وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال - في الحوض -: «يشخب فيه ميزابان من الجنة» (١). وعن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: «أتدرون ما الكوثر؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة آنيته عدد النجوم» (٢).
أي: أن شراب هذا الحوض يُمد من نهر الكوثر الذي امتن الله به على نبينا محمد ﷺ في الجنة.
ومما يجب الإيمان به ويدخل في الإيمان باليوم الآخر: الصراط، وهو: جسر منصوب على متن جهنم بين الجنة والنار يعبر منه الناس بحسب سيرهم وثباتهم على الصراط الذي نصبه الله للعباد في هذه الحياة الدنيا؛ ففي الدنيا صراط، وهو: دين الله الذي بعث به رسله، ودينه هو: الصراط المستقيم، وهو في حق هذه الأمة شريعة محمد ﷺ فمن كان على دين الله وصراطه المستقيم أثبت، وفي سيره أسرع كان على ذلك كذلك ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾ [النبأ]، ف (الجزاء من جنس العمل)، ولهذا الناس يمرون عليه منهم: من يمر كالبرق سرعة - وهكذا حال الناس في الدنيا -، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم كالفرس الجواد، ومنهم كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدوًا، ومنهم من يمشي مشيًا، ومنهم من يزحف زحفًا، ومنهم من لا يسير، وعلى الصراط كلاليب
стр. 212
تخطف الناس بأعمالهم، وفي الحديث: «فناج مُسلَّم، ومكدوس في النار» (١).
ويمر الناس على هذا الصراط، فمن عبر تجاوز الخطر - اللهم نجنا من عذابك يوم لقائك - ولهذا بيَّن الشيخ أن من عبر الصراط دخل الجنة من أول وهلة دون أن يمسه عذاب، فأما الذين يعذبون فإنهم لا يعبرون، بل يسقطون في النار، وينالهم العذاب. والله أعلم.
والذي يشعر به سياق النصوص التي وردت في الصراط أن هذا العبور إنما يكون لأهل الإيمان، وللمنتسبين لأهل الإيمان، أما الأمم الكافرة كاليهود والنصارى وعباد الأوثان فهؤلاء ليسوا ممن يمر على الصراط - والعياذ بالله - كما جاء في الحديث أن الناس يحشرون يوم القيامة فيقال: لتتبع كل أمة ما كانت تعبد، فيتبعون ما كانوا يعبدون فيلقون في النار دون أن يعبروا على الصراط (٢).
стр. 213
المقصود أنه يجب الإيمان بالصراط، وبما جاء من عبور الناس، وتفاوتهم في المرور.
وإنه لمثال لحال الناس وسيرهم على صراط هذه الحياة فمنهم: من هو مستقيم، ويسير سيرًا حثيثًا مواصلًا ليله ونهاره إلى الله ما يَضيع من وقته شيء، وآخر دونه، فتأمل واقعك.
стр. 214
والسير في هذه الحياة يكون بسير القلوب، وبسير الأبدان تبعًا فيما يتطلب ذلك، وبعد المرور على الصراط - والحديث الآن عن المؤمنين الذين عبروا، وتجاوزوا الخطر - يوقف الناس على قنطرة بين الجنة والنار قبل الدخول (١)، الإخوةُ المؤمنون الأحبابُ يقتص لبعضهم من بعض الحقوق التي تكون بينهم فيذهب الغل ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِّنْ غِلٍّ﴾ [الحجر: ٤٧]، حتى لا يكون لأحد على أحد شيء، وهذا غير المقاصة التي جاءت في حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون ما المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: «إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا؛ فيعطى هذا من حسناته، وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يُقْضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار» (٢).
قال الشيخ: «فإذا هذبوا ونقوا» وكمل طيبهم أذن لهم بدخول الجنة، فيدخلونها طيبين قد طابوا في الدنيا، وكمل طيبهم وتأهلوا لدخول دار الطيبين ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤)﴾ [الزمر]، فأهل السنة والجماعة يؤمنون بالصراط على ما جاء في الأخبار، ويسلمون، فمنهجهم ومذهبهم
стр. 215
قائم على التسليم لله ورسوله ﷺ لا يعارضون شيئًا بآرائهم وأهوائهم ومعقول فلان ورأيه، وأما أهل الأهواء فإنهم يحكمون عقولهم في أخبار الرسول ﷺ هذا معقول، وهذا غير معقول، وهذا كذا، وهذا كذا.
* * * *
стр. 216
إثبات شفاعات النبي ﷺ -
وأول من يستفتح باب الجنة محمد ﷺ ، وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته، وله في القيامة ثلاث شفاعات: أما الشفاعة الأولى: فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم، بعد أن يتراجع الأنبياء - آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم - الشفاعة حتى تنتهي إليه.
وأما الشفاعة الثانية: فيشفع في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له.
وأما الشفاعة الثالثة: فيشفع [٣١/ ٢] فيمن استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين، والصديقين، وغيرهم، يشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها. ويُخرج الله تعالى من النار أقوامًا بغير شفاعة بل بفضل رحمته، ويبقى في الجنة فضل عمّن دخلها من أهل الدنيا، فينشئ الله لها أقوامًا فيدخلهم الجنة.
ذكر الشيخ جملة من الأمور التي تكون يوم القيامة، والإيمان بها يدخل في الإيمان باليوم الآخر منها:
стр. 217
أن أول من يستفتح باب الجنة نبينا محمد ﷺ يستفتح فيفتح له، فيدخل فيكون أول من يدخل الجنة مطلقًا (١)، وأول من يدخل الجنة من الأمم أمته (٢)، فهو أفضل النبيين والمرسلين (٣)، وأمته خير الأمم (٤)، كل هذا مما صحت به الأحاديث عن النبي ﷺ ، وهذه أيضًا من خصائصه ﷺ ، وفضائله التي يظهر الله بها فضله على رؤوس الأشهاد ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ [الشرح]، ويَدخل بعده وأمته مَنْ شاء .
ثم يقول الشيخ: إن للرسول ﷺ ثلاث شفاعات:
الشفاعة الأولى: وهي الشفاعة في أهل الموقف، أن يُقضى بينهم، وتسمى: الشفاعة الكبرى، وهي: المقام المحمود الذي امتن الله به عليه في قوله: ﴿﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (٧٩)﴾ [الإسراء]، وفي الحديث عن النبي ﷺ : «من قال حين يسمع النداء اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته حلت له شفاعتي يوم القيامة» (٥).
وهذه الشفاعة خاصة به، وهي الشفاعة التي يتدافعها الأنبياء أولو العزم، كما ثبت عن النبي ﷺ في حديث الشفاعة الطويل المتواتر،
стр. 218
حين يأتي الناس لآدم، ويطلبون منه أن يشفع لهم عند الله، ثم نوح ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ﵈ إلى أن ينتهي الناس إلى النبي ﷺ ، فيقول: «أنا لها، فأستأذن على ربي فيؤذن لي، ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن، فأحمده بتلك المحامد، وأخر له ساجدًا، فيقول: يا محمد ارفع رأسك وقل يسمع لك، وسل تعط، واشفع تشفع .. » (١).
هذه الشفاعة الكبرى التي يتراجع عنها الأنبياء، ويتقدم لها نبينا محمد ﷺ لعظيم منزلته عند ربه.
والشفاعة الثانية: شفاعته في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة، ويجري نحو ما جرى من تدافع وتراجع الأنبياء عن الشفاعة في ذلك، فيشفع - أيضًا - لأهل الجنة أن يدخلوا الجنة (٢)، وفي كل ذلك إظهار لشرفه ﷺ ، وإعلاء لقدره، وإظهار لكرمه على ربه.
وهاتان الشفاعتان - شفاعته في أهل الموقف أن يقضى بينهم، وشفاعته في أهل الجنة أن يدخلوا الجنة - خاصتان به لا يشركه فيهما أحد من الأنبياء، ولا غيرهم.
والثالثة: الشفاعة في أهل الكبائر فيشفع فيمن استحق النار أن لا يدخلها، ويشفع فيمن دخلها أن يخرج منها، وهذه الشفاعة له، ولغيره من الأنبياء، والصديقين، والشهداء، والصالحين، والملائكة.
стр. 219
وهذه الشفاعة هي التي ينكرها أهل البدع كالخوارج والمعتزلة؛ لأن ذلك يناقض أصلهم، وتقدم (١) أن من أصولهم أن أهل الكبائر لا بد لهم من دخول النار، والخلود فيها فتمتنع الشفاعة كما تمتنع في المشركين ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)﴾ [غافر]، ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ [المدثر]. فجعلوا مرتكب الكبيرة كذلك لا تنفعه شفاعة الشافعين.
وأهل السنة والجماعة يؤمنون بهذا كله، ويثبتون هذه الشفاعة للنبي ﷺ وغيرها، لكن هذه أهمها وأبرزها، ولهذا اقتصر الشيخ عليها فاثنتان خاصتان به، والثالثة مشتركة، ولكن له منها الحظ الأوفر، فإنه ثبت أنه ﷺ يشفع أربع مرات، يقول: «فأشفع فيحد لي حدًّا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة، ثم أعود فأشفع فيحد لي حدًّا فأخرجهم من النار وأدخلهم الجنة إلى أربع مرات» (٢).
ويُخْرِج الله من النار أقوامًا بغير شفاعة (٣) بل بمحض فضله ورحمته ، والكل من فضله، والكل من رحمته حتى مَنْ يخرج بشفاعة الشافعين، هل خرجوا إلا برحمة الله وبفضله؟
مَنْ الذي أذن للشافع أن يشفع؟ ومن الذي قبل منه الشفاعة؟
стр. 220
فهو تارةً يسدي فضله بسبب يهيئه، ويجريه على يد بعض العباد، وتارةً يمنح ويؤتي فضله دون توسط سبب، والسبب إذا توسط فهو أيضًا عائد إلى إرادته تعالى ورحمته وفضله، فالأمر له أولًا وآخرًا، يكرم الشافع فيأذن له بالشفاعة، ويرحم المشفوع له فينجيه من العذاب بشفاعة من أذن له بالشفاعة والقبول.
قال الشيخ: «ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا فينشئ الله لها أقوامًا فيدخلهم الجنة»:
ثبت هذا في الحديث عن النبي ﷺ : «لا تزال جهنم يلقى فيها، وتقول: هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط بعزتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقًا، فيسكنهم فضل الجنة» (١).
* * * *
стр. 221
كلمة مجملة عن اليوم الآخر
وأصناف ما تضمنته الدار الآخرة من الحساب والعقاب، والثواب والجنة والنار، وتفاصيل ذلك مذكورة في الكتب المُنَزَّلَة من السماء، [والأثارة] (١) من العلم المأثورة عن الأنبياء، وفي العلم الموروث عن محمد ﷺ من ذلك ما يشفي ويكفي، فمن ابتغاه وجده.
هنا أَجْمَلَ الشيخ الكلام عن اليوم الآخر بعد ما ذكر أشياء مما يكون يوم القيامة، مما يجب الإيمان به، ثم ختم بهذه الجملة.
أي أنواع، وتفاصيل ما تضمَّنته الدار الآخرة من الحساب والعقاب، والثواب والجنة والنار، وتفاصيل ذلك موجود في الكتب المنزلة من السماء: كالتوراة، والإنجيل، والقرآن، وغيرها من كتب الله المنزلة، كلها تضمنت من هذا ما تضمنته، وكذلك في المأثور عن الأنبياء آثار كثيرة تتضمن أخبارًا عن اليوم الآخر، لكن لا يُثبت من ذلك إلا ما وصلنا بخبر المعصوم ﷺ .
стр. 222
أما الآثار المروية عن الأنبياء التي لم تثبت بطريق يجب اعتماده، فالأمر فيها معلق على الدليل، كأخبار بني إسرائيل؛ إما أن يقوم الدليل على كذبه فيرد، أو على صدقه فيجب الإيمان به، أو يبقى لا يصدق ولا يكذب، ولا شك أن الأنبياء أخبروا عن اليوم الآخر، لكن إذا جاءت عنهم جزيئات تفصيلية، فلا بد من ثبوت ذلك.
وفي العلم الموروث عن محمد ﷺ ، وهو ما جاء في الكتاب والسنة، من ذلك ما يشفي ويكفي، لا نحتاج أبدًا إلى أن نرجع إلى التوراة والإنجيل، أو أخبار بني إسرائيل ففي الكتاب والسنة الغنى، اقرأ القرآن ماذا تجد فيه من الحديث عن اليوم الآخر؟
تجد الكثير، بل إنه لم يأتِ من تفاصيل اليوم الآخر في الكتب المنزلة مثل ما جاء في القرآن، وكذلك سنة النبي ﷺ فيها من الأخبار، والآثار المتعلقة باليوم الآخر شيء كثير.
وهذا العلم موجود، وميسر، لمن ابتغاه وطلبه، ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾ [القمر].
* * * *
стр. 223
مذهب الفرقة الناجية في الشرع والقدر وأفعال العباد
وتؤمن الفرقة الناجية (١) - أهل السنة والجماعة - بالقدر خيره وشره، و الإيمان بالقدر على درجتين، كل درجة تتضمَّن شيئين:
فالدرجة الأولى: الإيمان بأنّ الله تعالى علم ما الخلق عاملون بعلمه القديم الذي هو موصوف به أزلًا وأبدًا، وعلم جميع أحوالهم من الطاعات، والمعاصي، والأرزاق، والآجال، ثم كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ مقادير الخلائق، فأول ما خلق الله القلم، قال له: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة (٢)، فما أصاب الإنسان لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه (٣)
стр. 224
جفت الأقلام وطويت الصحف (١) كما قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج]، وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ [الحديد]، وهذا التقدير التابع لعلمه سبحانه يكون في مواضع جملة وتفصيلًا، فقد كتب في اللوح المحفوظ ما شاء، فإذا خلق جسد الجنين قبل نفخ الروح فيه بعث إليه ملكًا فيؤمر بأربع [٣٢/ ١] كلمات فيقال: «اكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد» (٢)، ونحو ذلك، فهذا القدر قد كان ينكره غلاة القدرية قديمًا، ومنكروه اليوم قليل.
وأما الدرجة الثانية: فهي مشيئة الله تعالى النافذة، وقدرته الشاملة، وهو [الإيمان] (٣) بأن ما شاء الله كان، و [ما لم يشأ] (٤) لم يكن، وأنه ما في السموات، وما في الأرض من حركة، ولا سكون إلا بمشيئة الله سبحانه، لا يكون في ملكه إلا ما يريد، وأنه على كل شيء قدير، من الموجودات والمعدومات، فما من مخلوق في الأرض، ولا في السماء إلا الله خالقه سبحانه لا خالق غيره، ولا رب سواه، وقد أمر العباد بطاعته، وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، وهو سبحانه يحب
стр. 225
المتقين، والمحسنين، والمقسطين، ويرضى عن الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، ولا يحب الكافرين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين، ولا يأمر بالفحشاء، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد. والعباد فاعلون حقيقة، والله خالق أفعالهم. والعبد هو المؤمن، والكافر، والبر، والفاجر، والمصلي، والصائم.
وللعباد قدرة على أعمالهم، وإرادة، والله خالقهم، وخالق قدرتهم، وإرادتهم، كما قال: ﴿لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٩)﴾ [التكوير].
وهذه الدرجة من القدر يكذب بها عامة القدرية الذين سماهم النبي ﷺ مجوس هذه الأمة (١)، ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات
стр. 226
حتى يسلبوا العبد قدرته، واختياره، ويخرجون عن أفعاله، وأحكامه حِكَمها، ومصالحها.
قال الشيخ: «وتؤمن الفرقة الناجية بالقدر خيره وشره»: وكان الأنسب لو قال: فصل؛ لأنه انتقل إلى موضوع جديد، ويلاحظ أن الشيخ ميز هذا المقام بتعبير؛ لأن مسالة القدر هي من المسائل الكبار التي تباينت فيها مذاهب الأمة.
وتؤمن الفرقة الناجية المنصورة - أهل السنة والجماعة - بالقدر خيره وشره، ولاحظ أن هذا هو الأصل السادس، وأن الشيخ أشار إلى بعض ما يتعلق بالإيمان بالله، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، ثم انتهى إلى الكلام عن الأصل السادس وهو الإيمان بالقدر، فالفرقة الناجية المنصورة تؤمن بالقدر خيره وشره، كما في قوله ﷺ : «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره» (١).
تؤمن بالقدر يعني: بتقدير الله للأشياء قبل كونها، والأشياء المقدرة فيها خير وشر، فالقدر يطلق ويراد به:
التقدير السابق: تقدير الله للأشياء في علمه وكتابه.
ويطلق القدر على: الشيء المقدر، تقول عن الحادث: هذا قدر - يعني -: أمر مقدر، فكل الأشياء قدر: قيامك وقعودك ومشيك وأكلك
стр. 227
وشربك، والصحة والمرض كلها قدر، ولهذا لما سُئِل النبي ﷺ عن الأدوية والرقى فقالوا: هل ترد من قدر الله؟ قال: «هي من قدر الله» (١). ولما رأى عمر ﵁ الرجوع بالناس عن الشام لما بلغهم أنه قد نزل بها الطاعون بعدما استشار الصحابة، فقال أبو عبيدة بن الجراح ﵁: يا أمير المؤمنين أفرارًا من قدر الله؟ قال: نعم نَفِرُّ من قدر الله إلى قدر الله، فجاء عبد الرحمن بن عوف ﵁ وكان متغيبًا في بعض حاجته - فقال: إن عندي في هذا علمًا سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا سمعتم به بأرض فلا تَقْدَموا عليه وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه» (٢).
قال الشيخ: «الإيمان بالقدر على درجتين، وكل درجة تتضمن شيئين .. »:
الدرجة الأولى: الإيمان بأن الله علم ما يكون قبل أن يكون بعلمه القديم الأزلي، وعلم ما العباد فاعلون من الطاعات والمعاصي كل ذلك معلوم للرب بعلمه القديم، هذه المرتبة الأولى من الإيمان بالقدر، فلا بد في الإيمان بالقدر من الإيمان بعلم الله السابق هذا شيء.
стр. 228
الشيء الثاني: الإيمان بأن الله كتب مقادير الأشياء عنده في كتاب، وهو: اللوح المحفوظ، وهو أم الكتاب، وهو الكتاب المبين، أو الإمام المبين، وهو الذكر قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ [الأنبياء]، كتب ذلك بقلم المقادير كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ : «كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة» (١).
وفي الحديث الآخر عنه ﷺ : «كان الله ولم يكن شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء» (٢). فكل ما هو كائن إلى يوم القيامة قد كُتِب ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾ [القمر].
ومن أدلة المرتبتين: العلم والكتابة قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧٠)﴾ [الحج].
فجمع سبحانه بين علمه تعالى بكل شيء، واشتمال كتابه على كل شيء، فكل ما في السماء والأرض، وكل ما جرى ويجري في هذا الوجود مكتوب في اللوح المحفوظ، قال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ [الأنعام].
стр. 229
فعلى سبيل المثال: كل ما يجري للإنسان من أحوال: صحة ومرض، وهم وحزن، أو سعة رزق أو ضيقه، أو سعادة أو شقاوة، كل ذلك مكتوب.
هذا التقدير العام الأول.
وهناك تقديرات أخرى:
تقدير ثانٍ: يتعلق بآدم وذريته، قبل أن يخلق الله آدم بأربعين عامًا كما في الحديث الصحيح في محاجة آدم وموسى قال آدم لموسى ﵉: … هل وجدت في التوراة:﴾ ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾؟ قال: نعم. قال: أفتلومني على أن عملتُ عملًا كتبه الله عليَّ أن أعمله قبل أن يخلقني بأربعين سنة؟ قال رسول الله ﷺ : «فحج آدم موسى» (١).
وتقدير ثالث: وهو تقدير يتعلق بكل إنسان، فكل إنسان له تقدير خاص، كما في الحديث المتفق على صحته عن النبي ﷺ : أنه قال - في الجنين عندما يبلغ أربعة أشهر -: «فيأتيه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد» (٢).
وتقدير رابع، وهو التقدير الحولي: وهو ما يكون في ليلة القدر: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ [الدخان].
стр. 230
وسميت ليلة القدر؛ لأن الله يقدر فيها ما يكون في السنة من ليلة القدر إلى مثلها - أي - من السنة إلى السنة، وهذه التقديرات لا تناقض التقدير والكتاب الأول، والله تعالى حكيم عليم.
الدرجة الثانية من الإيمان بالقدر: الإيمان بأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وأن هذا الوجود لا يكون فيه من حركة، ولا سكون، ولا تقديم، ولا تأخير، ولا وجود صغير، ولا كبير إلا بمشيئة الله سبحانه، وهذه المرتبة مضمونها الإيمان بعموم مشيئة الله؛ لأن مشيئة الله عامة، لا يخرج عنها شيء لا أفعال العباد، ولا الحيوان ولا غيرها. وهذه المرتبة الثالثة من مراتب القدر.
والمرتبة الرابعة: - وهي: الشيء الثاني من الدرجة الثانية -: الإيمان بأن الله تعالى خالق كل شيء، وأنه على كل شيء قدير، فهو خالق السموات والأرض ومن فيهن، وما بينهما من الذوات والصفات والأفعال، خالق العرش وما دون العرش ﴿اللّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الرعد: ١٦].
الخلاصة: أن الإيمان بالقدر لا يتم إلا بهذه الأمور الأربعة، وتسمى مراتب الإيمان بالقدر، وأهل السنة والجماعة يؤمنون بالقدر على هذا الوجه بمراتبه الأربعة.
وأما المنكرون للقدر فهم طائفتان:
غلاة أنكروا العلم والكتاب، ويقولون: إن الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وجودها، ومعنى هذا: أنه لم يقدر الأشياء، ولم يكتب ما سيكون،
стр. 231
كما ينكرون عموم المشيئة، وعموم الخلق، ويُخْرِجون أفعال العباد عن مشيئة الله وخلقه.
وهذا مذهب قدماء القدرية وغلاتهم.
أما المتوسطون منهم فينكرون المرتبة الثالثة والرابعة، وهي: عموم المشيئة، والخلق، ومنهم: المعتزلة، فينكرون عموم المشيئة، وعموم الخلق، فيُخْرِجون أفعال العباد عن مشيئة الله، فعندهم أن أفعال العباد ليست بمشيئة الله، والعبد يتصرف بغير مشيئة الله، والله لا يقدر أن يغيِّر من حال الإنسان شيئًا، فيتضمن ذلك تعجيز الرب تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.
ويُخْرِجون أفعال العباد عن ملكه، فمضمون قولهم: أنه تعالى ليس له الملك كله! وأهل السنة والجماعة يؤمنون بأنه الله تعالى له الملك كله، وله الأمر كله .
ومع الإيمان بالقدر بما يشتمل عليه من الأمور الأربعة التي نقول: إنها مراتب الإيمان بالقدر؛ فإنه يجب الإيمان بالشرع وقد اختلف الناس في هذا المقام (١) فمنهم:
من آمن بالشرع، وأنكر القدر، وهم: القدرية؛ كالمعتزلة، وغيرهم.
ومنهم: من آمن بالقدر، وكفر بالشرع، أو أعرض عن الشرع، ولم ينظر إليه؛ كالجبرية الذين يقولون: الإنسان مجبور على أفعاله، وشرهم
стр. 232
الذين يعارضون الشرع بالقدر، ومنهم المشركون الذين قالوا: ﴿لَوْ شَاء اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]، فعارضوا دعوة الرسل محتجين بالقدر.
وطائفة قالوا: إن الشرع والقدر فيهما تناقض، فطعنوا في حكمة الرب سبحانه، وتُعَارِض بين الشرع والقدر، وإن أثبتتهما وتسمى: الإبليسية؛ فزعيمهم في هذا إبليس، فهو الذي اعترض على الرب، وطعن في حكمته، مع إقراره بالشرع والقدر، فكان هو إمام هذه الطائفة المخذولة.
وأهل السنة والجماعة: يؤمنون بالقدر بما يشتمل عليه من الأمور الأربعة، ويؤمنون بالشرع، وأن الله أمر عباده بالإيمان والطاعات، ونهاهم عن الكفر والفسوق والعصيان، وأنه تعالى يحب المتقين والمقسطين والتوابين والمتطهرين، ولا يرضى لعباده الكفر، ولا يحب الفساد والمفسدين، ولا يرضى عن القوم الفاسقين.
والإيمان بالشرع يتضمن الفرق بين ما يحبه الله ويبغضه، ويتضمن إثبات الأسباب، وكونها مؤثرة بإذن الله، ويدخل في ذلك الإيمان بأن العباد فاعلون حقيقة، وأن لهم مشيئة واختيارًا، خلافًا للجبرية، وأن الله خالق قدرتهم وأفعالهم، كما تقدمت الإشارة إلى هذا عند ذكر وسطية أهل السنة والجماعة بين الجبرية والقدرية (١).
ولا يستقيم أمر العباد، وإيمانهم، بل لا تستقيم الحياة إلا بهذا وهذا، فمن أنكر واحدًا منهما، أو غفل عنه ضل عن الصراط المستقيم،
стр. 233
وانحرف في سلوكه وتصرفاته، وفسد من أمور المجتمع بحسب ما وقع من الخلل في ذلك، فلا بد من النظر إلى الأمرين جميعًا ووضع كل من الأمرين في موضعه، ف عند المصائب عليك أن تنظر إلى القدر، وتؤمن بقدر الله، ولا تتسخط من قضائه وقدره.
وعند المعائب والمعاصي عليك أن تنظر إلى الشرع؛ فتلوم نفسك، وتستغفر وتتوب إلى ربك، وتراجع نفسك وتندم. ومن نظر إلى القدر عند المعاصي هانت عليه، وأصبح لا يبالي بمعصية الله فيقدم عليها، ويستخف بها.
وقول الشيخ: «وقد أمر العباد بطاعته، وطاعة رسله، ونهاهم عن معصيته، وهو سبحانه يحب المتقين والمحسنين» إلخ:
هذا تفصيل لقوله: «والعباد فاعلون حقيقة»، فما داموا هم الفاعلون حقيقة، إذًا فالعبد هو: المؤمن والكافر، والبر والفاجر، والمطيع والعاصي .. إلخ.
وقول الشيخ: «ويغلو فيها قوم من أهل الإثبات حتى سلبوا العبد قدرته واختياره»:
منهم الجبرية؛ فالجبرية يغلون في إثبات القدر، فهم يقرون بعموم مشيئة الله، وبعموم قدرته وخلقه، ولكنهم غلوا حتى سلبوا العبد قدرته واختياره.
стр. 234
وقول الشيخ: «ويخرجون عن أفعاله، وأحكامه حِكَمها ومصالحها»:
وهو ما يتضمنه مذهب القدرية الجبرية من نفي الحكمة، فعندهم أن كل ما هو ممكن يجوز على الرب ، وهو تعالى يتصرف بزعمهم بمحض المشيئة لا لحكمة، فهو يجعل هذا طائعًا، وهذا عاصيًا، أو يعذب هذا وينعم هذا، أو يأمر بكذا وينهى عن كذا؛ كل ذلك بمحض المشيئة، فلا فرق عندهم بين أمره بالتوحيد، ونهيه عن الشرك، ولذا يجوز عندهم العكس، وهو: أن يأمر بالشرك، وينهى عن التوحيد!
وأن تنعيمه للمؤمنين والصالحين في الجنة، وتعذيبه للكافرين؛ كل هذا بمحض المشيئة ليس في شيء من ذلك حكمة، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا.
* * * *
стр. 235
مذهب أهل السنة في الإيمان، ومرتكب الكبيرة
ومن أصول [الفرقة الناجية] (١): أن الدين والإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية [٣٢/ ٢]. وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي، والكبائر، كما تفعله الخوارج؛ بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي، كما قال سبحانه في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٥]، وقال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات]، ولا يسلبون الفاسق المِلِّي اسم الإيمان بالكلية، ولا يخلدونه في النار، كما تقوله المعتزلة، بل الفاسق يدخل في اسم الإيمان في مثل قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢]، وقد لا يدخل في اسم الإيمان المطلق كما في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]، وقوله ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، [ولا يسرق السارق حين يسرق وهو
стр. 236
مؤمن] (١) ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن» (٢). ويقولون: هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته؛ فلا يعطى الاسم المطلق، ولا يسلب مطلق الاسم.
عقد الشيخ ﵀ هذا الفصل؛ لبيان مذهب أهل السنة في ثلاث مسائل سبقت الإشارة إلى بعضها، عند الكلام على وسطية أهل السنة والجماعة بين فِرَق الأمة (٣).
المسألة الأولى:
ما يتناوله اسم الإيمان - أي - مسمى الإيمان ما هو؟
يقول الشيخ ﵀: «من أصول أهل السنة والجماعة أن الدين، والإيمان قول وعمل»:
قول وعمل خلافًا للمرجئة الذين يقولون: إن الإيمان تصديق القلب فقط، وأما الأعمال فليست من الإيمان، أو كقول الجهمية: هو المعرفة، والمعنى متقارب.
стр. 237
وخلافًا للكرامية الذين يقولون: الإيمان هو التصديق باللسان، فمن صدَّق بلسانه؛ فهو مؤمن يعني: في الدنيا، وإن كان مخلدًا في النار يوم القيامة.
لكنه في الحقيقة ليس بمؤمن، من صدَّق بلسانه، وأظهر الإيمان بلسانه فقط؛ فليس بمؤمن في الحقيقة، بل هو منافق هذا هو اسمه الشرعي قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [البقرة].
وخلافًا لمرجئة الفقهاء كالإمام أبي حنيفة، ومن تبعه الذين يقولون: الإيمان تصديق القلب، وإقرار اللسان.
وأئمة أهل السنة ينكرون كل هذه الأقوال ويقولون: إن الإيمان قول وعمل؛ للأدلة الكثيرة التي دلت على هذا، فالرسول ﷺ فسَّر الإيمان في حديث جبريل: «أن تؤمن بالله ملائكته وكتبه» الحديثَ (١). بأصوله الستة، وهي اعتقادية.
وفسَّر النبي ﷺ الإيمان في حديث وفد عبد القيس بأمور عملية قال لهم: «أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا الله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس» (٢). ففسَّره بأمور عملية بنحو تفسيره للإسلام، وأبلغ من هذا قوله ﷺ : «الإيمان بضع وسبعون أو بضع وستون شعبة فأفضلها
стр. 238
قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» (١).
يقول الشيخ: «من أصول السنة والجماعة أن الدين والإيمان قول وعمل»، ثم يفصل ذلك بقوله: «قول القلب واللسان وعمل القلب واللسان والجوارح».
يعني: أن الإيمان يشمل هذه الأمور الخمسة:
قول القلب: اعتقاد القلب، وهو: تصديقه.
وقول اللسان: هو الإقرار، كما يقر الكافر عند إسلامه، بقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله.
وعمل القلب: كمحبة الله تعالى ورسوله ﷺ وأوليائه، ومحبة ما يحب، والخوف من الله ورجائه، والتوكل عليه.
وعمل اللسان: كالذكر بأنواعه، وتلاوة القرآن، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وعمل الجوارح: كالصلاة وما فيها من عمل الجوارح؛ كالقيام، والركوع والسجود، والحج وما فيه من عمل الجوارح؛ كالطواف، والسعي، وسائر المناسك؛ فالإيمان يشمل ذلك كله.
فالإيمان بضع وستون شعبة فالصلاة من الإيمان، والزكاة من الإيمان، والصيام من الإيمان، والحج من الإيمان.
стр. 239
قوله: «قول القلب واللسان»:
هذا تفصيل لقول أهل السنة: قول القلب واللسان يعني: اعتقاد القلب، وإقرار اللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح.
وهذا أتم من قول من يقول: إن الإيمان اعتقاد بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان. صحيح أن هذا يرد مذهب المرجئة، لكن ما ذكره الشيخ من هذه الأمور الخمسة أتم؛ لأنه يستوعب كل جوانب الإيمان.
وهذا هو الحق الذي لا ريب فيه أن الإيمان قول، وعمل، خلافًا لكل من أخرج الأعمال عن مسمى الإيمان؛ فالأعمال من الإيمان، وأدلة ذلك ظاهرة بينة لمن تدبر نصوص الكتاب والسنة.
المسألة الثانية:
أن الإيمان يزيد وينقص، وكثير من المرجئة يقول: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأنه التصديق، وهو شيء واحد لا يزيد ولا ينقص، وقد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن الإيمان يزيد وينقص، وما دخلته الزيادة دخله النقص، إذا خلا عن الزيادة قال تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤]، ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال]، ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [آل عمران].
فالإيمان يزيد بالطاعة، فكل من كان لله أطوع كان إيمانه أكمل، والتصديق بالقلب يقوى ويضعف.
стр. 240
وينقص الإيمان بالمعصية، وهذا هو المعقول، أفيكون إيمان التقي المستقيم على أمر الله ظاهرًا وباطنًا كإيمان المنتهك لحرمات الله؟!
أفيكون إيمان آحاد المؤمنين كإيمان الكُمَّل من المؤمنين كأبي بكر وعمر ﵄ فضلًا عمن فوقهم؟!
وكل من أُوتي علمًا وبصيرة، وتفقدًا لحاله؛ فإنه يحس بزيادة الإيمان ونقصه: بقوة الخوف من الله، وقوة التوكل، فالخوف يقوى ويضعف، والتوكل يقوى ويضعف، والرجاء يقوى ويضعف.
هذا في أحوال القلوب فضلًا عن الأعمال الظاهرة.
وكما تقول المرجئة: إن الإيمان واحد، وأهله فيه سواء، كذلك الخوارج والمعتزلة عندهم أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص - بمعنى - أنه كل لا يتجزأ، فإذا فات منه جزء أو فقد منه جزء زال الكل، كمرتكب الكبيرة يزول إيمانه كله بزوال بعضه بفعل تلك الكبيرة.
وعند أهل السنة لا يزول كل الإيمان بزوال بعضه.
والإيمان شعب كما في الحديث (١) لكن منها شعب قد يزول الإيمان بزوالها، وشعب لا يزول الإيمان بزوالها، وإلا لوقع الناس في حرج عظيم.
стр. 241
المسألة الثالثة: حكم مرتكب الكبيرة:
أهل السنة والجماعة لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي، وأهل القبلة هم: كل من أظهر الإسلام، ولم يأتِ ناقضًا من نواقضه. كما في الحديث عن النبي ﷺ «من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم .. » (١).
فكل الطوائف التي لا يحكم بكفرها، فهي من أهل القبلة، والمنافقون من أهل القبلة في الظاهر، وإلا فهم ليسوا من المؤمنين، بل هم مع الكافرين قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠)﴾ [النساء]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء].
فأهل السنة لا يكفِّرون أهل القبلة بمطلق المعاصي: أي لا يقولون: يكفر بفعل أي معصية.
فالمعاصي أنواع: معاصٍ توجب الكفر، وتنقض الإسلام؛ كالاستهزاء بآيات الله وبرسول الله ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥)﴾ [التوبة].
ومثل: سبِّ الإسلام، أو سبِّ الرسول ﷺ هذه ذنوب يخرج بها الإنسان عن الإسلام؛ ولهذا قال الشيخ: إن أهل السنة لا يكفرون
стр. 242
أهل القبلة بمطلق المعاصي، خلافًا للخوارج؛ فإن الخوارج يكفرون بالذنوب، والمعروف أنهم يكفرون مرتكب الكبيرة (١).
فمن ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب خرج عن الإسلام عندهم، وصار مرتدًّا حلال الدم والمال؛ كالسارق والزاني وشارب الخمر.
أما أهل السنة، فإنهم لا يكفرون بهذه الذنوب، بل أخوة الإيمان باقية مع المعصية؛ فالقاتل أخ للمقتول، قال الله تعالى في آية القصاص: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ﴾ يعني: القاتل الذي عفي له ﴿مِنْ أَخِيهِ﴾ يعني: من دم أخيه المقتول، فالقاتل والمقتول أَخَوان في الإسلام، وإن كان القاتل عاصيًا ظالمًا، والمقتول مظلومًا.
لكن هذا الذنب لا تزول معه أخوة الإيمان، ومثل هذه آية الحجرات ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، إلى أن قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾، فأهل السنة لا يسلبون العاصي أو الفاسق المِلِّي - الملي: نسبة لملة الإسلام - الإيمان كما تفعل الخوارج والمعتزلة.
والخوارج لا يقتصرون على سلبه الإيمان، بل يسلبونه الإيمان ويكفرونه، أما المعتزلة فإنهم يسلبونه الإيمان، وأهل السنة لا يكفرونه، ولا يسلبونه الإيمان، ولا يخلدونه في النار يوم القيامة، بل هو يوم القيامة تحت مشيئة الله إن شاء غفر له، وإن شاء عذبه بقدر ذنبه، ثم
стр. 243
يخرجه من النار برحمته ، وبشفاعة الشافعين من أهل طاعته، وكل ذلك من فضله وكرمه وإحسانه.
وذكر الشيخ: أن الفاسق يدخل في اسم الإيمان في بعض الآيات، وقد لا يدخل في بعض الآيات، ففي قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ هذه يدخل فيها الفاسق، فليس من شرط الرقبة التي أمر الله بتحريرها كمال الإيمان، بل يجزئ تحرير رقبة إنسان ذكر أو أنثى معه أصل الدين، ولهذا قال الرسول ﷺ للجارية - التي أراد سيدها أن يعتقها -: «أين الله؟ قالت: في السماء، قال: من أنا؟ قالت: رسول الله. قال: أعتقها فإنها مؤمنة» (١).
ولا يدخل الفاسق الملي في الإيمان المطلق في مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ - إلى قوله: - ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ فالفاسق الملي لا يدخل في مَنْ هذه صفاتهم؛ لأنه ليس مؤمنًا حقًّا، هو مؤمن في الجملة، كما لا يدخل في اسم الإيمان في قوله ﷺ : «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن» (٢). أي: الإيمان الكامل الذي يمنع من مقارفة هذه الفواحش، فالمؤمنون الكُمَّل يمنعهم إيمانهم عن اقتراف المعاصي الكبيرة كالزنا، أو السرقة، أو الانتهاب.
стр. 244
المسلم الزاني وهو يزني عنده أصل الإيمان لا يزول عنه؛ لأنه لو زال عنه صار مرتدًّا، لكن يزول عنه الإيمان الكامل الذي يمنع من الإقدام على الفاحشة.
ومتى يعود له إيمانه؟ إذا تاب عاد إليه ما كان معه من إيمان.
وذكر الشيخ في ختام هذا الفصل حكم الفاسق - وهو مرتكب الكبيرة العاصي من المسلمين - أن أهل السنة يقولون فيه: «إنه مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه» أي: هو مؤمن بما معه من إيمان.
«فاسق بكبيرته»: أي فاسق باعتبار الكبيرة.
يقول الشيخ: «فلا يعطى الاسم المطلق»: فيقال: هو مؤمن، أو هذا مؤمن.
«ولا يسلب مطلق الاسم»: فيقال: إنه ليس بمؤمن؛ لأن هذه فيها سلب لمطلق الإسلام، فلا يُعطَى الاسم المطلق؛ بحيث يوصف بالإيمان الكامل، فيقال: هذا مؤمن.
ولهذا لما قسم الرسول ﷺ قسمًا، فقال له سعد بن أبي وقاص ﵁: يا رسول الله أعطِ فلانًا فإنه مؤمن، فقال النبي ﷺ : «أو مسلم»، أقولها ثلاثًا، ويرددها علي ثلاثًا، «أو مسلم» (١). ففرَّق بين الإيمان والإسلامِ، الإسلامُ يقع على سائر المسلمين، فكل من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ولم يأت بناقض من نواقض الإسلام، فهو
стр. 245
مسلم، فاسم الإسلام أعم وأوسع دائرة، ولا يكون الإنسان مسلمًا على الحقيقة، إلا ومعه أصل الإيمان: إيمان القلب.
فكل مؤمن مسلم، وكل محسن مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا الإيمان الكامل.
فهذا تقرير مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسائل الثلاث:
في مسمى الإيمان وما يتناوله هذا الاسم، وفي زيادة الإيمان ونقصانه، وفي حكم مرتكب الكبيرة، أو الفاسق الملي، يعني: بأي التعبيرين.
وقد أشار إلى مذهب أهل السنة والجماعة في ذلك، ومذهب الخوارج، ومذهب المعتزلة، فأهل السنة والجماعة يخالفون هذه الطوائف فيما ابتدعوه من الأسماء والأحكام، فمرتكب الكبيرة حكمه في الدنيا مثلًا: أنه مؤمن ناقص الإيمان ليس بكافر، ولم يخرج عن الإيمان مطلقًا، وفي الآخرة تحت مشيئة الله.
وهذا هو موجب عدل الرب فلا يُسَوِّي بين مَنْ آمن به وبرسله مع ارتكاب بعض الذنوب، وبين من كفر به وبرسله، كما لا يسوي بين العاصي الفاسق المجترئ على حرمات الله، وبين المتقين ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ [ص].
* * * *
стр. 246
مذهب أهل السنة في أصحاب رسول الله ﷺ ، وقرابته، وأزواجه
ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم، وألسنتهم لأصحاب محمد ﷺ ، كما وصفهم الله به في قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر]، وطاعة النبي ﷺ في قوله: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (١).
ويقبلون ما جاء به الكتاب، أو السنة، أو الإجماع من فضائلهم، ومراتبهم، فيفضلون من أنفق من قبل [٣٣/ ١] الفتح - وهو صلح الحديبية - وقاتل على من أنفق بعده وقاتل. ويقدمون المهاجرين على الأنصار، ويؤمنون بأن الله تعالى قال لأهل بدر - وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر -: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (٢)، وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، كما أخبر به النبي ﷺ (٣)، بل قد ﵃،
стр. 247
ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة (١)، ويشهدون بالجنة لمن شهد له النبي ﷺ كالعشرة (٢)، وكثابت بن قيس بن شماس (٣)، [وغيرهم من الصحابة] (٤).
ويقرُّون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وغيره، من أن خير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر، ثم عمر (٥). ويثلِّثون بعثمان، ويربِّعون بعلي ﵃، كما دلت عليه الآثار، وكما أجمعت الصحابة على تقديم عثمان في البيعة، مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان، وعلي، بعد اتفاقهم على أبي بكر، وعمر [أيهما أفضل، فقدَّم قومٌ] (٦) عثمانَ، وسكتوا، أو ربَّعُوا بعلي، وقدَّم قومٌ عليًا، وقوم توقفوا. لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان، وإن كانت هذه المسألة - مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي
стр. 248
يُضَلَّل المخالِف فيها عند (١)، جمهور أهل السنة، لكن المسألة التي يُضَلَّل المخالف فيها مسألة الخلافة.
وذلك أنهم يؤمنون بأن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء الأئمة؛ فهو أضلُّ من حمار أهله.
ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ويَتَوَلوْنَهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير خُم (٢): «أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» (٣).
وقال - أيضًا - للعباس عمه - وقد شكى إليه أن بعض قريش [٣٣/ ٢] يجفو بني هاشم - فقال: «والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي» (٤). وقال: «إن الله اصطفى إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (٥).
стр. 249
ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين، ويقرون (١)، بأنهن أزواجه في الآخرة، خصوصًا خديجة، أم أكثر أولاده، وأول من آمن به، وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العلية، والصديقة بنت الصديق التي قال فيها النبي ﷺ : «فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام» (٢). ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة، ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل.
وهذا فصل ضمَّنه الشيخ ﵀ منهج أهل السنة والجماعة في أصحاب وقرابة وزوجات الرسول ﷺ ، وأمرُ الصحابة صار قضية عقدية، وقد افترق فيهم الناس كما تقدمت الإشارة إلى هذا في الكلام عن وسطية أهل السنة (٣).
وأهل السنة وسط في أصحاب رسول الله ﷺ بين الرافضة والخوارج، ومنهج أهل السنة والجماعة يتضمن هذه الأمور التي ذكرها الشيخ، فمن أصول أهل السنة في هذا الباب:
سلامة قلوبهم من بغض الصحابة، ومن الغل والحقد عليهم، وكذلك ألسنتهم سليمة فلا يسبون، ولا يتبرؤون من أحد منهم، بل
стр. 250
يحبون أصحاب رسول الله ﷺ بقلوبهم، ويثنون عليهم بألسنتهم، ويدعون الله لهم، كما وصف الله التابعين لأصحاب الرسول ﷺ من المهاجرين والأنصار فقال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر].
فسألوا ربهم أن يطهر قلوبهم من الغلِّ، وهذا مشروع من المؤمنين لإخوانهم عمومًا، لكن أحق الناس بذلك هم الصدر الأول: أصحاب الرسول ﷺ .
وكذلك أهل السنة والجماعة يطيعون الرسول ﷺ أكمل طاعة في قوله ﷺ : «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (١).
قال هذا ﷺ لبعض الصحابة الذين تأخر إسلامهم من بعد الفتح، وهو خالد بن الوليد لما كان بينه وبين عبد الرحمن بن عوف بعض الاختلاف فقال ﷺ لخالد بن الوليد: لا تسبوا أصحابي (٢).
فالصحبة مراتب فبعض الصحابة أكمل صحبة من بعض، فالسابقون الأولون ليسوا كالذين تأخر إسلامهم، وهذا أيضًا ينسحب على من جاء بعد الصحابة فقوله: «لا تسبوا أصحابي» وإن ورد على هذا السبب، فإنه يتضمن نهي من يأتي بعدُ عن سب أصحاب الرسول ﷺ .