Полный текст (3 421 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
١٢٩٨ - وقال النبي ﷺ : "مَنْ سأَلَ النَّاسَ أَموالَهم تَكَثُّراً؛ فإنَّما يَسألُ جَمراً، فليَستَقِلَّ أو ليَسْتكْثِر".
"عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من سأل الناس": نصبه بنزع الخافض، أو على أنه مفعول به.
"أموالهم": بدل اشتمال منه.
"تكثُّراً": مفعول له؛ أي: ليكثر ماله، لا للاحتياج.
"فإنما يسأل جمراً"؛ أي: نار جهنم؛ يعني: ما أخذه سبب للعقاب بالنار، إنما جعله جمراً للمبالغة، ويجوز أن يكون جمراً حقيقة يعذب به، كما ثبت في مانعي الزكاة.
"فليستقلَّ، أو ليستكثر": وهذا توبيخٌ له.
١٢٩٩ - وقال: "ما يَزالُ الرَّجلُ يَسْأَلُ الناسَ حتى يأتيَ يومَ القِيامةِ ليسَ في وجْههِ مُزْعَةُ لحمٍ".
"عن عبد الله بن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مُزْعَةُ لحم" بضم الميم: القطعة اليسيرة من اللحم، وذلك إما ليكون علامة له يعرفه الناس بتلك العلامة أنه كان يسأل الناس في الدنيا، أو إذلالاً له، كما أذل نفسه في الدنيا، وأراق ماء وجهه بالسؤال.
١٣٠٠ - وقال: "لا تُلْحِفوا في المَسأَلةِ، فوالله لا يَسألُني أَحَدٌ منكُم
стр. 982
شيئًا فتُخرِجُ له مَسأَلتُه منِّي شيئاً وأَنا لهُ كارِهٌ، فيُبارَكَ لهُ فيما أَعطيتُهُ".
"وعن معاوية أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تُلحِفوا في المسألة": [من] الإلحاف، وهو: الإلحاح، والمسألة مصدر بمعنى: السؤال.
"فوالله لا يسألني أحد منكم شيئاً، فتُخرِج له مسألتُهُ مني شيئاً وأنا له كارهٌ": الواو فيه للحال.
"فيبارك": بالنصب جواباً للنفي؛ أي: فلا يبارك له.
"فيما أعطيته": على تقدير الإلحاف في المسألة.
١٣٠١ - وقال: "لأَنْ يأخُذَ أحدكُم حَبْلَهُ فيأتيَ بحِزْمَةِ حطَبٍ على ظَهْرِه، فيبيعَها، فيَكُفَّ الله بها وجْههُ؛ خَيْرٌ له مِنْ أَنْ يَسأَلَ الناسَ أَعطَوهُ أو مَنَعوه".
"وعن أبي هريرة ﵁، وزُبيرِ بن العوَّام: أنهما قالا: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لأنْ يأخذَ أحدكم حبله، فيأتي بحزمة حطب على ظهره": الحزمة بضم الحاء: قدر ما يُحمَلُ بين العضدين والصدر، وتستعمل فيما يحمل على الظهر من الحطب.
"فيبيعها": منصوب على تقدير (أن)؛ أي؛ فإن يبيع تلك الحزمة.
"فيكفُّ الله بها وجهه"؛ أي: يمنع بسببها إراقة ماء وجهه بالسؤال.
"خير له من أن يسأل الناس؛ أعطوه أو منعوه".
١٣٠٢ - وقال حَكِيْمُ بن حِزَامٍ: سألتُ رسولَ الله ﷺ فأَعطاني، ثم سألتُه فأعطاني، ثم قال لي: "يا حَكِيْمُ!، إن هذه المَال خَضرةٌ حُلْوٌ، فمن أخذَه
стр. 983
بِسَخَاوَةِ نفْسٍ بُورِكَ له فيه، ومَنْ أَخذَه بإشرافِ نفْسٍ لم يُبارَكْ له فيه، وكان كالذي يأكْلُ ولا يَشْبَعُ، واليدُ العُليا خيرٌ من اليَدِ السُّفْلى"، قالَ حكيم: فقلت: يا رسولَ الله!، والذي بعثَكَ بالحقِّ لا أَرْزَأُ أَحَداً بعدَك شيئاً حتى أُفارقَ الدُّنيا".
"وقال حكيم بن حزام: سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأعطاني، ثم سألت فأعطاني، ثم قال لي: يا حكيم! إن هذا المال خَضرٌ" بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين: وهو الطري الناعم.
"حُلو" بضم الحاء: هو ما يميل إليه الطبع السليم.
وقيل: الخضر يكون في العين طيباً، والحلو يكون في الفم طيبًا، ولا، حملَّ العينُ من النظر إلى الخضر، ولا يملُّ الفم من أكل الحلو، فكذلك النفس حريصة بجمع المال لا تمل منه.
"فمن أخذه بسخاوة نفس"؛ أي: نفس المعطي واختياره من غير حرص من السائل، بحيث لو لم يعطه لتركه، ولم يسأله، أو المراد: نفس السائل، بأن يكون ذلك كناية عن عدم الإلحاح، أو عن إنفاق الصدقة وعدم مسكها.
"بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس"؛ أي: بطمع النفس والتطلع إليه.
"لم يبارك له فيه، وكان"؛ أي: السائل الآخذ للصدقة في هذه الصورة.
"كالذي يأكل، ولا يشبع": وهذا مرض عظيم ومصيبة جسيمة، وقيل: تشبيه بالبهيمة التي ترعى.
"واليد العليا": وهي المعطية.
"خيرٌ من السفلى": وهي الآخذ السائلة، وقيل: السفلى المانعة.
"قال حكيم: فقلت: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق، لا أرْزَأُ أحداً"؛ أي: لا أنقص مال أحد بالسؤال والأخذ منه.
стр. 984
"بعدك"؛ أي: بعد سؤالك هذا شيئًا.
"حتى أفارق الدنيا"؛ يعني: لا أسأل أحداً بعد هذه المرة إلى أن أموت.
١٣٠٣ - وقال: "اليدُ العُليا خيرٌ من اليدِ السُّفلى".
١٣٠٤ - "واليدُ العُليا هي المنفقةُ، والسُّفلى السَّائلة".
"وعن ابن عمر ﵁ أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال وهو على المنبر، وهو يذكر الصدقة والتعفف عن المسألة قال: اليد العليا خير من اليد السفلى، والعليا هي المنفقة، والسفلى هي السائلة".
١٣٠٥ - وقال أبو سعيد: إنَّ أُناساً من الأَنصارِ سأَلوا رسولَ الله ﷺ ، فأَعطاهُم، ثمَّ سألوه فأَعطاهم، حتَّى نَفِذَ ما عندَه، فقال: "ما يكونُ عِنْدي مِنْ خَيرٍ فلَنْ أَدَّخرَه عنكُم، ومَن يَستعِفَّ يُعِفُّه الله، ومن يَستَغْنِ يُغنِهِ الله، ومَن يَتَصبَّر يُصبره الله، وما أُعطيَ أحدٌ عطاءً خيراً وأَوسعَ مِن الصَّبر".
"وقال أبو سعيد الخدري ﵁: إن أناساً من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد ما عنده"؛ أي: فني.
"فقال: ما يكون عندي من خير": (ما) خبرية؛ أي: كل شيء لي من المال أعطيكم.
"فلن أدخره"؛ أي: لم أمنعه.
"عنكم، ومن يستعف": وفي بعض النسخ: (ومن يستعفف)، كلاهما
стр. 985
بمعنى؛ أي: يطلب العفة، وهي الكف عن الحرام.
"يعفه الله"؛ أي: يعطيه العفة؛ يعني: من قنع بأدنى قوت وترك السؤال، يُسهِّل عليه القناعة.
"ومن يستغن"؛ أي: يظهر من نفسه الغناء، ويترك السؤال.
"يغنه الله"؛ أي: يجعله غنياً.
"ومن يتصبر"؛ أي: أمر نفسه بالصبر، وكلَّفها عليه.
"يصبره الله"؛ أي: يسهِّل الصبر عليه.
"وما أعطي أحد عطاءً خيراً وأوسعَ عليه من الصبر"؛ لأن نفعه عام موجود في كل ما يشقُّ على النفس من الفقر والطاعات وغيرهما.
١٣٠٦ - قال عُمر بن الخَطَّاب ﵁؛ كانَ النبي ﷺ يُعطيني العَطاءَ، فَأقولُ: أَعطِهِ أفقرَ إليه منِّي، فقال: "خُذْهُ فتَمَوَّلْهُ، وتَصدَّقْ به، فما جاءَكَ مِنْ هذا المَالِ وأنتَ غَير مُشرِفٍ ولا سائِلٍ فَخُذْهُ، وما لا فلا تتبعه نفْسَكَ".
"وقال عمر بن الخطاب: كان النبي ﵊ يعطيني العطاء فأقول: أعطه أفقرَ"؛ أي: أحوج "مني إليه، فقال: خذه فتموَّله"؛ أي: أدخله في مالك.
"وتصدق به، فما جاءك من هذا المال": إشارة إلى جنس المال، أو إلى الذي أعطاه ﷺ .
"وأنت غيرُ مُشرِف"؛ أي: غير طامعٍ، ولا ناظرٍ إليه.
"ولا سائلٍ، فخذه"؛ أي: فاقبله، وتصدق به إن لم تكن محتاجاً.
"وما لا"؛ أي: وما لا يأتيك بلا سؤال.
стр. 986
"فلا تتبعهُ نفسَك"؛ أي: فلا تجعل نفسك تابعة له، ولا توصل المشقة إليها في طلبه.
مِنَ الحِسَان:
١٣٠٧ - قال رسول الله ﷺ : "المَسائلُ كُدُوحٌ يَكدَحُ بها الرجلُ وجههُ، إلا أنْ يَسأَلَ ذا سُلْطانٍ، أو في أَمرٍ لا يَجدُ منه بُدًّا".
"من الحسان":
" عن سمرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: المسائلُ": جمع مسألة بمعنى: السؤال.
"كَدوحٌ": بفتح الكاف بناء مبالغة من (الكدح)، وهو: الجرح.
وقيل: الكدح: كل أثر من خدش، أو عض، والجمع كُدوح بضم الكاف.
"يكدح بها الرجل وجهه" يعني: يريق بالمسألة ماء وجهه، فكأنه جرحه.
"إلا أن يسأل ذا سلطان"؛ أي: ذا حكم وملك بيده بيت المال، فيعطيه منه إن كان مستحقاً.
"أو في أمر لا يجد منه بداً": كالمذكورين في حديث قَبيصة.
١٣٠٨ - وقال: "مَن سألَ الناسَ ولهُ ما يُغنيهِ جاءَ يومَ القيامةِ ومَسْأَلتُه في وجْهِهِ خُمُوشٌ، أو خُدُوشٌ، أو كُدُوحٌ"، قيل: يا رسولَ الله!، وما يُغْنيهِ؟، قالَ: "خمسونَ دِرهماً، أو قِيْمتُها مِنَ الذَّهَبِ".
стр. 987
" عن عبد الله بن مسعود أنه قال: قال رسول الله ﷺ وسلم: من سأل الناس وله ما يغنيه جاء يوم القيامة في وجهه خُموش": جمع خمش، "أو خُدوش": جمع خدش، "أو كدوح": جمع كدح؛ بمعنى واحد، وهو علامة مثل الجراحة.
قيل: الخمش جراحة في اللحم، والخدش في الجلد، والكدح فوق الجلد.
قيل: (أو) هذه للشك من الراوي، ويجوز أن يكون الكل من النبي ﵊ على سبيل الترتيب بين منازلَ السائلين في الذل والهوان لمَّا كانوا متفاوتين في السؤال على ثلاثة مراتب؛ مستقل، ومتوسط، ومستكثر.
"قيل: يا رسول الله! وما يغنيه؟ قال: خمسون درهمًا، أو قيمتها من الذهب": وهذا يدل على أن مَنْ ملك خمسين درهمًا، أو مثلها من جنس آخر، فهو غنيٌّ لا تحل له المسألة.
* * *
١٣٠٩ - وقال: "مَنْ سأَلَ وعنده ما يُغنيهِ فإنما يستكثر من النارِ"، قالوا: يا رسول الله، وما يُغنيهِ؟، قال: " قدرُ ما يُغديِّه، أو يُعشِّيه".
وفي روايةٍ: "شِبَعُ ليلةٍ ويومٍ".
وقال: "مَنْ سأَلَ منكم وله أُوقَّيةٌ أو عِدْلُها؛ فقد سأَلَ إلْحافًا".
"وعن سهل بن الحنظلية أنه قال: قال رسول الله ﷺ وسلم: من سأل الناس وعنده ما يغنيه فإنما يستكثر من النار"؛ يعني: من جمع أموال الناس بالسؤال من غير ضرورة، فكأنه يجمع لنفسه نار جهنم.
стр. 988
"قالوا: يا رسول الله! وما يُغنيه؟ قال: قدر ما يُغدِّيه"؛ أي: يطعمه طعام غدائه.
"ويُعشِّيه"؛ أي: يطعمه طعام عشائه؛ يعني: من كان له قوت هذين الوقتين لا يجوز له أن يسأل في ذلك اليوم صدقة التطوع.
"وفي رواية: شبْع يوم وليلة": بسكون الباء: ما يشبع، وبفتحها المصدر.
"عن عطاء، عن رجل من بني أسد أنه قال: قال رسول الله ﵊: من سأل منكم وله أوقية"؛ أي: أربعون درهمًا "من الفضة، أو عدلها"؛ أي: مثلها من ذهب، أو مال آخر.
"فقد سأل إلحافاً"؛ أي: إلحاحًا من غير اضطرار، وهذا في حقِّ من يكفيه أربعون درهمًا.
* * *
١٣١٠ - وقال: "إنَّ المَسأَلةَ لا تَحِلُّ لغنيٍّ، ولا لذي مِرَّةٍ سَوِيٍّ إلا لذي فَقْرٍ مُدْقعٍ، أو لذي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، ومَنْ سألَ الناسَ ليُثريَ بهِ مالَه كانَ خُموشًا في وجههِ يومِ القيامةِ، ورَضْفًا يأْكلُه مِن جهنمَ، فمن شاءَ فليُقِلَّ، ومن شاءَ فليُكثر".
"عن حُبْشِي بن جنادة ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن المسألة لا تحل لغنيٍّ، ولا لذي مرة سويٍّ": مرَّ معناهما.
"إلا لذي فقر مُدقع": وهو الفقر الشديد المفضي بصاحبه إلى الدقعاء، وهي التراب؛ أي: الالتصاق به لشدته؛ يعني: لا يكون عنده ما يُستَرُ به.
"أو لذي غرم مفظع": وهو الدين الشديد الشنيع المثقل.
هذا لفظ الحديث، لكن الحكم جواز السؤال لأداء الدَّين، وإن كان
стр. 989
قليلًا، فتحل له الصدقة، فيعطى من سهم الغارمين.
"ومن سأل الناس ليثريَ به"؛ أي: بالسؤال.
"ماله": يقال: أثرى الرجل: إذا أكثر ماله.
"كان خُموشًا في وجهه يوم القيامة، ورَضْفًا": وهو الحجر المحمي.
"يأكله من جهنم": والمراد به التحريق.
"فمن شاء فليُقلَّ، ومن شاء فليُكثر".
* * *
١٣١٢ - ويُروى: "إنَّ المَسألةَ لا تَصلُحُ إلا لثَلاثةٍ: لذي فَقْرٍ مُدْقِع، أو لِذِيْ كُرْمٍ مُفْظِعٍ، أو لذي دَمٍ مُوجِعٍ".
"وعن أنس ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﵊ إن المسألة لا تصلح إلا لثلاثة: لذي فقر مُدقعٍ، أو لذي غرم مُفظِعٍ، أو لذي دم مُوجِعٍ": وهو المتحمل دية عمن ليس له ولا لأوليائه مالٌ، ولم تؤدَّ أيضًا من بيت المال، فيجوز لشخص السعي فيها والسؤال لها؛ ليؤديها إلى أولياء المقتول لتنقطع الخصومة، وإلا قتل المتحمل عنه، وهو أخوه، أو حميمه، فيوجعه قتله.
* * *
١٣١٣ - وقال: "مَن أصابَتهُ فاقةٌ فأنزلَها بالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فاقتُه، ومن أنزلَها بالله أَوْشَكَ الله له بالغِنى، إمَّا بموتٍ عاجِلٍ، أو غِنًى عاجِلٍ".
"وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: قال رسول الله ﷺ : من أصابته فاقة فأنزلها بالناس"؛ أي: عرضها لهم، وطلب منهم إزالة فقره.
стр. 990
"لم تسد فاقته"؛ أي: لم يزيلوا فقره، بل ليعرضِ العبد حالَهُ على الله تعالى، ويسأل منه قضاء حاجته.
"ومن أنزلها بالله"؛ أي: عرضَها له.
"أوشك الله"؛ أي: عجَّل له.
"بالغَنَاء": بفتح الغين والمد؛ أي: بالكفاية.
"إما بموت عاجل، أو غنى عاجل": بأن يعطيه مالًا يغنيه.
* * *
٦ - باب الإنفاق وكراهية الإمساك
(باب الانفاق وكراهة الإمساك)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٣١٤ - قال رسول الله ﷺ : "لو كان في مثلُ أُحُدٍ ذَهَباً لَيَسُرُّني أنْ لا يمُرَّ عليَّ ثلاثُ ليالٍ وعندي منه شيءٌ، إلا شيءٌ أَرْصُدُه لِدَيْنٍ".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة وأبي ذر ﵁: قالا: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لو كان في مثل أحد ذهبًا، لسرَّني أن لا يمرَّ علي ثلاث ليال وعندي منه شيء": الواو فيه للحال، يعني: لسرني عدم مرور ثلاث ليال، والحال أن تكون فيها شيء من الذهب عندي، وفي الحقيقة النفي راجع إلى الحال.
"إلا شيء أُرصده": بضم الهمزة؛ أي: أحفظه وأعده.
стр. 991
"لدين"؛ أي: لأداء دين كان علي؛ لأنَّ أداءَ الدين مقدَّمٌ على الصدقة.
* * *
١٣١٥ - وقال: "ما مِن يومٍ يُصبحُ العِبادُ فيه إلا مَلَكانِ ينزِلانِ فيقول أحدُهما: اللهمَّ أَعْطِ منفِقًا خلَفًا، ويقولُ الآخرُ: اللهمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تلَفًا".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان، فيقول أحدهما" لمن أنفق ماله في الخيرات، ولم يمسكه: "اللهم أعط منفقًا خَلَفًا"؛ أي: عوضًا صالحًا.
"ويقول الآخر" لمن لم ينفق فيها: "اللهم أعط ممسكاً تلفًا".
* * *
١٣١٦ - وقال ﷺ لأسماء: " أَنفِقِيْ، ولا تُحصِي، فيُحصِيَ الله عليكِ، ولا تُوعِيْ فيُوعِيَ الله عليكِ، ارْضَخِي ما استطعتِ".
"وعنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ لأسماء" بنت أبي بكر ﵄: "أنفقي، ولا تُحصي"؛ أي: ولا تبقي شيئًا للادخار، فإن من أبقى شيئًا يحصيه.
وقيل: معناه: لا تعدي ما أنفقته، فتستكثريه، فيكون ذلك سببًا لانقطاع إنفاقك.
"فيحصيَ الله عليك": بالنصب جوابًا للنفي؛ أي: فيقلل رزقك بقطع البركة عنه، أو يحاسبك عليه في الآخرة.
"ولا توعي"؛ أي: لا تحفظي فضلَ مالك في الوعاء؛ أي: الظرف.
стр. 992
"فيوعي الله عليك"؛ أي: فيمنع الله عليك نعمته وفضله، ويسدُّ عليك باب المزيد.
"ارضخي ما استطعت"؛ أي: أعطي شيئًا وإن كان يسيرًا، وإنما أمرها ﵊ بالرضخ لما عرف من حالها أنها لا تقدر أن تتصرف في مال زوجها بغير إذنه إلا في شيء يسير الذي جرت العادة بالتسامح من قبل الزوج كالكِسْرة والتمرة، والطعام الذي يفصّل في البيت ولا يصلح للادخار؛ لتسارع الفساد.
* * *
١٣١٧ - وقال: "قال الله تعالى: يا ابن آدمَ، أَنْفِقْ أُنفِقْ عليك".
"وعنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى: أنفق يا ابن آدم أُنفِقْ عليك"؛ أي: أعطي الناس ما رزقتك حتى أرزقك.
* * *
١٣١٨ - وقال: "يا ابن آدمَ، إنك أنْ تَبْذُلَ الفَضْلَ خيرٌ لك، وأَنْ تُمسِكَهُ شَرٌّ لك، ولا تُلامُ على كَفَافٍ، وابدأ بمَنْ تَعُولُ ".
"وعن أبي أمامة ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يا ابن آدم! إنك أنْ تبذلَ الفضل": (أن) مصدرية مبتدأة خبره "خير لك"؛ أي: بذلك الفضل خير لك.
"وأن تمسكه"؛ أي: ذلك الفضل "شرٌّ لك، ولا تلام على كفاف"؛ أي؛ لا لوم عليك على إمساك كفاف، وهو ما كف من الرزق عن مسألة الخلق، تكف به وجهك عن الناس، وإن حفظت أكثر من ذلك، ولم تتصدق بما فضل عنه، فأنت بخيل، والبخلُ مذموم.
стр. 993
"وابدأ بمن تعول"؛ أي: ابدأ في الإنفاق والإعطاء بمن تمون، وتلزمك نفقته من عيالك، فإن فضل شيء فأعطِ الأجانب.
* * *
١٣١٩ - وقال: "مثَلُ البَخيلِ والمُتصَدِّقِ: كمثَلِ رجلَينِ عليهما جُنَّتانِ من حديدٍ، قد اضْطُرَّت أَيديهِما إلى ثُدِيِّهِمَا وتَراقِيْهما، فجَعَلَ المتصدِّقُ كلَّما تَصَدَّقَ بصدقةٍ انبسطَتْ عنه، وجَعَلَ البخيلُ كلَّما همَّ بصدقةٍ قَلَصَتْ وأخذتْ كلُّ حلْقةٍ بمَكانِها".
"عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جُنَّتان "؛ أي: وقايتان من السلاح ساتران.
"من حديد": والمراد هنا: الدرع، كأنه أريد بهما صفتا البخل والتشدد، اللتان جُبلَ عليهما الإنسان.
"قد اضْطُرَّت"؛ أي: ضمت وشدت وعصرت.
"أيديهما إلى ثُديهما" بضم الثاء: جمع ثُدي، وهو جنبي الصدر.
"وتَراقيهما" بفتح التاء: جمع ترقوة، وهو أسفل الكتف، وفوق الصدر.
"فجعل"؛ بمعنى: طفق؛ أي: شرع، وأراد المتصدق "كلَّما تصدق بصدقة"، وانشرح صدره بخير صدر عنه، "انبسطت عنه"؛ أي: توسعت الجنتان عن المتصدق.
"وجعل البخيل كما همَّ بصدقة"؛ أي: قصد إليها.
"قلصت"؛ أي: انضمت الحلق بعضها ببعض واشتدت.
"وأخذت كل حلقة بمكانها": تلخيص المعنى: أن السخي إذا قصد
стр. 994
الصدقة سهل عليه، والبخيل عكسه.
* * *
١٣٢٠ - وقال: " اتقوا الظُّلمَ، فإن الظُّلمَ ظُلُماتٌ يومَ القيامةِ، واتقوا الشُّحَّ، فإن الشُّحَّ أَهْلَكَ من كان قبلَكم، فحملَهم على أَن يسفِكُوا دماءَهم، واستَحَلُّوا محارِمَهم".
"وقال صلى الله تعالى عليه وسلم: اتقوا الظلمَ؛ فإن الظلمَ ظلماتٌ يوم القيامة": والمراد بالظلمات هنا: الشدائد، كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣]؛ أي: شدائدهما.
"واتقوا الشح": قيل: الشح: بخل رجل من مال غيره، والبخل: هو المنع من مال نفسه، وقيل: البخل يكون في المال، والشح عام يكون في المال وفي غيره.
"فإن الشحَّ أهلكَ من كان قبلكم ": هلاكهم كونهم معذبين به، وهو يحتمل أن يكون في الدنيا، وأن يكون في الآخرة.
" حملهم على أن يسفكوا دمائهم ": إنما كان الشح سببًا لذلك؛ لأن في بذل الأموال ومواساة الإخوان التحابَّ والتواصلَ، وفي الإمساك والشح التهاجر والتقاطع، وذلك يؤدي إلى التحاجز والتغادر من سفك الدماء واستباحة المحارم.
* * *
١٣٢١ - وقال: " تصدَّقوا، فإنه يأْتي عليكم زمانٌ يَمْشي الرجلُ بِصدقتِهِ، فلا يجدُ من يَقبلُها، يقولُ الرجلُ: لو جئْتَ بها بالأَمسِ لَقَبلْتُها، فأما اليومَ فلا حاجةَ لي بها".
стр. 995
"عن حارثة بن وهب أنه قال: قال رسول الله ﷺ : تصدقوا فإنه يأتي عليكم زمان ": وهو زمان المهدي ونزول عيسى ﵇.
"يمشي الرجل بصدقته، فلا يجد من يقبلها، يقول الرجل: لو جئتَ بها بالأمس لقبلتها، فأما اليوم؛ فلا حاجةَ لي بها"؛ يعني: يصير الناس كلهم في ذلك الزمان راغبين في الآخرة تاركين الدنيا يقنعون بقوت يوم، ولا يدخرون المال.
* * *
١٣٢٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رجلٌ: يا رسولَ الله!، أَيُّ الصدقةِ أَعظمُ أجرًا؟، قال: "أنْ تَصَدَّق وأنتَ صحيحٌ شَحيحٌ تخشَى الفقرَ وتأمُلُ الغنى، ولا تُمهِلْ حتى إذا بلغتْ الحلقومَ قلتَ: لفُلان كذا، ولفُلانٍ كذا، وقد كانَ لفُلانٍ".
"عن أبي هريرة أنه قال: قال رجل: يا رسول الله! أيُّ الصدقة أعظم أجرًا؛ قال: أن تصدَّقَ": بحذف إحدى التاءين.
"وأنت صحيح شحيح": تأكيد للصحيح، والواو للحال؛ أي: في صحتك؛ لأن الرجل في حال الصحة يكون شحيحًا.
"تخشى الفقر"؛ أي: تقول في نفسك: لا تتلف مالك؛ لئلا تفسير فقيرًا، فتحتاج إلى الناس.
"وتأمُل الغني" بضم الميم؛ بمعنى: تطمع؛ أي: تقول: اترك مالك في بيتك؛ لتكون غنيًا، وتكون لك عزةً عند الناس بسبب غناك، فإن الصدقة في هذه الحال أفضل مراغمةٌ للنفس.
"ولا تُمهِلَ": بالنصب عطفًا على (أن تصدق)، وبالجزم على النهي؛
стр. 996
أي: ولا تؤخر الصدقة.
"حتى إذا بلغت الحلقوم": والمراد به أن تقرب الروح بلوغ الحلقوم.
"قلت" لو رثتك:
"لفلان كذا، ولفلان كذا": كناية عن الموصى له.
"وقد كان لفلان ": كناية عن الوارث؛ أي: والحال أن المال في تلك الحالة يكون متعلقا لورثتك، لا يجوز تصرفك فيما زاد على ثلث مالك.
* * *
١٣٢٣ - وعن أبي ذرٍّ قال: انتهيتُ إلى النبيَّ ﷺ وهو جالسٌ في ظِلِّ الكعبةِ، فلمَّا رآني قال: "هُمُ الأَخسرونَ وربِّ الكَعْبةِ"، فقلتُ: فِداكَ أَبي وأُمي، مَن هم؟، قال: "هم الأكثرونَ أموالاً إلا مَنْ قال هكذا وهكذا وهكذا من بينِ يديهِ، ومِن خلفِه، وعن يمييه، وعن شِمالِه، وقليلٌ ما هم".
"وعن أبي ذر أنه قال: انتهيت إلى النبي ﵊ وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رآني قال: هم الأخسرون ورب الكعبة": (هم) ضمير عن غير مذكور، لكن يأتي تفسيره، وهو قوله: هم الأكثرون.
"فقلت: فداك أبي وأمي! من هم؟ قال: هم الأكثرون أموالاً"؛ يعني: من كان ماله أكثر، يكون إثمه وخسرانه أكثر.
"إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا؛ من بين يديه، ومن خلفه، وعن يمينه، وعن شماله "؛ يعني: تصدق به في جوانبه الأربع من المحتاجين، والقول قد يُستعمَل في الفعل، فمن كان بهذه الصفة فليس من الخاسرين، بل هو من الفائزين.
"وقليل ما هم": (ما) زائدة، و (هم) مبتدأ خبره (قليل)؛ أي: من
стр. 997
يفعل كذلك قليل.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٣٢٤ - قال رسول الله ﷺ : "السَّخيُّ قريبٌ من الله قَريبٌ مِن الجنةِ قريبٌ من الناسِ بعيدٌ من النارِ، والبخيلُ بعيدٌ من الله بعيدٌ من الجنةِ بعيدٌ من الناسِ قريبٌ من النارِ، ولَجَاهِلٌ سَخيٌّ أحبُّ إلى الله من عابدٍ بخيلٍ".
"من الحسان":
" عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : السخيُّ قريبٌ من الله"؛ أي: من رحمته تعالى.
"قريبٌ من الجنة، قريبٌ من الناس، بعيدٌ من النار"؛ يعني: السخاوة خصلة محمودة عند الله، وعند الناس فلا شك هو مستحق الرحمة والحب من الله ومن الناس.
"والبخيل بعيد من الله، بعيد من الجنة، بعيد من الناس، قريب من النار، ولجاهل سخي": يريد بالجاهل هنا: ضد العابد؛ يعني: أن الرجل الذي يؤدي الفرائضَ دون النوافل، وهو سخي "أحبُّ إلى الله من عابد بخيل"؛ أي: من رجل يكثر النوافل وهو بخيل؛ لأن حبَّ الدنيا - أي: المال - رأس كل خطيئة.
* * *
١٣٢٥ - وقال: " لأَنْ يَتَصدَّقَ المرءُ في حياتِه بدِرْهمٍ؛ خيرٌ له مِن أنْ يتصدَّقَ بمائةٍ عندَ موتِه ".
"وعن أبي سعيد أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: لأنْ
стр. 998
يتصدَّقَ المرء في حياته بدرهم خيرٌ له من أن يتصدق بمئة عند موته"؛ لأن الصدقة في الصحة أشد على النفس من حال المرض، فلا جرمَ ثوابه أكثر.
* * *
١٣٢٦ - وقال: "مثَلُ الذي يتصدَّقُ عندَ موته أو يُعتِقُ كالذي يُهدي إذا شَبعَ"، صحيح.
"وعن أبي الدرداء أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: مثل الذي يتصدق عند موته أو يعتق، كالذي يهدي إذا شَبع"؛ أي: ليس له مزيدُ فضيلة؛ لأن الهدية حينئذ لا تكون شديدة على النفس، وإنما الفضيلة لمن يؤثر المحتاج على نفسه مع احتياجه، وقد أثنى الله تعالى على هؤلاء بقوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].
"صحيح ".
* * *
١٣٢٧ - وقال: "خَصْلَتانِ لا تَجتمعانِ في مُؤمنٍ: البُخلُ، وسُوءُ الخُلُقِ".
"عن أبي سعيد أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - خصلتان لا تجتمعان في مؤمن"؛ أي: في مؤمن كامل، خبر موصوف، والمبتدأ "البخل، وسوء الخلق"؛ أي: لا ينبغي أن يجتمعا فيه، أو المراد بلوغ النهاية فيهما بحيث لا ينفك عنهما، ولا ينفكان عنه.
* * *
١٣٢٨ - وقال: "لا يَجتمعُ الشُّحُّ والإيمانُ في قلْبِ عبدٍ أبدًا".
стр. 999
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: لا يجتمع الشحُّ والإيمانُ في قلب عبد أبدًا": هذا تهديد وزجر عن البخل، لا أنه ليس بمؤمن، أو المراد الإيمان الكامل.
* * *
١٣٢٩ - وقال: " لا يدخلُ الجنَّةَ خِبٌّ، ولا بَخيلٌ، ولا مَنَّان".
"وعن أبي بكر الصديق أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وسلم: لا يدخل الجنة خِبٌّ": بالفتح، وقد يكسر؛ أي: رجل خدَّاع مكَّار مفسد بين الناس.
"ولا بخيل، ولا منان": من المنة؛ لأنها تهدم الخير؛ أي: لا يدخل الجنة مع هذه الخصلة مع السابقين حتى يطهر منها؛ إما بالتوبة في الدنيا، أو بأن يعفو الله عنه، أو يمحص عنه آثار تلك الخصلة المذمومة بالعذاب.
* * *
١٣٣٠ - وقال: " شرُّ ما في الرجلِ شُحٌّ هالعٌ، وجبن خالعٌ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: شرُّ ما في الرجل شحٌّ هالعٌ": الهلع: أشد الجزع والضجر، وهو ضد الصبر؛ أي: بخل يجزع صاحبه عند إخراج الحق من ماله، وقيل: الهلع أشد الحرص.
" أو جبن خالع "؛ أي: خوف شديد، كأنه يخلع قلبه من شدة خوفه من المحاربة مع الكفار، ويمنعه من الدخول في الخيرات، وإنما قال في الرجل؛ لأن الشحَّ والجبن في المرأة ليس بمذموم.
* * *
стр. 1000
٧ - باب فضل الصدقة
(باب فضل الصدقة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٣٣١ - قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: " مَن تَصَدَّقَ بعِدْلِ تَمْرةٍ من كَسْبٍ طَيِّبٍ - ولا يقبلُ الله إلا الطيِّبَ - فإنَّ الله يتقبَّلُها بيمينِهِ، ثم يُرَبيها لصاحِبها كما يُرَبي أحدكم فَلُوَّه حتى تكونَ مِثْل الجَبَلِ ".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: من تصدَّق بعدل تمرة": عدل الشيء - فتحًا وكسرًا -: مثله، وقيل: بالفتح: ما يعادله من غير جنسه، وبالكسر: من جنسه، وقيل بالعكس؛ يعني: من تصدق بتمرة أو مثلها "من كسب طيب"؛ أي: حلال.
"ولا يقبل الله إلا الطيب": جملة معترضة بين الشرط والجزاء، وفيه إشارة إلى أن غيرَ الحلال غيرُ مقبولة، وأن الحلالَ المكتسبَ يقع بمحلٍّ عظيم.
"فإن الله تعالى يتقبلها بيمينه": كناية عن حسن قَبولها، والرضاء بها؛ لأن الشيء المرضي يُتلقَّى باليمين في العادة.
"ثم يربيها لصاحبها": تربيها كناية عن زيادتها؛ أي: يزيدها، أو يعظم ذاتها حتى تثقل في الميزان.
"كما يربي أحدكم فَلُوَّهُ": بفتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو: المهر الصغير، وهذا تمثيل لزيادة التفهيم، خصه به لأن زيادته بينة.
стр. 1001
"حتى تكون مثل الجبل": ذكر التربية في الصدقة دون غيرها من العبادات إشارًة إلى أنها - فريضة كانت، أو نافلة - أحوجُ إلى تربية الله؛ لثبوت نقيصة فيها بسبب حب الطبع الأموال.
* * *
١٣٣٢ - وقال: "ما نقصَتْ صدَقةٌ مِنْ مالٍ، وما زادَ الله عبْدًا بعفْوٍ إلا عِزًا، وما تَواضَعَ أَحَدٌ للهِ إلا رَفَعهُ الله".
"عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما نقصت صدقة من مال ": (ما) نافية، و (من) إما للتبعيض، أو للتبيين، أو زيادة؛ أي: ما نقصت صدقة بعض مال أو شيئًا من مال أو مالًا، بل تزيد أضعاف ما يعطي منه.
"وما زاد الله عبدًا بعفو": الباء للسببية؛ أي: بسبب أن يعفو ذلك العبد عمن ظلم عليه مع قدرته على الانتقام منه.
"إلا عزًا"؛ أي: زاد عزًا ورفعة.
"وما تواضَع أحدٌ لله إلا رفعه الله ".
* * *
١٣٣٣ - وقال: "مَن أَنْفَقَ زَوجَينِ من شيءٍ من الأشياءِ في سبيلِ الله دُعِيَ من أَبوابِ الجنةِ، وللجنةِ ثمانية أبوابٍ، فمَن كانَ مِن أهلِ الصلاةِ، دُعيَ من بابِ الصلاةِ، ومَن كانَ مِن أَهلِ الجهادِ دُعيَ من بابِ الجهادِ، ومَن كان من أهلِ الصدقةِ دُعي من باب الصَّدَقةِ، ومَنْ كانَ مِن أهلِ الصِّيامِ دُعي من بابِ الرَّيانِ"، فقالَ أبو بَكْرٍ: ما على مَن دُعيَ من تلكَ الأبوابِ مِن ضرورةٍ، فهل
стр. 1002
يُدعَى أحدٌ من تلك الأبواب كلِّها؟، قال: " نعم، وأَرجُو أنْ تكونَ مِنْهم".
"عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: من أنفق زوجين من شيء من الأشياء": الزوج يطلق على الاثنين وعلى واحد منهما؛ لأنه زوجٌ مع آخر، وهو المراد هنا؛ لما جاء في بعض الروايات أنه قيل: يا رسول الله! وما الزوجان؟ قال: "فرسان، أو عبدان، أو بعيران من إبله".
"في سبيل الله"؛ أي: في وجوه الخير.
"دعي من أبواب الجنة، وللجنة ثمانيةُ أبواب، فمن كان من أهل الصلاة"؛ أي: من كان يكثر صلاة النافلة، "دُعِي من باب الصلاة"؛ أي: ينادى من بابها إلى دخول الجنة.
"ومن كان من أهل الجهاد، دُعِي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة، دُعِي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام، دُعِي من باب الريان": وهو ضد العطشان، اسمٌ لباب من أبواب الجنة.
والمعنى: أن أهل الصيام بتعطيشهم أنفسهم في الدنيا يدخلون من باب الريان، ويسقون من ذلك الباب شرابًا طهورًا قبل تمكنهم في الجنة؛ ليزولَ عطشهم.
"فقال أبو بكر ﵁: ما على من دُعِي من تلك الأبواب من ضرورة": (ما) نافية، و (من) في (من ضرورة) زائدة؛ أي: ليس على أحد يدعى من باب من تلك الأبواب ضرورة واحتياج إن لم يدع من سائرها؛ لحصول مراده، وهو دخول الجنة.
"فهل يُدعى أحدٌ من تلك الأبواب كلها؟ قال: نعم": تكون جماعة كثيرة يدعون من جميع الأبواب؛ لكثرة صلاتهم وجهادهم وصيامهم وغير ذلك من أبواب الخير.
стр. 1003
"وأرجو أن تكون" أنت يا أبا بكرًا "منهم": وفي قوله: (أرجو) إشارة إلى أن ثواب الأعمال ينبغي أن لا يجزم به، بل يُرجى أن يوصل إليه لخفاء مقبوليتها.
* * *
١٣٣٤ - وعن أبي هُريرة ﵁ قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: "من أَصْبَحَ منكُم اليومَ صائمًا؟ "، قال أبو بكر: أنا، قال: " فمَن تبعَ منكُم اليومَ جنازةً؟ "، قال أبو بكر: أنا، قال: " فمَن أَطعمَ منكُم اليومَ مِسْكينًا؟ "، قال أبو بكر: أنا، قال: "فمَن عادَ منكم اليومَ مَريضًا؟ "، قال أبو بكر: أنا، فقال رسولُ الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: "ما اجتَمَعْنَ في امرئٍ إلا دخَلَ الجنَّةَ".
"عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: من أصبح منكم اليوم صائمًا؟ ": (من) استفهامية، و (أصبح) بمعنى: صار، وخبره (صائمًا)، أو بمعنى: دخل في الصباح، فتكون تامة، و (صائمًا) حال عن ضميره.
"قال أبو بكر: أنا، قال "؛ أي: النبي ﵊: "فمن تبعَ منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا، قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؛ قال أبو بكر: أنا، قال: فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟ قال أبو بكر: أنا، قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: ما اجتمعنَ"؛ أي: هذه الخصال المذكورة على الترتيب المذكور في يوم واحدًا "في امرئ إلا دخل الجنة": قيل: معناه بلا محاسبة، وإلا فمجرد الإيمان يكفي بمطلق الدخول.
* * *
١٣٣٥ - وقال: "اتَّقُوا النارَ ولو بِشِقِّ تَمْرةٍ، فإنْ لم تَجدْ فبكلِمةٍ طَيِّبةٍ".
стр. 1004
"وعن عدي بن حاتم أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه - وسلم: اتقوا النار"؛ أي: ادفعوها عن أنفسكم بالخيرات، "ولو بشق تمرة"؛ أي: ولو كان الانتقاء بتصدُّقِ [بـ] بعض تمرة؛ يعني: لا تستقلُّوا شيئًا من الصدقة.
"فإن لم تجدوا فبكلمة طيبة"؛ أي: فليتقِ منها بقولِ حسن يُطيِّبُ به قلب المسلم.
* * *
١٣٣٦ - وقال: "يا نساءَ المُسلِماتِ، لا تحقِرَنَّ جارةٌ لِجَارتها ولو فِرْسِنَ شاةٍ".
"عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: يا نساء المسلمات": بنصب (نساء) وجر (المسلمات)؛ أي؛ يا نساء الطوائف المسلمات.
"لا تحقِرَنَّ جارةٌ لجارتها": قيل: جارة المرأة امرأة زوجها.
"ولو كان فرسِنَ شاة"؛ أي: ظلفها هدية؛ يعني: لا تمنع إحداكن من الهدية لجارتها احتقارًا للموجود عندها، ويجوز أن يكون الخطاب لمن أُهدِي إليهن، فالمعنى: لا تحقرن إحداكن هدية جارتها، بل تقبلها وإن كانت قليلةً.
وفيه حثٌّ على الهدية واستجلاب القلوب.
* * *
١٣٣٧ - وقال: " كلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقةٌ".
"عن جابر وحذيفة أنهما قالا: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه - وسلم: كل معروف"؛ أي: ما عُرِفَ فيه رضاء الله من الأقوال والأفعال.
стр. 1005
"صدقة"؛ أي: ثوابه كثواب الصدقة.
* * *
١٣٣٨ - وقال: "لا تحقِرَنَّ من المَعْروفِ شيئًا ولو أَنْ تَلقَى أخاكَ بوَجْهٍ طَلِيقٍ".
"عن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: لا تحقرنَّ من المعروف شيئًا، ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق": وهو الذي فيه البشاشة والسرور، فإنه يصل إلى قلبه سرور، ولا شكَّ أن إيصالَ السرور إلى قلوب المسلمين حسنة.
* * *
١٣٣٩ - وقال: "على كلِّ مُسلِمٍ صدَقةٌ"، قالوا: فإن لم يجدْ؟، قال: "فيعملُ بيدَيهِ، فينفعُ نفسَه، ويتصدَّقُ"، قالوا: فإنْ لم يستطِعْ أَوْ لم يفعلْ؟، قال: فلْيُعِنْ صاحِبَ الحاجةِ المَلْهُوف"، قالوا: فإنْ لم يفعلْ؟ قال: "فليَأمُرْ بالخَيرِ"، قالوا: فإن لم يفعل؟، قال: "فليُمْسِكْ عَن الشَّرِّ، فإنَّه له صدَقةٌ".
"وعن أبي موسى أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: على كلِّ مسلم صدقة": شكرًا لنعمة الله عليه.
"قالوا: فإن لم يجد"؛ أي: ما يتصدق به.
"قال: فليعمل بيديه"؛ أي: فليكتسبْ مالًا بعمل يديه.
"فينفع نفسَه ويتصدَّق، قالوا: فإن لم يستطع أو لم يفعل؟ قال: فيعين ذا الحاجة الملهوف"؛ أي: المحزون المتحير في أمره.
"قالوا: فإن لم يفعله؟ قال: فيأمر بالخير، قالوا: فإن لم يفعل؟ قال:
стр. 1006
فليمسكْ عن الشر؛ فإنه"؛ أي: الإمساك عن الشر "له صدقة": يتصدق به على نفسه؛ لأنه إذا أمسك عنه لله تعالى، كان له أجرٌ على ذلك، كما أن للمتصدق بالمال أجرًا.
* * *
١٣٤٠ - وقال: "كلُّ سُلامَى من الناسِ عليهِ صدقةٌ، كلَّ يومٍ تطلُعُ فيه الشَّمسُ يعدِلُ بين الاثنينِ صدقةٌ، ويعينُ الرجلَ على دابَّتِهِ، فيَحمِلُ عليها أو يرفعُ عليها مَتاعَه صدَقةٌ، والكَلِمةُ الطَّيِّبةُ صدَقةٌ، وكلُّ خُطْوةٍ يَخطُوها إلى الصَّلاةِ صَدَقة، ويُميطُ الأذَى عن الطَّريقِ صدَقةٌ".
"عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: كلُّ سُلامى من الناس عليه صدقة": أوجب الصدقة على السّلامى مجازًا، وفي الحقيقة واجبة على صاحبه؛ يعني: على كل واحد من الإنسان بعدد كل مفصلٍ في أعضائه. "صدقة"؛ شكرًا الله تعالى بأن جعل في عظامه مفاصل، يقدر على قبض أصابعه ويديه ورجليه وغير ذلك وبسطها، فإن هذه نعمة عظيمة.
"كل يوم": نصب على الظرفية.
"تطلع فيه الشمس، تعدل بين الاثنين"؛ أي: تصلح بين الخصمين، وتدفع ظلم ظالم عن مظلوم، وهو في تأويل المصدر مبتدأ، خبره (صدقة).
"وتعين الرجل"؛ أي: إعانتك إياه "على دابته، فتحمل عليها، أو ترفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكلُّ خطوة تخطوها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى"؛ أي: إزالتك إياه "عن الطريق صدقة".
* * *
стр. 1007
١٣٤١ - وقال: "خُلِقَ كلُّ إنسانٍ من بني آدمَ على ستِّينَ وثلاثمائةِ مَفْصِلٍ، فمَنْ كبَّر الله، وحَمِدَ الله، وهَلَّلَ الله، وسبَّح الله، واستغفرَ الله، وعزَلَ حجَرًا عن طَريقِ النَّاسِ، أو شَوكةً، أو عَظْمًا، أو أَمرَ بمَعْروفٍ أو نهَى عن مُنْكَرٍ عَددَ تِلكَ الستينَ والثلاثمائةِ فإنَّه يَمْشِي يومَئذٍ وقد زَحْزَحَ نفسَهُ عن النَّارِ".
"وعن عائشة أنها قالت: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: خُلِقَ كلُّ إنسان من بني آدم على ستين وثلاث مئة مفصل": بالإضافة، وهو - بكسر الصاد وفتحها -: ملتقى العظمين في البدن.
"فمن كبر الله، وحمد الله، وهلل الله"؛ أي: قال: لا إله إلا الله.
"وسبح الله، واستغفر الله، وعزل"؛ أي: أبعد "حجرًا عن طريق الناس، أو شوكة، أو عظمًا، أو أمر بمعروف، أو نهى عن منكر عددَ": متعلق بالأذكار وما بعدها، نصبه بفعل مقدر؛ يعني: من فعل الخيرات المذكورة ونحوها عدد "تلك الستين والثلاث مئة، فإنه يمشي يومئذ، وقد زحزح نفسه"؛ أي: باعدها "عن النار".
* * *
١٣٤٢ - وقال: "إِنَّ بِكلِّ تَسْبيحةٍ صدقًة، وكلِّ تَكْبيرةٍ صدَقةٌ، وكلِّ تَحْميدةٍ صدقةٌ، وكل تَهْليلةٍ صدَقةٌ، وأَمرٍ بالمَعرُوفِ صدَقةٌ، ونهي عنْ مُنكرٍ صدَقة، وفي بُضْعِ أحدِكم صدقةٌ"، قالوا: يا رسولَ الله!، أيأتِي أَحدُنا شهوتهُ ويكونُ له فيها أجرٌ؟، قال: "أَرأَيتُم لَو وَضَعَها في حَرامٍ، أكانَ عليهِ فيهِ وِزْرٌ؟، فكذلكَ إذا وضَعَها في الحَلالِ كانَ له أجْرٌ".
"وعن أبي ذر أنه قال: قال رسول الله ﵊: إن بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة،
стр. 1008
وأمر بمعروف صدقة، ونهي عن منكر صدقة، وفي بُضْعِ أحدكم"؛ يعني: في جماعة.
"صدقة": وإنما لم يقل: وببضع أحدكم، إشارة إلى أنه إنما يكون صدقة إذا نوى فيه عفاف نفسه، أو زوجته، أو حصول ولد صالح.
"قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته، ويكون له فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها"؛ أي: شهوة بضعه "في حرام أكان عليه وزر؟ ": الاستفهام فيه للتقرير، "فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر".
* * *
١٣٤٣ - وقال: "نِعْمَ الصَّدَقةُ اللِّقْحَةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً، والشَّاةُ الصَّفيُّ مِنحة، تَغْدُو بإناءٍ، وتَرُوحُ بآخَرٍ ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: نعم الصدقة اللَّقْحَةُ": بالكسر أو الفتح ثم السكون: الناقة الحلوب.
"الصَّفيُّ": الناقة الغزيرة اللبن، وكذا الشاة.
"منحةً": نصب على التمييز، أو الحال، والمنحة عند العرب تُطَلق على العطية التي يملكها المعطَى له، وعلى العارية؛ لينتفع بلبنها ووبرها ثم يردها، وهو المعني بقوله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: "المنحة مردودة".
قيل: أصلها أن تكون في العارية، ثم سمي به كل عطية فمدح ﵊ هذا الفعل.
"والشاة الصفي منحة، تغدو": صفة مادحة لمنحة، أو استئناف جواب عمن سأل عن سبب كونها ممدوحة.
"بإناء"؛ أي: ملتبسة بملء إناء.
стр. 1009
"وتروح بآخر"؛ أي: بإناء آخر.
* * *
١٣٤٤ - وقال: "ما مِن مُسلِمٍ يَغْرِسُ غَرْسًا أو يَزْرعُ زَرْعًا، فيأْكْلُ منهُ إنسانٌ أو طَيْرٌ أو بَهيْمةٌ إلا كانتْ له صدَقةٌ".
ويروى: "ما سُرِقَ منه لهُ صدَقةٌ".
"وعن أنس أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: ما من مسلم يغرس غَرسًا": بفتح الغين المعجمة وكسرها.
"أو يزرع زرعًا، فيأكل منه إنسان، أو طير، أو بهيمة، إلا كانت له صدقة": معناه بأي سبب يؤكلُ مالُ الرجل يحصلُ له الثوابُ.
"ويروى: ما سرق منه فهو له صدقة"، أي: يحصل له مثل ثواب تصدق المسروق.
* * *
١٣٤٥ - وقال: "غُفِر لامرأةٍ مُومِسَةٍ مرَّتْ بكلْبٍ على رأْسِ رَكيٍّ يَلْهثُ، كَادَ يَقتلُه العَطَشُ، فنَزَعَتْ خُفَّها، فأَوْثَقَتْه بِخِمارِها، فَنَزَعَتْ لهُ من الماءِ، فغُفِرَ لها بذلك"، قيل: إنَّ لَنا في البَهائِم أَجْرًا"، قال: "في كلِّ ذاتِ كَبدٍ رَطْبةٍ أَجْرٌ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: غفر لامرأة مومسة"؛ أي: فاجرة زانية.
"مرت بكلب على رأس رَكِّي": وهي: البئر.
"يلهث"، أي: يخرج لسانه من شدة العطش والحر.
стр. 1010
"كاد يقتله العطش، فنزعت خفَّها، فأوثقته"؛ أي: شدته "بخمارها، فنزعت له من الماء، فغفر لها بذلك، قيل: إن لنا في البهائم أجرًا؟ قال: في كل ذات كبد رطبة أجرٌ"؛ أي: لمن سقاها حتى تصير رطبة أجر، لكن بشرط أن لا يكون من المأمور بقتله، كالحية والعقرب وغير ذلك.
وفي رواية: (في كل ذات كبد حَرَّى)؛ فُعْلى من (الحر)، تأنيث حران.
وفي الحديث دليلٌ على غفران الكبيرة من غير توبة، وهو مذهب أهل السنة.
* * *
١٣٤٦ - وقال: "عُذِّبت امرأةٌ في هِرَّةٍ أَمْسَكَتْها حتى ماتَتْ مِنَ الجُوعِ، فلم تكنْ تُطْعِمُها، ولا تُرسلُها فتأكلَ من خَشاشِ الأَرضِ".
"وعن ابن عمر، وأبي هريرة: أنهما قالا: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: عُذِّبت امرأة في هرة": (في) هنا للسببية؛ أي: بسبب هرة.
"أمسكتها حتى ماتت من الجوع، فلم تكن تطعمها، ولا ترسلها فتأكلَ": بالنصب جوابًا للنفي.
"من خَشاشِ الأرض": بفتح الخاء المعجمة على الأشهر: هوامها وحشراتها، قيل: هذه المعصية صغيرة، وإنما صارت كبيرة بإصرارها.
* * *
١٣٤٧ - وقال: "مرَّ رجلٌ بغُصْنِ شَجَرةٍ على ظَهْرِ طريقٍ، فقالَ: لأُنحِّينَّ هذا عن طريقِ المُسلمينَ لا يُؤْذيهم، فأُدخِلَ الجنَّةَ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: مرَّ رجل بغصن شجرة على ظهر طريق فقال: لأنحينَّ"؛ أي: لأبعدن.
стр. 1011
"هذا عن" طريق "المسلمين؛ لا يؤذيهم"؛ أي: كيلا يؤذيهم.
"فأدخل الجنة": يمكن أن يكون إدخاله الجنة بمجرد نيته الصالحة، وإن لم ينحِّه، وأن يكون قد نحِّاه.
* * *
١٣٤٨ - وقال: "لَقَدْ رأَيتُ رجُلاً يتقلَّبُ في الجَنَّةِ في شَجَرةٍ قطَعَها مِن ظَهْرِ الطَّريقِ، كانتْ تُؤذي النَّاسَ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: لقد رأيت رجلًا يتقلب في الجنة"؛ أي: يمشي ويتبختر.
"في شجرة"؛ أي: بسبب شجرة.
"قطعها عن ظهر الطريق، كانت تؤذي الناس".
* * *
١٣٤٩ - عن أَبي بَرْزة قال: قُلْتُ: يا نَبَيَّ الله، علِّمْني شَيئًا أنتَفِعُ به؟ قال: " اعزِلِ الأَذى عَنْ طَريقِ المُسلِمين".
"وعن أبي بَرْزة الأسلمي أنه قال: قلت: يا نبي الله! علمني شيئًا أنتفع به"؛ أي: بعمله.
"قال: اعزل الأذى عن طريق المسلمين".
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٣٥٠ - قال عبد الله بن سَلَام ﵁: لَمَّا قَدِم النبيُّ - صلى الله تعالى عليه وسلم -. المَدينةَ جئْتُ، فلمَّا
стр. 1012
تَبَيَّنتُ وجْهَهُ عرفْتُ أنَّ وجههُ ليسَ بوجهِ كذَّابٍ، فكانَ أَوَّلَ ما قالَ: "يا أيُّها الناسُ، أَفشُوا السَّلامَ، وأَطعِمُوا الطَّعامَ، وصِلُوا الأَرحامَ، وصَلّوا باللَّيلِ والنَّاسُ نِيَامٌ تَدخُلوا الجنَّةَ بسَلامٍ".
"من الحسان":
" قال عبد الله بن سلام: لما قدم النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - المدينه، جئت فلما تبينت"؛ أي: تأملت "وجهه": أبصرت وجهه ظاهرًا، "عرفت أن وجهه ليس بوجه كذاب، فكان أول ما قال: يا أيها الناس! أفشوا"؛ أي: أظهروا وأكثروا "السلام، وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصَلُّوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام ".
* * *
١٣٥١ - عن عبد الله بن عُمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : " اعبُدوا الرحمنَ، وأَطعِمُوا الطَّعام وأَفْشُوا السَّلام، تَدخلُوا الجنَّةَ بسَلامٍ".
"وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: اعبدوا الرحمن، وأطعموا الطعام، وأفشوا السلام، تدخلوا الجنة بسلام".
* * *
١٣٥٢ - وقال رسول الله ﷺ : "إنَّ الصَّدَقةَ لَتُطفِئ غضَبَ الرَّبِّ، وتَدفَعُ مِيْتةَ السُّوءَ".
"عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: إنَّ الصدقةَ لتطفئُ غضب الربِّ": يجوز أن يحمل إطفاء الغضب على المنع من إنزال
стр. 1013
المكروه في الدنيا، كما ورد: "لا يرد القضاء إلا الصدقة".
"وتدفع مِيتة السُّوء" بكسر الميم: الحالة التي عليها الموت، أصله موتة، قلبت الواو ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها.
والمراد بميتة السوء: ما لا يحمد عاقبته، كالفقر المدقع، والألم الموجع، ونسيان الذكر، وكفر أنَّ النعمة، والتردي، والغرق، والحرق، والهدم، والفجاءة.
* * *
١٣٥٣ - وقال رسول الله ﷺ : "الصَّدَقةُ تُطْفِئُ الخَطيئةَ كما يُطفئ الماءُ النَّارَ".
"وعن أنس أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: الصدقةُ تطفئ الخطيئة"؛ أي: تزيل الذنوب، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] "كما يطفئ الماءُ النارَ".
* * *
١٣٥٤ - وقال: "كلُّ مَعْروفٍ صَدَقةٌ، وإن مِنَ المَعْرُوفِ أنْ تَلْقَى أَخاكَ بوَجْهٍ طَلْقٍ، وأنْ تُفرِغَ من دلْوِكَ في إناءَ أَخيكَ ".
"عن معاذ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : كلُّ معروف صدقة، وإن من المعروف أن تلقَى أخاك بوجه طلقٍ، وأن تفرغ "؛ أي: تصبَّ "من دلوك": عند استقائِكْ.
"في إناء أخيك"؛ كي لا يحتاج إلى تعب الاستقاء.
"غريب".
* * *
стр. 1014
١٣٥٥ - وقال "تَبَسُّمُكَ في وَجْهِ أَخيكَ صَدقة، وأَمرُكَ بالمَعروفِ صدَقةٌ، ونهيُكَ عن المُنكَرِ صدَقةٌ، وإرشادُكَ الرَّجلَ في أَرضِ الضَّلالِ لكَ صدَقةٌ، ونَصْرُكَ الرَّجلَ الرَّديءَ البصَرِ لكَ صدَقةٌ، وإِماطتُكَ الحجَرَ والشَّوكَ والعَظْمَ عن الطَّريق لك صدَقةٌ، وإفْراغُكَ من دَلْوِكَ في دَلْوِ أَخيكَ لكَ صدقةٌ"، غريب.
"عن أبي ذر أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: تبسّمُك في وجه أخيك صدقة، وأمرك بالمعروف صدقة، ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادُك الرجلَ في أرض الضلال"؛ أي: في أرض لا علامة فيها للطريق، يضل فيها السائر.
"لك صدقة، ونصرك الرجل الرديء البصر": وهو من لا يبصر أصلًا، أو يبصرُ قليلاً.
"لك صدقة، وإماطتك الحجرَ والشوكَ والعظمَ عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة. غريب".
* * *
١٣٥٦ - عن سَعْد بن عُبَادة أنه قال: يا رسولَ الله!، إنَّ أُمَّ سَعْدٍ ماتتْ، فأيُّ الصَّدَقةِ أَفْضَل؟، قال: "الماءُ"، قال: فَحَفَرَ بِئْرًا، وقال: هذه لأِمِّ سَعْدٍ.
"عن سعد بن عُبادةَ أنه قال: يا رسول الله! إن أمَّ سعد ماتت، فأي الصدقة أفضل؟ قال: الماء.
"قال"؛ أي: الراوي عن سعد: "فحفر بئرًا، وقال: هذه لأمِّ سعد".
* * *
стр. 1015
١٣٥٧ - وقال: "أيُّمَا مُسلِمٍ كَسَا مُسلِمًا ثَوبًا على عُري؛ كسَاهُ الله مِن خُضْرِ الجنَّةِ، وأيُّما مُسلم أَطْعَمَ مُسلمًا على جُوعٍ أَطعَمَهُ الله مِنْ ثِمَارِ الجنَّة، وأَيُّما مُسلمٍ سَقَى مُسلِمًا على ظَمَإٍ سَقاهُ الله من الرَّحيقِ المَخْتُومِ ".
"وعق أبي سعيد أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: أيُّما مسلم كسا مسلمًا ثوبًا على عُري، كساه الله من خُضْرِ الجنة"؛ أي: من ثيابها الخضر، أقام الصفة مقام الموصوف، وهو إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا﴾ [الكهف: ٣١].
"وأيما مسلم أطعم مسلمًا على جوع، أطعمه الله تعالى من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى مسلمًا على ظمإ"؛ أي: عطش، "سقاه الله من الرحيق": وهو اسم الخمر الخالصة التي لا كدرَ فيها، يريد: خمر الجنة.
"المختوم": الذي يُختم؛ كيلا تصل إليه يدُ أحد، ولم يتبدل، وقيل: الذي يختم بالمسك مكان الطين ونحوه، وقيل: ما كان خاتمةَ رائحتِهِ المسكُ.
* * *
١٣٥٨ - وقال: "إنَّ في المَالِ لَحَقًّا سِوى الزَّكاةِ، ثم تلا: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآيةَ".
"عن فاطمة بنت قيس أنها قالت: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: إن في المال لحقًا سوى الزكاةِ": وهو أن لا يحرم سائله ومستقرضه منه، ولا يمنع مستعيره إن كان من أمتعة البيت، كالقدر والقصعة وغير ذلك، ولا يمنع الماء والملح والنار.
"ثم تلا: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ [البقرة: ١٧٧] الآية": والمراد: أنه ذكر إيتاء المال في وجوه البر، ثم قفَّاه - أي: عقَّبه - بإيتاء الزكاة، فدل ذلك
стр. 1016
على أن في المال حقًا سوى الزكاة.
١٣٥٩ - وسُئل رسولُ الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -، ما الشَّيءُ الذي لا يحلُّ منعُه؟، قال: "الماءُ"، قيل: ما الشيءُ الذي يحلُّ منعُه؟ قال: "المِلْحُ".
"عن بهيسة، عن أبيها، وعن عائشة: أنهما قالا: سُئِل رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: ما الشيءُ الذي لا يحلُّ منعه؟ قال: الماءُ, قيل: ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: الملح، قيل: ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: النار".
* * *
١٣٦٠ - وقال: "مَنْ أَحيَا أَرضًا مَيْتةً فله أَجْرٌ، وما أكَلَتْ العافيَةُ منهُ فهوَ له صدَقةٌ".
"عن جابر أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: من أحيا أرضًا ميتةً فله فيها أجر، وما أكلت العافيةُ": وهو كل طالب رزق من إنسان، أو بهيمة، أو طائر.
"منه"؛ أي: من المأكول، أو من النبات.
" فهو له صدقة".
* * *
١٣٦١ - وقال: " مَن مَنَحَ مِنْحَةَ وَرِقٍ، أو أَهدى زُقَاقًا، أو سَقَى لَبنًا؛ كان له كعِدْلِ رقَبةٍ أو نَسَمةٍ".
وفي روايةٍ: " كانَ لهُ مِثْلُ عِتْق رقَبةٍ".
"عن البراء ﵁ أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: من
стр. 1017
مَنَحَ مِنحةَ وَرقٍ": بفتح الواو مع كسر الراء وسكونها وكسرها مع سكونها: الدراهم؛ أي: من أعطى عطية من الدراهم، وقيل: منحة الورق: القرض؛ لأن المنحة مردودة.
"أو أهدَى زُقاقاً": بتخفيف الدال، من هداية الطريق، و (الزُّقاق): السكة؛ أي: دل ضالًا إلى طريق سكته أو بيته.
ويروى بالتشديد؛ إما مبالغة الهداية، أو من الهدية؛ أي: مَنْ أهدى وتصدَّق بزُقاقٍ من النخل - وهو: الصفُّ من أشجارها - أو جعلها وقفًا.
"أو سقى لبنًا، كان له كعدل رقبة أو نسمة": شك من الراوي، والمراد بهما: العبد.
"وفي رواية: كان له مثل عتق رقبة".
* * *
١٣٦٢ - عن أبي تَمِيْمَةَ الهُجَيْمي، عن أبي جُرَيٍّ جابرِ بن سُلَيم قال: رأيتُ رجلًا يصدرُ الناسُ عنْ رأْيهِ، قلتُ: مَن هذا؟، قالوا: رسولُ الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -، قلتُ: عليكَ السَّلامُ، يا رسولَ الله مرَّتين، قال: "لا تقلْ: عليكَ السلامُ، عليكَ السلامُ تحيةُ الميَّتِ!، قلْ: السَّلامُ عليكَ"، قلت: السلامُ عليكَ، قلتُ: أنتَ رسولُ الله؟، قال: "أنا رسولُ الله الذي إذا أَصابَكَ ضُرٌّ فَدَعَوْتَهُ كشَفَ عنكَ، وإنْ أصابَكَ عامُ سَنةٍ فَدَعَوْتَهُ أَنْبَتَهَا لك، فإذا كنتَ بأرضٍ قَفْرٍ أو فَلاةٍ فَضَلَّتْ راحلَتُكَ فدعوتَه ردَّها عليكَ"، قلتُ: اعْهَدْ إلَيَّ، قال: "لا تَسُبن أحدًا"، فما سبَبْتُ بعدَه حُرًّا ولا عَبْدًا ولا بَعْيرًا ولا شاةً، قال: "ولا تحقِرَنَّ شيئًا من المَعْروف، وأن تُكلِّم أخاكَ وأنتَ مُنبسِطٌ إليه وجهُك، إِنَّ ذلكَ مِنَ المَعروف، وارفَعْ إزارَكَ إلى نِصْفِ السَّاقِ، فإن أَبَيْتَ فإلى الكَعْبَينِ، وإِيَّاكَ وإسبالَ الإزارِ، فإنَّها من المَخِيْلةِ، وإنَّ الله لا يحبُّ المَخِيْلةَ، وإنِ امرؤٌ شتمَكَ
стр. 1018
وعيَّرَكَ بما يعلمُ منكَ فلا تُعَيِّرُهُ بما تعلَمُ منه، فإنَّما وبالُ ذلكَ عليهِ".
وفي رواية: "فيكونُ لكَ أَجرُ ذاكَ، ووبالُهُ عَليهِا".
"عن أبي تميمة الهُجَيمي ﵁، عن أبي جُرَي جابر بن سُليم أنه قال: رأيت رجلًا يصدر الناس عن رأيه"؛ أي: ينصرفون كما يراه، ويفعلون ما يأمرهم، ولا يخالفونه.
"قلت: من هذا؟ قالوا: رسول الله ﷺ ﵁. قلت: عليك السلام يا رسول الله! مرتين، قال: لا تقل: عليك السلام، عليك السلام تحيةُ الميتِ"؛ يعني: هذا اللفظ يقال في المقابر؛ لأنه لا يتوقع الجواب من الميت، وأما الحي يتوقع الجواب منه، "قل: السلام عليك"؛ ليقول هو لك: وعليك السلام؛ لأن فائدة التسليم حصول الأمن والسلامة للمسلَّم عليه من المسلِّم، وهو بتقديم لفظ السلام أليقُ؛ فإنه إذا افتتح بـ (عليك)، لم تحصل به السلامة، بل المخافة، بل قد يتوهم أنه يدعو عليه.
"قلت: السلام عليك، قلت: أنت رسول الله ﷺ ؟ قال: أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضُرٌّ فدعوته، كشف"؛ أي: أزال ذلك الضر "عنك، وإن أصابك عام سنة"؛ أي: قحط، لا تنبت الأرض شيئًا، "فدعوته، أنبتها"؛ أي: أنبت الأرض لك.
"وإذا كنت بأرض قَفْرٍ"؛ أي: أرض خال من النبات والشجر، "أو فلاة": وهي المفازة البعيدة من العمران.
" فضلت راحلتك، فدعوته، ردها عليك، قلت: اعهد إلي"؛ أي: أوصني.
"قال: لا تسبن أحدًا"؛ أي: لا تشتمن أحدًا.
"فما سببتُ بعده"؛ أي: ما شتمت بعد العهد "حرًا، ولا عبدًا،
стр. 1019
ولا بعيرًا، ولا شهاةً": إنما عهد ﷺ [إليه] بترك السب؛ لعلمه أنه كان الغالب على أحواله ذلك، فنهاه عنه.
"قال: ولا تحقرنَّ شيئًا من المعروف، وأنْ تكلِّم أخاك": مبتدأ خبره (إن ذلك)، أو عطف على (شيئًا)، و (إن ذلك) استئناف علة له.
"وأنت منبسط إليه وجهُكَ"؛ أي: ذو بشاشة، تتواضع إليه، وتُطيب كلامَكَ له حتى يفرحَ قلبه بحسن خلقك.
"إن ذلك من المعروف، وارفْع إزارك"؛ أي: ليكن سراويلك وقميصك قصيرين.
"إلى نصف الساق، فإن أبيت"؛ أي: لم ترضَهُ نفسُك.
"فإلى الكعبين، وإياك وإسبال الإزار"؛ أي: احذر من إطالته.
"فإنها"؛ أي: خصلة إسبال الإزار.
"من المَخيلة": بفتح الميم؛ أي: من الكبر والعجب.
"وإن الله تعالى لا يحب المخيلة، وإن امرؤٌ شتمك أو عيَّرك"؛ أي: عابك بما "يعلم منك"، "فلا تعيره بما تعلم منه، فإنما وبالُ ذلك": الشتم والتعيير.
"عليه، وفي رواية: فيكون لك أجر ذلك، ووباله عليه".
* * *
١٣٦٣ - عن عائشة ﵂: أنهم ذَبَحوا شاةً، فقالَ النبيُّ - صلى الله تعالى عليه وسلم - "ما بقيَ منها؟ "، فقالت: ما بقِيَ إلا كَتِفُها، قال: "بقِيَ كلُّها غيرَ كتِفِها"، صحيح.
"عن عائشة أنهم"؛ أي: أصحاب النبي ﵊ "ذبحوا شاةً، فقال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -: ما بقي منها؟ ": (ما) استفهامية؛ أي: أيُّ شيء بقي منها؟
стр. 1020
"فقالت: ما بقي إلا كتفها، قال ﷺ : بقي كلُّها غيرَ كتفِها"؛ يعني: ما تصدَّقت فهو باقٍ، وما بقي عندك فهو غير باقٍ، كما قال الله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل: ٩٦].
"صحيح".
* * *
١٣٦٤ - عن ابن عباسٍ ﵄، قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "ما مِن مُسلِمٍ كسَا مُسلِمًا ثَوبًا إلا كانَ في حِفْظٍ من الله ما دامَ منهُ عليهِ خِرْقةٌ".
"عن ابن عباس أنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقول: ما من مسلم كسا مسلمًا ثوبًا، إلا كان في حفظٍ من الله ما دام منه عليه خِرْقة": وإنما لم يقل: في حفظ الله؛ ليدل التنكير على نوع تفخيم وشيوع، هذا في الدنيا، وأما في الآخرة؛ فلا حصرَ ولا عدَّ لثوابه.
* * *
١٣٦٥ - عن عبد الله بن مَسْعود - يرفعُه - قال: "ثلاثةٌ يُحبهم الله: رجلٌ قامَ من اللَّيل يتلُو كتابَ الله، ورجلٌ يتصدَّقُ بصدَقةٍ بيمينِهِ يُخفيها - أُراهُ قالَ مِن شِمَالِهِ، ورجلٌ كانَ في سَرِية، فانهزَمَ أَصحابُه، فاستْقَبلَ العَدوَّ"، غريب.
"وعن عبد الله بن مسعود ﵁ يرفعه"؛ أي؛ الحديث إلى النبي ﷺ .
"قال: ثلاثة يحبهم الله: رجل قام عن الليل يتلو كتاب الله"؛ أي: يقرأ القرآن.
"ورجل يتصدق بصدقة بيمينه يخفيها، أُراه ": من (الإراء)؛ أي: قال ابن مسعود: أظن النبي ﵊ "قال: من شماله"؛ أي: يخفي الصدقة من شماله.
следующие страницы →