← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17791

شرح المصابيح لابن الملك

ابن الملك

Полный текст (3 421 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

"إلا فيما افتُرض عليكم": يتناول المكتوبة المنذورة، وقضاء الفوائت الواجبة، وصوم الكفَّارة، وفي معناه ما وافَقَ وِرْدًا أو سُنَّةَ مؤكَّدةَ، كما لو كان السبتُ يومَ عرفة، أو تاسوعاء، أو عاشوراء، أو عشر ذي الحجة، أو في غير الصيامِ صيامِ داود؛ فإذًا المَنهيُّ شدةُ الاهتمام والعناية به، حتى كأنهم يَرَونه واجبًا كما يفعله اليهود. "فإن لم يجد أحدُكم إلا لِحَاءَ عِنَبة" بكسر اللام؛ أي: قشرَها، استعارة من: قشر العود، وأُريد بالعِنَبة هنا: الحبة، وهي غرس العِنَب. "أو عود شجرة": عطف على (لحاء). "فَلْيَمضَغْه". * * * ١٤٧٨ - وقال: "ما مِنْ أَيَّامٍ أَحَبُّ إِلى الله أنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فيها مِنْ عَشْرِ ذي الحِجَّةِ، يُعدَلُ صِيامُ كُلِّ يَومٍ منها بصِيامِ سَنَةٍ، وقِيامُ كُلِّ لَيْلَةٍ منها بقِيامِ لَيْلَةِ القَدْرِ". "عن ابن عباس وأبي هريرة أنهما ﵃ قالا: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما مِن أيامٍ أحبُّ": صفة (أيام) بالرفع على المحل، وبالنصب على اللفظ. "إلى الله أنَّ يُتعبَّد": في محل الرفع فاعل لـ (أحب). "له فيها من عشر ذي الحجة، يُعدَل صيامُ كلِّ يوم منها بصيام سَنة، وقيامُ كل ليلة منها بقيام ليلة القَدْر". "غريب". * * *

стр. 1087

١٤٧٩ - وقال: "مَنْ صامَ يَوماً في سَبيلِ الله جعلَ الله بينَهُ وبَيْنَ النَّارِ خَنْدَقاً كما بَيْنَ السَّمَاء والأَرْضِ". "عن أبي أُمامة الباهلي أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَن صامَ يوماً في سبيل الله جعلَ الله بينه وبين النار خندقًا كما بين السماء والأرض"؛ أي: يصير صومُه خندقًا بينه وبين النار؛ فكما أنَّ الرجلَ إذا كان بينه وبين عدوِّه خَندقاً لا يَصِلُ إليه عدوُّه، فكذا الصائم لا تَصِلُ إليه النارُ. * * * ١٤٨٠ - وقال: "الغَنِيمَةُ البارِدَةُ الصَّوْمُ في الشِّتاء"، مرسلْ. "عن عامر بن مسعود أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: الغنيمةُ الباردةُ"؛ أي الغنيمةُ الحاصلةُ من غير كثيرِ تعبٍ ومشقةٍ. "الصومُ في الشتاء"؛ أي: يحصل به الثوابُ من غير أنَّ تصيبَه مشقةُ الجوع، أو يمسَّه حَرُّ العطش، ويستعمل البارد في الشيء ذي الراحة، إنما سُمِّيت بردًا؛ لأن الحرارةَ غالبةٌ في ديار العرب، وماؤهم حارٌّ فإذا أصابوا هواءً باردًا أو ماءً باردًا يقولون: راحة. "مُرسَل" أي: هذا الحديث مُرسَل؛ لأن راويه عامر بن مسعود القرشي، وهو لم يُدرِكِ النبيَّ ﵊. * * * فصل مِنَ الصِّحَاحِ: ١٤٨١ - عن عائشةَ ﵂ قالتْ: دَخَلَ عليَّ النَّبيُّ ﷺ ذاتَ يَوْمٍ، فقال: "هَلْ عِنْدَكُمْ شَيءٌ؟ "، فقلنا: لا، قال: "فإنِّي إذًا صائِمٌ"، ثُمَّ أَتانا يَوْمًا * * *

стр. 1088

آخَرَ، فقُلْنا: يا رسُولَ الله!، أُهْدِيَ لنا حَيْسٌ، فقال: "أَرِينِيهِ، فَلَقَدْ أصْبَحْتُ صائِمًا"، فَأَكَلَ. (فصل) "من الصحاح": " عن عائشة أنها قالت: دخلَ عليَّ النبيُّ ﵊ ذاتَ يوم، فقال: هل عندكم شيءٌ؟ قلنا: لا، قال: فإني إذًا لَصائمٌ": يدل على صحة نية التطوُّع نهارًا. "ثم أتانا يومًا آخر، فقلنا يا رسولَ الله! أُهدِي لنا"؛ أي: أُرسِلَ إلينا. "حَيْس": بالفتح ثم السكون: طعام يُتخذ من تمرٍ وأَقِطٍ وسمنٍ أو زبد. "فقال: أَرِنِيه" من: الإدارة. "فلقد أصبحتُ صائمًا"؛ أي: كُنْتُ نَويتُ الصومَ في أول النهار. "فأكلَ": وهذا يدل على جواز الخروج من صوم النفل. * * * ١٤٨٢ - عن أنسٍ ﵁ قال: دَخَلَ النَّبيّ ﷺ على أُمِّ سُلَيْمٍ، فأَتتهُ بتَمْرٍ وسَمْنٍ، فقال: "أَعِيدُوا سَمْنَكُمْ في سِقائِهِ وتَمْرَكُمْ في وِعائِهِ فَإنِّي صَائِمٌ"، ثُمَّ قامَ إلي ناحَيَةٍ مِنَ البَيْتِ، فَصَلَّى غَيرَ المَكْتُوبَةِ، فَدَعا لِأمِّ سُلَيْمٍ وأَهْلِ بَيْتِها. "عن أنس أنَّه قال: دخل النبي ﵊ على أم سُلَيم، فأتته بتمرٍ وسَمنٍ، فقال: أَعِيدُوا سَمنَكم في سِقَائه وتمرَكم في وِعَائه؛ فإني صائم": هذا يدل على أنَّ مَن صام تطوُّعًا يجوز أنَّ يصومَ ولا يلزمُه الإفطارُ إذا قُرِّبَ إليه طعامٌ وإن أفطرَ يجوز؛ للحديث المتقدم.

стр. 1089

"ثم قام إلى ناحية من البيت فصلى غير المكتوبة، فدعا لأم سُلَيم وأهل بيتها"، فيه: دليل على أنَّ المُستحَبَّ للضيف الصائم أنَّ يدعوَ للمُضيف. * * * ١٤٨٣ - وقالَ رسولُ الله ﷺ : "إِذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلى طَعامٍ وهو صائِمٍ فَلْيَقُلْ: إنِّي صائِمٌ". "وعن أبي هريرة أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا دُعِيَ أحدُكم إلى طعام وهو صائمٌ فَلْيقلْ: إني صائم"، إنما أَمرَ النَّببيُّ ﵊ المَدعوَّ عينَ لا يجيب الداعيَ أن يعتذر عند بقوله: "إني صائم، وإن كان يُستحب إخفاء النوافل؛ لئلا، يؤدي ذلك إلى عداوة وبُغْضٍ في الدَّاعي. * * * ١٤٨٤ - وقال: "إِذَا دُعِيَ أحَدُكُمْ فليُجبْ، فإنْ كانَ صائِمًا فَلْيُصَلِّ، وإنْ كانَ مُفْطِرًا فَلْيَطْعَمْ". "وعنه أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا دُعِيَ أحدُكم فَلْيُجبْ، فإن كان صائمًا فَلْيُصلِّ"؛ أي: فَلْيَدْع للداعي بالبركة، وقيل: أي: فَلْيُصلِّ ركعَتين، كما فعل النبي ﵊ في بيت أم سُلَيم. "وإن كان مُفطِرًا فَلْيَطْعَمْ". * * * مِنَ الحِسَان: ١٤٨٥ - عن أُمِّ هانئٍ ﵂ قالت: لمَّا كانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكَّةَ جاءَتْ

стр. 1090

فاطِمَةُ، فَجَلَسَتْ عَنْ يَسارِ رسُولِ الله ﷺ ، وأُمُّ هانِئٍ عَنْ يَمِينِه، فَجاءتِ الوَبيدَةُ بإناءٍ فيه شرابٌ، فناوَلتْهُ، فشَرِبَ منهُ، ثُمَّ ناوَلَهُ أُمَّ هانِئٍ، فَشَرِبَتْ، فقالتْ: يا رسُولَ الله!، إنِّي كُنْتُ صَائِمَةً، فقالَ لها: "أَكُنْتِ تَقْضينَ شَيْئًا؟ "، قالت: لا، قال: "أَنَذْرٌ عليكِ؟ "، قالت: لا، قال: "فلا يَضُرُّكِ إنْ كانَ تَطَوُّعًا". وفي روايةٍ: "الصَّائَمُ المُتطوِّع أَمِيرُ نَفْسِه، إن شاءَ صامَ، وإنْ شاءَ أَفْطَرَ". "من الحسان": " عن أم هانئ أنها قالت: لمَّا كان يومُ فتحِ مكةَ جاءت فاطمة ﵂، فجلست عن يسار رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، وأم هانئ عن يمينه، فجاءت الوليدة"، أي الأَمَة "بإناء فيه شراب، فناولتْه": الضمير المنصوب للرسول ﷺ . "فشرب منه، ثم ناولَه"؛ أي: بقيةَ المشروب "أمَّ هانئ، فشربت، فقالت: يا رسولَ الله! إني كُنْتُ صائمةً، فقال لها: أكنتِ تَقْضينَ شيئًا؟ قالت: لا، قال: أنذزٌ عليك؟ قالت: لا، قال: فلا يضرُّك إن كان تطوُّعًا": يدل على أنَّه لا قضاءَ على المتطوِّع بصومٍ إذا أبطله، وبه قال الشافعي. وفي رواية: "الصائمُ المتطوِّعُ أميرُ نفسِه"؛ أي: حاكمٌ على نفسه. "إن شاء صَامَ، وإن شاءَ أفطرَ". * * * ١٤٨٦ - عن عائشة ﵂ قالت: كُنْتُ أنا وحَفْصَة صائِمَتَيْنِ، فعُرِضَ لنَا طَعامٌ اشْتَهَيْناهُ، فَأَكَلْنا مِنْهُ، فقالَتْ حَفْصَةُ: يا رسُولَ الله!، إنَّا كُنَّا

стр. 1091

صائِمَتَيْنِ، فعُرِضَ لنا طَعامٌ اشْتَهَيْناهُ، فأَكَلْنا منهُ، قال: "اقْضيا يَوْمًا آخَرَ مَكَانَهُ"، وهذا يُروى فرسلًا على الأَصحَّ عن الزُّهريِّ عن عائشة ﵂. "وعن عائشة ﵂ أنها قالت: كنت أنا وحفصةُ صائمتَين، فَعرضَ لنا طعام اشتهيناه، فأكلنا منه فقالت حفصة: يا رسولَ الله! إنَّا كنَّا صائمتَين، فَعرضَ لنا طعام اشتهيناه، فأكلنا منه، قال: اقِضيَا يومًا آخرَ مكانَه": يدل على أنَّ مَن أفطرَ في التطوُّع يلزمُه القضاءُ مكانَه. قال الخطابي: هذا القضاء على سبيل التخيير والاستحباب؛ لأن قضاء شيءٍ يكون حكمُه حكمَ الأصل. "وهذا يروى مُرسَلًا على الأصح، عن الزُّهري، عن عائشة". * * * ١٤٨٧ - عن أم عُمارَة بنت كَعْب: أنَّ النَّبيَّ قال: "إنَّ الصَّائِمَ إذا أُكِلَ عِنْدَهُ صَلَّتْ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ حتَّى يَفْرُغُوا". "عن أم عُمَارة" بضم العين وتخفيف الميم. "بنت كعب: أنَّ النبي ﵊" حين دخل عليها، فأتتْه بطعام، فدعاها لتأكلَ هي معه، فقالت: إني صائمةٌ، "قال ﵊: إن الصائمَ إذا أُكِلَ عندَه"، ومالتْ نفسُه إلى المأكول، فيشتدُّ صومه عليه. "صلَّت عليه الملائكةُ"؛ أي: يستغفرون له عِوَضًا عن مشقة الأكل. "حتى يَفْرَغوا"؛ أي: القومُ الآكِلون، قال ﷺ لها ذلك؛ تفريحًا بإتمام صومها. * * *

стр. 1092

٧ - باب لَيْلَةِ القَدْر (باب ليلة القدر) سُميت بها؛ لأن الله تعالى يُظهِر فيها مكنونَ القضاء والقَدَر على ملائكته، أو لأنه بيَّن فيها كميةَ الأشياء أو لخطرها وشرفِها على سائر الليالي. مِنَ الصِّحَاحِ: ١٤٨٨ - قالت عائشة ﵂: قال رسُول الله ﷺ : "تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في الوِتْرِ مِنَ العَشْرِ الأَواخِرِ مِنْ رَمَضانَ". " مِنَ الصِّحاح": " قالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ تحرَّوا ليلةَ القَدْر"؛ أي: اطلبوها. (في الوِتر)؛ أي: في ليالي الوِتر (من العَشر الأواخر من رمضان": مثل الحادي والعشرين، والثالث والعشرين. . . إلى آخرها. * * * ١٤٨٩ - وقال ابن عمر: إنَّ رجالًا مِنْ أصْحابِ النَّبيِّ ﷺ أُرُوا لَيْلَةَ القَدْرِ في المَنامِ في السَّبْع الأَواخِرِ، فقالَ رسُولُ الله ﷺ : "أَرَى رُؤْياكُمْ قد تَواطَأَتْ في السَّبعِ الأَواخِرِ، فَمَنْ كلانَ مِنْكُمْ مُتَحَرِّيَها فلْيَتَحَرَّها في السَّبْعِ الأَواخِرِ". "وقال ابن عمر: إن رجالًا من أصحاب النبي ﵊ أُرُوا" علي بناء المفعول من: الإراءة. "ليلةَ القَدْر في المنام"؛ أي: خُيل لهم في المنام ذلك، بعضُهم رآها في ليلة الثالث والعشرين، وبعضُهم رآها في ليلة الخامس والعشرين، وكذلك رآها * * *

стр. 1093

جميعهم في السَّبع الأواخر من رمضان، فقال رسول الله ﷺ : أَرَى رُؤياكم قد تواطأت"؛ أي: تَوَافَقَتْ. "في السَّبع الأواخر، فمَن كان متحرِّيَها"؛ أي: طالبَها وقاصدَها "فَلْيَتحرَّها في السَّبع الأواخر"، والمراد بها: السبع التي تلي آخرَ الشهر، أو التي بعد العشرين. * * * ١٤٩٠ - وعن ابن عبَّاسٍ أنَّ النَّبيَّ قال: "الْتمِسُوا في العَشْرِ الأواخِرِ في رمَضانَ لَيْلَةَ القَدْرِ في تاسِعةٍ تَبْقَى، في سابعةٍ تَبْقَى، في خامِسَةٍ تَبْقَى، في ثالِثَةٍ تَبْقى". "وعن ابن عباس: أنَّ النبي ﵊ قال: التَمِسُوا"؛ أي اطلبوا. "في العَشر الأواخر في رمضان ليلةَ القَدْر، في تاسعةٍ": بدل من قوله: (في العشر الأواخر)، "تبقى": صفة لما قبلها من العدد؛ أي: يُرجَى بقاؤها "في سابعة تبقى، في خامسة تبقى". * * * ١٤٩١ - عن أبي سعيد الخُدْري ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ اعْتَكَفَ العَشرَ الأَوَّلَ مِنْ رَمَضَانَ، ثُمَّ اعْتكَفَ العَشْرَ الأَوْسَطَ في قُبَّةٍ تُرْكِيَّةٍ، ثُمَّ أَطْلَعَ رَأْسَهُ فقال: إنِّي "اعْتكَفْتُ العَشْرَ الأَوَّلَ أَلْتَمِسُ هذهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ اعْتكَفْتُ العَشْرَ الأَوْسَطَ، ثُمَّ أُتِيتُ، فَقِيلَ لي: إنَّها في العَشْرِ الأَواخِرِ، فَمَنْ كانَ اعْتكَفَ مَعي فَلْيَعْتكِفِ العَشْرَ الأَواخِرَ، فقدْ أُريتُ هذِهِ اللَّيْلَةَ، ثُمَّ أُنسيتُها، وقدْ رَأَيْتُني أَسْجُدُ في ماءٍ وطِينٍ مِنْ صَبيحَتِها، فالْتِمِسُوها في العِشْرِ الأَوَاخِرِ، والْتَمِسُوها في كُلِّ وِتْرٍ"،

стр. 1094

قال: فَمَطَرَتِ السَّماءُ تِلكَ اللَّيْلَة، وكانَ المسجدُ على عَرِيشٍ، فَوَكَفَ المسجدُ، فَبَصُرَتْ عَيْنايَ رسُولَ الله ﷺ وعلى جَبْهَتِهِ أَثَرُ الماءَ والطِّينِ من صَبيحَةِ إحْدَى وعِشْرِين. "وعن أبي سعيد الخُدري: أنَّ رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم اعتَكفَ العَشرَ الأولَ من رمضان، ثم اعتَكَف العَشرَ الأوسطَ في قُبَّة تُركيَّةٍ"؛ أي: في قبة مِن لِبْدٍ، ضُربت في المسجد، وتُسمى بالفارسي: خاركاه. "ثم أَطلَعَ رأسَه"؛ أي: أخرجَه من القبة. "فقال: إني اعتكفتُ العَشرَ الأولَ ألتمسُ"؛ أي: أطلبُ "هذه الليلةَ"؛ يعني: ليلةَ القَدْر. "ثم اعتكفتُ العَشرَ الأوسطَ، ثم أُتيت"؛ أي: أتاني آتٍ من الملائكة. "فقيل لي: إنها"؛ أي: ليلةَ القَدْر "في العَشر الأواخر"، لا في العَشر الأول ولا في الأوسط، فعزمت أنَّ أعتكفَ العَشرَ الآخرَ. "فمَن كان اعتكفَ معي"؛ أي: أرادَ موافقتي "فَلْيعتكِفِ العَشرَ الأواخرَ، فقد أُريتُ هذه الليلةَ، ثم أُنسيتُها": كلاهما بصيغة المجهول، ولعل الحكمة في نسيانها: هو ألا يشتغلَ الناسُ بتعظيمها، ويتركوا تعظيم باقي الليالي، فأخفاها الله تعالى ليزدادوا جدًّا واجتهادًا في طلبها. "فلقد رأيتُني"؛ أي: رأيتُ في المنام أيضًا "أني أسجدُ في ماءٍ وطينٍ من صبيحتها"؛ أي: في صبيحة ليلة القَدْر، فنُسيت أيةَ ليلةٍ كانت، فالتَمِسُوها في العشر الأواخر، "والتَمِسُوها في كل وتِر، قال"؛ أي: الراوي: "فمطرتِ السماءُ تلك الليلةَ، وكان المسجدُ على عَرِيشٍ"؛ أي: بني على صورة العَرِيش، والعَرِيش والعَرْش: ما يُستظل به من البناء بالخشب أو الثمار، أو بهما.

стр. 1095

"فوَكَفَ المسجدُ"؛ أي: قَطَرَ سقفُه؛ لأنه كان من أغصان الشجر. "فبَصرَتْ عيناي"؛ أي: رَأَتَا "رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى جبهته أثرُ الماء والطين من صبيحة إحدى وعشرين". * * * ١٤٩٢ - وعن عبد الله بن أُنَيْس قال: أَمَرَهُ رسُولُ الله ﷺ أَنْ يقُومَ لَيْلَةَ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ. "وعن عبد الله بن أُنيس قال: ليلة ثلاث وعشرين"؛ أي: ليلةُ القَدْر هي ليلةُ ثلاثٍ وعشرين؛ لأنه ﷺ أَمَره بقيام تلك الليلة. * * * ١٤٩٣ - وعن أُبيِّ بن كَعْب: أنَّه حَلَفَ لا يَسْتَثْني أنَّها ليلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ، فقِيلَ لهُ: بأَيِّ شَيءٍ تقُولُ ذلك؟، قال: بالعلامَةِ التي أَخْبَرَنا رسولُ الله ﷺ : "أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ في صَبِيحَةِ يَوْمِها بَيْضاءَ لا شُعاعَ لها". "وعن أُبي بن كعب: أنَّه حَلَفَ لا يستثني" حال؛ أي: حَلَفَ حَلفًا جازمًا من غير أنَّ يقول عقيبه: إن شاء الله. "أنها": مفعول (حلف)؛ أي: حَلَفَ أنَّ ليلةَ القَدْرِ "ليلةُ سبعٍ وعشرين، فقيل له: بأيِّ شيءٍ تقول ذلك؟ قال: بالعلامة التي أخبَرَنا رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنْ تطلعَ الشمسُ في صبيحة يومِها بيضاءَ لا شُعاعَ لها"، قيل: إن الملائكةَ لكثرةِ اختلافِها في ليلتها ونزولِها إلى الأرض وصعودِها تَستُر بأجنحتها وأجسامها اللطيفة ضوءَ الشمس. * * *

стр. 1096

١٤٩٤ - وقالتْ عائشةُ ﵂: كانَ رسُولُ الله ﷺ يَجْتَهِدُ في العَشْرِ الأَواخِرِ ما لا يَجْتَهِدُ في غَيْرِه. "وقالت عائشة: كان رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم يجتهد"، أي: يُبالى في طلب ليلة القَدْر "في العَشر الأواخر من رمضان ما لا يَجتهد في غيره". * * * ١٤٩٥ - وقالت: كانَ النَّبيُّ إذا دَخَلَ العَشْرُ شَدَّ مَئْزَرَهُ، وأَحْيا لَيْلَهُ، وأَيْقَظَ أَهْلَهُ. "وقالت: كان رسول الله ﷺ إذا دخل العَشرُ شدَّ مِئزَرَه" بكسر الميم: الإزار، وشدُّه المِئزَر: كناية عن اجتنابِ النساءِ وتركِ غشيانهن، وعن الجدِّ والتشمير في العمل "وأحيا ليله وأيقظَ أهلَه" للعبادة وطلب ليلة القَدْر فيها. * * * مِنَ الحِسَان: ١٤٩٩ - عن عائشةَ ﵂ قالت: قُلتُ: يا رسُولَ الله!، أَرَأَيْتَ إنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ القَدْرِ، ما أقُولُ فيها؟، قال: "قُولي: اللهمَّ إنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي"، صحيح. "من الحسان": " عن عائشة قالت: قلتُ: يا رسولَ الله! أرأيتَ"؛ أي: أخبِرْني. "إنْ علمتُ": جوابه محذوف يدل عليه (أرأيتَ). "أيَّ ليلةٍ ليلةَ القَدْرِ ما أقول": متعلق بـ (أرأيت) معنًى. "فيها؟ "؛ أي: في تلك الليلة.

стр. 1097

"قال: قولي: اللهم إنك عفوٌّ تحبُّ العفوَ فاعفُ عني". "صحيح". * * * ١٤٩٦ - عن أبي بَكْرَة قال: سَمِعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "الْتَمِسُوا - يَعْني: لَيْلَةَ القَدْرِ - فِي تِسْعٍ يَبْقَيْنَ، أو سَبْعٍ يَبْقَيْنَ، أو خَمْسٍ يَبْقَيْنَ، أو ثَلاثٍ يَبْقَيْنَ، أو آخِرِ لَيْلَةٍ". "عن أبي بَكرة أنَّه قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: التَمِسُوها"؛ يعني: ليلةَ القَدْر. "في تسعٍ"؛ أي: تسعِ ليالٍ. "يَبقَينَ، أو سبعٍ يَبقَينَ، أو خمسٍ يبقين، أو ثلاثٍ، أو آخرِ ليلة". * * * ١٤٩٧ - وقال ابن عمر ﵄: سُئِلَ رسُولُ الله ﷺ عَنْ لَيْلَةِ القَدْرِ، فقال: "هيَ في كُلِّ رَمَضانَ"، ووقفَه بعضُهم على ابن عُمر. "وقال ابن عمر: سُئل رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن ليلة القَدْر، فقال: هي في كل رمضان"؛ أي: ليست مختصة بالعشر الأواخر، بل كلُّ ليلةٍ من شهر رمضان يمكن أنَّ يكونَ ليلةَ القَدْر. ولهذا لو قال أحد لامرأته في نصف رمضان أو أقل: أنتِ طالقٌ في ليلة القَدْر لا تَطُلق حتى يأتي رمضانُ السنة القابلة، فتَطلُق في الليلة التي علَّق فيها الطلاق. "فوقفه"؛ أي: هذا الحديثَ "بعضُهم على ابن عمر". * * *

стр. 1098

١٤٩٨ - عن عبد الله بن أُنَيْس ﵁ قال: قلتُ: يا رسُولَ الله!، إنَّ لي بادِيَةً أكُونُ فيها، وأنا أُصلِّي فيها بِحَمْدِ الله، فمُرْني بلَيْلَةٍ مِنْ هذا الشَّهْرِ أنْزِلُها إلى هذا المسْجدِ، قال: "انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلاثٍ وعِشْرِين"، قال: فكانَ إذا صَلَّى العَصْرَ دخلَ المسجدَ فلَمْ يَخْرُجْ إلَّا في حاجَةٍ حتَّى يُصَلِّيَ الصُّبْحَ. "عن عبد الله بن أُنيَس" - بالتصغير والتخفيف - "أنَّه قال: قلت: يا رسولَ الله! إن لي باديةً أكون فيها"؛ أي: أنا ساكن البادية. "وأنا أصلِّي فيها بحمد الله، ولكن أريد أنَّ أعتكفَ، فمُرْني بليلةٍ من هذا الشهر"؛ يعني: شهر رمضان. "أنزلها"؛ أي: أنزلُ فيها قاصدًا "إلى هذا المسجد"؛ أي: مسجده ﵊. "قال ﷺ : انزلْ ليلةَ ثلاثٍ وعشرين، قال"؛ أي: الراوي: "فكان" عبد الله ابن أنيس "إذا صلَّى العصرَ دخل المسجدَ، فلم يخرج إلا في حاجة حتى يصلِّيَ الصبحَ": يشير إلى أنها ليلةُ القَدْر. * * * ٨ - باب الاعتِكاف (باب الاعتكاف) وهو اللَّبث والإقامة في المسجد بنية الاعتكاف. مِنَ الصِّحَاحِ: ١٥٠٠ - عن عائشة رصيَ الله عنها: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَعْتكِفُ العَشْرَ

стр. 1099

الأَواخِرَ مِنْ رَمَضانَ حتَّى تَوَفَّاهُ الله، ثُمَّ اعْتكَفَ أزْواجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. "من الصحاح": " عن عائشة ﵂: أنَّ النبي ﵊ كان يعتكف العَشرَ الأواخرَ من رمضان حتى توفَّاه الله، ثم اعتكفَ أزواجُه من بعده". * * * ١٥٠١ - عن ابن عبَّاس ﵄ قال: كانَ رسُولُ الله ﷺ أجْوَدَ النَّاسِ بالخَيْرِ، وكانَ أَجْوَدُ ما يَكُونُ في رَمَضانَ، وكانَ جِبْرِيلُ يَلْقاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ في رَمَضانَ، يَعْرِضُ عَلَيْهِ النَّبيّ القُرْآنَ، فإذا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كانَ أَجْوَدَ بالخَيْرِ مَنَ الرِّيح المُرْسَلَة. "عن ابن عباس أنَّه قال: كان رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم أجودَ الناسِ"؛ أي: أكثرَهم جودًا وسَخَاوةَ. "بالخير": هو اسم جامع لكل ما يُنتفَع به. "فكان أجودُ ما يكون"، ما: مصدرية، والتقدير: كان أجودُ أوقاته وقتَ كونهإ في رمضان"؛ يعني: كان ﷺ أكثَر جودًا منه في سائر الشهور؛ لأن الوقتَ إذا كان أشرفَ يكون الجودُ فيه أفضلَ. "كان جبرائيلُ يلقاه"؛ أي: ينزلُ عليه "كلَّ ليلةٍ في رمضان يَعرِض عليه القرْآنَ"؛ أي: يقرأ عليه، وهذا تشريف من لله الكريم إليه ﷺ . "فإذا لقيَه جبرائيلُ كان أجودَ بالخير من الريح المرسلة"؛ أي: التي أرسلَها الله بالبشرى والرحمة في سرعة النفع والمبادرة إلى إيصال الخير.

стр. 1100

١٥٠٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: كانَ يُعْرَضُ عَلَى النَّبيِّ ﷺ القُرْآنُ كُلَّ عامٍ مَرَّةٍ، فَعُرِضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ في العامِ الَّذي قُبضَ فيهِ، وكانَ يَعْتكِفُ كُلَّ عامٍ عَشْرًا، فاعْتكَفَ عِشْرِينَ في العامِ الَّذي قُبضَ. "عن أبي هريرة أنَّه قال: كان يُعرَض": بصيغة المجهول. "على النبي ﷺ القرآنُ"؛ أي: يَعرِضُه جبرائيلُ على النبي ﷺ . "كُلَّ عامٍ مرةٍ"، ليقرأَه النبي ﷺ عليه بتجويد اللفظ وتصحيح المَخَارج، وليكونَ سُنَّةَ للتلامذة على الأساتذة في تجديدهم التجويد عليهم. "فعُرِضَ عليه مرتين في العام الَّذي قُبِضَ [فيه]، وكان يعتكفُ كلَّ عامٍ عشرًا، فاعتكف عشرين في العام الَّذي قُبض [فيه] ". * * * ١٥٠٣ - عن عائشة ﵂ قالت: كانَ رسُولُ الله ﷺ إذا اعْتَكَفَ أَدْنىَ إليَّ رَأْسَهُ وهو في المسْجدِ فأُرَجِّلُهُ، وكانَ لا يَدْخلُ البَيْتَ إلَّا لِحاجَةِ الإنْسانِ. "وعن عائشة أنها قالت: كان رسولُ الله ﷺ إذا اعتكف أدنى إلي رأسَه وهو في المسجد"؛ أي: أَخرجَ رأسَه من المسجد إلى حجرتي. "فأُرجِّله"؛ أي: أُسرِّح شَعرَ رأسِه. وهذا دليل على أنَّ المُعتكِف لو أخرجَ بعضَ أعضائه من المسجد لا يَبطُل اعتكافُه، وعلى أنَّ الترجُّلَ مباحٌ للمُعتكِف. "وكان لا يدخل البيتَ إلا لحاجة الإنسان" من الأكل والشرب ودفع الأخبثين، وهذا يدل على أنَّ للمُعتكِف أن يخرجَ لِمَا لا بدَّ له منه. * * *

стр. 1101

١٥٠٤ - ورُوي عن عمر ﵁: أنَّه سَألَ رسُولَ الله ﷺ قال: كُنْتُ نَذَرْتُ في الجاهِلِيَّةِ أنْ أعْتكِفَ لَيَلْةً في المسْجدِ الحَرامِ، قال: "فأوْفِ بنذْرِك". "ورُوي عن عمر: أنَّه سألَ رسولَ الله ﷺ قال: كُنْتُ نَذرتُ في الجاهليةِ أن أعتكفَ ليلة في المسجد الحرام، قال: فأوفِ بنذرِك": وهذا دليل أنَّ نذرَ الجاهلية إذا وافَقَ حكمَ الإسلام كان معمولًا به واجبًا وفاؤُه بعد الإسلام، وعليه الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا يصح. * * * مِنَ الحِسَان: ١٥٠٥ - عن أنس ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَعْتكِفُ في العَشْرِ الأَواخِرِ مِنْ رَمَضانَ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ عامًا، فَلَمَّا كانَ العامُ المُقْبلُ اعْتكَفَ عِشْرِينَ. "من الحسان": " عن أنس: أنَّ النبي ﷺ كان يعتكف في العَشر الأواخر من رمضان، فلم يَعتكفْ عامًا، فلما كان العائم المُقبِل اعتكفَ عشرين": وهذا يدل على استحباب قضاء ما فاته من السُّنَن المؤقتة. * * * ١٥٠٧ - وعن عائشة ﵂ أنَّها قالت: كانَ رسُولُ الله ﷺ إذا أَرادَ أنْ يَعْتكِفَ صلَّى الفِجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ في مُعْتكفِهِ. "وعن عائشة أنها قالت: كان رسولُ الله ﷺ إذا أراد أنَّ يعتكف صلَّى الفجر، ثم دخل في مُعْتَكَفِهِ": في موضع اعتكافه. فيه: بيان أن المُعتكِفَ يبدأ بالاعتكاف من أول النهار، وعليه أحمد.

стр. 1102

وقال أبو حنيفة والشافعي ومالك: قبل غروب الشمس من الليلة التي يريد أنَّ يعتكفَ في يومها. * * * ١٥٠٦ - وعن عائشة ﵂ قالتْ: كانَ رسُولُ الله ﷺ يعُودُ المَرِيضَ وهو مُعْتَكِفٌ، فيَمُرُّ كما هُو ولا يُعَرِّجُ يَسْألُ عَنْهُ. "وعن عائشة أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يعود المريضَ وهو مُعتكِف، فيمرُّ كما هو": الكاف صفة مصدر محذوف، و (ما): موصولة، ولفظ (هو): مبتدأ، والخبر محذوف، والجملة صلة؛ أي: فيمرُّ مرورًا مثلَ الهيئة التي هو عليها. "فلا يُعرِّج"؛ أي: فلا يميل عن الطريق إلى جانبٍ ولا يقف؛ يعني: كأنه إذا خرج لقضاء حاجته ورأى مريضًا في طريقه "يسأل عنه" ولا ينحرف عن الطريق إليه لعيادته. * * * ١٥٠٨ - وقالت عائشةُ ﵂: السُّنَّةُ عَلَى المُعْتكِفِ أنْ لا يَعُودَ مَرِيضًا، ولا يَشْهَدَ جنازَةً، ولا يَمَسَّ المَرْأَةَ، ولا يُبَاشِرَها، ولا يَخْرُجَ لَحاجَةٍ إلَّا لِمَا لا بُدَّ منه، ولا اعْتِكافَ إلَّا بصَوْمٍ، ولا اعْتِكافَ إلَّا في مَسْجدٍ جامِعٍ. "وقالت عائشة: السُّنَّة على المُعتكِف أذ لا يعودَ مريضًا"؛ أي: لا يخرج من مُعتكَفِه قاصدًا عيادتَه. "ولا يَشهَدَ"؛ أي: لا يَحضُر. "جنازةً، ولا يمسَّ المرأةَ ولا يُباشِرَها"؛ أي: لا يُجامِعَها. "ولا يخرجَ لحاجةٍ إلا لِمَا لابدَّ منه"؛ يعني: الدِّينُ والشَّرعُ اجتنابُ

стр. 1103

المُعتكِف هذه المذكوراتِ. "ولا اعتكافَ إلا بصوم"، وبه قال أبو حنيفة ومالك، وعند الشافعي: يصح بدون الصوم. "ولا اعتكافَ إلا في مسجد جامع"، معناه: نفي الفضيلة والكمال؛ لأن الأكثرَ على صحته في جميع المساجد، قال تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، ولم يفصِّل. قال مالك والشافعي: إذا كان اعتكافُه أكثرَ من ستة أيام فيجب أن يكون في المسجد الجامع؛ لئلا ينقطعَ اعتكافُه بالخروج إلى الجمعة، وإن كان أقلَّ، أو المُعتكِف ممن لا جمعةَ عليه، اعتكفَ في أيِّ مسجدٍ شاء. * * *

стр. 1104

شرح مصابيح السنة للإمام البغوي تأليف المحدث الفقيه ابن الملك الرومي محمد بن عبد اللطيف بن عبد العزيز الكرماني الرومي الحنفي المتوفى سنة ٨٥٤ هـ - رحمه الله تعالى - تحقيق ودراسة لجنة مختصة من المحققين بإشراف نور الدين طالب [المجلد الثالث]

стр. 1105

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1106

شَرْحُ مَصَابِيحِ السُّنَّةِ لِلإمَامِ البَغَوِيِّ [٣]

стр. 1107

٨ - كِتَابُ فَضَائِل القُرْآنِ

стр. 1108

٨ - كِتَابُ فَضَائِل القُرْآنِ (كتاب فضائل القرآن) جمع: فضيلة، وهي ما يفضَّل به الرجل على غيره، فبيَّن في هذا الباب فضلَ القرآن على سائر الكلام، وفضلَ تعليمه وتعلُّمه على تعليم وتعلُّم غيره من الكلام. مِنَ الصِّحَاحِ: ١٥٠٩ - روى عُثمان: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "خَيرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وعَلَّمَه". "من الصحاح": " عن عثمان بن عفان أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: خيرُكم مَن تعلَّم القرآنَ وعلَّمَه"؛ يعني: إذا كان خيرُ الكلامِ كلامَ الله فكذلك خيرُ الناسِ بعد النبيين مَن تعلَّم كلامَ الله وعلَّمَه. * * * ١٥١٠ - وقال: "أَيُّكُمْ يُحِبُّ أنْ يَغْدُوَ كُلَّ يومٍ إلى بُطْحانَ أَوْ العَقِيقِ، فَيَأتيَ بناقَتَيْنِ كَوْماوَيْنِ في غَيْرِ إثْمٍ ولا قَطْعِ رَحِمٍ؟ " قالوا: يا رسُولَ الله!،

стр. 1109

كُلُّنا يُحِبُّ ذلك، قال: "فَلأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ إلى المَسْجدِ فَيَعْلَمَ أو يَقْرَأَ آيَتَيْنِ مِنْ كِتابِ الله تعالى خَيْرٌ لهُ مِنْ ناقَتَيْنِ، وثَلاثٌ خَيْرٌ لهُ مِنْ ثَلاثٍ، وأَرْبَعٌ خَيْرٌ لهُ مِنْ أرْبَعٍ ومِنْ أَعْدادِهِنَّ مِنَ الإبلِ". "وعن عقبة بن عامر أنَّه قال: قال رسول الله ﵊: أَيُّكم يحبُّ أن يَغْدُوَ كلَّ يوم إلى بُطْحان" بضم الباء وسكون الطاء، وعليه الاكثر، وقيل: بفتح الباء وكسر الطاء. "أو العقيق": هما واديان من أودية المدينة على ثلاثة أميال منها، وقيل: ميلَين، وخصَّهما بالذِّكر؛ لأنهما أقربُ الأودية التي تُقام فيها أسواقُ الإبل إلى المدينة. "فيأتي بناقتين كَوْمَاوَين" تثنية: كَوماء، وهي الناقة العظيمة السَّنام، وهي مِن أَنْفَسِ المتاجر عندهم، وأصل الكَوم - بالفتح -: الارتفاع والعلو، قُلبت الهمزة في التثنية واوًا. "في غير إثمٍ"؛ أي: في غير ما يُوجِب إثمًا، كسرقةٍ أو غَصبٍ، يُسمى مُوجِب الإثم: إثمًا مجازًا. "ولا قطع رَحِم؟ " من خصومة وغيرها. "قالوا: يا رسولَ الله! كلُّنا نحبُّ ذلك، قال: فلأنْ يغدوَ أحدكم إلى المسجد، فيتعلَّم أو يقرأ" - شك من الراوي - "آيتين": تنازَعَ فيه العاملان على جهة المفعولية. "من كتاب الله خيرٌ له": خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هما خيرٌ له "من ناقتين"، قاله ﵊ على وفق ما كان يَغتنِمُه المخاطَب ويبتغيه، وإلا فالآيةُ الواحدةُ خيرٌ من الدنيا وما فيها، أو كونها خيرًا منها لا ينافي خيريتها على ذلك؛ لأنه لم يَقصُر الخيريةَ فيها.

стр. 1110

"وثلاث"؛ أي: ثلاثُ آيات "خير له من ثلاث" من الإبل. "وأربعٌ خير له من أربعٍ ومن أعدادهن" جمع: عَدَد. "من الإبل": بدل منها أو بيان لها؛ أي: وأكثرُ من أربعٍ خيرٌ من أعدادهن؛ فستُّ آيات خيرٌ من ستٍّ من الإبل، وَهَلُمَّ جَرًّا. أو المعنى: أنَّ الآيات تُفضَّل على مثل عددها من النُّوق، وعلى مثل أعدادها من الإبل؛ لأن قراءة القرآن تنفع الرجلَ في الدنيا والآخرة؛ بأن يُحفظ ببركته من البلايا في الدنيا ويُعطَى الجنةَ في الآخرة، وأما الإبلُ فمتعلقةٌ بتمتع الدنيا، ﴿وَالْآخِرُة خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾. * * * ١٥١١ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ إذا رَجَعَ إلى أَهْلِهِ أنْ يَجدَ فبهِ ثلاثَ خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ؟ "، قلنا: نَعم، قال: "فَثَلاثُ آياتٍ يَقْرَأُ بِهِنَّ أَحَدُكُمْ في صَلاتِهِ خَيْرٌ لهُ مِنْ ثَلاثِ خَلِفَاتٍ عِظامٍ سِمَانٍ". "وعن أبي هريرة أنَّه قال: قال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أيحبُّ أحدكم إذا رجعَ إلى أهله أن يجدَ فيه"؛ أي: في طريقه. "ثلاثَ خَلِفَاتٍ" جمع: خَلِفَة - بالفتح ثم الكسر -، وهي الحامل من النُّوق. "عِظَامٍ سمَانٍ؟ قلنا: نعم، قال: فثلاثُ آياتٍ يقرأ بهن أحدُكمَ في صلاته خيرٌ له من ثلاث خَلِفَاتٍ عِظَامٍ سِمَانٍ". * * *

стр. 1111

١٥١٢ - وقال: "المَاهِرُ بالقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، والذي يَقْرِأُ القُرْآنَ ويَتتَعْتَعُ فيهِ وهو عليهِ شاقٌّ لهُ أجْرانِ". "عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: الماهرُ بالقرآن"؛ أي: الحاذِقُ الكاملُ في حفظِه، وجازَ أن يريد به جودةَ اللفظ وإخراجَ كلِّ حرفٍ من مَخْرَجه. "مع السَّفَرة" جمع: السافر، وهو الكاتب، أراد بهم: الملائكة الذين يكتبون أعمالَ العباد ويحفظونها لأجلهم، وقيل: هم حَمَلَة اللوح المحفوظ، كما قال الله تعالى: ﴿بِأَيْدِى سَفَرَةٍ (١٥) كِرَام بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥ - ١٦]. سُمُّوا بذلك؛ لنقلِهم الكتبَ الإلهيةَ المنزلةَ إلى الأنبياء، فكأنهم يستنسخونها، والمعنى الجامع بينهم: كونُهم من خَزَنَة الوحي وأُمناء الكتاب. قيل: معنى كونه معهم: أن يكونَ في منازلهم ورفيقًا لهم في الآخرة؛ لاتِّصافه بصفتهم من جهة أنَّه حاملُ الكتاب، أو من: السَّفْر، بمعنى: الإصلاح، فالمراد: الملائكة النازلون بأمر الله بما فيه مصلحة العباد، من حفظهم عن الآفات، ودفعهم عن المعاصي، وإلقاء الخير في قلوبهم. "الكرام" جمع: الكريم. "البَرَرَة" جمع: البارّ، بمعنى: المُحسِن. "والذي يقرأ القرآن ويتتعتع فيه"، يقال: تَعْتَعَ لسانَه: إذا توقَّف في الكلمات وعَثَرَ؛ أي: لا يطيعه لسانُه في القراءة. "وهو عليه"؛ أي: القرآنُ على ذلك القارئ "شاقٌّ"؛ أي: شديدٌ، تصيبه مشقة في قراءته. "له أجران": أجر القراءة، وأجر تحمُّل المشقة.

стр. 1112

وهذا تحريض على القراءة، وليس معناه: أن أجرَه أكثرُ من أجر الماهر، فكيف ذلك وهو مع السَّفَرة الكِرَام البَرَرَة؟ * * * ١٥١٣ - وقال: "لا حَسَدَ إلَّا في اثْنتَيْنِ: رَجُلٌ آتاهُ الله القُرْآنَ، فهو يَقُومُ بهِ آنَاءِ اللَّيْلِ وآناءَ النَّهارِ، ورَجُلٌ آتاهُ الله مالًا فهو يُنْفِقُ منهُ آناءَ اللَّيْلِ وآناءَ النَّهارِ". "وعن ابن عمر أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا حسدَ"؛ أي: لا غِبطَة. "إلا في اثنتين: رجل آتاه الله"؛ أي: أعطاه الله "القرآنَ، فهو يقوم به" والقيام به: وهو العمل به، أو تلاوته، أو كلاهما. "آناء الليل وآناء النهار"؛ أي: ساعاتِهما. "ورجل آتاه الله مالًا، فهو ينفق منه آناءَ الليل وآناءَ النهار". * * * ١٥١٤ - وقال: "مثَلُ المُؤْمِن الَّذي يَقْرَأُ القُرْآنَ مَثَلُ الأُترُجَّةِ ريحُها طَيبٌ وطَعْمُها طَيبٌ، ومَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذي لا يَقْرَأُ القُرآنَ مَثَلُ التَّمْرَةِ لا رِبحَ لها وطَعْمُها حُلْوٌ، ومَثَلُ المُنافِقِ الَّذي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الحَنَظَلَةِ لَيْسَ لَها ريحٌ وطَعْمُها مُرٌّ، وَمَثَلُ المُنافِقِ الَّذي يَقَرْأُ القُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحانَةِ ربحُها طَيَّبٌ وطَعْمُها مُرٌّ". وفي روايةٍ: "المُؤْمِنُ الَّذي يَقْرأُ القُرْآنَ ويَعْمَلُ بهِ كالأُتْرُجَّة، والمُؤْمِنُ الَّذي لا يَقْرَأُ القُرْآنَ ويَعْمَلُ بهِ كالتَّمْرَة".

стр. 1113

"وعن أبي موسى الأشعري أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : مَثَلُ المؤمن الَّذي يقرأ القرآنَ مَثَلُ الأُتْرُجَّة" بضم الهمزة، ثم السكون وتشديد الجيم؛ أي: أحسنُ الثمار الشجرية وأَنْفَسُها عند العرب لحسن منظرها. "ريُحها طيب وطعمُها طيب": ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾، تفيد: طِيب النكهة، ودباغ المَعِدَة، وقوة الهضم، منافعها كثيرة مذكورة في كتب الطب، فكذلك المؤمن القارئ طيب الطعم؛ لثبوت الإيمان في قلبه، وطيب الريح؛ لأن الناسَ يستريحون بقراءته ويجدون الثوابَ بالاستماع إليه، ويتعلَّمون القرآنَ منه. "ومَثَلُ المؤمن الَّذي لا يقرأ القرآن مَثَلُ التمرة؛ لا ريحَ لها، وطعمُها حلو": فهو كذلك، طيَّبَ باطنَه وذاتَه بالإيمان، لكن لا يستريح الناسُ بقراءته القرآنَ. "ومَثَلُ المنافق الَّذي لا يقرأ القرآنَ كمَثَلِ الحَنظلة؛ ليس لها ريحٌ، وطعمُها مُرٌّ": فهو كذلك، باطنُه خبيثٌ بكتمانه الكفرَ، ولا يحصل من ظاهره خيرٌ لأحدٍ. "ومَثَلُ المنافق الَّذي يقرأ القرآنَ مَثَلُ الريحانة؛ ريحُها طيب، وطعمُها مُرٌّ"، فإنه يحصل منه راحةٌ إلى الناس باستماعهم القرآن منه، ولكن باطنَه خبيثٌ كطعم الريحانة. "وفي رواية: المؤمن الَّذي يقرأ القرآنَ ويعمل به كالأُتْرُجَّة، والمؤمن الَّذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالتمرة". * * * ١٥١٥ - وقال: "إنَّ الله تعالى يَرْفَعُ بهذا الكَتابِ أقوامًا ويَضَعُ بهِ آخَرِين".

стр. 1114

"وعن عمر ﵁ أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا"؛ أي: بالقرآن درجةَ أقوامٍ، وهم مَن آمَنَ به وعملَ بمقتضاه. "ويضع به آخرين"، أي: يحطُّ بالقرآن أقوامًا آخرين، وهم مَن أَعرضَ عنه ولم يحفظْ وصاياه. * * * ١٥١٦ - وعن أبي سَعيد الخُدْري ﵁: أن أُسَيد بن حُضَيرٍ بَيْنَما هُوَ يَقْرَأُ مِنَ اللَّيْلِ سُورَةَ البَقَرَةِ وَفَرَسُهُ مربُوطٌ عِنْدَهُ إذْ جالَتْ الفَرَسُ، فسكَتَ فسَكَنَتْ، فقَرَأَ فجَالَتْ، فسَكَتَ فسَكَنَتْ، ثُمَّ قَرَأَ فجالَتْ، فلمَّا أصْبَحَ حَدَّثَ بهِ النَّبيَّ ﷺ قال: فَرَفَعْتُ رأْسي إلى السَّماءِ، فإذا مِثْلُ الظُّلةِ فيها أَمْثالُ المَصَابيح عَرَجَتْ في الجَوِّ حتَّى لا أَراها، قال: "تلكَ المَلائِكةُ دَنَتْ لِصَوتِكَ، ولَوْ قَرَأْتَ لأَصْبَحَتْ يَنْظُرُ النَّاسُ إلَيْها لا تتَوارَى مِنْهُم". "وعن أبي سعيد الخُدري: أن أُسيد بن حُضير": بضم الحاء المهملة على صيغة تصغير. "بينما هو يقرأ من الليل سورةَ البقرة، وفَرَسُه مربوطةٌ عنده"، قيل: التأنيث في (مربوطة) على تأويل الدابة، وصوابه: أن الفَرَسَ يقع على الذكر والأنثى، كذا قاله الجوهري. "إذ جالَتِ الفَرَسُ"؛ أي: دارَ دورة لوجدانها ذوقًا وراحةً من سماع القرآن. "فسكتَ عن القراءة، فسَكَنَتْ"؛ لذهاب ذلك الذوق منها، ويحتمل أن يكون تحرُّكها عند القراءة لدنوِّ الملائكة وخوفها منهم، وسكونُها عند سكوت

стр. 1115

القارئ لصعودِهم وبُعدِهم عنها. "فقرأ، فجالَتْ، فسكتَ، فسَكَنتْ، ثم قرأ، فجالت، فلما أصبح حدَّث النبيَّ ﵊ قال"؛ أي: أُسيد بن حُضير: "فرفعتُ رأسي إلى السماء فإذا مثلُ الظُّلَّة": وهي ما يقي الرجلَ من الشمس، كسحابٍ أو بيتٍ أو غيرها، يريد: مثلُ سحابةٍ. "فيها أمثال المصابيح عَرَجَتْ في الجَو"؛ أي: صعدتْ فيما بين السماء والأرض. "حتى لا أراها، قال"؛ أي: النبي ﷺ : "تلك الملائكةُ دَنَتْ لصوتك"، يظهر نورُهم للقارئ كالمصابيح. "ولو قرأتَ"؛ أي: لو لم تسكتْ عن القراءة "لأصبحت" تلك الملائكةُ "ينظر الناسُ إليها"؛ أي: إلى الظُّلَّة. "لا تتَوارَى منهم"؛ أي: لا تحتجب ولا تستر عن أبصار الناس. * * * ١٥١٧ - عن البَرَاء ﵁ قال: كانَ رجُلٌ يَقْرَأُ سُورَةَ الكَهْفِ وإلى جانِبهِ حِصانٌ مَرْبُوطٌ بشَطَنَيْنِ، فتَغَشَّتْه سَحابةٌ، فجَعَلَتْ تَدْنُو وتَدْنُو، وجَعَلَ فرَسُهُ تنفِر، فلمَّا أَصْبَحَ أتَى النَّبيَّ ﷺ ، فذَكَرَ ذلك لهُ فقال: "تِلكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بالقُرْآنِ". "وعن البراء أنَّه قال: كان رجلٌ يقرأ سورةَ الكهف، وإلى جانبه حِصانٌ" بالكسر: الفَرَس الفحل. "مربوطٌ بشَطَنَين": الشَّطَن - بفتحتين: الحبل الطويل الشديد الفتل، وفيه: إشعار بأن الحِصانَ كان جَمُوحًا مستصعبًا.

стр. 1116

"فتغشَّتْه"؛ أي: سَتَرَتْه. "سحابة"؛ أي: وقفتْ فوقَ رأسه كقطعة سحاب. "فجعلتْ"؛ أي: فطفقتْ تلك السحابةُ "تدنو وتدنو"؛ أي: تَقرُب من العلو إلى السفل لسماع قراءة القرآن. "وجعل فَرَسُه"؛ أي: أراد "يَنْفِر" - بكسر الفاء - من: النفور؛ وهو أشبه، وفي "البخاري": (ينقز) بالقاف والزاي المعجمة؛ أي: يثب. "فلما أصبحَ أتى النبيَّ ﵊، فذكر ذلك له، فقال: تلك السَّكينة": وهي السكون والطمأنينة، و (تلك): إشارة إلى السحابة؛ أي: تلك الحالة التي يطمئنُّ ويَسكُن بها القلبُ عن الرعب والميل إلى الشهوات. وقيل: هي الرحمة، وقيل: مَلَك الرحمة، وقيل: الوقار. "تنزَّلت بالقرآن"؛ أي: بسببه ولأجله. * * * ١٥١٨ - عن أبي سَعيد بن المُعَلَّى ﵁ قال: كُنْتُ أُصَلِّي، فدَعاني النَّبيّ ﷺ ، فَلَمْ أُجِبْه حتَّى صلَّيْتُ، ثمَّ أتَيْتُ، فقال: "ما مَنَعَكَ أَنْ تَأَتِيَني؟ "، فقلتُ: كُنْتُ أُصَلِّي، فقال: "أَلَمْ يَقُلِ الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ "، ثُمَّ قال: "أَلا أُعَلِّمُكَ أعْظَمَ سُورَةٍ في القُرْآنِ قَبْلَ أنْ أخْرُجَ مِنَ المسْجدِ؟ "، فَأخَذَ بِيَدي، فلمَّا أَرَدْنا أنْ نخرُجَ قُلْتُ: يا رسُولَ الله!، إنَّكَ قُلتَ: "أَلَا أُعَلِّمُكَ أعْظَمَ سُوَرةٍ في القُرْآنِ"، قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ هيَ السَّبْعُ المَثَاني، والقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذي أُوتيتُهُ". "عن أبي سعيد بن المعلَّى، وهو أنصاري، قال: كنت أصلِّي"، وقصته أنَّه قال: مررتُ ذاتَ يوم على المسجد، ورسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم على المِنبر، فقلت: لقد حَدَثَ أمر، فجلست، فقرأ رسول الله ﷺ : ﴿قَدْ نَرَى

стр. 1117

تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية، فقلت لصاحبي: تعالَ حتى نركع ركعتين قبل أن ينزلَ رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فنكونَ أولَ مَن صلَّى، فكنت أصلِّي، "فدعاني النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فلم أُجِبْه حتى صلَّيتُ، ثم أتيت، فقال: ما منعَك أن تأتيَني؟ فقلت: كنت أصلِّي، فقال: ألم يقل الله: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ "، فيه: دليل على أن إجابةَ الرسولِ إذا دعا أحدًا في الصلاة لا تُبطل صلاتَه. "ثم قال: ألا أُعلِّمك أعظمَ سورةٍ في القرآن قبلَ أن أخرجَ من المسجد؟ فأخذ بيدي، فلما أرادنا أن نخرجَ قلت: يا رسولَ الله! إنك قلت: ألا أعلِّمك أعظمَ سورة في القرآن؛ قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ "؛ أي: هي ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ سَمَّى الفاتحةَ (أعظم سورة)؛ لاشتمالها على المعاني التي في القرآن: من الثناء على الله بما هو أهله، والتعبّد بالأمر والنهي، ومن الوعد والوعيد؛ لأن فيه ذِكرَ رحمة الله على الوجه الأبلغ الأشمل، وذِكرَ تفرّده بالملك وعبادة عباده إياه، واستعانتهم إياه، وسؤلهم منه؛ ولا سورةَ بهذه المَثَابة. "هي السَّبع المَثَاني"، سُميت (السَّبْع)؛ لأنها سبعُ آيات، و (مثاني)؛ لأنها تُثنَّى في الصلاة؛ أي: تُكرَّر فيها في كل ركعة مرَة، وقيل: لأنها استَثنتْ لهذه الأمة؛ أي: استَخرجت [ما] لم ينزل على مَن قبلها مِن الثناء، أو لِمَا فيها من الثناء، (مَفَاعِل) منه. "والقرآن العظيم الَّذي أُوتيتُه"، قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧]، وهي هنا: الفاتحة أيضًا. وفيه: دليل على جواز إطلاق القرآن على بعضه. * * * ١٥١٩ - وقال: "لا تَجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ مَقَابرَ، إنَّ الشَّيْطانَ يَنْفِرُ مِنَ البَيْتِ

стр. 1118

الَّذي يُقْرأُ فيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ". "وعن أبي هريرة أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تجعلوا بيوتَكم مقابِرَ"؛ أي: كالمقابر في خلوِّها عن الذِّكر والطاعة، بل اجعلوا لها من القرآن نصيبًا، أو معناه: لا تَدفنوا موتاكم فيها. "إن الشيطانَ يَنفرُ من البيت الَّذي يُقرأ فيه سورةُ البقرة"، خصَّ هذه السورةَ بفرار الشيطان؛ لطولها، وكثرةِ الأحكام الدينية، وكثرة الأسماء العِظَام التي لله فيها. وفي الحديث: دلالة على عدم كراهة أن يقال: سورة البقرة، وحجة على مَن كرهه وقال: ينبغي أن يقال السورة التي فيها البقرة. * * * ١٥٢٠ - وقال: "اقْرَأُوا القُرْآنَ، فإنَّهُ يَأتِي يَوْمَ القِيامَةِ شَفِيعًا لِأصْحابهِ، اقْرأُوا الزَّهْراوَيْن: البَقَرَةَ وسُورَةَ آلِ عِمْرانَ، فإنَّهُمَا تَأْتِيانِ يَوْمَ القِيامَةِ كَأنَّهُما غَمامَتانِ أو غَيايَتانِ أو فِرْقانِ مِنْ طَيْرٍ صَوافَّ تُحاجَّانِ عَنْ أصْحابهِما، اقْرأُوا سُورَةَ البَقَرَةِ، فإن أخْذَهَا بَرَكَةٌ، وتَرْكَها حَسْرَةٌ، ولا يَسْتَطِيعُها البَطَلَةُ". "وعن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اقرؤوا القرآنَ؛ فإنه يأتي يومَ القيامة شفيعًا لأصحابه": يجوز أن تكون الشفاعةُ للملائكة الذين شهدوا تلاوتَه، أُسندت إلى القرآن مجازًا؛ لكونه سببًا لها، وأن تكونَ للقرآن بأن يجعلَه الله في صورة وأَنطقَه. "اقرؤوا الزَّهراوَين"؛ أي: المُنيرين، تثنية: الزهراء، تأنيث الأزهر، وهو الأبيض المُستنير. "البقرة وسورة آل عمران"، سُميتا بهما؛ لأنهما أكثرُ نورًا لكثرة الأحكام

стр. 1119

الشرعية، وكثرة أسماء الله العِظَام فيهما، فكأنهما بالنسبة إلى ما عداهما عند الله مكانُ القَمَرَين من سائر الكواكب. "فإنهما يأتيان يومَ القيامة"، إتيانهما: كناية عن إتيان ثواب قراءتهما، بأن يُصوِّرَ الله تعالى صورتَين مناسبتَين لثوابهما، فيجيئان. "كأنهما غَمَامتانِ": وهي ما يغمُّ الضوءَ ويمحوه لشدة كثافته. "أو غَيَايتان": وهي ما يكون أدون منها فيحصل عنده الضوء والظِّل جميعًا. "أو فِرْقان" - بالكسر ثم السكون - تثنية: فِرْق، بمعنى: الطائفة. "من طَير" جمع: طائر. "صَوَافَّ" جمع: صافَّة؛ أي: باسطاتٍ أجنحتَها. "تُحاجَّان عن أصحابهما"؛ أي: تدفعانِ الجحيمَ والزبانيةَ والأعداءَ عن الذين قرؤوهما في الدنيا، ويتشفَّعانِ لهم عند الله. قيل: (أو) هنا للتقسيمِ تقسيمِ الظُّلَل على قَدْر الثواب؛ إن كان في الدرجة العليا بأن يكون قارئهما عالمًا معناهما ومعلِّمًا مَن يطلبهما من المستفيدين كانت كغمامة. وفي الدرجة الوسطى بألا يكون معلِّمًا كانت كغَيَاية. وفي الدرجة الأدنى بألا يكون عالِمًا ولا متعلِّما ولا معلِّمًا كانت كفِرقتَين من الطير صافَّتَين. "اقرؤوا سورةَ البقرة؛ فإن أخذَها بركةٌ وتركَها حسرةٌ"؛ أي: ندامةٌ. "ولا يستطيعها البَطَلَةُ": وهي السَّحَرة، جمع: باطل، ضد الحق؛ أي: أن أهلَ الباطل والسِّحر لا يجدون التوفيقَ لتعلُّمهما ودراية معانيهما.

стр. 1120

ويحتمل أن يكون من: الباطل، بمعنى: الكَسلان؛ أي: لا يَقدِر أن يتعلَّمها لطولها. * * * ١٥٢١ - وقال: "يُؤْتى بالقُرْآنِ يومَ القِيامَةِ وأَهْلِهِ الذينَ كانُوا يَعْمَلُونَ بهِ تَقْدُمُهم سُورَةُ البَقَرَةِ وآلُ عِمْرانَ، كأنَّهما غَمامَتانِ أو ظُلَّتانِ سَوْداوانِ بَيْنَهُما شَرْقٌ، أو كأَنَّهُما فِرْقانِ مِنْ طَيْرٍ صَوافَّ تُحاجَّانِ عَنْ صاحِبهِما". "وعن نوَّاس بن سِمعان أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يُؤتَى بالقرآن يومَ القيامة وأهلِه الذين كانوا يعملون به تَقدُمُه": يُفهم منه أن مجردَ التلاوة لا يجعل الشخصَ من أهل القرآن ما لم يعمل به، الضمير راجع إلى (القرآن). "سورةُ البقرة وآلُ عمران، كأنهما غَمَامتانِ أو ظُلَّتانِ" بضم الظاء: ما يُظلِّلك، وقيل: هي أولُ سحابة تُظلُّك. "سوداوان"، وصفهما بالسواد لكثافتهما وارتكام البعض منهما على البعض، وذلك أبلغ في المقصود من الظلال، قيل: إنما جُعلتا كالظُّلتين لتكونا أخوفَ، وأشدَّ تعظيمًا في قلوب خُصَمائهما؛ لأن الخوفَ في الظُّلة أكثر. "بينهما شَرْق" بسكون الراء: الضوء والانفراج؛ أي: بينهما فاصلة من الضوء، قيل: يحتمل أن تكون هذه الفاصلة لتمييز إحدى السورتين عن الأخرى، كما فُصل بين السورتين في المصحف بالتسمية. "أو كأنهما فِرْقانِ من طيرٍ صوافَّ تُحاجَّان عن صاحباهما". * * * ١٥٢٢ - وعن أُبيِّ بن كَعْبٍ ﵁؛ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "يا أَبا

стр. 1121

المُنْذِرِ!، أَتَدْرِي أيُّ آيَةٍ مِنْ كِتابِ الله مَعَكَ أعْظَمُ؟ "، قُلتُ: الله ورسُولُه أعلَمُ، قال: "يا أَبا المُنْذِرِ! أَتَدْرِي أَيُّ آيةٍ مِنْ كتابِ الله مَعَكَ أعْظَمُ؟ "، قُلتُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، قال: فَضَرَبَ بِيَدِهِ في صَدْرِي وقال: "لِيَهْنِكَ العِلْمُ يا أَبا المُنْذِرِ"، ثم قال: "والذي نفس محمد بيده، إنَّ لهذهِ الآيةِ لِسانًا وشَفَتَيْنِ تُقَدِّسُ المَلِكَ عِنْدَ ساقِ العَرْشِ". "وعن أُبي بن كعب أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يا أبا المنذر! ": كنية أُبي بن كعب. "أتدري أيُّ آية من كتاب الله تعالى معك أعظمُ؟ قلت: الله ورسوله أعلم": كان أُبي يَعلَم ذلك، ولكن لم يُجبْه تعظيمًا له، ورعايةً للأدب بين يديه ﵊. "قال: يا أبا المنذر! أتدري أيُّ آية من كتاب الله معك أعظمُ؟ قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾: وإنما أجابه حين كرَّر ﷺ السؤال؛ لعلمِه أنه ﷺ يريد امتحانَه ودرايتَه بما سأله أولًا، وإنما كانت (آية الكرسي) أعظمَ؛ لأن ما اشتملت عليه من صفات الله وغيرها لا توجد مجموعةً في آيةٍ سوى هذه الآية. "قال: فضرب في صدري": وهذا تلطُّفٌ منه ﷺ ؛ ليتمكَّن العلمُ في صدره. "فقال: لِيَهْنَكَ العلمُ"؛ أي: لِيَكنِ العلمُ هنيئًا لك "يا أبا المنذر": هذا دعاء له بتيسير العلم له ورسوخه فيه. * * * ١٥٢٣ - عن أبي هُريرة ﵁ أنّه قال: وَكَّلَني رسُولُ الله ﷺ بحِفْظِ زَكَاةِ رمَضانَ، فَأَتاني آتٍ، فجَعَلَ يَحْثُو مَنَ الطَّعامِ، فأخَذْتُهُ فقلتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إلى

стр. 1122

رسُولُ الله ﷺ ، قال: دَعْني، إنِّي مُحْتاجٌ، وعَلَيَّ عِيالٌ، ولي حاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قال: فَخَلَّيْتُ عنهُ، فأَصْبَحْتُ فقالَ النَّبيّ ﷺ : "يا أبا هُرَيْرَةَ! ما فعلَ أسِيُركَ البارِحَةَ؟ "، قلتُ: يا رسولَ الله! شكا حاجةً شَدِيدَةً وعِيالًا، فرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبيلَهُ، قال: "أما إنَّهُ سَيَعُودُ"، فَرَصَدْتُهُ، فجاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعامِ، فأَخَذْتُهُ، وقلت: لأَرْفَعنَّكَ إلى رسولِ الله ﷺ ، قال: دَعْني، فإنِّي مُحْتاجٌ، وعليَّ عَيالٌ، ولا أَعُودُ، فرَحِمْتُهُ فخَلَّيْتُ سَبيلَهُ، فأصْبَحْتُ، فقالَ رسُولُ الله ﷺ : "يا أبا هُرَيْرَةَ! ما فعلَ أَسِيرُكَ البارحةَ؟ "، قلتُ: يا رسُولَ الله! شَكا حاجَةً وعِيالًا، فرحِمتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبيلَهُ، فقالَ: "أما إنَّهُ كَذَبَكَ، وسَيَعُودُ"، فرصَدْتُهُ، فجاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعامِ، فأَخَذْتُهُ فقلتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إلى رسُولِ الله ﷺ ، وهذا آخِرُ ثَلاثٍ مَرَّاتٍ، أنَّك تَزْعُمُ لا تعُودُ، ثُمَّ تَعُودُ، قال: دَعني أُعَلِّمُكَ كَلماتٍ يَنْفَعُكَ الله بها: إذا أَوَيْتَ إلى فِراشِكَ، فاقرَأْ آيةَ الكُرْسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حتَّى تَخْتِمَ الآيةَ، فإنَّكَ لا يَزالُ عَلَيْكَ مِنَ الله حَافِظٌ، ولا يَقْرَبُكَ شَيْطانٌ حتَّى تُصْبحَ، فَخَلَّيْتَ سَبيلَهُ، فأصْبَحْتُ، فقال لي رسُولُ الله ﷺ : "ما فعلَ أسِيرُكَ؟ "، قلتُ: زَعَمَ أنَّهُ يُعَلِّمُني كَلِماتٍ يَنْفَعُني الله بها، قال: "أما إنَّهُ صَدَقَكَ وهو كذوبٌ، أتَعْلَمُ مَنْ تخاطِبُ منذُ ثلاثِ ليالٍ؟ "، قال: "ذاكَ شيطانٌ". "عن أبي هريرة ﵁ قال: وكَّلَني رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان"؛ أي: بجميع زكاة الفطر ليفرِّقَها ﵊ على الفقراء. "فأتاني آتٍ، فجعل يحثو من الطعام"؛ أي: طفقَ يأخذ هَيلًا بلا كَيلٍ ويجعله في ذيله أو وعائه، كحثي التراب، والمراد بالطعام: البُرُّ ونحوه مما يُزكَّى به في الفِطرة.

стр. 1123

"فأخذتهُ وقلتُ: لأرفعنَّك"؛ أي: لأذهَبن بك "إلى رسول الله ﷺ ، ليقطعَ يدك؛ فإنك سارقٌ. "قال: إني محتاجٌ وعليَّ عيالٌ ولي حاجة شديدة، قال" أبو هريرة: "فخلَّيت عنه"؛ أي: تركتُه. "فأصبحت، فقال النبي ﷺ : يا أبا هريرة! ما فعلَ أسيرُك البارحة؟ قلت: يا رسولَ الله! شكا حاجةً شديدةً وعيالًا، فرحمتُه، فخلَّيت سبيلَه، قال"؛ أي: النبيُّ ﷺ : "أَمَا" بالتخفيف: حرف تنبيه. "إنه" بكسر الهمزة، أي: أَعلَمُ أنَّه "سيعود، فرصدتُه"؛ أي: انتظرتُه. "فجاء يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: لأرفعنَّك إلى رسول الله ﷺ ، قال: دَعْني؛ فإني محتاجٌ وعليَّ عيالٌ، لا أعود، فرحمتُه فخلَّيتُ سبيلَه، فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ : يا أبا هريرة! ما فعلَ أسيرُك؟ قلت: يا رسولَ الله! شكا حاجةً وعيالًا، فرحمتُه، فخلَّيت سبيلَه، فقال: أَمَا إنه كذبك وسيعود، فرصدتُه، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: لأرفعنَّك إلى رسول الله ﷺ ، وهذه آخرُ ثلاثِ مراتٍ، إنك تزعم لا تعود"، أي: تظنُّ أنك لا تعود. "ثم تعود، قال: دَعْني أعلِّمْك كلماتٍ ينفعك الله بها: إذا أَويتَ"؛ أي: إذا دخلتَ إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حتى تختم الآية؛ فإنك لن يزالَ عليك من الله "حافظٌ، ولا يَقرَبُك شيطانٌ حتى تصبحَ، فخلَّيتُ سبيلَه، فأصبحت، فقال لي رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما فعلَ أسيرُك؟ قلت: زعم أنَّه يعلِّمني كلماتٍ ينفعني الله بها، قال ﷺ : أَمَا إنه صَدَقَك"؛ أي: صَدَقَ فيما ذَكَر لك من خاصية آية الكرسي؛ فإنه مَن قرأها يصير محفوظًا من شرِّ الأشرار ببركتها.

стр. 1124

"وهو كَذُوب" في سائر أقواله وأفعاله. "تَعْلَم"؛ أي: أتعلم "مَن تُخاطب منذ ثلاث ليال؟ فقلت: لا، قال: ذلك شيطان". والحديث يدل على أن تعلُّم العلم جائزٌ ممن لم يَعمَل بما يقول، بشرط أن يَعلَمَ المتعلِّم كونَ ما يتعلَّمه حسنًا، وأما إذا لم يَعلَم حُسنَه وقُبحَه لا يجوز أن يتعلَّم إلا ممن عَرفَ ديانتَه وصلاحَه. * * * ١٥٢٤ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: بَيْنَما جِبْريل عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ إذْ سَمِعَ نقَيضًا مِنْ فَوْيهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فقال: "هذا بابٌ مِنَ السَّمَاءَ فُتحَ لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إلَّا اليَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ إلى الأرضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا اليْومَ، فَسَلَّمَ فقال: أَبْشِرْ بنورَيْنِ أُوتِيتَهُما لَمْ يَؤْتَهُما نبِيٌّ قَبْلَكَ: فاتحة الكِتابِ وخَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إلَّا أُعْطِيتَهُ". "عن ابن عباس أنَّه قال: بينما جبرائيل عند النبي ﷺ ؛ أي: بينَ أوقاتٍ وحالاتٍ كان هو عنده ﷺ . "سمعَ"؛ أي: النبيُّ ﷺ "نقيضًا"؛ أي: صوتًا شديدًا من فوقه؛ أي: مِن قِبَل السماء. "فرفع رأسَه، فقال: هذا بابٌ من السماء فُتح لم يُفتَح قطُّ إلا اليومَ" والضمائر في الأفعال الثلاثة راجعة إلى جبرائيل ﵇؛ لأنه أكثرُ اطلاعًا على أحوال السماء. "فنزل منه مَلَك إلى الأرض لم ينزل قطُّ إلا اليومَ": هذا من قول الراوي في حكاية الحال سمعه عن رسول الله ﷺ ، أو أُبلِغَه منه.

стр. 1125

"فسلَّم"؛ أي: المَلَكُ على النبي ﵊. "فقال: أَبشِرْ بنورَين أُوتيتَهما لم يُؤتَهما" - بصيغة المجهول - "نبيٌّ قبلَك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة"؛ يعني: ﴿ءَامَنَ الْرَّسُولُ﴾ إلى آخره، سَمَّاهما (نورَين)؛ لأن كلًّا منهما يكون لقارئه يومَ القيامة نورًا يَسعَى بين يدَيه، أو لأنه يُرشده ويَهديه بالتأمُّل فيه والتفكُّر في معانيه إلى الطريق القويم. "لن تقرأ بحرف منهما"؛ أي: بكلامٍ، والباء زائدة، وكنَّى بالحرف عن الجملة المستقلة بنفسها. "إلا أُعطيتَه"؛ أي: أُعطيتَ ما اشتملت عليه تلك الجملة من المسألة، كقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ و ﴿غُفْرَانَكَ﴾ و ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ في غير المسألة من حمدٍ وثناءٍ؛ يعني: ثوابه، أو المراد بالحرف: حرف التهجِّي، فمعناه: أُعطيتَ ثوابَه. * * * ١٥٢٥ - عن عبد الله ﵁ قال: لمَّا أُسْرِيَ برسُولِ الله ﷺ انتهِيَ بهِ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، فأُعْطِيَ ثَلاثًا: الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ، وخَوَاتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ، وغُفِرَ لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بالله مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئًا المُقْحِمَاتُ. "عن عبد الله أنَّه قال: لمَّا أُسري برسول الله ﷺ ": مجهول (أَسْرَى يُسْرِي): إذا سارَ ليلةً، والمراد هنا: ليلة المعراج. "انتُهي به" - على صيغة المجهول - "إلى سِدْرَة المُنتهى": هي شجرة في أقصى الجنة ينتهي إليها عِلم الأولين والآخرين، ولا يتعداها، أو أعمال العباد، أو نفوس السائحين في الملإ الأعلى، فيجتمعون فيه اجتماعَ الناس في أبدانهم، ولا يطَّلع أحدٌ على ما وراءَها غير الله.
следующие страницы →