"فقال: أبشِرُوا"؛ أي: افرحوا.
"يا مَعشرَ صعاليك المهاجرين! " جمع: صُعلوك، وهو الفقير.
"بالنور التام يومَ القيامة"؛ وذلك لأن حظَّ الفقراء في القيامة أكثرُ من حظ الأغنياء؛ لأنهم وجدوا لذةً وراحةً في الدنيا.
"تدخلون الجنةَ قبل أغنياء الناس بنصف يوم، وذلك خمس مئة سنة"، وإنما دخلوا قبل الأغنياء؛ لأن الأغنياءَ وقفوا في العَرصات للحساب، ويُسألون عن جهة تحصيل الأموال وكيفية صرفها.
والمراد بـ (الفقراء): الصابرون الصالحون، وبـ (الأغنياء): الأغنياء الشاكرون المؤدُّون حقوقَ أموالهم.
* * *
١٥٧٦ - وقال: "زَينُوا القُرآنَ بأَصْوَاتِكُمْ".
"وعن البراء بن عازب أنه قال: قال رسول الله ﷺ : زَينوا القرآنَ بأصواتكم": حملَه كثير على القلب، فمعناه: زينوا أصواتَكم بالقرآن؛ فإن الأصواتَ وأصحابَ الأصوات يتزيَّنون بالقرآن.
* * *
١٥٧٧ - وقال: "مَا مِنْ امرِئٍ يقرأُ القُرْآنَ، ثُمَّ يَنْساهُ إلَاّ لقيَ الله يومَ القيامَةِ أَجْذَمَ".
"وعن سعد بن عبادة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ما مِن امرئ يقرأ القرآنَ، ثم ينساه إلا لقيَ الله يومَ القيامة أَجْذَمَ"؛ أي: ليس له يدٌ.
وقيل: أي: مُبتلًى بالجُذام، وقيل: أي: مقطوع الحُجة لا حُجةَ له
стр. 1157
ولا عذرَ في نسيان القرآن؛ أي: ينتكس رأسُه بين يدي الله تعالى حياءَ وخجالةٌ من نسيان كلامِه الكريم.
وقيل: معناه: لقيَ الله ويدُه خاليةٌ عن الخير.
* * *
١٥٧٨ - عن عبد الله بن عَمْرٍو: أن النبيَّ ﷺ قال: "لَمْ يَفْقَهْ مَنْ قَرَأَ القُرآنَ في أقلَّ مِنْ ثَلاثٍ"، صحيح.
"عن عبد الله بن عمرو (١): أن النبي ﵊ قال: لم يَفْقَهْ"؛ أي: لم يَفهَم.
"مَن قرأ القرآنَ"؛ أي: ختمَه.
"في أقلَّ من ثلاثٍ"؛ أي: ثلاثِ ليالٍ؛ لأنه إذ ذاك لم يتمكن من التدبُّر له والتفكُّر فيه بسبب العَجَلة والمَلالة.
* * *
١٥٧٩ - وعن عُقْبة بن عامِرٍ، عن رسولِ الله ﷺ قال: "الجاهِرُ بالقُرآنِ كالجاهرِ بالصَّدقةِ، والمُسِرُّ بالقُرآنِ كالمُسِرُّ بالصَّدقةِ"، غريب.
"وعن عقبة بن عامر، عن رسول الله ﷺ أنه قال: الجاهِرُ بالقرآن كالجاهِرِ بالصدقة، والمُسِرُّ بالقرآن كالمُسِرِّ بالصدقة. غريب"؛ يعني: كما أن الجهرَ والسرَّ بالصدقة جائزٌ، فكذا في قراءة القرآن؛ والسّرُّ أَولى.
نعم، لو قرأَ جهرًا ليُستمَعَ إليه، ويُتعلَّمَ منه، أو لينالَ المستمعُ الثوابَ، أو للذوق، أو لإظهار شعارِ الدِّين كان الجهرُ أَولى، ولعل المراد بالإسرار به:
стр. 1158
التفكُّر والتدبُّر فيه؛ لئلا ينافيَ تزيينَ القرآنِ بالصوتِ والإفصاحَ.
"غريب".
* * *
١٥٨٠ - عن صُهَيْب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما آمَنَ بالقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَ مَحارِمَهُ"، ضعيف.
"عن صهيب أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ما آمَنَ بالقرآن"؛ أي: لم يؤمنْ بحكمه.
"مَن استحلَّ محارمَه" جمع: مَحْرَم، بمعنى: الحرام، والضمير للقرآن.
"ضعيف".
* * *
١٥٨١ - عن يَعْلى بن مَمْلَك: أنَّه سألَ أُمَّ سلَمةَ عنْ قِراءَةِ النبيِّ ﷺ ، فإذا هي تَنْعَتُ قِراءَةً مُفَسَّرةً حرفًا حرفًا.
"عن يَعلَى بن مَمْلَك: أنه سأل أمَّ سلمةَ عن قراءة النبي ﵊، فإذا هي تَنْعَتُ"؛ أي: تَصِفُ.
"قراءةً مُفسَّرةً"؛ أي: مبيَّنةً.
"حرفًا حرفًا"؛ أي: كان يقرأ على التأنِّي، بحيث يمكن عدُّ حروفِ ما يقرأ.
* * *
١٥٨٢ - ورُوي أنّها قالت: كانَ رسولُ الله ﷺ يُقطِّعُ قِراءَتَهُ يقولُ:
стр. 1159
﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ثمَّ يَقِفُ، ثمَّ يقولُ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ثمَّ يقِفُ، والأوَّل أصحُّ.
"ويروى أنها قالت: كان رسولُ الله ﷺ يقطِّع قراءتَه"، من: التقطيع؛ أي: يقرأ بالوقف على رؤوس الآيات لتبيينها.
"يقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ثم يقف، ثم يقول: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ثم يقف. والأولُ أصحُّ"؛ أي: الرواية الأولى عن أم سلمة أصحُّ من الثانية؛ لأن الثانيةَ ليست بسديدةٍ سندًا، ولا مَرْضيةٍ لهجةً؛ لأن فيها فصلً ا بين الصفة والموصوف.
* * *
فصل
(فصل)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٥٨٣ - قال عُمر بن الخطَّاب: سَمِعْتُ هِشامَ بن حَكِيمِ بن حزام يقرأُ سورةَ الفُرقانِ على غيرِ ما أَقرَؤُهَا، وكان رسُولُ الله ﷺ أَقْرَأَنِيها، فجِئْتُ بِهِ رسُولَ الله ﷺ ، فقلتُ: إنِّي سمعتُ هذا يقرأُ سُورَةَ الفُرقانِ على غيرِ ما أقرأْتَنِيها، فقالَ له رسولُ الله ﷺ "اقْرَأْ"، فقرأَ القِراءَةَ التي سَمِعْتُهُ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "هكذا أُنْزِلَتْ"، ثمَّ قالَ لي: "اقْرَأْ"، فقَرَأتُ، فقال: "هكذا أُنْزِلَتْ"، إنَّ هذا القُرآنَ أُنْزِلَ على سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فاقْرَؤُوا ما تيسَّرَ منه".
"من الصحاح":
" قال عمر بن الخطاب: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورةَ الفرقان على غير ما أقرؤُها، وكان رسولُ الله ﷺ أَقرَأَنِيها"، فقلت لهشام: تعالَ
стр. 1160
معي حتى نسألَ رسولَ الله ﷺ أن قراءتي صحيحةٌ أم قراءتُك؟
"فجئت به رسولُ الله ﷺ فقلت: إني سمعتُ هذا يقرأ سورةَ الفرقان على غير ما أَقرأتَنِيها، فقال رسولُ الله ﷺ : اقرأْ، فقرأَ القراءةَ التي سمعتُه"؛ أي: هشامًا يقرؤها.
"فقال رسولُ الله ﷺ : هكذا أُنزلت، ثم قال لي: اقرأْ، فقرأتُ، فقال: هكذا أُنزلت؛ إن هذا القرآنَ أُنزِل على سبعةِ أَحْرُفٍ"؛ أي: على سبعةِ قراءاتٍ.
﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾.
* * *
١٥٨٤ - وقال ابن مَسْعودٍ ﵁: "سمعتُ رجُلًا قرأَ آيةٍ، وسمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقْرأُ خِلافَها، فجئْتُ بهِ النَّبيَّ ﷺ ، فَأَخْبَرْتُهُ، فعَرَفْتُ في وَجْهِهِ الكَراهِيَةَ، فقال: "كِلاكُما مُحْسِنٌ، فلا تَخْتَلِفُوا، فإنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ اخْتَلَفُوا فهَلَكُوا".
"وقال ابن مسعود: سمعت رجلًا قرأ آيةً، وسمعتُ النبيَّ ﵊ يقرأ خلافَها، فجئتُ به النبيَّ ﷺ ، فأخبرتُه، فعرفت في وجهه الكراهيَةَ"، إنما كره ﷺ اختلافَ ابن مسعود مع ذلك الرجل في القرآن، لأن قراءَته على وجوهٍ مختلفةٍ جائزةٌ؛ فإنكارُ بعضِ تلك الوجوهِ إنكارٌ للقرآن، وهو غير جائز.
"فقال: كلاكما مُحِسن، فلا تختلفوا؛ فإن مَن كان قبلكم اختلفوا، فهلكوا".
* * *
١٥٨٥ - وقال أُبيُّ بن كعب ﵁: كُنْتُ في المسجِدِ، فدخلَ رَجُلٌ يُصَلِّي، فقرأَ قِراءَةً أنكرتُها عليهِ، ثمَّ دَخَلَّ آخرُ فقرأَ قراءةً سِوَى قِراءةِ صاحِبهِ،
стр. 1161
فلمَّا قَضَيْنَا الصَّلاةَ دَخَلْنَا جَميعًا على رسُولِ الله ﷺ ، فقلت: إنَّ هذا قرأَ قِراءةً أنكرتُها عليهِ، ودخلَ آخرُ فقرأَ سِوَى قِراءةِ صاحِبهِ، فأَمَرَهُمَا النَّبيّ ﷺ فقرآ، فحسَّنَ شَأْنَهُمَا، فَسُقِطَ في نَفْسِي مِنَ التَّكْذِيبِ ولا إذْ كُنْتُ في الجَاهِلِيَّةِ، فلمَّا رأَى رسولُ الله ﷺ قَدْ غَشِيَنِي ضَرَبَ في صَدْرِي، فَفِضْتُ عَرَقًا، وكأنِّي أنْظُرُ إلى الله تعالى فَرَقًا، فقال لي: "يا أُبَيُّ! أُرْسِلَ إليَّ: أَنِ اقْرَأ القُرآنَ على حَرْفٍ، فردَدتُ إلَيْهِ: أَنْ هَوِّنْ على أُمَّتِي، فردَّ إليَّ الثانيَةَ: اقْرَأْهُ على حَرْفَيْنِ، فَرَدَدْتُ إليهِ: أنْ هَوِّنْ على أُمَّتِي، فَرَدَّ إليَّ الثالثةَ: اقْرَأْهُ على سبعةِ أَحْرُفٍ، ولَكَ بِكُلِّ رَدَّةٍ رَدَدْتُكَهَا مسأَلَةٌ تَسْأَلُنِيها، فقلتُ: اللهمَّ اغْفِرْ لأُمَّتي، اللهمَّ اغْفِرْ لأُمَّتي، وأَخَّرْتُ الثالثةَ ليَوْمٍ يَرْغَبُ إليَّ الخَلْقُ كُلُّهُمْ حتَّى إبراهيمُ ﵇".
"وقال أُبي بن كعب: كنتُ في المسجد، فدخل رجل يصلي، فقرأ قراءةً أنكرتُها عليه، ثم دخل آخر فقرأ قراءةً سوى قراءة صاحبه، فلما قضَيْنا الصلاةَ دخلْنا جميعًا على رسول الله ﷺ ، فقلت: إن هذا قرأَ قراءةً أَنكرتُها عليه، ودخل آخرُ فقرأ سوى قراءة صاحبه، فأَمرَهما النبيُّ ﷺ فقرآ، فحسَّن شأنَهما، فسُقِطَ" - على بناء المجهول - "في نفسي من التكذيب"، معناه: ندمتُ من تكذيبي وإنكاري قراءةَ ذلك الرجل ندامةً ما ندمتُ مِثلَها لا في الإسلام "ولا إذ كنتُ في الجاهلية"؛ لأن الشكَّ الذي دَاخَلَه في أمر الدِّين وردَ على مورد اليقين، وتَبِعَتُه بعدَ المعرفةِ أتمُّ وأهمُّ.
"فلما رأى رسولُ الله ﷺ " بالمعجزة "ما قد غشيَني"؛ أي: الذي اعتراني ودخلَ في خاطري من التكذيب والشك.
"ضرب في صدري بيده": يحتمل أن يكون هذا للتأديب وإخراج الوسوسة الشيطانية عن قلبه بيده المباركة، وأن يكون للتلطُّف.
"ففِضْتُ عَرَقًا"؛ أي: جرى عَرَقي من الخوف والاستحياء من حضرة الرسالة؛ لمَّا عَرَف [ما] في خاطري.
стр. 1162
"وكأني أنظر إلى الله فَرَقًا"؛ أي: خوفًا وفزعًا.
"فقال لي: يا أُبيُّ أُرسِلَ إلي": على بناء المجهول؛ أي: أَرسلَ الله جبرائيلَ إليَّ فأَمرَني "أَنِ اقرأ": على صيغة الأمر، و (أن) هذه: مصدرية، أو مفسرة للأمر المقدَّر.
"القرآنَ على حرف"؛ أي: على قراءة واحدة.
"فرددتُ إليه"؛ أي: جبرائيلَ إلى الله وسألتُه "أنْ هوَّنْ"؛ أي: سَهِّل "على أمتي"، (أن): مصدرية، أو مفسرة لِمَا في رددتُ من معنى القول، يقال: رَدَّ إليه: إذا رَجعَ.
"فردَّ إليَّ الثانيةَ"؛ أي: فردَّ الله إليَّ الإرسالَة الثانيةَ.
"اقرأ على حرفَين"؛ أي: قراءتَين.
"فرددتُ أَنْ هَوِّنْ على أمتي، فردَّ الثالثةَ"؛ أي: الإرسالةَ الثالثةَ.
"اقرأ على سبعة أحرف، ولك بكل رَدَّةٍ"؛ أي: بمقابلةِ كلِّ دفعةٍ رجعتَ إليَّ و "رَدَّدْتُكَها" بتشديد الدال؛ يعني: أرجعتُك إليها بحيث ما هوَّنتُ ذلك على أمتك من أول الأمر "مسألةٌ تَسأَلينها": هذه الجملة صفة مؤكدة لـ (مسألة)؛ يعني: مستجابة قطعًا.
"فقلت: اللهم اغفِرْ لأمتي، اللهم اغفِرْ لأمتي، وأخَّرتُ الثالثةَ"؛ أي: الرسالةَ الثالثةَ "ليومٍ يَرْغَبُ إليّ" - بتشديد الياء - "الخَلْقُ كلُّهم، حتى إبراهيمُ ﵇" بالرفع: عطف على (الخلقُ)، وهي الشفاعة في ذلك اليوم.
* * *
١٥٨٦ - وقال ابن عبَّاسٍ: إنَّ رسولُ الله ﷺ قال: "أَقْرَأَني جِبْريلُ على حَرْفٍ، فراجَعْتُهُ، فلمْ أَزَلْ أستَزِيدُهُ فيَزِيدُني حتَّى انتهَى إلى سبعةِ أَحْرُفٍ".
стр. 1163
"وقال ابن عباس: إن رسولَ الله ﷺ قال: أَقرَأَني جبرائيلُ على حرفٍ، فراجعتُه، فلم أَزَلْ أَستزيدُه"؛ أي: أطلبُ منه أن يطلبَ من الله الزيادةَ في الأحرف للتوسعة والتخفيف.
"فيزيدني، حتى انتهى إلى سبعة أحرف"، والأصح: أن المرادَ من سبعة أحرف: اللغات، وهو أن يقرأ كلُّ قومٍ من العرب بلغتهم وما جرت به عادتُهم من الإدغام، والإظهار، والإمالة، والتفخيم، والإشمام، والرَّوم، والهمزة، والتليين إلى غير ذلك من وجوه اللغات في الكلمة الواحدة.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٥٨٧ - عن أُبيِّ بن كَعْبٍ قال: لَقِيَ رسُولُ الله ﷺ جِبريلَ فقال: "يا جِبْرِيلُ!، إنِّي بُعِثْتُ إلى أُمَّةٍ أُمِّيينَ، منهُمُ العَجُوزُ والشَّيْخُ الكَبيرُ والغُلامُ والجارِيَةُ والرَّجُلُ الذي لَمْ يقرَأْ كِتابًا قَطُّ"، قال: "يا مُحَمَّدُ! إنَّ القُرآنَ أُنْزِلَ على سبعةِ أَحْرِفٍ".
وفي روايةٍ: ليسَ منها إلَاّ شافٍ كافٍ.
وفي روايةٍ عن أُبَيٍّ أن النبيَّ ﷺ قال: "إنَّ جِبريلَ ومِيكائيلَ أتيانِي فقعدَ جِبريلُ عنْ يَمِينِي، وميكائيلُ عنْ يَسَارِي، فقالَ جِبريلُ: اقْرَأْ القُرْآنَ على حَرْفٍ، وقال مِيكائيلُ: اسْتَزِدْهُ، فاسْتَزَدْتُهُ حتَّى بلغَ سَبْعةَ أحْرُفٍ، وكُلُّ حرفٍ شافٍ كافٍ".
"من الحسان":
" عن أُبي بن كعب أنه قال: لقيَ رسولُ الله ﷺ جبرائيلَ، فقال: يا جبرائيلُ! إني بُعثت إلى أمة أميين"؛ أي: لا تَقدِر أمتي أن تقرأَ على قراءة
стр. 1164
واحدة؛ لأن منهم مَن جرى لسانُه على الإمالة ويتعسَّر عليه التفخيم، ومنهم مَن جرى على الإدغام، ومنهم مَن جرى لسانُه على الإظهار، إلى غير ذلك.
"منهم: العجوز، والشيخ الكبير، والغلام، والجارية، والرجل الذي لم يقرأ كتابًا قطُّ، قال: يا محمدُ! إن القرآنَ أُنزِلَ على سبعة أحرف، وفي رواية: ليس منها"؛ أي: ليس حرفٌ من تلك الأحرف "إلا شافٍ" يشفي صدورَ القارئين، ويشفي من العِلَل والأمراض، لا يفارقها في المعنى وكونِها من عند الله، كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ [فصلت: ٤٤].
"كافٍ"؛ أي: في الحُجة على صدق رسول الله ﷺ ؛ لإعجازِ نَظمِه، وعجزِ الخلقِ عن الإتيان بمثله.
"وفي رواية عن أُبي: أن رسولَ الله ﷺ قال: إن جبرائيلَ وميكائيلَ أتياني، فقعد جبرائيل عن يميني، وميكائيل عن يساري، فقال جبرائيل: اقرأ القرآنَ على حرف، قال ميكائيل: استَزدْه"؛ أي: اطلبِ الزيادةَ يا محمد.
"حتى بلغَ سبعةَ أحرفٍ، وكلُّ حرفٍ شافٍ كافٍ".
* * *
١٥٨٨ - عن عِمْران بن حُصَيْن: أنَّه مَرَّ على قاصٍّ يقرَأُ ثم يَسأَلُ، فاسْترجَعَ، ثمَّ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ فَلْيَسْأَلِ الله بهِ، فإنَّهُ سَيَجِيءُ أقوامٌ يقرَؤونَ القُرآنَ يسأَلُونَ بِهِ النَّاسَ".
"عن عمران بن حصين: أنه مرَّ على قاصٍّ" بتشديد الصاد؛ أي: على رجلٍ يقول القصصَ.
"يقرأ"؛ أي: القرآنَ.
ثم يَسألُ"؛ أي: الناسَ شيئًا بالقرآن.
стр. 1165
"فاستَرجَعَ" عِمرانُ؛ أي: قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، وهذا الكلام يقال عند نزول المصيبة، وهذه مصيبةٌ؛ لأنه من علامات القيامة، ولأنه بدعةٌ، وظهورُ البدعةِ مصيبةٌ.
"ثم قال: سمعتُ رسولَ الله يقول: مَن قرأَ القرآنَ فَلْيَسألِ الله به"؛ أي: فَلْيطُلبْ من الله بالقرآن ما شاء من أمور الدنيا والآخرة، لا من الناس.
"فإنه سيجيء أقوامٌ يقرؤون القرآنَ يسألون به الناسَ".
* * *
стр. 1166
٩ - كِتابُ الدَّعَوَاتِ
стр. 1167
٩ - كِتابُ الدَّعَوَاتِ
(كتاب الدعوات)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٥٨٩ - قال رسولُ الله ﷺ : "لِكُلِّ نبَيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ، فتعجَّلَ كُلُّ نبَيٍّ دَعْوَتَهُ، وإنِّي اختَبَأْتُ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لأمَّتي يومَ القيامَةِ، فهيَ نائلةٌ - إنْ شاءَ الله - مَنْ ماتَ مِنْ أُمَّتي لا يُشْرِكُ بالله شيئًا".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لكل نبيٍّ دعوةٌ مستجابةٌ، فتعجَّل كلُّ نبيٍّ دعوتَه"، العَجَلة: ابتغاء الشيء قبل أوانه، والمراد به: أن كلَّ نبيٍّ دعا على أمته بالهلاك، كما أن نوحًا دعا على أمته حتى غرقوا بالطوفان، وصالحًا دعا على أمته حتى هلكوا بالصيحة، وكذلك شعيب وموسى وغيرهم.
"وإني اختَبأتُ دعوتي"، الاختباء: الستر والإخفاء؛ يعني: اتخذتها خبيئة وادَّخرتها.
"شفاعةً لأمتي"؛ أي: لأَنْ أَصرفَها لهم من جهة الشفاعة إلى يوم القيامة.
"فهي"؛ أي: الشفاعةُ.
"نائلةٌ"؛ أي: واصلةٌ ومُدرِكةٌ.
стр. 1168
"إن شاء الله تعالى مَن ماتِ": في محل النصب على أنه مفعول به لـ (نائلة)؛ أي: نائلةٌ كلَّ مَن ماتَ.
"مِن أمتي لا يُشرِك بالله شيئًا": الجملة حال من فاعل (مات)، وإنما ذكر (إن شاء الله تعالى) مع حصولها له لا محالة؛ أدبًا وامتثالًا بقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤].
* * *
١٥٩٠ - وقال: "اللهمَّ إنِّي أتَّخِذُ عِنْدَكَ عَهْدًا لنْ تُخْلِفَنيهِ، فإنَّما أنا بشرٌ، فأيُّ المُؤمِنينَ آذَيْتُهُ شَتَمْتُهُ لَعَنْتُهُ جَلَدْتُهُ فاجْعَلْهَا لهُ صلاةً، وزكاةً، وقُرْبةً تُقَرِّبُهُ بها إليكَ يومَ القيامَةِ".
"وعنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : اللهم إني أتَّخذ"؛ أي: أَلتمسُ وأَسألُ.
"عندك عهدًا"؛ أي: أمانًا "لن تُخْلِفَنِيه"؛ أي: أرجو ألا تردَّني به؛ فإن دعاءَ الأنبياء لا يُرَدُّ.
"فإنما أنا بَشَرٌ": إشارة إلى ظلومية البشر وجهوليته، وتمهيد لعذره فيما يبدو منه ﵊ من شتمٍ أو ضربٍ أو نحوهما؛ لأن المؤدِّي إليه الغضبُ، الذي هو من لوازم البَشَر.
"فأيُّ المؤمنين آذيتُه": بيان وتفصيل لِمَا كان يلتمسه ﷺ بقوله: (أتخذ عندك عهدًا).
"شَتمتُه، لعنتُه، جلدتُه"؛ أي: ضربتُه، بيان لقوله: (آذيته)، ولذا لم يدخل العاطف.
"فاجعلْها له": تلك الأذيَة لمن آذيتُه "صلاةً"؛ أي: رحمةً.
стр. 1169
"وزكاةً"؛ أي: طُهرةً من الذنوب والمصائب.
"وقُربةً تقرِّبُه بها": صفة لكل واحد من (الصلاة) وأخوَيه؛ أي: تقرُّبه بتلك الأذيَّة.
"إليك يومَ القيامة"، روي: أنه ﵊ خرج يومًا من حُجرته إلى الصلاة، فتعلَّقت به عائشة ﵂ والتمست منه شيئًا، وألحَّت عليه في ذلك، وتجذب ذيله، فقال لها: "قطعَ الله يدَك"، فتركتْه وجلستْ في حُجرتها مُغضبَةً ضيقةً الصدرِ، فلما رجع إليها ورآها كذلك قال: "اللهم إني أتخذ عندك عهدًا. . . " إلخ، تطييبًا لقلبها، فالسُّنةُ لمن دعا على أحدٍ أن يدعوَ له؛ جبرًا لفعله.
* * *
١٥٩١ - وقال: "إذا دَعَا أحدُكُمْ فلا يَقُلْ: اللهمَّ اغْفِرْ لي إنْ شِئْتَ، ارْحَمْنِي إنْ شِئْتَ، ارْزُقْنِي إنْ شِئْتَ، ولْيَعْزِمْ مسأَلَتَهُ، إنَّهُ يفعلُ ما يشاءُ، لا مُكْرِهَ لَهُ".
وفي روايةٍ: "ولكن لِيَعْزِمْ، ولْيُعَظِّمْ الرَّغْبَةَ، فإنَّ الله لا يَتَعاظمُهُ شيءٌ أَعْطاهُ".
"وعنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إذا دعا أحدُكم فلا يقل: اللهم اغفِرْ لي إن شئتَ، ارحمْني إن شئتَ، ارزقْني إن شئتَ"؛ لأن هذا شكٌّ في قَبول الدعاء، وهذا لا يجوز في حق الله تعالى؛ لأنه كريمٌ وقديرٌ.
"وَلْيَعزِمْ مسألتَه" أي: لِيَقطعْ وَلْيَجزِمْ فيها من غير شكٍّ وتردُّدٍ بالإجابة.
"أنه": بفتح الهمزة في الرواية المعتبرة: مفعولًا له للعزم؛ أي: لأنه "يفعل ما يشاء"، أو مفعولًا به للمسألة؛ أي: ليعزم مسألتَهُ فعلَ ما يشاء.
стр. 1170
"لا مُكْرِهَ له"؛ أي: لا يَقدِرُ أحدٌ أنْ يُكرِهه على فعلِ أمرٍ وتركِه، بل يَفعَل ما يشاء ويَحكُم ما يريد.
"وفي رواية: ولكنْ لِيَعزِمْ وَلْيُعظم الرغبةَ؛ فإن الله تعالى لا يتعاظَمُه شيءٌ أعطاه"؛ أي: لا يَعظُمُ ولا يَكبُرُ عليه إعطاءُ شيءٍ، بل جميعُ الموجودات والمعدودات في أمره يسيرٌ.
* * *
١٥٩٢ - وقال: "يُسْتَجابُ للعبدِ ما لَمْ يَدْعُ بإثْمٍ أو قَطِيعَةِ رَحِمٍ، ما لمْ يَسْتَعْجِلْ"، قيلَ: يا رسُولَ الله، ما الاسْتِعْجَالُ؟، قال: "يقولُ: قَدْ دَعَوْتُ، وقدْ دَعَوْتُ، فلمْ أَرَ يُسْتَجَابُ لي، فيَسْتَحْسِرُ عندَ ذَلِكَ، ويَدَعُ الدُّعَاءَ".
"وعنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : يُستجاب للعبدِ ما لم يَدْعُ بإثمٍ"، مثل أن يقول: اللهم انصرْني على قتل فلان، وهو مُسلِم، أو: اللهم ارزقْني الخمرَ، ونحو ذلك.
"أو قطيعةَ رَحِم"، مثل أن يقول: اللهم باعِدْ بيني وبين أبي أو أمي أو أخي وغير ذلك؛ فإن مثلَ هذا الدعاء لا يُقبَل.
"ما لم يَستعجِلْ"؛ أي: يُقبَل دعاؤه بشرط ألا يَستعجلَ.
"قيل: يا رسولَ الله! ما الاستعجالُ؟ قال: يقول الداعي: قد دعوتُ، وقد دعوتُ"؛ أي: دعوتُ مرة ومرتين وأكثر.
"فلم أَرَ يُستجاب لي"؛ أي: لم أَرَ قَبولَ دعائي.
"فيَستَحْسِر"؛ أي: ينقطعُ ويَمَلُّ "عند ذلك" من الدعاء.
"ويَدَعُ الدعاءَ"؛ أي: يتركُه، فلا ينبغي للمؤمنين أن يملَّ من الدعاء؛ لأنه عبادةٌ.
стр. 1171
وتأخير الإجابة إما لأنه لم يأتِ وقتُه؛ لأن لكلَّ شيءٍ وقتًا مقدَّرًا في الأزل، أو لأنه لم يُقدَّر في الأزل قَبولُ دعائه، فيُعطَى في الآخرة من الثواب عوضَه، أو يؤخِّر دعاءَه ليلحَّ ولِيبالغَ في الدعاء؛ فإنَّ الله يحبُّ المُلِحِّين في الدعاء.
* * *
١٥٩٣ - وقال: "دَعوةُ المَرءِ المُسلمِ لأخِيهِ بظهْرِ الغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عندَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لأخِيهِ بخَيْرٍ قالَ المَلَكُ المُوَكَّلُ بهَ: آمينَ، ولكَ بمِثْلهِ".
"عن أبي الدرداء ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : دعوةُ المرءِ المسلِمِ لأخيه بظَهر الغيب"، (الظَّهر) مقحم، والمراد بالغيب: غَيبة المَدعوِّ له.
"مستجابةٌ"؛ لخُلوصِ دعائِه عن الرِّياء.
"عند رأسه مَلَك موكَّل، كلما دعا لأخيه بخير قال المَلَك الموكَّل به: آمين، ولك بِمثْلٍ": بكسر الميم على الأشهر، وتنوينُه عوضٌ عن المضاف إليه؛ يعني: بِمثْلِ ما دعوتَه.
وهذا في الحقيقة دعاءٌ مِن المَلَك بِمثْلِ ما دعاه لأخيه، قيل: كان السَّلَفُ إذا أراد أن يدعوَ لنفسه يدعو لأخيه المسلم بتلك الدعوة؛ ليدعوَ له المَلَكُ بِمثْلِها، فيكون أعونَ للاستجابة.
* * *
١٥٩٤ - وقال: "اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فَإِنَّه لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الله حِجابٌ".
"عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : اتَّقِ"؛ أي: احذَرْ "دعوةَ المظلوم"؛ يعني: لا تظلمْ أحدًا حتى لا يدعوَ عليك.
стр. 1172
"فإنه ليس بينها"؛ أي: بينَ دعوتِه "وبينَ الله حجابٌ" إذا دعا على ظالمه يَقبَل الله دعاءَه.
* * *
١٥٩٥ - وقال: "لا تَدْعُوا على أنفُسِكُمْ، ولا تَدعُوا على أولادِكُمْ، ولا تَدعُوا على أموالِكُمْ، لا تُوافِقُوا مِنَ الله ساعةً يُسألُ فيها عَطاءٌ فَيُسْتَجابُ لكُمْ".
"وعن جابر ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا تدعوا على أنفسكم"؛ أي: دعاءَ سوءٍ.
"ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على أموالكم؛ لا توافقوا"؛ أي: كيلا توافقوا "من الله ساعةً يُسأل فيها عطاءً": الجملة صفة (ساعة)، و (العطاء): ما يُعطَى من خيرٍ أو شرٍّ، وأكثر استعماله في الخير؛ يعني: ساعةَ الإجابةِ.
"فيستجيب (١) لكم"، فتندموا على ما دعوتُم، ولا ينفعكم حينئذٍ الندمُ.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٥٩٦ - قال رسولُ الله ﷺ : "الدُّعاء هو العِبادةُ"، ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾.
стр. 1173
"من الحسان":
" عن النعمان أنه قال: قال رسول الله ﷺ : الدعاءُ هو العبادةُ"؛ لأن المقصودَ الأعظمَ من العبادة: الإقبالُ عليه تعالى، والإعراضُ عما سواه، بحيث لا يُرجَى ولا يُخاف إلا إياه، والدعاءُ لا ينفك عن هذه المعاني، فجعلَه ﵊ نفسَ العبادة.
"ثم قرأ: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ ".
* * *
١٥٩٧ - ورُويَ: "الدُّعاءُ مُخَّ العِبادةِ".
"ويروى: الدعاءُ مُخُّ العبادِة"، مُخُّ الشيءِ: خالصُه.
* * *
١٥٩٨ - وقال: "ليسَ شيءٌ أكرمَ على الله مِنَ الدُّعاءِ"، غريبٌ.
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ليس شيءٌ أكرمَ على الله من الدعاء"؛ لأن فيه إظهارَ العجزِ، والاعترافَ بالفقرِ، والتذلُّلَ.
"غريب".
* * *
١٦٠١ - وقال: "ما مِنْ أحَدٍ يَدْعُو بِدُعاءٍ إلَاّ آتَاهُ الله ما سأَلَ، أوْ كَفَّ عنه مِنَ السُّوءِ مِثْلَهُ، ما لَمْ يَدْعُ بإثْمٍ، أوْ قَطِيعَةِ رَحِم".
"وعن عبادة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ما مِن أحدٍ يدعو بدعاء إلا آتاه الله تعالى ما سَألَ" إن جرى في الأزل تقديرُ إعطائِه ما سَألَ.
стр. 1174
"أو كفَّ عنه من السوء مِثلَه"؛ أي: يدفعُ عنه البلاءَ عوضَ ما مُنِعَ مما سَأَل إن لم يجرِ التقديرُ.
"ما لم يَدْعُ بإثمٍ أو قطيعةِ رَحِمٍ".
* * *
١٥٩٩ - وقال: "لا يَرُدُّ القَضاءَ إلَاّ الدُّعاءُ، ولا يزيدُ في العُمْرِ إلَاّ البرُّ".
"وعن سلمان أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا يَرُدُّ القضاءَ إلا الدعاءُ": قيل: المراد بـ (القضاء): ما يَخاف العبدُ من نزول ما يكرهه مجازًا، فإذا وُفِّقَ الدعاء رُفِعَ عنه ذلك.
وقيل: المراد: هو القضاء المُعلَّق بالدعاء، وهذا الحديث كحديث الرخصة في التداوي، مع أنه لا ينفع دواءٌ داءً إلا ما قُدِّرَ أزلًا نفعُه فيه فكذلك كلُّ قضاءٍ قُدِّرَ دفعُه بالدعاء اندفعَ، وما لا فلا.
"ولا يزيد في العمر إلا البِرُّ"، معناه: إذا برَّ لا يضيع عمره، فكأنه زاد، وقيل: يُزاد حقيقةً، قال تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ [فاطر: ١١]، وقال تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩].
* * *
١٦٠٠ - وقال: "إنَّ الدُّعاءَ ينفعُ مما نزلَ، ومما لَمْ ينزِلْ، فعلَيْكُمْ - عِبادَ الله - بالدُّعاءِ".
"وعن ابن عمر ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن الدعاءَ ينفعُ مما نَزلَ، ومما لم ينزل"؛ أي: يسهِّل الله بسبب الدعاء تحمُّلَ ما نزل به من البلاء، فيصبِّره عليه، ويُرضيه به؛ حتى يصيرَ القضاءُ النازلُ به كأنْ لم ينزل؛ إما بالتخفيف، أو الصرف.
стр. 1175
"فعليكم - عبادَ الله - بالدعاء"؛ أي: الزَمُوا الدعاءَ.
"غريب".
* * *
١٦٠٢ - وقال: "سَلُوا الله مِنْ فَضْلِهِ، فإنَّ الله يُحِبُّ أنْ يُسأَلَ، وأفضلُ العِبادَةِ انتِظارُ الفَرَجِ"، غريب.
"وعن ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله ﷺ : سَلُوا الله مِن فضلِه"؛ أي: اطلبُوا حوائجَكم من الله الكريم.
"فإن الله يحبُّ أنْ يُسألَ"؛ أي: يُطلَب منه الحاجات.
"وأفضلُ العبادةِ انتظارُ الفَرَج"، بترك الشِّكاية من البلاء النازل، والصبر عليه حتى يُفرَّجَ عنه؛ لأن الصبرَ في البلاء انقيادٌ لقضاء الله تعالى، وهو أفضلُ العبادة.
"غريب".
* * *
١٦٠٣ - وقال: "مَنْ لَمْ يَسْأَلِ الله يَغْضَبْ عليهِ".
"وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : مَن لم يَسألِ الله يَغْضَبْ عليه"؛ لأن تركَ السؤالِ تكبُّرٌ واستغناءٌ، فهذا لا يجوز للعبد.
والمراد بـ (غضب الله): إرادةُ إيصالِ العقوبةِ إلى مَن غَضبَ عليه.
* * *
١٦٠٤ - وقال: "مَنْ فُتِحَ لَهُ مِنْكُمْ بابُ الدُّعاءِ فُتِحَتْ له أبوابُ الرَّحمةِ، وما سُئِلَ الله شيئًا - يعني أَحَبَّ إليهِ - مِنْ أنْ يُسألَ العَافِيةَ".
стр. 1176
"وعن ابن عمر ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : مَن فُتِحَ له منكم بابُ الدعاء فُتحتْ له أبوابُ الرحمة، وما سُئلَ الله شيئًا أحبَّ إليه مِن أنْ يُسألَ العافيةَ"، والمراد هنا: وجدانُ الشخصِ كفافًا مِن قُوتٍ ولباسٍ وصحةِ بدنٍ، واشتغالُه بأمر دِينه، وتركُه ما لا ضرورةَ ولا خيرَ له فيه.
* * *
١٦٠٥ - وقال: "مَنْ سَرَّهُ أن يَسْتَجِيبَ الله لهُ عِندَ الشَّدائِدِ فلْيُكْثِرِ الدُّعاءَ في الرَّخاءِ"، غريب.
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال ﷺ : مَن سرَّه أن يَستجيبَ الله له"؛ أي: أراد أن يَقبَلَ الله دعاءَه.
"عند الشدائد" جمع: شديدة، وهي الحادثة والمَشقَّة.
"فَلْيُكثِرِ الدعاءَ في الرَّخاء" بفتح الراء: ضد الشِّدَّة.
"غريب".
* * *
١٦٠٦ - وقال: "ادْعُوا الله وأنتُمْ مُوقِنُونَ بالإجَابَةِ، واعْلَمُوا أن الله لا يَسْتَجِيبُ دُعاءً مِنْ قَلْبٍ غافِلٍ لاهٍ"، غريب.
"وعنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ادعوا الله وأنتم مُوقِنون بالإجابة"؛ أي: كونوا أوانَ الدعاءِ على حالةٍ تستحقُّون معها الإجابةَ، وذلك بإتيان المعروف واجتناب المُنكَر، وغير ذلك من مراعاة أركان الدعاء، لتكونَ الإجابةُ أغلبَ على القلب من الردِّ، ويتأيَّد بقوله: "واعلموا أن الله لا يستجيبُ دعاءً مِن قلبٍ غافلٍ"؛ أي: مُعرِضٍ عن الله، أو عما يَسألُه.
стр. 1177
"لاهٍ"، من: لَهِيَ - بالكسر - يَلْهَى لَهْيًا؛ أي: تاركٍ، أو من: اللهو، اللعب؛ أي: لاعبٍ عما سأله، وقيل: معنى قوله: (وأنتم موقنون بالإجابة): كونوا معتقدين بحصول الإجابة؛ لأن الداعيَ ما لم يكن رجاؤُه واثقًا لم يكن دعاؤُه صادقًا.
"غريب".
* * *
١٦٠٧ - وقال: "إذا سأَلْتُمُ الله فاسْأَلُوهُ بِبُطونِ أَكُفِّكُمْ، ولا تسأَلُوهُ بظُهُورِها".
"وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إذا سألتُم الله فاسألوا ببطون أكفِّكم" جمع: الكَفِّ؛ لأن الداعيَ ببطنِ الكَفِّ منتظر لنزول الرحمة والإجابة، فَلْيَبسطْ كفَّيه متواضعًا متخشِّعًا، ويمدَّهما إليه مَدَّ المحتاج إلى المحتاج إليه.
"ولا تسألوه بظهورها"؛ لأن ظَهَر الكَفِّ إشارةٌ إلى الدَّفع، لا إلى الطلب.
* * *
١٦٠٨ - ويُروى: "فإذا فَرَغْتُمْ فامْسَحُوا بها وجُوهَكُمْ".
"ويروى: فإذا فرغتُم"؛ أي: من الدعاء.
"فامسحوا بها"؛ أي: بكفِّكم "وجوهَكم"؛ فإنها تنزل عليها آثارُ الرحمة، فتصل بركتُها إلى الوجوه.
* * *
стр. 1178
١٦٠٩ - وقال: "إنَّ ربَّكُمْ حَييٌّ كريمٌ، يَسْتحيي من عبْده إذا رفعَ يدَيهِ إليه أنْ يَرُدَّهُما صِفْرًا".
"وعن سلمان أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن ربَّكم حَييٌّ": يُفسَّر في حق الله بما هو الغرض في النهاية، وغرضُ الحييِّ من الشيء: تركهُ والإباءُ عنه.
"كريم، يستحيي من عبده إذا رفعَ يدَيه إليه أن يردَّهما صِفْرًا. أي: خاليًا" من الرحمة.
* * *
١٦١٠ - عن عُمر ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا رفعَ يَدَيْهِ في الدُّعاءِ لَمْ يَحُطَّهُما حتَّى يمسحَ بهما وجْهَهُ.
"وعن عمر (١) ﵁ أنه قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا رفعَ يديه في الدعاء لم يَحُطَّهما حتى يمسحَ بهما وجهَه"، وذلك على سبيل التفاؤل فكأن كفيه قد ملئتا من البركات السماوية والأنوار الإلهية.
* * *
١٦١١ - وقالتْ عائشةُ ﵂: كانَ رسولُ الله ﷺ يَسْتَحِبُّ الجَوامِعَ مِنَ الدُّعاءِ، ويَدَع ما سِوَى ذلك.
"وقالت عائشة ﵂: كان رسولُ الله ﷺ يَستحبُّ الجَوامعَ من الدعاء"، قيل: هي التي مَجْمَعُ الأغراض الصالحة والمقاصد الصحيحة، أو مَجْمَعُ الثناء عليه تعالى وآداب المسألة.
وقيل: هي التي تشتمل جميعَ الخيرات، مثل قوله: اللهم آتِنا في الدنيا
стр. 1179
حسنةً، وفي الآخر حسنةً. . . " إلى آخره.
"ويَدَعُ"؛ أي: يَتركُ "ما سوى ذلك".
* * *
١٦١٢ - وقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ أسْرَعَ الدُّعاءِ إجابةً دعوةُ غَائبٍ لغَائِبٍ".
"وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن أسرعَ الدعاءِ إجابةً دعوةُ غائبٍ لغائبٍ"؛ لخلوصِه لله، وصدقِ النيةِ فيه، وبُعدِه عن شائبة الرِّياء والمُداهَنَة.
* * *
١٦١٣ - وقال عُمر بن الخَطَّاب ﵁: اسْتَأْذَنْتُ النبيَّ ﷺ في العُمْرَةِ، فأذِنَ لي وقال: "أشْرِكْنَا - يا أُخَيَّ - في دُعائِكَ، ولا تَنْسَنَا"، فقالَ كلمةً ما يَسُرُّني أن لي بها الدُّنيا.
"وقال عمر بن الخطاب: استَأذنتُ النبيَّ ﷺ في العمرة، فأَذِنَ لي وقال: أَشرِكْنا يا أخي في دعائك"، ويروى: (أُخيَّ) بالتصغير؛ تلطُّفًا وتعطُّفًا.
"ولا تَنْسَنا"، فيه: إظهارُ الخشوع والفاقة إلى الله في مقام العبودية بالتماس الدعاء ممن عُرف السبيلُ بهدايته.
وفيه: حثٌّ الأُمة على الرغبة في دعاء الصالحين والتبرُّك بهم.
وفيه: تعليمُهم بألا يخصُّوا أنفسَهم بالدعاء، وينسَوا إخوانَهم في مظانِّ الرجاء.
"فقال"؛ أي: الرسولُ ﵊ "كلمةً": وهي (أَشرِكْنا)،
стр. 1180
أو (يا أخي)، أو (لا تنسنا)، ولم يصرِّح بها؛ توقيًا عن تفاخُرٍ ونحوه من آفات النفوس.
"ما يسرُّني أن لي بها الدنيا"، (ما): للنفي، والباء في (بها): للمقابلة؛ أي: لو كانتِ الدنيا لي بدلَ تلك الكلمة لَمَا سرَّني؛ فإن تلك الكلمةَ خيرٌ من الدنيا وما فيها.
* * *
١٦١٤ - وقال رسولُ الله ﷺ : "ثلاثة لا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ: الصَّائِمُ حينَ يُفْطِرُ، والإمامُ العادِلُ، ودعوةُ المَظْلومُ يَرفَعُهَا الله فوقَ الغَمامِ وَيُفْتَحُ لها أبوابُ السَّماءِ، ويقولُ الرَّبُّ: وعِزَّتي لأَنْصُرَنَّكَ ولو بعدَ حينٍ".
"وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ثلاثةٌ لا تُرَدُّ دعوتُهم"، سرعةُ قَبول الدعاء إنما يكون لصلاح الداعي، أو لتضرُّعه في الدعاء عنده تعالى.
"الصائم حين يُفطِر"، إنما يُقبَل دعاؤُه؛ لأنه فَرَغَ من عبادةٍ محبوبةٍ إلى الله تعالى مَرْضيَّةٍ، كما قال ﷺ حكايةً عن الله تعالى: "الصومُ لي".
"والإمام العادل"؛ لأن عدَله أفضلُ العبادات، إذ عدلُ ساعةِ يَعدِلُ عبادةَ ستين سنةً.
"ودعوة المظلوم"؛ لأنه لمَّا لحقَه نارُ الظلم واحترقتْ أحشاؤُه خرج منه الدعاءُ عن التضرُّع، وصار مضطرًا إلى قَبول الدعاء، فيُقبَل دعاؤُه كما قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ [النمل: ٦٢].
"يرفعُها الله": حال من (دعوة المظلوم)؛ أي: يرفعُ الله دعوةَ المظلوم.
"فوقَ الغَمَام": قيل: هو السَّحَاب الأبيض فوق السماء السابعة.
стр. 1181
"وَيفتَحُ لها"؛ أي: لدعوته "أبوابَ السماء"، ورفعها وفتح أبواب السماء كنايتان عن سرعة قَبول دعوته.
"ويقول الربُّ جلَّ ذِكُره: وعِزَّتي! لأنصُرَنَّكَ" أيُّها المظلومُ "ولو بعدَ حينٍ"، والحِين: يُستعمل لمطلقَ الوقت، ولستة أشهر، ولأربعين سنةً، والله أعلم بالمراد.
يعني: لا أُضيع حقَّك ولا أردُّ دعاءَك ولو مضى زمانٌ طويلٌ؛ لأني حليمٌ لا أعجلُ عقوبةَ العباد، فلعلهم يرجعون عن الظلم والذنوب إلى التوبة وإرضاء الخصوم.
* * *
١٦١٥ - وقال: "ثلاثُ دَعَوَاتٍ مُسْتَجَاباتٍ لا شَكَّ فيهنَّ: دعوةُ الوالِدِ، ودعوةُ المُسافِرِ، ودعوةُ المَظْلُومِ".
"وعنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ثلاثُ دعواتٍ مستجاباتٍ لا شكَّ فيهن"، إنما أكَّدها به لالتجاء هؤلاء الثلاثة إلى الله بصدق الطلب، ورقة القلب، وانكسار البال.
"دعوة الوالد لولده"؛ لأنه لا يدعو له إلا على نعت الشفقة والرقة التامة، وكذا دعوته عليه؛ لأنه لا يدعو عليه إلا على نعت المبالغة من إساءته إليه، ويُقاس عليه دعوةُ الوالدة.
"ودعوة المسافر": يحتمل أن تكون دعوتُه بالخير لمن أَحسنَ إليه، وبالشر لمن آذَاه وأساءَ إليه؛ لأن دعاءَه لا يخلو عن الرقة.
"ودعوة المظلوم"؛ لأنه مضطرٌ لِمَا بيَّنَّا.
* * *
стр. 1182
٢ - باب ذِكْرِ الله والتَّقرُبِ إليهِ
(باب ذكر الله تعالى والتقرب إليه)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٦١٦ - قال رسول الله ﷺ : "لا يقعدُ قومٌ يَذْكُرونَ الله إلا حفَّتهم المَلائكةُ، وغَشِيَتهم الرَّحمَةُ، ونزلَتْ عليَهم السَّكينةُ، وذكرَهم الله فيمن عندَهِ".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة وأبي سعيد أنهما قالا: قال رسول الله ﷺ : لا يقعد قومٌ يذكرون الله إلا حفَّتْهم الملائكةُ"؛ أي: أحاطت بهم.
"وغشيتْهم الرحمةُ، ونزلتْ عليهم السَّكينةُ، وذكرَهم الله فيمَن عنده": مرَّ شرحه في (كتاب العلم).
١٦١٧ - وقال: "سَبقَ المُفَرِّدونَ"، قالوا: وَمَا المُفَرِّدونَ يا رسولَ الله؟، قال: "الذَّاكِرُونَ الله كثيرًا والذَّاكِرَاتُ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : سَبَقَ المُفرِّدون" بتشديد الراء وكسرها، من (فرَّد): إذا اعتَزلَ وتخلَّى للعبادة، أو بالفتح والتخفيف من: أَفرَدَ برأيه؛ أي: تفرَّد به؛ يعني: جعلَ نفسهَ فردًا ممتازًا بذِكر الله، أو جعلَ ربَّه فردًا بالذِّكر وتركَ ذِكرَ ما سواه.
"قالوا: وما المُفرِّدون يا رسولَ الله؟ ": وإنما لم يقولوا: مَن هم؟
стр. 1183
لقصدهم منه ﵊ بيانَ المراد من الإفراد والتفريد، لا بيانَ مَن يقوم به الفعل، ولأنهم استخبروا عن معرفة هذا اللفظ عند الإطلاق، فكأنهم قالوا: وما صفةُ المفرِّدين؟ "قال: الداكرون الله كثيرًا والذاكراتُ"، والذِّكرُ الكثيرُ: هو ألا ينسى الربَّ تعالى على كل حالٍ، لا الذِّكرُ بكثرة اللغات.
والمراد: المستخلصون لعبادة الله، المشتغلون بذِكرِه، المعتزلون عن الناس؛ فهَجَرُوا الخِلَاّنَ، وتركوا الأوطانَ والأسبابَ، ورفضوا الشهواتِ واللَّذاتِ؛ إذ لا يصحُّ للعبد مقامُ التفريد إِلا بهذه الأشياء والانقطاع إلى الله.
١٦١٨ - وقال: "مَثَلُ الذي يَذكُرُ رَبَّه والذي لا يذكرُ مثَلُ الحيِّ والميتِ".
"وعن أبي موسى ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : مَثَلُ الذي يَذكُرُ ربَّه والذي لا يَذكُرُ مَثَلُ الحيِّ والميتِ": شبَّه الذاكرَ بالحَيِّ الذي تزيَّنَ ظاهرُه بنور الحياة وبالتصرف فيما يريد، وباطنُه منوَّر بنور العلم والفهم، كذلك الذاكِرُ مزيَّنٌ ظاهُره بنور العلم والطاعة، وباطنُه بنور العلم والمعرفة، وغيرُ الذاكِرِ كالميت؛ لأنه عاطلٌ ظاهرُه، وباطلٌ باطنُه.
١٦١٩ - وقال: "يقولُ الله تعالى: أنا عندَ ظَنَّ عَبْدِي بي، وأنا معَه إذا ذَكَرَني، فإنْ ذَكَرَني في نْفسِهِ ذَكَرْتُهُ في نْفسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في ملإٍ ذَكَرْتُهُ في ملإٍ خيرٍ منهم".
стр. 1184
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله تعالى: أنا عند ظنِّ عبدي بي"، معناه: أُعامِلُ العبدَ على حسن ظنِّه بي، وأفعلُ به ما يتوقَّعه مني.
والمراد: الحثُّ على حسن الظن بالله، وتغليب الرجاء على الخوف، والظنُّ هنا بمعنى: اليقين والاعتقاد، لا بمعنى: الشك.
"وأنا معه"؛ أي: مع عبدي "إذا ذَكَرَني"، أراد به: المَعيَّة بالمعونة والرحمة والتوفيق، وقيل: بالعلم؛ أي: أنا عالِمٌ به، لا يَخْفَى عليَّ شيءٌ من قوله.
"فإنْ ذَكَرَني في نفسه"؛ أي: سرًّا وخفيةً؛ إخلاصًا وتجنُّبًا عن الرِّياء "ذكرتُه في نفسي"؛ أي: أُسرُّ بثوابه، لا أَكِلُهُ إلى أحدٍ من خلقي، وذِكرُه تعالى العبد: هو حسنُ القَبول منه، والمجازاةُ له بالحُسنى.
"منْ ذَكَرَني في ملأ"؛ أي: بين جماعةٍ من المؤمنين "ذكرتُه في ملأ خيرٍ منهم" يريد بهم: الملائكةَ المقرَّبين وأرواحَ المرسلين، واختُلف في خيرية الملائكة من البشر.
والمختار: أن خواصَّ البشرِ كالأنبياء خيرٌ من خواصِّ الملائكة، وأما عوامُّ البَشَر فليسوا بخيرٍ من الملائكة أصلًا، لا من خواصِّهم ولا من عوامِّهم.
فمعنى قوله: (في ملأ خير منهم)؛ أي: خيرٍ منهم حالًا؛ فإن حالَ الملائكة خيرٌ من حال الإنس في الجدِّ والطاعة، قال تعالى فيهم: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦]، وأحوالُ المؤمنين مختلفةٌ بين طاعةٍ ومعصيةٍ، وجدٍّ وفتورٍ.
стр. 1185
١٦٢٠ - وقال: "مَنْ جاءَ بالحسَنةِ فلهُ عَشْرُ أمْثالِهَا وأَزِيدُ، ومَنْ جاءَ بالسَّيئةِ فجَزاءُ سيئةٍ مثلُها أو أَغفِرُ، ومَنْ تَقَرَّبَ شِبرًا منِّي تَقَرَّبْتُ منه ذِرَاعًا، ومَنْ تَقَرَّب منِّي ذِراعًا تقرَّبْتُ منهُ باعًا، ومَنْ أَتاني يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً، ومَنْ لَقِيَني بقُرابِ الأَرضِ خَطيئةً لا يُشْرِكُ بي شيئًا لَقِيتُهُ بمِثلِها مغفرةً".
"وعن أبي الدرداء أنه قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله تعالى: من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها"؛ أي: عشرُ حسنات أمثالها، حُذف المميزُ الموصوفُ وأُقيمت الصفةُ مقامَه.
"وأزيدُ"؛ أي: من عشر أمثالها إلى سبع مئة.
"ومَن جاء بالسيئة فجزاءُ سيئةٍ مِثلُها أو أغفرُ"؛ أي: تلك السيئةَ؛ فإني غفورٌ رحيمٌ.
"ومَن تقرَّب"؛ أي: طلبَ بالطاعةِ قُربةً "مني شبرًا"؛ أي: مقدارًا قليلاً "تقرَّبت منه ذراعًا"؛ أي: أوصلت رحمتي إليه مقدارًا أزيدَ منه.
"ومَن تقرَّب مني ذراعًا تقرَّبت منه باعًا": وهو قَدْر مد اليدَين وما بينهما من البدن، وعلى هذا: كلَّما زادَ العبدُ قربةً زاد من الله تعالى رحمةً فذِكرُ الذراعِ والباعِ للتمثيل والتصوير لأفهامهم لمجازاة العبد فيما يتقرَّب به إلى ربِّه بمضاعفة لطفه وإحسانه.
"ومَن أتاني يمشي أتيتُه هرولةً"؛ أي: بين المشي والعَدْوِ؛ يعني: مَن تقرب إليَّ بسهولةٍ وصل إليه رحمتي بسرعة.
"ومَن لقيَني"؛ أي: جاءَني.
"بقِرَابِ الأرض، بكسر القاف؛ أي: بما يقارب مِلأَها.
"خطيئةً لا يُشرِك بي شيئًا": حال من فاعل (لقيني) العائد إلى (مَن).
"لقيتُه بمثلها مغفرةً": هذا بيان لكثرة مغفرته؛ كيلا ييئس المذنبون عنها
стр. 1186
لكثرة الخطيئة، ولا يجوز لأحدٍ أن يغترَّ بهذا ويُكثِرَ الخطيئةَ؛ فإنه يَغفِرُ لمن يشاء ويعذِّب مَن يشاء، فلا يعلم أنه مِن أيهم.
١٦٢١ - وقال: "إنَّ الله تعالى قال: مَنْ عَادَى لِيْ وَلِيًّا فقد آذَنتُهُ بالحَرْبِ، وما تَقَرَّبَ إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ ممَّا افتَرَضْتُ عليهِ، وما يَزالُ عبدي يتقرَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ حتى أُحِبَّهُ، فإذا أَحببْتُهُ، كنتُ سَمْعَهُ الذي يَسمعُ به، وبصَرَهُ الذي يُبصِرُ به، ويدَه التي يَبطِشُ بها، ورجلَه التي يمشي بها، وإنْ سألني لأعطِيَنَّهُ، ولئنْ استَعاذَ بي لأعيذَنَّهُ، وما تردَّدتُ في شيءٍ أنا فاعَلُهُ تَرَدَّدِي عن نفْسِ المُؤمنِ، يَكْرَهُ المَوتَ، وأنا أكْرَهُ مَسَاءَتَه، ولا بُدَّ له مِنه".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ إن الله تعالى قال: مَن عادَى"؛ أي: اَذَى.
"لي وليًّا من أوليائي": فعيل بمعنى: مفعول، وهو مَن يتولَّى الله أمرَه ولا يَكِلُه إلى نفسه لحظةً، قال تعالى: ﴿وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٦]، أو لمبالغة فاعل، وهو المتولِّي عبادةَ الله وطاعتَه على التوالي بلا تخلُّلِ عصيانٍ.
"فقد آذنتُه بالحرب": الضمير للوليِّ، وضمير الموصول محذوف؛ أي: أَعلمتُ الوليِّ بالمحاربة مع مَن عاداه، ويجوز أن يعودَ إلى الموصول، فمعناه: أعلمتُ مُعادِي الوليِّ بمحاربتي معه لأجل وليِّي.
"وما تقرَّب إليَّ عبدي بشيءٍ أحبَّ إليَّ مما"؛ أي: مِن أداء ما "افترضتُ عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبَّه"، فيه بيان: أن أحبَّ أنواعِ العباداتِ المتقرَّبِ بها إليه تعالى هو المفروضُ عليهم، وأن محبتَه تعالى العبدَ هو للتقرُّب بالنوافل الزائدة على الفرائض.
стр. 1187
"فإذا أحببتُه كنتُ سمعَه الذي يَسمعُ به، وبصرَه الذي يُبصر به، ويدَه الذي يَبطِشُ بها، ورِجلَه التي يمشي بها"، قيل: هذه أمثالٌ ضربَها، والمعنى: توفيقُه تعالى في أعماله التي يُباشرها بهذه الأعضاء؛ أي: يُيسِّر عليه فيها ما يحبُّه به، وَيعصمُه عن مواقعة ما يَكرهُه من إصغاءٍ إلى لهوٍ بسمعه، ونظرِ منهيٍّ ببصرِه، وبطشٍ لا يحلُّ بيدِه، وسعيٍ في باطلٍ برِجلِه.
وقيل: معناه: سرعة إجابة الدعاء وإنجاح الطلبة؛ أي: كنتُ أسرعَ إلى قضاء حوائجه مِن سمعِه في الاستماع، ومِن بصرِه في النظر، ومِن يدِه في اللمس، ومِن رِجلِه في المشيء وذلك لأن مَسَاعي الإنسان إنما تكون بهذه الجوارح الأربعة.
"وإنْ سألَني لأعطَينَّه، وإن استعاذَني لأعيذَنَّه، وما تردَّدت عن شيءٍ أنا فاعلُه تردُّدي عن نفس المؤمن"، المراد من إسناد التردُّد إلى الله تعالى: باعتبار غايته ومنتهاه، الذي هو التوفيق في الأمر، والتأنِّي وترك المُعاجَلَة؛ أي: ما توفَّقت توقُّفَ المتردِّد في أمر أنا فاعلُه إلا في قبضِ نفسِ المؤمن؛ فإني أتوقَّفُ فيه، وأَزيدُ ما أعددتُ له من النِّعَمِ والكرامات؛ حتى يميلَ قلبُه إلى الموت شوقًا إلى لقائي.
"يكره الموتَ": استئناف عمَّن قال: ما سببُ تردُّدك؟ أراد به: شدة الموت، لأن الموت نفسَه يُوصِل المؤمنَ إلى لقاء الله، فكيف يكرهُه المؤمُن؟ "وأنا أكَرَهُ مَساءتَه"؛ أي: إيذاءَهُ بما يلحقه من صعوبة الموت وكُرَبِه.
"ولابدَّ له"؛ أي: للعبد "منْه".
١٦٢٢ - وقال: "إنَّ للهِ ملائكة يَطُوفونَ في الطُّرُقِ يلتمِسُونَ أهلَ الذِّكرِ، فإذا وَجَدُوا قَومًا يذكرونَ الله تَنَادَوا: هَلُمُّوا إلى حاجَتِكُمْ، قال: فَيَحُفُّونَهم
стр. 1188
بأجنِحَتِهم إلى السَّماء الدُّنيا، فإذا تَفَرَّقُوا عَرجُوا إلى السَّماءِ، قال: فيَسْألُهم الله وهو أَعلَمُ بهم: مِنْ أينَ جئتُم؟، فيقولونَ: جِئْنَا مِنْ عِندِ عِبادِكَ في الأَرضِ، قال: فيسألُهم ربُّهم وهو أَعْلَمُ بهم: ما يقولُ عبادي؟، قالوا: يُسَبحونَكَ، ويُكَبرُونَكَ، ويَحمدُونَكَ، ويُهَلِّلُونَكَ، ويُمَجِّدُونَكَ، قال: فيقول: هل رَأَوْنِي؟ قال: فيقولونَ: لا والله ما رَأَوْك، قال: فيقولُ: كيفَ لو رَأَوْنِي؟، قال: يقولونَ: لو رَأَوْكَ كانوا أَشَدَّ لكَ عِبادةً، وأشدَّ لكَ تَمْجيدًا، وأكثرَ لكَ تَسْبيحًا، قال: فيقولُ: فما يسأَلوني، قالوا: يَسألونَك الجنَّةَ، قال: وهل رَأَوْهَا؟، قال: فيقولونَ: لا والله يا ربِّ ما رَأَوْها، قال: يقولُ: فكيفَ لو رَأَوْهَا؟ قال: يقولونَ: لو أنَّهم رَأَوْها كانوا أشدَّ عليها حِرْصًا، وأشدَّ لها طَلَبًا، وأعظمَ فيها رغبةً، قال: فيقولُ: فَمِمَّ يَتَعَوَّذونَ؟، قال: يقولونَ: من النَّار، قال: فهل رَأَوْها؟ قال: يقولونَ: لا والله يا ربِّ ما رَأَوْها، قال: يقولُ: فكيفَ لو رَأَوْها؟، قال: يقولونَ: لو رَأَوْها كانوا أَشَدَّ منها فِرارًا وأشدَّ لها مخافةً، قالوا: ويَستغفِرُونَكَ، قال: فيقولُ: فأُشْهِدُكم أَنِّي قد غفَرتُ لهم، وأَعطيتُهم ما سَأَلوا، وأَجَرْتُهم مما استَجارُوا، قال: يقولُ مَلَكٌ مِنَ الملائكةِ: ربِّ فيهم فُلانٌ ليسَ مِنْهُم، إنَّما جاءَ لحَاجَةٍ".
وفي روايةٍ: "يقولونَ: ربِّ فيهم عبدٌ خطَّاءٌ، إنَّما مَرَّ فجلَسَ معَهم، قال: فيقولُ: ولهُ غفَرتُ، هُم القَومُ لا يَشْقَى بهِمْ جَلِيسُهُم".
"وعنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن لله ملائكةً يطوفون في الطُّرُق يلتمسون"؛ أي: يطلبون.
"أهلَ الذِّكر"؛ ليزورهم ويستمعوا ذِكرَهم.
"فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تَنَادَوا"؛ أي: نادَى بعضُ الملائكة بعضًا: "هَلُمُّوا"؛ أي: تعالَوا "إلى حاجتكم" من الزيارة واستماع الذِّكر.
стр. 1189
"قال"؛ أي: النبيُّ ﷺ : "فيحفُّونهم بأجنحتهم" الباء: للتعدية؛ أي: يدورون بأجنحتهم حولَ جماعة الذاكرين، بأن يقفَ بعضُهم فوقَ بعضِ "إلى السماء الدنيا، فإذا تفرَّقوا"؛ أي: الذاكرون "عَرَجُوا"؛ أي: الملائكةُ "إلى السماء. قال: فيسألهم الله تعالى، وهو أعلمُ بهم: مِن أين جئتُم؟ فيقولون: جئنا من عند عبادك في الأرض، قال: فيسألهم ربُّهم، وهو أعلم بهم: ما يقول عبادي؟ قالوا: يسبِّحونك ويكبِّرونك ويحمدونك ويهلِّلونك ويمجِّدونك"؛ أي: ينسبونك إلى المجد، وهو الكَرَم.
وقيل: التمجيد: ذِكر: لا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم، وقيل: أصله لغةً: ذِكرُ الله بالعَظَمَة.
"قال: فيقول"؛ أي: الله تعالى: "هل رَأَوني؟ قال: فيقولون: لا، والله ما رَأَوك، فيقول: كيف لو رَأَوني؟؛ قال ﷺ : يقولون: لو رَأَوك كانوا أشدَّ لك عبادةً وأشدَّ لك تمجيدًا وأكثرَ لك تسبيحًا، قال: فيقول فما يسألون؟ قالوا: يسألونك الجنةَ، قال: وهل رَأَوها؟ قال: فيقولون: لا، والله يا ربِّ ما رَأَوها، قال: يقول: فكيف لو رَأَوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رَأَوها كانوا أشدَّ عليها حرصًا وأشدَّ لها طلبًا وأعظمَ فيها رغبةً، قال: فممَّ يتعوَّذون؟ قال: يقولون: من النار، قال: وهل رَأَوها؟ قال يقولون: لا، والله يا ربِّ ما رَأَوها، قال ﷺ : يقول الله: فكيف لو رَأَوها؟ قال: يقولون: لو رَأَوها كانوا أشدَّ منها فرارًا وأشدَّ لها مخافةً، قالوا: ويستغفرونك، قال: فيقول: فأُشهدكم أني قد غَفرتُ لهم، وأَعطيتُهم ما سألوا، وأَجَرْتُهم مما استجاروا"؛ أي: أمَّنتهم مما يخافون، والاستجارة: طلب الأمان.
"قال: يقول مَلَكٌ من الملائكة: ربِّ"؛ أي: يا ربِّ!
"فيهم فلانٌ ليس منهم"؛ أي: إنه ليس من الذاكرين.
стр. 1190
"إنما جاء لحاجةٍ"، يريد الملك بهذا: أنه لا يستحقُّ المغفرةَ.
"وفي رواية: يقولون: ربِّ! فيهم عبدٌ خطَّاءٌ"؛ أي: كثيرُ الخطأ، وقيل: ملازمٌ للخطايا.
"إنما مَّر، فجلس معهم، قال: فيقول: وله غَفرت"؛ أي: غَفرتُ لهذا العبد أيضًا ببركة الذاكرين.
"هُمُ القومُ لا يَشقَى بهم جليسُهم"؛ أي: لا يُحْرَمُ من الثواب، بل يجدُ من بركتِهم نصيبًا.
وفي هذا ترغيبٌ للعباد في مجالسة الصُّلَحاء؛ لينالوا نصيبًا منهم.
١٦٢٣ - عن حَنْظَلة الأُسَيديِّ: قال: انطلقتُ أنا وأبو بكْرٍ حتَّى دخلْنا على رسولِ الله ﷺ ، قلتُ: نافَقَ حَنْظَلةُ!، قال رسولُ الله ﷺ : "مَا ذَاكَ؟ "، قلتُ: نكُونُ عندَكَ تُذَكِّرنا بالنارِ والجنةِ كأنَّا رَأْيَ عَيْنٍ، فإذا خرجْنا عافَسْنا الأزْوَاجَ والأولادَ والضَّيْعَاتِ نسِيْنا كثيرًا، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "والذي نفْسي بِيدِهِ، لو تَدُومونَ على ما تَكُونُونَ عندي وفي الذِّكرِ؛ لَصَافَحَتْكُمْ الملائكةُ على فُرُشِكُم وفي طُرقِكُم، ولكن! يا حنظلةُ ساعةً وساعةً" ثلاثَ مرَّاتٍ.
"عن حنظلة الأُسَيدي": وهذا حنظلة بن الرُّبَيع كاتبُ الرسول ﵊، لا حنظلةُ بن عامرٍ غسيلُ الملائكةِ.
"أنه قال: انطلقتُ أنا وأبو بكر حتى دخلْنا على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقلت: نافَقَ حنظلةُ"؛ أي: صارَ منافقًا، وذلك أنه إذا كان عند النبي ﷺ أَخلَصَ وزهدَ في الدنيا، وإذا خرجَ عنه تركَ ما كان عليه كفعل المنافقين.
стр. 1191
"قال رسول الله ﷺ : وما ذاك؟ "؛ أي: لأيِّ شيءٍ تقول ذلك القولَ؟
"قلت: نكون عندك تُذكِّرنا بالنار والجنة كأنَّا رأيَ عينٍ": منصوب بإضمار (نرى)؛ أي: كأنَّا نراهما رأيَ عينٍ، وقيل: مصدرٌ أُقيم مقامَ اسم الفاعل؛ أي: كأنا رائينَ الجنةَ والنارَ بالعين.
"فإذا خرجْنا عافَسْنَا"؛ أي: خالَطْنَا.
"الأزواجَ والأولادَ"، والمراد: الاستمتاع بهم، والقيام بتدبيرهم.
"والضَّيعات"؛ أي: الأراضي والبساتين.
"فنسينا كثيرًا"؛ أي: نسيانًا كثيرًا، إلى هنا بيانٌ من حنظلةَ لِمَا يتوهَّمه من نفسه من النفاق.
"فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: والذي نفسي بيده! لو تَدُومون على ما تكونون عندي وفي الذِّكر"، الواو بمعنى: أو، عطف على قوله: (ما تكونون)، أو على قوله: (عندي)؛ أي: لو تدومون في الذِّكر، أو على ما تكونون في الذِّكر.
"لَصافحتْكم الملائكةُ"؛ أي: علانيةً.
"على فُرُشِكم وفي طُرُقِكم"؛ أي: في حالَتي فراغِكم وشغلِكم.
"ولكنْ يا حنظلةُ! ساعةً فساعةً"؛ أي: تكونون ساعةً في الحضور فتؤدُّون حقوقَ ربِّكم، وساعةً في الغَيبة والفتور فتؤدُّون حقوقَ أنفسكم، والفاء في الساعة الثانية لإيذانِ أن إحدى الساعتَين معقبةٌ بالأخرى، وفي بعض النسخ: بالواو.
"ثلاث مرات": أعاد به ثلاثًا للتأكيد وإزالة عنه ما اتهمَ به نفسَه، وبيان أنهم لا يَقِدرون على دوام الحضور.
стр. 1192
مِنَ الحِسَان:
١٦٢٤ - قال رسولُ الله ﷺ : "أَلَا أُنبَئُكم بخيرِ أعمالِكم، وأَزْكَاها عندَ مَلِيكِكُم، وأَرْفَعِها في دَرجاتِكُم، وخيرٍ لَكُم مِن إنفاقِ الذَّهبِ والوَرِقِ، وخيرٍ لكم مِن أن تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ، فتَضْرِبُوا أعناقَهُم ويَضْرِبُوا أعناقَكُم؟ "، قالوا: بلى، قالَ: "ذِكْرُ الله".
"من الحسان":
" عن أبي الدرداء أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ألا أُنبِّئكم"؛ أي: أخبِرُكم "بخير أعمالكم وأزكاها"؛ أي: أطهرِها وأتمِّها.
"عندَ مليككم"، المراد: هو الله تعالى.
"وأرفعها في درجاتكم، وخيرٍ لكم من إنفاق الذهب والوَرِق، وخيرٍ لكم مِن أن تَلْقَوا عدَّوكم، فتضربوا أعناقَهم ويضربوا أعناقَكم؟ " يريد: الجهاد مع الكفار؛ أي: بما هو خير لكم من بذل أموالكم ونفوسكم في سبيل الله تعالى.
"قالوا: بلى، قال: ذِكرُ الله" المراد من هذا: هو الذِّكر القلبي؛ فإنه هو الذي له هذه المنزلة الزائدة على بذل الأموال والأَنْفُس؛ لأنه عملٌ نفسيٌ، وفعلٌ قلبيٌّ الذي هو أشقُّ من عمل الجوارح، بل هو الجهاد الأكبر، لا الذِّكر اللِّساني المشتمل على صياحٍ وانزجاعٍ، وشدةِ تحريكِ العنقِ واعوجاجٍ، كما يفعله بعض الناس زاعمين أن ذلك جالبٌ للحضور، وموجبٌ للسرور، حاشا لله، بل هو سبب للغَيبة والغرور.
١٦٢٥ - وعن عبد الله بن بُسْرٍ قال: جاءَ أعرابيٌّ إلى النبيِّ ﷺ ، فقالَ: أيُّ النَّاسِ خيرٌ؟، فقال: "طُوبَى لمَنْ طالَ عمرُه وحَسُنَ عَمَلُه"، قال: يا رسولَ
стр. 1193
الله، أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟، قال: "أنْ تُفَارِقَ الدُّنيا ولِسانُكَ رطْبٌ مِن ذكرِ الله".
"وعن عبد الله بن بُسر أنه قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبي ﵊ فقال: أيُّ الناسِ خيرٌ؟ فقال: طُوبى لمن طالَ عمرُه وحَسُنَ عملُه"، إنما عَدَلَ في الجواب إلى أَمَاراتٍ تدلُّ على حال المسؤول عنه من سعادته في الدارَين إذا طالَ عمرُه وحَسُنَ عملُه؛ لأن العلمَ بالمسؤول عنه من الأمور الغَيبية التي استَأثَرَ الله تعالى بعلمها.
"قال: يا رسولَ الله! أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قال: أن تفارقَ الدنيا ولسانُك رطبٌ من دِكر الله"؛ أي: متحركٌ بذِكرِه.
١٦٢٦ - وقال: "إذا مَرَرْتُم برياضِ الجنَّةِ فارتَعُوا"، قالوا: وما رياضُ الجنةِ؟، قال: "حِلَقُ الذِّكرِ".
"عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إذا مررتُم برِياضِ الجنة فارتَعُوا، قالوا: وما رياضُ الجنة؟ قال: حِلَقُ الذِّكر" بكسر الحاء وفتح اللام: جمع حلقة، وهي جماعة من الناس يستديرون كحلقة الباب وغيره.
وقال الجوهري: جمع الحَلقة: حَلَق - بفتح الحاء - على غير قياس.
١٦٢٧ - وقال: "مَنِ اضطَجعَ مَضْجَعًا لم يَذْكُرِ الله فيه؛ كانَ عليهِ تِرَةً يومَ القيامَةِ، ومَنْ قَعَدَ مَقْعدًا لم يَذْكرِ الله فيه كانَ عليه تِرَةً يومَ القيامَةِ".
"وعنه، عن النبي ﵊ أنه قال: مَن اضطجعَ مَضْجَعًا لم يَذكُرِ الله فيه كان"؛ أي: ذلك الاضطجاعُ، أو عدمُ ذِكرِ الله "عليه تِرَة" بكسر التاء؛ أي: حسرةً ونقصًا، من: وُتِرَ حقَّه؛ أي: نُقِصَه، وهو سببُ الحسرة.
стр. 1194
"يومَ القيامة"، وقيل: أراد بالتِّرَة هنا: التبعة والمؤاخذة بجرمٍ.
"ومَن قعدَ مَقْعَدًا"؛ أي: مَجلِسًا.
"لم يَذكر الله فيه كان عليه تِرَةً يومَ القيامة"؛ وهذا لأن شكرَ الله على نِعَمِه واجبٌ، والمَضْجَع والمَجْلِس أيضًا من نِعَمِ الله تعالى، قال ﵎ على العباد منةً: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ [النبأ: ٦]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: ١٥]؛ أي: لينةً بحيث يمكنُكم الاستقرارُ والترددُ عليها والزراعةُ فيها.
١٦٢٨ - وقال: "ما مِن قَومٍ يَقُومُونَ مِن مَجْلِسٍ لا يَذْكُرونَ الله فيه إلَاّ قامُوا عن مِثْلِ جِيْفةِ حمارٍ وكان لهم حَسْرةً".
"وعنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ما مِن قومٍ يقومون من مجلسٍ لا يَذكُرون الله فيه إلا قاموا عن مِثْلِ جِيْفَةِ حمارٍ، وكان لهم حسرةً"، وتخصيص جِيفة الحمار بالذِّكر؛ لأنه أدونُ الجِيَفِ من بين الحيوانات التي تخالطنا.
١٦٢٩ - وقال: "ما جلَسَ قَومٌ مَجْلِسًا لم يذكُروا الله فيهِ، ولم يُصَلُّوا فيه على النبيِّ ﷺ إلَاّ كانَ عليهم تِرَةً يومَ القيامَةِ، إنْ شاءَ عَفَا عنهم وإنْ شاءَ أخذَهُم بها".
"وعنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ما جلسَ قومٌ مجلسًا لم يذكروا الله فيه ولم يُصلُّوا على النبي ﷺ إلا كان عليهم تِرَةً يومَ القيامة؛ إن شاءَ عفا عنهم وإن شاءَ أخذَهم بها".
стр. 1195
١٦٣٠ - وقال: "كُلُّ كلامِ ابن آدمَ عليه لا لَهُ إلَاّ أَمْرًا بمعروفٍ، أو نهيًا عن مُنْكَرٍ، أو ذِكرًا للهِ"، غريب.
"عن أم حبيبة أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : كلُّ كلامِ ابن آدَم عليه"؛ أي: يكون وبالاً عليه، ويُؤخَذ به يومَ القيامة، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨].
"لا له"؛ أي: ليس له نفعٌ.
"إلا أمرًا بمعروف أو نهيًا عن مُنكَرٍ، أو ذكرًا لله تعالى"؛ المراد بـ (ذكر الله تعالى) هنا: ما فيه رضا الله من الكلام، كتلاوة القرآن والصلاة على النبي ﵊، والدعاء للمؤمنين، وما أشبه ذلك.
"غريب".
١٦٣١ - وقال: "لا تُكْثِرُوا الكلامَ لغيرِ ذِكْرِ الله، فإنَّ كَثْرَةَ الكلامِ بغيرِ ذكرِ الله قَسْوةٌ للقَلْبِ، وإنَّ أَبْعَدَ الناسِ مِنَ الله القلْبُ القاسي".
"عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا تُكثروا الكلامَ بغير ذِكر الله؛ فإن كثرةَ الكلام بغير ذِكر الله قسوةٌ للقلب"؛ أي: سببٌ لقسوةِ القلبِ.
"وإن أبعدَ الناسِ مِن الله القلبُ القاسي"؛ أي: ذو القلب القاسي، أو معناه: أبعدُ قلوب الناس من نظرِ الله القلبُ القاسي، وقسوةُ القلبِ: عبارةٌ عن عدم قَبول ذِكر الله تعالى، والخوف والرجاء وغير ذلك.
١٦٣٢ - عن ثَوْبان قال: لما نزلتْ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ