ (١). وأهل البدع وإن أقروا بالبعث فإنهم يقولون أقوالًا تخالف موجب النصوص، وينكرون بعض ما ورد في السنن مثل من ينكر الميزان (٢). فأهل السنة والجماعة يؤمنون بكل ما أخبر الله به في كتابه وأخبر به رسوله ﷺ ، والإيمان بهذه الأمور كله داخل في الإيمان باليوم الآخر. * * * *

стр. 205

محاسبة الله للخلائق ويحاسب الله الخلق، ويخلو بعبده المؤمن، فيقرره بذنوبه، كما وصف ذلك في الكتاب والسنة، وأما الكفار؛ فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته، فإنهم لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم وتحصى، فيوقفون عليها، ويقررون بها، ويجزون بها. ومما يكون يوم القيامةِ من الأمورِ العظيمةِ الحسابُ، فيوم القيامة له أسماء كثيرة منها: يوم الفصل، ويوم النشور، ويوم التلاق، ويوم التناد، ويوم الحسابِ، والحسابُ من أعظم ما يكون يوم القيامة. يحاسب الله الخلائق، وهو سريع الحساب، وهو أسرع الحاسبين ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦) فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤) بَلَى إِنَّ رَبَّهُ كَانَ بِهِ بَصِيرًا (١٥)﴾ [الانشقاق]، فمن الناس من يحاسب حسابًا يسيرًا، ومنهم مَنْ يناقَش الحساب.

стр. 206

وقد قال ﷺ : «من نُوقِشَ الحساب عُذِّب، فقالت أم المؤمنين عائشة ﵂: أليس الله يقول: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا؟ قال: ذلك العرض» (١). حساب المؤمن الذي غفر الله له ذنوبه إنما هو عرض أعماله عليه؛ ويسترشد إلى هذا بقول الشيخ: «يحاسب الله الخلق، ويخلو بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه» إلى آخره. وقول الشيخ: «كما وصف ذلك في الكتاب والسنة»: هذه الكلمة عامة وهي: إشارة إلى دليل قوله: «ويحاسب الله الخلق ويخلو بعبده المؤمن»: فمن أمور الحساب ما دلَّ عليه القرآن، كما في الآيات التي ذكرتُها، ومنها ما دلَّت عليه السنة، والفقرة الثانية إنما جاءت بها السنة، فالرسول ﷺ أخبر «أن الله يدني عبده المؤمن حتى يضع عليه كنفه فيقرره بذنوبه، ثم يقول له: إني سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم» (٢). يقول الشيخ: «وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ لأنه لا حسنات لهم»: ولكونهم لا حسنات لهم؛ لا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ لأن من له حسنات وسيئات توزن أعماله؛ فقد ترجح الحسنات فينجو، وقد ترجح السيئات، فيستوجب العذاب.

стр. 207

وقول الشيخ: «وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته … ولكن تعد أعمالهم وتحصى فيوقفون عليها، ويقررون بها ويجزون بها»: كأن هذه العبارة تُشْعِر بأن أعمالهم لا توزن (١)، والقرآن ظاهره - والله أعلم - أن الكفار توزن أعمالهم؛ فتخف موازينهم قال الله ﵎: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾ [المؤمنون] الآيات، ونظائر هذا في القرآن متعددة، فالذين تخف موازينهم؛ يبوؤون بالشقوة، وهم الذين يقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ [المؤمنون]، فيقول الله تعالى لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ [المؤمنون] نعوذ بالله من جهد البلاء، ودرك الشقاء وسوء القضاء، نعوذ بالله من مصير أهل الشقاء. * * * *

стр. 208

وجوب الإيمان بالحوض والصراط وفي [عَرصة] (١) القيامة الحوض المورود لمحمد ﷺ ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، طوله شهر، وعرضه شهر، من يشرب منه شربة لن يظمأ بعدها أبدًا. والصراط منصوب على متن جهنم - وهو الجسر الذي بين الجنة والنار - يمر الناس عليه على قدر أعمالهم، فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس الجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يَعْدو عدْوًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من يخطف فيلقى في جهنم، فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم، فمن مر على الصراط دخل الجنة، فإذا عبروا عليه، وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض، فإذا هُذِّبوا ونُقوا أذن لهم في دخول الجنة.

стр. 209

ومما يدخل في الإيمان باليوم الآخر ويجب الإيمان به: الحوض لنبينا ﷺ فقد تواترت به السنة (١) وأخبر الرسول ﷺ ، بوصفه، ووصف مائه، ومساحته، ومن ذلك ما ذكره الشيخ في أحد الروايات: «طوله شهر، وعرضه شهر» (٢)، وفي رواية أخرى تقدير مساحته «كما بين أيلة، وصنعاء» (٣)، و «كما بين صنعاء، والمدينة» (٤). وروايات كثيرة في مقداره (٥). المقصود أنه حوض عظيم، ومورد كريم ترد عليه هذه الأمة، ويشرب منه المؤمنون الذين ثبتوا في هذه الحياة على هدى الله، واستقاموا على سنة رسوله ﷺ ، وهذا الحوض قد ورد: «أن ماءه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب من ريح المسك، وآنيته وكيزانه كنجوم السماء» (٦). كل هذا يجب الإيمان به، وأهل السنة يؤمنون بهذا كله تصديقًا لخبر الصادق المصدوق ﷺ ، وهذا من فضائل نبينا فإن الله تعالى يظهر فضله

стр. 210

وكرامته على سائر الأنبياء بذلك الحوض، وبكثرة الواردين عليه، وإنه ليرد عليه أقوام يعرفهم ﷺ فيختلجون دونه ويحال بينهم وبين الورود، فيقول: «أصحابي أصحابي»، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فيقول ﷺ : «سحقًا سحقًا لمن غيَّر بعدي» (١). نعوذ بالله من التغيير والتبديل والردة عن الإسلام. يقول الشيخ: «في عرصات القيامة الحوض لنبينا»: عرصات القيامة: مواقفها، وساحاتها. وذكره للحوض في هذا الموضع يشعر بأنه يختار أن الحوض قبل الصراط، فإن أهل العلم اختلفوا في الحوض هل هو قبل الميزان، أو بعده؟ وهل هو قبل الصراط أو بعده؟ (٢) والمقصود أن من عقيدة أهل السنة والجماعة الإيمان بحوض النبي ﷺ ، وقد أنكر الحوض بعض طوائف المبتدعة (٣)، ولا حجة لهم في هذا الإنكار إلا الاستبعاد الذي لا سند له إلا قولهم: كيف يكون الحوض بهذه المساحة؟ وكيف يكون في عرصات القيامة؟ فنقول: الله تعالى على كل شيء قدير.

стр. 211

وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال - في الحوض -: «يشخب فيه ميزابان من الجنة» (١). وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أتدرون ما الكوثر؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم» (٢). أي: أن شراب هذا الحوض يُمد من نهر الكوثر الذي امتن الله به على نبينا محمد ﷺ في الجنة. ومما يجب الإيمان به ويدخل في الإيمان باليوم الآخر: الصراط، وهو: جسر منصوب على متن جهنم بين الجنة والنار يعبر منه الناس بحسب سيرهم وثباتهم على الصراط الذي نصبه الله للعباد في هذه الحياة الدنيا؛ ففي الدنيا صراط، وهو: دين الله الذي بعث به رسله، ودينه هو: الصراط المستقيم، وهو في حق هذه الأمة شريعة محمد ﷺ فمن كان على دين الله وصراطه المستقيم أثبت، وفي سيره أسرع كان على ذلك كذلك ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ [النبأ]، ف (الجزاء من جنس العمل)، ولهذا الناس يمرون عليه منهم: من يمر كالبرق سرعة - وهكذا حال الناس في الدنيا -، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم كالفرس الجواد، ومنهم كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدوًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من لا يسير، وعلى الصراط كلاليب

стр. 212

تخطف الناس بأعمالهم، وفي الحديث: «فناج مُسلَّم، ومكدوس في النار» (١). ويمر الناس على هذا الصراط، فمن عبر تجاوز الخطر - اللهم نجنا من عذابك يوم لقائك - ولهذا بيَّن الشيخ أن من عبر الصراط دخل الجنة من أول وهلة دون أن يمسه عذاب، فأما الذين يعذبون فإنهم لا يعبرون، بل يسقطون في النار، وينالهم العذاب. والله أعلم. والذي يشعر به سياق النصوص التي وردت في الصراط أن هذا العبور إنما يكون لأهل الإيمان، وللمنتسبين لأهل الإيمان، أما الأمم الكافرة كاليهود والنصارى وعباد الأوثان فهؤلاء ليسوا ممن يمر على الصراط - والعياذ بالله - كما جاء في الحديث أن الناس يحشرون يوم القيامة فيقال: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيتبعون ما كانوا يعبدون فيلقون في النار دون أن يعبروا على الصراط (٢).

стр. 213

المقصود أنه يجب الإيمان بالصراط، وبما جاء من عبور الناس، وتفاوتهم في المرور. وإنه لمثال لحال الناس وسيرهم على صراط هذه الحياة فمنهم: من هو مستقيم، ويسير سيرًا حثيثًا مواصلًا ليله ونهاره إلى الله ما يَضيع من وقته شيء، وآخر دونه، فتأمل واقعك.

стр. 214

والسير في هذه الحياة يكون بسير القلوب، وبسير الأبدان تبعًا فيما يتطلب ذلك، وبعد المرور على الصراط - والحديث الآن عن المؤمنين الذين عبروا، وتجاوزوا الخطر - يوقف الناس على قنطرة بين الجنة والنار قبل الدخول (١)، الإخوةُ المؤمنون الأحبابُ يقتص لبعضهم من بعض الحقوق التي تكون بينهم فيذهب الغل ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِّنْ غِلٍّ﴾ [الحجر: ٤٧]، حتى لا يكون لأحد على أحد شيء، وهذا غير المقاصة التي جاءت في حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون ما المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: «إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا؛ فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يُقْضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار» (٢). قال الشيخ: «فإذا هذبوا ونقوا» وكمل طيبهم أذن لهم بدخول الجنة، فيدخلونها طيبين قد طابوا في الدنيا، وكمل طيبهم وتأهلوا لدخول دار الطيبين ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤)﴾ [الزمر]، فأهل السنة والجماعة يؤمنون بالصراط على ما جاء في الأخبار، ويسلمون، فمنهجهم ومذهبهم

стр. 215

قائم على التسليم لله ورسوله ﷺ لا يعارضون شيئًا بآرائهم وأهوائهم ومعقول فلان ورأيه، وأما أهل الأهواء فإنهم يحكمون عقولهم في أخبار الرسول ﷺ هذا معقول، وهذا غير معقول، وهذا كذا، وهذا كذا. * * * *
следующие страницы →