مذهب أهل السنة في أصحاب رسول الله ﷺ ، وقرابته، وأزواجه
ومن أصول أهل السنة والجماعة سلامة قلوبهم، وألسنتهم لأصحاب محمد ﷺ ، كما وصفهم الله به في قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر]، وطاعة النبي ﷺ في قوله: «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (١).
ويقبلون ما جاء به الكتاب، أو السنة، أو الإجماع من فضائلهم، ومراتبهم، فيفضلون من أنفق من قبل [٣٣/ ١] الفتح - وهو صلح الحديبية - وقاتل على من أنفق بعده وقاتل. ويقدمون المهاجرين على الأنصار، ويؤمنون بأن الله تعالى قال لأهل بدر - وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر -: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (٢)، وبأنه لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة، كما أخبر به النبي ﷺ (٣)، بل قد ﵃،
стр. 247
ورضوا عنه، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة (١)، ويشهدون بالجنة لمن شهد له النبي ﷺ كالعشرة (٢)، وكثابت بن قيس بن شماس (٣)، [وغيرهم من الصحابة] (٤).
ويقرُّون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁، وغيره، من أن خير هذه الأمة بعد نبيها: أبو بكر، ثم عمر (٥). ويثلِّثون بعثمان، ويربِّعون بعلي ﵃، كما دلت عليه الآثار، وكما أجمعت الصحابة على تقديم عثمان في البيعة، مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان، وعلي، بعد اتفاقهم على أبي بكر، وعمر [أيهما أفضل، فقدَّم قومٌ] (٦) عثمانَ، وسكتوا، أو ربَّعُوا بعلي، وقدَّم قومٌ عليًا، وقوم توقفوا. لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان، وإن كانت هذه المسألة - مسألة عثمان وعلي - ليست من الأصول التي
стр. 248
يُضَلَّل المخالِف فيها عند (١)، جمهور أهل السنة، لكن المسألة التي يُضَلَّل المخالف فيها مسألة الخلافة.
وذلك أنهم يؤمنون بأن الخليفة بعد رسول الله ﷺ أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء الأئمة؛ فهو أضلُّ من حمار أهله.
ويحبون أهل بيت رسول الله ﷺ ويَتَوَلوْنَهم ويحفظون فيهم وصية رسول الله ﷺ حيث قال يوم غدير خُم (٢): «أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» (٣).
وقال - أيضًا - للعباس عمه - وقد شكى إليه أن بعض قريش [٣٣/ ٢] يجفو بني هاشم - فقال: «والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله ولقرابتي» (٤). وقال: «إن الله اصطفى إسماعيل، واصطفى من بني إسماعيل كنانة، واصطفى من كنانة قريشًا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» (٥).
стр. 249
ويتولون أزواج رسول الله ﷺ أمهات المؤمنين، ويقرون (١)، بأنهن أزواجه في الآخرة، خصوصًا خديجة، أم أكثر أولاده، وأول من آمن به، وعاضده على أمره، وكان لها منه المنزلة العلية، والصديقة بنت الصديق التي قال فيها النبي ﷺ : «فضل عائشة على النساء، كفضل الثريد على سائر الطعام» (٢). ويتبرؤون من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة، ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل.
وهذا فصل ضمَّنه الشيخ ﵀ منهج أهل السنة والجماعة في أصحاب وقرابة وزوجات الرسول ﷺ ، وأمرُ الصحابة صار قضية عقدية، وقد افترق فيهم الناس كما تقدمت الإشارة إلى هذا في الكلام عن وسطية أهل السنة (٣).
وأهل السنة وسط في أصحاب رسول الله ﷺ بين الرافضة والخوارج، ومنهج أهل السنة والجماعة يتضمن هذه الأمور التي ذكرها الشيخ، فمن أصول أهل السنة في هذا الباب:
سلامة قلوبهم من بغض الصحابة، ومن الغل والحقد عليهم، وكذلك ألسنتهم سليمة فلا يسبون، ولا يتبرؤون من أحد منهم، بل
стр. 250
يحبون أصحاب رسول الله ﷺ بقلوبهم، ويثنون عليهم بألسنتهم، ويدعون الله لهم، كما وصف الله التابعين لأصحاب الرسول ﷺ من المهاجرين والأنصار فقال الله سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر].
فسألوا ربهم أن يطهر قلوبهم من الغلِّ، وهذا مشروع من المؤمنين لإخوانهم عمومًا، لكن أحق الناس بذلك هم الصدر الأول: أصحاب الرسول ﷺ .
وكذلك أهل السنة والجماعة يطيعون الرسول ﷺ أكمل طاعة في قوله ﷺ : «لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (١).
قال هذا ﷺ لبعض الصحابة الذين تأخر إسلامهم من بعد الفتح، وهو خالد بن الوليد لما كان بينه وبين عبد الرحمن بن عوف بعض الاختلاف فقال ﷺ لخالد بن الوليد: لا تسبوا أصحابي (٢).
فالصحبة مراتب فبعض الصحابة أكمل صحبة من بعض، فالسابقون الأولون ليسوا كالذين تأخر إسلامهم، وهذا أيضًا ينسحب على من جاء بعد الصحابة فقوله: «لا تسبوا أصحابي» وإن ورد على هذا السبب، فإنه يتضمن نهي من يأتي بعدُ عن سب أصحاب الرسول ﷺ .
стр. 251
وقد قال الرسول ﷺ : «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر» (١).
فإذا كان أيّ مسلم سبابه فسوق، فكيف بسبِّ أحد من أصحاب الرسول ﷺ ؟ فكيف بسب أفاضل الصحابة وأكابرهم؟
وقد باء بهذا الإثم الطائفة المخذولة الشقية طائفة الرافضة، فهم شر طوائف الأمة وأشدها بغضًا وسبًا وظلمًا لأصحاب الرسول ﷺ .
ولهذا قال الشيخ في آخر الكلام: «ويتبرؤون - أهل السنة والجماعة - من طريقة الروافض الذين يبغضون الصحابة ويسبونهم، وطريقة النواصب الذين يؤذون أهل البيت بقول أو عمل».
ومن تفصيل مذهب أهل السنة والجماعة في أصحاب الرسول ﷺ : أنهم يفضلون من أنفق من قبل الفتح وقاتل على من أنفق من بعد الفتح وقاتل، وليس المراد بالفتح فتح مكة كما يتبادر لأذهان كثير من الناس لا، فالفتح هنا هو صلح الحديبية، وهو الذي أنزل الله فيه ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ [الفتح]، وكان صلح الحديبية سببًا لفتح مكة، وبين الفتحين قريب من سنتين.
وهذه المفاضلة نَبَّهَ الله تعالى إليها بقوله: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد: ١٠]، لكن مع الفارق، فالذين أنفقوا، وقاتلوا في أيام الشدة، وقلة النصير لا يساويهم ولا يدانيهم من أنفق بعد ما قويت
стр. 252
شوكة الإسلام، وظهر دين الله، والكل قد وعدهم الله الحسنى، لكن مع التفاوت والتفاضل الذي لا يقدر قدره إلا الله سبحانه.
ومن تفصيل هذا الأصل: أن أهل السنة يقدمون المهاجرين على الأنصار ؛ لأن الله قدَّمهم في الذكر، فكل آية يذكر الله فيها المهاجرين والأنصار، فإنه تعالى يقدم المهاجرين ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠].
كما أنهم يؤمنون بكل ما جاء في الكتاب والسنة من فضائل الصحابة عمومًا وخصوصًا، فيؤمنون ويصدقون بقوله ﷺ : «لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (١).
فيعرفون لأهل بدر هذه الفضيلة العظيمة، كما أنهم يؤمنون بما أخبر به الرسول ﷺ من قوله: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة» (٢).
وهم أهل بيعة الرضوان، وكانوا أكثر من ألف وأربعمائة، الذين قال الله فيهم: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من الصدق في الإيمان، ونصرة الرسول ﷺ ، والصدق في مبايعته، ﴿فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨)﴾ [الفتح] بايعوا الرسول ﷺ في ذلك الموقف على الموت (٣)، أو بايعوه على ألا يفروا (٤)؛ ففازوا بهذا الوعد، وفازوا بهذا الثناء، إنها فضيلة لا يدركها أحد بعدهم.
стр. 253
وأهل السنة يؤمنون بكل ما جاء في الكتاب والسنة من فضائلهم ومناقبهم، ومما يدخل في هذا أنهم يشهدون بالجنة لمن شهد له رسول ﷺ كالعشرة المبشرين بالجنة، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وأبو عبيدة بن الجراح، هؤلاء هم العشرة (١).
والمبشرون بالجنة كثير، ومنهم: ثابت بن قيس بن شماس خطيب النبي ﷺ (٢)، ومنهم الحسن والحسين ﵃ (٣).
وهذه بشارات على وجه التعيين فلان وفلان وفلان، وتقدم أنه ممن يُشهد لهم بالجنة كل من بايع تحت الشجرة - أهل بيعة الرضوان - الذين قال فيهم الرسول ﷺ : «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة».
فهذا يقتضي أن أهل السنة والجماعة يقفون مع النصوص، ويؤمنون بكل ما أخبر الله به في كتابه، أو أخبر به الرسول ﷺ وهو الصادق المصدوق، فكل ما أخبر به فهو حق من عند الله.
стр. 254
ومن المسائل الكبيرة التي تدخل في هذا الأصل: أن أهل السنة يؤمنون، ويقبلون ما تواتر عن علي ﵁ وعن غيره: «أن أفضل هذه الأمة: أبو بكر، ثم عمر» (١)، ويثلثون بعثمان، ويربعون بعلي.
فأهل السنة والجماعة قائلون بأن أفضل الصحابة الخلفاء الراشدون، وأن ترتيبهم في الفضل على ترتيبهم في الخلافة، فأفضل هذه الأمة على الإطلاق أبو بكر ثم عمر، وهذا بإجماع المسلمين الأولين والآخرين بإخراج طائفة الروافض.
وذكر الشيخ: أن أهل السنة قد وقع بينهم خلاف في القديم في المفاضلة بين عثمان وعلي. فقوم: قدموا عثمان وسكتوا، أو ربعوا بعلي. وقوم: قدموا عليًا. وقوم: توقفوا، لكن استقر أمر أهل السنة على تفضيل عثمان على علي، وأن ترتيب الخلفاء الراشدين في الفضل على ترتيبهم في الخلافة.
وهذا يعني أن الخلاف قد ارتفع، وأجمع أهل السنة أخيرًا على تقديم عثمان على علي.
لكن يجب أن يُفَرَّق بين مسألة المفاضلة بين عثمان وعلي، وبين الطعن في خلافة عثمان، فلا يلزم من تفضيل علي على عثمان الطعن في خلافة عثمان؛ فمسألة تفضيل علي على عثمان يقول الشيخ: ليست من المسائل التي يضلل المخالف فيها.
стр. 255
أما مسألة الخلافة فمن طعن في خلافة واحد من الخلفاء الراشدين فهو ضال أضل من حمار أهله، فمن طعن في خلافة عثمان، وقال: إنه تقديم للمفضول، وإنه كان عن محاباة من بعض الصحابة، وإن عثمان قد هَضم حق علي، فهو ضال مضل.
وقد قال بعض السلف: من قدم عليًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار (١)؛ لأن المهاجرين والأنصار قد اتفقوا على تقديم عثمان في الخلافة، وهذا حجة لما عليه جمهور أهل السنة، واستقر عليه أمرهم من تقديم عثمان على علي في الفضل (٢).
فهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة، ومنهجهم في أصحاب الرسول ﷺ : سلامة قلوبهم وألسنتهم، ومحبتهم، وإنزال كلٍ منزلته، وهذا هو العدل.
وكذلك من منهج أهل السنة والجماعة أنهم يعرفون لقرابة الرسول ﷺ فضلهم، ويحفظون وصية النبيصلى الله عليه وسلم في أهل بيته حين قال يوم غدير خم: «أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي» (٣) وأهل بيته ﷺ قرابته القربى الأدنون، وهم بنو هاشم، ثم قريش على مراتبهم لهم حظهم وشرفهم من قرابة النبي ﷺ بقرابتهم للنبي ﷺ ، ولكن هذه
стр. 256
الفضيلة لا تتحقق إلا مع الإيمان، فإذا لم يتحقق الإيمان فلا تنفع الأنساب؛ فأبو لهب وأبو طالب لم تنفعهم قرابتهم من النبي ﷺ حين لم يؤمنوا به.
وقال ﷺ حين شكا إليه العباس أن قريشًا تجفو بني هاشم قال ﷺ : «والذي نفسي بيده لا يؤمنون حتى يحبوكم لله - يعني: لإيمانكم - ولقرابتي» (١) فمن كان مؤمنًا من قرابة النبي ﷺ وصَحِبَه؛ فإنه اجتمع له فضل الصحبة، وفضل القرابة، كعلي ﵁ له فضل الصحبة فهو من سادات الصحابة، ومن السابقين الأولين، وفضل القرابة فهو أفضل قرابة النبي ﷺ .
وكذلك من منهج أهل السنة والجماعة أنهم يوالون ويحبون أزواج النبي ﷺ أمهات المؤمنين، ويؤمنون أنهن زوجاته في الآخرة، ويعرفون لهن فضيلتهن، فلهن فضل الصحبة، وفضل صلتهن بالنبي ﷺ ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: ٦]، وهذه الأمومة أمومة حرمة، وكرامة، وليست أمومة القرابة التي ينبني عليها ما ينبني من أحكام الميراث وغيره (٢)، قال تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢) وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلَاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ
стр. 257
وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ [الأحزاب]، وهذه الآية تدل - على الصحيح - على أن زوجات النبي ﷺ من أهل بيته، بل هن أولى من يدخل في هذا الاسم (١).
يقول شيخ الإسلام: وخصوصًا خديجة وعائشة. فخديجة أم أكثر أولاده؛ لأنها أولى زوجاته، وهي من أسبق السابقين إلى الإسلام، وعائشة التي قال فيها الرسول ﷺ : «فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام» (٢). والثريد هو: الخبز باللحم، وهو من أفضل الطعام.
وأهل السنة مختلفون في المفاضلة بينهما، فقوم فضلوا عائشة، وقوم فضلوا خديجة، ومنهم من قال: إن هذه أفضل من وجه، وهذه أفضل من وجه (٣)، وعندي - والله أعلم - أن القول بتفضيل خديجة: قول قوي؛ لأدلة كثيرة دالة على فضلها (٤)، وكلهن فُضْليات ﵅.
* * * *
стр. 258
موقف أهل السنة والجماعة مما شجر بين الصحابة ﵃
ويمسكون عما شجر بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساوئهم منها ما هو كذب، ومنها ما قد زيد فيه ونقص وغُيِّرَ عن وجهه، والصحيح منه: هم فيه معذورن؛ إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون. وهم مع ذلك لا يعتقدون أن كل واحد من الصحابة معصوم عن كبائر الإثم، وصغائره؛ بل تجوز عليهم الذنوب في الجملة، ولهم من السوابق والفضائل ما يوجب مغفرة ما يصدر منهم إن صدر، حتى إنه يغفر لهم من السيئات ما لا يغفر لمن بعدهم؛ لأن لهم من الحسنات التي تمحو السيئات ما ليس لمن بعدهم.
وقد ثبت بقول رسول الله ﷺ : «أنهم خير القرون» (١)، «وأن المد من أحدهم إذا تصدق به كان أفضل من جبل أحد ذهبًا ممن بعدهم» (٢). ثم إذا كان قد صدر عن أحدهم ذنب، فيكون قد تاب منه، [و] (٣) أتى بحسنات تمحوه، أو غفر له بفضل سابقته، أو بشفاعة
стр. 259
محمد ﷺ الذين هم أحق الناس بشفاعته، أو ابتلي ببلاء في الدنيا كفر به عنه؛ فإذا [٣٤/ ١] كان هذا في الذنوب المحققة، فكيف بالأمور التي كانوا فيها مجتهدين، فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا، فلهم أجر واحد، والخطأ مغفور لهم.
ثم القَدْر الذي يُنْكَر من فعل بعضهم قليل نزر مغمور في جنب فضائل القوم ومحاسنهم: من الإيمان بالله، ورسوله، والجهاد في سبيله، والهجرة، والنصرة، والعلم النافع، والعمل الصالح.
ومن نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة، وما مَنَّ الله عليهم من الفضائل؛ عَلِم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان، ولا يكون مثلهم، وأنهم هم الصفوة من قرون هذه الأمة، التي هي خير الأمم، وأكرمها على الله تعالى.
تقدم ذكر جمل من المسائل التي يتضمنها منهج أهل السنة والجماعة في أصحاب الرسول ﷺ ، ومن منهجهم وطريقتهم القويمة السليمة أنهم يمسكون عمّا شجر بين الصحابة، فلا يخوضون فيما وقع بينهم من الخلاف والنزاع والحروب، ولا يجعلون ما جرى بين الصحابة حديثًا يتسلون به؛ فضلًا عن أن يتذرعوا به إلى الطعن في أصحاب الرسول ﷺ بل يُعرضون عنه، ويغفلون عنه؛ لأن مع ما في الخوض فيه من المفاسد؛ فإنه أيضًا يؤلم قلوب المؤمنين؛ فلا يحبون
стр. 260
التكلم فيه والتشاغل به؛ بل إذا تذكروا ذلك، أو ذُكِرَ لهم وقفوا وزجروا من يخوض في ذلك، ويبادرون بالترضي عن أصحاب الرسول ﷺ ، والدعاء لهم بالمغفرة، كما جاء في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٠)﴾ [الحشر].
فلا يخوضون فيما شجر بين الصحابة لا كلامًا، ولا كتابة وتأليفًا، فتسطير ما جرى بين الصحابة لا خير فيه، اللهم إلا من يكتب للرد على المبطلين وإزاحة الشبه (١)، فيكون هذا الكلام، وهذا التأليف ليس مقصودًا لذاته، فلا يقصد به مجرد الأحاديث التأريخية، والخوض الذي تزجى به الأوقات، ويؤدي إلى تسويد القلوب.
ومن أحسن ما أُثِر في هذا قول عمر بن العزيز ﵀: لما قيل له: ما تقول في أهل صفين؟ فقال: تلك دماء طهر الله يدي منها، فلا أحب أن أخضب لساني بها (٢).
وهذا معنى عظيم، وأصل يجب التفطن له والتمسك به؛ بل إن هذا المعنى هو الواجب نحو ما يكون بين المسلمين، فكيف بأصحاب الرسول ﷺ الأخيار، خير هذه الأمة.
ثم من هذا الأصل يقولون: إن ما نقل من المساوئ من تلك الحروب، أو غيرها منها: ما هو كذب، فالأخبار التأريخية كثير منها
стр. 261
كذب، وقد يكون أصل الخبر واقعًا، لكن التفصيلات منها ما هو كذب، ومنها ما زيد فيه ونقص وغُيِّرَ عن وجهه، هذا قسم.
والصحيح مما أُثِرَ من مساوئ الصحابة هم فيه معذورون مأجورون؛ إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون، فهم مأجورون بأجر أو أجرين، فيجب الكف عن الخوض في مساوئهم، والتماس العذر فيما ثبت، وما لم يثبت لا ينظر فيه، ويرد من أول وهلة.
لكن ما ثبت يُخَرَّج على هذا الوجه: أن ما وقع هو اجتهاد، وهذا لا يقتضي أن الصحابة معصومون، بل أهل السنة لا يقولون: إن أحدًا من الصحابة معصوم، فالعصمة إنما هي للرسول ﷺ (١).
أما الصحابة فهم بشر تجوز عليهم الذنوب في الجملة، وتعرض لهم العوارض النفسية، وتحصل من أحدهم الزلة، والله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف]، اتقوا: فالمتقون قد يذنبون، ويقول تعالى في صفة المتقين الذين يعدُّ الصحابة في أول وأعلى درجاتهم من هذه الأمة بعد نبيها ﷺ : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٣٥)﴾ [آل عمران].
стр. 262
وإذا علم هذا فما يُقَدّر أن يقع منهم من ذنوب فإن لهم من أسباب المغفرة ما ليس عند غيرهم، فإنه يغفر لهم إما بالتوبة، وهم أحرى بها، وإما بالحسنات الماحية، أو المصائب المكفرة.
هذه مكفرات الذنوب لهم ولغيرهم، ولكنهم هم أولى بها، ونصيبهم منها أعظم وأكبر، أو يغفر لهم بشفاعة النبي ﷺ الذين هم أحق بشفاعته.
مع أن ما يقدر أن يصدر عنهم إن صدر نزر قليل في جانب فضائلهم، وحسناتهم، فإن لهم سوابق، وفضائل لا يلحقهم فيها غيرهم، وقد قال ﷺ : «لا تسبوا أصحابي فو الذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه» (١).
كيف وهم الذين قال فيهم الرسول ﷺ : «خير الناس قرني ثم الذي يلونهم» (٢). وقرنه هم الصحابة ﵃.
فالمقصود أن الواجب هو الكف عن مساوئ الصحابة، والتماس العذر لهم، وتذكر ما لهم من الفضائل والسوابق، وما لديهم من أسباب المغفرة، وما يكون منهم من ذنوب فإن ذلك مغمور في جانب حسناتهم وفضائلهم (٣).
وختامًا يقول الشيخ: «إن من نظر في سيرة القوم بعلم وبصيرة … عَلِم يقينًا أنهم خير الخلق بعد الأنبياء، لا كان ولا يكون مثلهم».
стр. 263
وهذا يستفاد من قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]، فإذا كانت هذه الأمة خير الأمم، والصحابة خير هذه الأمة؛ تبين أن الصحابة خير الناس بعد الأنبياء، لا كان في الماضي مثلهم، ولا يكون في آخر الزمان مثلهم.
وأما ما ورد في صفة وأجر الغرباء، وأن للعامل في أيام الصبر أجر خمسين من الصحابة (١)، فهو محمول عند أهل العلم على الفضل المقيد: لهم أجر خمسين في صبرهم على البلاء، وتسلط الأعداء، مع قلة المعين، لا أن لهم أجر خمسين من الصحابة في كل عمل؛ فيكونون بهذا أفضل من الصحابة لا؛ بل هم أفضل من الصحابة في خصلة من خصال الدين، وفضيلة من الفضائل، فلا يكونون بهذا أفضل من الصحابة مطلقًا، فالتفضيل المقيد لا يوجب الفضل المطلق (٢).
* * * *
стр. 264
الإيمان بكرامات الأولياء
و من أصول أهل السنة: التصديق بكرامات الأولياء، وما يُجري الله على أيديهم من خوارق العادات في أنواع العلوم، والمكاشفات، وأنواع القدرة والتأثيرات، كالمأثور عن سالف الأمم في سورة الكهف، وغيرها، وعن صدر هذه الأمة من الصحابة، والتابعين، وسائر قرون الأمة، وهي موجودة فيها إلى يوم القيامة.
التصديق بكرامات الأولياء - أي: الإيمان بأنها حق - وهي: ما يُجْرِي الله على أيدي أوليائه من خوارق العادات في العلوم والمكاشفات والقدرة والتأثيرات؛ كالذي حكاه الله عن بعض أوليائه في سورة الكهف، وما جرى لهم من خوارق العادات حيث مكثوا في كهفهم ﴿ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)﴾ [الكهف]، بقوا أحياء، ولم يموتوا مع ما مضى عليهم من السنين، ومع ذلك لما استيقظوا صاروا يتكلمون في شأنهم ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩]، وهذا خارق للعادة، لو نام إنسان مدة طويلة هلك ومات؛ لأن جسمه يحتاج إلى الغذاء؛ ينفد وقوده، وتنفد
стр. 265
طاقته، لكن هؤلاء مكثوا هذه السنين، ومع ذلك بقوا أحياء ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف: ١٨].
وكذلك ما أجرى الله على يد الخضر على القول بأنه ولي لا نبي (١).
من الوقائع الثلاث التي استعظمها موسى: خرق السفينة، وقتل الصبي، وتقويم الجدار كل ذلك من خوارق العادات العلمية الكشفية التي أجراها الله على يدي عبده الخضر، فأهل السنة يؤمنون بكرامات الأولياء إجمالًا، لكن من أصولهم الإيمان والتصديق بما ثبت وصح من كرامات الأولياء، وهم بهذا يخالفون أهل البدع كالمعتزلة الذين ينكرون كرامات الأولياء (٢).
والأخبار مستفيضة في هذا الشأن، وقد ذكر المؤرخون أمورًا كثيرة، ومنها ما يشاهد بين حين وآخر، وكرامات الأولياء التي يجريها الله على أيديهم لا تزال جارية من صدر هذه الأمة إلى أن تقوم الساعة، والله تعالى يجري كرامات الأولياء؛ تقوية لإيمان بعضهم، وسدًا لحاجة بعضهم، فقد يقع العبد الصالح في ضرورة؛ فيُحدث الله له أمرًا خارقًا للعادة يكشف به ضرورته؛ فما صحَّ من ذلك وثبت وجب الإيمان به وتصديقه، أما ما لم يثبت فإنه يتوقف فيه، ونقول: إنه ممكن؛ فلا نثبته ولا ننفيه (٣).
стр. 266
اتباع أهل السنة لآثار الرسول ﷺ -والصحابة ﵃ وإجماع الأمة
ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار رسول الله ﷺ باطنًا وظاهرًا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، واتباع وصية رسول الله ﷺ حيث قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة» (١)(٢).
ويعلمون أن أصدق الكلام كلام الله، وخير الهدي هدي محمد، فيؤثرون كلام الله على غيره من كلام أصناف الناس، ويقدمون هدي محمد ﷺ على هدي كل أحد؛ وبهذا سُموا أهل الكتاب والسنة، وسُموا أهل الجماعة؛ لأن الجماعة هي الاجتماع وضدها الفُرْقَة، وإن كان [٣٤/ ٢] لفظ الجماعة قد صار اسمًا لنفس القوم المجتمعين.
و [الإجماع] (٣) هو الأصل الثالث الذي يعتمد في العلم والدين، وهم يَزِنُونَ بهذه الأصول الثلاثة جميعَ ما عليه الناس من أقوال [وأعمال] (٤)
стр. 267
باطنة، وظاهرة مما له تعلق بالدين، و [الإجماع] (١) الذي ينضبطُ هو ما كان عليه السلف الصالح ؛ إذ بعدهم كثر الاختلاف، وانتشرت الأمة.
ومن أصول أهل السنة اتباع آثار النبي ﷺ ، وما جاء به ظاهرًا، وباطنًا واتباع آثار السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وهذا مما أمر الله به عباده، فقد أمرهم باتباع الرسول ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٨)﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]، وقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ﴾ [التوبة: ١٠٠]، فطريقتهم اتباع سنة الرسول ﷺ وتعظيمها والتمسك بها، واتباع آثار السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، وسنة الخلفاء الراشدين، فما سَنَّهُ أبو بكر أو عمر أو عثمان أو علي ﵃ مما لم يختلفوا فيه، ولم يخالف دليلًا من الكتاب والسنة، فهو سنة ماضية نحن مأمورون باتباعِهم، واتباعُهم في هذا هو من تحقيق اتباع النبي ﷺ ؛ لأننا بذلك نعمل بوصيته ﷺ حين قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين .. » (٢).
يقول الشيخ عن أهل السنة والجماعة: إنهم يؤثرون كلام الله على كلام غيره من كلام أصناف الناس ويقدمونه، ويؤمنون بأنه أصدق الكلام، وأن هدي الرسول ﷺ خير الهدي، فيقدمون كلام الله على كلام
стр. 268
غيره، وهدي الرسول ﷺ على هدي غيره؛ لذلك سُموا أهل الكتاب والسنة؛ لتقديمهم كتاب الله وسنة رسوله ﷺ ؛ لإيمانهم بأن القرآن هو أصدق الكلام، وأن هدي الرسول ﷺ هو خير الهدي.
كما جاء في خطبته ﷺ : «إن أحسن الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها» (١).
لذلك سموا أهل الكتاب والسنة؛ لأنهم المستمسكون بهما المُحكِّمُون لهما، الذين لا يقدمون عليهما معقولًا، ولا ذوقًا، ولا استحسانًا، لا يقدمون عليهما شيئًا.
ويسمى أهل السنة أيضًا: بأهل الجماعة، فهم أهل السنة والجماعة؛ لأن الجماعة هي الاجتماع، وهم يجتمعون على الحق ويأمرون بالاجتماع عملًا بقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣].
ويعملون بالإجماع: إجماع الصحابة (٢) ﵃ يقول الشيخ: والإجماع هو الدليل الثالث.
فأصول الأدلة ثلاثة: الكتاب، والسنة، والإجماع. والإجماع في الحقيقة دليل تابع للكتاب والسنة، وأهل السنة والجماعة يَزِنُونَ بهذه الأصول الثلاثة - الكتاب، والسنة، والإجماع - أقوال الناس وأفعالهم وأحوالهم مما له تعلق بالدين.
стр. 269
هذه هي الأصول الثلاثة التي يجب أن توزن بها الأعمال والأقوال والأحوال والأخلاق، وهذا هو الصراط المستقيم الذي أمر الله باتباعه: الاعتصام بحبل الله وهو: دينه الذي بعث به رسوله ﷺ ، والاتباع للسلف الصالح من الصحابة الذين أثنى الله عليهم، وعلى المتبعين لهم بإحسان.
* * * *
стр. 270
منهج أهل السنة والجماعة في تعاملهم مع الناس
ثم هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر على ما توجبه الشريعة، ويرون إقامة الحج، والجهاد، والجمع، والأعياد مع الأمراء أبرارًا كانوا، أو فجارًا، ويحافظون على الجماعات، ويدينون بالنصيحة للأمة، ويعتقدون معنى قوله ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا، وشبك بين أصابعه ﷺ » (١). وقوله ﷺ : «مثل المؤمنين في توادهم، وتراحمهم، وتعاطفهم، كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر» (٢).
عقد الشيخ ﵀ هذا الفصل الذي ختم به هذه العقيدة؛ لبيان منهج أهل السنة في معاملة الناس، وفي سلوكهم في أنفسهم، وهم مع هذه الأصول المتقدمة كلها من:
إيمانهم بالله وصفاته مما جاء في الكتاب والسنة على التفصيل المتقدم، وإيمانهم باليوم الآخر بكل ما أخبر الله به في كتابه، وأخبر به
стр. 271
رسوله ﷺ ، وإيمانهم بالقدر، وقولهم في الإيمان، وقولهم في أصحاب الرسول ﷺ على التفصيل المتقدم، واعتمادهم في الاستدلال على الكتاب والسنة والإجماع، واقتفاء آثار السلف الصالح من الصحابة ﵃ هم مع هذه الأصول يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فهم مصلحون؛ ومنهجهم ليس علميًا وعقديًا فقط.
يقول الشيخ: «على ما توجبه الشريعة»: لا على ما يوجبه الهوى والرأي المجرد، فالمعتزلة من أصولهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكنهم يدخلون فيه الخروج على الأئمة، ومن الناس من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، دون أن يتقيد بحدود الشريعة؛ فيفسد أكثر مما يصلح.
و الأمرُ بالمعروف والنهي عن المنكر أصل من أصول الدين، والأدلة عليه كثيرة من نصوص الكتاب والسنة، فهو واجب عظيم به قِوام الدين، وقِوام أمر المسلمين، وما حل بهم من فساد في دينهم ودنياهم إلا بتفريطهم فيما أوجب الله عليهم، وتفريطهم في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
كما أن من طريقة أهل السنة والجماعة أنهم يقيمون شرائع الإسلام الحج، والجهاد، والجُمع، والأعياد مع الأمراء أبرارًا كانوا أو فجارًا، فإذا كان القائد، أو أمير الحج فاجرًا لا يعطلون شعائر الإسلام من أجل فجوره، فهم يتعاونون مع كل من أمرهم بالخير، فكل من قادهم بكتاب
стр. 272
الله وسنة رسوله ﷺ اتبعوه، خلافًا لأهل البدع كالروافض الذين يرون أنه لا جهاد إلا مع إمامٍ معصوم (١)، والإمامُ المعصوم الذين يدعونه معدوم.
كما أن أهل السنة يحافظون على الجماعات: صلاة الجماعة التي استخف بها كثير من المسلمين، والنصوص من الكتاب والسنة الدالة على وجوبها، وعظيم فضلها كثيرة مشهورة مذكورة (٢).
ويعتقدون معنى قوله ﷺ : «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا» (٣) أي: يؤمنون بالرابطة الإسلامية، هذه الرابطة التي قد وهنت في نفوس كثير من المسلمين.
وهذه الرابطة تعني: الشعور بآلام وآمال المسلمين «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر».
وجماع هذا قوله سبحانه: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] فهذه الأخوة لها حق، وتقتضي المحبة والمواساة، والمشاركة في الآلام والآمال، وإن اختلفت وتباعدت أوطانهم، واختلفت أنسابهم، فلا يجوز الولاء والبراء على أساس الأرض، هذا سعودي، وهذا مصري، وهذا يمني ..
стр. 273
والمحزن أن تعامل أكثر الناس الآن على أساس الروابط الجاهلية: التراب والوطن، والوطنية، وهي التي يُشاد بها وتُذكر ويُنَوَّهُ عنها.
والواجب أن تكون العلاقة التي يبنى عليها الولاء والبراء، والحب والبغض هي علاقة الدين؛ فتحب المؤمنين ممن كانوا، وأين كانوا، وتبغض الكافرين ممن كانوا وأين كانوا، قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ الآية [المجادلة: ٢٢].
* * * *
стр. 274
دعوة أهل السنة والجماعة إلى الأخلاق والآداب الكريمة
ويأمرون بالصبر على البلاء، والشكر عند الرخاء، والرضا بمرِّ القضاء، ويدعون إلى مكارم الأخلاق، ومحاسن الأعمال، ويعتقدون معنى قول النبي ﷺ : «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا» (١).
ويندبون إلى أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك. ويأمرون ببر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الجوار، والإحسان إلى اليتامى والمساكين، وابن السبيل، والرفق بالمملوك، وينهون عن الفخر، والخيلاء، والبغي، والاستطالة على الخلق بحق، أو بغير حق، ويأمرون بمعالي الأخلاق، وينهون عن سفسافها.
وهذه الجملة هي نوع تفصيل لما تقدم أن من طريقتهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالمعروف اسم جامع لكل ما أمر الله به من الواجبات أو المستحبات، فيأمرون بالواجبات على وجه الإلزام، ويأمرون بالمستحبات على وجه الندب والترغيب.
стр. 275
فمن ذلك: أنهم «يأمرون بالصبر عند البلاء» يأمرون بالصبر على المصائب والأقدار المؤلمة؛ لأن هذا الذي أمر الله به عباده ﴿وَاصْبِرُوا إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِين (٤٦)﴾ [الأنفال]، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦)﴾ [آل عمران]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُور (٥)﴾ [إبراهيم].
فأثنى الله في كتابه على الصابرين والشاكرين، وهذا شأن المؤمن قال الرسول ﷺ : «عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له» (١).
«ويعتقدون معنى قول ﷺ : «أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا»»: فهم يتخلَّقون بالأخلاق الفاضلة، ويأمرون بها غيرهم، ومكارم الأخلاق: الأخلاق الكريمة، والأعمال الحسنة الجميلة.
«ويأمرون ببر الوالدين، وصلة الأرحام، والإحسان إلى اليتامى، والمساكين .. »: كما أمرهم الله بذلك ﴿وَاعْبُدُوا اللّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا (٣٦)﴾ [النساء].
فمن منهجهم، وأخلاقهم الإحسان إلى اليتامى والمساكينِ وابن السبيل، والرفقِ بالمماليك، والرفقِ بالخدم والعمالِ، والخدمُ والعمَّالُ
стр. 276
من جنس المماليك من حيث إنهم مُستخدَمون، فيجب الرفق بهم والإحسان إليهم، وعدم تكليفهم ما لا يطيقون، وأداء حقوقهم، وقد كثر الخدم عند الناس اليوم، وكثيرًا ما يتعرَّضون للظلم ممن هم تحت ولايته وكفالته، فيجب التآمر بالرفق بهم، والإحسان إليهم.
«وينهون عن الفخر والخيلاء والبغي والاستطالة على الخلق بحق أو بغير حق»: ينهون عن التفاخر والتعاظم قال النبي ﷺ : «إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد ولا يبغي أحد على أحد» (١).
فأهل السنة ينهون عن الفخر والخيلاء والبغي على الخلق، والبغيُ عليهم يعني: بظلمهم في أنفسهم، أو أموالهم، والاعتداء عليهم في ذلك.
والاستطالة: التطاول، والتعاظم على الخلق بحق أو بغير حق، حتى وإن كان لك حق على أحد فلا تتطاول عليه، ولا تتسلط عليه، فالتطاول فيه تعاظم وتسلط بسبب أنك تزري عليه.
«ويأمرون بمعالي الأخلاق»: هذا قريب من الذي تقدم يعني: بالأخلاق العالية، فالأخلاق الكريمة عالية فاضلة فيأمرون بالصدقة، وبذل المعروف، وطلاقة الوجه، والسلام، وعيادة المريض وغيرها.
«وينهون عن سفسافها»: رديء الأخلاق، وحقيرها كالبخل، والجبن.
* * * *
стр. 277
المنهج العام لأهل السنة، وحقيقته
وكل ما يقولونه، ويفعلونه من هذا، أو غيره؛ فإنما هم فيه مُتَّبِعُونَ للكتاب والسنة، وطريقتهم هي دين الإسلام [الذي] (١) بعث الله به محمدًا ﷺ ، [٣٥/ ١] لكن لما أخبر ﷺ : «أن أمته ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة» (٢). وفي حديث عنه أنه قال: «هم من كان على مثل ما أنا عليه، وأصحابي» (٣).
صار المتمسكون بالإسلام المحض الخالص عن الشوب أهل السنة والجماعة، وفيهم الصديقون، والشهداء، والصالحون، ومنهم أعلام الهدى، ومصابيح الدجى، أولو المناقب المأثورة، والفضائل المذكورة، وفيهم الأبدال (٤): الأئمة الذين أجمع المسلمون على هدايتهم، ودرايتهم، وهم الطائفة المنصورة، [الذين] (٥) قال فيهم
стр. 278
النبي ﷺ : «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خالفهم، ولا من خذلهم حتى تقوم الساعة» (١).
فنسأل الله العظيم أن يجعلنا منهم، وألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ويهب لنا من لدنه رحمة إنه هو الوهاب. والحمد لله رب العالمين وصلواته وسلامه على سيدنا محمد وآله، وسائر المرسلين والنبيين، وآلِ كلٍ وسائر الصالحين (٢).
يقول الشيخ: إن أهل السنة في «كل ما يقولونه ويفعلونه .. فإنما هم فيه متبِعُون للكتاب والسنة»، يأمرون بما أمر الله به، وبما أمر به رسوله ﷺ ، وينهون عما نهى اللهُ عنه ورسولُه ﷺ ، فهم في كل ذلك متبعون، لا مبتدعون، ولا متبعون لأهوائهم.
يقول الشيخ: «وطريقتهم هي دين الإسلام الذي بعث الله به محمدًا ﷺ »: هذا إجمال تام لما سبق، فطريقة أهل السنة والجماعة هي دين الإسلام الجامع لكل العقائد الصحيحة، والعلوم النافعة والأعمال الصالحة كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ
стр. 279
لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون (٣٣)﴾ [التوبة]، طريقتهم هي دين الإسلام، والمنتسبون للإسلام كثير، وقد أخبر ﷺ «أن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار» كما صح بذلك الحديث عن النبي ﷺ قال: «كلها في النار إلا واحدة، وهي الجماعة» وفي لفظ: قيل: من هي يا رسول الله؟ قال: «هي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي» (١).
فكل هذه الفرق تنتسب للإسلام، فما الفرقة الناجية؟
هي المستمسكة بالإسلام المحض الخالص، وفي هذا عَلَمٌ من أعلام نبوته ﷺ فقد أخبر عن افتراقها، ووقع كما أخبر.
يقول الشيخ: «صار المتمسكون بالإسلام المحض»: الإسلام الخالص الذي لم يخلط بالبدع الاعتقادية أو العملية، فالمتمسكون بالإسلام المحض خالصًا عن الشوب، وعمّا وقعت فيه الفرق المنحرفة هم أهل الكتاب والسنة، هم الفرقة الناجية المنصورة، وهذه الفرقة أهلها درجات ليسوا على مرتبة واحدة، بل هم على مراتب كثيرة.
وطبقات الأولياء إجمالًا طبقتان (٢): مقربون، وأصحاب يمين، أو سابقون، ومقتصدون.
فالمقربون السابقون: هم الذين فعلوا الواجبات والمستحبات، وتركوا المحرمات والمكروهات، وفضول المباحات.
стр. 280
والمقتصدون: هم الذين أدَّوا الواجبات، واجتنبوا المحرمات.
فأهل السنة والجماعة مراتب فيهم: الصديقون، والشهداء، والصالحون، والصديقون هم أعلى طبقات الأولياء بعد الأنبياء، كما قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ [النساء].
والصديق هو: المبالغ في الصدق، أو هو: كثير الصدق والتصديق، والصديق المطلق في هذه الأمة هو أبو بكر ﵁، وصار هذا الوصف ملازمًا له، وعلمًا عليه، وإلا فالصديقية ليست مقصورة عليه.
«ومنهم أعلام الهدى»: يعني: فيهم الأئمة الذين يهتدى بهم، يشبهون بالأعلام، أي: الجبال، وعلامات الطريق التي يهتدى بها.
«ومصابيح الدجى»: التي يستضاء بها في حنادس الظلام.
ففي أهل السنة أئمة هداة يُهتدى بهم في علمهم وعملهم، على مراتب ففيهم: أئمة متبوعون، وعباد صالحون تابعون،
فالصحابة سبق الحديث عنهم، وأنهم مفضَّلون تفضيلًا مطلقًا على من بعدهم، والتابعون لهم بعد ذلك هم أهل السنة والجماعة، الذين لزموا الأصول المتقدمة، واقتفوا واتبعوا آثار السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، فهؤلاء على مراتب: التابعون، وتابعوهم، وتابعوهم إلى يوم القيامة.
стр. 281
يقول الشيخ: «وفيهم الأبدال»: وهذا اللفظ ورد في بعض الأحاديث (١)، ولكن ذكر شيخ الإسلام (٢) وغيره: أنه لم يصح حديث الأبدال.
لكن معنى الأبدال (٣) صحيح واقع، والمراد بالأبدال: العلماء العاملون والعُبَّاد الصالحون الذين يخلف بعضهم بعضًا، كلما مات عالم قام بدله، وكلما مات عابد خلفه من بعده، هؤلاء أبدال، وجاء في الحديث: «لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم في طاعته» (٤).
فالصالحون والأئمة لا يزالون، وإن كان في آخر الزمان يقل العلم ويثبت الجهل، و «الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من صدور الرجال وإنما يقبض العلم بقبض العلماء» (٥). ولكن هذا لا يعني أنه ينقطع وينصرم، وإن قل، فحجة الله قائمة على عباده إلى أن يأتي أمر الله ﵎.
ولهذا نبَّه الشيخ إلى هذا المعنى بقوله: إن هذه الطائفة لا تزال كما أخبر الرسول ﷺ .
стр. 282
وعندي أن مفهوم أهل السنة والجماعة أوسع من مفهوم الفرقة الناجية، فالفرقة الناجية المنصورة، هم أهل السُّنة والجماعة، لكن في أهل السُّنة السابقون، والمقتصدون، وفيهم الظالم لنفسه، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِير (٣٢)﴾ [فاطر] لكن المتمسِّكون بالإسلام المحض علمًا وعملًا ظاهرًا وباطنًا، هم الفرقة الناجية المنصورة، التي أخبر بها الرسول ﷺ ، وأخبر أنها لا تزال في قوله: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق» (١) لا تزال هذا يدل على الاستمرار، والمقصود جنس هذه الطائفة، وإلا فهي أجيال تنقرض، ويخلفهم آخرون.
«لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة»، وفي لفظ: «حتى يأتي أمر الله ﵎».
والساعة هنا فُسِّرت بقبض أرواح المؤمنين في آخر الزمان عند قرب قيام القيامة الكبرى، فإنه تعالى يرسل ريحًا فتقبض أرواح المؤمنين، فتخلو الأرض من الخير، ولا يبقى في الأرض إلا شرار الخلق، وعليهم تقوم الساعة (٢).
فهذه الطائفة مستمرة إلى أن يأتي أمر الله ﵎، ويأتي الأجل الذي قدَّره الله لبقاء هذا الدين، وبقاء حملته، فنسأله أن يجعلنا بمَنِّه وكرمه من هذه الطائفة، وأن يثبِّتنا على دينه، وأن يرزقنا الاستقامة
стр. 283
على الحق، وأن يجعلنا هداة مهتدين، غير ضالِّين ولا مضلِّين، ونسأله تعالى أن يعصمنا من مضلَّات الفتن، ما ظهر منها وما بطن، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، والحمد لله رب العالمين أولًا وآخرًا.
* * * *
стр. 284
مراجع التحقيق (١)
• الأباطيل والمناكير: للجوزجاني، ت: عبد الرحمن الفريوائي، دار الصميعي.
• الإبانة عن أصول الديانة: للأشعري، ت: عبد الله محمود محمد عمر، دار الكتب العلمية.
• الإبانة عن شريعة الفرقة الناجية: لابن بطة (الرد على الجهمية)، ت: يوسف الوابل، دار الراية.
• إثبات عذاب القبر: للبيهقي، ت: شرف محمود، دار الفرقان.
• الأثر المشهور عن الإمام مالك في صفة الاستواء: عبد الرزاق العباد، ضمن الجامع للبحوث والرسائل، دار كنوز، أشبيليا.
• اجتماع الجيوش الإسلامية: ابن القيم، ت: عواد المعتق، مكتبة الرشد.
• أجوبة الحفظ ابن حجر عن أحاديث المصابيح: ابن حجر، ضمن مشكاة المصابيح، ت: الألباني، المكتب الإسلامي.
• الأحاديث المختارة: للضياء المقدسي، عبد الملك بن دهيش، مكتبة النهضة.
• الأذكار: للنووي، ت: عبد القادر الأرناؤوط، دار الهدى.
_________
(١) هذه المصادر التي تمت الإحالة إليها فقط.
стр. 285
• الأربعون العشارية: للعراقي، ت: بدر البدر، دار ابن حزم.
• الاستقامة: لابن تيمية، ت: محمد رشاد سالم، دار الفضيلة.
• الأسماء والصفات: للبيهقي، ت: محمد زاهد الكوثري، المكتبة الأزهرية للتراث.
• أصول السنّة: لابن أبي زمنين، ت: عبد الله البخاري، مكتبة الغرباء الأثرية.
• أصول الفقه: لابن مفلح، ت: فهد السدحان، مكتبة العبيكان.
• أضواء البيان: محمد الأمين الشنقيطي، دار عالم الفوائد.
• الأعلام العلية في مناقب ابن تيمية: البزار، ت: زهير الشاويش، المكتب الإسلامي.
• إعلام الموقعين: لابن القيم، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر.
• الإمتاع بالأربعين المتباينة بشرط السماع: لابن حجر، ت: صلاح الدين مقبول أحمد، الدار السلفية.
• أهوال القبور: لابن رجب، دار الهجرة.
• أوضح المسالك: لابن هشام، ت: محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية.
• البحر الزخار: للبزار، ت: محفوظ الرحمن زين الله، مكتبة العلوم والحكم.