← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17791

شرح المصابيح لابن الملك

ابن الملك

Полный текст (3 421 стр.). Показаны 1121–1160 · переход к 1126.

стр. 1121

المُنْذِرِ!، أَتَدْرِي أيُّ آيَةٍ مِنْ كِتابِ الله مَعَكَ أعْظَمُ؟ "، قُلتُ: الله ورسُولُه أعلَمُ، قال: "يا أَبا المُنْذِرِ! أَتَدْرِي أَيُّ آيةٍ مِنْ كتابِ الله مَعَكَ أعْظَمُ؟ "، قُلتُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، قال: فَضَرَبَ بِيَدِهِ في صَدْرِي وقال: "لِيَهْنِكَ العِلْمُ يا أَبا المُنْذِرِ"، ثم قال: "والذي نفس محمد بيده، إنَّ لهذهِ الآيةِ لِسانًا وشَفَتَيْنِ تُقَدِّسُ المَلِكَ عِنْدَ ساقِ العَرْشِ". "وعن أُبي بن كعب أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يا أبا المنذر! ": كنية أُبي بن كعب. "أتدري أيُّ آية من كتاب الله تعالى معك أعظمُ؟ قلت: الله ورسوله أعلم": كان أُبي يَعلَم ذلك، ولكن لم يُجبْه تعظيمًا له، ورعايةً للأدب بين يديه ﵊. "قال: يا أبا المنذر! أتدري أيُّ آية من كتاب الله معك أعظمُ؟ قلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾: وإنما أجابه حين كرَّر ﷺ السؤال؛ لعلمِه أنه ﷺ يريد امتحانَه ودرايتَه بما سأله أولًا، وإنما كانت (آية الكرسي) أعظمَ؛ لأن ما اشتملت عليه من صفات الله وغيرها لا توجد مجموعةً في آيةٍ سوى هذه الآية. "قال: فضرب في صدري": وهذا تلطُّفٌ منه ﷺ ؛ ليتمكَّن العلمُ في صدره. "فقال: لِيَهْنَكَ العلمُ"؛ أي: لِيَكنِ العلمُ هنيئًا لك "يا أبا المنذر": هذا دعاء له بتيسير العلم له ورسوخه فيه. * * * ١٥٢٣ - عن أبي هُريرة ﵁ أنّه قال: وَكَّلَني رسُولُ الله ﷺ بحِفْظِ زَكَاةِ رمَضانَ، فَأَتاني آتٍ، فجَعَلَ يَحْثُو مَنَ الطَّعامِ، فأخَذْتُهُ فقلتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إلى

стр. 1122

رسُولُ الله ﷺ ، قال: دَعْني، إنِّي مُحْتاجٌ، وعَلَيَّ عِيالٌ، ولي حاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قال: فَخَلَّيْتُ عنهُ، فأَصْبَحْتُ فقالَ النَّبيّ ﷺ : "يا أبا هُرَيْرَةَ! ما فعلَ أسِيُركَ البارِحَةَ؟ "، قلتُ: يا رسولَ الله! شكا حاجةً شَدِيدَةً وعِيالًا، فرَحِمْتُهُ، فَخَلَّيْتُ سَبيلَهُ، قال: "أما إنَّهُ سَيَعُودُ"، فَرَصَدْتُهُ، فجاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعامِ، فأَخَذْتُهُ، وقلت: لأَرْفَعنَّكَ إلى رسولِ الله ﷺ ، قال: دَعْني، فإنِّي مُحْتاجٌ، وعليَّ عَيالٌ، ولا أَعُودُ، فرَحِمْتُهُ فخَلَّيْتُ سَبيلَهُ، فأصْبَحْتُ، فقالَ رسُولُ الله ﷺ : "يا أبا هُرَيْرَةَ! ما فعلَ أَسِيرُكَ البارحةَ؟ "، قلتُ: يا رسُولَ الله! شَكا حاجَةً وعِيالًا، فرحِمتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبيلَهُ، فقالَ: "أما إنَّهُ كَذَبَكَ، وسَيَعُودُ"، فرصَدْتُهُ، فجاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعامِ، فأَخَذْتُهُ فقلتُ: لأَرْفَعَنَّكَ إلى رسُولِ الله ﷺ ، وهذا آخِرُ ثَلاثٍ مَرَّاتٍ، أنَّك تَزْعُمُ لا تعُودُ، ثُمَّ تَعُودُ، قال: دَعني أُعَلِّمُكَ كَلماتٍ يَنْفَعُكَ الله بها: إذا أَوَيْتَ إلى فِراشِكَ، فاقرَأْ آيةَ الكُرْسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حتَّى تَخْتِمَ الآيةَ، فإنَّكَ لا يَزالُ عَلَيْكَ مِنَ الله حَافِظٌ، ولا يَقْرَبُكَ شَيْطانٌ حتَّى تُصْبحَ، فَخَلَّيْتَ سَبيلَهُ، فأصْبَحْتُ، فقال لي رسُولُ الله ﷺ : "ما فعلَ أسِيرُكَ؟ "، قلتُ: زَعَمَ أنَّهُ يُعَلِّمُني كَلِماتٍ يَنْفَعُني الله بها، قال: "أما إنَّهُ صَدَقَكَ وهو كذوبٌ، أتَعْلَمُ مَنْ تخاطِبُ منذُ ثلاثِ ليالٍ؟ "، قال: "ذاكَ شيطانٌ". "عن أبي هريرة ﵁ قال: وكَّلَني رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان"؛ أي: بجميع زكاة الفطر ليفرِّقَها ﵊ على الفقراء. "فأتاني آتٍ، فجعل يحثو من الطعام"؛ أي: طفقَ يأخذ هَيلًا بلا كَيلٍ ويجعله في ذيله أو وعائه، كحثي التراب، والمراد بالطعام: البُرُّ ونحوه مما يُزكَّى به في الفِطرة.

стр. 1123

"فأخذتهُ وقلتُ: لأرفعنَّك"؛ أي: لأذهَبن بك "إلى رسول الله ﷺ ، ليقطعَ يدك؛ فإنك سارقٌ. "قال: إني محتاجٌ وعليَّ عيالٌ ولي حاجة شديدة، قال" أبو هريرة: "فخلَّيت عنه"؛ أي: تركتُه. "فأصبحت، فقال النبي ﷺ : يا أبا هريرة! ما فعلَ أسيرُك البارحة؟ قلت: يا رسولَ الله! شكا حاجةً شديدةً وعيالًا، فرحمتُه، فخلَّيت سبيلَه، قال"؛ أي: النبيُّ ﷺ : "أَمَا" بالتخفيف: حرف تنبيه. "إنه" بكسر الهمزة، أي: أَعلَمُ أنَّه "سيعود، فرصدتُه"؛ أي: انتظرتُه. "فجاء يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: لأرفعنَّك إلى رسول الله ﷺ ، قال: دَعْني؛ فإني محتاجٌ وعليَّ عيالٌ، لا أعود، فرحمتُه فخلَّيتُ سبيلَه، فأصبحت، فقال لي رسول الله ﷺ : يا أبا هريرة! ما فعلَ أسيرُك؟ قلت: يا رسولَ الله! شكا حاجةً وعيالًا، فرحمتُه، فخلَّيت سبيلَه، فقال: أَمَا إنه كذبك وسيعود، فرصدتُه، فجاء يحثو من الطعام، فأخذته وقلت: لأرفعنَّك إلى رسول الله ﷺ ، وهذه آخرُ ثلاثِ مراتٍ، إنك تزعم لا تعود"، أي: تظنُّ أنك لا تعود. "ثم تعود، قال: دَعْني أعلِّمْك كلماتٍ ينفعك الله بها: إذا أَويتَ"؛ أي: إذا دخلتَ إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حتى تختم الآية؛ فإنك لن يزالَ عليك من الله "حافظٌ، ولا يَقرَبُك شيطانٌ حتى تصبحَ، فخلَّيتُ سبيلَه، فأصبحت، فقال لي رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما فعلَ أسيرُك؟ قلت: زعم أنَّه يعلِّمني كلماتٍ ينفعني الله بها، قال ﷺ : أَمَا إنه صَدَقَك"؛ أي: صَدَقَ فيما ذَكَر لك من خاصية آية الكرسي؛ فإنه مَن قرأها يصير محفوظًا من شرِّ الأشرار ببركتها.

стр. 1124

"وهو كَذُوب" في سائر أقواله وأفعاله. "تَعْلَم"؛ أي: أتعلم "مَن تُخاطب منذ ثلاث ليال؟ فقلت: لا، قال: ذلك شيطان". والحديث يدل على أن تعلُّم العلم جائزٌ ممن لم يَعمَل بما يقول، بشرط أن يَعلَمَ المتعلِّم كونَ ما يتعلَّمه حسنًا، وأما إذا لم يَعلَم حُسنَه وقُبحَه لا يجوز أن يتعلَّم إلا ممن عَرفَ ديانتَه وصلاحَه. * * * ١٥٢٤ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: بَيْنَما جِبْريل عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ إذْ سَمِعَ نقَيضًا مِنْ فَوْيهِ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ، فقال: "هذا بابٌ مِنَ السَّمَاءَ فُتحَ لَمْ يُفْتَحْ قَطُّ إلَّا اليَوْمَ، فَنَزَلَ مِنْهُ مَلَكٌ إلى الأرضِ لَمْ يَنْزِلْ قَطُّ إِلَّا اليْومَ، فَسَلَّمَ فقال: أَبْشِرْ بنورَيْنِ أُوتِيتَهُما لَمْ يَؤْتَهُما نبِيٌّ قَبْلَكَ: فاتحة الكِتابِ وخَواتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ، لَنْ تَقْرَأَ بِحَرْفٍ مِنْهُمَا إلَّا أُعْطِيتَهُ". "عن ابن عباس أنَّه قال: بينما جبرائيل عند النبي ﷺ ؛ أي: بينَ أوقاتٍ وحالاتٍ كان هو عنده ﷺ . "سمعَ"؛ أي: النبيُّ ﷺ "نقيضًا"؛ أي: صوتًا شديدًا من فوقه؛ أي: مِن قِبَل السماء. "فرفع رأسَه، فقال: هذا بابٌ من السماء فُتح لم يُفتَح قطُّ إلا اليومَ" والضمائر في الأفعال الثلاثة راجعة إلى جبرائيل ﵇؛ لأنه أكثرُ اطلاعًا على أحوال السماء. "فنزل منه مَلَك إلى الأرض لم ينزل قطُّ إلا اليومَ": هذا من قول الراوي في حكاية الحال سمعه عن رسول الله ﷺ ، أو أُبلِغَه منه.

стр. 1125

"فسلَّم"؛ أي: المَلَكُ على النبي ﵊. "فقال: أَبشِرْ بنورَين أُوتيتَهما لم يُؤتَهما" - بصيغة المجهول - "نبيٌّ قبلَك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة"؛ يعني: ﴿ءَامَنَ الْرَّسُولُ﴾ إلى آخره، سَمَّاهما (نورَين)؛ لأن كلًّا منهما يكون لقارئه يومَ القيامة نورًا يَسعَى بين يدَيه، أو لأنه يُرشده ويَهديه بالتأمُّل فيه والتفكُّر في معانيه إلى الطريق القويم. "لن تقرأ بحرف منهما"؛ أي: بكلامٍ، والباء زائدة، وكنَّى بالحرف عن الجملة المستقلة بنفسها. "إلا أُعطيتَه"؛ أي: أُعطيتَ ما اشتملت عليه تلك الجملة من المسألة، كقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ و ﴿غُفْرَانَكَ﴾ و ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا﴾ في غير المسألة من حمدٍ وثناءٍ؛ يعني: ثوابه، أو المراد بالحرف: حرف التهجِّي، فمعناه: أُعطيتَ ثوابَه. * * * ١٥٢٥ - عن عبد الله ﵁ قال: لمَّا أُسْرِيَ برسُولِ الله ﷺ انتهِيَ بهِ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، فأُعْطِيَ ثَلاثًا: الصَّلَوَاتِ الخَمْسَ، وخَوَاتِيمَ سُورَةِ البَقَرَةِ، وغُفِرَ لِمَنْ لَا يُشْرِكُ بالله مِنْ أُمَّتِهِ شَيْئًا المُقْحِمَاتُ. "عن عبد الله أنَّه قال: لمَّا أُسري برسول الله ﷺ ": مجهول (أَسْرَى يُسْرِي): إذا سارَ ليلةً، والمراد هنا: ليلة المعراج. "انتُهي به" - على صيغة المجهول - "إلى سِدْرَة المُنتهى": هي شجرة في أقصى الجنة ينتهي إليها عِلم الأولين والآخرين، ولا يتعداها، أو أعمال العباد، أو نفوس السائحين في الملإ الأعلى، فيجتمعون فيه اجتماعَ الناس في أبدانهم، ولا يطَّلع أحدٌ على ما وراءَها غير الله.

стр. 1126

"فأُعطي ثلاثًا: أُعطي الصلوات الخَمس، وخواتيم سورة البقرة، وغُفر" - بصيغة المجهول - "لمن لا يشرك بالله شيئًا من أمته المُقحِماتُ": بضم الميم وبالحاء المهملة الخفيفة المكسورةُ، ومنهم مَن يشدِّدها، مرفوع بـ (غُفِرَ)، وهي الذنوب العِظَام التي تُقحِم أصحابَها - أي: تُلقيهم - في النار، من: قَحَمَ في الأمر قُحُومًا: إذا دخل فيه من غير رَوِيَّة؛ يعني: أُعطِيَ ﵊ الشفاعةَ لأهل الكبائر من أمته. * * * ١٥٢٦ - وقال رسول الله ﷺ : "الآيتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البقَرَةِ مَنْ قَرَأَ بِهِمَا في لَيْلَةٍ كفَتَاهُ". "عن أبي مسعود الأنصاري أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: الآيتانِ من آخر سورة البقرة": أراد به: ﴿ءَامَنَ الْرَّسُولُ. . . .﴾ إلى آخرها. "مَن قرأ بهما في ليلةٍ كَفَتَاه"؛ أي: أغنتاه عن قيام الليل، أو أراد أنهما أقلُّ ما يُجزِئ من القراءة في قيام الليل، أو تَكفيانِ الشَّر وتَقيانِ المكروهَ. * * * ١٥٢٧ - وقال: "مَنْ حَفِظَ عَشْرَ آياتٍ مِنْ أَوَّلِ سُورَةِ الكَهْفِ عُصِمَ مِنَ الدَّجَّالِ". "وعن أبي الدرداء ﷺ أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَن حفظَ عشرَ آياتٍ في أول سورة الكهف عُصِمَ من الدجَّال"؛ أي: حُفِظَ مِن شرِّه. * * *

стр. 1127

١٥٢٨ - وقال: "أَيَعْجَزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ فِي لَيْلَةٍ ثُلُثَ القرآن؟ "، قالوا: وَكَيْفَ يَقْرَأُ ثُلُثَ القُرْآنِ؟، قال: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ". "عن ابن مسعود أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أيَعجزُ أحدكم أن يقرأ في ليلةٍ ثلثَ القرآن؟ قالوا: فكيفَ يقرأ ثلثَ القرآن؟ قال: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ تَعدِل؛ أي: تساوي "ثلثَ القرآن"؛ أي: ثلثَ أصوله المهمَّة؛ وذلك لأن معاني القرآن المهمةَ ترجع إلى علوم ثلاثة: الأول: معرفة الله تعالى وتوحيده وتقديسه عن مُشارِكٍ في الجنس والنوع. والثاني: علم الشرائع من الأحكام. والثالث: علم تهذيب الأخلاق وتزكية النفوس. (وسورةُ الإخلاص) تشتمل على القسم الأول الأشرف، الَّذي هو كالأساس للآخرَين. * * * ١٥٢٩ - وعن عائشة ﵂: أن النَّبيَّ ﷺ بَعَثَ رجُلًا على سَرِيَّةٍ وكان يَقْرَأُ لِأصْحَابهِ في صَلَاتِهِمْ، فيَخْتِمُ بـ ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، فَلَمَّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذلكَ للنَّبيِّ ﷺ فقال: "سَلُوهُ، لِأيِّ شيءٍ يَصْنَعُ ذلك؟ "، فَسَأَلُوهُ فقالَ: لِأنَّها صِفَةُ الرَّحْمنِ، وأنَا أُحِبُّ أَنْ أَقْرَأَها، فقالَ النَّبيّ ﷺ : "أَخْبرُوهُ أَنَّ الله يُحِبُّهُ". "وعن عائشة ﵂: أن النبي ﵊ بعث رجلًا على سَرِيَّة"؛ أي: جعلَه أمير الجيش. "وكان يقرأ لأصحابه"؛ أي: الرجلُ يؤمُّهم "في صلاتهم، فيختم"؛ أي: الصلاةَ "بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ "؛ أي: يقرأ في الركعة الأخيرة بعد الفاتحة من

стр. 1128

كل صلاة: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، ويختم بها. "فلما رجعوا ذكروا ذلك للنبي ﵊، فقال: سَلُوه لأيِّ شيءٍ يصنع ذلك؟ فسألوه، فقال: لأنها صفةُ الرحمن، وأنا أحبُّ أن أقرأَها"؛ وذلك لأن مَن أحبَّ شيئًا أكثرَ ذِكرَه. "فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: أخبِرُوه أن الله تعالى يحبُّه". * * * ١٥٣٠ - وقال أنس ﵁: إنَّ رجلًا قال: يا رسولَ الله!، إنِّي أُحِبُّ هذِهِ السُّورةَ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، قال: "إنَّ حُبَّكَ إيَّاهَا يُدْخِلُكَ الجَنَّةَ". "وقال أنس: إن رجلًا قال: يا رسولَ الله! إني أحبُّ هذه السورة ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، فقال: إنَّ حبَّك إياها يُدخلك الجنةَ". * * * ١٥٣١ - وعن عُقبة بن عامِر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَلَمْ تَرَ آياتٍ أُنْزِلَتْ اللَّيْلَةَ لَمْ يُرَ مِثْلُهُنَّ قَطُّ؟ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الْنَّاسِ﴾ ". "وعن عقبة بن عامر أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ألم تُرَ": على بناء المجهول، من: الإراءة. "آيات أُنزلت": صفة (الآيات). "الليلةَ": نُصب على الظرفية. "لم يُر مثلهن قط"؛ أي: لم يُوجَد آياتٌ كلُّهن تعويذٌ للقارئ من شرِّ الأشرار غير هاتين السورتين.

стр. 1129

" ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الْنَّاسِ﴾ ": وهذا يدل على أن المُعوذتين من القرآن، خلافًا للبعض. * * * ١٥٣٢ - وعن عائشة ﵂: أن النَّبيَّ ﷺ كانَ إذا أَوَى إلى فِرَاشِهِ كُلَّ لَيْلَةٍ جَمَع كَفَّيْهِ، ثُمَّ نَفَثَ فيهِمَا، فَقَرَأَ فيهِمَا: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الْنَّاسِ﴾، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا ما اسْتَطَاعَ مِنْ جَسَدِهِ، يَبْدَأُ بِهِمَا على رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ وما أَقْبَلَ مِنْ جَسَدِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ ثلاثَ مَرَاتٍ. "وعن عائشة: أن النبي ﵊ كان إذا أَوَى"؛ أي: دخلَ "إلى فراشه كلَّ ليلةٍ جمعَ كفَّيه، ثم نَفَثَ فيهما": إخراجُ ريحٍ من الفم مع بُزاقٍ ما. "فقرأ فيهما: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الْنَّاسِ﴾: ظاهر الحديث يُومِئ إلى أن النفثَ مقدَّم على القراءة؛ لأن الفاءَ للتعقيب، ولعله وقع سهوًا من الناسخ من بعض الرواة، وفي "البخاري" بالواو، وكذا قاله بعض الشراح. أقول: تخطئة الرُّواة العُدُول بما عَرَضَ له من الرأي خطأ، وهلَّا قاسوا هذا الفاء على ما في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾، وقوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوَا أَنْفُسَكُمْ﴾ = على أن التوبة مؤخَّرة عن القتل؟؛ فالمعنى: جمعَ كفَّيه، ثم عزم على النفث فيهما، فقرأ فيهما. "ثم يَمسَح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما على رأسه ووجهه وما أقبلَ من جسده، يفعل ذلك ثلاثَ مراتٍ". * * *

стр. 1130

مِنَ الحِسَان: ١٥٣٣ - عن عبد الرَّحَمن بن عَوفٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "ثَلاث تحْتَ العَرْشِ يَوْمَ القيامَةِ: القُرْآنُ يُحَاجُّ العِبَادَ لَهُ ظَهْرٌ وبَطْنٌ، والأَمَانَةُ، والرَّحِمُ تُنادِي: ألا مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ الله، وَمَنْ قَطَعَني قَطَعَهُ الله". "من الحسان": " عن عبد الرحمن بن عوف، عن النبي ﵊ أنَّه قال: ثلاثةٌ تحتَ العَرش يومَ القيامة"، قيل: هذا كناية من اختصاصها بقُرْبٍ منه تعالى واعتبارٍ عنده، بحيث لا يُضيع أجهر مَن حافَظَ عليها، ولا يُهمِل مجازاةَ مَن ضيَّعها. "القرآن"؛ فإنه أجلُّها قَدْرًا، وأعظمُها حرمةً، ولهذا فصل بينه وبين المعطوف عليه بقوله: "يُحَاجُّ العبادَ"؛ أي: يُخاصمهم فيما ضيَّعوا من حدوده، ويطالبهم بما أهملوا من مواعظه وأمثاله. "له ظَهر وبَطن": جملة حالية من الضمير في (يحاج)، فمَن اتبع ظواهره وبواطنه فقد أدَّى حقوقَ الربوبية وظائفَ العبودية. وقيل: الظَّهر: التلاوة، والبطن: الفهم، وقيل: الظَّهر: ما ظهر بيانه، والبطن: ما احتاج إلى تفسير، وقيل: ظهره: ما استوى فيه المكلَّفون من الإيمان به والعمل بمقتضاه، وبطنه: ما وقع التفاوت في فهمه بين العباد على حسب مراتبهم في الأفهام. وفيه: تنبيه على أن كلًّا من العباد إنما يُطلَب منه بقَدْر ما انتهى إليه فهمُه مِن علمِ الكتابِ. "والأمانة": ما هو لازم الأداء من حقوق الله أو من حقوق العباد؛ فإن جميعَ حقوقهم أماناتٌ فيما بينهم، فمَن قامَ بحقِّها فقد أقامَ العدلَ وجانَبَ الظلمَ.

стр. 1131

"والرَّحِم"؛ أي: القرابة. "تنادي": الضمير عائد إلى (الرحم)، أو إلى كل واحد من هذه الثلاثة. "ألا": حرف تنبيه. "مَن وَصلَني وصلَه الله"؛ أي: بالرحمة. "ومَن قطعَني قطعَه الله ؛ أي: أَعرضَ عنه، وإنما أفرد الأخيرين بالذِّكر، وإن كانتا داخلتين تحت محافظة الكتاب؛ تأكيدًا لحرمتهما، ومبالغةً في الوصية بحفظهما، وأخرَّ (الرَّحِم)؛ لأنه أخصُّما. * * * ١٥٣٤ - وقال رسول الله ﷺ : "يُقَالُ لِصاحِبِ القُرْآنِ: اقْرَأْ، وارْتَقِ، ورَتِّلُ كَما كُنْتَ تُرَتِّلُ في الدُّنيَا، فإنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيةٍ تَقْرَؤُها". "وعن عبد الله بن عمر أنَّه قال: قال رسول ﷺ : يقال لصاحب القرآن": وهو الحافظ والمُواظِب على قراءته، أو العالِم بمعانيه والمعتني بالتدبُّر فيه. "اقرأ وارتَقِ": أمر من (ارتقى): إذا صعد. "ورتِّلْ"؛ أي: رتِّل القرآنَ، بأن يقرأه مبينَه حرفًا حرفًا على التأنِّي والسكون. "كما كنتَ ترتل في الدنيا؛ فإن منزلَك عند آخر آية تقرؤها"، ذكر الخطابي أنَّه قد جاء في الأثر: أن عددَ آي القرآن عددُ دَرَجِ الجنة، فمَن استَوفَى قراءة جميع آياته استولَى على أقصى دَرَجِها، فيكون منتهى الثواب عند منتهى القراءة. * * *

стр. 1132

١٥٣٥ - وقال: "إنَّ الَّذي لَيسَ في جوفِهِ شَيْءٌ مِنَ القُرْآنَ كالبَيتِ الخرِبِ"، صحيح. "وعن ابن عباس ﵄ أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن الَّذي ليس في جوفِه شيءٌ من القرآن كالبيت الخَرِب"؛ لأن عمارةَ القلوب بالإيمان وقراءة القرآن، فمَن خلا قلبُه من هذه الأشياء فقلبُه خَرِبٌ لا خيرَ فيه، كما أن البيتَ الخَرِبَ لا خيرَ فيه. "صحيح". * * * ١٥٣٦ - وقال: "يَقُولُ الرَّبُّ تعالَى: مَنْ شَغَلَهُ القُرْآنُ عَنْ ذِكْرِي وَمَسْأَلَتِي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ ما أُعْطِي السَّائِلِينَ، وفَضْلُ كَلَامِ الله تعالى على سائرِ الكَلامِ كَفَضْلِ الله على خَلْقِهِ"، غريب. "وعن أبي سعيد ﵁ أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يقول الربُّ ﵎: مَن شَغَلَه القرآنُ عن ذِكري ومسألتي"؛ أي: اشتغل بقراءته ولم يَفرَغ إلى ذِكري للدعاء والمسألة. "أَعطيتُه أفضلَ ما أُعطي السائلين"؛ أي: أعطاه الله تعالى معظم مطالبه ومقاصده أحسنَ وأكثرَ مما يعطي الذين يطلبون من الله حوائجَهم. "وفضلُ كلامِ الله على سائر الكلام كفضل الله على خلقه". "غريب". * * * ١٥٣٧ - وقال: "مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كتَابِ الله فَلَهُ بهِ حَسَنةٌ، والحَسَنَةُ بِعَشرِ

стр. 1133

أَمْثَالِها، لَا أقولُ ألم حَرْفٌ، ألِفٌ حَرْفٌ، ولَامٌ حَرْفٌ، ومِيمٌ حَرْفٌ"، غريب. "وعن أبي مسعود أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَن قرأ حرفًا من كتاب الله"؛ أي: القرآن. "فله به حسنةٌ، والحسنةُ بعشر أمثالها، لا أقول: ﴿الم﴾ حرف؛ ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف"، فيحصل بكل منها عشرُ حسنات، وعلى هذا القياس من جميع القرآن. "غريب". * * * ١٥٣٨ - عن الحارِث، عن عليٍّ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "أَلا إنَّها سَتكُونُ فِتْنَةٌ"، فقلتُ: ما المَخْرَجُ مِنْهَا يا رسولَ الله؟، قال: "كِتابُ الله، فيهِ نَبَأُ ما قَبْلَكُمْ، وخَبَرُ ما بَعْدَكُمْ، وحُكْمُ ما بَيْنَكُمْ، هُوَ الفَصْلُ ليْسَ بالهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَصَمَهُ الله، ومَنِ ابْتَغَى الهُدَى في غَيْرِهِ أَضَلَّهُ الله، وهُوَ حَبْلُ الله المَتِينُ، وهُوَ الذِّكْرُ الحَكِيمُ، وهُوَ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ، هُوَ الذي لا تَزِيغُ بهِ الأهواءُ، ولا تَلْتَبسُ بهِ الأَلْسِنَةُ، ولا تَشْبَعُ مِنهُ العلماءُ، ولا يَخْلَقُ عَنْ كَثْرَة الرَّدِّ، ولا تَنْقَضي عَجَائبُهُ، هُوَ الذي لم تَنْتَهِ الجِنُّ إذْ سَمِعْتُهُ حَتَّى قالُوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ﴾، مَنْ قالَ بِهِ صَدَقَ، ومَنْ عَمِل بِهِ أُجِرَ، ومَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، ومَنْ دَعَا إليْهِ هُدِيَ إلى صِراطٍ مستقيمٍ"، إسناده مجهولٌ. "عن الحارث، عن علي ﵁ أنه قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: ألا إنها": الضمير للقصة. "ستكون فتنة": بيان لها، يريد بالفتنة: ما وقع بين الصحابة، أو خروج

стр. 1134

التتار، أو الدجال، أو دابة الأرض، والله أعلم. "فقلت: ما المَخْرَج منها يا رسول الله؟ "؛ أي: فما طريقُ الخروج والخلاص من تلك الفتنة؟ "قال: كتاب الله"؛ أي: هو التمسُّك بكتاب الله والعمل به. "فيه نَبَأ"؛ أي: خَبَرُ "ما قبلكم" من الأنبياء والأمم الماضية. "وخَبَرُ ما بعدَكم" من أحوال القبر والحشر والنشر والجنة والنار وغير ذلك. "وحُكمُ ما بينكم"؛ أي: ما بين حياتكم ومماتكم، من الحلال والحرام، والكفر والإيمان، والطاعة والعصيان، وغير ذلك. "هو الفَصْلُ"؛ أي: الفاصل بين الحق والباطل، وُصِفَ بالمصدر للتأكيد والمبالغة. "ليس بالهَزْل": هو ضد الجد، وهو الكلام الخالي عن الفائدة، واشتقاقه من: الهُزْل، ضد السِّمَن؛ أي: هو جدٌّ كلُّه ليس بالباطل، كما قال الله تعالى: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]. "مَن تركَه"؛ أي: أَعرضَ عن القرآن. "مِن جبَّارٍ": بيان لـ (مَن)، و (الجبار) إذا أُطلق على الإنسان يُشعِر بالصفة المذمومة. نبَّه بذلك على أن تركَ القرآن والإعراضَ عنه وعن العمل به إنما هو التجبُّر والحماقة. "قَصَمَه الله"؛ أي: كسره وأهلكه، دعاء عليه أو خبر. "ومَن ابتغى الهدى في غيره"؛ أي: من طلبَ الصراطَ المستقيمَ في غير كلام الله وكلام رسول ﷺ .

стр. 1135

"أضلَّه الله": دعاء عليه أيضًا، أو إخبار؛ أي: ثبتت الضلالة له؛ فإنَّ طلبَ الشيءِ في غير محله ضلالٌ. "وهو"؛ أي: القرآنُ "حبلُ الله"؛ أي: عهدُه، ويُستعار للوصل؛ أي: هو الوصلة التي يُوثَق عليها، فيتمسَّك به مَن أراد التجافي عن دار الغرور إلى دار السرور، والعناية به كالحبل الذي يتوصل به المتمسك إلى غرضه. "المتين"؛ أي: القوي؛ يعني: هو السبب القوي المأمونُ الانقطاعِ، المؤدي إلى رحمة الربِّ. "وهو الذِّكر"؛ أي: القرآنُ ما يُتذكَّر به؛ أي: يُتَّعَظ. "الحكيم"؛ أي: المحُكَم آياتُه؛ أي: قوي ثابت لا يُنسَخ إلى يوم القيامة، ولا يَقدِر جميعُ الخلائق أن يأتوا بمثله؛ أي: ذو الحكمة في تأليفه. "وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تَزِيغ به الأهواء"، وزَاغَ عن الطريق يَزِيغ؛ أي: عَدَلَ عنه؛ أي: لا يميل بسببه أهلُ الأهواء؛ أي: البِدَع، لا يصير به مبتدعًا أو ضالاًّ، أو من: الإزاغة، بمعنى: الإمالة، والباء للتعدية؛ أي: لا تميله الأهواء المُضلَّة عن نهج الاستقامة إلى الاعوجاج، كفعل اليهود بالتوراة من تحريف الكلم عن مواضعه؛ لأنه تعالى تكفَّل بحفظه، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]. "ولا تلتبس الألسنة"؛ أي: لا يختلط به غيره، بحيث يشتبه كلامُ الربِّ تعالى بكلام غيره؛ لكونه كلامًا معصومًا، وقيل: إنه نزل بلسان عربي بين لا يلتبس بكلام عجمي، قال تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ﴾، فلا يُقرَأ بغيره من الألسنة المختلفة، وقيل: معناه: لا يتعسَّر على ألسنة المؤمنين تلاوته قال تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾. "ولا يَشبَع منه العلماء"؛ أي: لا يحيط علمُهم بكُنهه، فكلما فكّروا تجَّلت لهم معانٍ جديدةٌ كانت في حُجُبٍ مَخفيةٍ.

стр. 1136

"ولا يَخْلُق عن كثرة الرَّدِّ"، خَلُق الشيءُ يَخلُق - بالضم فيهما - خُلُوقةً: إذا بَلِيَ؛ أي: لا يزول رَونَقُه ولا تقلُّ طراوتُه ولذةُ قراءتِه واستماعِه بكثرة الرَّدِّ؛ أي: تكرُّر تلاوته على ألسنة التالين وآذان المستمعين مرةً بعد أخرى. "ولا تنقضي عجائبه"؛ أي: لا ينتهي أحد [إلى] كُنْهِ معانيه العجيبة وفوائده الغزيرة. "هو الذي لم تنتهِ الجُّن"؛ أي: لم تقفْ ولم تَلْبَثْ "إذ سمعته حتى قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ ": مصدرٌ وُصِفَ به للمبالغة؛ أي: عجبًا لحسن نظمه. ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾؛ أي: يدلُّ إلى الإيمان والخير. " ﴿فَآمَنَّا بِهِ﴾ الآية، مَن قال به"؛ أي: بالقرآنِ "صَدَقَ، ومَن عملَ به أُجِرَ، ومَنِ حَكَمَ عَدَلَ، ومَن دَعَا إليه هُدِيَ"؛ أي: المَدعوُّ "إلى صراط مستقيم". "إسناده مجهول". * * * ١٥٣٩ - وقال: "مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ وعَمِلَ بما فيهِ أُلْبسَ والِداهُ تاجًا يومَ القيامَةِ ضَوْؤُهُ أَحْسَنُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ في بُيوتِ الدُّنْيَا لو كانَتْ فيكُمْ، فما ظَنُّكُمْ بالذي عَمِلَ بهذا؟! ". "عن أنس أنه قال: قال رسول الله قال الله تعالى عليه وسلم: مَن قرأَ القرآنَ وعملَ بما فيه أُلبِسَ والداه" ببركة القارئ "تاجًا يوم القيامة، ضَوؤه أحسنُ من ضَوءِ الشمسِ في بيوت الدنيا لو كانت فيكم"؛ أي: الشمسُ في بيوت أحدكم. "فما ظنُّكم بالذي عمل بهذا؟ "؛ يعني: إذا كان حالُ والدَي القارئ

стр. 1137

كذلك، فكيف يكون عِظَمُ ثوابِ ذلك القارئ العامل به؟؛أي: يكون له عند الله منزلة رفيعة ومرتبة عالية، لا تخطر ببالِ أحدِكم. * * * ١٥٤٠ - وقال: "لو كانَ القُرآنُ في إهَابٍ ما مَسَّتْهُ النَّار". "عن عقبة بن عامر أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لو كان القرآنُ في إهابٍ"؛ أي: جِلْدٍ. "ما مسَّتْه النارُ"، قيل: كان ذلك معجزةً للقرآن، لا تحرقُه نارُ جهنم، وهكذا ذُكر عن أحمد بن حنبل. * * * ١٥٤١ - وعن عليٍّ ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فاستَظْهَرَهُ فَأَحَلَّ حلالَهُ وحَرَّمَ حَرَامَهُ أَدْخَلَهُ الله الجَنَّةَ، وشَفَّعَهُ في عَشَرَةٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ كُلُّهُمْ قَدْ وَجَبَتْ لهُ النَّار"، غريب ضعيف. "عن علي ﵁، عن النبي ﵊ أنه قال: مَن قرأَ القرآنَ، فاستَظْهَرَه"؛ أي: حفظَه عن ظَهرِ القلب. "وأحلَّ حلالَه، وحرَّم حرامَه أدخلَه الله الجنةَ وشفَّعه" بالتشديد؛ أي: جعلَه شفيعًا. "في عشرة من أهل بيته، كلُّهم قد وجبتْ له النارُ": فيَسأل في التجاوز عن ذنوبهم وجرائمهم فتُقبَل شفاعتُه فيهم. "غريب ضعيف". * * *

стр. 1138

١٥٤٢ - وقال النَّبيّ ﷺ لأُبَيِّ بن كعبٍ ﵁: "كيْفَ تَقْرَأُ في الصَّلاةِ؟ "، فَقَرَأَ أُمَّ القُرْآنِ، فقال: "والذي نَفْسِي بِيَدِهِ، ما أُنْزِلَتْ في التَّوْرَاةِ ولا في الإِنْجِيلِ ولا في الزَّبُورِ ولا في القُرْآنِ مِثْلُها، وإنَّها السَّبْعُ المَثَانِي والقُرْآنُ العَظِيمُ الذي أُعْطِيتُ"، صحيحٌ. "عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لأبي ابن كعب: كيف تَقرَأ في الصلاة؟ فقرأ أمَّ القرآن"؛ يعني: الفاتحةَ. "فقال: والذي نفسي بيده! ما أُنزلت في التوراة، ولا في الإنجيل، ولا في الزَّبُور، ولا في القرآن مثلُها، وإنها السّبع المَثَاني والقرآن العظيم الذي أُعطيتُه. صحيح". * * * ١٥٤٣ - وقال: "تَعَلَّمُوا القُرْآنَ واقْرَؤوهُ، فإنَّ مَثَلَ القُرْآنِ لِمَنْ تَعَلَّمَ فَقَرَأَ وقامَ بِهِ كمثَلِ جِرابٍ مَحْشُوٍّ مِسْكًا تَفُوحُ رِيحُهُ بكُلِّ مَكانٍ، ومثَلُ مَن تَعَلَّمَهُ فَرَقَدَ وهو في جَوْفِهِ كمَثَلِ جِرابٍ أُوكئَ على مِسْكٍ". "عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : تعلَّموا القرآنَ فاقرَؤُوه؛ فإن مَثَلَ القرآنِ لمن تعلَّم فقَرَأَ وقامَ به كمَثلِ جِرَاب" - بكسر الجيم، والعامة بفتحه - "مَحشوٍّ"؛ أي: مملوءٍ "مِسكًا تَفُوحُ"؛ أي: تظهرُ وتصلُ. "رِيحهُ كلَّ مكان"؛ يعني: صدرُ القارئ كجِرَابٍ، والقرآنُ فيه كالمِسك؛ فإنه إذا قرأَه وصلتْ بركتُه إلى بيته وسامعيه، والراحةُ والثوابُ إلى حيث وصلَ صوتُه. "ومَثَلُ مَن تعلَّمَه، فرَقَدَ"؛ أي: نامَ عن تلاوته والقيام به. "وهو في جوفه، كمَثَلِ جِرَابٍ أُوكِئ على مِسك"؛ أي: يُشدُّ عليه بالوِكَاء، فلا تفوح رِيحهُ؛ شبَّهه بذلك من حيث إنه ضيَّعه على نفسه، وأبطل

стр. 1139

فائدته في حقِّه بترك قراءته وتدبُّر معانيه. * * * ١٥٤٤ - وقال: "مَنْ قَرَأَ: ﴿حم﴾ المُؤْمِن إلى: ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾، وآيَةَ الكُرْسِيِّ حينَ يُصْبحُ حُفِظَ بِهِمَا حتَّى يُمْسِيَ، ومَنْ قَرَأَ بهُما حِينَ يُمْسي حُفِظَ بِهِمَا حتَّى يُصْبح"، غريبٌ. "وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : مَن قرأَ ﴿حم﴾ المؤمن إلى ﴿إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ وآيةَ الكرسي حين يُصبِحُ حُفِظَ بهما"؛ أي: ببركتهما من الآفات. "حتى يمسيَ، ومَن قرأَ بهما حين يمسي حُفِظَ بهما حتى يصبحَ. غريب". * * * ١٥٤٥ - وقال: "إنَّ الله كَتَبَ كِتابًا قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ بِأَلْفَيْ عام، أَنْزَلَ فيهِ آيَتَيْنِ خَتَمَ بِهِمَا سُورَةَ البَقَرَةِ، ولا تُقْرَآنِ في دارٍ ثَلاثَ لَيالٍ فَيَقْرَبُها الشَّيْطانُ"، غريبٌ. "وعن النعمان بن بشير أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله كَتَبَ كتابًا"؛ أي: أَمر بكتابة القرآن في اللوح المحفوظ. "قبل أن يَخلُقَ السماواتِ والأرض بألفَي عام"، وقيل: أي أَثبتَ ذلك فيه، أو في غيره من مطالع العلوم الغيبية. "أَنزلَ منه"؛ أي: من ذلك الكتاب. "آيتين خَتَمَ بهما سورةَ البقرة": وهما: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ. . .﴾ إلخ.

стр. 1140

"ولا تُقْرَآنِ في دارٍ ثلاثَ ليالٍ، فَيقْرَبها الشيطان. غريب". * * * ١٥٤٦ - وقال: "مَنْ قَرَأَ ثَلَاثَ آياتٍ مِنْ أَوَّلِ الكَهْفِ عُصِمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ"، صحيح. "عن أبي الدرداء أنه قال: قال رسول الله ﷺ مَن قرأَ ثلاثَ آياتٍ من أول الكهف عُصِمَ"؛ أي: حُفِظَ "من فتنة الدجَّال"، وجه تخصيص هذه السورة: أن أوائلَها مشتملةٌ على قصة أصحاب الكهف، وهم لمَّا التجؤوا إلى الله نَجَّاهم من شرِّ دقيانوس، والمَرجوُّ من الله الكريم أن يحفظَ قارئَها من الدَّجال ويثبته على الدين القويم. "صحيح". * * * ١٥٤٧ - وقال: "إنَّ لِكُلِّ شيءٍ قَلْبًا، وقَلْبُ القُرْآنِ يس، ومَنْ قَرَأَ يَس كَتَبَ الله لَهُ بِقِرَاءَتِها قِراءَةَ القُرْآنِ عَشْرَ مَرَّاتٍ"، غريبٌ. "عن أنس أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن لكل شيءٍ قلبًا"، قلبُ الشيء: خالصُه. "وإن قلبَ القرآن يس"؛ أي: لو أمكن أن يكون له قلب لكان (يس) قلبه؛ لأن المقصودَ من الاعتقادات مُودَعٌ فيه، كذِكر أحوال القيامة من الحشر والنشر، والجنة والنار، فيه مستقصًى بحيث لم يكن في غيره كما هو فيه، وأحوال الأجرام العُلوية والمواعظ البليغة ونحوها. "ومَن قرأ يس كَتَبَ الله له بقراءتها قراءةَ القرآن عشرَ مراتٍ. غريب". * * *

стр. 1141

١٥٤٨ - وقال: "إنَّ الله تعالَى قَرَأَ طه ويس قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ السَّماواتِ والأَرْضَ بِأَلْفِ عامٍ، فلمَّا سَمِعَتِ المَلَائِكَةُ القُرْآنَ قالت: طُوبى لأِمَّةٍ يَنْزِلُ هذا عَلَيْهَا، وطُوبَى لأجوافٍ تَحْمِلُ هذا، وطُوبَى لأِلْسِنَةٍ تَتَكَلَّمُ بهذا". "وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله تعالى قرأ طه ويس"؛ أي: أَفهمَهما ملائكتَه وأَلهمَهم معناهما "قبلَ أن يَخلُقَ السماواتِ والأرضَ بألف عام"، أو أَمرَ مَلَكًا بقراءتهما. "فلما سمعتِ الملائكةُ القرآن"؛ أي: (طه) و (يس)؛ إذ اللام للعهد. "قالت: طُوبى"؛ أي: الراحةُ والطِّيبُ حاصلٌ "لأُمةٍ ينزل هذا عليها"، والمراد بـ (طُوبى): شجرة في الجنة، في كل بيتٍ من بيوت الجنة منها غصنٌ. "وطُوبى لأجوافٍ تَحملُ هذا، وطُوبى لألسنةٍ تتكلم بهذا". * * * ١٥٤٩ - وقال: "مَنْ قَرَأَ حم الدُّخانَ في لَيْلَةٍ أَصْبَحَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ"، غريب. "وعنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : مَن قرأ ﴿حم﴾ الدخان في ليلة أصبحَ يستغفر"؛ أي: يطلبُ المغفرةَ "له سبعون ألف مَلَك" من حين قرأها إلى الصبح. "غريب". * * * ١٥٥٠ - وقال: "من قَرأَ الدُّخَان في ليلةِ الجُمُعَةِ غُفِرَ له"، غريب. "عن أبي رافع أنه قال: قال رسول الله ﷺ : مَنْ قرأ ﴿حم﴾ الدخان في

стр. 1142

ليلة الجمعة غُفِرَ له". "غريب". * * * ١٥٥١ - وعن العِرْباضِ بن سَارِية: أن النَّبيَّ ﷺ كانَ يَقْرَأُ المُسَبحَاتِ قَبْلَ أَنْ يَرْقُدَ، يقولُ: "إنَّ فِيهِنَّ آيةً خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ آيَةٍ"، غريب. "وعن العِرْباض بن سارية: أن النبي ﵊ كان يقرأ المسبِّحات" بكسر الباء: السُّوَر التي في أوائلها: سبحان، أو سبَّحَ، أو يُسبِّح، وهي: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ والحديد، والحشر، والجمعة، والتغابن، والأعلى. "قبل أن يَرقُدَ"؛ أي: ينامَ. "يقول: إن فيهن آيةً خيرٌ"؛ أي: هي خيرٌ "من ألف آية. غريب". * * * ١٥٥٢ - وقال: "إنَّ سُورَةً في القُرْآنِ ثَلَاثُونَ آيةً شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حتَّى غُفِرَ لَهُ، وهيَ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ". "عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن سورةً في القرآن ثلاثون آيةً شَفَعَتْ لرجلٍ حتى غُفر له، وهي: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾: يحتمل أن يكون قد مضى في القبر؛ يعني: كان رجل يقرؤها ويعظِّم قَدْرَها، فلما مات شَفَعتْ له حتى دُفع عنه عذابُه، ويحتمل أن تكون بمعنى المستقبل؛ أي: تَشفَع لمَن يقرؤها يومَ القيامة. * * *

стр. 1143

١٥٥٣ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: ضَربَ بعضُ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ خِبَاءَهُ على قَبْرٍ وهو لا يَحْسِبُ أَنَّهُ قَبْرٌ، فإذا فيهِ إنسانٌ يَقْرَأُ سُورَةَ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ حتَى خَتَمَها، فَأَتى النَّبيَّ ﷺ فأخْبَرَهُ، فقالَ النَّبيّ ﷺ : "هِيَ المانِعَةُ، هِيَ المُنْجِيَةُ، تُنْجيهِ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ"، غريب. "عن ابن عباس ﵄ قال: ضَربَ بعضُ أصحاب النبي ﵊ خِبَاءَه" بالكسر والمد؛ أي: خيمتَه. "على قبرٍ وهو لا يحسِب"؛ أي: لا يظنُّ "أنه قبر، فإذا فيه"، (إذا) للمفاجأة. "إنسانُ يقرأ فيه سورة ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ حتى ختَمها، فأتى"؛ أي: صاحبُ الخيمةِ "النبيَّ ﵊، فأخبره بما سمع، فقال النبي ﷺ : هي المانعة"؛ أي: هذه السورةُ تَمنعُ العذابَ عن قارئها. "هي المُنجِية تُنجِيه"؛ أي: تُخلِّص القارئَ "من عذاب القبر". "غريب". وفيه: بيان أن بعضَ الأمواتِ يَصدُر منهم ما يَصدُر من الأحياء. * * * ١٥٥٤ - وعن جابرٍ ﵁: أن النَّبيَّ ﷺ كانَ لا ينامُ حتَّى يَقْرَأَ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾، غريب. "وعن جابر ﵁: أن النبي ﵊ كان لا ينام حتى يقرأ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾، و ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ ". "غريب". * * *

стр. 1144

١٥٥٥ - عن ابن عبَّاسٍ قال: قال رسُول الله ﷺ : " ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ تَعْدِلُ نِصْفَ القُرْآنِ، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ تِعْدِلُ رُبْعَ القُرْآنِ". "وعن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ تَعدِلُ نصفَ القرآن"؛ لأن أحكامَ القرآنِ مشتملةٌ على أمور الدنيا وأمور الآخرة، وهذه السورةُ أحوالُ الآخرةِ فحسبُ. "و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ تَعدِلُ ثُلثَ القرآن: تقدم بيانه. "و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ تَعدِل رُبعَ القرآن"؛ وذلك لأن القرآنَ مشتملٌ على تقرير التوحيد، والنُّبُوَّات، وبيان أحكام المعاد، وأحوال المعاش، وهذه السورةُ مشتملةٌ على القسم الأول؛ لأن البراءةَ عن الشِّرك عينُ التوحيد. * * * ١٥٥٦ - عن مَعْقِل بن يَسَار ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ قالَ حِينَ يُصْبحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ: أَعُوذُ بالله السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيم، فَقَرَأَ ثَلَاثَ آياتٍ مِنْ آخِرِ سورَةِ الحَشْرِ وَكَّلَ الله بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يُصَلُّونَ عليهِ حتَّى يُمْسِيَ، وإنْ ماتَ في ذلكَ اليَوْمِ ماتَ شَهيدًا، ومَنْ قالَها حِينَ يُمْسِي كانَ بتلكَ المَنْزِلَة"، غريبٌ. "وعن مَعْقِل بن يسار ﵁، عن النبي ﵊ أنه قال: مَن قال حين يُصبح ثلاثَ مراتٍ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، فقرأ ثلاثَ آياتٍ من آخر سورة الحشر وَكَّلَ الله به سبعين ألف مَلَك يُصلُّون عليه"؛ أي: يستغفرون له.

стр. 1145

"حتى يمسيَ، وإنْ ماتَ في ذلك اليوم ماتَ شهيدًا، ومَن قالها حين يمسي كان بتلك المنزلة، غريب". * * * ١٥٥٧ - وعن أنسٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ قَرَأ كُلَّ يَوْمٍ مائَتَيْ مَرَّةٍ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ مُحِيَ عَنْهُ ذُنُوبُ خَمْسِينَ سَنَةً إلَاّ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ". "عن أنسٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَن قَرَأ كُلَّ يومٍ مائَتَيْ مَرَّةٍ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾؛ مُحِيَ عَنْهُ ذُنُوبُ خَمْسِين سَنَةً، إلَاّ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ "دَيْنٌ"، فإنه لا يُعفَى عن دَيِنه. * * * ١٥٥٨ - وعن أنسٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "مَنْ أرادَ أنْ ينامَ على فِراشِهِ، فنَامَ عَلَى يمينِهِ، ثُمَّ قَرَأَ مائَةَ مَرَّةٍ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فإذا كانَ يَوْمُ القيامَةِ يَقُولُ لَهُ الرّبُّ: يا عَبْدِي!، ادْخُلْ، على يِمِينِكَ الجَنَّةُ"، غريبٌ. "وعنه، عن النبي ﵊ أنه قال: مَن أراد أن ينامَ على فراشه، فنام على يمينه، ثم قرأ مئةَ مرةٍ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فإذا كان يومُ القيامة يقول له الربُّ: يا عبدي! ادخلْ، على يمينك الجنةُ"؛ مكافأةً لطاعته للرسول ﷺ في الاضطجاع على اليمين وقراءة السورة التي فيها صفاتُه، فيُجعَل من أصحاب اليمين في دخول الجنة من الجانب اليمين. "غريب". * * * ١٥٥٩ - عن أبي هُريرة ﵁: أن النَّبيَّ ﷺ سَمعَ رَجُلًا يَقْرَأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ

стр. 1146

أَحَدٌ﴾، فقالَ: "وَجَبَتْ"، فقلتُ: وما وَجَبَتْ؟، قال: "الجَنَّةُ". "عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ سمع رجلًا يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ فقال: وَجبتْ، قلت: ما وَجبتْ؟ قال: الجنةُ". * * * ١٥٦٠ - عن فَرْوَة بن نَوْفَلٍ، عن أبيه: أنَّهُ قالَ: يا رَسُولَ الله!، عَلِّمْني شَيْئًا أَقُولُهُ إذا أوَيْتُ إلى فِراشي، فقال: "اقْرَأْ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، فإنَّها بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ". "عن فَروة بن نَوفل، عن أبيه أنه قال: يا رسولَ الله! علِّمْني شيئًا أقوله إذا أَويتُ إلى فراشي، فقال: اقرأ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾؛ فإنها براءةٌ من الشِّرك"؛ وذلك لأن الله تعالى أمرَ رسولَه في هذه السورة أن يُجيبَ الكفارَ ب: ﴿لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾، فهذا براءةٌ من الشِّرك فهو عينُ التوحيد، فمَن قرأَها عن اعتقادٍ صحيحٍ فقد بَرِئَ من الشِّرك. * * * ١٥٦١ - وقال عُقْبة بن عامِرٍ ﵁: بَيْنَا أنا أَسِيْرُ معَ رسولِ الله ﷺ بينَ الجُحْفَة والأَبْوَاءِ إذْ غَشِيَتْنَا رِيحٌ وظُلْمَة شَدِيدَةٌ، فجعَلَ رَسُولُ الله ﷺ يَتَعَوَّذُ بـ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، ويقول: "يا عُقْبَةُ!، تَعَوَّذْ بهِمَا، فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بمثلِها". "وقال عقبة بن عامر: بينا أنا أسير مع رسول الله ﷺ بين الجحفة": وهي ميقات أهل الشام ومصر والمغرب في عقد الإحرام. "والأَبْوَاء" بفتح الهمزة وسكون الباء وبالمد جبل بين مكة والمدينة، سُمي

стр. 1147

بذلك؛ لأن السيلَ يَبُوء إليه، وبه تُوفيت أم النبي ﷺ ، وقيل: هي قرية بينها وبين الجُحفة عشرون ميلًا. "إذ غشيتْنا"؛ أي: جاءتْنا "ريحٌ وظلمةٌ شديدةٌ، فجعل رسول الله ﷺ "؛ أي: طَفِقَ يتعوَّذ "بـ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ويقول: يا عقبةُ! تعوَّذْ بهما؛ فما تعوَّذ متعوِّذ بمثلهما"؛ أي: ليس تعويذ مثل هاتين السورتين، بل هما أفضل التعاويذ. * * * ١٥٦٢ - عن عبد الله بن خُبَيْب قال: خَرَجْنَا في لَيْلَةِ مَطَرٍ وظُلْمةٍ شديدة نَطْلُبُ رسولَ الله ﷺ ، فَأَدْرَكْنَاهُ، فَقالَ: "قُلْ"، قُلْتُ: ما أَقُولُ؟، قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُصْبحُ وحَينَ تُمْسِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ". "عن عبد الله بن خُبيب أنه قال: خرجْنا في ليلةِ مطرٍ وظلمةٍ شديدةٍ، نطَلبُ رسولَ الله ﷺ ، فأدركناه، فقال: قُلْ، فقلت: ما أقول؟ قال: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمُعوذتين حين تُصبح وحين تُمسي ثلاثَ مراتٍ تكفيك من كل شيء"؛ أي: تدفع هذه السُّوَرُ عنك شرَّ كلِّ ذي شرٍّ. * * * ١٥٦٣ - عن عُقْبة بن عامِرٍ قال: قُلْتُ: يا رسولُ الله!، أقرأُ سُورَةَ هُودٍ أو سورةَ يوسُف؟، قال: "لنْ تَقْرَأَ شَيْئًا أَبْلَغَ عِنْدَ الله مِنْ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ". "عن عقبة بن عامر قال: قلت: يا رسولَ الله! أقرأ": بحذف الهمزة الاستفهامية؛ أي: أأقرأ "سورةَ هود، أو سورة يوسف؟ "

стр. 1148

"قال: لن تقرأ شيئًا أبلغَ"؛ أي: أتمَّ في التعوُّذ "عند الله من ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، والمراد: التحريضُ على التعوُّذ بهاتَين السورتَين. * * * فصل (فصل) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٥٦٤ - قال رسول الله ﷺ : "تَعَاهَدُوا القُرآنَ، فَوَالذي نفسي بيدِهِ لهَو أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنَ الإِبلِ في عُقُلِها". "من الصحاح": " عن أبي موسى أنه قال: قال رسول الله ﷺ : تعاهَدُوا القرآنَ"؛ أي: تحفَّظوا به وواظبوا على تلاوته. "فوالذي نفسي بيده! لَهو أشدُّ تَفَصِّيًا"؛ أي: ذهابًا وانفلاتًا "من الإبل في عُقُلِها" بضم العين والقاف: جمع عِقَال - بالكسر (١) -، وهو الحبل الذي يُشدُّ به ذراعُ البعير. * * * ١٥٦٥ - وقال: "اسْتَذْكِرُوا القُرآنَ، فإنَّهُ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجالِ مِنَ النَّعَم مِنْ عُقُلِها".

стр. 1149

"وعن عبد الله بن مسعود أنه قال: قال رسول الله ﷺ : استَذْكِرُوا القرآنَ"؛ أي: اطلبوا من أنفسكم مذاكرتَه والمحافظةَ على قراءته. "فإنه أشدُّ تفصِّيًا من صدور الرجال": متعلقًا بـ (تفصيًا). "مِنَ النَّعَم" بفتح النون: واحد الأنعام، وهي المال الراعية، وأكثر استعماله في الإبل، وهو متعلق بـ (أشد)؛ أي: أشدُّ من تفصِّي النَّعَم المتعلقة، وتخصيص الرجال بالذِّكر؛ لأن حفظَ القرآن من شأنهم. * * * ١٥٦٦ - وقال: "مَثَلُ صاحبِ القُرآنِ كمثَلِ صاحِبِ الإِبلِ المُعَقَّلَةِ، إنْ عاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَها، وإنْ أَطْلَقَها ذَهَبَتْ". "وعن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : مَثَلُ صاحبِ القرآن كمَثَلِ صاحب الإبل المعقلَّة"؛ أي: المشدودة بالعِقَال. "إن عاهَدَ عليها"؛ أي: داوَمَ على حفظ تلك الإبل. "أَمسكَها، وإن أَطلقَها"؛ أي: أَرسلَها وحلَّها "ذهبتْ"، فكذلك القرآن؛ إن لم يتعاهد عليه يفرُّ من صدره وينساه. * * * ١٥٦٧ - وقال: "اقرَؤُوا القُرآنَ ما ائْتَلفتْ عليهِ قُلُوبُكُمْ، فإذا اخْتَلَفْتُمْ فقومُوا عنهُ". "وعن جُندب بن عبد الله أنه قال: قال رسول الله ﷺ : اقرؤوا القرآنَ ما ائتلفتْ عليه قلوبُكم"؛ أي: ما دام لكم حضورٌ ونشاطٌ بقراءته، وخواطرُكم مجموعةٌ.

стр. 1150

"فإذا اختلفتم"؛ أي: تفرَّقت قلوبُكم وسئُمتم من القرآن. "فقوموا عنه"؛ أي: اتركوا قراءتَه؛ فإنه أعظمُ من أن يقرأَه أحدٌ من غير حضور القلب، أو المراد: اقرؤوا ما دمتم متفقين على تصحيح قراءته وأسرار معانيه، فإذا اختلفتم في ذلك فاتركوه؛ لأن الاختلافَ يُفضي إلى الجدال، والجدال إلى الجُحود وتلبيس الحق بالباطل، أعاذنا الله من ذلك بفضله. * * * ١٥٦٨ - وسُئلَ أنسٌ ﵁: كيفَ كانتْ قِراءَةُ النَّبيِّ ﷺ ؟، فقال: كانَتْ مَدًّا، ثم قرأ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يمدُّ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾، ويَمُدُّ بـ ﴿الرَّحْمَنِ﴾، ويمُدُّ بـ ﴿الرَّحِيمِ﴾. "وسئل أنس: كيف كانت قراءةُ النبي ﵊؟ فقال: كانت" قراءتُه "مَدًّا"؛ أي: ذاتَ مَدٍّ؛ أي: كان ﷺ يمدُّ حرفَ المَدِّ واللِّين، وحروفُ المَدِّ ثلاثةٌ: الألف، والواو الساكنة التي قبلها ضمة، والياء الساكنة التي قبلها كسرة، فإذا كان في الكلام أحدُ هذه الحروف وبعدها همزةٌ كقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا﴾ [البقرة: ١٣٦]، أو حرفٌ مشدَّةٌ كقوله تعالى: ﴿أَتُحَاجُّونِّي﴾ [الأنعام: ٨٠]، أو ساكنٌ كقوله - تعالى: ﴿ص﴾ [ص: ١]- يمدُّ ذلك الحرف. وفي قَدْره اختلاف؛ فبعضُهم يمدُّ بقَدْر الأَلِف، وبعضُهم بقَدْر الأَلِفَين، وبعضُهم بأربع، وبعضهم بخمس. "ثم قرأ"؛ أي: أنسٌ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، يمدُّ ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾، ويمدُّ بـ ﴿الرَّحْمَنِ﴾، ويمدُّ بـ ﴿الرَّحِيمِ﴾ "؛ ليَعلَمَ الحاضرون كيفيةَ قراءته ﷺ ، فمَدُّ البسملةِ لم يكن إلا بقَدْر خروج المَدِّ من الفم؛ لأنه ليس بعد الألف همزةٌ ولا تشديدٌ ولا ساكنٌ.

стр. 1151

و ﴿الرَّحِيمِ﴾ يُمَدُّ عند الوقف بقَدْر أَلِفَين، وفي الوصل بقَدْر خروج الياء من الفم. * * * ١٥٦٩ - وقال رسول الله ﷺ : "ما أَذِنَ الله لِشيءٍ ما أَذِنَ لنبيٍّ يتغنَّى بالقُرآنِ". "وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ما أَذِنَ الله لشيءٍ"، (ما) هذه: نافية، "ما أَذِنَ لنبيٍّ": (ما) هذه: مصدرية؛ أي: ما استَمعَ إلى شيءٍ كاستماعه إلى صوت نبيٍّ، والمراد بهذا الاستماع: إجزال ثوابه والاعتداد به. "يتغنَّى بالقرآن": مصدر بمعنى القراءة، أو المقروء، والمراد به: الكتب المُنزلة، والمراد من تغنِّيه: الإفصاح بألفاظه، وقيل: إعلانه، وقيل: معنى تغنِّيه: قراءته على خشيةٍ من الله ورقةٍ من فؤاده. وقيل: كشفُ الغموم بِذكر كلام الربِّ، كما يتغنَّى المغموم بالشِّعر لطلب الفرجة. وقيل: معناه: التطرُّب بتحسين صوته؛ لأن الغناءَ من علامات الطَّرَب، أباحه أبو حنيفة وجماعةٌ من السَّلَف، وكرهَه مالك، والشافعي في قولٍ. * * * ١٥٧٠ - وقال: "ما أَذِنَ الله لِشيءٍ ما أذِنَ لنبيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ بالقُرآنِ يَجْهَرُ به". "وعنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ما أَذِنَ الله لشيءٍ ما أَذِنَ لنبيٍّ حسنِ الصوتِ بالقرآن يَجْهَرُ به". * * *

стр. 1152

١٥٧١ - وقال: "ليسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يتغَنَّ بالقُرآن". "وعنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ليس مِنَّا"؛ أي: خُلقًا وسيرةَ "مَن لم يتغنَّ بالقرآن"؛ أي: مَن لم يستغنِ به عن غيره، وقيل: معناه: مَن لم ينفرج من غمومه بقراءة القرآن والتدبُّر فيه. * * * ١٥٧٢ - وقال عبد الله بن مَسْعودٍ ﵁: قالَ لي رسولُ الله ﷺ وهو على المِنْبَرِ: "اقْرَأْ عليَّ"، قلتُ: أَقْرَأُ عليكَ وعليكَ أنْزِلَ؟، قال: "إنِّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي"، فقرأْتُ سورةَ النِّساءِ حتَّى أتيتُ إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ قال: "حَسْبُكَ الآن"، فالتفتُّ إليه، فإذا عَيْنَاهُ تَذْرِقانِ. "وقال عبد الله بن مسعود: قال لي رسول الله ﷺ وهو على المنبر: اقرأ عليَّ"؛ أي: اقرأ حتى أستمعَ إليك. "قلت: أَقرأُ عليك وعليك أُنزل؟ "؛ أي: القرآن. "قال: فإني أُحبُّ أن أَسمعَه من غيري": وهذا دليل على أن استماعَ القرآنِ سُنَّةٌ. "فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ﴾ "؛ أي: كيف يصنع الكَفَرةُ من اليهود وغيرهم ﴿إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ يَشهَد عليهم بما فعلوا، وهو نبيُّهم. ﴿وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ المكذِّبين ﴿شَهِيدًا﴾، قال: حَسْبُك الآنَ"؛ أي: لا تَقرَأْ شيئًا آخر؛ فإني مشغولٌ بالتفكُّر في هذه الآية بالبكاء.

стр. 1153

"فالتفتُّ إليه، فإذا عيناه تَذرِفان"؛ أي: تَدْمَعانِ. * * * ١٥٧٣ - وعن أنَسٍ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ لأُبَيِّ بن كَعْبٍ: "إنَّ الله أَمَرَنِي أَنْ أقرأَ عليكَ القُرآنَ"، قال: الله سَمَّاني لكَ؟!، قال: "نَعَمْ"، قال: وقَدْ ذُكِرْتُ عندَ ربِّ العالَمِينَ؟!، قال: "نَعَمْ"، فذرفَتْ عَيْنَاهُ. وفي روايةٍ: "أَمَرَنِي أنْ أقرأَ عليكَ: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾. "وعن أنس أنه قال: قال رسول الله ﷺ لأُبي بن كعب: إن الله أمرَني أن أقرأَ عليك القرآنَ"، والمراد من قراءته ﷺ على أُبيٍّ: تعليم وإرشاد، وهو أول قُرَّاء الصحابة، وأشدُّهم استعدادًا لتلقُّف القرآن كتلقُّفه ﷺ من أمين الوحي، فلذا خُصَّ بذلك، ومن هذا جَرَتِ السُّنَةُ بين القُرَّاء أن يَقرَأَ الأستاذُ لِيَسمعَ التلميذ، ثم يقرأَ التلميذ. "قال"؛ أي: أُبيٌّ: "الله": بهمزتين، الأولى للاستفهام، قُلبت الثانية ألفًا، فصار (الله) بالمد، ويجوز الحذف للعِلم بها. "سَمَّاني لك؟ قال: نعم، قال: وقد ذُكِرتُ عند ربِّ العالمين؟ قال: نعم، فذَرفتْ عيناه"؛ أي: سالَ منهما الدمعُ؛ ابتهاجًا وفرحًا من تسمية الله إياه بأمر القراءة، أو خوفًا من العجز عن شكر تلك النعمة. "وفي رواية: أمرني أن أقرأَ عليك: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ "، قيل: تخصيص هذه السورة بالقراءة من بين السُّوَر؛ لأنها وجيزةٌ جامعةٌ بقواعدَ كثيرةٍ من أصول الدِّين وفروعه، والإخلاص وتطهير القلب، وكان الوقت يقتضي الاختصار.

стр. 1154

وقيل: لأن فيها قصةَ أهل الكتاب، وأُبي كان من أحبار اليهود، فأراد ﷺ أن يُعلمَه حالهَم وخطابَ الله إياهم، فيتقرَّر إيمانُه بالله تعالى ونبوته ﷺ أشدَّ. * * * ١٥٧٤ - وقال ابن عُمر ﵄: نَهَى رسُولُ الله ﷺ أنْ يُسَافَرَ بالقُرآنِ إلى أرضِ العَدُوِّ. وفي روايةٍ: قالَ: "لا تُسافِرُوا بالقُرآنِ، فإنِّي لا آمَنُ أَنْ ينالَهُ العَدُوُّ". "وقال ابن عمر ﵄: نَهَى رسولُ الله ﷺ أن يُسافَرَ بالقرآن إلى أرض العدو"، قيل: نهيُه ﷺ عن ذلك لأجل أن جميعَ القرآن كان محفوظًا عند جميع الصحابة، فلو ذهبَ بعضٌ ممن عنده شيءٌ منه وماتَ لضاعَ ذلك القَدْرُ. "وفي رواية: لا تُسافِرُوا بالقرآن"، والمراد به: المصحف. "فإني لا آمَنُ أن ينالَه العدوُّ"، فيحقِّروه، أو يحرقوه، أو يلقوه في مكانٍ نَجِسٍ. * * * مِنَ الحِسَان: ١٥٧٥ - عن أبي سَعيد الخُدْريِّ ﵁ قال: جلَستُ في عِصابةٍ من ضُعفاءِ المُهاجرينَ، وإنَّ بعضَهُمْ لَيَسْتَتِرُ ببعضٍ مِنَ العُرْيِ، وقارِيءٌ يَقْرأُ علينَا، إذْ جاءَ رسُولُ الله ﷺ ، فقامَ عَلَيْنَا، فلمَّا قامَ رسُولُ الله ﷺ سَكَتَ القارِئُ، فسلَّمَ، ثمَّ قال: "مَا كُنْتُم تَصْنَعُونَ؟ "، قُلنا: كُنَّا نستَمِعُ إلى كِتابِ الله، فقال: "الحمدُ لله الذي جعلَ مِنْ أُمَّتي مَنْ أُمِرْتُ أَنْ أَصْبرَ نفسِي مَعَهُمْ"، قال: فجلسَ وَسْطَنَا ليَعْدِلَ بنفسِهِ فينا، ثمَّ قال بيدِهِ هكذا، فتحلَّقُوا، وبرَزَتْ وُجُوهُهُمْ لهُ، فقال:

стр. 1155

"أبْشِرُوا يا مَعْشَرَ صعَالِيكِ المُهاجِرينَ بالنُّورِ التَّامُ يومَ القِيامَةِ، تَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قبلَ أَغْنِيَاءِ النَّاسِ بنصْفِ يومٍ، وذلكَ خمسُمائةِ سنَةٍ". "من الحسان": " عن أبي سعيد الخُدري أنه قال: جلست في عصابة"؛ أي: جماعة. "من ضعفاء المهاجرين، وإن بعضَهم لَيستتر ببعض مِنَ العُري": هؤلاء هم أصحاب الصُّفَّة، مَن كان منهم ثوبُه أقلَّ مِن ثوبِ صاحبه كان يجلس خلفَ صاحبه يَستترُ به. "وقارئٌ يقرأ علينا، إذ جاء رسولُ الله ﷺ ، فقام علينا"؛ يعني: كنا غافلين عن مجيئه، فنظرنا فإذا هو قائمٌ فوقَ رؤوسنا. "فلما قام رسولُ الله ﷺ سَكَتَ القارئ، فسلَّم"؛ أي: رسولُ الله ﷺ علينا. "ثم قال: ما كنتُم تصنعون؟ قلنا: كنا نستمع إلى كتاب الله، فقال: الحمد لله الذي جَعَلَ مِن أمتي مَن أُمرت أن أَصبرَ نفسي معهم"؛ أي: جعلَ زمرةً فقراءَ مقرَّبين عند الله، بحيث أمرني الله تعالى بالصبر معهم بقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ [الكهف: ٢٨] الآية. "قال"؛ أي: الراوي: "فجلس"؛ أي: النبيُّ ﵊ "وسطَنا ليَعدِلَ بنفسه فينا"؛ أي: ليُسوِّيَ نفسَه، ويجعلَها عديلةً لنا في المجلس؛ تواضعًا منه ﷺ لربِّه، ورغبة فيما نحن فيه. "ثم قال بيده هكذا"؛ أي: أشارَ بها: أن اجلسوا حِلَقًا. "فتحلَّقوا"؛ أي: جلسوا حوالَيه كالحلقة. "وبرزتْ"؛ أي: ظَهرتْ "وجوهُهم له" بحيث يرى ﷺ وجهَ كلِّ واحد منهم.

стр. 1156

"فقال: أبشِرُوا"؛ أي: افرحوا. "يا مَعشرَ صعاليك المهاجرين! " جمع: صُعلوك، وهو الفقير. "بالنور التام يومَ القيامة"؛ وذلك لأن حظَّ الفقراء في القيامة أكثرُ من حظ الأغنياء؛ لأنهم وجدوا لذةً وراحةً في الدنيا. "تدخلون الجنةَ قبل أغنياء الناس بنصف يوم، وذلك خمس مئة سنة"، وإنما دخلوا قبل الأغنياء؛ لأن الأغنياءَ وقفوا في العَرصات للحساب، ويُسألون عن جهة تحصيل الأموال وكيفية صرفها. والمراد بـ (الفقراء): الصابرون الصالحون، وبـ (الأغنياء): الأغنياء الشاكرون المؤدُّون حقوقَ أموالهم. * * * ١٥٧٦ - وقال: "زَينُوا القُرآنَ بأَصْوَاتِكُمْ". "وعن البراء بن عازب أنه قال: قال رسول الله ﷺ : زَينوا القرآنَ بأصواتكم": حملَه كثير على القلب، فمعناه: زينوا أصواتَكم بالقرآن؛ فإن الأصواتَ وأصحابَ الأصوات يتزيَّنون بالقرآن. * * * ١٥٧٧ - وقال: "مَا مِنْ امرِئٍ يقرأُ القُرْآنَ، ثُمَّ يَنْساهُ إلَاّ لقيَ الله يومَ القيامَةِ أَجْذَمَ". "وعن سعد بن عبادة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ما مِن امرئ يقرأ القرآنَ، ثم ينساه إلا لقيَ الله يومَ القيامة أَجْذَمَ"؛ أي: ليس له يدٌ. وقيل: أي: مُبتلًى بالجُذام، وقيل: أي: مقطوع الحُجة لا حُجةَ له

стр. 1157

ولا عذرَ في نسيان القرآن؛ أي: ينتكس رأسُه بين يدي الله تعالى حياءَ وخجالةٌ من نسيان كلامِه الكريم. وقيل: معناه: لقيَ الله ويدُه خاليةٌ عن الخير. * * * ١٥٧٨ - عن عبد الله بن عَمْرٍو: أن النبيَّ ﷺ قال: "لَمْ يَفْقَهْ مَنْ قَرَأَ القُرآنَ في أقلَّ مِنْ ثَلاثٍ"، صحيح. "عن عبد الله بن عمرو (١): أن النبي ﵊ قال: لم يَفْقَهْ"؛ أي: لم يَفهَم. "مَن قرأ القرآنَ"؛ أي: ختمَه. "في أقلَّ من ثلاثٍ"؛ أي: ثلاثِ ليالٍ؛ لأنه إذ ذاك لم يتمكن من التدبُّر له والتفكُّر فيه بسبب العَجَلة والمَلالة. * * * ١٥٧٩ - وعن عُقْبة بن عامِرٍ، عن رسولِ الله ﷺ قال: "الجاهِرُ بالقُرآنِ كالجاهرِ بالصَّدقةِ، والمُسِرُّ بالقُرآنِ كالمُسِرُّ بالصَّدقةِ"، غريب. "وعن عقبة بن عامر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: الجاهِرُ بالقرآن كالجاهِرِ بالصدقة، والمُسِرُّ بالقرآن كالمُسِرِّ بالصدقة. غريب"؛ يعني: كما أن الجهرَ والسرَّ بالصدقة جائزٌ، فكذا في قراءة القرآن؛ والسّرُّ أَولى. نعم، لو قرأَ جهرًا ليُستمَعَ إليه، ويُتعلَّمَ منه، أو لينالَ المستمعُ الثوابَ، أو للذوق، أو لإظهار شعارِ الدِّين كان الجهرُ أَولى، ولعل المراد بالإسرار به:

стр. 1158

التفكُّر والتدبُّر فيه؛ لئلا ينافيَ تزيينَ القرآنِ بالصوتِ والإفصاحَ. "غريب". * * * ١٥٨٠ - عن صُهَيْب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما آمَنَ بالقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَ مَحارِمَهُ"، ضعيف. "عن صهيب أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ما آمَنَ بالقرآن"؛ أي: لم يؤمنْ بحكمه. "مَن استحلَّ محارمَه" جمع: مَحْرَم، بمعنى: الحرام، والضمير للقرآن. "ضعيف". * * * ١٥٨١ - عن يَعْلى بن مَمْلَك: أنَّه سألَ أُمَّ سلَمةَ عنْ قِراءَةِ النبيِّ ﷺ ، فإذا هي تَنْعَتُ قِراءَةً مُفَسَّرةً حرفًا حرفًا. "عن يَعلَى بن مَمْلَك: أنه سأل أمَّ سلمةَ عن قراءة النبي ﵊، فإذا هي تَنْعَتُ"؛ أي: تَصِفُ. "قراءةً مُفسَّرةً"؛ أي: مبيَّنةً. "حرفًا حرفًا"؛ أي: كان يقرأ على التأنِّي، بحيث يمكن عدُّ حروفِ ما يقرأ. * * * ١٥٨٢ - ورُوي أنّها قالت: كانَ رسولُ الله ﷺ يُقطِّعُ قِراءَتَهُ يقولُ:

стр. 1159

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثمَّ يَقِفُ، ثمَّ يقولُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثمَّ يقِفُ، والأوَّل أصحُّ. "ويروى أنها قالت: كان رسولُ الله ﷺ يقطِّع قراءتَه"، من: التقطيع؛ أي: يقرأ بالوقف على رؤوس الآيات لتبيينها. "يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ثم يقف، ثم يقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم يقف. والأولُ أصحُّ"؛ أي: الرواية الأولى عن أم سلمة أصحُّ من الثانية؛ لأن الثانيةَ ليست بسديدةٍ سندًا، ولا مَرْضيةٍ لهجةً؛ لأن فيها فصلً ا بين الصفة والموصوف. * * * فصل (فصل) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٥٨٣ - قال عُمر بن الخطَّاب: سَمِعْتُ هِشامَ بن حَكِيمِ بن حزام يقرأُ سورةَ الفُرقانِ على غيرِ ما أَقرَؤُهَا، وكان رسُولُ الله ﷺ أَقْرَأَنِيها، فجِئْتُ بِهِ رسُولَ الله ﷺ ، فقلتُ: إنِّي سمعتُ هذا يقرأُ سُورَةَ الفُرقانِ على غيرِ ما أقرأْتَنِيها، فقالَ له رسولُ الله ﷺ "اقْرَأْ"، فقرأَ القِراءَةَ التي سَمِعْتُهُ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "هكذا أُنْزِلَتْ"، ثمَّ قالَ لي: "اقْرَأْ"، فقَرَأتُ، فقال: "هكذا أُنْزِلَتْ"، إنَّ هذا القُرآنَ أُنْزِلَ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فاقْرَؤُوا ما تيسَّرَ منه". "من الصحاح": " قال عمر بن الخطاب: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورةَ الفرقان على غير ما أقرؤُها، وكان رسولُ الله ﷺ أَقرَأَنِيها"، فقلت لهشام: تعالَ

стр. 1160

معي حتى نسألَ رسولَ الله ﷺ أن قراءتي صحيحةٌ أم قراءتُك؟ "فجئت به رسولُ الله ﷺ فقلت: إني سمعتُ هذا يقرأ سورةَ الفرقان على غير ما أَقرأتَنِيها، فقال رسولُ الله ﷺ : اقرأْ، فقرأَ القراءةَ التي سمعتُه"؛ أي: هشامًا يقرؤها. "فقال رسولُ الله ﷺ : هكذا أُنزلت، ثم قال لي: اقرأْ، فقرأتُ، فقال: هكذا أُنزلت؛ إن هذا القرآنَ أُنزِل على سبعةِ أَحْرُفٍ"؛ أي: على سبعةِ قراءاتٍ. ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾. * * * ١٥٨٤ - وقال ابن مَسْعودٍ ﵁: "سمعتُ رجُلًا قرأَ آيةٍ، وسمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقْرأُ خِلافَها، فجئْتُ بهِ النَّبيَّ ﷺ ، فَأَخْبَرْتُهُ، فعَرَفْتُ في وَجْهِهِ الكَراهِيَةَ، فقال: "كِلاكُما مُحْسِنٌ، فلا تَخْتَلِفُوا، فإنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ اخْتَلَفُوا فهَلَكُوا". "وقال ابن مسعود: سمعت رجلًا قرأ آيةً، وسمعتُ النبيَّ ﵊ يقرأ خلافَها، فجئتُ به النبيَّ ﷺ ، فأخبرتُه، فعرفت في وجهه الكراهيَةَ"، إنما كره ﷺ اختلافَ ابن مسعود مع ذلك الرجل في القرآن، لأن قراءَته على وجوهٍ مختلفةٍ جائزةٌ؛ فإنكارُ بعضِ تلك الوجوهِ إنكارٌ للقرآن، وهو غير جائز. "فقال: كلاكما مُحِسن، فلا تختلفوا؛ فإن مَن كان قبلكم اختلفوا، فهلكوا". * * * ١٥٨٥ - وقال أُبيُّ بن كعب ﵁: كُنْتُ في المسجِدِ، فدخلَ رَجُلٌ يُصَلِّي، فقرأَ قِراءَةً أنكرتُها عليهِ، ثمَّ دَخَلَّ آخرُ فقرأَ قراءةً سِوَى قِراءةِ صاحِبهِ،
следующие страницы →