Полный текст (3 421 стр.). Показаны 1191–1230 · переход к 1196.
стр. 1191
"قال رسول الله ﷺ : وما ذاك؟ "؛ أي: لأيِّ شيءٍ تقول ذلك القولَ؟
"قلت: نكون عندك تُذكِّرنا بالنار والجنة كأنَّا رأيَ عينٍ": منصوب بإضمار (نرى)؛ أي: كأنَّا نراهما رأيَ عينٍ، وقيل: مصدرٌ أُقيم مقامَ اسم الفاعل؛ أي: كأنا رائينَ الجنةَ والنارَ بالعين.
"فإذا خرجْنا عافَسْنَا"؛ أي: خالَطْنَا.
"الأزواجَ والأولادَ"، والمراد: الاستمتاع بهم، والقيام بتدبيرهم.
"والضَّيعات"؛ أي: الأراضي والبساتين.
"فنسينا كثيرًا"؛ أي: نسيانًا كثيرًا، إلى هنا بيانٌ من حنظلةَ لِمَا يتوهَّمه من نفسه من النفاق.
"فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: والذي نفسي بيده! لو تَدُومون على ما تكونون عندي وفي الذِّكر"، الواو بمعنى: أو، عطف على قوله: (ما تكونون)، أو على قوله: (عندي)؛ أي: لو تدومون في الذِّكر، أو على ما تكونون في الذِّكر.
"لَصافحتْكم الملائكةُ"؛ أي: علانيةً.
"على فُرُشِكم وفي طُرُقِكم"؛ أي: في حالَتي فراغِكم وشغلِكم.
"ولكنْ يا حنظلةُ! ساعةً فساعةً"؛ أي: تكونون ساعةً في الحضور فتؤدُّون حقوقَ ربِّكم، وساعةً في الغَيبة والفتور فتؤدُّون حقوقَ أنفسكم، والفاء في الساعة الثانية لإيذانِ أن إحدى الساعتَين معقبةٌ بالأخرى، وفي بعض النسخ: بالواو.
"ثلاث مرات": أعاد به ثلاثًا للتأكيد وإزالة عنه ما اتهمَ به نفسَه، وبيان أنهم لا يَقِدرون على دوام الحضور.
стр. 1192
مِنَ الحِسَان:
١٦٢٤ - قال رسولُ الله ﷺ : "أَلَا أُنبَئُكم بخيرِ أعمالِكم، وأَزْكَاها عندَ مَلِيكِكُم، وأَرْفَعِها في دَرجاتِكُم، وخيرٍ لَكُم مِن إنفاقِ الذَّهبِ والوَرِقِ، وخيرٍ لكم مِن أن تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ، فتَضْرِبُوا أعناقَهُم ويَضْرِبُوا أعناقَكُم؟ "، قالوا: بلى، قالَ: "ذِكْرُ الله".
"من الحسان":
" عن أبي الدرداء أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ألا أُنبِّئكم"؛ أي: أخبِرُكم "بخير أعمالكم وأزكاها"؛ أي: أطهرِها وأتمِّها.
"عندَ مليككم"، المراد: هو الله تعالى.
"وأرفعها في درجاتكم، وخيرٍ لكم من إنفاق الذهب والوَرِق، وخيرٍ لكم مِن أن تَلْقَوا عدَّوكم، فتضربوا أعناقَهم ويضربوا أعناقَكم؟ " يريد: الجهاد مع الكفار؛ أي: بما هو خير لكم من بذل أموالكم ونفوسكم في سبيل الله تعالى.
"قالوا: بلى، قال: ذِكرُ الله" المراد من هذا: هو الذِّكر القلبي؛ فإنه هو الذي له هذه المنزلة الزائدة على بذل الأموال والأَنْفُس؛ لأنه عملٌ نفسيٌ، وفعلٌ قلبيٌّ الذي هو أشقُّ من عمل الجوارح، بل هو الجهاد الأكبر، لا الذِّكر اللِّساني المشتمل على صياحٍ وانزجاعٍ، وشدةِ تحريكِ العنقِ واعوجاجٍ، كما يفعله بعض الناس زاعمين أن ذلك جالبٌ للحضور، وموجبٌ للسرور، حاشا لله، بل هو سبب للغَيبة والغرور.
١٦٢٥ - وعن عبد الله بن بُسْرٍ قال: جاءَ أعرابيٌّ إلى النبيِّ ﷺ ، فقالَ: أيُّ النَّاسِ خيرٌ؟، فقال: "طُوبَى لمَنْ طالَ عمرُه وحَسُنَ عَمَلُه"، قال: يا رسولَ
стр. 1193
الله، أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟، قال: "أنْ تُفَارِقَ الدُّنيا ولِسانُكَ رطْبٌ مِن ذكرِ الله".
"وعن عبد الله بن بُسر أنه قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبي ﵊ فقال: أيُّ الناسِ خيرٌ؟ فقال: طُوبى لمن طالَ عمرُه وحَسُنَ عملُه"، إنما عَدَلَ في الجواب إلى أَمَاراتٍ تدلُّ على حال المسؤول عنه من سعادته في الدارَين إذا طالَ عمرُه وحَسُنَ عملُه؛ لأن العلمَ بالمسؤول عنه من الأمور الغَيبية التي استَأثَرَ الله تعالى بعلمها.
"قال: يا رسولَ الله! أيُّ الأعمالِ أفضلُ؟ قال: أن تفارقَ الدنيا ولسانُك رطبٌ من دِكر الله"؛ أي: متحركٌ بذِكرِه.
١٦٢٦ - وقال: "إذا مَرَرْتُم برياضِ الجنَّةِ فارتَعُوا"، قالوا: وما رياضُ الجنةِ؟، قال: "حِلَقُ الذِّكرِ".
"عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إذا مررتُم برِياضِ الجنة فارتَعُوا، قالوا: وما رياضُ الجنة؟ قال: حِلَقُ الذِّكر" بكسر الحاء وفتح اللام: جمع حلقة، وهي جماعة من الناس يستديرون كحلقة الباب وغيره.
وقال الجوهري: جمع الحَلقة: حَلَق - بفتح الحاء - على غير قياس.
١٦٢٧ - وقال: "مَنِ اضطَجعَ مَضْجَعًا لم يَذْكُرِ الله فيه؛ كانَ عليهِ تِرَةً يومَ القيامَةِ، ومَنْ قَعَدَ مَقْعدًا لم يَذْكرِ الله فيه كانَ عليه تِرَةً يومَ القيامَةِ".
"وعنه، عن النبي ﵊ أنه قال: مَن اضطجعَ مَضْجَعًا لم يَذكُرِ الله فيه كان"؛ أي: ذلك الاضطجاعُ، أو عدمُ ذِكرِ الله "عليه تِرَة" بكسر التاء؛ أي: حسرةً ونقصًا، من: وُتِرَ حقَّه؛ أي: نُقِصَه، وهو سببُ الحسرة.
стр. 1194
"يومَ القيامة"، وقيل: أراد بالتِّرَة هنا: التبعة والمؤاخذة بجرمٍ.
"ومَن قعدَ مَقْعَدًا"؛ أي: مَجلِسًا.
"لم يَذكر الله فيه كان عليه تِرَةً يومَ القيامة"؛ وهذا لأن شكرَ الله على نِعَمِه واجبٌ، والمَضْجَع والمَجْلِس أيضًا من نِعَمِ الله تعالى، قال ﵎ على العباد منةً: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا﴾ [النبأ: ٦]، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا﴾ [الملك: ١٥]؛ أي: لينةً بحيث يمكنُكم الاستقرارُ والترددُ عليها والزراعةُ فيها.
١٦٢٨ - وقال: "ما مِن قَومٍ يَقُومُونَ مِن مَجْلِسٍ لا يَذْكُرونَ الله فيه إلَاّ قامُوا عن مِثْلِ جِيْفةِ حمارٍ وكان لهم حَسْرةً".
"وعنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ما مِن قومٍ يقومون من مجلسٍ لا يَذكُرون الله فيه إلا قاموا عن مِثْلِ جِيْفَةِ حمارٍ، وكان لهم حسرةً"، وتخصيص جِيفة الحمار بالذِّكر؛ لأنه أدونُ الجِيَفِ من بين الحيوانات التي تخالطنا.
١٦٢٩ - وقال: "ما جلَسَ قَومٌ مَجْلِسًا لم يذكُروا الله فيهِ، ولم يُصَلُّوا فيه على النبيِّ ﷺ إلَاّ كانَ عليهم تِرَةً يومَ القيامَةِ، إنْ شاءَ عَفَا عنهم وإنْ شاءَ أخذَهُم بها".
"وعنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ما جلسَ قومٌ مجلسًا لم يذكروا الله فيه ولم يُصلُّوا على النبي ﷺ إلا كان عليهم تِرَةً يومَ القيامة؛ إن شاءَ عفا عنهم وإن شاءَ أخذَهم بها".
стр. 1195
١٦٣٠ - وقال: "كُلُّ كلامِ ابن آدمَ عليه لا لَهُ إلَاّ أَمْرًا بمعروفٍ، أو نهيًا عن مُنْكَرٍ، أو ذِكرًا للهِ"، غريب.
"عن أم حبيبة أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : كلُّ كلامِ ابن آدَم عليه"؛ أي: يكون وبالاً عليه، ويُؤخَذ به يومَ القيامة، قال تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨].
"لا له"؛ أي: ليس له نفعٌ.
"إلا أمرًا بمعروف أو نهيًا عن مُنكَرٍ، أو ذكرًا لله تعالى"؛ المراد بـ (ذكر الله تعالى) هنا: ما فيه رضا الله من الكلام، كتلاوة القرآن والصلاة على النبي ﵊، والدعاء للمؤمنين، وما أشبه ذلك.
"غريب".
١٦٣١ - وقال: "لا تُكْثِرُوا الكلامَ لغيرِ ذِكْرِ الله، فإنَّ كَثْرَةَ الكلامِ بغيرِ ذكرِ الله قَسْوةٌ للقَلْبِ، وإنَّ أَبْعَدَ الناسِ مِنَ الله القلْبُ القاسي".
"عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا تُكثروا الكلامَ بغير ذِكر الله؛ فإن كثرةَ الكلام بغير ذِكر الله قسوةٌ للقلب"؛ أي: سببٌ لقسوةِ القلبِ.
"وإن أبعدَ الناسِ مِن الله القلبُ القاسي"؛ أي: ذو القلب القاسي، أو معناه: أبعدُ قلوب الناس من نظرِ الله القلبُ القاسي، وقسوةُ القلبِ: عبارةٌ عن عدم قَبول ذِكر الله تعالى، والخوف والرجاء وغير ذلك.
١٦٣٢ - عن ثَوْبان قال: لما نزلتْ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ
стр. 1196
وَالْفِضَّةَ﴾ كُنَّا مِعَ النبيِّ ﷺ في بعضِ أَسْفارِهِ، فقالَ بعضُ أصحابهِ: لو علمنَا أيُّ المالِ خيرٌ فَنتَّخِذهُ؟، فقال: "أفْضَلُه لسانٌ ذَاكرٌ، وقلبٌ شاكِرٌ، وزوجةٌ مؤمِنَةٌ تُعِنيُهُ على إيمانِهِ".
"وعن ثَوبان أنه قال: لمَّا نزَلت: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] كنا مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في بعض أسفاره، فقال بعض أصحابه: لو عَلِمْنا أيُّ المالِ خيرٌ"، (لو) هذه: للتمني.
"فنتخذَه": نُصب بـ (أن) مضمرة بعد الفاء جوابًا للتمني.
"فقال: أفضلُه"؛ أي: أفضلُ المالِ، أو أفضلُ ما يتخذه الإنسانُ قنيةً لنفسه.
"لسانٌ ذاكرٌ، وقلبٌ خاشعٌ، وزوجةٌ مؤمنةٌ تُعينه على إيمانه"؛ أي: على دِينه، بأن تذكِّرَه الصلاةَ والصومَ وغيرَهما من العبادات إذا نسيَ أو غفلَ، وتمنعَه من الزِّنا.
وإنما أجاب ﵊ بما ذَكَرَ؛ لأن المالَ ما ينتفع به مالكُه، ولا شيءَ أنفعُ للرجل مما ذَكَرَ.
٣ - باب أَسْماءِ الله تعالى
(باب أسماء الله تعالى)
أسماء الله تعالى: ما يصحُّ أن يُطلَق عليه بالنظر إلى ذاته، أو باعتبارِ صفةٍ من صفاته السلبية كالقُدُّوس، أو الثبوتية كالعليم، أو باعتبارِ فعلِ من أفعاله كالخالق، ولكنها توقيفيةٌ عند البعض.
стр. 1197
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٦٣٣ - قال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ للهِ تسعةً وتسعينَ اسمًا مائةً إلَاّ واحِدًا، مَنْ أَحصاهَا دخلَ الجنَّة"
وفي رواية: "وهو وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، مئةً إلَاّ واحدةً": بدل الكل من اسم (أن)، أو تأكيد، أو نصب بتقدير: أعني، وإنما أكَّد بذلك؛ لئلا يلتبسَ في الخط بتسعة وسبعين أو سبعة وتسعين، أو لاحتمال أن تكون الواو بمعنى: أو، نظيره قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: ١٩٦].
وتأنيث (واحدة) على تأويل الكلمة.
"من أحصاها"؛ أي: حفظَها على قلبه، وقيل: عدَّها وقرأَها كلمةً كلمةً على طريق الترتيل تبرُّكاً وإخلاصًا.
وقيل: معناه: من أطاقَ العملَ بمقتضاها؛ مثلَ أن يَعلَمَ أنه سميعٌ بصيرٌ، فيكفَّ لسانَه وسمعَه عما لا يجوز، وكذلك في باقي الأسماء.
"دخلَ الجنةَ".
"وفي روايةٍ: وهو"؛ أي: ذاته تعالى "وِتْرٌ"؛ أي: فردٌ لا شبيهَ له ولا نظيرَ.
"يحبُّ الوِترَ" من الأعمال والأذكار؛ يعني: يحبُّ منها ما كان على صفة الإخلاص والتفرُّد له.
стр. 1198
مِنَ الحِسَان:
١٦٣٤ - قال: "إنَّ للهِ تِسْعَةً وتسعينَ اسمًا، مَنْ أَحصاها دخلَ الجنَّةَ: هوَ الله الذي لا إله إلَاّ هوَ، الرَّحمنُ، الرَّحيمُ، المَلِكُ، القُدُّوس، السَّلامُ، المؤمنُ، المهيمنُ، العزيزُ، الجبَّارُ، المتكبَّرُ، الخالِقُ، البارِئُ المصوِّرُ، الغفَّارُ، القهَّارُ، الوهَّابُ، الرَّزَّاقُ، الفتَّاحُ، العَلِيمُ، القابضُ، الباسَطُ، الخافِضُ، الرافَعُ، المُعِزُّ، المُذِلُّ، السَّميعُ، البصيرُ، الحكَمُ، العَدْلُ، اللَّطيفُ، الخَبيرُ، الحَليمُ، العَظيمُ، الغَفورُ، الشَّكورُ، العليُّ، الكبيرُ، الحَفيظُ، المُقيتُ، الحَسِيْبُ، الجَليلُ، الجَميْل، الكَريمُ، الرقيبُ، المُجيبُ، الواسِعُ، الحَكيمُ، الوَدودُ، المَجيدُ، الباعِثُ، الشَّهيدُ، الحَقُّ، الوكيلُ، القويُّ، المَتينُ، الوليُّ، الحَميدُ، المُحْصِي، المُبْدِئُ، المُعيدُ، المُحْي، المُميتُ، الحيُّ، القيومُ، الواجِدُ، الماجدُ، الواحِدُ، الأَحَدُ الصَّمدُ، القادِرُ، المُقْتَدِرُ، المُقَدّمُ، المؤخِّرُ، الأَوَّلُ، الآخِرُ، الظاهِرُ، الباطِنُ، الوَالي، المُتَعَالي، البَرُّ، التوَّابُ، المُنتقِمُ، العفُوُّ، الرؤوفُ، مالِكَ المُلكِ، ذو الجَلالِ والإكْرامِ، المُقْسِطُ، الجامعُ، الغنيُّ، المُغني، المانِعُ، الضَّارُّ، النافعُ، النُّورُ، الهادي، البَدِيعُ، الباقي، الوارِثُ، الرشَّيدُ، الصَّبورُ"، غريب،.
"من الحسان":
" عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، مَن أحصاها دخلَ الجنةَ، هو الله"؛ قيل: هذا اسمٌ اختُصَّ به تعالى، موضوعٌ لذاته المخصوصة كالعَلَم له؛ لأنه يُوصَف ولا يُوصَف به.
وقيل: أصله: لَاهَا بالسريانية، فعُرِّبَ، وقيل: مشتقٌّ من: أَلَهَ كـ (عَبَدَ) وزنًا ومعنًى وتصرُّفًا، فالإله بمعنى: المألوه.
وقيل: من: لاهَ يَلِيه ليْهًا ولاهًا؛ أي: احتجب أو ارتفعَ؛ لأنه محجوبٌ
стр. 1199
عن إدراك الأبصار مرتفعٌ عما لا يليق به.
وقيل: من: أَلِه؛ أي: تحيَّر، ووَلِهَ وزنًا ومعنًى وتصرُّفًا؛ لتحيرُّ العقول في معرفة صفاته، فضلًا عن معرفة ذاته.
وقيل: من: أَلِهَ؛ أي: فَزِعَ؛ إذ يفزعُ الناسُ منه وإليه، وقيل: من: أَلِهْتُ إلى كذا؛ أي: سَكنتُ إليه؛ لأن القلوبَ تطمئنُّ بذِكره، والأرواحَ تسكُن إلى معرفته، قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
وهذا الاسمُ أعظمُ الأسماء التسعة والتسعين؛ لأنه دالٌّ على الذات الجامعة للصفات الإلهية كلَّها.
"الذي لا إله إلا هو": حصر وقطع لتحقيق الإلهية، ونفي ما عداه عنها.
"الرحمن الرحيم": هما اسمان بنيا للمبالغة من: رَحِمَ، والرحمة في اللغة: رقة القلب، وهي تقتضي التفضيلَ والإحسانَ على مَن رَقَّ له، فرحمة الله تعالى على العباد؛ إما إرادةُ الإنعامِ عليهم ومنعُ الضَّرَرِ عنهم، فيكون الاسمان من صفات الذات، أو نفسُ الإنعام والدفع، فيعودان إلى صفة الأفعال.
والفرق: أن صفاتِ الذات عدمُها يوجب نقصًا، ولا كذلك صفات الأفعال، و (الرحمن) أبلغ من (الرحيم)؛ لزيادة بنائه، وذلك يُؤخَذ تارةً باعتبار الكمية؛ فيقال: يا رحمنَ الدنيا! يعمُّ المؤمنَ والكافرَ، ويا رحيمَ الآخرة! يختصُّ المؤمنَ، وأخرى باعتبار الكيفية؛ فيقال: يا رحمنَ الدنيا والآخرة! ويا رحيم الدنيا! "المَلِك"؛ أي: ذو المُلك، والمراد: القدرة على الإيجاد والاختراع، فيكون من أسماء الصفات، كالقادر.
وقيل: التصرُّف في الأشياء بالخلق والإبداع، والإماتة والإحياء، فيكون من أسماء الأفعال، كالخلق.
стр. 1200
"القُدُّوس": من أبنية المبالغة، وهو من أسماء التنزيه؛ أي: المنزَّه عن العيوب والنقائص، المبرَّأ عما يدركه حسنٌّ أو وهمٌ، أو يحيط به عقلٌ، المطهَّر عن الشِّبهِ والنِدِّ، والولدِ والضدِّ.
"السلام": مصدرٌ نُعِتَ به، والمعنى: ذو السلامة من كل آفةٍ ونقيصةٍ؛ أي: هو الذي تَسلَم ذاتُه عن العيب والحدوث، وصفاتُه عن النقص، وأفعالُه عن الشرِّ المَحْضِ، فهو من أسماء التنزيه.
وقيل: معناه: الملِكُ المسلِّمُ العبادَ من المَخَاوف والمَهَالك، فيرجع إلى القدرة، فهي من صفات الذات.
وقيل: ذو السلام على المؤمنين في الجِنَان، كما قال تعالى: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]، فيكون مرجعه إلى الكلام القديم.
"المؤمن": هو الذي يَصدُق عبادَه يومَ القيامة وعدَه، فهو من الإيمان التصديق، فيرجع إلى الكلام القديم.
وقيل: الذي يُؤمِّن أولياءَه يومَ العرض من الفزع الأكبر، أو الذي آمَنَ عبادَه من الظلم، بل ما يعمل بهم؛ إما فضلٌ وإما عدلٌ، فهو من الأمان، فمرجعه أسماء الأفعال.
"المُهيمِن": الرقيب المُبالغ في المراقبة والحفظ، مِن قولهم: هَيْمَنَ الطيرُ: إذا نشَّرَ جناحه على فرخه صيانةً له فهو من أسماء الأفعال.
وقيل: الشاهد؛ أي: العالم الذي لا يعزب عنه مثقال ذرةٍ فيرجع إلى العلم.
وقيل: الذي يشهد على كل نفسٍ بما كسبت، فيرجع إلى القول، وقيل: القائم بأمور الخلق من أعمالهم وأرزاقهم وآجالهم فيرجع إلى القدرة.
وقيل: أصله: مؤيمن أبدلت الهاء من الهمزة، مفيعل من الأمانة، بمعنى
стр. 1201
الأمين الصادق الوعد، فهو من الكلام، وقيل: هو من أسمائه تعالى في الكتب القديمة.
"العزيز"؛ أي: الغالب، من قولهم: عَزَّ: إذا غلب، فمرجعه إلى القدرة، وقيل: هو الذي تتعذر الإحاطة بوصفه ويعسر الوصول إليه مع أن الحاجة تشتد إليه، فلا يطلق هذا اللفظ إلا على من اجتمع فيه هذه المعاني الثلاثة فيكون من أسماء التنزيه.
"الجبار": من أبنية المبالغة، ومعناه: الذي يقهر العباد على ما أراد من أمرٍ ونهيٍ، وقيل: هو الذي حملهم على ما أراد صدوره منهم على سبيل الإجبار، فصاروا حيث أراد طوعًا أو كرهًا من الأخلاق والأعمال والأرزاق والآجال وغيرها، فهو من صفات الذات.
وقيل: هو الذي يغني المرء من فقره، ويصلح عظمه من كسره، يقال: جَبَرْتُ العظم جبرًا، أو جَبَرَ هو بنفسه فانجبر، فهو من أسماء الأفعال.
وقيل: هو المتعالي عن أن يناله قصد القاصدين، ويؤثر فيه كيد الكائدين، فمرجعه إلى التقديس والتنزيه.
"المتكبر": المنفرد بالعظمة وذو الكبرياء، وهو عند العرب: الملك، أو هو: المتعالي عن صفات الخَلْق، وقيل: هو عبارةٌ عن كمال الذات وكمال الوجود، فلا يوصف بها غيره تعالى.
وقيل: هو الذي يرى غيره حقيرًا بالإضافة إلى ذاته، فينظر إلى غيره نظر الملك إلى عبده، وهو عند الإطلاق لا يتصور إلا له تعالى.
"الخالق": هو الذي أوجد الأشياء كلها بعد أن لم تكن موجودة، وأصل الخلق: التقدير المستقيم، ويستعمل بمعنى الإيجاد على وفق التقدير.
"البارئ": هو الذي خلق الخلق على غير مثالٍ، اسم فاعلٍ من بَرَأَ: إذا
стр. 1202
خلق، إلا أنَّ لهذه اللفظة من الاختصاص بالحيوان ما ليس لها بغيره من المخلوقات، وقلما تستعمل في غير الحيوان.
"المصور": هو الذي صور جميع الموجودات ورتبها وأعطى كل موجود منها صورةً خاصةً وهيئةً تميز بها على اختلافها وكثرتها.
"الغفار": هو الذي يغفر ذنوب عباده مرةً بعد مرة، وأصل الغَفْرِ: السَّتر والتَّغطية فهو من أسماء الأفعال.
"القهار": هو الغالب الذي لا موجود إلا وهو مقهورٌ بقدرته، ومسخرٌ لقضائه، [و] عاجزٌ في قبضته، ومرجعه إلى القدرة.
وقيل: هو الذي أذلَّ الجبابرة، وقصم ظهورهم بالإهلاك ونحوه، فهو من أسماء الأفعال.
"الوهاب": هو الذي يكثر العطايا بلا عوض وغرض، وقيل: هو كثير النِّعم، دائم العطاء، وهو من أسماء الأفعال.
"الرزاق": هو الذي خلق الأرزاق، وأعطاها الخلائق، وأوصلها إليهم، وهي نوعان: ظاهرةٌ للأبدان، كالأقوات والأمتعة، وباطنة للقلوب والنفوس، كالمعارف والعلوم والمكاشفات.
"الفتَّاح": هو الذي يفتح أبواب الرزق والرحمة لعباده، أو الحاكم بينهم، من الفَتْح؛ بمعنى: الحكم، وقيل: معناه: مبدع الفتح والنصرة.
"العليم": هو العالم البالغ في العلم، المحيط علمه السابق بجميع الأشياء، ظاهرها وباطنها، دقيقها وجليلها، وهو من صفات الذَّات.
"القابض": هو الذي يمسك الرزق ويضيقه على من يشاء من عباده بلطفه وحكمته، ويقبض الأرواح عن الأشباح عند الممات.
стр. 1203
"الباسط": هو الذي يبسط الرزق لعباده ويوسعه عليهم بجوده، ويبسط الأرواح وينشرها في الأجساد عند الحياة، وهما من صفات الأفعال.
وقيل: هو الذي يقبض الصدقات عن الأغنياء، ويبسط الرزق على الضعفاء، بأن جعلهم مَصَبَّ الصدقات والزكوات.
"الخافض": هو الذي يخفض الجبارين والفراعنة؛ أي: يضعهم ويهينهم، ويخفض الكفار بالخزي والصَّغَار، ويخفض كل شيءٍ يريد خفضه.
"الرافع": هو الذي يرفع المؤمنين بالإسعاد ويقربهم من رحمته، وبرفع درجاتهم بالنصر والإعزاز.
"المعز": يعز من يشاء، "المذل": يذل من يشاء.
والإعزاز الحقيقي: تخليص المرء عن ذلِّ الحاجة واتباع الشهوات وجعله غالبًا على أمره قاهرًا لنفسه مالكًا لإربه، والإذلال الحقيقي مقابله.
"السميع": هو الذي لا يعزُب عن إدراكه مسموعٌ وإن خفي، فهو يسمع بغير جارحة.
"البصير": هو الذي يشاهد الأشياء كلها ظاهرها وخافيها بغير جارحةٍ، وهما من أوصاف الذَّات، وأبنية المبالغة.
"الحَكَم": هو الحاكم الذي لا مردَّ لقضائه ولا معقِّب لحكمه، ومرجعه إلى القول الفاصل بين الحق والباطل، والبَّر والفاجر، والمبين لكل نفسٍ جزاء ما عملت من خيرٍ وشرِ.
"العدل": خلاف الجور، قيل: هو الذي لا يميل به الهوى فيجور في الحكم، وهو في الأصل مصدرٌ أقيم مَقَام الصفة، وهو العادل، وهو أبلغ منه؛ لأنه جعل المسمى به نفسه عدلاً.
"اللطيف": هو البرَّ بعباده، الذي يوصل إليهم ما ينتفعون به في الدارين،
стр. 1204
ويهيئ لهم ما يسعون به إلى المصالح من حيث لا يعلمون ولا يحتسبون، فهو من أسماء الأفعال.
وقيل: معناه: العليم بخفيات الأمور ودقائقها.
"الخبير": هو العالم بما كان وبما يكون، وقيل: هو المتمكِّن من الإخبار عمَّا عمله.
"الحليم": هو الذي لا يعجِّل عقوبة المذنبين، بل يؤخرهم لعلهم يتوبون إليه، وهو راجعٌ إلى التنزيه.
"العظيم": هو الذي تجاوز قدره وجَلَّ عن تصور العقول، حتى لا يتصوره عقلٌ، ولا تحيط بكنهه بصيرةٌ، ومرجعه إلى التنزيه.
"الغفور": بمعنى الغفار، ولعل الغفار أبلغ منه لزيادة بنائه، وقيل: الفرق بينهما أن المبالغة في الغفور باعتبار الكيفية، وفي الغفار باعتبار الكمية.
"الشكور": هو الذي يعطي الثَّواب الجزيل على العمل القليل، فيرجع إلى الفعل، وقيل: هو المثني على العباد المطيعين، فيرجع إلى القول.
"العَلِيّ": البالغ في العلو، وهو الذي ليس فوقه شيءٌ في المرتبة والحكم، فعيل بمعنى فاعل، مِنْ عَلا يَعْلُو.
"الكبير": نقيض الصغير، وهما يستعملان في الأجسام باعتبار مقاديرها، ثم في العالي الرتبة، والله تعالى كبير بالمعنى الثاني إما باعتبار أنه أكمل الموجودات وأشرفها من حيث أنه واجب الوجود بالذات، أو باعتبار أنه أكبر عن مشاهدة الحواس وإدراك العقول، فهو من أسماء التنزيه.
"الحفيظ": هو الحافظ جدًا يحفظ الموجودات من الزوال والاختلال ما يشاء، ويصون المتضادات المتعاديات بعضها عن بعض، فيحفظها في المركبات محميةٌ عن إفناء بعضها بعضًا، فلا يطفئ الماء النار ولا يخلل النار، الماء، أو
стр. 1205
يحفظ على العباد أعمالهم، ويحصي عليهم أفعالهم وأقوالهم.
"المقيت": هو خالق الأقوات البدنية والروحانية، وموصلها إلى الأشباح والأرواح، من أَقَاتَه يُقِيْتُهُ: إذا أعطاه قُوْتَه، فهو من صفات الأفعال.
وقيل: هو المقتدر بلغة أهل قريش، وقيل: هو الشاهد المُطَّلِع على الشيء، مِنْ أَقَاتَ الشيءَ: إذا شهد عليه، فهو على الوجهين من صفات الذات.
"الحسيب": هو الكافي من أَحْسَبني؛ أي: كفاني، فعيل بمعنى مُفْعِلٌ، كالأليم بمعنى المؤلم، والحسيب المطلق هو الله تعالى؛ إذ لا يمكن أن تحصل الكفاية في جميع ما يحتاج الشيء في وجوده وبقائه وكماله الجسماني والروحاني بأحد سواه، فمرجعه إلى الفعل.
وقيل: هو المحاسب للخلائق يوم القيامة، فعيل بمعنى مفاعل، فمرجعه إلى الفعل أيضًا إن جعلت المحاسبة عبارة عن المكافآت، أو إلى القول إن أريد بها السؤال، والمعاتبة وتعداد ما عملوا من الحسنات والسيئات.
وقيل: هو الشريف، والحَسَبُ: الشرف، وقيل: هو الذي يعدُّ أنفاس الخلائق.
"الجليل": هو الموصوف بنعوت الجلال والحاوي لجميعها والله هو الجليل المطلق، وهو راجع إلى كمال الصفات التنزيهية كما أن (الكبير) راجعٌ إلى كمال الذات، و (العظيم) إليهما.
"الكريم": هو الجواد المعطي الذي لا ينفذ عطاؤه، وهو الكريم المطلق.
وقيل: هو المتفضل المعطي بلا مسألةٍ ولا وسيلةٍ.
وقيل: المتجاوز الذي لا يستقصي في العقاب.
وقيل: هو الذي إذا قدر عفا، وإذا وعد وفا، وإذا أعطى زاد على منتهى
стр. 1206
الرجاء، ولا يبالي كم أعطى ولمن أعطى، وإذا رفعت الحاجة إلى غيره لا يرضى.
وقيل: المقدس عن النقائص والعيوب من قولهم: كريم الأموال، لنفائسها.
"الرقيب": هو الحفيظ الذي يراقب الأشياء ويلاحظها، فلا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء.
وقيل: هو الذي يعلم أحوال العباد، ويحصي أعداد أنفاسهم.
"المجيب": هو الذي يجيب دعوة الداعي إذا دعاه.
"الواسع": هو الذي وسع غناه كل فقير، ورحمته كل شيء، وقيل: هو العالم المحيط علمه بجميع المعلومات كُليها وجُزئيها موجودها ومعدومها، قال تعالى: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر: ٧].
"الحكيم": فَعيل بمعنى فاعل؛ أعني: مبالغة الحاكم، أو هو بمعنى: الذي يحكم الأشياء ويتقنها، فَعيل بمعنى مُفْعِل.
وقيل: ذو الحكمة، وهي عبارةٌ عن معرفة الأشياء على ما هي عليها.
"الودود": فَعُولٌ بمعنى مَفْعُول، من الوُدِّ: المحبة، فالله مودودٌ؛ أي: محبوبٌ في قلوب أوليائه، أو بمعنى فاعل؛ أي: المحبُّ لأوليائه.
وقيل: هو الذي يحبُّ الخير لجميع الخلائق، ويحسن إليهم في الأقوال، وحاصله يرجع إلى إرادة مخصوصةٍ.
"المجيد": مبالغة الماجد، من المجد، وهو سعة الكرم، وقيل: إذا قارن شرف الذات حسن الفعل يسمى مجيدًا.
"الباعث": هو الذي يبعث الخلق؛ أي: يحييهم بعد الموت يوم القيامة، وقيل: هو الذي يبعث الرسل إلى الأمم.
стр. 1207
"الشهيد": هو الذي لا يغيب عن علمه شيءٍ، فعيل من أبنية المبالغة في فاعل، من الشهود، وهو الحضور، وقيل: مبالغة الشاهد؛ أي: يشهد على الخلق يوم القيامة بما علم وشاهد منهم.
"الحق": الذي تُحقق وتُيقِّن وجوده من غير شكٍّ، ضد الباطل الذي هو المعدوم، فهو من صفات الذات.
وقيل: معناه المحق؛ أي: المظهر للحق، أو الموجد للشيء حسب ما تقتضيه الحكمة، فيكون من صفات الأفعال.
"الوكيل": القائم بمصالح عباده الكافل بأرزاقهم.
"القوي": الذي لا يستولي عليه العجز في حال من الأحوال.
"المتين": من المتانة: الشِّدة والقوة، ومرجع هذين إلى الوصف بكمال القدرة وشدتها، فالله تعالى من حيث إنه بالغ القدرة تامها: قويٌ، ومن حيث إنه شديد القوة: متينٌ.
"الولي" هو الناصر ينصر المؤمنين، وقيل: المتولي لأمور العالم والخلائق، وقيل: القائم بتدبير الممكنات، يقال: وَلِيَ يَلِيْ وِلايةً فهو وَليٌّ؛ أي: أمير.
وقيل: هو المحبُّ، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧]: أي: محبهم.
"الحميد"؛ أي: المحمود على كل حالٍ، وقيل: في صفاته وأفعاله، فَعيلٌ بمعنى مَفْعُول، وهو المحمود المطلق، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]؛ أي: بلسان الحال.
وقيل: حمد الله نفسه بالثناء الذي يليق به أزلًا، ويحمده عباده أبدًا، فهو المستحق للحمد والثناء أزلًا وأبدًا.
стр. 1208
"المحصي": العالم الذي أحصى كل شيءٍ بعلمه فلا يفوته دقيقٌ منها ولا جَليلٌ.
"المبدئ": هو الذي أنشأ الأشياء واخترعها ابتداءً من غير سابق مثال.
"المعيد": هو الذي يعيد الخلق بعد الحياة إلى الممات في الدنيا، وبعده إلى الحياة في الآخرة.
"المحيى المميت": هما يرجعان إلى الإيجاد، لكن المُوجد إذا كان هو الحياة سُمِّي ذلك الفعل: إحياءً، وإذا كان هو الموت سُمِّي: إماتةً، ولا خالق للموت والحياة غير الله، قال تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ﴾ [الملك: ٢].
"الحيُّ"؛ أي: ذو الحياة وهو الفَعَّال الدَّرَّاك، وقيل: الباقي أزلًا وأبدًا.
"القيوم": القائم بنفسه والمقيم لغيرِه وهو على الإطلاق، والعموم لا يصح إلا لله تعالى؛ لأن قوامه بذاته وقوام كل شيءٍ به.
وقيل: هو القائم على كل شيءٍ الدائم، وقيل: القَيُّوم والقَيَّام والقَيم من أبنية المبالغة، ومعنى الكل واحد.
"الواجد": هو الغني الذي لا يفتقر إلى شيءٍ، يقال: وَجَدَ يَجِدُ جِدَةً؛ أي: استغنى غنًا لا فقر بعده.
"الماجد": بمعنى المجيد، إلا أنَّ في المجيد مبالغةً ليست في الماجد.
"الواحد": هو المنفرد بالذات لا شريك له.
"الأحد": هو المنفرد بالصفات وحده لا يشاركه في صفاته أحد، قيل: الأحد والواحد هو الفرد الذي لم يزل وحده ولم يكن معه آخر.
قيل: الفرق بينهما: أن (الأحد) بنيَ لنفي ما يُذْكَر معه من العَدَد، و (الواحد) بنيَ لمفتتح العدد.
стр. 1209
"الصمد": هو السيد الذي انتهى إليه السؤدد، وقيل: الذي لا جوف له، وقيل: الذي يُصْمَدُ في الحوائج إليه أي: يُقْصَد.
"القادر المقتدر": معناهما ذو القدرة، لكن المقتدر أكثر مبالغةً، والمراد من وصفه تعالى بهما: نفي العجز عنه فيما يشاء ويريد، ومحالٌ أن يُوْصَف بالقدرة المطلقة معنى غير الله تعالى، وإن أطلق عليه لفظًا.
"المقدم المؤخر": معناهما هو الذي يقرِّب ويبعِّد، ومن قَرَّبه فقد قَدَّمه، ومن بعَّده فقد أخَّره، وقيل: هو الذي يقدِّم الأشياء بعضها على بعضٍ؛ إما بالوجود كتقديم الأسباب على مسبباتها، أو بالشرف والقربة كتقديم الأنبياء والصالحين من عباده على من عداهم، أو بالمكان كتقديم الأجسام العلوية على السفلية، أو بالزمان كتقديم الأطوار والقرون بعضها على بعض.
"الأول": هو الذي لا شيء قبله ولا بعده.
"الآخر": هو الباقي بعد فناء الخلق.
"الظاهر"؛ أي: الذي ظهر شواهد وجوده بخلق السماوات والأرض وما بينهما، وقيل: هو الذي ظهر فوق كل شيء وعَلا عليه.
وقيل: الظاهر هو الذي عُرف بطريق الاستدلال العقلي بما ظهر لهم من آثار أفعاله وأوصافه.
"الباطن": المحتجب عن أبصار الخلق بحجب كبريائه، فلا يدركه بصرٌ، ولا يحيط به وهمٌ، وقيل: هو العالم بما بطن، يقال: بطنت الأمر: إذا عرفت باطنه.
"الوالي": هو مالك الأشياء والمتولي بها.
"المتعالي"؛ بمعنى: العَلِي، نوعٌ من المبالغة في العلاء المرتفع عن النقائص.
стр. 1210
"البَّر": هو المحسن، والله تعالى هو البرُّ في الحقيقة، إذ ما من بِرٍّ وإحسان إلا وهو تعالى مُوليه، وقيل: هو العطوف على عباده ببرِّه ولطفه.
"التواب": هو الذي يُيَسِّر أسباب التوبة لعباده ويوفقهم لها، وقيل: الذي يقبل توبة عباده مرةً بعد أخرى، وقيل: يرجع على كل مذنب بالإنعام عليه، من التَّوْب، وهو الرجوع.
"المنتقم": هو البالغ في العقوبة لمن يشاء.
"العَفُو": فعول من العفو، وهو التجاوز عن الذَّنب وترك العقاب عليه، وأصله: المحو والطَّمْس، وهو أبلغ من الغفور؛ لأن الغفران ينبئ عن الستر، والعفو عن المحو.
"الرؤوف": ذو الرأفة؛ أي: كثير الرحمة والشفقة على عباده.
"مالك الملك": وهو الذي يُنْفِذُ مشيئته في ملكه كيف يشاء إيجادًا وإعدامًا، وإبقاءً وإفناءً، لا مردَّ لقضائه، ولا معقب لحكمه.
"ذو الجلال والإكرام": هو الذي لا شرف ولا كمال إلا وهو له، ولا مكرمة إلا وهي صادرةٌ منه، فالجلال له في ذاته، والإكرام منه فائضٌ على خلقه.
"المقسط": هو العادل الذي لا يجور، من أَقْسَط: إذا عدل.
"الجامع": هو الذي يجمع الخلائق ليوم الحساب، وقيل: هو المؤلف بين المتمائلات والمتباينات والمتضادات في الوجود، وقيل: الجامع لأوصاف الحمد والثناء على الاستحقاق.
"الغني": هو الذي لا يحتاج إلى أحدٍ في شيء، وكلُّ أحدٍ مُحتاج إليه، وهذا هو الغنى المطلق لا يشاركه تعالى فيه غيره.
"المغني": هو الذي يغني من يشاء من عباده، وقيل: هو الذي يغني
стр. 1211
خواصَّ عباده عمَّا سواه؛ بأن لم يُبْقِ لهم حاجةً إلا إليه.
"المانع": هو الذي يمنع عن أهل طاعته ويحوطهم وينصرهم، وقيل: يمنع من يريد من خلقه ما يريد، ويعطيه ما يريد، وقيل: هو الذي يدفع أسباب الهلاك والنقصان في الأبدان والأديان.
"الضَّار": هو الذي يضرُّ مَنْ يشاء من خلقه.
"النَّافع": هو الذي يوصل النَّفع إلى مَنْ يشاء مِنْ خَلقه، حيث هو خالق النَفعُّ والضرُّ والخير والشَّر.
"النُّور": هو الذي يبصر بنوره ذو العماية، ويرشد بهداه ذو الغواية، وقيل: هو الظاهر الذي به كل ظهورٍ، فالظاهر في نفسه المظهر لغيره يسمى نورًا.
"الهادي": هو الذي بصَّر عباده وعرَّفهم طريق معرفته حتى أقرُّوا بربوبيته وهدى كل خلق إلى ما لابدَّ له منه في بقائه ودوام وجوده.
وقيل: هو الذي هدى خواصَّ عباده إلى معرفته، فاطلعوا بها على معرفة مصنوعاته، فيكون أول معرفتهم بالله تعالى، ثم يعرفون غيره به، وهدى عامة خلقه - أي: مخلوقاته - حتى استشهدوا بها على معرفة ذاته وصفاته، فيكون أول معرفتهم بالأفعال، ثم يرتقون منها إلى الفاعل.
وإلى المرتبة الأولى الإشارة بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٣] خطابًا منه تعالى للنبي ﵊ وهو معرفة الأقوياء من خواصِّ عباده، وإليها الإشارة بقوله ﵊: "عرفت ربي بربي، ولولا ربي ما عرفت ربي"، وبقوله ﵊: "لولا الله ما اهتدينا".
وإلى الثانية الإشارة بقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي
стр. 1212
أَنْفُسِهِمْ﴾ [فصلت: ٥٣]، ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥].
"البديع": فعيل بمعنى مفعِل؛ أي: المبدع، وهو الذي أبدع الأشياء؛ أي: أوجدها من العدم، وقيل: هو الذي أتى بما لم يسبق إليه، وقيل: هو الذي لم يعهد مثله، فالله هو البديع مطلقًا؛ لأنه لا مثل له في ذاته ولا نظير له في صفاته وأفعاله.
"الباقي": هو الذي لا ينتهي تقدير وجوده في الاستقبال إلى آخرٍ ينتهي إليه، وقيل: هو الدائم الوجود الذي لا يقبل الفناء.
"الوارث": هو الذي يَرِثُ الخلائق ويبقى بعد فنائهم، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ [مريم: ٤٠]: أي: يموت أهلها ويبقى ملكه.
"الرشيد": هو الذي أرشد الخلق إلى مصالحهم؛ أي: هداهم ودلَّهم عليها، فعيلٌ بمعنى مُفْعِل.
وقيل: هو الذي تنساق تدبيراته إلى غاياتها على سَنَنِ السَّداد بلا إشارة مُشِيْرٍ، ولا تَسْديد مُسَدِّد.
"الصبور": هو الذي لا يعاجل العصاة بالانتقام، وهذا قريبٌ من معنى الحليم، والفرق بينهما: أن المذنب لا يأمن العقوبة في صفة الصَّبور كما يأمنها في صفة الحليم.
" [حديث] غريب".
قيل: ما من اسمٍ من الأسماء التي في هذا الحديث إلا وقد ورد به الكتاب والسنة الصحيحة غير لفظ (الصبور) فإنه ما وجد إلا في هذا الحديث، وفي قوله ﵊: "ما أحد أصبر على أذًى يسمعه من الله تعالى".
стр. 1213
١٦٣٥ - عن بُرَيْدة: أن رسولَ الله ﷺ سَمعَ رجلًا يقولُ: اللهمَّ إِنِّي أسألُكَ بأنَّكَ أنتَ الله لا إله إلَاّ أنتَ، الأَحَدُ الصَّمدُ الذي لم يَلِدْ ولم يُولَدْ، ولم يَكُنْ له كفُوًا أحدٌ، فقال: "دَعا الله باسْمِهِ الأَعظَمِ، الذي إذا سُئِلَ بهِ أَعْطَى، وإذا دُعِيَ به أَجابَ".
"عن بُرَيدَة ﵁: أن رسول الله ﷺ سمع رجلًا يقول: اللهم إني أسألك بأنَّك أنت الله لا إله إلا أنت، الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفُوًا أحد، فقال: دعا الله باسمه الأعظم الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب"؛ (الأعظم) هنا: بمعنى العظيم؛ لأن جميع أسماءه تعالى عظيمة.
وقيل: كل اسمٍ هو أكثر تعظيمًا له تعالى، فهو أعظم مما هو أقل تعظيمًا، فالرحمن أعظم من الرحيم؛ لأنه أكثر مبالغةً، ولفظ (الله) أعظم من الرب؛ لأنه لا شريك له في التسمية به لا بالإضافة ولا بغيرها؛ بخلاف (الربِّ).
والفرق بين قوله: (إذا سئل به أعطى) وبين قوله: (إذا دعي به أجاب): أن الثاني أبلغ، فإن إجابة الدعاء تدل على شرف الداعي عند المجيب، فيتضمن أيضًا قضاء حاجته؛ بخلاف السؤال فإنه قد يكون مذمومًا، ولذلك ذُمَّ السائل في كثيرٍ من الأحاديث، ومُدح التَّعفف عنه.
١٦٣٦ - وعن أَنسٍ ﵁ قال: كنتُ جالسًا معَ النبيِّ ﷺ في المَسجدِ، ورجلٌ يُصلي، فقال: اللهمَّ إني أسألُكَ بأنَّ لكَ الحَمْد، لا إلهَ إلَاّ أنتَ الحنَّانُ المنَّانُ، بديعُ السَّماواتَ والأرضَ، يا ذا الجَلالِ والإِكرامِ! يا حيُّ يا قَيُّومُ! أسأَلُكَ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "دَعَا الله باسمِهِ الأعظمِ الذي إذا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وإذا سُئِلَ به أَعطَى".
"عن أنس ﵁ أنه قال: كنت جالسًا مع النبي ﷺ في المسجد ورجلٌ
стр. 1214
يصلي فقال: اللهم إني أسألُكَ بأنَّ لك الحمد، لا إله إلا أنت، الحنَّان المنَّان"؛ أي: الذي يكثر المَنَّ على عباده، وهو النِّعمة.
"بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام! يا حي يا قَيُّوم! أسألك. . . فقال النبي ﷺ : دَعَا الله باسمه الأعظم، الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى".
١٦٣٧ - عن أَسْمَاءَ بنتِ يَزِيدَ: أن النبيَّ ﷺ قال: "اسمُ الله الأعظمُ هاتينِ الآيَتَيْنِ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، وفَاتِحَةِ آلِ عِمْرَانَ: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ".
"عن أسماء بنت يزيد ﵂: أن النبي ﵊ قال: اسم الله الأعظم في هاتين الآيتين: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، وفاتحة آل عمران: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ "
١٦٣٨ - قال: "دَعْوةُ ذي النُّونِ إذ دَعَا وهُوَ في بطْنِ الحُوتَ: لا إلهَ إلَاّ أنتَ سبحانَكَ إِنِّي كنتُ من الظَّالِمِينَ، لَمْ يَدْعُ بها رجلٌ مسلمٌ في شيءٍ إلَاّ استجابَ لهُ".
"وعن سعد بن أبي وقاص أنه قال: قال رسول الله ﷺ : دعوة ذي النون"؛ أراد به: يونس ﵇.
"إذ دعا وهو في بطن الحوت": وذلك أن الله تعالى بَعَثَ يونس ﵇ إلى أهل نينوى من أرض الموصل، فدعاهم إلى الإيمان فلم يؤمنوا، فأوحى الله تعالى إليه أن أخبرهم: أنَّ العذاب يأتيهم بعد ثلاثة أيامٍ.
стр. 1215
فخرج يونس ﵇ من بينهم فظهر سحابٌ أسود ودَنَا حتى وقف فوق بلدهم فظهر منه دخانٌ، فلما أيقنوا أنه سينزل عليهم العذاب خرجوا مع أزواجهم وأولادهم ودوابهم إلى الصحراء، وفرقوا بين الأولاد والأمهات من الإنسان والدَّواب، ورفعوا أصواتهم بالتضرع والبكاء، وآمنوا وتابوا عن الكفر والعصيان، وقالوا: يا حيُّ حين لا حي، يا محيي الموتى، يا حيُّ لا إله إلا أنت، فأذهب الله عنهم العذاب.
فدنا يونس ﵇ يومًا من بلدهم بعد ثلاثة أيامٍ ليعلم كيف حالهم، فرأى من البعد أن البلد معمور كما كان، وأهله أحياءٌ، فاستحى وقال: قد كنت قلت لهم: إن العذاب ينزل عليكم بعد ثلاثة أيامٍ، ولم ينزل، فذهب ولم يعلم أنه قد نزل عليهم ودُفِع عنهم، فسار حتى أتى سفينةً وركبها، فلما ركبها وَقَفَتْ السفينة، فبالغوا في إجرائها فلم تجر.
فقال الملاحون: هنا عبد آبقٌ فقرعوا بين أهل السفينة فخرجت القرعة على يونس، فقال: أنا العبد الآبق، فألقى نفسه في البحر، فالتقمه حوت بأمر الله، فأمر الله أن يحفظه، فلبث في بطنه أربعين يومًا، وسار به إلى النيل، ثم إلى بحر فارس، ثم إلى دجلة، فدعا يونس ﵇ فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾؛ أي: أنا من الظالمين؛ بخروجي من بين قومي قبل أن تأذن لي به، فاستجاب الله له، وأمر الحوت بإلقائه إلى أرض نصيبين؛ اسم بلدةِ من بلاد الشام.
"لم يدع بها رجلٌ مسلمٌ في في شيءٍ إلا استجاب الله له".
стр. 1216
٤ - باب ثَواب التَّسبيح والتَّحميد والتَّهليل
(باب ثواب التسبيح والتحميد والترتيل والتكبير)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٦٣٩ - قال رسولُ الله ﷺ : "أفْضَلُ الكلامِ أربعٌ: سُبحانَ الله، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلا الله، والله أكبرُ".
وفي روايةٍ: "أَحَبُّ الكلامِ إلى الله أربعٌ: سُبْحانَ الله، والحَمْدُ للهِ، ولا إلهَ إلا الله، والله أكبرُ، لا يَضُرُّكَ بأيهِنَّ بَدَأْتَ".
"من الصحاح":
" عن سَمُرَة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : أفضل الكلام أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"، الظاهر أن المراد من (الكلام): كلام البشر فإن الثلاث الأُوَل، وإن وُجدت في القرآن، لكن الرابعة لم تُوجد فيه، ولا يفضل ما ليس فيه على ما هو فيه، ولأنه روي أنه ﷺ قال: "أفضل الذكر بعد كتاب الله سبحان الله. . . " الخ، والموجب لفضلها: اشتمالها على جملة أنواع الذكر من التنزيه والتحميد والتوحيد والتمجيد.
"وفي روايةٍ: أحبُّ الكلام إلى الله تعالى أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضُّرك بأيهِن بَدَأْتَ"؛ يعني: إن بدأت بـ (سبحان الله) جاز، وإن بدأت بـ (الحمد لله) جاز، وكذلك بـ (لا إله إلا الله) أو بـ (الله أكبر).
وهذا يدل على أن كل جملةٍ منها مستقلةٌ لا يجب ذكرها على نظمها المذكور، لكن مراعاته أولى؛ لأن المتدرج في المعارف يعرفه أولًا بنعوت جلاله؛
стр. 1217
أعني: تنزيه ذاته عما يوجب حاجةً أو نقصًا، ثم بصفات كماله وهي صفاته الثبوتية التي بها يستحق الحمد، ثم يعلم أن من هذه صفته لا مماثل له، ولا يستحق الألوهية غيره، فينكشف له من ذلك أنه أكبر، إذ كل شيءٍ هلكٌ إلا وجهه.
١٦٤٠ - وقال: "لأَنْ أقولَ: سُبحانَ الله، والحمدُ للهِ، ولا إلهَ إلَاّ الله، والله أكبرُ أَحَبُّ إليَّ مما طَلَعَتْ عليهِ الشمسُ".
"عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لأَنْ أقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحبُّ إليَّ مما طلعَتْ عليه الشمس"؛ أي: من الدنيا وما فيها من متاعها.
١٦٤١ - وقال: "مَنْ قالَ: سُبحانَ الله وبحمدِهِ في يومٍ مائةَ مرةٍ حُطَّتْ خطاياهُ وإنْ كانتْ مثلَ زَبَدِ البحرِ".
"وعنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : من قال: سبحان الله وبحمده": مصدر منصوب بفعل واجب إضماره؛ أي: أسبِّح سبحان الله.
"وبحمده": الباء فيه للمقارنة، والواو زائدة؛ أي: أسبِّحه تسبيحًا مقترنًا بحمده، أو معناه: أبتدئ بحمده.
"في كل يوم مئة مرة حُطَّتْ"؛ أي: أُسقِطَتْ وأُزيلَتْ عنه.
"خطاياه وإن كانت مثل زَبَدِ البَحْرِ"، هذه وأمثالها كنايات عَبَّرَ بها عن الكثرة عرفًا.
стр. 1218
١٦٤٢ - وقال: "مَن قالَ حينَ يُصبحُ وحينَ يُمسي: سُبحانَ الله وبحمدِه مائةَ مرَّةٍ؛ لم يَأتِ أحدٌ يومَ القيامةِ بأَفْضَلَ ممَّا جاءَ به إلَاّ أحدٌ قالَ مثْلَ ما قالَ، أو زادَ عليهِ".
"وعنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : من قال حين يصبح وحين يمسي: سبحان الله وبحمده مئة مرة لم يأت أحدٌ يوم القيامة بأفضل مما جاء به": تقديره: لم يأت أحد بمثل ما جاء به، أو بأفضل مما جاء به.
"إلا أحدٌ قال مثلَ ما قال أو زادَ عليه"، فالاستثناء متصل.
١٦٤٣ - وقال: "كَلِمتانِ خَفِيْفتانِ على اللِّسانِ، ثَقِيلتانِ في المِيزانِ، حَبيبَتانِ إلى الرَّحمنِ: سُبحانَ الله وبحمدِهِ سُبحانَ الله العظيم".
"وعنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم": وإنما صارتا أحب؛ لأن فيهما المدح بالصفات السَّلبية التي يدل عليها التنزيه، وبالصفات الثبوتية التي تدل على الحمد.
١٦٤٤ - وقال: "أيعْجِزُ أحدُكم أنْ يَكسِبَ كلَّ يومٍ ألفَ حسنةٍ؟ يُسَبحُ مائةَ تسبيحةٍ، فيُكتَبُ لهُ ألفُ حسَنةٍ، أو يُحَطُّ عنهُ ألفُ خَطيئةٍ".
"عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: قال رسول الله ﷺ : أَيَعْجزُ أحدُكم أن يكسب كلَّ يوم ألفَ حسنة؟ يسبِّح مئة تسبيحة، فيُكْتَبُ له ألف حسنة"؛ لأن الحسنة الواحدة تضاعف بعشر أمثالها.
стр. 1219
"أو يُحَطُّ عنه ألف خطيئة"، وذلك بمشيئة الله تعالى.
١٦٤٥ - وسُئلَ رسولُ الله ﷺ : أيُّ الكلامِ أفضلُ؟ قال: "ما اصطَفَى الله لملائكتِهِ؛ سبحانَ الله وبحمدِهِ".
"وعن أبي ذر أنه سئل رسول الله ﷺ : أيُّ الكلام أفضل؟ قال: ما اصطفى الله"؛ أي: الذي اختار من الذِّكْرِ.
"لملائكته": أمرهم بالدوام عليه لغاية فضيلته:
"سبحان الله وبحمده".
١٦٤٦ - وعن جُوَيرية: أن النبيَّ ﷺ خرجَ مِن عندِها بُكْرةً حينَ صلَّى الصُّبحَ وهي في مَسجدِها، ثم رجعَ بعدَ أنْ أَضْحَى وهي جالسةٌ، فقال: "ما زلتِ على الحالِ التي فارقتُكِ عليها؟ "، قالت: نعَمْ، قال النبيُّ ﷺ : "لقَدْ قُلتُ بعدَكِ أربعُ كلماتٍ ثلاثَ مرَّاتٍ، لو وُزنَتْ بما قلتِ منذُ اليومِ لَوَزنَتْهُنَّ: سُبحانَ الله وبحمدِهِ عددَ خلقِهِ، ورِضَا نفْسِهِ، وَزِنَةَ عرشِهِ، ومِدَادَ كلماتِهِ".
"وعن جُويرِيَة": كان اسمها بَرّة، غيَّره ﵊ إلى جُوِيْرِيَة.
"أن النبي ﵊ خرج من عندها بُكْرَةً"؟ إلى المسجد "حين صلَّى الصبح"؛ أي: حين أراد أن يصلي الصبح.
"وهي في مسجدها"؛ أي: في الموضع الذي هَيَّأَتْهُ للصلاة.
"ثم رجع بعد أن أَضْحَى"؛ أي: دخل في وقت الضحى، وقيل: أي:
стр. 1220
بعد أن صلَّى صلاة الضحى.
"وهي جالسةٌ، فقال: ما زلْتِ على الحال التي فارقتُكِ عليها؟ قالت: نعم، قال النبي ﵊: لقد قلْتُ بعدك"؛ أي: بعد أن خرجت من عندك.
"أربعَ كلماتٍ، ثلاث مرَّات، لو وُزِنَتْ"؛ أي: قُوبِلَتْ.
"بما قلْتِ"؛ أي: بجميع ما قُلْتِ من الذِّكْرِ.
"منذُ اليوم لورنَتْهُنَّ"؛ أي: لسَاوَتْهُنَّ في الوزن، أو هو من باب المغالبة؛ أي: لغلبتهن بالوزن، والضمير عائدٌ إلى (ما) باعتبار معناها.
"سبحان الله وبحمده عددَ خلقه": نصبٌ على المصدر؛ أي: أعدُّ تسبيحة وتحميدة عددَ خلقه؛ أي: بعدد كل واحد من مخلوقاته.
"ورضا نفسه"؛ أي: بقدر ما يرضاه.
"وزِنَة عرشه"؛ أي: بثقل عرشه.
"ومِدَادَ كلماته"؛ (المداد): مصدر مثل المدد، وهو الزيادة والكثرة؛ أي: بمقدار ما يساويها في الكثرة بمعيارٍ، أو كيلٍ، أو وزنٍ، أو ما أشبهه من وجوه الحصر والتقدير.
وهذا تمثيل يراد به التقريب؛ لأن الكلام لا يدخل في الكيل، وكلماته تعالى هو كلامه، وهو صفة، وصفاته لا تنحصر بالعدد، فالمراد إذًا المجاز مبالغةً في الكثرة.
أو (كلماته): كتبه وصحفه المنزَّلة، و (كلماته) أيضًا تطلق على جميع أوامره، وعلى الموجودات.
стр. 1221
١٦٤٧ - وقال: "مَن قال: لا إلهَ إلَاّ الله وحدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ، ولهُ الحَمْدُ، وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، في يومٍ مائةَ مَرَّةٍ؛ كانَتْ لهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقابٍ، وكُتِبَتْ لهُ مائةُ حَسَنةٍ، ومُحِيَتْ عنهُ مائةُ سَيِّئةٍ، وكانَ لهُ حِرزًا مِنَ الشيطانِ يومَهُ ذلكَ حتى يُمسيَ، ولَمْ يأْتِ أحدٌ بأفضلَ مما جاء به إلا رجلٌ عملَ أكثرَ منه".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : مَنْ قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ، في يوم مئة مرة كانت له عِدل" بكسر العين وفتحها، بمعنى المِثْل.
"عشر رقاب"؛ أي: ثواب عتق عشر رقاب، وهو جمع رقبة.
"وكُتبت له مئة حسنة، ومُحيت"؛ أي: أُزيلَت.
"عنه مئة سيئة، وكانت"؛ أي: هذه الكلمة، أو هذه التهليلة.
"له حِرْزًا"؛ أي: حفظًا ومنعًا.
"من الشيطان يومَه ذلك حتى يمسي"، قال النووي: هذا أجر المئة، ولو زاد عليها لزاد الثواب، وهذه المئة أعم من أن تكون متوالية أو متفرقة، ولكن الأفضل أن تكون متوالية وأن تكون في أول النهار؛ لتكون حِرْزًا في جميع نهاره.
"ولم يأتِ أحدٌ بأفضل مما جاء به إلا رجل عمل أكثر منه" بأي عملٍ كان من الحسنات.
١٦٤٨ - وقال: "لا حول ولا قوةَ إلَاّ بالله العَليِّ العظيم كَنْزٌ من كُنوزِ الجنَّةِ".
стр. 1222
"عن أبي موسى ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا حول ولا قوة إلا بالله"، قيل: معناه: لا حركة ولا قوَّة إلا بمشيئة الله تعالى، وقيل: (الحول): الحيلة، وهي ما يتوصل به إلى حالة ما في خفية؛ أي: لا تَوَصُّلَ إلى تدبير أمرٍ أو تغيير حالٍ إلا بمشيئة الله تعالى ومعونته.
وقيل: معناه: لا تحول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بتوفيق الله تعالى وإقداره على ذلك.
"كنزٌ من كنوز الجنة"، والمراد: أن هذا الذِّكْر يُدَّخر لقائله، ويعدُّ من الأجر والثواب ما يقع له في الجنة موقِعَ الكنز في الدنيا، ولا شكَّ أن الجنة وما يؤدِّي إليها خير الكنوز.
مِنَ الحِسَان:
١٦٤٩ - قال: "مَن قالَ: سُبحانَ الله العَظيم وبحمدِهِ؛ غُرِسَت لهُ نخلةٌ في الجنَّةِ".
"من الحسان":
" عن جابرٍ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : من قال: سبحان الله العظيم وبحمده غُرِسَتْ له نخلةٌ في الجنة" بكل مرةٍ قالها، وإنما خصَّ النَّخل؛ لأنها أنفع الأشجار وأطيبها ثمرًا.
١٦٥٠ - وقال: "ما مِن صَباحٍ يُصْبحُ العِبادُ إلَاّ منادٍ يُنادي: سَبحُوا الملِكَ القُدُّوس".
"وعن الزبير ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ما من صباحٍ يُصْبحُ العباد
стр. 1223
إلا منادٍ يُنادي: سَبِّحوا الملك القُدُّوس"؛ أي: قولوا: سبحان الملك القدوس، أو قولوا: سبوح قدوسٌ ربُّ الملائكة والروح.
١٦٥١ - وقال: "أفضلُ الذِّكر: لا إلهَ إلَاّ الله، وأفْضَل الدُّعاءِ: الحَمْدُ للهِ".
"وعن جابرٍ ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : أفضل الذِّكر: لا إله إلا الله"؛ لأن في هذه الكلمة: توحيده تعالى، وإثبات الألوهية لله تعالى، ونفيها عما عداه، وبه صحَّة الإيمان، أو بما في معناه، وليس هذا فيما سواه من الأذكار.
"وأفضل الدعاء: الحمد لله"؛ لأن الدُّعاء عبارة عن أن يَذْكُرَ ربَّه ويطلب منه شيئاً، وكلاهما موجود في (الحمد لله) فإن من قال: (الحمد لله) فقد دعا الله على وجه التَّعظيم، وطلب منه الزيادة لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧]، ولذا جعل فاتحة الكتاب أم القرآن.
١٦٥٢ - وقال: "الحَمْدُ للهِ رأْسُ الشُّكرِ، ما شَكَرَ الله عبدٌ لا يَحْمَدُهُ".
"وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: قال رسول الله ﷺ : الحمد رأس الشكر"؛ لأنه أدلُّ على مكان النعمة؛ لخفاء الاعتقاد، ولما في أعمال الجوارح من الاحتمال، فجعل الحمد باللسان رأس الشكر وأصله.
"ما شَكَرَ الله عبدٌ لا يحمده" فيكون التَّارك للحمد كالمعرض عن الشكر رأسًا، فهو إحدى شعب الشكر، فالحمد هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري، والشكر هو مقابلة النعمة قولاً بذكرها والثناء الحسن عليها، وعملاً بالجوارح بمكافأتها حسب الطاقة، أو اعتقادًا بتصور نعمة المنعم.
стр. 1224
١٦٥٣ - وقال: "أوَّلُ مَن يُدعَى إلى الجنَّةِ يومَ القيامةِ: الذينَ يَحمَدُونَ الله في السَّرَّاءَ والضَّرَّاءَ".
"وعن اين عباسٍ ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : أول من يُدْعَى إلى الجنة يوم القيامة الذين يحمدون الله تعالى في السَّرَّاء"؛ أي: الرَّخَاء، "والضَّرَّاء"؛ أي: الشدة، وقيل: السَّرَّاء؛ أي: الغنى، والضَّرَّاء: الفقر؛ أي: الذين يرضون عن الله بما أجرى عليهم من الحكم غنًى كان أو فقرًا، شدةً كانت أو رخاءً، وهذا هو الكمال في العبودية.
١٦٥٤ - قال رسولُ الله ﷺ : "وقال مُوسَى: يا ربِّ، علِّمني شيئًا أَذْكُرُكَ بهِ، قال قُل: لا إلهَ إلَاّ الله، لو أن السَّماواتِ السَّبع وعامِرَهُنَّ غيرِي، والأَرَضيْنَ السَّبعَ وُضعْنَ في كِفَّةٍ، ولا إلهَ إلَاّ الله في كفةٍ لَمَالَتْ بهنَّ لا إلهَ إلَاّ الله".
"وعن أبي سعيدٍ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : قال موسى ﷺ : يا ربِّ! علِّمني شيئًا أذكرك به؟ قال تعالى: قل: لا إله إلا الله، لو أن السَّموات السَّبع وعامِرَهُنَّ": عامر المكان من به عمارة ذلك المكان وصلاحه، والمراد هنا: جنس من يعمرها من المَلَك وغيره، والله تعالى عامرها خَلْقًا وحِفْظًا، وقد دخل فيه منْ حيث يتوقف عليه صلاحها توقفهن على الساكن فيهنَّ، ولذا استثنى وقال: "غيري"، أو يراد بالعامر: الحاضر والله تعالى حاضرٌ فيهنَّ علمًا واطلاعًا.
"والأرضين السبع وضعن في كِفَّة" بكسر الكاف وتشديد الفاء، هو الميزان يطلق لكل مستدير.
стр. 1225
"ولا إله إلا الله في كفةٍ لمالَتْ بهنَّ لا إله إلا الله"؛ والمراد: أن مفهوم هذه الكلمات لو وُزِنَتْ بالسماوات ويالملائكة الموكَّلين عليها ويالأرضين السبع لرجحت هذه الكلمات، كيف لا وجميع ما سوى الله بالنظر إلى وجوده تعالى كالمعدوم الفاني، إذ كل شيءٍ هالكٌ إلا وجهه، والمعدوم لا يوازن الله الثابت الموجود.
١٦٥٥ - وعن أبي سَعيد الخُدْري، وأبي هُريرة، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ قَالَ: لا إلهَ إلَاّ الله والله أكبرُ؛ صَدَّقَهُ ربُّه، قالَ: لا إلهَ إلَاّ أنا، وأنا أكَبَرُ، وإذا قالَ: لا إلهَ إلَاّ الله وحدَهُ لا شريكَ له، يقولُ الله: لا إلهَ إلَاّ أَنا وحدِي لا شَريكَ لي، وإذا قالَ: لا إلهَ إلا الله لهُ الملكُ وله الحمدُ، قال: لا إلهَ إلَاّ أنا، ليَ الملكُ، وليَ الحمدُ، وإذا قالَ: لا إلهَ إلَاّ الله، لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَاّ بالله، قالَ: لا إلهَ إلا أنا، لا حَوْلَ ولا قوَّةَ إلَاّ بيَ"، وكانَ يقولُ: "مَن قالَها في مرَضهِ، ثم ماتَ لم تَطْعَمْهُ النارُ".
"وعن أبي سعيدٍ الخدري وأبي هريرة عن النبي ﵊ أنه قال: من قال: لا إله إلا الله والله أكبر صدَّقه ربه فقال: لا إله إلا أنا، وأنا أكبر، وإذا قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له يقول الله: لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، وإذا قال: لا إله إلا الله له الملك وله الحمد قال: لا إله إلا أنا لي الملك ولي الحمد، وإذا قال: لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله قال: لا إله إلا أنا ولا حول ولا قوة إلا بي، وكان"؛ أي: النبي ﷺ "يقول: من قالها"؛ أي: هذه الكلمات.
"في مرضه ثم مات لم تطعمه النار"؛ أي: لم تأكله، استعار الطعمة للإحراق مبالغةً.
стр. 1226
١٦٥٦ - وعن سَعْد بن أبي وقَّاص ﵁: أنه دخلَ معَ النبيِّ ﷺ على امرأةٍ وبينَ يَدَيْهَا نَوًى، أو حَصًى تُسَبحُ به، فقالَ: "ألا أخبرُكِ بما هوَ أَيْسَرُ عليكِ مِن هذا وأفْضَل؟، سُبحانَ الله عدَدَ ما خلقَ في السَّماءِ، وسبحانَ الله عددَ ما خلقَ في الأَرضِ، وسبحانَ الله عددَ ما بينَ ذلكَ، وسبحانَ الله عددَ ما هوَ خالِقٌ، والله أكبُر مثْلَ ذلكَ، والحَمْدُ للهِ مثلَ ذلكَ، ولا إله إلَاّ الله مثلَ ذلكَ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَاّ بالله مثلَ ذلكَ"، غريب.
"وعن سعد بن أبي وقاص: أنه دخل مع النبي ﵊ على امرأةٍ وبين يديها نَوَى": نواة التمر.
"أو حصا"؛ جمع حصاة، (أو) هذه تردد من الراوي.
"تسبِّح به فقال: ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل؟ " شكٌ من الراوي أنه ﵊ قال: (أيسر عليك) أو قال: (أفضل)، وقيل: يمكن أن يكون (أو) بمعنى (بل).
"سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق"؛ أي: خالقه.
"والله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك"؛ أي: (اللُّه أكبر) عدد ما خلق في السماوات، والله أكبر عدد ما خلق في الأرض، و (الله أكبر) عدد ما هو خالقٌ، وكذا في أخواته.
"ولا إله إلا الله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك"، وإنما كان أفضل لأنه اعترافٌ بالقصور، وأنه لا يقدر أن يحصى ثناؤه، وفي العد بالنَّواة إقدام على أنه قادرٌ على الإحصاء.
"غريب".
стр. 1227
١٦٥٧ - وقال: "مَن سَبَّحَ الله مائةً بالغَداةِ، ومائةً بالعَشِيِّ كَانَ كَمَنْ حَجَّ مائةَ حَجَةٍ، ومَنْ حَمِدَ الله مائةً بالغَداةِ، ومائةً بالعَشِيِّ كَانَ كَمَنْ حمَلَ على مائةِ فرَسٍ في سَبيلِ الله، ومَنْ هَلَّلَ الله مائةً بالغَداةِ، ومائةً بالعَشِي كَانَ كَمَنْ أعتقَ مائةَ رقبةٍ مِن وَلَدِ إسْماعيلَ، ومَن كبَّرَ الله مائةً بالغَداةِ، ومائةً بالعَشِي لم يأتِ في ذلكَ اليومِ أحدٌ بأَكْثرَ ممَّا أتَى به إلَاّ مَن قالَ مثلَ ذلكَ، أو زادَ على ما قالَ"، غريب.
"عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : من سبَّح الله مئةً بالغداة ومئةً بالعشي كان كمن حج مئة حَجَّة، ومن حمد الله مئة بالغداة ومئةً بالعشي كان كمن حمل على مئة فرسٍ في سبيل الله، ومن هلل الله"؛ قال: لا إله إلا الله.
"مئةً بالغداة ومئةً بالعشي كان كمن أعتق مئة رقبة من وُلْد إسماعيل" بالضم ثم السكون، هو الرواية، وهو كالوَلَد - بفتحتين - يقع على الواحد والاثنين والجمع، والمراد من (ولد إسماعيل): العرب؛ لأنهم أفضل أصناف الناس.
"ومن كبَّر الله مئةً بالغداة ومئةً بالعشي لم يأت في ذلك اليوم أحدٌ بأكثر مما أتى به"؛ أي: لم يأتِ أحدٌ يوم القيامة بأفضل مما جاء به؛ أي: بمثله.
"إلا من قال: مثل ذلك أو زاد على ما قال".
"غريب".
١٦٥٨ - وقال: "التَّسبيحُ نِصْفُ الميزانِ، والحَمْدُ للهِ يَمْلَؤُهُ، ولا إلهَ إلَاّ الله ليسَ لها حجابٌ دونَ الله حتَّى تَخْلُصَ إليهِ"، غريب.
стр. 1228
"وعنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : التَّسبيح نصف الميزان، الحمد لله يملؤه"، المراد منه: إما بيان التَّسوية بينهما لِملء كلٍّ منهما نصفًا، فيملآن معًا الميزان، وذلك لأن الأذكار التي هي أم العبادات البدنية تنحصر في نوعين: أحدهما التَّنزيه، والآخر التَّحميد، والتَّسبيح يستوعب القسم الأول، والتَّحميد يتضمن القسم الثاني، فكان كلٌّ منهما نصف الميزان، وكلاهما يملآنه.
وإليه أشار ﵊ بقوله: "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان".
وأما بيان تفضيل الحمد على التسبيح، فإن ثوابه ضعف ثواب التسبيح؛ لأن التسبيح نصف الميزان والتحميد وحده يملؤه، وذلك لأن الحمد المطلق إنما يستحقه من كان مبرأً عن النقائض منعوتًا بنعوت الجلال وصفات الإكرام، فيكون الحمد شاملاً للأمرين، دالاً عليهما، وإليه أشار بقوله: "بيدي لواء الحمد يوم القيامة".
"ولا إله إلا الله ليس لها حجابٌ دون الله"؛ أي: عند الله تعالى.
"حتى يخلص"؛ أي: يصل "إليه": وينتهي إلى محل القَبول، والمراد بهذا وأمثاله: سرعة القبول، وكثرة الثواب.
"غريب".
١٦٥٩ - وقال: "ما قال عَبْدٌ: لا إلهَ إلَاّ الله مُخلِصًا قطُّ إلَاّ فُتِحَتْ له أبوابُ السَّماءِ حتَّى تُفضيَ إلى العَرشِ ما اجتَنَب الكَبائَرِ"، غريب.
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ما قال عبد: لا إله إلا الله مخلصًا قط إلا فُتِحَتْ له أبواب السماء حتى يفضي"؛ أي: يصل "إلى العرش
стр. 1229
ما اجتَنَبَ الكبائر"، أشار به إلى أن كمال السرعة والقبول مقيد باجتناب الكبائر، وإلا فمطلق الثواب يترتب عليه، لكن للمجتنب أتمُّ وأكمل.
"غريب".
١٦٦٠ - وقال: "لَقِيْتُ إبراهيمَ صلوات الله عليهما ليلةَ أُسريَ بي، فقال: يا محمدُ، أَقرِئْ أُمَّتَكَ مني السَّلامَ، وأَخبرْهم: أن الجنَّةَ طَيبةُ التُّربةِ، عَذْبةُ الماءِ وأنَّها قِيْعانٌ، وأنَّ غِراسَها: سُبحانَ الله، والحَمْدُ للهِ، ولا إلهَ إلَاّ الله، والله أكبرُ"، غريب.
"وعن ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لقيْتُ إبراهيم ليلة أُسْرِيَ بي"؛ أي: ليلة المعراج.
"فقال: يا محمد! أقرئ أُمَّتك"؛ أي: أوصلهم.
"منِّي السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة": وهي التراب؛ أي: تراب الجنة طيب.
"عذبة الماء"؛ أي: ماؤها حلوٌ طيب.
"وأنها قِيعان" بكسر القاف: جمع قاع، وهو الأرض المستوية الخالية من الشجرة، والقيعة مثله.
"وأن غِراسها" بكسر الغين المعجمة، جمع: غَرسٍ - بالفتح -، وهو ما يُغْرَس، والغِرَاس إنما يصلح في التربة الطيبة، وينمو بالماء العذب، وأحسن ما يتأتى في القيعان.
"سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"؛ يعني: أن هذه
стр. 1230
الكلمات تُورث قائلها النخلة فأطلق اسم السبب وإرادة المسبب.
"غريب".
١٦٦١ - عن يُسَيْرةَ - كانت مِنَ المُهاجِرَاتِ - قالت: قالَ لنا رسولُ الله ﷺ : "عليكنَّ بالتسبيح، والتَّهليل، والتقديسِ، واعْقِدْنَ بالأَنامِلِ، فإنَّهُنَّ مَسْؤُولاتٍ مُستَنْطَقَاتٌ، ولا تَغْفُلْنَ، فتُنْسَينَ الرَّحمَة".
"عن يسيرة بنت ياسر وكانت من المهاجرات قالت: قال لنا رسول الله ﷺ : عليكنَّ بالتَّسبيح"، هذا تحريض وإغراء؛ أي: الْزَمْنَ التَّسبيح؛ أي: قول: سبحان الله.
"والتهليل"؛ أي: قول: لا إله إلا الله.
"والتقديس"؛ أي: قول: سبوحٌ قدوس رب الملائكة والروح، والمراد: جنس الذِّكْرِ أيَّ لفظ كان.
"واعقِدْنَ بالأنامل": عقد الشيء بالأنملة: عده؛ حرضهُنَّ ﵊ على أن يحصِيْنَ تلك الكلمات بأناملهنَّ؛ ليحط بذلك من الذنوب يدل على أنهُنَّ كُنَّ يعرفْنَ عقد الحساب.
"فإنهن"؛ أي: الأنامل.
"مَسْؤولات"؛ أي: يُسْأَلْنَ يوم القيامة عما اكتسبن، بأي شيءٍ استُعملت.
"مُسْتَنْطَقَات" بخلق النُّطق فيها، فيشهدْنَ لصاحبهنَّ أو عليه، وفيه حثٌّ على استعمال الأعضاء فيما يرضي الربَّ تعالى، وتعريض بالتحفظ عن الفواحش والآثام.
"ولا تغفُلْنَ": عن الذِّكْرِ.
следующие страницы →