أنزل عليه الوحي سُمع" - بصيغة المجهول - "عند وجهه"؛ أي: من جانب وجهه وجهته.
"دوي"؛ أي: صوتٌ خفيٌّ لا يُفهم منه شيء.
"كدوي النحل" وذلك الصوت كان صوتَ جبرائيل، كان الوحي يؤثِّر فيهم ويكشف لهم انكشافاً غير تام، وصاروا كمن سمع دويَّ صوت لا يُفهم.
"فأنزل الله إليه يومًا فمكثنا ساعة فسرِّي عنه"؛ أي: كُشف عنه وزال ما اعتراه من برحاء الوحي؛ أي: من شدة الوحي.
"فاستقبل القبلة ورفع يديه وقال: اللهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولا تُهنّا"؛ أي: لا تُذِلَّنا.
"وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا"؛ أي: اخترنا بعنايتك وإكرامك.
"ولا تؤثر"؛ أي: لا تختر "علينا" غيرنا بغضبك وسخطك.
"وأرضنا" بما قضيت علينا، بإعطاء الصبر والاحتمال.
"وارض عنا" بما نقيم من الطاعة اليسيرة التي في جهدنا.
"ثمَّ قال: أنزل علي عشر آياث من أقامهن"؛ أي: عمل بهن "دخل الجنة، ثم قرأ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنين: ١] حتى ختم عشر آيات".
стр. 1332
١٠ - كِتَابُ الحَجِّ
стр. 1333
١٠ - كِتَابُ الحَجِّ
(كتاب الحج)
هو لغة: القصد، وشرعاً: قصد الكعبة بأفعالٍ مخصوصة، في زمان مخصوص، وأماكن مخصوصة؛ للتقرُّب إلى الله تعالى.
١ - باب المَناسِك
(باب المناسك)
هي جمع منسك، بفتح السِّين وكسرها: مصدر ميمي أو مكاني، من نسك ينسك: إذا تعبَّد، ثم سُميت أفعالُ الحج كلُّها مناسك.
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٨٠١ - عن أبي هُريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيُّها النَّاسُ: قَدْ فَرَضَ الله عليكُمْ الحجَّ فَحُجُّوا"، فقالَ رَجل: أكلَّ عامٍ يا رسولَ الله؟ فسكَتَ حتَّى قالَها ثلاثاً، فقال: "لو قلتُ: نعمْ لَوَجَبَتْ، ولَمَا اسْتَطَعْتُمْ".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : أيها النَّاس! قد فرض الله عليكم الحج فحجوا" دليل آخر بعد الكتاب والإجماع على وجوبه.
стр. 1334
"فقال رجل" هو أقرع بن حابس: أكلَّ عام" نصب بمقدَّر؛ أي: أتأمرنا أن نحجَّ كلَّ عام "يا رسول الله؟ " قيل: إنَّما صدر هذا السؤال منه؛ لأنَّ الحج في تعارفهم: القصد بعد القصد، فكانت الصيغة مُوهمةً للتكرار.
"فسكت حتَّى قالها"؛ أي: الأقرعُ الكلمةَ التي تكلَّمها "ثلاثاً" إنَّما سكت ﷺ زجراً له عن السؤال الذي كان السكوت عنه أولى، ثم لمَّا رأى ﵊ السائل لا ينزجر ولا يَقْنعُ إلَّا بالجواب الصريح صرَّح به.
"فقال: لو قلت: نعم، لوجبت"؛ أي: فريضةُ الحج المدلولُ عليها بقوله: فرض أو حجة في كل عام.
"ولما استطعتم".
* * *
١٨٠٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ : أيُّ العَمَلِ أفضلُ؟ قال: "إيمان بالله ورسولهِ"، قيلَ: ثُمَّ ماذا؟ قال: "الجهادُ في سبيلِ الله"، قيلَ ثُمَّ ماذا؟ قال: "حَجٌّ مَبْرُورٌ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: سئل رسول الله ﷺ : أيُّ العمل أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل: ثم ماذا؟ قال: حج مبرور"، وهو الذي لا يخالطه شيء من المآثم، وقيل: هو المقبول المقابَل بالبِرِّ وهو الثواب.
* * *
١٨٠٣ - وقال: "مَنْ حَجَّ لله فَلَمْ يَرْفُثْ ولم يَفْسُقَ رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدْتْهُ أُمُّهُ".
"وعنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : من حج لله فلم يرفث"؛ أي: لم يفحش من القول، ولم يتكلَّم كلامَ الجماع عند النساء.
"ولم يفسق"؛ أي: لم يخرج عن حد الاستقامة.
стр. 1335
"رجع كيوم ولدته أمه"، (يوم) مبني على الفتح مضافٌ إلى الجملة التي بعده.
قيل: (رجع) هنا بمعنى صار وخبره (كيوم)، ويجوز أن يكون على معناه الموضوع له، فيكون (كيوم) حالًا؛ أي: رجع إلى وطنه مشابهاً يومه بيوم ولادته في خلوِّه من الذنوب، لكن على هذا يخرج المكيِّ عما ذكر في الحديث، ويجوز أن يكون بمعنى: فرغ عن أفعال الحج، وإنَّما لم يذكر الجدال في الحديث اعتماداً على الآية.
* * *
١٨٠٤ - وقال: "العُمْرَةُ إلى العُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُما، والحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الجَنَّةَ".
"وعنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما"؛ أي: من الصغائر.
"والحج المبرور ليس له جزاء إلَّا الجنَّة".
* * *
١٨٠٥ - وقال: "إنَّ عُمْرَةً في رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً".
"وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن عمرة في رمضان تعدل"؛ أي: تقابل وتماثل في الثواب.
"حجة"؛ أي: في غيره، يدل على أن فضل الثواب بفضيلة الوقت.
* * *
١٨٠٦ - وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: إنَّ النَّبيَّ ﷺ لَقِيَ ركباً بِالرَّوْحَاءَ، فَرَفَعَتْ
стр. 1336
إليه امرأةٌ صَبيًّا، فقالَتْ: ألِهَذا حَجٌّ؟ قال: "نعم، ولكِ أَجْرٌ".
"وقال ابن عباس ﵄: إن النَّبيّ ﵊ لقي ركباً" جمع راكب، كصحب وصاحب، وهم العشرة فما فوقها من أصحاب الإبل في السفر.
"بالرَّوحاء" بفتح الراء والمد: اسم موضع على نحوٍ من أربعين ميلاً من المدينة، وقيل: ستة وثلاثين ميلاً.
"فرفعت إليه امرأة صبيًا"؛ أي: أخرجته من الهودج رافعة له على يديها.
"فقالت: ألهذا حج؟ "؛ أي: أينفع الحج لهذا؟
"قال: نعم"؛ لأنَّ له حج النفل.
"ولك أجر"؛ لأنك سببه.
* * *
١٨٠٧ - عن ابن عبَّاس: أنَّ امْرَأَةً مِنْ خَثْعَمَ قالَتْ: يا رسولَ الله! إن فَريضةَ الله على عبادِهِ في الحَجِّ أَدْركتْ أبي شَيْخاً كبيرًا لا يُثْبُتُ على الرَّاحِلَةِ، أفأَحُجُّ عنه؟ قال: "نعم"، وذلكَ في حَجَّةِ الوداع.
"وعن ابن عباس: أن امرأة من خَثعم" بفتح الخاء: اسم قبيلة.
"قالت: يا رسول الله! إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت"؛ أي: فريضة الله.
"أبي" مفعول (أدركت).
"شيخاً" منصوب على أنه حال من (أبي)؛ أي: حالَ كونه شيخاً "كبيراً لا يثبت على الراحلة"؛ أي: لا يقدر على ركوب الدابة لضعفه.
"أفأحج عنه؟ قال: نعم، وذلك"؛ أي: المذكور جرى "في حجة الوداع"
стр. 1337
وفيه دليل على وجوب الحج على الزَّمِن والشيخ العاجز عن الحج بنفسه، وهو قول الشَّافعي، وعلي جواز الاستنابة في الحج، وعلي جواز حج المرأة عن الرجل خلافًا للبعض.
* * *
١٨٠٨ - قال: وقال رجلٌ: إنَّ أُختي نَذَرَتْ أنْ تَحُجَّ وإنَّها ماتَتْ، فقال النبيُّ ﷺ : "لَوْ كانَ عليها دينٌ، كُنْتَ قاضيَهُ؟ "، قال: نعم، قال: "فاقضِ دينَ الله، فهو أَحَقُّ بالقَضاءِ".
"وقال"؛ أي: ابن عباس: "قال رجل: إن أختي نذرت أن تحج، وإنها ماتت، فقال النَّبيّ ﵊: لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟، قال: نعم، قال: فاقض دين الله فهو أحق بالقضاء" وفيه دليل على جواز حج الرجل عن المرأة، وعلي أنَّ مَن مات وفي ذمته حق الله من حجٍّ، أو كفارةٍ، أو نذرِ صدقة، أو زكاة، يجب قضاؤها مقدَّماً على الوصايا والميراث، أوصى به أو لا، كقضاء ديون العباد عنه.
* * *
١٨٠٩ - وقال: "لا يَخْلُوَنَّ رجُلٌ بامرأَة، ولا تُسَافِرَنَّ امرأةٌ إلَّا ومعها مَحْرَمٌ" فقالَ رجل: يا رسولَ الله! اكتُتِبْتُ في غَزْوَة كَذَا وكذا، وخَرَجَتْ امْرَأَتي حاجَّة، قال: "اذهَبْ فَاحْجُجْ مع امرأَتِكَ".
"وعنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا يخلونَّ رجل بامرأة، ولا تسافرنَّ امرأة إلَّا ومعها محرم، فقال رجل: يا رسول الله! اكتتبت في غزوة كذا وكذا"؛ أي: كُتب اسمي في جملة الغزاة.
"وخرجت أمرأتي حاجَّةً" وليس معها أحد من المحارم.
стр. 1338
"قال: اذهب فاحجج مع امرأتك"، ولا تخرج للغزو.
* * *
١٨١٠ - وقالت عائشةُ ﵂: اسْتَأْذَنْتُ النَّبيَّ ﷺ في الجهَادِ، فقال: "جِهادكُنَّ الحَجُّ".
"وقالت عائشة ﵂: استأذنت النَّبيّ ﵊ في الجهاد، فقال: جهادكن الحج"؛ يعني: لا جهاد عليكن، وعليكنَّ الحج إذا وجدتَّن الاستطاعة.
* * *
١٨١١ - وعن أبي هُريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُسافرُ امرأةٌ مَسِيْرةَ يومٍ وليلةٍ إلَّا ومعها ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ".
"وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا تسافر امرأة مسيرة يوم وليلة إلَّا ومعها ذو رَحِمٍ مَحْرَمٍ" وهو كلُّ مَن يَحْرُمُ نكاحُها على التأبيد، فيه دليل على عدم لزوم الحج عليها إذا لم يكن معها ذو رحم محرم، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد رحمهما الله.
وقال مالك ﵀: يلزمها إذا كان معها جماعة من النساء.
وقال الشَّافعي: يلزمها إذا كانت معها امرأة ثقة.
* * *
١٨١٢ - وقال ابن عبَّاس ﵄: وَقَّتَ رسولُ الله ﷺ لأهلِ المدينةِ ذا الحُلَيْفَةِ، ولأهلِ الشَّامِ الجُحْفَةَ، ولأِهْلِ نجدٍ قَرْنَ المَنازِلِ، ولأِهْلِ اليَمَنِ يَلَمْلَمَ، فَهُنَّ لَهُنَّ ولمَنْ أتى عَلَيْهِنَّ مِنْ غيرِ أَهْلِهِنَّ لمَنْ كَانَ يُريدُ الْحَجَّ والعُمْرَةَ، فَمَنْ كانَ دُونهن فَمُهَلُّهُ مِنْ أهْلِهِ، وكذاكَ حتَّى أهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْها.
стр. 1339
"وقال ابن عباس ﵄: وقَّت رسول الله ﷺ "؛ أي: بيَّن حدَّ الإحرام ومواضعَه الأهل المدينة ذا الحليفة" وهي على فرسخين من المدينة، وعشرِ مراحلَ من مكَّة، تصغير حلفة مثل قصبة: ماءٌ من مياهٍ بني خثعم أو جشم.
"ولأهل الشّام الجحفة"، وهي بين مكّة والمدينة من الجانب الشَّاميُّ يحاذي ذا الحليفة، على خمسين فرسخاً من مكّة، سميت بها لإجحاف السيل بأهلها؛ أي: إذهابه بهم، وكان اسمها المهيعة قبلَ أنْ أَجْحَفَ السيلُ بأهلها.
"ولأهل نجد قرن المنازل" بسكون الراء وفتحها، وقيل: تحريكها خطأ، جبل أملس مدوَّر كأنه بيضةٌ، مشرفٌ على عرفات، ويقال له: (قرن) بحذف المضاف إليه، و (قرن المنازل) أيضًا بالإضافة.
"ولأهل اليمن يلملم": جبل من جبال تهامة على ميلين من مكّة.
"فهن لهن"؛ أي: فهذه المواقيت لهذه المواقيت؛ أي: لأهلها على حذف المضاف، دل عليه قوله: "ولمن أتى عليهن من غير أهلهنا"؛ أي: هذه المواقيت لأهلهن المار بن بهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن "لمن كان يريد الحج والعمرة" دون مَن لم يُرِدْ شيئًا منهما.
"فمن كان دونهن"؛ أي: من كان بيته أقرب إلى مكّة من هذه المواقيت.
"فمهلُّه"؛ أي: موضع إهلاله؛ أي: إحرامه.
"من أهله"؛ أي: من بيته، ولا يلزمه الذهاب إلى الميقات.
"وكذاك وكذاك"؛ أي: وكذلك الأَدْوَنُ فالأدون، والأَدْخَلُ فالأدخل في المواقيت.
"حتَّى أهل مكّة يهلون منها"؛ أي: يُحْرِمون من بطن مكّة، وهذا مخصوصٌ بالحج؛ لأنَّه ﵊ أمر عائشة ﵂ حين أرادت أن تعتمر بعد التحليل من الحج أن تخرج إلى الحلِّ فتُحْرِمَ منه.
* * *
стр. 1340
١٨١٣ - وعن جابرٍ ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "مُهَلُّ أهْلِ المدينةِ مِنْ ذِيِ الحُلَيْفَةِ، والطَّريقُ الآخَر الجُحْفَةَ، ومُهَلُّ أهلِ العراقِ مِنْ ذاتِ عِرْقٍ، ومُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ قَرْن، ومُهَل أهْلِ اليَمَنِ من يَلَمْلَم".
"وعن جابر عن رسول الله ﷺ أنه قال: مُهَلُّ أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الأخرى فيه حذفُ مضاف؛ أي: مُهَلُّ الطريق الآخر "الجحفة"؛ أي: إذا جاؤوا من طريق الجحفة فهي مهلُّهم.
"ومهل أهل العراق من ذات عرق": وهي على مرحلتين من مكّة، سميت بها لأن هناك عرقاً وهو الجبل الصغير.
"ومهل أهل نجد قرن، ومهل أهل اليمن يلملم".
* * *
١٨١٤ - وقال أنس: اعْتَمَرَ رسولُ الله ﷺ أربعَ عُمَرَ، كُلَّهُنَّ في ذي القَعْدَةِ إلَّا التي كانَتْ مع حجَّته: عُمرةً من الحُدَيْبيَّة في ذي القَعْدَة، وعُمْرةً من العامِ المُقبل في ذي القَعْدَةِ، وعمرةً مِنْ الجعْرانَةِ حيثُ قَسمَ غَنائِمَ حُنَيْنٍ في ذي القَعْدَةِ وقبْلَ أنْ يحُجَّ، وعُمْرَةً مع حَجَّتِهِ".
"وقال أنس ﵁: اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر": جمع عمرة.
"كلهن في ذي القعدة إلَّا التي كانت مع حجته: عمرة من الحديبية" بتخفيف الياء وتشديدها: أحد حدود الحرم، تسعة أميال من مكّة.
"في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة" بكسر الجيم وسكون العين، ومن الرواة من يكسر العين ويشدد الراء، والأكثرون على أنه خطأ، وهي على ستة فراسخ من مكّة، وقيل: على تسعة أميال منها.
"حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته".
* * *
стр. 1341
١٨١٥ - وقال البَراءُ بن عازِب: اعْتَمَرَ رسولُ الله ﷺ في ذي القَعْدَةِ قبلَ أنْ يَحُجَّ مَرَّتَيْنِ.
"وقال البراء بن عازب: اعتمر رسول الله ﷺ في ذي القعدة قبل أن يحج مرتين".
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٨١٦ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "أيُّها النَّاسُ! إنَّ الله كتبَ عليكُمُ الحَجَّ" فقامَ الأقْرَعُ بن حابس فقال: أفي كُلِّ عامٍ يا رسولَ الله؟ قال: "لو قلتُها لَوَجَبَتْ، ولَوْ وَجَبَتْ لمْ تَعمَلُوا بها، ولم تَسْتَطِيعُوا، الحَجُّ مَرَّةٌ، فَمَنْ زادَ فتطَوَّعٌ".
"من الحسان":
" عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : يا أيها النَّاس! إن الله كتب عليكم الحج: فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ قال: لو قلتُها لوجبت"؛ أي: الحجة.
"ولو وجبت لم تعملوا بها ولم تستطيعوا، الحج مرَّة"؛ أي: وجوبُه مرةً واحدة "فمن زاد فتطوَّعٌ".
* * *
١٨١٧ - وعن عليٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ مَلَكَ زَاداً وراحِلَةً تُبلِّغُهُ إلى بَيْتِ الله ولم يَحُجَّ فلا عليهِ أنْ يموتَ يَهُودِيًّا أو نَصْرَانِيًّا، وذلكَ أن الله ﵎ يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ ".
стр. 1342
"وعن عليّ كرم الله وجهه أنه قال: قال رسول الله ﷺ مَن ملَكَ زاداً وراحلة تُبلغه" بضم التاء وفتح الباء، وإنما أفرد الضمير فيه والمرجوع إليه شيئان للذهاب إلى جانب المعنى، وهو الاستطاعة.
"إلى بيت الله ولم يحج، فلا عليه"؛ أي: فلا تفاوُتَ عليه "أن يموت يهودياً أو نصرانياً" وهذا من باب المبالغة في التهديد والوعيد تعظيماً لأمر الحج وتغليظاً على تاركيه، ويجوز أن يكون المراد به مَن لم يحج جاحدًا لوجوبه، وإنَّما خص الطائفتين بالذكر؛ لقلة مبالاتهما بالحج من حيث إنه لم يكن مفروضاً عليهم؛ لأنَّه من شعار هذه الملة خاصة.
"وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾.
* * *
١٨١٨ - وقال: "لا صَرُورَةَ في الإسلامِ".
"وعن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا صَرورة في الإسلام" قيل: (الصَّرورة) - بالصَّاد المهملة المفتوحة: الذي لم يحج، وأصله من الصر: الحبس والمنع؛ أي: لا يجوز ترك الحج مع الاستطاعة.
وقيل: هو التبتُّل، وهو ترك النكاح؛ أي: ليس ينبغي أن يقول: لا أتزوج؛ لأنَّه فعلُ الرهبان لا من أخلاق المؤمنين.
* * *
١٨١٩ - وقال: "مَنْ أَرَادَ الحَجَّ فَلْيُعَجِّلْ".
"وعنه عن النَّبيِّ ﵊ أنه قال: من أراد الحج فليعجل"؛ أي: من وجب الحج عليه واستطاع فليعجل إتيانه، والأمر للاستحباب؛ لأنَّ
стр. 1343
تأخيره جائز بعد وجوبه إلى آخر عمره.
* * *
١٨٢٠ - وقال: "تابعُوا بَيْنَ الحَجِّ والعُمْرَةِ، فإِنَّهمَا يَنْفِيانِ الفَقْرَ والذُّنُوبَ كما يَنْفي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ والذَّهَبِ والفِضَّةِ، وليسَ للحَجَّةِ المبرُورَةِ ثَوَابٌ إلَّا الجَنَّةُ".
"وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ تابعوا بين الحج والعمرة"؛ يعني: إذا حججتم فاعتمروا، وإذا اعتمرتم فحجوا.
"فإنهما ينفيان"؛ أي: يزيلان "الفقر والذنوب كما ينفي الكير": وهو ما يَنفخ فيه الحداد لاشتعال النَّار؛ لتصفية الحديد من الخبث.
"خبثَ الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثوابٌ إلَّا الجنة".
* * *
١٨٢١ - وعن ابن عُمر ﵄ قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا رسول الله! ما يُوجِبُ الحَجَّ؟ قال: "الزَّادُ والرَّاحِلَة".
"وعن ابن عمر ﵄ أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! ما يوجب الحج؟ قال: الزَّاد والراحلة"؛ يعني: الحج واجب على مَن وجدهما.
* * *
١٨٢٢ - وعنه قال: سألَ رَجُلٌ رسولَ الله ﷺ : ما الحَاجُّ؟ قال: "الشَّعِثُ التَّفِلُ"، وقال آخَر: أيُّ الحَجِّ أفْضَلُ؟ قال: "العَجُّ والثَّجُّ"، فقال آخَر:
стр. 1344
ما السَّبيلُ؟ قال: "زادٌ وراحِلَةٌ".
"وعنه أنه قال: سأل رجل رسول الله: ما الحاجُّ؟ "؛ أي: ما صفةُ الحاجِّ الذي يحج؟.
"فقال: الشعث"؛ أي: هو المتفرِّقُ شعرُ رأسه من عدم غسله، وقيل: المغبر الرأس.
"التَّفِل" بفتح التاء وكسر الفاء: تارك الطِّيب.
"فقال آخر: أي الحج أفضل؟ "؛ أي: أيُّ أفعال الحج أفضل؟.
"قال العَجَّ" بفتح العين وتشديد الجيم: رفع الصوت بالتلبية.
"والثَّج، بفتح الثاء وتشديد الجيم: إراقة الدّم؛ أي: دم الهدي.
وقيل: دماء الأضاحي.
ويحتمل أن يراد بهما الاستيعاب، فبدأ بالإحرام الذي هو الإهلال، وانتهى بالتحليل الذي هو إهراق دم الهدي؛ اقتصاراً بالمبدأ والمنتهى عن سائر الأعمال؛ أي: أفضل الحج ما استوعب جميع أعماله من الأركان والمندوبات وغيرهما.
"فقال آخر: ما السبيل؟ "؛ أي: ما استطاعة السبيل المذكور في قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧].
"قال: الزاد والراحلة".
* * *
١٨٢٣ - عن أبي رَزِين العُقَيْلي: أنَّهُ أَتَى النَّبيُّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله!، إنَّ أبي شَيْخٌ كَبيرٌ لا يستطِيعُ الحَجَّ والعُمْرَةَ ولا الظَّعْنَ، قال: "حُجَّ عَنْ أَبيكَ، وَاعْتَمِرْ" صحيح.
стр. 1345
"وعن أبي رزين العقيلي: أنه أتى النَّبيّ ﵊ فقال: يا رسول الله! إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة"؛ أي: لا يستطيع أفعالهما.
"ولا الظعن"؛ أي: الذهابَ أو ركوب الدابة.
"قال: حج عن أبيك واعتمر. صحيح" يدل على جواز النيابة.
* * *
١٨٢٤ - عن ابن عباس ﵄: أن النَّبيَّ ﷺ سَمعَ رَجُلاً يقولُ: لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَة، قال: "مَنْ شُبْرُمَة؟ "، قال: أخٌ لي، أو قريبٌ لي، قال: "أَحَجَجْتَ عَنْ نفسِكَ؟ "، قال: لا، قال: "حُجَّ عَنْ نَفْسِكَ، ثُمَّ حُجَّ عن شُبْرُمَة".
"وعن ابن عباس ﵄: أن النَّبيّ ﵊ سمع رجلًا يقول: لبيك عن شُبْرُمة" بضم الشين وسكون الباء وضم الراء.
"قال: مَن شبرمة؟ قال: أخٌ لي - أو: قريب لي -، قال: أحججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة"، يدل على جواز النيابة أيضاً.
* * *
١٨٢٥ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أن النَّبيَّ ﷺ وَقَّتَ لأهلِ المَشْرِقَ العَقِيقَ.
"وعن ابن عباس ﵄: أن النَّبيّ ﵊ وقت لأهل المشرق"؛ والمراد به: مَن منزله خارج الحرم من شرقي مكّة إلى أقصى بلاد الشرق، وهم العراقيون.
"العقيق": وهو موضع بحذاء ذات عرق، وأصله: كل مسيل شقَّه السيل
стр. 1346
فوسَّعه، من العَقِّ: وهو الشق والقطع، كأنه ﵊ عيَّن لأهل المشرق ميقاتين: العقيق وذاتُ عِرْقٍ، فمَن أحرم من العقيق قبل أن يصل إلى ذات عرق فهو أفضل، ومَن جاوزه فأحرم من ذاتِ عِرْقٍ جاز ولا شيء عليه.
* * *
١٨٢٦ - وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ وَقَّتَ لأهْلِ العِراقِ ذاتَ عِرْقٍ.
"وعن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ وقَّت لأهل العراق ذاتَ عِرْقٍ".
* * *
١٨٢٧ - عن أُمِّ سلَمَةَ: أَنَّها سَمِعَتْ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَنْ أَهَلَّ بحَجَّةِ أو عُمْرَةٍ مِنَ المَسْجدِ الأَقْصَى إلى المَسجدِ الحرامِ غُفِرَ له ما تقدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ وما تأَخَّرَ - أو: وجَبَتْ له الجَنَّةُ - ".
"وعن أم سلمة ﵂ أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: مَن أهلَّ بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر" إنَّما خصَّ المسجد الأقصى لفضله، وليرغم الملة التي محجُّها بيتُ المقدس.
"أو: وجبت له الجنة" شك من الراوي.
* * *
стр. 1347
٢ - باب الإِحْرام والتَّلْبية
(باب الإحرام والتلبية)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٨٢٨ - قالت عائشةُ ﵂: كنتُ أُطَيبُ رسولَ الله ﷺ لإِحْرامِهِ قَبْل أنْ يُحْرِمَ، ولِحِلِّهِ قَبْلَ أنْ يَطُوفَ بالبَيْتِ بطيبٍ فيه مِسْكٌ، كأنِّي أَنظُرُ إلى وَبيْصِ الطِّيبِ في مَفْرِقِ رسولِ الله ﷺ وهو مُحْرِمٌ.
"من الصحاح":
" قالت عائشة ﵂: كنت أطيب رسول الله ﵊ لأحرامه قبل أن يحرم" يدل على أنه يجوز أن يطيب الرجلُ نفسَه قبل أن يُحْرِمَ، وبعده لا.
"ولحلّه" يقال: حَلَّ المُحْرِمُ يَحِلُّ حلالًا: إذا حلَّ له ما حرم عليه من محظورات الحج، يعني: أطيبه ﵊ لحله يوم العيد بعد رمي جمرة العقبة.
"قبل أن يطوف بالبيت بطيبٍ فيه مسكٌ، كأني انظر إلى وبيص الطيب"؛ أي لَمعانه "في مَفارق رسول الله ﷺ " بفتح الميم: جمع مفرق - بكسر الراء وفتحها - وهو وسط الرأس الذي يفرق فيه شعر الرأس جهة، وإنَّما ذُكر على لفظ الجمع تعميماً سائر جوانب الرأس التي يُفرق فيها، كأنهم سمَّوا كلَّ موضع منه مفرقاً.
"وهو محرم" وفي بعض طرق مسلم: (مفرق) على لفظ الواحد.
* * *
стр. 1348
١٨٢٩ - وقال ابن عمر: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يُهِلُّ مُلَبداً يقولُ: "لَبَّيْكَ اللَّهمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لكَ والمُلْكَ، لا شَرِيكَ لكَ" لا يَزِيدُ على هؤلاءَ الكلِماتِ.
"وقال ابن عمر ﵄: سمعت رسول الله ﷺ يُهِلُّ"؛ أي: يرفع صوته بالتلبية "ملبداً"، (التلبيد): إلصاق شعور الرأس بالصمغ أو الخطمي أو غير ذلك؛ كيلا يتخلَّله الغبار، ولا يصيبه شيء من الهوام، ويقيها من حر الشّمس، وهذا جائز عند الشَّافعي، وعندنا لزمه دم إن لبَّد بما ليس فيه طيب؛ لأنَّه كتغطية الرأس، ودمان إن كان فيه طيب.
"يقول: لبيك، معناه: ألبَبْتُ يا رب بخدمتك إلباباً بعد إلبابٍ، من ألبَّ بالمكان: إذا أقام؛ أي: أقمت على طاعتك قياماً بعد قيام.
"اللَّهم لبيك، لا شريك لك لبيك، إن الحمد، بكسر الهمزة بجَعْله كلاماً مستأنفاً، وبفتحها بتعليق (الحمد) بالتلبية، تقديره: لبيك بأنَّ الحمد.
"والنعمة لك والملك" بالنصب عطف على الحمد.
"لا شريك لك، لا يزيد على هؤلاء الكلمات".
* * *
١٨٣٠ - وعن ابن عمر ﵄: أن رسولَ الله ﷺ كانَ إذا أدخَلَ رِجْلَهُ في الغَرْزِ وَاسْتَوَتْ به ناقتُهُ قائمةً أهلَّ منْ عِنْدِ مَسْجدِ ذِي الحُلَيْفَةِ.
"وعن ابن عمر ﵄: أن النَّبيّ ﷺ كان إذا أدخل رجله في الغرز"؛ أي: الركاب "واستوت به ناقته قائمةً"؛ أي: رفعته مستوياً على ظهرها، فالباء للتعدية، وقيل: (به) حال، وكذا (قائمة).
"أهلَّ"؛ أي: رفع صوته بالتلبية ونوى الإحرام "من عند مسجد ذي
стр. 1349
الحليفة" يريد بدأ لإهلالٍ منه.
* * *
١٨٣١ - وقال أبو سَعيد ﵁: خَرَجْنَا مع رسولِ الله ﷺ نَصْرُخُ بالحَجِّ صُراخاً.
"وقال أبو سعيد ﵁: خرجنا مع رسول الله ﷺ نصرخ بالحج صراخاً"؛ أي: نرفع أصواتنا بالتلبية.
* * *
١٨٣٢ - وقال أنسٌ ﵁: كنتُ رَديفَ أبي طَلْحَةَ ﵁، وإنهمْ لَيَصْرُخُونَ بِهِما جميعًا: الحَجِّ وَالعُمْرَةِ.
"وقال أنس ﵁: كنت رديف أبي طلحة ﵁؛ أي: ركبت خلفه.
"وإنهم"؛ أي: الصَّحابة ﵃ "ليصرخون بهما جميعًا: الحج والعمرة" بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هما، والنصبِ بتقدير: أعني، والجرِّ على أنه بدلٌ من الضمير في (بهما)، وهذا يدل على أن القِران أفضل، وبه قلنا.
* * *
١٨٣٣ - وقالت عائشةُ ﵂: خَرَجْنَا مَعَ رسولِ الله ﷺ عامَ حَجَّةِ الوَداعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَة، ومِنَّا مَنْ أَهَلَّ بحَجَّةٍ وعُمْرَة، ومِنَّا مَنْ أَهَلَّ بالحجِّ، وأَهَلَّ رسولُ الله ﷺ بالحجِّ، فأمَّا مَنْ أَهَلَّ بالعُمْرَةِ فَحَلَّ، وأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بالحجِّ أو جَمَعَ الحَجَّ والعُمْرَةَ فلَمْ يَحِلُّوا حتَّى كانَ يَوْمُ النَّحْرِ.
"وقالت عائشة ﵂: خرجنا مع رسول الله ﷺ عام حجة
стр. 1350
الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحجة وعمرة، ومنا من أهل بالحج": يدل على جواز الإفراد والتمتُّع والقِران.
"وأهل رسول الله بالحج" يدل على أن الإفراد بالحج أفضل، وبه قال الشَّافعي ومالك.
"فأمَّا من أهل بعمرة"؛ يعني: أهلَّ بها قبل الحج.
"فحل"؛ أي: خرج من العمرة بعد أن طاف وسعى وحلق، فحلَّ له جميع المحظورات في الإحرام، ثم إذا كان يوم عرفة أحرم بالحج.
"وأمَّا من أهل بالحج أو جمع الحج والعمرة فلم يحلوا حتَّى كان يوم النحر" ففي يوم النحر برميهم جمرة العقبة والحلقِ يحلُّ لهم كلُّ المحظورات إلَّا مباشرة النساء، فيَحِل لهم ذلك بطواف الركن.
* * *
١٨٣٤ - وقال ابن عُمر ﵄: تَمَتَّعَ رسولُ الله ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، بدأَ فَأَهَلَّ بالعُمْرَةِ، ثُمَّ أَهَلَّ بالحَجِّ.
"وقال ابن عمر: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج" حال من (العمرة)؛ أي: استمتع بها منضمَّةَ إلى الحج.
"بدأ فأهل بالعمرة" من الميقات فأتى بأفعالها.
"ثم أهل بالحج" من مكّة.
فإنَّ قيل: روي أنه ﵊ أفرد الحج، وروي أنه تمتَّعَ، وروي أنه قَرَنَ.
قلنا في التوفيق: إنه ﵊ أحرم بعمرة في بدء أمره فمضى فيها متمتِّعاً، ثم أحرم بحجة قبل طوافه وأفردها بالإحرام فصار بها قارناً، كذا
стр. 1351
روي عن الطحاوي.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٨٣٥ - عن زيَد بن ثابت ﵁: أنَّهُ رَأَى النَّبيَّ ﷺ تَجَرَّدَ لإحرامِهِ واغتَسَل.
"من الحسان":
" عن زيد بن ثابت ﵁: أنه رأى النَّبيّ ﵊ تجَّرد"؛ أي: عن ثيابه المَخيطة، ولبس إزاراً ورداءً.
"لإحرامه واغتسل" يدل على أن الغُسل للإحرام سنَّة.
* * *
١٨٣٦ - وعن ابن عمر ﵄: أن النَّبيَّ ﷺ لَبَّدَ رَأْسَهُ بالغِسْل.
"وعن ابن عمر ﵄: أن النَّبيّ ﵊ لبَّد رأسه بالغِسل": بكسر الغين المعجمة وهو ما يُغسل به الرأس من الخطمي وغيره.
* * *
١٨٣٧ - عن خَلَاّد بن السَّائبِ، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَتاني جِبْرِيلُ فَأمَرني أن آمُرَ أَصْحَابي أَنْ يَرْفَعُوا أصوَاتَهُمْ بالإحرام والتَّلْبيَةِ".
"عن خلاد بن السَّائب عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإحرام والتلبية، هذا سهو من النساخين، ولفظ الحديث في "معالم السنن": (بالإهلال، أو قال: بالتلبية) شك من الراوي.
* * *
стр. 1352
١٨٣٨ - عن سَهْل بن سَعْدٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبي إلَّا لَبَّى ما عَنْ يمينه وشِمالِهِ مِنْ حَجَرٍ أو شَجَرٍ أو مَدَرٍ حتَّى تَنْقَطِعَ الأَرْضُ مِنْ ها هُنا وها هُنا".
"عن سهل بن سعد قال: قال رسول الله ﷺ : ما من مسلم يلبِّي إلَّا لبَّى مَن عن يمينه وشماله مِن حجرٍ أو شجرٍ أو مدرٍ" ويروى: (ما عن يمينه) فلا إشكال، ورواية (مَن) تكون على الذهاب بها من حيز الجمادات إلى جملة ذوي العقول؛ ليكون أدلَّ على المعنى المراد؛ أي: يوافق في التلبية كلَّ رطبٍ ويابس على وجه الأرض.
"حتَّى تنقطع الأرض من ها هنا" إشارة إلى حيث تنتهي الأرض شرقاً وغرباً.
* * *
١٨٣٩ - وعن ابن عُمر ﵄ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يَرْكَعُ بِذِي الحُلَيْفَةِ ركعَتَيْنِ، ثُمَّ إذا اسْتَوَتْ بِهِ النَّاقَةُ قائِمَةً عِنْدَ مَسْجدِ ذِي الحُلَيْفَةِ أَهَلَّ بهؤُلاءَ الكَلِمَاتِ، يَعْنِي: التَّلبيَةَ.
"وعن ابن عمر ﵄ أنه قال: كان رسول الله ﷺ : يركع بذي الحليفة"؛ أي: صلَّى فيها "ركعتين، ثم إذا استوت به الناقة قائمة عند مسجد ذي الحليفة أهلَّ بهؤلاء الكلمات؛ يعني التلبية".
* * *
١٨٤٠ - عن عُمارة بن خُزَيْمَة بن ثابتٍ، عن أَبيه، عن النبيِّ ﷺ : أنَّهُ كانَ إذا فرَغَ من تَلْبيتةِ سَألَ الله رضوانه والجَنَّةَ، وَاستَعْفَاهُ برحمتِهِ مِنَ النَّارِ.
"عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن أبيه، عن النَّبيِّ ﵊: أنه كان إذا فرغ من التلبية سأل الله رضوانه والجنة، واستعفاه"؛ أي:
стр. 1353
طلب العفو والإجارة "برحمته من النَّار" وروي: (واستعاذه).
* * *
٣ - قِصَّةُ حجة الوداع
(قصة حجة الوداع) بفتح الواو.
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٨٤١ - قال جابرُ بن عبد الله ﵁: إنَّ رسولَ الله ﷺ مَكَثَ بالمدينةِ تِسْعَ سِنين لم يَحُجَّ، ثُمَّ أَذِّنَ في النَّاسِ بالحَجِّ في العَاشِرَةِ، فَقَدِمَ المدينةَ بَشَرٌ كَثيرٌ، فَخَرْجَنا مَعَهُ حَتَّى إذا أتيْنَا ذَا الحُلَيْفَةِ وَلَدَتْ أسماءُ بنتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بن أبي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إلى رسُولِ الله ﷺ : كَيفَ أَصْنَعُ؟ قال: "اغتَسِلِي، واسْتَثْفِرِي، بِثَوبٍ وَأَحْرِمِي"، فَصَلَّى - يعني رسُولَ الله ﷺ ركعَتَيْنِ في المسجدِ، ثمَّ ركبَ القَصْوَاءَ حتَّى إذا اسْتَوَتْ بِهِ ناقتهُ على البَيْدَاءِ، أَهَلَّ بالتَّوْحِيدِ: "لَبَّيْكَ اللَّهمَّ لَبَّيْكَ، لا شَرِيكَ لكَ، إن الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لكَ والمُلْكَ، لا شَرِيكَ لكَ"، وقال جابر: لَسْنَا ننوِي إلَّا الحَجَّ، لَسْنا نَعْرِفُ العُمْرَةَ، حتَّى إذا أتيْنَا البَيْتَ مَعَهُ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ وطَافَ سَبْعاً: رَمَلَ ثلاثاً، ومشى أرْبَعاً، ثُمَّ تَقَدَّمَ إلى مَقَامِ إبراهيمَ فَقَرَأَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، فَصَلَّى ركعَتَيْنِ جَعَلَ المَقَامَ بينَهُ وبَيْنَ البَيْتِ.
ويُروى: أنَّه قَرَأَ في الرَّكعَتَيْنِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
ثُمَّ رَجَعَ إلى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الباب إلى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾، أَبْدَأُ بما بَدَأَ الله به"، فَبَدَأَ بالصَّفَا، فَرَقِيَ عَلَيْهِ حتَّى رأَى البَيْتَ، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَوَحَّدَ الله وكَبَّرَهُ، وقال: "لا إله إلَّا الله وَحْدَهُ لا شَريكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، ولَهُ الحَمْدُ، وهُوَ عَلَى كُلِّ شيء قَدِيرٌ، لا إله إلَّا الله وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، ونصَرَ عَبْدَهُ، وهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ"، ثُمَّ دَعَا
стр. 1354
بينَ ذلك، قالَ مِثْلَ هذا ثلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ تزَلَ فمشَى إلى المَرْوَةِ، ففعل على المروة كما فعل على الصفا حتَّى اَنْصَبَّتْ قدماهُ في بَطْنِ الوادي سَعَى، حتَّى إذا أصْعَدتْ قدمَاهُ مَشَى، حتَّى أتَى المَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى المَرْوَةِ والنَّاسُ تَحتَهُ فقال: "لَوْ أنِّي اَسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمري ما اَسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقِ الهَدْيَ، وجَعَلْتُها عُمْرَةً، فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ ليَسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً"، فقامَ سُراقَةُ بن جُعْشُم فقال: يا رسولَ الله!، أَلِعَامِنا هذا أمْ للأبدِ؟ فَشَبَّكَ رسولُ الله ﷺ أَصابعَهُ وقال: "دَخَلَتِ العُمْرَةُ في الحَجِّ"، مَرَّتَيْنِ، "لا بلْ لأَبَدِ الأَبَدِ"، وقَدِمَ عَلِيٌّ مِنَ اليَمَنِ بِبُدْنِ النَّبيِّ ﷺ ، فقال: "ماذا قُلْتَ حينَ فَرَضْتَ الحَجَّ؟ "، قالَ: قُلْتُ: اللَّهمَّ إنِّي أُهِلُّ بما أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ ﷺ ، قال: "فإنَّ مَعِيَ الهَدْيَ"، قال: "فأهْدِ، وامكُثْ حرامًا، فلا تَحِلُّ"، قال: فكانَ جماعَةُ الهَدْيِ الذي قَدِمَ بِهِ عَليٌّ مِنَ اليَمَنِ والذي أتَى بِهِ النَّبيّ ﷺ مائَةً، قال: فَحَلَّ النَّاسُ كُلّهُمْ وقَصَّرُوا، إلَّا النَّبيَّ ﷺ ومَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ، فلمَّا كانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إلى مِنًى، فَأَهَلُّوا بالحَجِّ، ورَكبَ النَّبيّ، فَصَلَّى بها الظُّهْرَ والعَصْرَ والمَغْرِبَ والعِشَاءَ والفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قليلاً حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ، وأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ فَضُرِبَتْ لَهُ بنمِرَةَ، فَسَارَ، فَنَزَلَ بها، حتَّى إذا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بالقَصْوَاءَ فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الوادي، فخَطَبَ النَّاسَ، وقال: "إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ كحُرْمَةِ يَوْمِكُم هذا، في شَهْرِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا، أَلَا كلُّ شَيءٍ مِنْ أَمْرِ الجاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيَّ مَوْضُوعٌ، ودِمَاءُ الجاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وإنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ اَبن رَبيعَةَ ابن الحارِث - كانَ مُسْتَرْضعاً في بني سَعْدٍ فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ - ورِبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعة، وأَوَّلُ ربا أَضَعُ مِنْ رِبَانا رِبَا عَبَّاسِ بن عَبْدِ المُطَّلِبِ، فإنَّهُ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاَتَّقُوا الله في النِّسَاءَ، فإنَّكمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ الله، واَسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ الله، ولَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَداً تَكْرَهُونه، فإنَّ فَعَلْنَ ذلكَ فاضْرِبُوهُنَّ ضَرْباً غيرَ مُبَرِّحٍ، ولَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وكِسْوَتُهُنَّ بالمَعْرُوفِ، وقَدْ
стр. 1355
تَرَكْتُ فيكُمْ مَا لنْ تَضلُّوا بَعْدَهُ إِن اَعْتَصَمْتُمْ بِهِ: كِتَابَ الله، وأَنتمْ تُسْألونَ عَنِّي، فَمَا أَنتمْ قَائِلُونَ؟ "، قالوا: نشهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وأَدَّيْتَ ونَصَحْتَ، فقال بإصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ يَرْفَعُها إلى السَّماءَ، ويَنْكُتُهَا إلى النَّاسِ: "اللَّهمَّ اَشْهَدْ، اللَّهمَّ اَشْهَدْ، اللَّهمَّ اَشْهَدْ" ثَلَاثَ مرَّات، ثُمَّ أَذَّنَ بِلالٌ، ثُمَّ أقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أقامَ فَصَلَّى العَصْرَ، ولَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شيئاً، ثُمَّ رَكِبَ حتَّى أتى المَوْقفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ ناقَتِهِ القَصْوَاءَ إلى الصَّخَرَاتِ، وجَعَلَ حَبْلَ المُشاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، واَستقْبَلَ القِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ واقفاً حتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وأَرْدَفَ أُسامَةَ خَلْفَهُ، ودَفَعَ حَتَّى أتى المُزْدلفَةَ، فَصَلَّى بها المَغْرِبَ والعِشاءَ بأَذَانٍ واحِدٍ وإقامَتَيْنِ، ولم يُسَبحْ بَيْنَهُمَا شيْئاً، ثُمَّ اَضْطَجَعَ حتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَصَلَّى الفَجْرَ حينَ تَمينَ لَهُ الصُّبْحُ بأَذَانٍ وإقامَةٍ، ثمَّ رَكِبَ القَصْوَاءَ حَتَّى أتى المَشْعَرَ الحَرامَ، فاَسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فَحَمِدَ الله وكَبَّرَهُ وهَلَّلَهُ ووَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ واقِفاً حَتَّى أسْفَرَ جِدًّا، فَدَفَع قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وأَرْدَفَ الفَضْلَ بن عَبَّاسٍ حتَّى أتى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قليلاً، ثُمَّ سَلَكَ الطَّريقَ الوُسْطَى التي تَخْرُجُ على الجَمْرَةِ الكُبْرَى، حَتَّى أتى الجَمْرَةَ التي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فرماهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبرُ مَعَ كُلِّ حصَاةٍ منها مِثْلَ حَصَى الخَذْفِ، فَرَمَى مِنْ بَطْنِ الوادِي، ثُمَّ اَنْصَرَفَ إلى المَنْحَرِ، فَنَحَرَ ثلاثًا وسِتِّينَ إبلاً بيَدِهِ، ثُمَّ أَعْطَى عَلِيًّا فَنَحَر ما غَبَرَ، وأَشْرَكَهُ في هَدْيهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ، فَجُعِلَتْ في قِدْرٍ فَطُبخَتْ، فَأَكَلا مِنْ لَحْمِهَا، وشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ الله ﷺ ، فَأفاضَ إلى البَيْتِ، فَصَلَّى بمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَى بني عَبْدِ المُطَّلِبِ يَسْقُونَ على زَمْزَمَ، فقالَ: "انْزَعوا بني عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَلَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمُ النَّاسُ على سِقَايتِكُمْ لَنَزَعْتُ مَعَكُمْ"، فَنَاوَلُوهُ دلواً، فَشَرِبَ منهُ.
"من الصحاح":
" قال جابر بن عبد الله ﵄: إن رسول الله ﷺ مكث بالمدينة تسع سنين لم
стр. 1356
يحج، ثم أذَّن في النَّاس بالحج"؛ أي: نادى بينهم بأني أريد الحج "في العاشرة"؛ أي: في السنة العاشرة من الهجرة.
"فقدم المدينة بشر كثير، فخرجنا معه، حتَّى إذا أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس" زوجة أبي بكر ﵁ "محمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله ﷺ : كيف أصنع؟ قال: اغتسلي واستثفري بثوب"، وقد مر بيان الاستثفار في (باب الاستحاضة).
"وأحرمي، فصلَّى - يعني: رسول الله ﷺ ركعتين في المسجد، ثم ركب القصواء": اسم ناقته ﷺ ، وكل ما قُطع أذنه فهو جَدْعٌ، فإذا بلغ القطعُ الربعَ فهو قَصْو، فإن جاوزه فهو عَضْبٌ، فإن استؤصلت فهو صَلْم.
"حتَّى إذا استوت به ناقته على البيداء" وهي المفازة التي لا شيء بها، وهو هنا اسم موضع مخصوص بين مكّة والمدينة.
"أهلَّ بالتوحيد: لبيك اللَّهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، قال جابر: لسنا ننوي إلَّا الحج"؛ أي: لسنا ننوي شيئاً من النيات إلَّا نية الحج.
"ولسنا نعرف العمرة"؛ أي: ما قصدناها ولا ذكرناها في الحج، وكان أهلُ الجاهلية يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، وإنَّما كانوا يعتمرون بها بعد مضيها.
"حتَّى إذا أتينا البيت معه استلم الركن"؛ أي: الحجر الأسود إما بالقُبلة أو باليد.
"فطاف سبعاً: رمل ثلاثاً"؛ أي: أسرع في المشي في ثلاث مرات من الطواف.
"ومشى" على الهينة والسكون "أربعاً"؛ أي: في الأربعة الباقية.
стр. 1357
"ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾، فصلَّى ركعتين، جعل المقام بينه وبين البيت، ويروى أنه قرأ في الركعتين: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ثم رجع إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من الباب"؛ أي: باب الصفا.
"إلى الصفا، فلما دنا"؛ أي: قَرُب "من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ": جمع شَعيرة، وهي العلامة التي جعلت للطاعات المأمورة في الحج كالوقوف والرمي والطواف والسعي.
"أبدأ بما بدأ الله به"؛ يعني: أبدًا بالصفا؛ لأنَّه تعالى بدأ بذكره في الآية.
"فبدأ بالصفا فرَقيَ"؛ أي: صعد "عليه حتَّى رأى البيت، فاستقبل القبلة، فوحد الله تعالى"؛ أي: قال: لا إله إلَّا الله.
"وكبره وقال: لا إله إلَّا الله وحده، لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلَّا الله وحده، أنجز وعده"؛ أي: وفى بما وعد محمداً من الفتح.
"ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك" إشارة إلى قوله: (لا إله إلَّا الله)، أو بما شاء.
"قال مثل هذا ثلاث مرات، ثم نزل فمشى إلى المروة حتَّى انصبَّتْ"؛ أي: بلغت "قدماه" على وجه السرعة إلى أرض منخفض.
"في بطن الوادي، سعى" سعياً شديدًا.
"حتَّى إذا صعدت"؛ أي: ارتفعت "قدماه" من الوادي.
"مشى" على السكون.
"حتَّى أتى المروة ففعل" على المروة "كما فعل على الصفا"؛ يعني: رقي على المروة وقرأ من الذكر والدعاء كماه في الصفا.
стр. 1358
"حتَّى إذا كان آخر طوافه"؛ أي: آخر سعيه، يعني: آخر السعي السبعة.
"على المروة نادى وهو على المروة والنَّاس تحته فقال: لو أني استقبلت"؛ يعني: لو علمت في الاستقبال "من أمري ما استدبرت"؛ أي: ما علمت في دبرٍ منه، يعني: لو عنَّ لي هذا الرأي الذي رأيته الآن عند خروجي من المدينة "لم أسُق الهديَ" حتَّى لا يلزمني إتمام الحج، والصبر على الإحرام إلى الذبح، فإنَّ بسوقه لا يحلَّ حتَّى ينحر يوم النحر، ولو لم يكن معه هدي لا يلزم هذا، ويجوز له فسخ الحج بعمرة، أراد بهذا القول تطييبَ قلوب أصحابه؛ لأنَّه كان يشقُّ عليهم أن يحفُوا وهو مُحِرمٌ.
"وجعلتها"؛ أي: الحجة أو النسيكة.
"عمرة"؛ أي: جعلت إحرامي بالحج مصروفاً إلى العمرة كما أمرتكم به موافقةً لكم.
"فمن كان" الفاء فيه جواب شرط محذوف، يعني: إذا تقرَّر ما ذكرتُ فمَن كان "ليس معه هدي فليَحْلِلْ"؛ أي: فليخرج من إحرامه بعد فراغه من أفعال العمرة.
"وليجعلها"؛ أي: الحجة.
"عمرة" وقد أبيح له ما حرم عليه بسبب الإحرام حتَّى يستأنف الإحرام للحج.
"فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله! ألعامنا هذا"؛ يعني: الإتيان بالعمرة في أشهر الحج مختصٌّ بهذه السنة "أم للأبد؟ فشبَّك رسول الله ﷺ أصابعه وقال: دخلتِ العمرةُ في الحج، مرتين"؛ أي: قالها مرتين.
"لا، بل لأبد أبدٍ"؛ يعني: ليس هذا مختصاً بهذه السنة، بل يجوز في جميع السنة.
стр. 1359
"وقدم عليّ من اليمن ببُدْنِ النَّبيّ ﵊": جمع بَدَنةِ، وهي ما يتقرَّب بذبحه من الإبل.
"فقال"؛ أي: النَّبيّ ﵊ لعلي ﵁: "ماذا قلتَ حين فرضْتَ الحجَّ؟ "؛ أي: ألزمْتَه على نفسك بالتلبية.
"قال"؛ أي: عليّ ﵁:
"قلت: اللَّهم إنِّي أُهِلُّ بما أَهَلَّ به رسولك" يدل على جواز تعليق إحرام الرجل على إحرام غيره.
"قال"؛ أي: النبيُّ ﵊: "فإنَّ معي الهدي"؛ أي: إنِّي أحرمت بالعمرة ومعي الهدي، ولا أقدر أن أخرج من العمرة، بل قد أدخلت الحج فيها، "فلا تحل، بالخروج من الإحرام كما لا أحل حتَّى تفرغ من العمرة والحج.
"قال"؛ أي: الراوي: "فكان جماعة الهدي" من الإبل "الذي قدم به"؛ أي: بذلك الهدي "عليّ ﵁ من اليمن، والذي أتى به النَّبيّ ﷺ مئة" من الهدي.
"قال"؛ أي: الراوي: "فحل النَّاس كلهم"؛ أي: خرج من الإحرام مَن أحرم بالعمرة ولم يكن معه هديٌ بعد الفراغ منها "وقصروا إلَّا النَّبيّ ﵊ ومن كان معه هدي، فلما كان يوم التروية" وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، سمي به لأنَّ الحجاج يرتوون فيه من الماء لما بعده، وقيل: لأنَّ خليل الله ﵇ تروَّى؛ أي: تفكَّر فيه في ذبح إسماعيل ﵇، وأنه كيف يصنع، حتَّى جزم عزمه في اليوم العاشر بذبحه.
"توجهوا"؛ أي: خرجوا من مكّة "إلى منى فأهلوا بالحج"؛ أي: أحرم به مَن كان خرج عن إحرامه بعد الفراغ من العمرة.
стр. 1360
"وركب النَّبيّ" ﵊ وسار من مكّة إلى منى يوم التروية.
"فصلَّى بها"؛ أي: بمنى في هذا اليوم.
"الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، ثم مكث"؛ أي: وقف "قليلاً حتَّى طلعت الشّمس، وأمر بقبة"؟ أي: بضرب قبة "من شعر تضرب له" بصيغة المجهول.
"بنمِرة" بفتح النون وكسر الميم: موضع قريب من عرفة.
"فسار فنزل بها حتَّى إذا زاغت الشّمس"؛ أي: سألت فدخلت وقت الظهر.
"أمر بالقصواء"؛ أي: بإحضارها.
"فرُحِلَتْ له"؛ أي: شُدَّ عليها الرَّحْلُ للنبي ﷺ .
"فأتى بطن الوادي" موضعٌ بعرفة.
"فخطب النَّاس فقال: إن دمائكم وأموالكم"؛ أي: تعرُّض بعضكم دماءَ بعض وأمواله في غير هذه الأيام "حرام عليكم كحرمة يومكم هذا"؛ أي: كحرمة التعرُّض لهما في يوم عرفة.
"في شهركم هذا" وهو ذو الحجة.
"في بلدكم هذا" وهو مكّة، وإنَّما أكد التحريم بهذا التشبيه لمَّا تقرَّر عندهم أنها من أشد المحرمات.
"ألا كل شيء من أمر الجاهلية"؛ أي: كلُّ شيء فعله أحدكم قبل الإسلام.
"تحت قدمي موضوع"؛ أي: كالشيء الموضوع تحت القدم، مجازٌ عن إبطاله وإهداره، يعني: لا مؤاخذة عليه بعد الإسلام بما فعله في الجاهلية.
стр. 1361
"ودماء الجاهلية موضوعة"؛ أي: متروكة؛ يعني: لا قصاص، ولا دية، ولا كفارة، على قاتلٍ بعد الإسلام بما صدر عنه من القتل في جاهليته.
"وإن أول دم أخرجه من دمائنا"؛ أي: من الدماء المستحقة لنا.
"دم ابن ربيعة بن الحارث" ابن عبد المطّلب.
"وكان مسترضعاً"؛ يعني: كان لابن ربيعة ظئر ترضعه "في بني سعد" وكان طفلاً صغيراً يحبو بين البيوت، فأصابه حجر في حرب بني سعد مع قبيلة هذيل، "فقتلته هذيل".
"وربا الجاهلية موضوع، وأولُ رباً أخرجه من ربانا ربا العباس" بدل من (ربانا) "بن عبد المطّلب، فإنَّه موضوع كله" المراد به ما هو زائد على رأس المال؛ لأنَّ رأس ماله غير متروك؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧٩]، وإنَّما وضع ﵊ أولاً من الدماء دم ابن ربيعة ومن الأربية ربا عمه العباس بن عبد المطّلب؛ ليكون أمكنَ في القلوب وأدعى إلى القبول.
"فاتقوا الله في النساء"؛ أي: في أمرهن فلا تؤذوهن بالباطل.
"فإنكم أخذتموهن بأمان الله"؛ أي: بعهده، وهو ما عُهد إليهم من الرفق بهنَّ والشفقة عليهن ومعاشرتهن بالمعروف.
"واستحللتم فروجهن بكلمة الله"؛ أي: بأمره وحُكمه، وهو قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣].
"ولكم"؛ أي: من حقوقكم.
"عليهن أن لا يوطئن" بهمزة من باب الإفعال.
"فُرُشَكم أحدًا تكرهونه"؛ أي: أن لا يأذنَّ لأحد من الرجال الأجانب أن يدخلوا عليهن فيتحدثَ إليهن، وكان ذلك من عادة العرب لا يرون به بأساً، فلما
стр. 1362
نزل آية الحجاب انتهوا عنه، وليس هذا كنايةً عن الزنا، وإلا كان عقوبتهن الرجم دون الضرب.
"فإن فعلن ذلك"؛ أي: الإيطاء المذكور.
"فاضربوهن ضرباً غير مبرح"؛ أي: غير جارح.
"ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف"؛ أي: باعتبار حالكم غنًى وفقراً.
"وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده"؛ أي: بعد تركي إياه فيكم "إن اعتصمتم"؛ أي: إذا عملتم "به: كتاب الله" - بالنصب - بدل أو بيان لـ (ما): في التفسير بعد الإبهام تفخيمٌ لشأن القرآن، ويجوز بالرفع بأنه خبر مبتدأ محذوف.
"وأنتم تُسألون عني" - بصيغة المجهول - عطفٌ على مقدَّر وهو: قد بلغت ما أُرسلت به إليكم، يعني: سألكم ربكم يوم القيامة أن محمدًا ﵊ هل بلغكم ما أرسلتُ به؟.
"فما أنتم قائلون" في ذلك اليوم؟.
"قالوا: نشهد أنك قد بلغت، الرسالة، "وأديت" الأمانة، "ونصحت" أمتك.
"فقال بإصبعه السبابة"؛ أي: أشار بها "يرفعها" حال من فاعل (قال)؛ أي: رافعاً إياها، أو من (السبابة)؛ أي: مرفوعة.
"إلى السماء وبنكِّبُها" بالباء الموحدة بعد الكاف، من (النَّكَب) بالتحريك: الميل؛ أي: يُميلها "إلى النَّاس: اللَّهم اشهد"؛ أي: على عبادك فإنهم قد أقرُّوا بأنِّي قد بلَّغتُ إليهم رسالتك، "اللَّهم اشهد، اللَّهم اشهد، ثلاث مرات".
"ثم أذَّن بلال، ثم أقام فصلَّى الظهر، ثم أقام فصلَّى العصر"؛ أي: جمع
стр. 1363
بينهما "ولم يصل بينهما شيئًا، من السنن والنوافل كيلا يَبْطُلَ الجمع؛ لأنَّ الموالاة بين الصلاتين واجبة.
"ثم ركب حتَّى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات" يريد بها اللاصقة بصفح الجبل، وهو موقف الإمام، وكان ﷺ يتحرى الوقوف به.
"وجعل جبل المشاة": أسم موضع من الرمل مرتفعة كالكثبان، وقيل: الجبل: الرمل المستطيل، وإنما أضافها إلى المشاة لأنَّه لا يقدر أن يصعد إليها إلَّا الماشي.
"بين يديه، واستقبل القبلة فلم يزل واقفاً حتَّى غربت الشّمس وأردف أسامة"؛ أي أركبه "خلفه ودفع"؛ أي: ذهب "حتَّى أتى المزدلفة" وهي منزلةٌ بين منى وعرفة، سميت بها لمجيء النَّاس إليها في زلف من الليل.
"فصلَّى بها المغرب والعشاء بآذان وإقامتين ولم يسبح بينهما"؛ أي: لم يصلِّ بين المغرب والعشاء "شيئاً": من السنن والنوافل.
"ثم اضطجع حتَّى طلع الفجر فصلَّى الفجر حين تبيّن له الصبح بأذان وإقامة، ثم ركب القصواء حتَّى أتى المشعر الحرام" سمي به لأنَّه مَعْلَمٌ للعباد، والمشاعر: المعالم التي ندب الله تعالى إليها وأمر بالقيام عليها.
"فاستقبل القبلة فحمد الله وكبره وهلَّله ووحَّده، فلم يزل واقفاً حتَّى أسفر جداً"؛ أي: أضاء الفجر إضاءة تامة.
"فدفع قبل أن نطَّلع الشّمس وأردف الفضل بن عباس ﵁ "؛ أي: أركبه خلفه "حتَّى أتى بطن محسِّر" بكسر السِّين المشددة: وادٍ معترضٌ للطريق يقطعها عرضًا، التحسُّر: الإعياء، سمي هذا الموضع به لإسراع الركاب والمشاة فيه.
"فحرك"؛ أي: طرد ناقته.
стр. 1364
"قليلاً"؛ أي: تحريكاً قليلاً، وأسرع إلى منى لأداء العبادات المأمورة بها فيها.
"ثم سلك"؛ أي: مشى.
"الطريق الوسطى" هو غير الطريق الذي ذهب فيه إلى عرفات.
"التي تخرج على الجمرة الكبرى، ثم أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبِّر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف" بالخاء والذال المعجمتين: الرمي برؤوس الأصابع.
"فرمى من بطن الوادي ثم انصرف"؛ أي: رجع من جمرة العقبة "إلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين" بدنة "بيده" كأنه قصد به أن ينحر عن كل سنة من سني عمره بيده بدنة.
"ثم أعطى علياً فنحر ما غبر"؛ أي: ما بقي، والباقي كان سبعةً وثلاثين تمام المئة.
"وأشركه"؛ أي: النبيُّ ﵊ علياً "في هديه"؛ أي: أعطاه بعض الهدايا لينحره عن نفسه؛ لأنَّه لم يكن له هديٌ في تلك الحجة.
"ثم أمر من كل بدنة ببَضعة" بفتح الباء الثَّانية؛ أي: بقطعة من اللحم.
"فجعلت في قِدْرٍ فطُبخت، فأكلا من لحمها" الضمير يعود إلى القِدْرِ، ويحتمل أن يعود إلى الهدايا.
"وشربا من مرقها" يدل على جواز الأكل من هدي التطوع.
"ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت"؛ أي: مشى إلى الكعبة لطواف الفرض.
"فصلَّى بمكة الظهر فأتى عليّ بني عبد المطّلب"؛ يعني: عباس بن
стр. 1365
عبد المطّلب ومتعلَّقيه.
"وهم يسقون على زمزم"؛ أي: ينزعون الماء من بئر زمزم ويسقون النَّاس.
"فقال: انزعوا بني عبد المطّلب، بحذف النداء، دعاء لهم بالقوة على النزع والاستقاء، يريد أن هذا العمل - أي: النزع - عمل صالح مرغوب فيه لكثرة ثوابه.
"فلولا أن يغلبكم النَّاس على سقايتكم"؛ يعني: لولا مخافةُ كثرة الازدحام عليكم بحيث يؤدي إلى إخراجكم عنه رغبة في النزع "لنزعت معكم، فناولوه"؛ أي: أعطوه "دلواً فشرب منه" فصار الشرب منه سنةً.
* * *
١٨٤٢ - وقالت عائشة ﵂: خَرَجْنَا مَعَ رسول الله ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ، فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ، ومِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ، فلمَّا قَدِمْنا مَكَّةَ فقالَ رسُولُ الله ﷺ : "مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ ولَمْ يُهْدِ فَلْيَحْلِلْ، ومَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وأَهْدَى فَلْيُهِلَّ بالحَجِّ مَعَ العُمْرَةِ، ثُمَّ لا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُما".
وفي روايةٍ: "فلا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ بنحْرِ هَدْيهِ، ومَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتمَّ حَجَّهُ".
وقالَتْ: فَحِضْتُ، ولَمْ أَطُفْ بالبَيْتِ، ولا بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فَلَمْ أَزَلْ حائِضاً حتَّى كانَ يَوْمُ عَرَفَةَ، ولَمْ أُهِلَّ إلَّا بِعُمْرَةٍ، فَأمَرَني النَّبيّ ﷺ أَنْ أنْقُضَ رَأْسي وأَمْتَشِطَ، وأُهِلَّ بالحَجِّ، وأترُكَ العُمْرَةَ، فَفَعَلْتُ حتَّى قَضَيْتُ حَجَّتي، بَعَثَ مَعِي عَبْدَ الرَّحمن بن أَبي بَكْر، وأَمَرَني أَنْ أَعْتَمِرَ مَكانَ عُمْرَتي مِنَ التَّنْعِيم، قالت: فَطَافَ الذينَ كانُوا أَهَلوا بالعُمْرَةِ بالبيتِ وبَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ،
стр. 1366
ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافاً بَعْدَ أنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وأَمَّا الذينَ جَمَعُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ فإِنَّما طافوا طَوَافاً واحِداً.
"وقالت عائشة ﵂: خرجنا مع النَّبيّ ﵊ في حجة الوداع، فمنا من أهلَّ بعمرة، ومنا من أهل بحجة، فلما قدمنا مكّة قال رسول الله ﷺ : من أهل بعمرة ولم يُهْدِ"؛ أي: لم يكن معه هديٌ "فليَحْلِلَ، ومن أحرم بعمرةٍ وأهدى"؛ أي: كان معه هدي "فليُهِلَّ بالحج مع العمرة"؛ أي: فليُدْخِل الحجَّ في العمرة ليكون قارناً.
"ثم لا يَحِلَّ حتَّى يَحِلَّ منهما"؛ يعني: لا يَخْرُج من الإحرام ولا يَحِلُّ له شيء من المحظورات حتَّى يُتم أفعال الحج والعمرة جميعًا.
"وفي رواية: فلا يحلَّ حتَّى يحلَّ بنحر هديه"؛ أي: حتَّى يأتي يوم العيد، فإنَّه لا يجوز نحر الهدي قبله، "ومن أهل بحج فليتم حجه".
"قالت: فحضتُ ولم أَطُفْ بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فلم أزل حائضاً حتَّى كان يوم عرفة ولم أُهلَّ إلَّا بعمرة، فأمرني رسول الله ﷺ أن أنقض رأسي وأمتشط"؛ أي: أمرني أن أخرج من إحرام العمرة، وأتركها باستباحة المحظورات من التمشُّط وغيره؛ لعدم القدرة على الإتيان بأفعالها بسبب الحيض".
"وأهلَّ بالحج"؛ أي: أمرني أن أُحرم بالحج "وأترك العمرة، ففعلت حتَّى قضيت حجي فبعث معي عبد الرحمن بن أبي بكر وأمرني أن أعتمر مكان عمرتي"؛ أي: بدلها، نصبٌ على المصدر.
"من التنعيم": موضع قريبٌ من مكَّة بينها وبينه فرسخ، وبهذا تمسُّك أبو حنيفة ﵀.
وقال الشَّافعي: ليس معناه أنه ﵊ أمرها بترك العمرة
стр. 1367
رأساً، بل أمرها بترك أفعال العمرة من الطواف والسعي وإدخال الحج في العمرة لتكون قارنة، وأمَّا عمرتُها بعد الفراغ من الحج فكانت تطوُّعاً لتطييب نفسها؛ لئلا تظن لحوق نقصانٍ بترك أعمال عمرتها.
"قالت: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة"؛ أي: الذين أفردوا العمرة عن الحج.
"بالبيت وبين الصفا والمروة"؛ يعني: طافوا طوافاً للعمرة.
"ثم حلُّوا، ثم طافوا طوافاً، للحج في يوم النحر.
"بعد أن رجعوا من منى" إلى مكّة.
"وأمَّا الذين جمعوا الحج والعمرة فإنَّما طافوا طوافاً واحدًا" يوم النحر لهما جميعاً، وعليه الشَّافعي، وعندنا: يلزم القارنَ طوافان: طوافٌ قبل الوقوف بعرفة للعمرة، وطوافٌ بعده للحج.
* * *
١٨٤٣ - وقال عبد الله بن عُمر: تَمَتَّعَ رسولُ الله ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ بالعُمْرَةِ إلى الحَجَّ، فساقَ مَعَهُ الهَدْيَ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وبدأَ فَأَهَلَّ بالعُمْرَة، ثُمَّ أَهَلَّ بالحَجِّ فتمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبيِّ ﷺ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، فكانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى، ومِنْهُم مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبيِّ ﷺ مَكَّةَ قال للنَّاسِ: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فإنَّهُ لَا يَحِلُّ من شيءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضيَ حَجَّهُ، ومَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بالبَيْتِ وبالصَّفَا والمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ ولْيَحْلِلْ، ثُمَّ لْيُهِلَّ بالحَجِّ، ولْيُهْدِ، فَمَنْ لَمْ يَجدْ هَدْياً فَلْيَصُمْ ثلاثةَ أيَّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةً إذا رَجَعَ إلى أهْلِهِ" فَطَافَ حينَ قَدِمَ مَكَّةَ، واَسْتَلَمَ الرُّكْنَ أوَّلَ شيء، ثُمَّ خَبَّ ثلاثةَ أطْوافٍ،
стр. 1368
ومشَى أرْبعاً، فَرَكَعَ حينَ قَضَى طَوافُهُ بالبَيْتِ عِنْدَ المَقَامِ ركعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فاَنْصَرَفَ، فَأتى الصَّفَا، فطافَ بالصَّفَا والمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحِلَّ مِنْ شيءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وأَفاضَ فطافَ بالبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شيء حَرُمَ مِنْهُ، وفعَلَ مِثْلَ ما فعلَ رسولُ الله ﷺ مَنْ ساقَ الهَديَ مِنَ النَّاسِ.
"وقال عبد الله بن عمر: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، فساق معه الهديَ من ذي الحليفة وبدأ فأهلَّ بالعمرة، ثم أهلَّ بالحج، فتمتَّع النَّاس مع النَّبيّ ﵊ بالعمرة إلى الحج، فكان من النَّاس من أهدى، ومنهم من لم يهدِ، فلما قدم النَّبيّ ﵊ مكّة قال للناس: من كان منكم أهدى فإنَّه لا يَحِلُّ من شيء حرمَ منه حتَّى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصِّرْ ولْيَحلِلْ، ثم ليُهِلَّ بالحج ولْيُهْدِ"؛ أي: يلزمه هديُ التمتُّع لتقديمه العمرة على الحج في أشهره.
"فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيَّام في الحج" قبل يوم النحر "وسبعة إذا رجع إلى أهله".
"فطاف"؛ أي: النَّبيّ ﷺ للقدوم "حين قدم مكّة، واستلم الركن"؛ أي: مسح الحجر الأسود بيده.
"ثم خب ثلاثة أطواف"؛ أي: أسرع في المشي في ثلاث مرات إظهاراً للجلادة والرجولية من نفسه ومِمَّن معه من الصّحابة؛ كيلا يظنَّ الكفار أنهم عاجزون ضعفاء.
"ومشى أربعاً"؛ أي: مشى على السكون في أربع مرات.
"فركع"؛ أي: فصلَّى "حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم
стр. 1369
سلم فانصرف، فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف (١)، ثم لم يحل من شيء حرم منه حتَّى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر، وأفاض فطاف بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه، وفعل مثل ما فعل رسولُ الله ﷺ مَن ساق الهدي من النَّاس".
* * *
١٨٤٤ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "هذِهِ عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَا بِها، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ الهَدْيُ فَلْيَحِلَّ الحِلَّ كُلَّهُ، فإنَّ العُمْرَةَ قَدْ دَخَلَتْ في الحَجَّ إلى يَوْمِ القيامَةِ".
"وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : هذه عمرة استمتعنا بها" استَدَلَّ به مَن قال: إنه ﵊ كان متمتعاً، فمعناه: أنه استمتع بأنَّ قدَّم العمرةَ على الحج، واستباح محظورات الإحرام بعد الفراغ من العمرة حتَّى يحرم بعد ذلك بالحج، ومن قال: إنه كان قارناً، أوَّلَ قولَه: (استمتعنا) بأنَّ: استَمْتَعَ من أمرتُه من أصحابي بتقديم العمرة على الحج، فأضاف فعلهم إلى نفسه لأنَّه هو الآمر.
"فمن لم يكن عنده الهدي فليَحِلَّ الحلَّ كلَّه" تأكيد له؛ أي: فليَجْعَلَ حلالاً على نفسه جميعَ ما حلَّ له قبل الإحرام بالعمرة بعد الفراغ من أفعالها.
"فإنَّ العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة"؛ يعني: إن دخولها فيه في أشهُره لا يختص بهذه السنة، بل يجوز في جميع السنين.
* * *
стр. 1370
٤ - باب دُخُول مَكَّةَ والطواف
(باب دخول مكّة والطواف)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٨٤٥ - قال نافِع: إنَّ ابن عُمَرَ ﵄ كانَ لا يَقْدَمُ مَكَّةَ إلَّا باتَ بذِي طُوَى حتَّى يُصْبحَ، ويَغْتَسِلُ، ويَدْخُلُ مَكَّةَ نهارًا، وإذا نفَرَ مَرَّ بذِي طُوًى، وباتَ بها حتَّى يُصْبحَ، ويَذْكُرُ أن النَّبيَّ ﷺ كانَ يفعلُ ذلك.
"من الصحاح":
" قال نافعٌ: كان ابن عمر ﵄ لا يَقْدَمُ مكّة إلَّا بات بذي طُوى" بضم الطاء وفتحها: اسم موضع بمكة داخل الحرم، وقيل: اسم بئر عند مكّة في طريق أهل المدينة، يعني: أنه كان إذا وصل إلى ذلك الموضع ليلاً لم يدخل مكّة، بل بات فيه.
"حتَّى يصبح ويغتسل فيه فيدخل مكّة نهارًاً" فالأفضل أن يدخلها نهارًا؛ ليرى البيت من البعيد ويدعو.
"وإذا نفر منها"؛ أي: رجع من مكّة "مر بذي طُوى وبات بها حتَّى يصبح، ويذكر" عطف على خبر (كان)؛ أي: كان ابن عمر يجمع هذه الأفعال ويذكر "أن نبي الله ﷺ كان يفعل ذلك".
* * *
١٨٤٦ - وقالت عائشة ﵂: إنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا جَاءَ إلى مَكَّةَ دَخَلَها مِنْ أَعْلَاها وخَرَجَ مِنْ أَسفَلِهَا.