Полный текст (3 421 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.
стр. 1226
١٦٥٦ - وعن سَعْد بن أبي وقَّاص ﵁: أنه دخلَ معَ النبيِّ ﷺ على امرأةٍ وبينَ يَدَيْهَا نَوًى، أو حَصًى تُسَبحُ به، فقالَ: "ألا أخبرُكِ بما هوَ أَيْسَرُ عليكِ مِن هذا وأفْضَل؟، سُبحانَ الله عدَدَ ما خلقَ في السَّماءِ، وسبحانَ الله عددَ ما خلقَ في الأَرضِ، وسبحانَ الله عددَ ما بينَ ذلكَ، وسبحانَ الله عددَ ما هوَ خالِقٌ، والله أكبُر مثْلَ ذلكَ، والحَمْدُ للهِ مثلَ ذلكَ، ولا إله إلَاّ الله مثلَ ذلكَ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَاّ بالله مثلَ ذلكَ"، غريب.
"وعن سعد بن أبي وقاص: أنه دخل مع النبي ﵊ على امرأةٍ وبين يديها نَوَى": نواة التمر.
"أو حصا"؛ جمع حصاة، (أو) هذه تردد من الراوي.
"تسبِّح به فقال: ألا أخبرك بما هو أيسر عليك من هذا أو أفضل؟ " شكٌ من الراوي أنه ﵊ قال: (أيسر عليك) أو قال: (أفضل)، وقيل: يمكن أن يكون (أو) بمعنى (بل).
"سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق"؛ أي: خالقه.
"والله أكبر مثل ذلك، والحمد لله مثل ذلك"؛ أي: (اللُّه أكبر) عدد ما خلق في السماوات، والله أكبر عدد ما خلق في الأرض، و (الله أكبر) عدد ما هو خالقٌ، وكذا في أخواته.
"ولا إله إلا الله مثل ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك"، وإنما كان أفضل لأنه اعترافٌ بالقصور، وأنه لا يقدر أن يحصى ثناؤه، وفي العد بالنَّواة إقدام على أنه قادرٌ على الإحصاء.
"غريب".
стр. 1227
١٦٥٧ - وقال: "مَن سَبَّحَ الله مائةً بالغَداةِ، ومائةً بالعَشِيِّ كَانَ كَمَنْ حَجَّ مائةَ حَجَةٍ، ومَنْ حَمِدَ الله مائةً بالغَداةِ، ومائةً بالعَشِيِّ كَانَ كَمَنْ حمَلَ على مائةِ فرَسٍ في سَبيلِ الله، ومَنْ هَلَّلَ الله مائةً بالغَداةِ، ومائةً بالعَشِي كَانَ كَمَنْ أعتقَ مائةَ رقبةٍ مِن وَلَدِ إسْماعيلَ، ومَن كبَّرَ الله مائةً بالغَداةِ، ومائةً بالعَشِي لم يأتِ في ذلكَ اليومِ أحدٌ بأَكْثرَ ممَّا أتَى به إلَاّ مَن قالَ مثلَ ذلكَ، أو زادَ على ما قالَ"، غريب.
"عن عبد الله بن عمرو ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : من سبَّح الله مئةً بالغداة ومئةً بالعشي كان كمن حج مئة حَجَّة، ومن حمد الله مئة بالغداة ومئةً بالعشي كان كمن حمل على مئة فرسٍ في سبيل الله، ومن هلل الله"؛ قال: لا إله إلا الله.
"مئةً بالغداة ومئةً بالعشي كان كمن أعتق مئة رقبة من وُلْد إسماعيل" بالضم ثم السكون، هو الرواية، وهو كالوَلَد - بفتحتين - يقع على الواحد والاثنين والجمع، والمراد من (ولد إسماعيل): العرب؛ لأنهم أفضل أصناف الناس.
"ومن كبَّر الله مئةً بالغداة ومئةً بالعشي لم يأت في ذلك اليوم أحدٌ بأكثر مما أتى به"؛ أي: لم يأتِ أحدٌ يوم القيامة بأفضل مما جاء به؛ أي: بمثله.
"إلا من قال: مثل ذلك أو زاد على ما قال".
"غريب".
١٦٥٨ - وقال: "التَّسبيحُ نِصْفُ الميزانِ، والحَمْدُ للهِ يَمْلَؤُهُ، ولا إلهَ إلَاّ الله ليسَ لها حجابٌ دونَ الله حتَّى تَخْلُصَ إليهِ"، غريب.
стр. 1228
"وعنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : التَّسبيح نصف الميزان، الحمد لله يملؤه"، المراد منه: إما بيان التَّسوية بينهما لِملء كلٍّ منهما نصفًا، فيملآن معًا الميزان، وذلك لأن الأذكار التي هي أم العبادات البدنية تنحصر في نوعين: أحدهما التَّنزيه، والآخر التَّحميد، والتَّسبيح يستوعب القسم الأول، والتَّحميد يتضمن القسم الثاني، فكان كلٌّ منهما نصف الميزان، وكلاهما يملآنه.
وإليه أشار ﵊ بقوله: "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان".
وأما بيان تفضيل الحمد على التسبيح، فإن ثوابه ضعف ثواب التسبيح؛ لأن التسبيح نصف الميزان والتحميد وحده يملؤه، وذلك لأن الحمد المطلق إنما يستحقه من كان مبرأً عن النقائض منعوتًا بنعوت الجلال وصفات الإكرام، فيكون الحمد شاملاً للأمرين، دالاً عليهما، وإليه أشار بقوله: "بيدي لواء الحمد يوم القيامة".
"ولا إله إلا الله ليس لها حجابٌ دون الله"؛ أي: عند الله تعالى.
"حتى يخلص"؛ أي: يصل "إليه": وينتهي إلى محل القَبول، والمراد بهذا وأمثاله: سرعة القبول، وكثرة الثواب.
"غريب".
١٦٥٩ - وقال: "ما قال عَبْدٌ: لا إلهَ إلَاّ الله مُخلِصًا قطُّ إلَاّ فُتِحَتْ له أبوابُ السَّماءِ حتَّى تُفضيَ إلى العَرشِ ما اجتَنَب الكَبائَرِ"، غريب.
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ما قال عبد: لا إله إلا الله مخلصًا قط إلا فُتِحَتْ له أبواب السماء حتى يفضي"؛ أي: يصل "إلى العرش
стр. 1229
ما اجتَنَبَ الكبائر"، أشار به إلى أن كمال السرعة والقبول مقيد باجتناب الكبائر، وإلا فمطلق الثواب يترتب عليه، لكن للمجتنب أتمُّ وأكمل.
"غريب".
١٦٦٠ - وقال: "لَقِيْتُ إبراهيمَ صلوات الله عليهما ليلةَ أُسريَ بي، فقال: يا محمدُ، أَقرِئْ أُمَّتَكَ مني السَّلامَ، وأَخبرْهم: أن الجنَّةَ طَيبةُ التُّربةِ، عَذْبةُ الماءِ وأنَّها قِيْعانٌ، وأنَّ غِراسَها: سُبحانَ الله، والحَمْدُ للهِ، ولا إلهَ إلَاّ الله، والله أكبرُ"، غريب.
"وعن ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لقيْتُ إبراهيم ليلة أُسْرِيَ بي"؛ أي: ليلة المعراج.
"فقال: يا محمد! أقرئ أُمَّتك"؛ أي: أوصلهم.
"منِّي السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة": وهي التراب؛ أي: تراب الجنة طيب.
"عذبة الماء"؛ أي: ماؤها حلوٌ طيب.
"وأنها قِيعان" بكسر القاف: جمع قاع، وهو الأرض المستوية الخالية من الشجرة، والقيعة مثله.
"وأن غِراسها" بكسر الغين المعجمة، جمع: غَرسٍ - بالفتح -، وهو ما يُغْرَس، والغِرَاس إنما يصلح في التربة الطيبة، وينمو بالماء العذب، وأحسن ما يتأتى في القيعان.
"سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر"؛ يعني: أن هذه
стр. 1230
الكلمات تُورث قائلها النخلة فأطلق اسم السبب وإرادة المسبب.
"غريب".
١٦٦١ - عن يُسَيْرةَ - كانت مِنَ المُهاجِرَاتِ - قالت: قالَ لنا رسولُ الله ﷺ : "عليكنَّ بالتسبيح، والتَّهليل، والتقديسِ، واعْقِدْنَ بالأَنامِلِ، فإنَّهُنَّ مَسْؤُولاتٍ مُستَنْطَقَاتٌ، ولا تَغْفُلْنَ، فتُنْسَينَ الرَّحمَة".
"عن يسيرة بنت ياسر وكانت من المهاجرات قالت: قال لنا رسول الله ﷺ : عليكنَّ بالتَّسبيح"، هذا تحريض وإغراء؛ أي: الْزَمْنَ التَّسبيح؛ أي: قول: سبحان الله.
"والتهليل"؛ أي: قول: لا إله إلا الله.
"والتقديس"؛ أي: قول: سبوحٌ قدوس رب الملائكة والروح، والمراد: جنس الذِّكْرِ أيَّ لفظ كان.
"واعقِدْنَ بالأنامل": عقد الشيء بالأنملة: عده؛ حرضهُنَّ ﵊ على أن يحصِيْنَ تلك الكلمات بأناملهنَّ؛ ليحط بذلك من الذنوب يدل على أنهُنَّ كُنَّ يعرفْنَ عقد الحساب.
"فإنهن"؛ أي: الأنامل.
"مَسْؤولات"؛ أي: يُسْأَلْنَ يوم القيامة عما اكتسبن، بأي شيءٍ استُعملت.
"مُسْتَنْطَقَات" بخلق النُّطق فيها، فيشهدْنَ لصاحبهنَّ أو عليه، وفيه حثٌّ على استعمال الأعضاء فيما يرضي الربَّ تعالى، وتعريض بالتحفظ عن الفواحش والآثام.
"ولا تغفُلْنَ": عن الذِّكْرِ.
стр. 1231
"فتنَسَّيْنَ الرَّحمة" بصيغة المجهول: من الإنساء، والمراد بنسيان الرحمة: نسيان أسبابها، يعني: لا تتركْنَ الذكْرَ فإنكنَّ لو تركتنَّ الذِّكْرَ لحرمتُنَّ ثوابه، فإن الله تعالى قال: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢].
٥ - باب الاستِغفار والتَّوبة
(باب الاستغفار والتوبة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٦٦٢ - قال رسولُ الله ﷺ : "والله إِنِّي لأَستغفِرُ الله وأتوبُ إليهِ في اليومِ أكثرَ من سَبْعينَ مرَّةً".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرةً"، توبته ﵊ كل يوم سبعين مرةً واستغفاره ليس لذنبٍ صَدَرَ منه؛ لأنه معصومٌ، بل لاعتقاد قصوره في العبودية عما يليق بحضرة ذي الجلال والإكرام، وحثٌّ للأمة على التوبة والاستغفار.
فإنه ﵊ مع كونه معصومًا، وكونه خير المخلوقات يستغفر ويتوب إلى ربه في كل يومٍ أكثر من سبعين مرةً، فكيف بالمذنبين؟! والاستغفار: طلب المغفرة بالمقال والفِعَال جميعًا، والمغفرة من الله: أن يصون العبد من أن يمسَّه عذابٌ.
قال علي ﵁: كان في الأرض أمانان من عذاب الله، فرفع أحدهما،
стр. 1232
فدونكم الآخر فتمسكوا به، أما المرفوع فرسول الله ﷺ ، وأما الباقي منهما فالاستغفار، (١) قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣] * * *
١٦٦٣ - وقال "إنه لَيُغَانُ على قَلْبي، وإنِّي أَسْتَغْفِرُ الله في اليومِ مائةَ مرَّةٍ".
"وعنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إنه"؛ أي: إنَّ الشأن.
"لَيُغَان على قلبي"؛ أي: يُغَطَّى عليه، من الغَيْن وهو السَّتْر، وقوله: (على قلبي) في موضع الرفع لنيابته عن فاعل (يغان)، يعني: ليستر قلبي ويمنعه عن الحضور شيءٌ من السهو الذي لا يخلو منه البشر.
قيل: لما كان ﵊ أتم القلوب صفاءً وأكثرها ضياءً، وكان لم يكن له بدٌ من النزول إلى الرُّخص، والالتفات إلى حظوظ النفس من معاشرة الأزواج والأولاد والأكل والشرب والنوم، فكان إذا تعاطى شيئًا من ذلك أسرع كدورته إلى القلب لكمال رقَّته وفَرْطِ نورانيته، فكان إذا أحسَّ بشيء من ذلك يلوم نفسه بترك كمال الحضور، ويعده تقصيرًا ويستغفر منه، ولذا قال: "وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة".
* * *
١٦٦٤ - وقال: "يا أيُّها الناسُ، توبُوا إلى الله، فإنِّي أَتوُبُ في اليومِ مائةَ مرَّةٍ".
"وعن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : يا أيها الناس! توبوا إلى الله فإني أتوب إليه في اليوم مئة مرة".
* * *
стр. 1233
١٦٦٥ - وقالَ فيما يَروي عن الله تعالَى أنه قال: "يا عِبَادِي!، إنِّي حرَّمْتُ الظُّلمَ على نفْسي، وجعلْتُهُ بينَكم مُحرَّمًا، فلا تَظَالَمُوا، يا عِبَادي!، كلُّكُمْ ضَالٌّ إلَاّ مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُوني أَهْدِكُم، يا عِبادِي!، كُلُّكُمْ جَائِعٌ إِلَاّ مَنْ أَطعَمْتُهُ، فَاسْتَطْعمُوني أُطْعِمْكُمْ، يا عِبادي!، كلُّكم عارٍ إلَاّ مَن كَسَوْتُه، فاسْتَكْسُوني أكْسُكُم، يا عِبَادي!، إنَّكم تُخْطِئونَ باللَّيلِ والنَّهارِ، وأنا أغفرُ الذُّنوب جميعًا، فاستغفروني أَغْفِرْ لكم، يا عِبَادي!، إنكم لنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فتضُرُّوني، ولنْ تَبلُغوا نفْعي فَتَنْفَعُوني، يا عِبَادي!، لو أن أوَّلَكم وآخِرَكُمْ وإنْسَكُم وجِنَّكُم كانُوا على أَتْقَى قَلْبِ رجلٍ واحدٍ منكم ما زادَ ذلكَ في مُلْكي شيئًا، يا عِبَادي، لو أن أَوَّلَكم وآخِرَكُم وإنْسَكْم وجِنَّكم كانوا على أفجرِ قلبِ رجلٍ واحدٍ منكم ما نقَصَ ذلكَ من ملكي شيئًا، يا عِبَادي!، لو أن أوَّلَكم وآخِرَكُم وإنسَكُم وجِنَّكم قامُوا في صَعيدٍ واحدٍ، فسأَلَوني، فأعطَيْتُ كلَّ إنْسانٍ مَسْأَلتَهُ، ما نقَصَ ذلكَ مما عِنْدي إلَاّ كما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذا أُدْخِلَ البَحْرَ، يا عِبَادي!، إنَّما هي أَعمالُكم أُحْصِيها علَيكُم، ثم أُوَفِّيكم إيَّاها، فمَن وجدَ خَيْراً فليَحْمَدِ الله، ومَن وجدَ غيرَ ذلك فلا يَلُومَنَّ إلَاّ نفسَه"، رواهُ أبو ذَرٍّ، وكان أبو إدريسَ الخَوْلانيُّ إذا حدَّث بهذا الحديثِ جَثَا على رُكبتيْهِ.
"وعن أبي ذر أنه قال: قال رسول الله ﷺ فيما يروي عن الله تعالى أنه قال: يا عبادي! إني حرَّمْتُ الظُّلم على نفسي"؛ أي: تقدستُ وتعاليتُ عن الظلم، فهو في حقِّي كالشيء المحرَّم على الناس.
"وجعلته بينكم محرماً"؛ أي: حَرَّمْتُ عليكم ومنعتكم منه شرعًا.
"فلا تَظالموا" بفتح التاء، حذفت إحدى التاءين تخفيفًا.
"ياعبادي! كلُّكم ضالٌ"، قيل المراد به: وصفهم بما كانوا عليه قبل بعثة النبي ﷺ ، لا أنهم خلقوا على الضلالة، والأوجه أن يراد: أنهم لو تُرِكُوا بما
стр. 1234
في طِباعهم من الشَّهوات وإهمال النظر لضلُّوا.
"إلا من هديته، فاستهدوني أهدِكُم، يا عبادي! كلُّكم جائعٌ إلا من أطعمته، فاستطعموني أُطْعِمْكُمْ، يا عبادي! كلكم عارٍ إلا من كَسَوْتُه فاستكْسُوني أكْسُكُمْ"؛ المراد بالإطعام والكسوة: بسطهما.
"يا عبادي! إنكم تخطئون" بضم التاء، وروي بفتحها وفتح الطاء؛ أي: تذنبون.
"بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم، يا عبادي! إنكم لن تبلغوا ضُرِّي فَتَضُرُّوني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني"؛ أي: لا قدرة لكم على إيصال ضُرٍّ أو نفعٍ إلي، فإن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم، وإن أسأتم فلها.
"يا عبادي! لو أن أوَّلكم"؛ أي: من الأموات.
"وآخركم"؛ أي: من الأحياء.
"وإنسكم وجنكم": إنما خصَّهما لاختصاص التَّكليف بهما، وتعاقب الفجور والتقوى عليهما.
"كانوا على أتقى قلب": وفيه حذف؛ أي: على تقوى أتقى قلبٍ، أو على أتقى أحوال قلب.
"رجلٍ واحدٍ منكم"؛ أي: لو كنتم على غاية التقوى.
"ما زاد ذلك في ملكي شيئًا، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحدٍ منكم"؛ أي: كانوا على غاية الفجور والكفر.
"ما نقص ذلك من ملكي شيئًا، يا عبادي! لو أن أولكم وآخركم، وإنسكم وجنكم قاموا في صعيدٍ واحدٍ"، والمراد به: مقامٌ واحدٌ لأن اجتماع
стр. 1235
السؤال فيه وازدحام أرباب الحاجات مما يدهش المسؤول عنه يبهته ويعسر إنجاح مآربهم.
"فسألوني، فأعطيت كل إنسانٍ مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المِخْيَط" بكسر الميم؛ أي: الإبرة.
"إذا أُدْخِل البحر"؛ معناه: لا ينقص شيئًا، فضرب المثل بالمِخْيَط في البحر؛ لأنه غاية ما يُضْرَب به المثل في القِلَّة، والمقصود: التقريب إلى الأفهام بما شاهدوه؛ فإن البحر من أعظم المرئيات، والإبرة من أصغر الموجودات، مع أنها صقيلة لا يتعلق بها ماء، أو يقال: إنه من باب الفرض؛ يعني: لو فرض النقص في ملك الله تعالى لكان بهذا القدر.
"يا عبادي! إنما هي"؛ أي: إنما الأمر والقصة.
"أعمالكم"؛ أي: جزاء أعمالكم.
"أحصيها"؛ أي: أحفظها.
"عليكم"؛ أي: أحفظها عليكم وأكتبها؛ يعني: ما جزاء أعمالكم إلا محفوظ عندي لأجلكم.
"ثم أوفيكم إياها"؛ أي: أعطيكم جزاء أعمالكم تامًا وافيًا، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر.
"فمن وجد خيرًا فليحمد الله"؟؛ أي: فليعلم أنه من فضل الله؛ لأنه هو الذي وفَّقه على الطاعة والأعمال الصالحة.
"ومن وجد غير ذلك"؛ أي: شرًا.
"فلا يلومَنَّ إلا نفسَه"؛ لأنه صدر من نفسه، قيل: هذا صريحٌ في أن الخير من الله، والشر من النفس.
стр. 1236
"وكان أبو إدريس الخولاني إذا حدَّث بهذا الحديث جثى على ركبتيه"؛ تعظيمًا له.
* * *
١٦٦٦ - وقال: "كانَ في بني إسْرائيلَ رجلٌ قَتَلَ تسْعةً وتسْعينَ إنساناً، ثم خَرَجَ يَسأَلُ، فأَتى راهِباً، فسأَلَهُ، فقالَ لَهُ: أَلي تَوبةٌ؟، قال: لا، فقتَلَهُ، وجعَل يَسأَلُ، فقالَ لَهُ رجلٌ: ائْتِ قَريةَ كذا وكذا فإنَّ فيها قوماً صالحين، فأَدْركَهُ المَوتُ في الطَّريقِ، فَنَأَى بَصَدْرِهِ نَحوَها، فاختصمَتْ فيهِ ملائكةُ الرَّحمةِ وملائكةُ العَذابِ، فَأَوْحَى الله إلى هذه: أنْ تَقَرَّبي، وإلى هذه: أنْ تَبَاعِدي، وقال: قِيسُوا ما بينَهما، فَوُجِدَ إلى هذه أقربَ بشبرٍ، فَغُفِرَ لهُ".
"عن أبي سعيدٍ ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنساناً، ثم خرج": من بينهم يتردد و "يسأل" الناس قبول توبته بعد أن قتل تسعةً وتسعين إنسانًا.
"فأتى راهبًا فسأله فقال: أله"؛ أي: ألهذا الفعل "توبة؟ "، ويروى: (هل لي توبة؟).
"فقال"؛ أي: الراهب في جوابه: "لا"؛ أي: لا تقبل توبتك.
"فقتله"؛ أي: الرجل ذلك الراهب.
"وجعل يسأل فقال له رجلٌ: ائت قرية كذا وكذا"؛ أي: القرية الفلانية؛ فإنَّ فيها من يفتيك، فقصد تلك القرية.
"فأدركه الموت" قبل أن يصلها.
"فناى بصدره نحوها"؛ أي: نهض به عن القرية الأولى، وأقبل بوجهه إلى القرية التي قصدها للتوبة، (النوء): النهوض بكدِّ ومشقةٍ.
стр. 1237
"فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب"؛ يعني: قالت ملائكة الرحمة: نحن نذهب به إلى الرحمة؛ لأنه تائبٌ لتوجهه إلى هذه القرية للتوبة، وقالت ملائكة العذاب: نحن نذهب به إلى العذاب؛ لأنه قتل مئة نفسٍ ولم يتب بعد.
"فأوحى الله تعالى"؛ أي: أمر.
"إلى هذه"؛ أي: إلى القرية التي قصدها للتوبة.
"أن تقرَّبي": من هذا الميت؛ لتكون المسافة بينه وبينك أقل.
"وإلى هذه"؛ أي: القرية التي قتل فيها الراهب.
"أن تباعدي"؛ لتكون المسافة بينه وبينك أبعد.
"وقال"؛ أي: الله تعالى: (قيسوا ما بينهما)؛ أي: قدِّروا وانظروا إلى أيتهما أقرب.
"فَوُجِد إلى هذه"؛ أي: إلى القرية التي قصدها للتوبة.
"أقرب بشبرٍ، فغفر له"، وهذا يدل على غاية سعة رحمة الله لطالب التوبة من الذنب، ونهاية عنايته به، رزقنا الله ذلك بلطفه.
* * *
١٦٦٧ - وقال: "والذي نفْسي بيدِهِ لِو لَمْ تُذْنِبُوا لَذَهَبَ الله بكم، ولَجَاءَ بقَومٍ يُذْنِبُونَ، فيستغفِرُونَ الله، فيغفِرُ لهم".
"عن أبي هريرة وأبي أيوب ﵄ أنهما قالا: قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده! لو لم تُذْنِبوا لَذَهَبَ الله بكم": الباء للتعدية.
"ولجاء بقومٍ يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم"، فيه تحريضٌ على استيلاء الرجاء على الخوف.
* * *
стр. 1238
١٦٦٨ - وقال: "إنَّ الله يَبْسُطُ يَدَهُ باللَّيلِ لِيتوبَ مُسِيءُ النهارِ، ويَبْسُطُ يَدَهُ بالنَّهارِ لِيتَوبَ مُسيءُ اللَّيلِ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمسُ مِن مَغْرِبها".
"عن أبي موسى أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله تعالى يَبْسُطُ يده بالليل ليتوب مُسِيءُ النهار، ويبسُطُ يده بالنهار ليتوب مُسِيءُ الليل حتى تَطْلُعَ الشَّمس من مغربها"، (يبسط يده) تعالى: كنايةٌ عن التوسع في الجود، والاغتناء بتوبة العباد، وكثرة تجاوزه عن الذنوب؛ أي: لا يعاجلهم بالعقوبة بل يمهلهم ليتوبوا، أو عن طلب التوبة لجريان العادة عند طلب أحدٍ من أحدٍ شيئًا أن يبسط يده إليه؛ أي: يدعو المذنبين إلى التوبة.
* * *
١٦٦٩ - وقال: "مَن تابَ قبلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمسُ مِنْ مَغرِبها تابَ الله عليهِ".
"عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : إنَّ العبدَ إذا اعترَفَ"؛ أي: أقرَّ بكونه مُذنبًا وعَرَفَ ذَنْبَه.
"ثم تاب"؛ أي: ندم على ما فعل من الذنوب الماضية، وعزم فيما بعد ذلك أن لا يعود إلى الإذناب.
"تاب الله عليه"؛ أي: قَبِلَ توبته، وتجاوز عن سيئاته.
* * *
١٦٧٠ - وقال: "إنَّ العَبْدَ إذا اعتَرفَ، ثمَّ تابَ؛ تابَ الله عليهِ".
"عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : مَنْ تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه"، مفهوم هذا الحديث وأشباهه: يدل على أن
стр. 1239
التوبة لا تقبل بعد طلوع الشمس من المغرب إلى يوم القيامة.
وقيل: هذا مخصوصٌ لمن شاهد طلوعها، فمن وُلِدَ بعد ذلك أو بَلَغَ وكان كافراً فآمن، أو مذنبًا فتاب يُقْبَل إيمانه وتوبته لعدم المشاهدة.
* * *
١٦٧١ - وقال: "لَلَّهُ أَشدُّ فَرَحًا بتوبةِ عبْدِهِ حينَ يَتُوبُ إليه مِن أَحدِكم كانَ مَعَهُ راحلَتُهُ بأَرضٍ فَلَاةٍ، فانفلَتَتْ منهُ، وعليها طَعامُهُ وشرابُهُ، فأَيسَ منها، فأَتَى شجرةً، فاضطَجَعَ في ظِلِّها قد أَيسَ مِنْ راحِلَتِهِ، فبَينَما هوَ كذلك إذ هُوَ بها قائمةً عندَهُ، فأَخَذَ بخِطَامِها، ثم قالَ مِن شدَّة الفَرَحِ: اللهمَّ أنتَ عَبْدي، وأنا ربُّكَ، فأَخْطَأَ مِن شِدَّةِ الفرَحِ".
"وعن أنس أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لَلَّه" بفتح اللام، للابتداء أو القسم.
"أشدُّ فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه"، (الفرح): كنايةٌ عن الرضاء وسرعة القبول؛ أي: أرضى وأقبل لها.
"من أحدكم"؛ أي: من فرح أحدكم.
"كان [على] راحلته بأرضٍ فلاة"؛ أي: مفازة بعيدة من الأُنْسِ والعَمَارة.
"فانفلتت"؛ أي: نَفَرَتْ.
"عنه وعليها طعامه وشرابه"؛ يعني: زاده وماؤه على ظهرها.
"فَأَيسَ منها"؛ يعني: كان حزنه على غاية الشِّدة بذهاب الرَّاحلة وخوف نفسه من عدم الزاد والماء.
"فأتى شجرةً فاضطجع في ظلها، قد أَيسَ من راحلته، فبينما هو كذلك إذ هو بها"؛ أي: الرجل حاضر بتلك الرَّاحلة حال كونها "قائمة عنده"، من غير
стр. 1240
طَلَبٍ ولا تَعَبٍ.
"فأخذَ بِخِطامِها"؛ أي: بِزِمَامِها.
"ثم قال من شِدَّة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شِدَّة الفرح"؛ يعني: أراد أن يحمد الله بما أنعم عليه من ردِّ راحلته فسَبَقَ لسانه.
* * *
١٦٧٢ - وقال: "إنَّ عَبْداً أَذْنَبَ ذَنْباً، فقالَ: ربِّ! أذَنبْتُ ذنْبًا، فاغفِرْهُ، فقالَ ربُّه: أَعَلِمَ عَبْدي أن لهُ ربًّا يغْفِرُ الذَّنبَ ويأخذُ بِهِ؟، غفرتُ لعَبْدي، ثم مكَثَ ما شاءَ الله، ثم أَذْنَبَ ذَنْبًا، فقال: ربِّ! أذنبتُ ذَنْبًا آخر، فاغفِرْهُ لي، فقالَ: أَعَلِمَ عَبْدي أن لهُ ربًّا يغفِرُ الذَّنبَ، ويأْخذُ بِهِ؟، قد غَفَرتُ لعَبْدي، ثمَّ مكَثَ ما شاءَ الله، ثم أَذنَبَ ذَنْبًا، فقال: ربِّ! أذنَبْتُ ذنبًا آخرَ، فاغفرْهُ لي، فقالَ: أَعَلِمَ عبدي أن لَهُ ربًّا يغفرُ الذَّنْبَ ويأخذُ به؟، غفرتُ لعبدي، فليَعْمَلْ ما شاء".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن عبدًا أذنب ذنبًا فقال: ربِّ! أذنبْتُ ذنبًا فاغفره لي، فقال ربه: أعلم عبدي أن له ربًا يغفر الذنوب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبًا، فقال: ربِّ! أذنبت ذنباً آخر فاغفره لي، فقال: أعلم عبدي أن له ربًا يغفر الذنوب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي، ثم مكث ما شاء الله، ثم أذنب ذنبًا فقال: ربِّ! أذنبت ذنبًا آخر فاغفره لي، فقال: أعلم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به؟ غفرت لعبدي فليعمل ما شاء"؛ أي: من الذنوب التي بينه وبيني مما لا يتعلق بحقوق العباد، ثم لِيَتُبْ، وهذه الصيغة للتَّلطف وإظهار العناية والشفقة؛ أي: إن فَعَلْتَ أضعافَ ما كنْتَ تفعل واستغفرْتَ منه، غفرْتُ لك، فإني أغفرُ الذُّنوب جميعًا، ما دمْتَ
стр. 1241
تتوب عنها وتستغفر، ولكن ذلك مشروطٌ بأن تكون نيته أن لا يعود إلى الذَّنب.
* * *
١٦٧٣ - عن جُنْدُبٍ ﵁: أن رسولَ الله ﷺ حدَّثَ: "إنَّ رجُلًا قال: والله لا يغفرُ الله لفُلانٍ، وإنَّ الله قالَ: مَنْ ذَا الذي يتَأَلَّى عليَّ أَنِّي لا أَغفِرُ لفُلانٍ؟! فإنِّي قد غفَرتُ لفلانٍ، وأحبَطْتُ عَمَلَكَ"، أو كما قال.
"عن جندب: أن رسول الله ﷺ حدَّث: أن رجلًا قال: والله لا يغفر الله لفلان، وإن الله قال: مَنْ ذَا الذي يَتَأَلَّى عليَّ"؛ أي: يحلف باسمي.
"أني لا أغفر لفلانٍ؟ فإني قد غفرْتُ لفلانٍ وأحبطْتُ عملَك"؛ أي: أبطلت قَسَمَك وجعلته كذبًا أيها الحالف، أني لا أغفر لعبدي فلان، قد غفرت له على خلاف زعمك وأدخلته الجنة على رغمك.
"أو كما قال"؛ أي: الرسول ﵊ من هذه الألفاظ، أو شيءٍ معناه هذا.
* * *
١٦٧٤ - وقالَ رسولُ الله ﷺ : "سيدُ الاستِغفارِ أنْ تقولَ: اللهمَّ أنتَ ربي، لا إلهَ إلَاّ أنت، خَلَقْتَني، وأنا عبدُك، وأنا على عَهْدِكَ ووَعْدِكَ ما استَطَعْتُ، أَعُوذُ بكَ مِن شَرِّ ما صَنَعتُ، أَبُوءُ لكَ بنعْمتِكَ عليَّ، وأَبُوءُ بذَنْبي، فاغفِرْ لي، فإنَّه لا يغفرُ الذُّنوبَ إلَاّ أنتَ، قالَ: ومَن قالَها مِن النَّهارِ مُوْقِنًا بها، فماتَ مِن يَومِه قبلَ أنْ يُمسيَ فهوَ مِن أهلِ الجنَّةِ، ومَن قالَها مِن اللَّيلِ وهو مُوقنٌ بها، فماتَ قبلَ أنْ يُصْبحَ فهو مِن أهلِ الجنَّة".
"عن شدَّاد بن أَوْسٍ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : سيد الاستغفار أن تقول: اللهمَّ! أنت ربي، لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك
стр. 1242
ووعدك"؛ أي: أنا مُقِيْمٌ على الوفاء بما عاهدتني في الأزل من الإقرار بربوبيتك، ومُوْقنٌ بما وعدتني من البعث والنَّشْر وأحوال القيامة، والثواب والعقاب.
"ما استطعت": إشارة إلى الاعتراف بالعجز والقصور عن كُنْهِ الواجب من حقِّ طاعته؛ أي: لا أقدر أن أعبدك كما تحب وترضى، ولكن أجتهد بقدر طاقتي.
"أعوذ بك من شرِّ ما صنعت، أبوء لك بنعمتك عليَّ، وأبوء بذنبي"، أصل (البَوْء): اللزوم؛ أي: أقرُّ لك بما أنعمت عليَّ، وأعترف بما اجترحْتُ من الذنوب.
"فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ومن قالها من النهار موقنًا [بها] ": نصبٌ على الحال؛ أي: اعتقادًا بها.
"فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة"؛ يعني: يموت مؤمنًا يدخل الجنة لا محالة.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٦٧٥ - قال: "قالَ الله تعالى: يا ابن آدمَ! إنَّكَ ما دَعَوْتَني ورَجَوْتَني غَفَرتُ لكَ على ما كانَ فيكَ، ولا أُبالي، يا ابن آدمَ! لو بلغَتْ ذُنوبُك عَنانَ السَّماءِ لم استغفرتَني غفَرتُ لكَ، ولا أُبالي، يا ابن آدمَ! إنَّك لو أَتيتَني بقُرابِ الأَرضِ خَطايا، ثم لَقِيْتَني لا تُشرِكُ بي شيئًا لأَتيتُكَ بقُرابها مغفرةً"، غريب.
"من الحسان":
" عن أبي ذرٍ ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله تعالى: يا ابن آدم!
стр. 1243
إنَّك ما دعوتَني ورجوتَني"؛ أي: ما دمت تَدْعوني وترجو مَغفِرَتي ولا تقنُطُ من رحمتي.
"غفرتُ لك على ما كان فيك" من الذنوب.
"ولا أبالي"؛ أي: لا يعظمُ علي مغفرتُك، وإن كانت ذنوبك كثيرةً.
"يا ابن آدم! لو بلغتْ ذنوبك عَنان السماء" بفتح العين: وهو ما ظهر لك منها إذا رفعتَ رأسك إلى السماء، ويروى: (أعنانَ السماء)، أي: نواحيها، يعني: لو كانت ذنوبك بحيث تملأ ما بين الأرض والسماء.
"ثم استغفرتني": وتبتَ إليَّ منها.
"غفرتُ لك ولا أبالي، يا ابن آدم! لو لقيتَني بقُراب الأرض" بضم القاف وكسرها والضم أشهر؛ أي: بملئها "خطايا"، في تقدير النصب على التمييز مِن قراب الأرض.
"ثم لقيتَني لا تشركُ بي شيئًا لأتيتُك بِقرَابها مغفرةً"، تمييز أيضًا.
"غريب".
* * *
١٦٧٦ - وقال: "مَن عَلِمَ أَنِّي ذُو قُدرةٍ على مَغفرةِ الذُّنوبِ غَفَرتُ لهُ، ولا أُبالي، ما لم يُشركْ بي شَيئًا".
"عن ابن عباسٍ أنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : قال الله تعالى: مَن علمَ أني ذو قدرةٍ على مغفرةِ الذنوب غفرتُ له ولا أبالي ما لم يشركْ بي شيئًا"، وهذا يشير إلى أن اعتراف العبدِ يكون سببًا لغفران الذنوب.
* * *
стр. 1244
١٦٧٧ - وقال: "مَن لَزِمَ الاستِغفارَ جعَلَ الله لهُ من كلِّ ضيْقٍ مَخْرَجًا، ومِن كلِّ همٍّ فَرَجًا، ورَزَقَه مِن حيثُ لا يحتَسِبُ".
"وعن عبد الله بن عباسٍ ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : مَنْ لَزِمَ الاستغفارَ"؛ أي: داوَمَ عليه.
"جعلَ الله له مِن كلِّ ضيقٍ مَخرجًا"؛ أي: طريقًا يُخرجه من كلِّ أمرِ عسير.
"ومِن كل هَمٍّ فرَجًا"؛ أي: خلاصًا.
"ورزَقَه مِن حيثُ لا يحتسب"؛ أي: من حيث لا يرجو ولا يخطر بباله.
* * *
١٦٧٨ - وقال: "ما أَصَرَّ مَن استَغفرَ وإنْ عادَ في اليومِ سَبْعينَ مرَّةً".
"وعن أبي بكرٍ الصديق ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ما أَصَرَّ مَن استغفر"، الإصرار: الثبات والدوام على المعصية، يعني: من عملَ معصيةً ثم استغفر فندم على ذلك خرجَ عن كونه مُصِراً.
"وإن عاد" إلى الذنب "في اليوم سبعين مرةً"؛ لأن المُصِرَّ هو الذي لم يستغفر ولم يندَم على الذنب.
* * *
١٦٧٩ - وقال: "كلُّ بنيْ آدمَ خَطَّاءٌ، وخَيْرُ الخَطَّائينَ التوَّابُونَ".
"وعن أنسٍ ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : كلُّ بني آدم خَطَّاءٌ"؛ أي: كثير الخطأ.
"وخير الخَطَّائين التَّوَّابون"، قيل: هذا يعمُّ جميعَ بني آدم حتى الأنبياء،
стр. 1245
لكنهم خارجون من هذا الحديث؛ لكونهم معصومين، وأمَّا الزَّلات المنقولةُ عن بعضهم فتُحْمَل على الخطأ والنسيان من غير أن يكونَ لهم قصدُ إلى الزلة.
* * *
١٦٨٠ - وقال: "إنَّ المُؤمنَ إذا أذنَبَ كانتْ نُكتةٌ سَوداءُ في قَلْبهِ، فإنْ تابَ، واستَغْفرَ صُقِلَ قلْبُه، وإنْ زادَ زادَتْ حتى تَعْلُوَ قلْبَه، فذلِكُم الرَّانُ الذي ذكرَ الله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾، صحيح.
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن المؤمنَ إذا أذنبَ كانتْ، (كان) تامةٌ هنا بمعنى حدَثَ، أنَّثها لتأنيث ما دل عليه (أذنب)، على تأويل السيئة، يعني: أنه إذا أتى بالذنب حَدَثتْ "منه نكتةٌ"؛ أي: أثرٌ.
"سوداءُ في قلبه": كقطرةِ مدادٍ تقطُرُ في القرطاس.
"فإن تاب واستغفر صُقِلَ قلبُه"؛ أي: أُزيلت تلك النكتة عن قلبه.
"وإن": لم يتُبْ، بل "زادَ" الذنبَ "زادت" النكتة، ويظهر لكل ذنب نكتةٌ.
"حتى تعلوَ قلبَه"؛ أي: تغطِّي تلك النكت نورَ القلب فيَعمى، ولا يبصر شيئًا من العلوم والحِكَم، ولا يَفْهم خيرًا، ويزول عنه الشفقة والرحمة، ويثبت في قلبه الظلمُ والفِتَن، وإيذاء الناس، والجُرْأة على المعاصي.
"فذلكم الرَّان"، الخطاب للصحابة، يعني: أخاطِبُكم وأُخْبِركم بأن سَتْرَ تلك النكتِ نورَ القلب هو الرَّان.
"الذي ذكرَ الله تعالى في قوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤] ".
هذه الآية مذكورةٌ في حقِّ الكفار، ولكن ذكرها ﷺ تخويفًا للمؤمنين لكي
стр. 1246
يحتَرِزُوا عن كثرة الذنوب؛ كيلا تَسْوَدَّ قلوبُهم كما اسودَّت قلوبُ الكفار.
"صحيح".
* * *
١٦٨١ - وقال: "إنَّ الله يَقْبَلُ توبةَ العَبْدِ ما لم يُغَرْغِرْ".
"عن ابن عمر ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إنَّ الله يقبلُ توبةَ العبدِ ما لم يُغَرْغِر"؛ أي: ما لم تبلغ روحه حلقومَه، جُعل ابتداءُ قَبْضِ الروحِ من الرِّجل؛ ليبقى القلب واللسان ذاكرًا، وليتوب إلى الله مَتابًا، ويستحلَّ من الناس عن المظالم والغِيبة، وليوصيَ بالخير آخرَ عَهْده.
* * *
١٦٨٢ - وقال: "إنَّ الشَّيطانَ قال: وَعِزَّتِكَ يا ربِّ، لا أَبْرحُ أُغْوي عبادَكَ ما دامَتْ أرواحُهم في أَجْسادِهم، فقالَ الربُّ : وعِزَّتي وجَلالي، وارتفاعِ مكاني، لا أَزالُ أَغفِرُ لهم ما استَغْفرُوني".
"عن أبي سعيدٍ ﵁ أنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : إن الشيطانَ قال: وعِزَّتِك يا ربِّ لا أَبْرحُ"؛ أي: لا أزال أبدًا "أُغْوِي عبادَك"؛ أي: أُضلُّهم وآمرهم بالكفر والعصيان.
"ما دامت أرواحهم في أجسادهم، فقال الربُّ : وعِزَّتي وجلالي وارتفاعِ مكاني"، المراد به ارتفاعُ المكانة والمرتبةَ.
"لا أزال أغفِر لهم ما استغفروني".
* * *
стр. 1247
١٦٨٣ - وقال: "إنَّ الله تعالى جعَلَ بالمَغربِ بابًا عَرْضُه مَسِيْرةُ سَبْعينَ عامًا للتَّوبةِ، لا يُغْلَقُ ما لم تَطْلُعِ الشَّمسُ مِن قِبَلِهِ، وذلكَ قولُه تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ ".
"عن صفوانَ ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله تعالى جعلَ بالمغرب بابًا عرضُه مسيرةُ سبعين عامًا"، مبالغةً في التوسعة.
"للتوبة"؛ يعني: يدخلُ توبة التائبين في ذلك الباب، فمن مات قبل غلقه قُبلت توبتُه.
"لا يغلق" ذلك الباب "ما لم تطلع الشمس مِن قِبَلهِ"؛ أي: من جانب الباب.
"وذلك قول الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ "؛ أي: بعض العلامات التي يظهرها ربك إذا قَرُبَت القيامة.
﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ﴾ [الأنعام: ١٥٨].
* * *
١٦٨٤ - وقال: "لا تَنْقطِعُ الهِجْرةُ حتى تَنقطِعَ التَّويةُ، ولا تَنْقَطِعُ التَّويةُ حتى تطلعَ الشمسُ مِن مغربها".
"وعن معاويةَ ﵁ أنه قال: قال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تنقطعُ الهجرةُ حتى تنقطعَ التوبةُ"؛ أراد بالهجرة هنا: الانتقال من الكفر إلى الإيمان، ومن دار الشرك إلى دار الإسلام، ومن المعصية إلى التوبة.
"ولا تنقطعُ التوبةُ حتى تطلعَ الشمسُ من مغربها".
* * *
стр. 1248
١٦٨٥ - وقال: "إنَّ رجلَينِ كانا في بنيْ إسرائيلَ مُتحابَّيْنِ، أحدُهما مُجتهِدٌ في العِبادَةِ والآخرُ مُذْنِبٌ، فجعَلَ المُجتهِدُ يقولُ: أَقْصِرْ عمَّا أنتَ فيهِ، فيقولُ: خَلِّني وَرَبي، حتى وجَدَهُ يومًا على ذنْبٍ استعظمَهُ، فقال: أَقْصِرْ، فقالَ: خَلِّني وَرَبي، أَبُعِثتَ عليَّ رَقِيبًا؟ فقال: والله لا يغْفِرُ الله لكَ أبدًا، ولا يُدْخِلُكَ الجنَّةَ، فبعثَ الله إليهما مَلَكًا، فقبَضَ أَرواحَهما، فاجتمعا عنْدَه، فقالَ للمُذنِبِ: اُدخُلْ الجنَّةَ برحمتي، وقالَ للآخرِ: أتَستطِيعُ أنْ تَحْظُرَ على عَبْدي رحمتي؟ فقالَ: لا يا ربِّ، قال: اذهبُوا بهِ إلى النارِ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن رجلين كانا في بني إسرائيل متحابَّين"؛ أي: تجري بينهما المودة والمحبة.
"أحدُهما مجتهدٌ بالعبادة"؛ أي: مبالغٌ فيها، "والآخر يقول: مذنب"؛ أي: أنا مذنبٌ.
"فجعل"؛ أي: طَفِقَ "المجتهدُ يقول" للمذنب: "أقصر"؛ أي: امتنع "عما أنت فيه" من الذنب.
"فيقول"؛ أي: المذنب: "خَلِّني وربِّي"؛ أي: اتركني معه فإنه غفور رحيم.
"حتى وجده يومًا"؛ أي: المجتهدُ المذنبَ "على ذنبٍ استعظَمه" المجتهدُ.
"فقال: أقصِرْ، قال: خَلِّني وربي، أَبُعِثْتَ، استفهام بمعنى الإنكار؛ أي: أُرْسِلْتَ "عليَّ رقيبًا؟ "؛ أي: حافظًا، يعني: ما أمرك الله أن تحفظَني.
"فقال:"؛ أي: العابدُ للمذنب.
"والله لا يغفرُ الله لكَ أبدًا"؛ لأنك مذنِبٌ.
"ولا يُدْخِلُكَ الجَنَّة، فبعث الله تعالى إليهما مَلَكًا فقبض أرواحَهما
стр. 1249
فاجتمعَا عنده"؛ أي: أُحيَيا بعد الموت كما يُحْيىَ سائرُ الأموات في القبور لجواب المنكر والنكير.
"فقال للمذنب: ادخل الجَنَّة برحمتي"، أنا عند ظن عبدي بي، فإذا ظننتَني غفورًا رحيمًا فقد غفرت لك ورحمتك.
"وقال للآخر: أتستطيع أن تحظُرَ"؛ أي: تمنعَ وتُحرِّم "على عبدي رحمتي، فقال: لا يا رب! فقال: اذهبوا به إلى النار"، إدخاله النار كان مجازاةً له على قَسَمِه بأن الله لا يغفر للمذنب ذنبَه؛ لأنه جعل الناسَ آيسين من رحمة الله، وحَكَمَ بأن الله غير غفور.
* * *
١٦٨٦ - عن أَسْماءَ بنتِ يَزيْدَ قالَتْ: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، وَلا يُبالي"، غريب.
"وعن أسماءَ بنت يزيدَ ﵂ أنها قالت: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: يقول الله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا﴾ "؛ أي: لا تقولوا: نحن منقطعون محرومون ﴿مِنْ رَحْمَةِ اللَّه﴾؛ بكثرة ذنوبنا، بل ينبغي أن تكونوا في الرجاء.
" ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، ولا يبالي" بغفرانها جميعًا؛ لأنه غفورٌ رحيم.
"غريب".
* * *
стр. 1250
١٦٨٧ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ في قوله: ﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾: قالَ رسولُ الله ﷺ :
"إنْ تَغْفِرِ اللهمَّ تَغفِرْ جَمًّا. . . وأَيُّ عَبْدٍ لكَ لا أَلَمَّا"، غريب
"وعن ابن عباس ﵁: في قوله تعالى: ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١) الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾ [النجم: ٣١ - ٣٢] ": كبائر الإثم: كل ذنبٍ فيه حَدٌّ، والفواحش: الزنا خاصةً.
﴿إِلَّا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]، بفتح اللام؛ أي: الصغائر، يعني: ويجزي المحسِنين المجتنِبين كبائرَ الإثم والفواحش إلا اللَّمَمَ، فإنهم لا يقدِرون أن يجتنبوها؛ لأن الأمم غير معصومين عنها، فإنها تُغفَرُ لهم بالتوبة والطاعة.
"قال رسول الله ﷺ : إن تَغْفِرِ اللهم تغفِرْ جَمًّا"؛ أي: كثيرًا، يعني: إن تغفر ذنوبَ عبادِك فقد غفرتَ ذنوبًا كثيرةً، فإنَّ جميعَ عبادِك كلهم خطَّاؤون.
"وأي عبدٍ لكَ لا ألمَّا": يقال: ألمَّ إذا فعل اللَّمَم، وهذا البيتُ من أشعار أمية بن الصَّلْت قرأه رسول الله ﵊ استشهادًا بأن المؤمن لا يخلو من اللَّمَم.
"غريب".
* * *
١٦٨٨ - عن أبي ذَرٍّ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "يقولُ الله تعالى: يا عبادِي!، كلُّكم ضالٌّ إلَاّ مَنْ هَدَيْتُهُ، فَسَلوني الهُدَى أَهْدِكم، وكلُّكم فُقراءُ إلَاّ مَن أَغْنَيتُ، فَسَلُوني الرِّزْقَ أَرزُقْكم، وكلكُّم مُذنِبٌ إلا مَنْ عافَيْتُ، فمَن عَلِمَ منكم أني ذُو قُدرةٍ على المغفرةِ فاستغفرَني غَفَرتُ لهُ، ولا أبالي، ولو أن أَوَّلَكم وآخِرَكم، وحَيَّكم وميتكم، ورَطْبَكم ويابسَكم، اجتمعُوا على أتْقَى قلْبِ عبدٍ مِن عِبَادي ما زادَ ذلكَ في مُلْكي جَناحَ بعَوضَةٍ، ولو أن أوَّلَكم
стр. 1251
وآخِرَكم، وحَيَّكم ومَيتَكم، ورَطْبَكم ويابسَكم اجتمعُوا على أشقَى قلْبِ عبْدٍ مِن عبادي ما نقصَ ذلكَ من مُلْكي جَناحَ بَعُوضَةٍ، ولو أن أوَّلَكم وآخِرَكم، وجِنَّكُم وإنْسَكم، ورَطْبَكم ويابسَكم اجتمعُوا في صَعيدٍ واحدٍ، فسأَلَ كلُّ سائلٍ مِنكم ما بلغَتْ أُمنيَّتهُ، فأَعطيتُ كلَّ سائلٍ منكم مَسْأَلتَهُ ما نقَصَ ذلكَ مِن مُلْكي إلَاّ كما لو أن أحدَكم مَرَّ بالبَحْرِ، فغَمَسَ فيه إبرْةً، فَرفَعَها، ذلكَ بأَنِّي جَوادٌ ماجدٌ، أَفْعلُ ما أُريدُ، عطائي كلامٌ، وعَذابي كلامٌ، إنَّما أمري لشيءٍ إذا أردْتُ أنْ أقولَ لهُ: كُنْ، فيكونُ".
"وعن أبي ذرٍ ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : يقول الله تعالى: يا عبادي! كلُّكم ضالٌّ إلا مَن هديتُه، فاسألوني الهدى أَهْدِكم، وكلُّكم فقراءُ إلا من أغنيت فاسالوني الرِّزْق أَرْزُقْكم، وكلكم مذنبٌ إلا مَن عافيتُ"؛ أي: إلا مَن أعْصِمُه من الأنبياء والصِّدِّيقين، فوضَع (عافيتُ) موضعَ (عَصَمْتُ)؛ ليشعر بأن الذنب مرضٌ ذاتيٌّ، وصِحَّتُه عصمةُ الله تعالى منه.
"فمن عَلِمَ منكم أني ذو قدرةٍ على المغفرةِ فاستغفرَني غفرتُ له ولا أُبالي، ولو أن أَوَّلَكم وآخرَكم وحيَّكم وميتَكم ورَطْبَكم ويابسَكم"؛ أراد بالرَّطْب: الصغائر، وباليابس: الكبائر، أو بالرَّطْب: الشجر، وباليابس: المَدَرَ والحَجَر، أو البحر والبر؛ أي: أهلَهما؛ أي: لو صار كل ما في البحر والبر من الشجر والحجَر والمَدَر والحيتان آدميًا.
"اجتمعُوا على أتقى قلبِ عبدٍ من عبادي ما زادَ ذلك في مُلكي جناحَ بعوضةٍ"، وقيل: جاز أن يرادَ برطْبكم ويابسكم: عالِمُكُم وجاهِلُكم، أو شابُّكم وشيخكم، أو مطيعُكم وعاصيكم.
"ولو أن أولَكم وآخرَكم وحيَّكم وميتكم ورطْبَكم ويابسَكم اجتمعوا على أشقى قلب عبدٍ من عبادي ما نقصَ ذلك من ملكي جناحَ بعوضةٍ، ولو أن
стр. 1252
أولَكم وآخرَكم وحيَّكم وميتكم ورطْبَكم ويابسَكم اجتمعوا في صعيدٍ واحدٍ"؛ أي: في أرضٍ.
"فسألَ كلُّ إنسانٍ منكم ما بلغتْ أُمنيته"، بضم الهمزة: هو اشتهاء النفس وإرادتها، يعني: كل حاجةٍ تَجري في خاطره.
"فأعطيتُ كل سائلٍ منكم مسألته ما نقصَ ذلك من ملكي إلا كما لو أن أحدكم مر بالبحر فغمَس"، بفتح الميم؛ أي: أدخلَ"فيه إبرةً ثم رفعَها، ذلك": إشارة إلى قضاء الحوائج.
"بأني جوادٌ"؛ أي: بسبب أني كثيرُ الجُود والكَرَم.
"ماجدٌ"؛ أي: كريمٌ واسعُ العطاء.
"أفعلُ ما أريدُ، عطائي كلامٌ، وعذابي كلامٌ"؛ يعني: لا أتعب بثوابِ المطيع، ولا بعقاب العاصي، ولا بالجود والعطاء، بل يَكفي في حصوله ووصوله تعلُّق إرادتي به، فإني إذا أردتُ إيجاد شيءٍ لم يتأخَّرْ كونه عن تكلمي وأمري بقولي له: كنْ.
"إنما أمري لشيءٍ إذا أردت أن أقول له: كن فيكون"، هذا تفسيرٌ لقوله: (عطائي كلام وعذابي كلام).
* * *
١٦٨٩ - عن أنسٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ : أنه قَرَأَ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ﴾، قال: "قالَ ربُّكم: أنا أَهْلٌ أنْ أُتَّقَى، فمَن اتَّقاني فأَنا أهلٌ أَنْ أَغفِر لهُ".
"عن أنس ﵁: عن النبي ﵊: أنَّه قرأ: ﴿هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى﴾ "؛ أي: حقيقٌ بأن يُتَّقَى منه.
стр. 1253
وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ [المدثر: ٥٦]؛ أي: حقيقٌ بأن يَغفِرَ لمن اتقاه.
"قال ﵊ قال ربكم: أنا أهلٌ أن أتقَى، فمن اتقاني فأنا أهلٌ أن أَغْفِرَ له".
* * *
١٦٩٠ - عن ابن عُمر ﵁ قال: إنْ كُنَّا لَنَعُدُّ لرسولِ الله ﷺ في المَجْلِسِ يقولُ: "ربِّ اغفِرْ لي، وَتُبْ عليَّ، إنَّكَ أنتَ التَّوَّابُ الغَفورُ" = مائةَ مرةٍ.
"عن ابن عمر ﵁ قال: إنْ كنَّا"، (إنْ) هذه مخففة من المثقلة.
"لنَعُدُّ لرسول الله ﷺ : في المجلس"؛ أي: في المَجْلِس الواحد.
"يقول: ربِّ! اغفرْ لي وتُبْ عليَّ، إنك أنت التواب الرحيم، مئةَ مرة"، نصبٌ على المصدر.
* * *
١٦٩١ - ورُوي عن رسولِ الله ﷺ قال: "مَن قالَ: أَستغفِرُ الله الذي لا إلهَ إلَاّ هُوَ الحَيَّ القَيُّومَ، وأتوبُ إليهِ؟ غُفِرَ لهُ وإنْ كانَ فَرَّ مِن الزحْفِ"، غريب.
"عن زيدٍ بن يَسَار مولى رسول الله ﷺ عن رسول الله ﷺ قال: مَن قال: أستغفرُ الله الذي لا إله إلا هو الحي القَيُّوم": روي منصوبًا صفة لله، ومرفوعًا بدلًا، أو بيانًا لقوله: هو.
"وأتوبُ إليه، غُفِرَ له وان كان فَرَّ من الزَّحْف"؛ أي: من الحرب مع الكفار، قيل: هذا يدلُّ على أن الكبائر تُغْفَرُ بالتوبة والاستغفار.
* * *
стр. 1254
فصل
(فصل)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٦٩٢ - قال رسولُ الله ﷺ : "لَمَّا قَضَى الله الخَلْقَ؛ كتبَ كِتابًا فهوَ عندَهُ فَوْقَ عَرْشِه: إنَّ رَحْمتِي سَبَقَتْ غَضَبي".
وفي روايةٍ: "غَلَبَتْ غَضَبي".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لمَّا قضى الله الخَلْقَ"، المراد هنا الخلق؛ أي: لمَّا خلَقَهم.
"كتبَ كتابًا"، قيل: المراد بالكتاب إما القضاء الذي قضاه وأوجبه، فعلى هذا يكون معنى قوله:
"فهو عنده فوقَ عرشه"؛ أي: فعِلْمُه عنده تعالى فوق العرش لا ينساه ولا ينسخه ولا يبدله، وأما اللوح المحفوظ المذكور فيه الخلق وبيان أحوالِهِم وأرزاقهِم، والأقضية النافذة فيهم، وأحوال عواقب أمورهم، فحينئذٍ يكون معناه: فذكره عنده.
"إن رحمتي سبقتْ غضبي، وفي روايةٍ: غلبتْ غَضَبي" ليس المراد من السبق هنا هو السبق الزماني؛ لأن غضبه ورحمته صفتان راجعتان إلى ثوابه وعقابه، وصفاتهُ لا توصَف بالسبق والغَلَبة لإحداهما على الأخرى، بل المراد منه: بيان سعة الرحمة وشمولِها على الخلق حتى كأنها السابق والغالب، وإن أريد بالرحمة والغضب آثارُهما يَتحقَّق فيهما السبق والغلبة.
* * *
١٦٩٣ - وقال: "إنَّ للهِ مائْةَ رَحْمةٍ، أَنْزَلَ مِنها رحمةً واحدةً بينَ الجنِّ
стр. 1255
والإنْسِ والبَهائِم والهَوامِّ، فَبها يتعَاطَفُونَ، وبها يَتَراحمُونَ، وبها تَعطِفُ الوَحْشُ على وَلَدِها، وأخَّر تِسْعًا وتسعينَ رحمة يَرحَمُ بها عِبادَهُ يومَ القِيامةِ".
وفي روايةٍ: "فإذا كانَ يومُ القِيامةِ أكمَلَها بهذهِ الرَّحمةِ".
"وعنه عن النبي ﵊ قال: إن لله تعالى مئة رحمةٍ، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهَوَامِّ"، رحمة الله غير متناهية فلا يُحيطُها التقسيم، وإنما أراد ﷺ أن يضرِبَ لأمته مثلًا فيعرفوا به التفاوت الذي بين قِسْط أهل الإيمان من الرحمة في الآخرة وبين قِسْط كافة المرحومين في الدنيا.
"فبها"؛ أي: بتلك الرحمة الواحدة.
"يتعاطَفون"؛ أي: يوصلُ الرأفة والشفقةَ بعضُهم إلى بعض.
"وبها يتراحمون، وبها تعطِفُ الوحشُ على وَلدِها"؛ يعني: كلُّ شفقةٍ ورحمةٍ تصِلُ من بني آدم إلى آدمى، وكذا من جنٍّ إلى جنيٍ، ومن الحيوان إلى آخر من جنسه، أو من غير جنسه كلُّ ذلك نتيجةُ تلك الرحمةِ الواحدة التي أنزلها بين خلقه.
"وأخَّر تسعًا وتسعين رحمةً يرحم بها عباده يوم القيامة".
"وفي رواية" سلمان: "إذا كان يومُ القيامة أكملَها"؛ أي: الرحمة الواحدة التي أنزلَها في الدنيا.
"بهذه الرحمة"، التي أخَّرها حتى يصيرَ المجموع مئة رحمة، فيرحم بها عباده من الأنبياء والمؤمنين، وفيه دليل على الإطماع في رحمته تعالى وعلى كثرتها.
* * *
стр. 1256
١٦٩٤ - وقالَ النبيُّ ﷺ : "لو يَعلَمُ المؤمنُ ما عندَ الله من العُقوبَةِ ما طَمعَ بجنَّتهِ أَحَدٌ، ولَو يَعلمُ الكافِرُ ما عندَ الله مِن الرحمةِ ما قَنِطَ مِن جَنَّتهِ أحدٌ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لو يعلمُ المؤمنُ ما عندَ الله من العقوبةِ ما طَمِعَ بجنَّتِهِ أحدٌ"، فيه بيانُ كثرةِ عقوبتِه كي لا يغترَّ مؤمنٌ برحمته فيأمنَ من عذابه.
"ولو يعلمُ الكافر ما عند الله من الرحمة" إذا دخلَ في الإسلام.
"ما قنطَ من جنته أحد"، فيه بيانُ كثرةِ الرحمة كي لا يخافَ كافرٌ من الإيمان بعد سنينَ كثيرة كان في الكفر.
* * *
١٦٩٥ - وقال: "الجنةُ أَقْربُ إلى أحدِكُم من شِرَاكِ نَعْلِه، والنَّارُ مثْلُ ذلكَ".
"وعن ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله ﷺ : الجنةُ أقربُ إلى أحدكُم من شراكِ نعلِه، والنارُ مثل ذلك"، إشارة إلى المذكور؛ أي: النار مثلُ الجنة في كونها أقربَ من شِرَاك النعل، وإنما كانت الجنةُ والنارُ كذلك؛ لأن سبب دخولهما مع الشخص وهو العمل الصالح والسيئ = هو أقربُ إليه من شِراك نعله.
* * *
١٦٩٦ - وقال: "قالَ رجلٌ لَمْ يَعملْ خَيْرًا قطُّ لأهلهِ، وفي رواية: أَسَرفَ رجلٌ على نْفسِه، فلمَّا حضَرَهُ المَوتُ أَوصَى بنيهِ: إذا ماتَ؟ فحَرَّقوهُ، ثم اذْرُوا نصْفَه في البرِّ، ونصفَهُ في البَحرِ، فَوَالله لئِنْ قَدَرَ الله عليهِ ليُعذِّبنهُ عَذابًا لا يُعذبُه أَحَدًا مِن العالَمينَ، فلمَّا ماتَ فعَلُوا ما أَمَرَهم، فأَمرَ الله البَحْرَ، فجمعَ ما فيهِ،
стр. 1257
وأَمرَ البرَّ، فجمَعِ ما فيهِ، ثم قالَ لهُ: لِمَ فعلتَ هذا؟ قال: مِن خَشْيَتِكَ يا ربِّ، وأنتَ أعلمُ! فغَفرَ لهُ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : قال رجلٌ لم يعمل خيرًا قطُّ لأهله"، يُعلمَ منه: أن عمل الخير يتعدَّى منه إلى أهله وذوي قرابته، وأنه لم يعمل خيرًا لنفسه أيضًا؛ لأنه لو عمل لنفسه يتعدى منه إليهم.
"وفي روايةٍ: أسرفَ رجلٌ على نفسه"؛ أي: أكثرَ من الذنوب.
"فلمَّا حضره الموتُ أوصَى بنيه إذا ماتَ فحرقُوه، ثم اذرُوا نصفهَ"؛ أي: فَرِّقوا نصفَ رماده "في البر، ونصفَه في البحر، فوالله لئن قدرَ الله عليه"؛ يعني: لئن ضيَّق الله عليه الأمرَ بالمؤاخذة والمعاتبة.
"ليعذبنه عذابًا لا يعذبه أحدًا من العالمين، فلَّما مات فعلوا ما أمرهم فأمر الله البحرَ فجمع ما فيه، وأمر البرَ فجمع ما فيه، ثم قال له: لم فعلتَ هذا؟ قال: مِن خشيتك يا ربِّ، وأنت أعلمُ، فغفرَ له"، وإنما غفرَ الله له؛ لأنه ليس منكِرًا للبعث، بل من خشية البعث؛ جهلًا وظنا أنه إذا فعل ذلك تُرِك فلم ينشَر ولم يعذَّب.
* * *
١٦٩٧ - وقال عُمر بن الخَطَّاب ﵁: قَدِمَ على النبيِّ ﷺ سَبْىٌ، فإذا امرأةٌ مِنَ السَّبْي قد تَحَلَّبَ ثَدْيُها تَسعَى، إذا وَجَدَتْ صبيًا في السَّبْي أخذَتْهُ، فأَلصَقَتْهُ ببَطْنِها، وأرضعَتْهُ، فقالَ لنا النبيُّ ﷺ : "أَتُرَوْنَ هذهِ طارِحَةً ولدَها في النارِ؟ "، قلنا: لا وهي تقدرُ على أنْ لا تَطْرَحَهُ، قال: "للهُ أرحمُ بعبادِهِ من هذه بولدِها".
"وعن عمر بن الخطاب: قدِمَ على النبي ﵊ سبىٌ،
стр. 1258
فإذا امرأةٌ من السَّبْي قد تحلَّبَ ثديُها"؛ أي: سال لبن ثديها؛ لكثرته بعدم ولدِها معها.
"تَسْعَى"؛ أي: فيما تكلَّف من العمل، أو في طلب ولدِها فتجيء وتذ هَب.
"إذا وجدت صبيًا من صبيان السبي أخذتْه، فألصقتْه ببطنِها وأرضعته" من غاية شفقتها على ولدها؛ لأنها إذا حنَّتْ على ولد غيرها كانت على ولدِها أحنَّ.
"فقال النبي ﵊: أَتُرَوْنَ هذه طارحةً"؛ أي: تظنُّون أنها تطرَحُ "ولدها في النار"، مع شدة شفقتها عليه.
"قلنا: لا"؛ أي: لا تكون طارحةً فيها.
"وهي تقدِر"، الواو للحال؛ أي: حالَ قدرتها.
"على أن لا تطرحَه، قال: الله أرحمُ بعباده من هذه بولدها"، وفائدة هذه الحال أنها إن اضطرت يمكن طرحُها، والله تعالى منَزَّهٌ عن الاضطرار، فلا يَطرَحُ عبدَه في النار البتةَ.
* * *
١٦٩٨ - وقال: "لن يُنجيَ أَحَدًا منكم عملُه! "، قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ الله؟ قال: "ولا أنا، إلَاّ أنْ يتغمَّدَنيَ الله منهُ بِرَحْمتِهِ، فسدِّدوا، وقارِبُوا، واكْدُوا ورُوحُوا، وشيئًا مِن الدُّلْجةِ، والقَصْدَ القَصْدَ تَبْلُغُوا".
"وعن أبي هريرةَ أنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : لن يُنجيَ أحدأ منكم عملُه"؛ يعني: لن يتخلَّصَ أحد منكم "من النار بعمله، ولن يدخلَ الجنة بعمله إلا بفضلِ الله ورحمته" يريد ﷺ أن ينبِّه أمتَه على ألاْ يتَّكِلوا على أعمالهم اغترارًا بها، ويبين أن النجاة والفوزَ برحمته وفضله والعمل غير مؤثِّر فيهما إيجابًا.
стр. 1259
"قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمَّدني الله برحمته"؛ أي: يستُرَني بها ويحفظَني كما يُحفَظ السيفُ بالغمد.
"فسدِّدوا"؛ أي: بالِغُوا في السَّدَاد؛ يعني: اجعَلوا أعمالَكم مستقيمة على الحق.
"وقارِبُوا"؛ أي: اطلبُوا قُربةَ الله بقدْر ما تُطِيقُون بلا إفراطٍ وتَفْرِيط.
"واغدُوا"؛ أي: امشُوا في طاعة الله في أولِ النهار.
"ورُوْحُوا"؛ أي: امشُوا في آخر النهار في طاعة الله.
"وشيءٌ من الدُّلجة"، وهي - بضم الدال -: آخرُ الليل؛ أي: ليكن في مشيكم شيءٌ منها، فيقع بعض طاعتكم في الليل، أو (شيء): مبتدأ محذوفُ الخبر؛ أي: وشيءٌ منها مطلوبٌ فيه عملُكم.
"والقصدَ القصدَ"، نصب بمقدَّر؛ أي: الزموا الطريقَ المستقيمَ الوسطَ في العمل، أو خذُوا الأمورَ بلا غلوٍّ ولا تقصير.
"تبلُغوا"، جزم بجواب الأَمر؛ أي: تبلغوا المَقْصد.
* * *
١٦٩٩ - وقال: "لا يُدْخِلُ أَحدًا منكم عملُهُ الجنَّةَ، ولا يُجيرُه مِن النَّارِ، ولا أنا، إلا برحمةِ الله تعالى".
"وعن جابر ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا يُدْخِلُ أحدًا منكم عملُه الجنةَ ولا يجبره"؛ أي: لا يخلِّصه ولا ينجيه "من النار، ولا أنا، إلا برحمة الله".
* * *
стр. 1260
١٧٠٠ - وقال: "إذا أَسلَمَ العبْدُ فحَسُنَ إسلامُهُ يُكفِّرُ الله عنهُ كلَّ سيئةٍ كانَ زلَفَها، وكانَ بَعْدُ القِصاصُ: الحسَنةُ بعَشْرِ أَمثالِها إلى سبعمائةِ ضعْفٍ، والسَّيئةُ بمِثْلِها إلا أنْ يَتَجاوَزَ الله عنها".
"وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : إذا أسلمَ العبدُ فحَسُنَ إسلامُه" بكونه عن إخلاص.
"يكفرُ الله"؛ أي: يستُر "عنه" ويعفو "كلَّ سيئةٍ كان زفَّها"؛ أي: قدَّمَها وأسلفها قبل الإسلام.
"وكان بعدُ" بالضم؛ أي: بعد التفكّر بالإسلام، أو بعد الإسلام.
"القصاصُ"، بالرفع؛ أي: المجازاةُ واتِّباع كلِّ عمل بمثله، وفي بعض النسخ بالإضافة.
"والحسنة"، بواو العطف في بعض النسخ؛ يعني: كانت الحسنة بعد الإسلام "بعشرِ أمثالها إلى سبع مئة ضعفٍ"، بخلاف قبل الإسلام، فإنه إذا عمل حسنة في الكفر ثم أسلمَ يُعطَى لكلِّ حسنةٍ ثوابُ حسنة واحدة.
"والسيئةُ بمثلها إلا أن يتجاوز الله عنها"، وبدون العطف في بعض النسخ، فيكون بيانا للقصاص إلى المجازاة، والتَّبع الذي يفعل معه في حسناته وسيئاته يكون كذلك.
* * *
١٧٠١ - وقال: "إنَّ الله كتبَ الحسَناتِ والسِّيئاتِ، فمَنْ هَمَّ بحسنةٍ فلمْ يَعْملْها كتَبها الله لهُ عندَه حسَنةً كاملةً، فإنْ همَّ بها فعمِلَها كتبَها الله لهُ عندَهُ عشرَ حسَناتٍ إلى سَبْعمائةِ ضعْفٍ إلى أَضعافٍ كثيرةٍ، ومَنْ همَّ بسِّيئةٍ فلمْ يعمَلْها كتبَها الله لهُ عندَه حسَنةً كاملةً، فإنْ هوَ همَّ بها فَعَمِلَهَا كتَبها الله له سيئةً واحدةً".
стр. 1261
"وعن ابن عباسٍ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله تعالى كتبَ الحسناتِ والسيئاتِ" في اللوح المحفوظ.
"فمن همَّ بحسنةٍ"؛ أي: قصدَ بها.
"فلم يعملْها"؛ أي: لم يتيسَّر له عملُها لعذرٍ.
"كتبَها الله له عنده حسنه كاملة"، وإنما قال: عنده؛ لعدم اطِّلَاع الملائكةِ الكَتَبة على ما في النيَّات والسَّرَائر.
"وإنْ همَّ بها فعَمِلَها كتبَها الله له عندَه عشرَ حسناتٍ إلى سبع مئة ضعفٍ"؛ أي: مثل.
"إلى أضعافٍ كثيرةٍ، ومَن همَّ بسيئةٍ فلم يعملْها" خوفًا من الله.
"كتبَها الله له عنده حسنةً كاملةً"؛ لأن تَرْكَ السيئةِ حسنةٌ.
"فإن هو همَّ بها فعَمِلَها كتبَها الله له سيئةً واحدةً"، وإنما كان كذلك؛ لأن رحمتَه أكثرُ مِن غضبه.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٧٠٢ - وقال: "إنَّ مثَلَ الذي يعمَلُ السيئاتِ، ثمَّ يعمَلُ الحسَناتِ كلمثَلِ رجُلٍ كانتْ عليهِ دِرْعٌ ضَيقةٌ قد خنقَتْهُ، ثم عمِلَ حسَنةً فانفكَّتْ حَلْقَةٌ، ثم عمِلَ أخرَى فانفكَّت حَلْقَةٌ أُخْرَى حتى تَخْرُجَ إلى الأَرضِ".
"من الحسان":
" عن عقبة بن عامر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إنَّ مَثَلَ الذي يعملُ السيئات"، بضيق صدرِه ورزقه، وتحيُّره في أمره، "ثم يعملُ الحسناتِ كمَثَل رجلٍ كانت عليهِ دِرْعٌ ضَيقةٌ قد خَنَقَتْه"؛ أي: عصرَتْ حَلْقَه وترقُوتَه مِن ضيقها.
стр. 1262
"ثم عمل حسنةً فانفكَّت حَلْقَةٌ"؛ أي: انحلَّتْ وتوسَّعَتْ.
"ثم عملَ حسنةً أخرى فانفكَّت حلقة أخرى حتى تخرجَ"؛ أي: تسقطَ تلك الدِّرعْ.
"إلى الأرض"، ويخرج ذلك الرجل من ضيق تلك الدرع.
* * *
١٧٠٣ - عن أبي الدَّرداءَ ﵁: أنه سمعَ رسولَ الله ﷺ يقُصُّ على المِنْبَرِ وهو يقولُ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ "، فقلتُ: وإنْ زَنىَ وإنْ سرَقَ يا رسولَ الله؟، فقالَ الثانيةَ: " ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ "، فقلتُ الثانيةَ: وإنْ زَنىَ وإنْ سرَقَ؟ فقالَ الثالثةَ: " ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ "، فقلتُ الثالثةَ: وإنْ زَنىَ وإنْ سرَقَ يا رسولَ الله؟ قال: "وإنْ رَغِمَ أَنْفُ أبي الدَّرداء".
"عن أبي الدرداء ﵁ أنه سمع رسولَ الله يقصُّ"؛ أي: يَعِظُ الناس "على المنبر وهو يقول: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ "؛ أي: لمن خاف من القيام بحضرةِ ربِّه يومَ القيامة.
" ﴿جَنَّتَانِ﴾، قلت: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟! فقال الثانية: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾، فقلت الثانية: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟! فقال الثالثة: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٤٦]، فقلت الثالثة: وإن زنى وإن سرق يا رسول الله؟! قال: وإن رَغِمَ أنف أبي الدرداء"؛ يعني: مَن خاف الله في معصيةٍ فتركَها يعطيه الله بستانيَن في الجنة، وإن زنى وإن سرقَ في وقتِ وترك لم يُبْطِل زناؤه وسرقته ثوابَ خوفهِ من الله في معصيةِ أخرى غيرِ تلك الزَّنْية والسَّرِقة.
* * *
стр. 1263
١٧٠٤ - عن عامرٍ الرَّامِ أنه قال: بينا نحنُ عندَه - يَعني: عندَ رسول الله ﷺ - إذ أَقْبَلَ رجلٌ عليهِ كساءٌ وفي يدِهِ شيءٌ قد التَفَّ عليهِ، فقال: يا رسولَ الله!، مَرَرْتُ بغَيْضَةِ شجَرٍ، فسمعتُ فيها أصواتَ فِراخِ طائرٍ، فأَخذتُهنَّ، فوَضعتُهنَّ في كِسَائي، فجاءَتْ أُمُّهنَّ، فاستدارَتْ على رأْسِي، فكشَفتُ لها عنهنَّ، فوَقَعَت عليهنَّ، فلفَفْتُهنَّ بكِسائي، فهُنَّ أُولاءِ معي، فقال: "ضَعْهنَّ"، فوضعتُهنَّ، وأَبَتْ أُمُّهنَّ إلَاّ لُزومَهنَّ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "أتَعجَبُونَ لِرُحْمِ أُمِّ الأَفراخ فِراخَها؟ فَوَالذي بعثَني بالحقِّ لَلَّهُ أرحمُ بِعِبَادِهِ مِنْ أُمَّ الأَفْراخِ بفِراخِها، اِرْجِعْ بهِنَّ حتَّى تضَعَهنَّ مِن حَيْثُ أَخَذْتَهنَّ، وأُمّهنَّ معهنَّ"، فرَجَعَ بهنَّ.
"عن عامر الرَّامِ قال: بينا نحن عنده - يعني: عند النبي ﵊ إذْ أقبل رجلٌ"؛ أي: رجع وتوجَّه.
"عليه كِساءٌ" بكسر الكاف؛ أي: خرقةٌ.
"وفي يده شيء قد التفَّ"؛ أي: تلفَّفَ.
"عليه بثوبه، فقال: يا رسولَ الله! مررتُ بغيضةِ شجرٍ"؛ الغَيْضَة: الغابُة، وهي مجتمَعُ الأشجار، أضافَها إلى الشجر إمَّا لمزيد البيان، أو يراد بالشجر المرعى.
"فسمعتُ فيها أصواتَ فراخ طائرٍ": جمع فَرْخٍ: ولدُ الطير.
"فأخذْتُهنَّ فوضَعْتُهنَّ في كسائي، فجاءت أمُّهنَّ فاستدارت"؛ بمعنى: دارت.
"على رأسي فكشفتُ لها عنهنَّ"؛ أي: فرفعتُ الكِساءَ عن وجه الفِرَاخ لأجل أمّهنَّ حتى رَأتهنَّ.
"فوقعتْ عليهنَّ فلفَفْتُهنَّ بكِسَائي، فهنَّ أولاء معي، فقال: ضَعْهنَّ، فوضعتُهنَّ": بين يدَيِ النبي ﵊، فكشفَ ﷺ عنهنَّ وعن أمهنَّ.
стр. 1264
"وأبتْ أمّهنَّ" عن مفارقة فِراخها "إلا لزومَهنَّ": استثناءٌ مفزَغٌ لما في (أبت) مِن معنى النفي؛ يعني: ما ذهبتْ عنهنَّ، بل ثبتَتْ معهنَّ من غاية رُحْمِها بهن.
"فقال رسول الله: أتَعْجَبُون لرُحْم أمِّ الأفراخ فراخَها؟ ": الرُّحْمُ - بضم الراء وسكون الحاء وضمها أيضًا: مصدرٌ بمعنى: الرحمة.
"فوالذي بعثَني بالحق، للهُ أرحَمُ بعباده من أمِّ الأفراخ": جمع قلةٍ.
"بفراخها": جمع كثرةٍ.
"ارجعْ بهن حتى تضعَهن من حيث أخذْتَهُنَّ، وأُمّهنَّ معهنَّ": الواو للحال.
"فرجعَ بهن".
* * *
٦ - باب ما يقُول عند المصَّباح والمَسَاء والمَنام
(باب ما يقول عند الصباح والمساء والمنام)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٧٠٥ - عن عبد الله ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا أَمسَى قال: "أَمسَيْنا، وأَمسَى المُلكُ للهِ، والحمدُ للهِ، ولا إله إلَاّ الله وحدَه لا شَريكَ لهُ، لهُ المُلكُ، ولهُ الحَمْدُ، وهوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، اللهمَّ إنِّي أسألُكَ مِن خَيْرِ هذهِ الليلةِ وخَيْرِ ما فيها، وأَعُوذُ بكَ مِن شَرِّها وشَرِّ ما فيها، اللهمَّ إنِّي أعوذُ بكَ مِن الكَسَلِ، والهَرَمِ، وسُوءِ الكِبْرِ، وفِتنْةِ الدُّنيا، وعَذابِ القَبْرِ"، وإذا أَصبَحَ قالَ ذلكَ أيضًا: "أصبَحْنا، وأصبَحَ الملكُ للهِ".
стр. 1265
وفي رواية: "ربِّ أعوذُ بكَ مِن عَذابٍ في النَّارِ، وعَذاب في القَبْرِ".
"من الصحاح":
" عن عبد الله أنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أمسَى"؛ أي: دخلَ في المساء، وهو أولُ الليل.
"قال: أَمْسَينا"؛ أي: دخلْنا في المساء.
"وأمسى الملكُ لله"؛ أي: صارَ له.
"والحمدُ لله، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير، اللهم! إني أسألُكَ من خير هذه الليلةِ وخيرِ ما فيها"؛ أي: خيرِ ما سكَنَ فيها، ومسألتُه ﵊ خيرَ هذه الأزمنةِ مَجازٌ عن قَبول الطاعات التي قدَّمها فيها.
"وأعوذ بك من شرِّها وشرِّ ما فيها": استعاذتُه ﵊ من شرِّها مجازَّ عن طلب العفو عن ذنبٍ قارفَه فيها.
"اللهم! إني أعوذ بك من الكَسَل"؛ أي: من أن أتثاقل في الطاعة مع استطاعتي.
"والهرم": وهو كِبَرُ السّن الذي يؤدِّي إلى تساقُطِ القوى.
"وسوء الكِبَر": بفتح الباء في الرواية الصحيحة.
قال الخطابي: أراد به: ما يورِثُه كِبَرُ السِّنِّ من ذهاب العقل والتحفُّظِ وتخبُّطِ الرأي والعَجْزِ عن الحركة، وغيرِ ذلك مما يسوءُ به الحال.
"وفتنةِ الدنيا وعذابِ القبر، وإذا أصبح"؛ أي: دخلَ في الصباح.
"قال ذلك"؛ أي: ما يقول في المساء.
следующие страницы →