على أن في المال حقًا سوى الزكاة.
١٣٥٩ - وسُئل رسولُ الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -، ما الشَّيءُ الذي لا يحلُّ منعُه؟، قال: "الماءُ"، قيل: ما الشيءُ الذي يحلُّ منعُه؟ قال: "المِلْحُ".
"عن بهيسة، عن أبيها، وعن عائشة: أنهما قالا: سُئِل رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: ما الشيءُ الذي لا يحلُّ منعه؟ قال: الماءُ, قيل: ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: الملح، قيل: ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: النار".
* * *
١٣٦٠ - وقال: "مَنْ أَحيَا أَرضًا مَيْتةً فله أَجْرٌ، وما أكَلَتْ العافيَةُ منهُ فهوَ له صدَقةٌ".
"عن جابر أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: من أحيا أرضًا ميتةً فله فيها أجر، وما أكلت العافيةُ": وهو كل طالب رزق من إنسان، أو بهيمة، أو طائر.
"منه"؛ أي: من المأكول، أو من النبات.
" فهو له صدقة".
* * *
١٣٦١ - وقال: " مَن مَنَحَ مِنْحَةَ وَرِقٍ، أو أَهدى زُقَاقًا، أو سَقَى لَبنًا؛ كان له كعِدْلِ رقَبةٍ أو نَسَمةٍ".
وفي روايةٍ: " كانَ لهُ مِثْلُ عِتْق رقَبةٍ".
"عن البراء ﵁ أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: من
стр. 1017
مَنَحَ مِنحةَ وَرقٍ": بفتح الواو مع كسر الراء وسكونها وكسرها مع سكونها: الدراهم؛ أي: من أعطى عطية من الدراهم، وقيل: منحة الورق: القرض؛ لأن المنحة مردودة.
"أو أهدَى زُقاقاً": بتخفيف الدال، من هداية الطريق، و (الزُّقاق): السكة؛ أي: دل ضالًا إلى طريق سكته أو بيته.
ويروى بالتشديد؛ إما مبالغة الهداية، أو من الهدية؛ أي: مَنْ أهدى وتصدَّق بزُقاقٍ من النخل - وهو: الصفُّ من أشجارها - أو جعلها وقفًا.
"أو سقى لبنًا، كان له كعدل رقبة أو نسمة": شك من الراوي، والمراد بهما: العبد.
"وفي رواية: كان له مثل عتق رقبة".
* * *
١٣٦٢ - عن أبي تَمِيْمَةَ الهُجَيْمي، عن أبي جُرَيٍّ جابرِ بن سُلَيم قال: رأيتُ رجلًا يصدرُ الناسُ عنْ رأْيهِ، قلتُ: مَن هذا؟، قالوا: رسولُ الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -، قلتُ: عليكَ السَّلامُ، يا رسولَ الله مرَّتين، قال: "لا تقلْ: عليكَ السلامُ، عليكَ السلامُ تحيةُ الميَّتِ!، قلْ: السَّلامُ عليكَ"، قلت: السلامُ عليكَ، قلتُ: أنتَ رسولُ الله؟، قال: "أنا رسولُ الله الذي إذا أَصابَكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كشَفَ عنكَ، وإنْ أصابَكَ عامُ سَنةٍ فَدَعَوْتَهُ أَنْبَتَهَا لك، فإذا كنتَ بأرضٍ قَفْرٍ أو فَلاةٍ فَضَلَّتْ راحلَتُكَ فدعوتَه ردَّها عليكَ"، قلتُ: اعْهَدْ إلَيَّ، قال: "لا تَسُبن أحدًا"، فما سبَبْتُ بعدَه حُرًّا ولا عَبْدًا ولا بَعْيرًا ولا شاةً، قال: "ولا تحقِرَنَّ شيئًا من المَعْروف، وأن تُكلِّم أخاكَ وأنتَ مُنبسِطٌ إليه وجهُك، إِنَّ ذلكَ مِنَ المَعروف، وارفَعْ إزارَكَ إلى نِصْفِ السَّاقِ، فإن أَبَيْتَ فإلى الكَعْبَينِ، وإِيَّاكَ وإسبالَ الإزارِ، فإنَّها من المَخِيْلةِ، وإنَّ الله لا يحبُّ المَخِيْلةَ، وإنِ امرؤٌ شتمَكَ
стр. 1018
وعيَّرَكَ بما يعلمُ منكَ فلا تُعَيِّرُهُ بما تعلَمُ منه، فإنَّما وبالُ ذلكَ عليهِ".
وفي رواية: "فيكونُ لكَ أَجرُ ذاكَ، ووبالُهُ عَليهِا".
"عن أبي تميمة الهُجَيمي ﵁، عن أبي جُرَي جابر بن سُليم أنه قال: رأيت رجلًا يصدر الناس عن رأيه"؛ أي: ينصرفون كما يراه، ويفعلون ما يأمرهم، ولا يخالفونه.
"قلت: من هذا؟ قالوا: رسول الله ﷺ ﵁. قلت: عليك السلام يا رسول الله! مرتين، قال: لا تقل: عليك السلام، عليك السلام تحيةُ الميتِ"؛ يعني: هذا اللفظ يقال في المقابر؛ لأنه لا يتوقع الجواب من الميت، وأما الحي يتوقع الجواب منه، "قل: السلام عليك"؛ ليقول هو لك: وعليك السلام؛ لأن فائدة التسليم حصول الأمن والسلامة للمسلَّم عليه من المسلِّم، وهو بتقديم لفظ السلام أليقُ؛ فإنه إذا افتتح بـ (عليك)، لم تحصل به السلامة، بل المخافة، بل قد يتوهم أنه يدعو عليه.
"قلت: السلام عليك، قلت: أنت رسول الله ﷺ ؟ قال: أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضُرٌّ فدعوته، كشف"؛ أي: أزال ذلك الضر "عنك، وإن أصابك عام سنة"؛ أي: قحط، لا تنبت الأرض شيئًا، "فدعوته، أنبتها"؛ أي: أنبت الأرض لك.
"وإذا كنت بأرض قَفْرٍ"؛ أي: أرض خال من النبات والشجر، "أو فلاة": وهي المفازة البعيدة من العمران.
" فضلت راحلتك، فدعوته، ردها عليك، قلت: اعهد إلي"؛ أي: أوصني.
"قال: لا تسبن أحدًا"؛ أي: لا تشتمن أحدًا.
"فما سببتُ بعده"؛ أي: ما شتمت بعد العهد "حرًا، ولا عبدًا،
стр. 1019
ولا بعيرًا، ولا شهاةً": إنما عهد ﷺ [إليه] بترك السب؛ لعلمه أنه كان الغالب على أحواله ذلك، فنهاه عنه.
"قال: ولا تحقرنَّ شيئًا من المعروف، وأنْ تكلِّم أخاك": مبتدأ خبره (إن ذلك)، أو عطف على (شيئًا)، و (إن ذلك) استئناف علة له.
"وأنت منبسط إليه وجهُكَ"؛ أي: ذو بشاشة، تتواضع إليه، وتُطيب كلامَكَ له حتى يفرحَ قلبه بحسن خلقك.
"إن ذلك من المعروف، وارفْع إزارك"؛ أي: ليكن سراويلك وقميصك قصيرين.
"إلى نصف الساق، فإن أبيت"؛ أي: لم ترضَهُ نفسُك.
"فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار"؛ أي: احذر من إطالته.
"فإنها"؛ أي: خصلة إسبال الإزار.
"من المَخيلة": بفتح الميم؛ أي: من الكبر والعجب.
"وإن الله تعالى لا يحب المخيلة، وإن امرؤٌ شتمك أو عيَّرك"؛ أي: عابك بما "يعلم منك"، "فلا تعيره بما تعلم منه، فإنما وبالُ ذلك": الشتم والتعيير.
"عليه، وفي رواية: فيكون لك أجر ذلك، ووباله عليه".
* * *
١٣٦٣ - عن عائشة ﵂: أنهم ذَبَحوا شاةً، فقالَ النبيُّ - صلى الله تعالى عليه وسلم - "ما بقيَ منها؟ "، فقالت: ما بقِيَ إلا كَتِفُها، قال: "بقِيَ كلُّها غيرَ كتِفِها"، صحيح.
"عن عائشة أنهم"؛ أي: أصحاب النبي ﵊ "ذبحوا شاةً، فقال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -: ما بقي منها؟ ": (ما) استفهامية؛ أي: أيُّ شيء بقي منها؟
стр. 1020
"فقالت: ما بقي إلا كتفها، قال ﷺ : بقي كلُّها غيرَ كتفِها"؛ يعني: ما تصدَّقت فهو باقٍ، وما بقي عندك فهو غير باقٍ، كما قال الله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦].
"صحيح".
* * *
١٣٦٤ - عن ابن عباسٍ ﵄، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ما مِن مُسلِمٍ كسَا مُسلِمًا ثَوبًا إلا كانَ في حِفْظٍ من الله ما دامَ منهُ عليهِ خِرْقةٌ".
"عن ابن عباس أنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقول: ما من مسلم كسا مسلمًا ثوبًا، إلا كان في حفظٍ من الله ما دام منه عليه خِرْقة": وإنما لم يقل: في حفظ الله؛ ليدل التنكير على نوع تفخيم وشيوع، هذا في الدنيا، وأما في الآخرة؛ فلا حصرَ ولا عدَّ لثوابه.
* * *
١٣٦٥ - عن عبد الله بن مَسْعود - يرفعُه - قال: "ثلاثةٌ يُحبهم الله: رجلٌ قامَ من اللَّيل يتلُو كتابَ الله، ورجلٌ يتصدَّقُ بصدَقةٍ بيمينِهِ يُخفيها - أُراهُ قالَ مِن شِمَالِهِ، ورجلٌ كانَ في سَرِية، فانهزَمَ أَصحابُه، فاستْقَبلَ العَدوَّ"، غريب.
"وعن عبد الله بن مسعود ﵁ يرفعه"؛ أي؛ الحديث إلى النبي ﷺ .
"قال: ثلاثة يحبهم الله: رجل قام عن الليل يتلو كتاب الله"؛ أي: يقرأ القرآن.
"ورجل يتصدق بصدقة بيمينه يخفيها، أُراه ": من (الإراء)؛ أي: قال ابن مسعود: أظن النبي ﵊ "قال: من شماله"؛ أي: يخفي الصدقة من شماله.
стр. 1021
"ورجل كان في سرية"؛ وهي قطعة من الجيش، فانهزم أصحابه، "فاستقبل العدو.
"غريب".
* * *
١٣٦٦ - عن أبي ذَرٍّ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "ثلاثة يُحِبُّهم الله، وثلاثة يُبغِضُهم الله، فأما الذين يُحِبُّهم الله: فرجلٌ أتى قَوماً، فسألهَم بالله ولم يسألْهم لقَرابةٍ بينَهُ وبينَهم فَمَنَعُوه، فَتَخَلَّفُ رجلٌ بأَعقابهم فأَعطاه سِرًّا، لا يعلمُ بعطيَّتِهِ إلا الله والذي أَعطاهُ، وقومٌ سَارُوا ليلَتَهم حتى إذا كانَ النَّومُ أحبَّ إليهم مما يُعدَلُ، به فَوَضَعُوا رؤُوسَهم، فقامَ سِرًّا، يَتَمَلَّقُني ويتلُو آياتي، ورجل كانَ في سَرِيةٍ، فلقوا العَدوَّ، فهزِمُوا، فأقبلَ بصَدْر حتى يُقتلَ أو يفتَحَ له، والثلاثة الذين يُبغِضهم الله: فالشيخُ الزَّاني، والفَقيرُ المُخْتَالُ، والغَنىُّ الظَّلومُ".
"عن أبي ذر أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ثلاثة يحبهم الله، وثلاثة يبغضهم الله: فأما الذين يحبهم الله؛ فرجل أتى قومًا، فسألهم بالله"؛ أي: قال: أعطوني بحق الله.
"ولم يسألهم بقرابة"؛ أي: لحقِّ قرابة "بينه وبينهم، فمنعوه"؛ أي: لم يعطوا ذلك الرجل شيئًا.
"فتخلف رجل بأعيانهم": الباء للتعدية؛ أي: بأشخاصهم وأنفسهم؛ أي: ترك القوم المسؤول منهم خلفه وتقدم، "فأعطاه سراً لا يعلم بعطيته إلا الله والذي أعطاه، وقوم ساروا ليلتهم حتى إذا كان النومُ أحبَّ إليهم مما يعدل به"؛ أي: من كل شيء يقابل النوم.
"فوضعوا رؤوسهم، فقام سراً يتملَّقني"؛ أي: يتواضع إلي، ويتضرع ويبكي من خشيتي، "ويتلو آياتي، ورجل كان في سرية، فلقي العدو، فهزموا،
стр. 1022
فأقبل بصدره حتى يقتل أو يفتح له.
والثلاثة الذين يبغضهم الله؛ الشيخُ الزاني، والفقير المختال"؛ أي: المتكبر.
"والغني الظلوم"؛ أي: كثير الظلم.
إنما خص الشيخ وأخويه بالذكر؛ لأن هذه الخِصَال فيهم أشدُّ مَذَمَّة وأشنع نكرًا، أعاذنا الله بلطفه من ذلك.
* * *
١٣٦٧ - عن أَنس ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "لَمَّا خلَقَ الله الأرضَ جَعلَتْ تَمِيدُ، فخلَقَ الجبَالَ فقال بها عليها، فاستقرَّتْ، فعجبَتِ المَلائكةُ من شِدَّةِ الجبالِ، فقالوا: يا ربِّ، هل مِنْ خلْقِكَ شيءٌ أشَدُّ من الجبالِ؟، قال: نَعَم، الحديد فقالوا: يا ربِّ، هَلْ من خلْقِكَ شيءٌ أَشدُّ من الحديدِ؟ قال: نَعَم، النارُ، فقالوا: ياربِّ، هل مِنْ خلْقِكَ شَيْءٌ أشدُّ مِنَ النارِ؟، قال: نعم، الماء، فقالوا: يا ربِّ، هل مِنْ خلقِكَ شيءٌ أشدُّ من الماءِ؟، قال: نعم، الريحُ، فقالوا: يا ربِّ، فهل مِنْ خلقِكَ شيءٌ أشدُّ مِنَ الريح؟، قال: نعم، ابن آدم تَصَدَّقَ صدقةً بيمينِهِ يُخفيها مِنْ شِمالِهِ"، غريب.
"عن أنس، عن النبي - عليه الصلاة السلام - أنه قال: لما خلق الله الأرضَ، جعلت تَميدُ"؛ أي: طفقت تتحرك وتضطرب بشدة، ولا تستقر.
"فخلق الجبال، فقال بها عليها"؛ أي: فضرب بالجبال على الأرض.
"فاستقرت، فعجبت الملائكة من شدة الجبال، فقالوا: يا رب! هل من خلقك شيءٌ أشدُّ من الجبال؟ قال: نعم، الحديد": كونه أشد من أجل أنه يكسر الحجر.
стр. 1023
"فقالوا: يا رب! هل من خلقك شيء أشد من الحديد؟ قال: نعم، النار": كونها أشد من أجل أنها تذيب الحديد.
"فقالوا: يا رب! هل من خلقك شيء أشد من النار؟ قال: نعم، الماء": كونه أشد من أجل أنه يطفئ النار.
"فقالوا: يا رب! هل من خلقك شيء أشد من الماء؟ قال: نعم، الريح ": كونها أشد من أجل أنها تفرِّقُ الماءَ وتشقه.
"قالوا: يا رب! هل من خلقك شيء أشدُّ من الريح؟ قال: نعم، ابن آدم؛ تصدق صدقة بيمينه يخفيها من شماله": إنما كانت الصدقةُ الموصوفة أشدَّ من الريح الأشد مما قبلها؛ لأن صدقة السر تطفئ غضب الرب الذي لا يقابله شيء في الصعوبة والشدة، فإذا عمل الإنسان عملًا يتوسل إلى إطفائه، كان أشدَّ وأقوى من هذه الأجرام.
ولأن فيها مخالفة النفس وقهر الشيطان، فإن الإنسانَ مجبولٌ على الشح، وهذان الوصفان أعظم أيضًا من هذه الآشياء.
"غريب".
* * *
٨ - باب أَفْضَل الصَّدَقة
(باب أفضل الصدقة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٣٦٨ - قال النبيُّ ﷺ : "خيرُ الصَّدقةِ ما كانَ عن ظَهْرِ غِنًى، وابدأْ بمَنْ تَعُولُ".
стр. 1024
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة وحكيم بن حِزام: أنهما قالا: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: خيرُ الصدقة ما كان عن ظهر غنًى"؛ أي: ما كان مستندًا إلى ظهر قوي من المال، يستظهر به على النوائب التي تنوبه، أو هو كناية عن تمكن المتصدق من غنًى ما، كقولهم: هو على ظهر سير؛ أي: متمكن منه، أو لفظة (الظهر) زائدة؛ أي: عن غنًى، وتنكيره ليفيد أن لابد للمتصدق من غنًى ما؛ إما غنى النفس، وهو الاستغناء عما بذل بسخاوة النفس ثقة بالله، كما كان لأبي بكر ﵁، وإما غنى المال الحاصل في يده، والأول أفضل؛ لقوله ﵊: "ليس الغنى عن كثرة العرض، وإنما الغنى غنى النفس".
"وابدأ بمن تعول"؛ أي: بمن يلزمك نفقتهم.
* * *
١٣٦٩ - وقال: "إذا أَنفقَ المُسلِمُ على أهلِهِ نفقةً وهو يَحتَسِبُها كانتْ له صدقةً".
"عن ابن مسعود ﵁ أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: إذا أنفق المسلم نفقةً على أهله وهو يحتسبها"؛ أي: يعتدُّها مما يُدَّخرُ عند الله، والاحتساب: طلب الثواب من الله تعالى.
"كانت له صدقة".
* * *
١٣٧٠ - وقال: "دِينْارٌ أنفقتَهُ في سَبيلِ الله، ودِينارٌ أنفقتَهُ في رقبةٍ، ودِينْارٌ تصدَّقتَ يِه على مِسْكين، ودينارٌ أنفقتَهُ على أَهْلِكَ، أَعظَمُها أَجْرًا الذي أنفقتَهُ على أَهلِكَ".
стр. 1025
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: دينارٌ أنفقته في سبيل الله، ودينارٌ أنفقته في رقبة"؛ أي: في إعتاقها، "ودينارٌ تصدقت به على مسكين، ودينارٌ أنفقته على أهلك، أعظمها أجرًا الذي أنفقته على أهلك": إنما كان الإنفاق عليه أفضل؛ لأنه صدقة وصلة الرحم.
* * *
١٣٧١ - وقال: "أَفْضَلُ دينارٍ ينفقُهُ الرجلُ: دينارٌ يُنفقُهُ على عيالِهِ، ودينارٌ يُنفِقُهُ على دابَّتِهِ في سبيلِ الله، ودينارٌ يُنفقُهُ على أصحابهِ في سبيلِ الله".
"عن ثوبان بن بُجْدد مولى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - أنه قال: قال رسول الله ﷺ : أفضلُ دينارٍ ينفقه الرجل دينارٌ ينفقه على عياله": أعم من أن تكون نفقتهم واجبة عليه، أو مستحبة، قدم ذلك لكونه أكثر ثوابًا.
"ودينارٌ ينفقه على دابته في سبيل الله، ودينارٌ ينفقه على أصحابه في سبيل الله"؛ يعني: الإنفاقُ على هؤلاء الثلاثة على الترتيب أفضلُ من الإنفاق على غيرهم.
* * *
١٣٧٢ - وقالت أُمُّ سلَمة: يا رسولَ الله!، أَلِيَ أَجْرٌ أنْ أُنْفِقَ على بني أبي سَلَمَةَ؟، إنما هم بنيَّ، فقال: "أنفِقي عليهم، فلكِ أجرُ ما أَنفقْتِ عليهم".
"وقالت أم سلمة: يا رسول الله! أبي أجر أن أنفق": بكسرة همزة (إن) وفتحها.
"على بني أبي سلمة، إنما هم بني": بفتح الباء.
"فقال: أنفقي عليهم، فلك أجر ما أنفقت عليهم ".
* * *
стр. 1026
١٣٧٣ - وعن زينَبَ امرأةِ عبدِ الله بن مَسْعودٍ قالتْ: انطلقتُ إلى النبيِّ ﷺ ، فوجدتُ امرأةً من الأَنْصارِ على البابِ حاجتُها مثْلُ حاجتي، وكانَ رسولُ الله ﷺ قد أُلقِيَت علَيه المَهابةُ، قالت: فخرجَ علينا بلالٌ، فقلنَا له: ائتِ رسولَ الله، فأخبره أنَّ امرأَتينِ بالبابِ تسأَلانِكَ: أتجزِئُ الصَّدَقةُ عنهما على أَزواجِهما، وعلى أَيتامٍ في حُجورِهما، ولا تُخْبرْهُ مَن نحنُ، فدخلَ، فسألهُ، فقال: "مَن هما؟ "، قال: زينبُ، قال: قال: "أَيُّ الزَّيانِب؟ "، قال: امرأةُ عبدِ الله بن مَسْعود، قال: "نعَمْ، لَهُما أَجرانِ: أجرُ القَرابةِ، وأجرُ الصَّدَقةِ".
"وعن زينب ﵂ امرأة عبد الله بن مسعود قالت: انطلقت إلى النبي ﵊, فوجدت امرأة عن الأنصار على الباب حاجتها مثل حاجتي، وكان رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قد ألقيت عليه المهابةُ": بفتح الميم، أي: العظمة والخوف والهيبة؛ يعني: أعطى الله تعالى رسوله مهابة يخاف الناس منه أن يُدخَل في داره.
"فخرج علينا بلالٌ، فقلنا له: ائتِ رسولَ الله، فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك: أتجزئ الصدقة عنهما على أزواجهما، وعلى أيتام في حُجورهما؟ " بضم الحاء: جمع الحِجر، يقال: فلان في حِجرِ فلان؛ أي: في كنفه ومنعه.
"ولا تخبره من نحن، فدخل": بلال، "فسأله فقال"؛ أي: النبي ﵊: "من هما؟ قال: زينب، قال: أي الزيانب": وإنما قال (أي) دون (أية)؛ لأنه يجوز التذكير في مثله والتأنيث، قال الله تعالى: ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ [لقمان: ٣٤].
"قال: امرأة عبد الله بن مسعود؟ قال: نعم لهما أجران؛ أجر القرابة، وأجر الصدقة": وإنما أخبر بلال عنهما مع أنهما نهتا عنه؛ لأنه كان واجبًا عليه عند استخبار النبي ﵊؛ لأن إجابته فرض دون غيره.
* * *
стр. 1027
١٣٧٤ - وقالت مَيْمونة بنت الحارِث: يا رسولَ الله!، إني أَعتقتُ وَلِيدَتِي، قال: " أَمَا إنَّك لو أَعطيتِها أَخْوَالَكِ كانَ أَعظمَ لأَجْرِك ".
"وقالت ميمونة بنت الحارث: يا رسول الله! إني أعتقت وليدتي"؛ أي: جاريتي، الوليدة: ما ولدت في ملك إنسان مملوكة له.
"فقال: أما إنك لو أعطيتها أخوالك، كان أعظم لأجرك": لأن أخوالها كانوا محتاجين إلى خادم، فيكون الإعطاء لهم صدقة وصلة، فلذا يكون الإعطاء لهم أعظم أجرًا؛ لأن الخيرين أفضلُ من واحد.
* * *
١٣٧٥ - وقالت عائشة ﵂: يا رسولَ الله!، إنَّ لي جارينِ، فإلى أيَّهما أُهدي؟، فقال: " إلى أَقْربهما مِنْكِ بابًا".
"وقالت عائشة ﵂: يا رسول الله! إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: أقربهما منك بابًا": فهذا يدل على أن الصدقة للجيران الأقربِ أولى من البعيد.
* * *
١٣٧٦ - وعن أبي ذَر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا طَبخْتَ مرَقةً فأكْثِرْ ماءَها، وتَعَاهدْ جيرانك".
"وعن أبي ذر أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: إذا طبختَ مرقةً، فأكثر ماءها": إنما أمره بإكثار الماء في مرقة الطعام حرصًا على إيصال نصيب منه إلى الجار وإن لم يكن لذيذًا.
"وتعاهد جيرانك": جمع الجار، التعهد: التحفظ بالشيء، وتجديد
стр. 1028
العهد به"؛ التعاهدُ: ما كان بين اثنين من ذلك؛ أي: أنفق فضل طعامك على جيرانك، واحفظ به حقَّ الجوار.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٣٧٧ - عن أبي هريرة أنه قال: يا رسولَ الله، أيُّ الصدقةُ أَفْضَلُ؟، قال: "جُهْدُ المُقِلِّ، وابدَأْ بمَنْ تَعولُ".
"من الحسان":
" عن أبي هريرة أنه قال: يا رسول الله! أيُّ الصدقة أفضل؟ قال: جُهْدُ المقل": الجهد بضم الجيم: الوُسْعُ والطاقة، المقل: الفقير؛ أي: أفضل الصدقة ما قدر عليه الفقيرُ الصابرُ على الجوع أن يعطيه.
والمراد بالغنى في قوله ﷺ : "أفضل الصدقة ما كان عن ظهر غنى": من لا يصبر على الجوع والشدة؛ توفيقًا بينهما، فمن صبر فالإعطاءُ في حقه أفضل، ومن لا يصبر فالأفضلُ في حقه أن يمسك قوته، ثم يتصدق بما فضل.
"وابدأ بمن تعول ".
* * *
١٣٧٨ - وقال: "الصَّدقةُ على المِسْكِين صدَقةٌ واحدةٌ، وهي علَى ذِي الرَّحِمِ ثنتانِ: صدَقة وصِلَةٌ".
"عن سليمان بن عامر أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: الصدقةُ على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم ثنتان؛ صدقةٌ وصِلةٌ"؛ يعني: الصدقة على الأقارب أفضل؛ لأنها الخيران، ولا شك هما
стр. 1029
أفضل من واحد.
* * *
١٣٧٩ - وقال أبو هريرة ﵁: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: عندي دينارٌ؟، قال: "أَنْفِقْهُ على نفْسِكَ "، قال: عندي آخَر؟ قال: "أَنْفقْهُ على ولَدِكَ "، قال: عندي آخر؟ قال: "أَنفْقه على أهلِكَ"، قال: عندي آخرُ؟ قال: "أَنفقْهُ على خَادمِكَ"، قال: عندي آخرُ؟، قال: "أنتَ أعلَمُ".
"قال أبو هريرة ﵁: جاء رجل إلى النبي ﵊ وقال: عندي دينار؛ قال: أنفقه على نفسك، قال: عندي آخر؟ قال: أنفقه على ولدك": وإنما قدَّم الولد على الزوجة، لشدة افتقاره إن النفقة بخلافها، فإنه لو طلقها، لأمكنها أن تتزوجَ بآخر.
"قال: عندي آخر؟ قال: أنفقه على أهلك، قال: عندي آخر؟ قال: أنفقه على خادمك، قال: عندي آخر؟ قال: أنت أعلم به".
* * *
١٣٨٠ - عن ابن عباس ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "أَلَا أُخبرُكم بخيرِ الناس؟، رجل مُمْسِكٌ بِعِنَانِ فرَسِهِ في سبيلِ الله، ألا أَخبُركم بالذي يتلُوهُ؟ , رجلٌ معتزِلٌ في غُنَيْمَةٍ له يؤدِّي حقَّ الله - تعالى - فيها، ألا أُخبرُكم بِشرِّ الناسِ؟، رجل يُسألُ بالله، ولا يُعطي بِه ".
"عن ابن عباس: أن النبي ﵊ قال: ألا أخبركم بخير الناس؟ "؛ معناه: أنه من خير الناس، لا أنه أفضل سائر الناس.
"رجل مُمسِكٌ بعِنانِ فرسه في سبيل الله، ألا أخبركم بالذي يتلوه؟ "؛
стр. 1030
أي: بالشخص الذي يتبعه في الخيرية.
"رجل معتزل"؛ أي: متباعد عن الناس، منفرد عنهم إلى موضع خال من البوادي والصحارى.
"في غُنيمةٍ له" بضم الغين: تصغير غنم؛ أي: قطيع من الغنم يسير، أو البقر، أو غير ذلك من الدواب.
"يؤدي حق الله فيها"؛ أي: يؤدي زكاتها، ويصلي الصلوات، ولا يصلُ منه إلى أحدٍ شرٌّ، فله درجة قريب من درجة الغازي.
"ألا أخبركم بشرِّ الناس؟ رجلٌ يسأل بالله": بصيغة الفاعل.
"ولا يُعطِي به": بصيغة المفعول (١)؛ أي: يسأل مالكم لنفسه، ولا يُعطِي بالله إذا سُئِل به.
ويروى: (يُسأل) بصيغة المفعول أيضًا؛ أي: يقول الفقير لشخص: بالله أعطني، ولا يعطي الرجل المسؤول بالله.
* * *
١٣٨١ - وقال رسول الله ﷺ : "رُدُّوا السائلَ ولو بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ"
"عن أم بُجيدٍ أنها قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: رُدّوا السائلَ ولو بظلف محرق": الظلاف - بكسر الظاء المعجمة - للبقر والغنم بمنزلة الحافر للفرس.
أراد به ﷺ المبالغة في ردِّ السائل بأدنى ما يتيسر، ولم يرد به صدورَ هذا الفعل من المسؤول منه؛ فإن الظلفَ المحرق غيرُ منتفع به.
стр. 1031
وفي بعض النسخ: (لا تردوا السائل)؛ أي: لا تجعلوه محرومًا، بل أعطوه شيئًا.
* * *
١٣٨٢ - وقال: "مَنِ استعاذَكم بِالله فَأعِيذُوه، ومَن سألَ بالله فأعطُوهُ، ومَنْ دَعَاكم فأجيبُوهُ، ومَن صنعَ إليكم مَعرُوفًا فكافِئُوه، فإنْ لم تَجدُوا ما تُكافِئُونهُ فادْعُوا له، حتى تَرَوْا أنْ قد كَافَأتُمُوه".
"وقال ابن عمر ﵁: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: من استعاذ بالله"؛ أي: من التجأ إليكم من شرِّ أحد، واستغاث لديكم بالله، مثل أن يقول: بالله ادفعوا عني شرَّ فلان وإيذاءَه.
"فأعيذوه"؛ أي: أغيثوه وارحموه؛ تعظيمًا لاسم الله تعالى.
"ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن دعاكم فأجيبوه، ومن صنع إليكم معروفًا"؛ أي: أحسن إليكم إحسانًا،"فكافئوه": من المكافأة؛ أي: أحسنوا إليه مثل ما أحسن إليكم.
"فإن لم تجدوا ما تكافئونه ": من المال وغير ذلك.
"فادعوا له"؛ أي: فكافئوه بالدعاء؛ يعني: كرروا الدعاءَ.
"حتى تروا"؛ أي: تظنوا "أن قد كافأتموه"، وأديتم حقه.
وقد جاء في حديث آخر: "من صُنِعَ إليه معروفٌ فقال: جزاك الله خيرًا، فقد أبلغ في الثناء"، فبدليل هذا الحديث من قال لأحد: جزاك خيرًا مرة، فقد أدَّى العوض، وإن كان حقه كثيرًا، وكانت عادة أم المؤمنين عائشة ﵁ إذا دعا لها السائل أن تجيبه بمثل ما يدعو السائل لها، ثم تعطيه من المال ما تعطيه، فقيل لها: تعطي السائل المال وتدعو له بمثل ما يدعو لك، فقالت: ولو لم أدعُ
стр. 1032
له. لكان حقه بالدعاء لي عليَّ أكثرَ من حقي عليه بالصدقة، فأدعو له بمثلِ ما يدعو لي حتى أكافئ دعاءه بدعائي؛ لتخلص لي صدقتي.
* * *
١٣٨٣ - وقال: "لا تَسْألوا بوجْهِ الله إلا الجنَّةَ".
"عن جابر ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا يُسأَلُ بوجه الله إلا الجنة": يروى: (لا تسأل) ومفردًا مخاطبًا معلومًا، وغائبًا مجهولاً؛ نهيًا ونفيًا؛ أي: لا ينبغي أن يقال: يا فلان! أعطني شيئًا بوجه الله أو بالله؛ فإن اسمه أعظم أن يُسأل به متاع الدنيا، بل اسألوا به الجنة، مثل أن تقول: يا ربنا! نسألك الجنة بوجهك الكريم.
* * *
٩ - باب صدَقة المَرأَة من مال زَوجها
(باب)
قد اختلفت ترجمة هذا الباب؛ ففي بعض النسخ هكذا، وفي بعضها؛ (باب نفقة المرأة من مال زوجها).
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٣٨٤ - قال رسول الله ﷺ : "إذا أنفقَتِ المَرأةُ من طعامِ بيتِها غيرَ مُفسِدةٍ كانتْ لها أجرُها بما أَنفقَتْ، ولزوجِها أَجرُه بما كسَبَ، وللخَازِنِ مثْلُ ذلك، لا ينقُصُ بعضُهم أَجْرَ بعض شيئًا".
стр. 1033
"من الصحاح":
" عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غيرَ مفسدة": نصب على الحال؛ أي: غير مسرفة في الصدقة.
"كان لها أجرها بما أنفقت": الباء فيه للسببية؛ أي: بسبب ما أنفقت.
"ولزوجها أجره بما كسب؛ وللخازن مثلُ ذلك"؛ أي: للخازن الذي كانت النفقة يزيده مثل ذلك الأجر.
"لا ينقص بعضهم أجرَ بعض شيئًا": قيل: هذا الحديث جارٍ على عادة أهل الحجاز؛ فإن عادتهم أن يأذنوا لزوجاتهم وخدمهم بأن يضيِّفوا الأضيافَ، ويطعموا السائلين؛ فحرَّض ﵊ أمته على هذه العادة الحسنة، فيكون لكلِّ واحد من الزوج والزوجة والخازن نصيبٌ من الأجر.
* * *
١٣٨٥ - وقال: "إذا أَنفقتِ المَرأة من كسْبِ زَوجها من غيرِ أَمرِه فلها نِصْفُ أَجْرِه".
" وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير أمره ": قيل: هذا مفسر بما إذا أخذت من مال زوجها أكثر من نفقتها، وتصدقت به، فعليها غُرمُ ما أخذت أكثر منها، فإذا علم الزوج، ورضي بذلك، "فلها نصف أجره" بما تصدقت كان نفقتها، ونصف له بما تصدقت به أكثر من نفقتها؛ لأن الأكثر حق الزوج.
* * *
стр. 1034
١٣٨٦ - وقال: " الخازِنُ المُسلِمُ الأَمينُ الذي يُعطِي ما أُمِرَ بِه كاملًا مُوَفَّرًا طَيبة بِه نفْسُهُ، فيدفعُهُ إلى الذي أُمِرَ له بِه أحدُ المُتَصَدِّقَيْنَ".
"قال أبو موسى: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: الخازن المسلم الأمين الذي يعطي ما أُمِر به كاملًا مُوَفَّرًا"؛ أي: تامًا.
"طيبةً به نفسه، فيدفعه إلى الذي أُمِر به أحدُ المتصدقين": خبر المبتدأ، وهو (الخازن)، وما بعده صفات له، وكون الخازن أحد المتصدقين مشروطٌ في الحديث بأربعة شروط:
أحدها: الإذن؛ لقوله: (ما أمر به).
والثاني: أن لا ينقص مما أُمر به؛ لقوله: (كاملًا موفورًا).
والثالث: طيب قلبه بالتصدق؛ إذ بعض الخازنين والخدام قد لا يرضون بما أُمِرُوا به من التصدق.
والرابع: أن يعطي الصدقة إلى المسكين الذي أمره صاحب المال بدفعه إليه، لا إلى مسكين آخر.
* * *
١٣٨٧ - وقالت عائشة ﵂: إنَّ رجُلاً قال للنبي ﷺ : إنَّ أُمي افْتُلِتَتْ نفَسُها، وأظنّهَا لو تكلَّمَتْ تَصَدَّقَتْ، فهل لها أَجْرٌ إن تَصدَّقتُ عنها؟، قال: " نعَمْ " "وقالت عائشة ﵂: إن رجلًا": وهو سعد بن عُبادةُ.
"قال للنبي ﵊: أمي افتُلِتَتْ نفسُها"؛ أي: أُخِذت فلتة؛ أي: بغتة؛ أي: ماتت فجأة، ولم تقدْر على الكلام والوصية بالتصدق.
"وأظنها لو تكلمت تصدقت" من مالها بشيء.
стр. 1035
"فهل لها من أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم": فأجازه، فهذا صريحٌ في أن ثواب الصدقة عن الميت يصل إليه.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٣٨٨ - عن أبي أُمامة ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ في خُطبَتِهِ عامَ حجَّةِ الوداعِ: "لا تُنفِقُ امرأةٌ شيئًا من بيتِ زَوجِها إلا بإذنِ زَوْجِها"، قيل: يا رسولَ الله!، ولا الطعامُ؟، قال: "ذاكَ أفْضَلُ أَموالِنا".
"من الحسان":
" عن أبي أمامة أنه قال: سمعتُ رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقول في خطبته عام حجةِ الوَداع": بفتح الواو.
"ألا": حرف تنبيه.
"لا تنفق امرأة شيئًا من بيت زوجها إلا بإذن زوجها، قيل: يا رسول الله! ولا الطعام؟ قال: ذلك"؛ أي: الطعامُ "أفضلُ أموالنا": فإذا لم يجز التصدق بما هو أقل قدرًا من الطعام بغير إذن الزوج، فكيف يجوز بالطعام الذي هو أفضل؟! * * *
١٣٨٩ - وعن سَعْد ﵁ قال: لَمَّا بايعَ رسولُ الله ﷺ النِّساءَ قالت امرأةٌ: إنَّا كَلٌّ على آبائِنا وأزواجِنا، فما يَحِلُّ لنا من أَموالِهم؟، قال: "الرَّطْبُ تَأكُلْنَهُ، وتُهْدِينَه".
"وعن سعد أنه قال: لما بايعَ رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - النساءَ، قالت امرأة: إنا كَلٌّ ": بفتح الكاف وتشديد اللام؛ أي: ثِقَلٌ وعِيالٌ.
стр. 1036
"على آبائنا وأبنائنا وأزواجنا، فما يحل لنا من أموالهم؟ قال: الرَّطْب " بفتح الراء وسكون الطاء: ما لا يُدَّخر ولا يبقى، كالفواكه والبقول والأطبخة واللبن، وما يسرع إليه الفساد.
"تأكلنه"، أي: يحلُّ لكنَّ أن تأكلنه من أموالهم بقدر النفقة.
"وتهدينه"؛ أي: ترسلنه هدية، قيل: الإهداء والتصدق لا يحل لهن إلا بإذن، والحديث مُفسَّر بما إذا أذنوا لهن بذلك.
* * *
١٠ - باب مَنْ لا يَعْود في الصَّدقَة
(باب من لا يعود في الصدقة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٣٩٠ - قال عُمر بن الخطاب ﵁: حَمَلْتُ على فرَسٍ في سبيلِ الله، فأضاعَه الذي كان عنْدَه، فأردتُ أَنْ أشتريَه، فسألْتُ النبيَّ ﷺ ، فقال: "لا تَشْتَرِه وإنْ أعطاكَهُ بدِرْهم، فإنَّ العائدَ في صدقَتِهِ كالكلْبِ يَعُودُ في قَيْئه ".
وفي روايةٍ: "لا تَعُدْ في صدقَتِكَ، فإنَّ العائدَ في صدقتهِ كالعائدِ في قَيْئه".
"من الصحاح":
" قال عمر بن الخطاب: حملت على فرس "؛ أي: أركبتُ عليه "رجلًا" من المجاهدين "في سبيل الله": ممن لم يكن لهم حمولة، وتصدقت بها عليه.
"فأضاعه الذي كان عنده"، أي: جعله كالشيء الضائع الهالك؛ لتقصيره في رعاية علفه وسقيه.
стр. 1037
"فأردت أن أشتريه، فسألت النبي ﷺ فقال: لا تشتره وإن أعطاكه بدرهم": الجار والمجرور متعلق بقوله: (لا تشتره)، أو بقوله: (أعطاكه).
ذهب بعض العلماء إلى أن شراء المتصدق صدقته حرامٌ؛ لظاهر الحديث، والأكثرون على كراهته تنزيهاً؛ لكون القبح فيه لغيره، وهو أن المتصدق عليه ربما يتسامح المتصدق في الثمن بسبب تقدم إحسانه، فيكون كالعائد في صدقته في ذلك المقدار الذي سُومِح به.
"فإن العائدَ في صدقته كالكلبِ يعود في قيئه، وفي رواية: لا تعد في صدقتك، فإن العائد في صدقته كالعائد في قيئه".
* * *
١٣٩١ - عن بُرَيْدة أنه قال: كنتُ جالساً عندَ النبيِّ ﷺ إذ أَتَتْهُ امرأةٌ فقالت: يا رسولَ الله! إني تصدَّقتُ على أُمي بجاريةٍ وإنَّها ماتتْ، قال: "وجَبَ أجرُكِ، وردَّها علَيكِ المِيْراثُ"، قالت: يا رسولَ الله! إنه كانَ عليها صومُ شهرٍ، أفَأَصومُ عنها؟، قال: "صُومي عنها"، وقالت: إنَّها لم تَحُجَّ قَطُّ، أفأحجُ عنها؟، قال: "نعَمْ، حُجِّي عَنْها".
"وعن بريدة أنه قال: كنت جالساً عند النبي ﵊ إذ أتته امرأة فقالت: يا رسول الله! إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها"؛ أي: أمي.
"ماتت قال: وجبَ أجرُك، وردها"؛ أي: الجارية.
"عليك الميراثُ"؛ أي: صارت الجارية ملكاً لك بالإرث.
أكثر العلماء على أن الشخص إذا تصدق بصدقة على قريبه، ثم ورثها، حلَّت له.
стр. 1038
وقيل: يجب صرفها إلى فقير؛ لأنها صارت لله، فلا تصير ملكاً له.
"قالت: يا رسول الله! إنه"؛ أي: الشأن "كان عليها صوم شهر رمضان، فأصوم عنها؟ قال: صومي عنها": جَوَّز أحمد أن يصوم الولي عن الميت ما كان عليه من الصوم من قضاء، أو نذر، أو كفارة بهذا الحديث، ولم يجوِّز أبو حنيفة ﵀، بل يُطعِم عنه وليه عن كل يوم مدًّا من الطعام.
"قالت: إنها لم تحجَّ قط، أفأحجُّ عنها؟ قال: نعم، حجي عنها": فيجوز أن يحج أحد عن الميت بالاتفاق.
* * *
стр. 1039
٧ - كِتَابُ الصَّومِ
стр. 1040
٧ - كِتَابُ الصَّومِ
(كتاب الصوم)
١ - باب
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٣٩١/ -م - قال رسولُ الله ﷺ : "إذا دَخَلَ رَمضانُ فُتِحَتْ أَبْوابُ السَّماءِ".
وفي رواية: "فُتحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وغُلِّقَتْ أَبْوابُ جَهَنَّمَ، وسُلْسِلَتْ الشَّياطينُ".
وفي روايةٍ: "فُتِحتْ أَبْوابُ الرَّحْمَةِ".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا دخل رمضان فُتِحت أبوابُ السماء": فتحُ أبوابها كنايةٌ عن تواتر نزول الرحمة والمغفرة وإزالة الغلق عن مصاعد أعمال العباد تارةً ببذل التوفيق، وتارةً بحسن القَبولِ عنهم.
"وفي رواية: فتحت أبواب الجنة": فتح أبوابها كناية عن فعل ما يؤدي ويهيأ إلى دخولها.
стр. 1041
"وغلقت أبواب جهنم": تغليق أبوابها كناية عن انتفاء ما يُدخِل إليها؛ إذ الصائمُ يتنزَّه عن كبائر الذنوب، ويُغفَرُ له ببركة الصيام صغائرها.
"وسلسلت الشياطين": كناية عن امتناع تسويل النفوس، واستعصائها عن قَبولِ وساوسهم؛ إذ بالصوم تنكسر القوة الحيوانية التي هي مبدأ الشهوة والغضب الداعيين إلى أنواع المعاصي، وتنبعث القوة العقلية إلى الطاعات.
"وفي رواية: فتحت أبواب الرحمة".
* * *
١٣٩٢ - وقال: "في الجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوابٍ، فيها بابٌ يُسَمَّى الرَّيَّان لا يَدْخُلُهُ إلَّا الصَّائِمُونَ".
"وعن سهل بن سعد أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: للجنة ثمانيةُ أبواب، منها بابٌ يسمَّى الريان، لا يدخلُهُ إلا الصائمون".
* * *
١٣٩٣ - وقال: "مَنْ صَامَ رمضانَ إِيْماناً واحْتِسَاباً غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ، ومَنْ قامَ رَمَضَانَ إِيْماناً وَاحْتِساباً غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ، ومَنْ قامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيْماناً واحْتِسَاباً غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من صام رمضان إيماناً"؛ أي: تصديقاً لثوابه.
"واحتساباً"؛ أي: إخلاصاً، نصبهما على الحال، أو على أنه مفعول له.
"غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان"؛ أي: أحيا لياليه بالعبادة غير ليلة القدر تقديراً، أو معناه: أدَّى التراويح فيها "إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم
стр. 1042
من ذنبه، ومن قام ليلة القدر"؛ أي: أحياها مجردة عن قيام رمضان "إيماناً واحتساباً، غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه".
* * *
١٣٩٤ - وقال: "كُلُّ عَمَلِ ابن آدَمَ يُضَاعَفُ، الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِها إلى سَبْعِمائَةِ ضعْفٍ، قال الله تعالى: إلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لي، وأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلي".
وقال: "للصائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقاءِ رَبهِ، ولَخُلوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ الله تعالى مِنْ رِيْحِ المِسْكِ، والصِّيامُ جُنَّةٌ، فَإِذا كانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ؛ فلا يَرْفُثْ، وَلَا يَصْخَبْ، فإنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قاتَلَهُ فَلْيَقُلْ: إنِّي امْرُؤٌ صائِمٌ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: كلُّ عمل ابن آدم"؛ أي: كل عمل صالح لابن آدم.
"يضاعف، الحسنةُ بعشر أمثالها"، وقد يُزاد "إلى سبعة مئة ضعف": والضعف المثل؛ لقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١].
وسبب الزيادة إليها؛ إما لكمال إخلاص نية المتصدق، وإما لشدة استحقاق الفقير، وقد يزاد عن سبع مئة ضعف، كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦١].
"قال الله تعالى: إلا الصومَ، فإنه لي"؛ أي: لم يشاركني فيه أحد، ولا عُبدَ به غيري، وهذا لأن جميع العبادات التي يَتقرَّب بها إلى الله تعالى قد عَبَدَ بها المشركون آلهتهم، ولم يُسمع أن طائفة منهم عبدت آلهتها بالصوم، ولا تقربت به
стр. 1043
إليها في عصر من الأعصار، فلذا قال تعالى: الصوم لي.
"وأنا أجزي به": وأتولى الجزاء عليه على قدر اختصاصه بي، فإن الصوم عمل خالص، قلَّما يطلع عليه غيرُ الله.
"يدع شهوته"، أي: يترك ما اشتهته نفسه من اللذات.
"وطعامه من أجلي، وقال: للصائم فرحتان": الفَرْحة: فَعْلة للمرة من الفرح.
"فرحة عند فطره"، وذلك إما سروره بالأكل والشرب؛ فإن نفس الإنسان تفرح بهما بعد الجوع والعطش, وإما سروره بما وُفِّقَ له من إتمام الصوم الموعود عليه الثواب الجزيل.
"وفرحة عند لقاء ربه" يوم القيامة، وإعطائه جزاءَ صومه، يفرح فرحاً لا يبلغ أحد كنهه.
"ولخُلُوف فم الصائم" بضم الخاء المعجمة: ما تخلف بعد الطعام في الفم من رائحة كريهة؛ بخلاء المعدة، منه.
"أطيب"، أي: أرضى وأحب "عند الله من ريح المسك" عندكم؛ لأن رائحه فم الصائم من أثر الصوم، وهو عبادة يجزي الله تعالى بنفسه صاحبها.
"والصيام جنة"؛ أي: ترس يقي نفسه من المعاصي؛ لأنه يكسر الشهوة، فلا يوقع فيها، كما تقي الجنةُ السهمَ، أو هو جنة للصائم تقيه من النار.
"وإذا كان يوم صوم أحدكم، فلا يرفثُ"؛ أي: لا يتكلم بكلام قبيح.
"ولا يصخبْ": بالخاء المعجمة؛ أي: لا يرفع صوته بالهذيان، بل ليكن صائماً من جميع المناهي.
"فإن سابَّه أحدٌ"؛ أي: شتمه، "أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم"؛ أي:
стр. 1044
يقول لصاحبه باللسان يرده به عن نفسه، أو يقول في نفسه؛ أي: ليتفكر في نفسه أنه صائم، فلا يخوض معه بمكافأته على شتمه؛ لئلا يُحبَط أجرُ تحمله، وثواب عمله.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٣٩٥ - قال: "إذا كانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الجنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوُابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْها بابٌ، وفُتِّحَتْ أَبْوابُ الجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ منها بابٌ، ويُنادي مُنادٍ: يا باغِيَ الخَيْرِ أَقْبلْ، ويَا باغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، ولِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وذلكَ كُلَّ لَيْلَةٍ"، غريب.
"من الحسان":
" عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا كان أول ليلة من شهر رمضان، صُفِّدت الشياطينُ ومردةُ الجن": جمع مارد، وهو الشرير؛ أي: شُدُّوا بالأغلال؛ كيلا يوسوسِ في الصائمين، ويحملوهم على المعاصي.
"وغلقت أبواب النار، فلم يُفتَحْ منها باب، وفتحت أبواب الجنة، فلم يُغلْق منها باب، وينادي منادٍ: يا باغيَ الخير"؛ أي: يا طالبَ الثواب "أقبل"؛ أي: ارجع وتعال واطلب الثواب بالعبادة؛ فإنك تُعطى ثواباً كثيراً بعمل قليل، وذلك لشرف الوقت.
"ويا باغيَ الشرِّ أقصرْ"؛ أي: يا من سعى بالمعاصي اتركها، وتبْ وارجعْ إلى الله تعالى.
"ولله عتقاء من النار"؛ أي: يعتق الله عباداً كثيراً من النار بحرمة هذا الشهر.
стр. 1045
"وذلك"؛ أي: هذا النداء "يكون كلَّ ليلة": من ليالي رمضان.
"غريب".
* * *
٢ - باب رُؤية الهِلال
(باب رؤية الهلال)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٣٩٦ - قال رسول الله ﷺ : "لا تَصومُوا حتَّى تَرَوُا الهِلالَ، ولا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ, فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُروا لَهُ".
وفي روايةٍ: "فإن غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثلاثينَ".
"من الصحاح":
" عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تصوموا حتى تروا الهلالَ": حتى تثبت عندكم رؤيته بشهادة عدلين، أو أكثر، وتثبت بعدل واحد عند أبي حنيفة إذا كان في السماء غيمٌ، وعند الشافعي أيضاً في أصح قوليه، وعند أحمد سواء كان في السماء غيم أو لا, وعند مالك لا تثبت أصلاً.
"ولا تفطروا حتى تروه"؛ أي: تثبت رؤيته بشهادة عدلين، لا بأقل بالاتفاق.
"فإن غُمَّ"؛ أي: خفي "عليكم" الهلال ليلة الثلاثين من شعبان، وغُطِّي بغيم، "فاقدروا له"؛ أي: قدَّروا عدد الشهر حتى تكملوه ثلاثين يوماً، ثم صوموا.
стр. 1046
ذهب بعض إلى أن المراد به التقدير بحساب القمر في المنازل؛ أي: قدروا منازل القمر؛ فإنه يدلكم على أن الشهر تسعةٌ وعشرون أو ثلاثون.
"وفي رواية: إن غُمَّ عليكم فأكملوا العدة ثلاثين".
* * *
١٣٩٧ - وقال: "صوموا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعبانَ ثلاثينَ".
"وعن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: صوموا لرؤيته": اللام للتوقيت، أو بمعنى: بعد؛ أي: صوموا لوقت رؤيته، أو بعد رؤيته.
"وأفطروا لرؤيته، فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عِدَّةَ شعبان ثلاثين": العدة هنا: العدد، و (ثلاثين) بدل منه بدلَ الكل.
* * *
١٣٩٨ - وقال: "إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ، لا نَكْتُبُ، ولا نَحْسُبُ، الشَّهْرُ هكَذَا، وهكَذَا وهكَذَا، وعَقَدَ الإِبْهَامَ في الثَّالِثَةِ"، ثُمَّ قالَ: "الشَّهْرُ هكذَا وهكَذَا وهكَذَا" يَعْنِي: تمامَ ثلاثين، يعني: مرَّةً تسعٌ وعِشرونَ، ومَرَّةً ثلاثونَ.
"عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إنا أمة"؛ أي: جماعة.
"أميَّة": نُسِبَ الأميُّ إلى أمة العرب؛ لأنهم لا يعرفون الكتابة، ولا يقرؤون من الكتاب، فاستعير لكلِّ مَنْ لا يعرف الكتابة، ولا القراءة من كتاب.
وقيل: نُسِب إلى الأمِّ على أنه باقٍ على الحال التي ولدته أمه.
стр. 1047
وقيل: إلى أمِّ القرى وهي مكة؛ أي: أمة مكية؛ أي: نحن جماعة العرب "لا نكتب، ولا نحسب"؛ أي: لا نعرف الكتابة وحساب النجوم حتى نعتمد على علم النجوم وسير القمر، ونعرف الشهر بذلك.
قال الخطابي: إنما صح إطلاق الأمي عليهم من قبل نبيِّهم، والقرن الذي بُعِث فيه، فصار الآخر تبعاً للأول في النسبة، وإن كانوا يكتبون ويحسبون.
"الشهر هكذا": أشار به إلى أصابعه العشرة، "وهكذا، وهكذا، وعقد الإبهام في الثالثة، ثم قال: الشهر هكذا وهكذا وهكذا؛ يعني: تمام الثلاثين؛ يعني: مرة تسع وعشرون، ومرة ثلاثون": بحسب ما يُرى الهلالُ، لا على الترتيب والتعاقب في ذلك.
* * *
١٣٩٩ - وقال: "شَهْرَا عِيدٍ لا يَنْقُصانِ: رَمَضَانُ، وَذُو الحِجَّةِ".
"وعن أبي بَكرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: شهرا عيدِ لا ينقصان"؛ أي: لا ينقصان معاً في سنة واحدة، بل إن نقصَ أحدُهما تمَّ الآخر، وقيل: لا ينقصان في ثواب من يعظِّمها ولو كان تسعاً وعشرين، وقيل: أراد تفضيل ثواب عشر ذي الحجة بأنه لا ينقصُ أجره عن رمضان، وقيل: أي: في الحكم، وإن نقصا في العدد.
"رمضان وذو الحجة"، وإنما سمي رمضان شهر العيد بطريق المجاورة.
* * *
١٤٠٠ - وقال: "لا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمضانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ أو يَوْمَيْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كانَ يَصومُ صَوماً فَلْيَصُمْ ذلِكَ اليوْمِ".
"عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
стр. 1048
لا يتقدمنَّ أحدُكم رمضانَ بصوم يوم أو يومين"، وإنما نهى عنه حذراً عن التشبه بأهل الكتاب، وقيل: ليشرع في صوم رمضان بنشاط، ولا يثقل عليه صومه، وقيل: لئلا يختلط صوم النفل بالفرض.
"إلا أن يكون رجل كان يصوم صوماً، فليصمْ ذلك اليوم": الحديث يدل على صحة صوم يوم الشك إن وافق نذراً أو قضاءً أو ورداً؛ لأن فيه ضرورة؛ لأن القضاء والنذر فرضٌ، وتأخيرُهُ غيرُ مرضي، وأما الوِرْدُ فتركه أيضاً شديدٌ عند مَنْ ألِفَ به؛ لأن أفضل العبادة أدومُها.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٤٠١ - قال ﷺ : "إذا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فلا تَصُومُوا".
"من الحسان":
" عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا انتصف شعبانُ"؛ أي: إذا مضى النصف الأول منه، "فلا تصوموا": وهذا ليستريحَ من الصوم، ويكون له نشاط لصوم رمضان.
* * *
١٤٠٢ - وقال ﷺ : "أَحْصُوا هِلالَ شَعْبَانَ لِرَمَضَانَ".
"عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أَحصُوا هلالَ شعبان لرمضان": بفتح الهمزة: أمرٌ من (الإحصاء) وهو: العد؛ أي: عدوا أيامه لتعلموا دخول رمضان.
* * *
стр. 1049
١٤٠٣ - وقالتْ أُمُّ سلمَةَ: ما رَأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ يَصومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابعَيْنِ إلَّا شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ.
"وقالت أم سلمة: ما رأيت النبيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان".
* * *
١٤٠٤ - وقال عمَّار بن ياسِر ﵁: مَنْ صَامَ اليَوْمَ الذي يُشَكُّ فيهِ فَقَدْ عَصَى أبا القَاسِمِ ﷺ .
"وقال عمَّار بن ياسر: من صام اليوم الذي يُشَكُّ فيه، فقد عصى أبا القاسم": محمولٌ على أن صامه ناوياً أنه من رمضان.
* * *
١٤٠٥ - عن ابن عبَّاس ﵄ قال: جَاءَ أَعْرَابيٌّ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: إنِّي رَأَيْتُ الهِلالَ - يعني: رمضان -، قال: "أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إله إلَّا الله؟ "، قال: نَعَمْ، قال: "أَتَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله؟ "، قال: نَعَمْ، "قال: يا بِلالُ! أَذِّنْ في النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَداً".
"عن ابن عباس أنه قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبي ﵊، فقال: إني رأيت الهلال؛ يعني: هلال رمضان، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، قال: أتشهد أن محمداً رسول الله؟ قال: نعم، قال: يا بلال! أذِّنْ في الناس فلْيصومُوا غداً": هذا يدل على أن الإسلام شرطٌ في الشهادة، وعلى أن الرجل إذا لم يعرف فِسْقُهُ تقبَلُ شهادته، وعلى أن شهادة الواحد مقبولة في هلال رمضان.
* * *
стр. 1050
١٤٠٦ - عن ابن عُمر ﵁ قال: تَرَاءَى النَّاسُ الهِلالَ، فَأَخْبَرْتُ رسولَ الله ﷺ أنِّي رَأَيْتُهُ، فَصَامَ، وَأَمَرَ النَّاس بِصِيامِهِ.
"وعن ابن عمر أنه قال: تراءى الناس الهلال": الترائي: أن يرى بعضُ القوم بعضاً، والمراد: اجتماعهم لطلب الهلال.
"فأخبرت النبي ﵊: أني رأيته، فصام، وأمر الناس بصيامه".
* * *
فصل
(فصل)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٤٠٧ - عن أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "تَسَحَّرُوا، فإنَّ في السُّحُورِ بَرَكةٌ".
"من الصحاح":
" عن أنس أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: تسحَّروا"؛ أي: كلوا الطعام في السحر، وهو ما قَبْل الصبح.
"فإن في السَّحور": وهو بفتح السين: ما يُتسحَّر به، وبضمها: المصدر والفعل نفسه.
"بركة": وهي الزيادة في الخير، وهذه الزيادة تكون في قوة البدن على المعنى الأول، وفي الثواب على المعنى الثاني؛ لأن الأجر في الفعل بإتيان السنة، لا بنفس الطعام.
* * *
стр. 1051
١٤٠٨ - وقال: "فَصْلُ ما بَيْنَ صِيامِنَا وصِيامِ أَهْلِ الكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ"، رواه عَمْرو بن العاص.
"عن عمرو بن العاص أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: فَصْلُ ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب": الفصل بالصاد المهملة: الفرق.
"أكَلَةُ السَّحر" بضم الهمزة: اللقمة؛ يعني: كان الطعام والشراب والجماع حراماً على بني إسرائيل ليلة صيامهم بعد النوم، وكذا كان الحكم في بدء الإسلام، ثم أذن الله بهذه الأشياء ما لم يطلع الصبح.
* * *
١٤٠٩ - وقال: "لا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ ما عَجَّلُوا الفِطْرَ"، رواه سَهْل بن سَعْد.
"عن سهل بن سعد أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا يزال الناس بخيرٍ ما عجَّلوا الفطرَ": (ما) للدوام؛ أي: ما داموا يحفظون هذه السنة، وهذا لأن في تعجيل الفطر مخالفةَ أهل الكتاب؛ فإنهم يؤخِّرونه إلى اشتباك النجوم.
* * *
١٤١٠ - وقال: "إذا أَقبلَ اللَّيْلُ مِنْ هَاهُنَا، وأَدْبَرَ النَّهَارُ مِنْ هَاهُنَا، وغَرَبَتِ الشَّمْسُ؛ فَقَدْ أَفْطَرَ الصَّائِمُ".
"وعن عمر ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا أقبل الليل من هاهنا": إشارة إلى المشرق؛ لأن الظلمة تظهر أولاً من ذلك
стр. 1052
الجانب، "وأدبر النهار"؛ أي: ذهب ضوؤه "من هاهنا" إشارة إلى المغرب، "وغربت الشمس": هذا لبيان كمال الغروب؛ لئلا يُظَنَّ جوازُ الإفطار بغروب بعض الشمس.
"فقد أفطر الصائم"؛ أي: صار مفطراً حُكماً، وإن لم يفطر حساً، بدليل أنه يحتاج إلى نية صوم الغد، وإن لم يأكل ولم يشرب شيئاً.
* * *
١٤١١ - وقال أبو هريرة ﵁: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عَنِ الوِصَالِ في الصَّوْمِ، فقالَ لَهُ رَجُلٌ: إنَّكَ تُواصِلُ يا رسُولَ الله!، قال: "وَأَيُّكُمْ مِثلي؟، إنِّي أَبيتُ عِنْدَ رَبي يُطْعِمُني ويَسْقِينِي".
"وقال أبو هريرة: نهى النبي ﵊ عن الوِصالِ في الصوم": وهو تتابع الصوم من غير إفطار بالليل، نهى النبي ﵊ عنه؛ لإضعافه، وللعجز عن المواظبةِ على كثير من وظائف العبادات.
"فقال له رجل: إنك تواصل يا رسول الله؟ قال: وأيكم مثلي؟ إني أبيتُ يطعمني ربي ويسقين"؛ أي: يعينني على الصوم، ويعطيني القوة على الوصال، فيكون ذلك لي بمنزلة الطعام والشراب لكم.
أو المراد: يؤتى على الحقيقة بطعام وشراب يطعمهما؛ تكريماً وتشريفاً له.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٤١٢ - عن حَفْصَة ﵂، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ لَمْ يُجْمِعِ الصِّيامَ مِنَ اللَّيْلِ قَبْلَ الفَجْرِ فَلَا صِيَامَ لَهُ"، ويُروى موقوفاً على حَفْصَةَ.
стр. 1053
"من الحسان":
" عن حفصة، عن النبي ﵊ أنه قال: مَنْ لم يُجمِعِ الصيامَ"؛ أي: لم يعزمه؛ يعني: من لم ينوِ الصومَ.
"قبل الفجر، فلا صيامَ له": اتفقوا على أن الصوم المفروض قضاءً وكفارةً ونذراً مطلقاً لا يصحُّ بدون النية قبل الفجر، وكذا صوم رمضان والنذر المعين عند الشافعي وأحمد، وعند أبي حنيفة يجوز نيته بعد الصبح وقبل الزوال.
"ويروى موقوفاً على حفصة" ﵂.
* * *
١٤١٣ - وقال: "إذا سَمِعَ النِّدَاءَ أَحَدُكُمْ والإناءُ في يَدِهِ؛ فلا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضيَ حاجَتَهُ مِنْهُ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا سمع النداء"؛ أي: أذان الصبح.
"أحدكم والإناء في يده فلا يضعه"؛ أي: الإناء بسماع النداء "حتى يقضي حاجته منه" بالأكل والشرب، وهذا إذا لم يعلم طلوع الصبح، وأما إذا علم أنه قد طلع أو شك فلا.
* * *
١٤١٤ - وقال: "قال الله تعالى: أَحَبُّ العِبادِ إليَّ أَعْجَلُهُمْ فِطْراً".
"عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: قال الله ﵎: أحبُّ عبادي إليَّ أعجلهم فطراً"؛ أي: أكثرهم تعجيلاً في الإفطار، ولعل سبب محبته تعالى إياه؛ لطاعته سنة رسول الله صلى الله تعالى
стр. 1054
عليه وسلم؛ ولأنه إذا أفطر قبل الصلاة يؤدِّيها عن حضور قلب وطمأنينة نفس، ومن كان بهذه الصفة، فهو أحبُّ إلى الله تعالى ممن لم يكنْ كذلك.
* * *
١٤١٥ - وقال: "إذا أَفْطَرَ أَحَدُكم فَلْيُفْطِرْ على تَمْرٍ، فَإِنَّهُ بَرَكةٌ، فإنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيُفْطِرْ على ماءٍ، فإنَّهُ طَهُورٌ".
"وعن سلمان بن عامر أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا أفطر أحدكم، فليفطرْ على تمر؛ فإنه بركة": فالأولى أن تحال علته إلى النبي ﷺ ، وأما ما يجري في الخاطر أن التمر حلو وقوت، والنفس قد تعبت بمرارة الجوع، فأمر الشارعُ إزالة هذا التعب بشيء هو قوت وحلو.
"فإن لم يجد فليفطرْ على ماء؛ فإنه طهور" يزيل أيضاً تعب العطش عن النفس.
* * *
١٤١٦ - وقال أَنسٌ: كانَ النَّبيّ ﷺ يُفْطِرُ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى رُطَبَاتٍ، فَإِنْ لم تَكُنْ فَتُمَيْرَاتٍ، فإنْ لَمْ تَكُنْ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ ماءٍ"، غريب.
"وقال أنس: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يفطرُ قبل أن يصليَ على رُطَبات، فإن لم تكن فتُمَيْرات، فإن لم تكن حَسَا حَسَواتٍ من ماء"؛ أي: يشرب شربات من ماء.
"غريب".
* * *
١٤١٧ - عن زيد بن خالد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ فَطَّرَ صائِماً
стр. 1055
أو جَهَّزَ غَازِياً فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِه"، صحيح.
"وعن زيد بن خالد أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من فطَّر صائماً"؛ أي: جعله مفطراً؛ يعني: من أطعم صائماً.
"أو جهَّز غازياً"؛ أي: هيَّأ أسبابه من السلاح والفرس والنفقة، "فله مثل أجره".
"صحيح".
* * *
١٤١٨ - عن ابن عمر قال: كانَ النبيُّ ﷺ إذا أَفْطَرَ قال: "ذَهَبَ الظَّمَأُ، وابْتَلَّتِ العُرُوقُ، وثَبَتَ الأَجْرُ إنْ شَاءَ الله تعالى".
"عن ابن عمر أنه قال: كان رسول الله ﵊ إذا أفطر قال: ذهب الظمأ"؛ أي: زال العطش الذي كان بي.
"وابتلت العروق": بزوال اليبوسة الحاصلة بالعطش؛ أي: زال التعب.
"وثبت الأجر"؛ أي: حصل الثواب.
"إن شاء الله تعالى": وهذا حثٌّ على العبادات؛ فإن التعبَ يسير؛ لذهابه وزواله، والأجرَ كثير؛ لبقائه وثباته.
* * *
١٤١٩ - ورُوي: أن النبيَّ ﷺ كانَ إذَا أَفْطَرَ قال: "اللهمَّ لكَ صُمْتُ، وعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ".
"وعن ابن عباس أنه قال: إن النبي ﵊ كان إذا أفطر قال: اللهم لك صمتُ"؛ يعني: لم يكن صومي رياء، بل كان خالصاً.