ثُمَّ حَلُّوا، ثُمَّ طَافُوا طَوَافاً بَعْدَ أنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى، وأَمَّا الذينَ جَمَعُوا الحَجَّ والعُمْرَةَ فإِنَّما طافوا طَوَافاً واحِداً.
"وقالت عائشة ﵂: خرجنا مع النَّبيّ ﵊ في حجة الوداع، فمنا من أهلَّ بعمرة، ومنا من أهل بحجة، فلما قدمنا مكّة قال رسول الله ﷺ : من أهل بعمرة ولم يُهْدِ"؛ أي: لم يكن معه هديٌ "فليَحْلِلَ، ومن أحرم بعمرةٍ وأهدى"؛ أي: كان معه هدي "فليُهِلَّ بالحج مع العمرة"؛ أي: فليُدْخِل الحجَّ في العمرة ليكون قارناً.
"ثم لا يَحِلَّ حتَّى يَحِلَّ منهما"؛ يعني: لا يَخْرُج من الإحرام ولا يَحِلُّ له شيء من المحظورات حتَّى يُتم أفعال الحج والعمرة جميعًا.
"وفي رواية: فلا يحلَّ حتَّى يحلَّ بنحر هديه"؛ أي: حتَّى يأتي يوم العيد، فإنَّه لا يجوز نحر الهدي قبله، "ومن أهل بحج فليتم حجه".
"قالت: فحضتُ ولم أَطُفْ بالبيت ولا بين الصفا والمروة، فلم أزل حائضاً حتَّى كان يوم عرفة ولم أُهلَّ إلَّا بعمرة، فأمرني رسول الله ﷺ أن أنقض رأسي وأمتشط"؛ أي: أمرني أن أخرج من إحرام العمرة، وأتركها باستباحة المحظورات من التمشُّط وغيره؛ لعدم القدرة على الإتيان بأفعالها بسبب الحيض".
"وأهلَّ بالحج"؛ أي: أمرني أن أُحرم بالحج "وأترك العمرة، ففعلت حتَّى قضيت حجي فبعث معي عبد الرحمن بن أبي بكر وأمرني أن أعتمر مكان عمرتي"؛ أي: بدلها، نصبٌ على المصدر.
"من التنعيم": موضع قريبٌ من مكَّة بينها وبينه فرسخ، وبهذا تمسُّك أبو حنيفة ﵀.
وقال الشَّافعي: ليس معناه أنه ﵊ أمرها بترك العمرة
стр. 1367
رأساً، بل أمرها بترك أفعال العمرة من الطواف والسعي وإدخال الحج في العمرة لتكون قارنة، وأمَّا عمرتُها بعد الفراغ من الحج فكانت تطوُّعاً لتطييب نفسها؛ لئلا تظن لحوق نقصانٍ بترك أعمال عمرتها.
"قالت: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة"؛ أي: الذين أفردوا العمرة عن الحج.
"بالبيت وبين الصفا والمروة"؛ يعني: طافوا طوافاً للعمرة.
"ثم حلُّوا، ثم طافوا طوافاً، للحج في يوم النحر.
"بعد أن رجعوا من منى" إلى مكّة.
"وأمَّا الذين جمعوا الحج والعمرة فإنَّما طافوا طوافاً واحدًا" يوم النحر لهما جميعاً، وعليه الشَّافعي، وعندنا: يلزم القارنَ طوافان: طوافٌ قبل الوقوف بعرفة للعمرة، وطوافٌ بعده للحج.
* * *
١٨٤٣ - وقال عبد الله بن عُمر: تَمَتَّعَ رسولُ الله ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ بالعُمْرَةِ إلى الحَجَّ، فساقَ مَعَهُ الهَدْيَ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وبدأَ فَأَهَلَّ بالعُمْرَة، ثُمَّ أَهَلَّ بالحَجِّ فتمَتَّعَ النَّاسُ مَعَ النَّبيِّ ﷺ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، فكانَ مِنْ النَّاسِ مَنْ أَهْدَى، ومِنْهُم مَنْ لَمْ يُهْدِ، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبيِّ ﷺ مَكَّةَ قال للنَّاسِ: "مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أَهْدَى فإنَّهُ لَا يَحِلُّ من شيءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضيَ حَجَّهُ، ومَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَهْدَى فَلْيَطُفْ بالبَيْتِ وبالصَّفَا والمَرْوَةِ وَلْيُقَصِّرْ ولْيَحْلِلْ، ثُمَّ لْيُهِلَّ بالحَجِّ، ولْيُهْدِ، فَمَنْ لَمْ يَجدْ هَدْياً فَلْيَصُمْ ثلاثةَ أيَّامٍ في الحَجِّ وسَبْعَةً إذا رَجَعَ إلى أهْلِهِ" فَطَافَ حينَ قَدِمَ مَكَّةَ، واَسْتَلَمَ الرُّكْنَ أوَّلَ شيء، ثُمَّ خَبَّ ثلاثةَ أطْوافٍ،
стр. 1368
ومشَى أرْبعاً، فَرَكَعَ حينَ قَضَى طَوافُهُ بالبَيْتِ عِنْدَ المَقَامِ ركعَتَيْنِ، ثُمَّ سَلَّمَ فاَنْصَرَفَ، فَأتى الصَّفَا، فطافَ بالصَّفَا والمَرْوَةِ سَبْعَةَ أَطْوَافٍ، ثُمَّ لَمْ يَحِلَّ مِنْ شيءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى قَضَى حَجَّهُ، وَنَحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ، وأَفاضَ فطافَ بالبَيْتِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شيء حَرُمَ مِنْهُ، وفعَلَ مِثْلَ ما فعلَ رسولُ الله ﷺ مَنْ ساقَ الهَديَ مِنَ النَّاسِ.
"وقال عبد الله بن عمر: تمتع رسول الله ﷺ في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، فساق معه الهديَ من ذي الحليفة وبدأ فأهلَّ بالعمرة، ثم أهلَّ بالحج، فتمتَّع النَّاس مع النَّبيّ ﵊ بالعمرة إلى الحج، فكان من النَّاس من أهدى، ومنهم من لم يهدِ، فلما قدم النَّبيّ ﵊ مكّة قال للناس: من كان منكم أهدى فإنَّه لا يَحِلُّ من شيء حرمَ منه حتَّى يقضي حجه، ومن لم يكن منكم أهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة، وليقصِّرْ ولْيَحلِلْ، ثم ليُهِلَّ بالحج ولْيُهْدِ"؛ أي: يلزمه هديُ التمتُّع لتقديمه العمرة على الحج في أشهره.
"فمن لم يجد هدياً فليصم ثلاثة أيَّام في الحج" قبل يوم النحر "وسبعة إذا رجع إلى أهله".
"فطاف"؛ أي: النَّبيّ ﷺ للقدوم "حين قدم مكّة، واستلم الركن"؛ أي: مسح الحجر الأسود بيده.
"ثم خب ثلاثة أطواف"؛ أي: أسرع في المشي في ثلاث مرات إظهاراً للجلادة والرجولية من نفسه ومِمَّن معه من الصّحابة؛ كيلا يظنَّ الكفار أنهم عاجزون ضعفاء.
"ومشى أربعاً"؛ أي: مشى على السكون في أربع مرات.
"فركع"؛ أي: فصلَّى "حين قضى طوافه بالبيت عند المقام ركعتين، ثم
стр. 1369
سلم فانصرف، فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف (١)، ثم لم يحل من شيء حرم منه حتَّى قضى حجه ونحر هديه يوم النحر، وأفاض فطاف بالبيت، ثم حل من كل شيء حرم منه، وفعل مثل ما فعل رسولُ الله ﷺ مَن ساق الهدي من النَّاس".
* * *
١٨٤٤ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "هذِهِ عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَا بِها، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ الهَدْيُ فَلْيَحِلَّ الحِلَّ كُلَّهُ، فإنَّ العُمْرَةَ قَدْ دَخَلَتْ في الحَجَّ إلى يَوْمِ القيامَةِ".
"وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : هذه عمرة استمتعنا بها" استَدَلَّ به مَن قال: إنه ﵊ كان متمتعاً، فمعناه: أنه استمتع بأنَّ قدَّم العمرةَ على الحج، واستباح محظورات الإحرام بعد الفراغ من العمرة حتَّى يحرم بعد ذلك بالحج، ومن قال: إنه كان قارناً، أوَّلَ قولَه: (استمتعنا) بأنَّ: استَمْتَعَ من أمرتُه من أصحابي بتقديم العمرة على الحج، فأضاف فعلهم إلى نفسه لأنَّه هو الآمر.
"فمن لم يكن عنده الهدي فليَحِلَّ الحلَّ كلَّه" تأكيد له؛ أي: فليَجْعَلَ حلالاً على نفسه جميعَ ما حلَّ له قبل الإحرام بالعمرة بعد الفراغ من أفعالها.
"فإنَّ العمرة قد دخلت في الحج إلى يوم القيامة"؛ يعني: إن دخولها فيه في أشهُره لا يختص بهذه السنة، بل يجوز في جميع السنين.
* * *
стр. 1370
٤ - باب دُخُول مَكَّةَ والطواف
(باب دخول مكّة والطواف)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٨٤٥ - قال نافِع: إنَّ ابن عُمَرَ ﵄ كانَ لا يَقْدَمُ مَكَّةَ إلَّا باتَ بذِي طُوَى حتَّى يُصْبحَ، ويَغْتَسِلُ، ويَدْخُلُ مَكَّةَ نهارًا، وإذا نفَرَ مَرَّ بذِي طُوًى، وباتَ بها حتَّى يُصْبحَ، ويَذْكُرُ أن النَّبيَّ ﷺ كانَ يفعلُ ذلك.
"من الصحاح":
" قال نافعٌ: كان ابن عمر ﵄ لا يَقْدَمُ مكّة إلَّا بات بذي طُوى" بضم الطاء وفتحها: اسم موضع بمكة داخل الحرم، وقيل: اسم بئر عند مكّة في طريق أهل المدينة، يعني: أنه كان إذا وصل إلى ذلك الموضع ليلاً لم يدخل مكّة، بل بات فيه.
"حتَّى يصبح ويغتسل فيه فيدخل مكّة نهارًاً" فالأفضل أن يدخلها نهارًا؛ ليرى البيت من البعيد ويدعو.
"وإذا نفر منها"؛ أي: رجع من مكّة "مر بذي طُوى وبات بها حتَّى يصبح، ويذكر" عطف على خبر (كان)؛ أي: كان ابن عمر يجمع هذه الأفعال ويذكر "أن نبي الله ﷺ كان يفعل ذلك".
* * *
١٨٤٦ - وقالت عائشة ﵂: إنَّ النَّبيَّ ﷺ لمَّا جَاءَ إلى مَكَّةَ دَخَلَها مِنْ أَعْلَاها وخَرَجَ مِنْ أَسفَلِهَا.
стр. 1371
"وقالت عائشة ﵂: إن النَّبيّ ﵊ لمَّا جاء إلى مكّة دخلها من أعلاها وخرج من أسفلها"، فيكون ذلك سنَّة.
* * *
١٨٤٧ - عن عُرْوَةُ بن الزُّبَيْر: قَدْ حجَّ النَّبيُّ ﷺ ، فَأَخْبَرتنِي عائشةُ ﵂ أن أَوَّلَ شيءٍ بدأَ بِهِ حينَ قَدِمَ أَنَّهُ توضَّأَ، ثُمَّ طافَ بالبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ حَجَّ أبُو بَكْرٍ ﵁ فكانَ أَوَّلَ شيءٍ بدأَ بِهِ الطَّوافُ بالبَيْتِ، ثُمَّ لَمْ تَكُنْ عُمْرَةٌ، ثُمَّ عُمَرُ، ثُمَّ عُثْمَانُ مِثْلَ ذلك.
"وقال عروة بن الزُّبير: قد حج النَّبيّ ﵊ فأخبرتني عائشة ﵂: أنه" الضمير للشأن "أولُ شيء بدأ به حين قدم"؛ أي: قدم مكَّة "أنه توضأ" فالجملةُ المنعقدةُ من المبتدأ والخبر مفسِّرةٌ لضمير الشأن، أو عائدٌ إلى النَّبيّ ﵊، فالجملة خبر (أَنَّ)، ويجوز أن ينصب (أول) على الظرفية بعاملٍ مضمر، فتكون (أن) الثَّانية بدلًا من الأولى، وفي بعض النسخ: (أَنَّ أول شيء).
"ثم طاف بالبيت" يدل على استحباب طواف القدوم كتحية المسجد.
"ثم لم تكن عمرةٌ، كذا رواه البُخاريّ، (كان) تامة؛ أي: ثم لم يوجد بعد الطواف عمرةٌ، فيكون من كلام عروة.
"ثم حج أبو بكر ﵁، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرةٌ، ثم عمر، ثم عثمان ﵄، مثل ذلك"، وفي رواية مسلم -: (ثم لم يكن غيَّره) بالغين المعجمة والياء المشددة؛ أي: (ثم لم يكن) بعد الطواف (غيَّره)؛ أي: لم يغير الحجَّ، ولم ينقله، ولم يفسخه إلى غيره، لا عمرة ولا قران.
* * *
стр. 1372
١٨٤٨ - وقال ابن عمر: كانَ رسولَ الله ﷺ إذا طَافَ في الحَجِّ أو العُمْرَةِ أَوَّلَ ما يَقْدَمُ سَعَى ثلاثةَ أَطْوافٍ، ومشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ سَجدَ سَجْدَتَيْنِ، ثُمَّ يَطُوفُ بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ.
"وقال ابن عمر ﵄: كان رسول الله ﷺ إذا طاف في الحج أو العمرة أول ما يقدم" بنصب (أول) على الظرفية؛ أي: في أول قدومه.
"سعى ثلاثة أطواف"؛ أي: أسرع بالمشي فيها.
"ومشى" على السكون.
"أربعة، ثم سجد سجدتين"؛ أي: صَلَّى ركعتين، "ثم يطوف بين الصفا والمروة".
* * *
١٨٤٩ - وقال: رَمَلَ رَسولُ الله ﷺ مِنَ الحَجَرِ إلى الحَجَرِ ثلاثًا، ومَشى أَرْبَعاً، وكانَ يَسْعَى بين المِيْلَينِ بَطْنَ المَسِيلِ إذا طَافَ بيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ.
"وقال"؛ أي: الراوي: "رمل رسول الله ﷺ من الحجر إلى الحجر"؛ أي: ابتدأ من الحجر الأسود وأسرع في مشيه حتَّى وصل إليه، فعل ذلك "ثلاثًا، ومشى أربعاً، يدل على استحباب الرَّمَل في الثلاثة الأُول والهِينة في الأربعة الأخيرة.
"وكان يسعى ببطن المسيل": اسم موضع بين الصفا والمروة.
"إذا طاف بين الصفا والمروة"؛ يعني: إذا نزل من الصفا يمشي على السكون حتَّى وصل أول بطن المسيل، ثم سعى سعياً شديداً حتَّى وصل إلى آخره.
* * *
стр. 1373
١٨٥٠ - وقال جَابرِ ﵁: إنَّ رسُولَ الله ﷺ لمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أتى الحَجَرَ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ مَشَى على يمينهِ، فرَمَلَ ثَلاثاً، ومشَى أَرْبَعاً.
"وقال جابر ﵁: إن رسول الله ﷺ لما قدم مكّة أتى الحجر فاستلمه ثم مشى على يمينه"؛ أي: يمين الحجر الأسود، يعني: دار حول الكعبة بحيث جعل الكعبة على يساره، "فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً".
* * *
١٨٥١ - وسُئِلَ ابن عُمر عَنْ اسْتِلَامِ الحَجَر؛ قال: رأَيْتُ رسولَ الله ﷺ يَسْتَلِمُهُ ويُقَبلُهُ.
"وسئل ابن عمر عن استلام الحجر فاستلمه وقال: رأيت رسول الله ﷺ يستلمه ويقبله" والاستلام: أن يتناوله بلمس أو تقبيل أو إدراكِ بعضٍ، والحجر للبيت بمثابة اليد اليمنى يَسُوغُ تقبيله للوافدين إليه تعظيماً له.
* * *
١٨٥٢ - وقال ابن عمر ﵄: لَمْ أَرَ النَّبيَّ ﷺ يَسْتَلِمُ مِنَ البَيْتِ إلَّا الرّكنَيْنِ اليَمَانِيَيْنِ.
"وقال ابن عمر ﵁ لم أر النبيَّ ﵊ يستلم من البيت إلَّا الركنين اليمانيين": هما الركن الأسود والركن اليماني، وإنَّما قيل: اليمانيان؛ للتغليب، خصَّهما بالاستلام لبقائهما على بناء إبراهيم، دون الركنين الآخرين يقال لهما: الشاميان.
* * *
١٨٥٣ - وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: طافَ النَّبي ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ على بَعِيرٍ
стр. 1374
يَسْتَلِمُ الرُّكنَ بِمِحْجَنٍ.
"وقال ابن عباس ﵄ طافَ النَّبيّ ﷺ في حجة الوداع على بعير يستلم الركن"؛ أي: الحجر الأسود.
"بمحجن"؛ أي: بعصاً معوجِّ الرأس مثل الصولجان.
* * *
١٨٥٤ - وعنه: أن رسولَ الله ﷺ طَافَ بالبَيْتِ على بَعِيرٍ كلَّمَا أَتَي على الرُّكنِ أَشَارَ بشيءٍ في يَدِهِ، وكبَّرَ.
"وعنه: أن النَّبيّ ﵊ طاف بالبيت على بعير، كلما أتى على الركن أشار بشيء في يده وكبَّر" الحديث يدل على جواز الطواف راكبًا، ولكن المشي أفضل.
* * *
١٨٥٥ - وعن أبي الطُّفَيْل ﵁ قال: رَأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ يَطُوفُ بالبَيتِ، ويَسْتَلِمُ الرُّكنَ بِمِحْجَنٍ مَعَهُ، ويُقَبلُ المِحْجَنَ.
"وعن أبي الطفيل أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن" وفيه من التعظيم ما ليس في تقبيل اليد؛ لأنَّه أقرب إلى التواضع، وأبعدُ من تهمة الترفُع، وفيه دليل على أن العاجز عن الاستلام بيده له ذلك بعصاً وسوطٍ ونحوِهما، وله تقبيل ذلك الشيء.
* * *
١٨٥٦ - وقالتْ عائشةُ ﵂: خَرَجْنَا مَعَ النَّبيِّ ﷺ لا نَذْكُرُ إلَّا
стр. 1375
الحَجَّ، فلمَّا كُنّا بِسَرِفَ طَمِثْتُ، فَدَخَلَ النَّبيُّ ﷺ وأَنا أَبْكِي، فقالَ: "لَعَلَّكِ نَفِسْتِ؟ "، قلتُ: نعم، قال: "فإنَّ ذلكَ شيءٌ كتبَهُ الله على بناتِ آدَمَ، فاَفْعَلِي ما يَفْعَلُ الحَاجُّ غيْرَ أن لا تَطُوفي بالبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي".
"وقالت عائشة ﵂: خرجنا مع النَّبيّ ﵊ لا نذكر إلَّا الحج"؛ أي: لا ننوي ولا نُحرِمُ إلَّا بالحج.
"فلما كُنَّا بسَرِف" بفتح السِّين وكسر الراء المهملتين: اسم موضع بمكة على ستة أميال، وقيل: سبعة، وقيل: عشرة، وهو منصرِفٌ على تأويل المكان، وغيرُ منصرفٍ على تأويل البقعة.
"طَمِثْتُ" بفتح الطاء وكسر الميم؛ أي: حِضْتُ.
"فدخل النَّبيّ ﵊ وأنا أبكي، قال: لعلك نَفِسْتِ؟ " بفتح النون وكسر الفاء؛ بمعنى: حضت.
"قلت: نعم، قال: فإنَّ ذلك شيء كتبه الله تعالى عليّ بنات آدم، فافعلي ما يفعل الحاجُّ غَيرَ أن لا تطوفِي بالبيت حتَّى تطهري" يدل على أن للحائض أن تأتي بمناسك الحج إلَّا الطواف، فإنَّه لا يجوز بدون الطهارة.
* * *
١٨٥٧ - وقال أبو هريرةَ ﵁: بَعَثَنِي أبو بَكْرٍ ﵁ في الحَجَّةِ التي أَمَّرَهُ النَّبيّ ﷺ عَلَيْهَا قبْلَ حَجَةِ الوَداعِ يَوْمَ النَّحْرِ في رَهْطٍ يُؤَذِّن في النَّاسِ: أَلا لا يَحُجُّ بَعْدَ العَامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفُ بالبَيْتِ عُرْيانٌ.
"وقال أبو هريرة ﵁: بعثني أبو بكر ﵁ في الحجة التي أمَّره النَّبيّ ﵊ عليها، بتشديد الميم؛ أي: جعله أميرًا على القافلة في السنة التاسعة "قبل حَجة الوداع" بفتح الحاء وكسرها.
стр. 1376
"يوم النحر" منصوب على الظرفية لـ (بعثني)، "في رهط" متعلِّقٌ به.
"يؤذِّن" بصيغة الغائب، والضمير راجع إلى الرهط باعتبار اللفظ، ويجوز أن يكون لأبي هريرة على الالتفات؛ أي: يُعْلِم "في النَّاس" ويروى على صيغة المتكلم.
"ألا لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوفنَّ بالبيت عريان": وكانوا في الجاهلية يطوفون عراة، ويقولون: لا نطوف في ثياب عصينا فيها.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٨٥٨ - سُئِلَ جابر ﵁ عَنِ الرَّجُلِ يَرى البَيْتَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ؟، قال: قد حَجَجْنَا معَ رَسُولِ الله ﷺ فَلَمْ نكُنْ نفعَلُهُ.
"من الحسان":
" سئل جابر ﵁ عن الرجل يرى البيتَ" حال من الرجل، وكذا "يرفع يديه" قال: قد حججنا مع رسول الله ﷺ فلم يكن يفعله"؛ أي: لم يكن النَّبيّ ﷺ يرفع يديه عند رؤية الكعبة، وبهذا قال أبو حنيفة والشّافعيّ ومالك رحمهم الله تعالى.
* * *
١٨٥٩ - عن أبي هُرَيرةَ ﵁ قال: أَقْبَلَ رَسُولُ الله ﷺ فدخلَ مَكَّةَ، فأَقْبَلَ إلى الحَجَرِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ طافَ بالبَيْتِ، ثُمَّ أتى الصَّفَا، فَعَلاهُ حتَّى ينْظُرَ إلى البَيْتِ، فرفعَ يَدَيْهِ، فجعَلَ يذكُرُ الله ما شاءَ ويدعُو.
"وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: أقبل رسول الله ﷺ فدخل مكّة، فأقبل إلى
стр. 1377
الحجر فاستلمه، ثم طاف بالبيت، ثم أتى الصفا فعَلَاه حتَّى ينظر إلى البيت، فرفع يديه فجعل يذكر الله ما شاء ويدعو": وبهذا قال أحمد وسفيان الثوري.
* * *
١٨٦٠ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الطَّوَافُ حَولَ البَيْتِ مِثْلُ الصَّلاةِ إلَّا أَنكمْ تتكَلَّمُونَ فيهِ، فَمَنْ تَكَلَّمَ فيهِ فلا يَتكَلَّمَنَّ إلَّا بِخَيْرٍ"، ووقفَه الأكثَرون على ابن عباس.
"وعن ابن عباس ﵄ أن النَّبيّ ﵊ قال: الطواف حول البيت مثل الصَّلاة"؛ أي: في وجوب الطهارة عن الحدث والخبب وستر العورة.
"إلَّا أنكم تتكلمون فيه" يجوز أن يكون الاستثناء متصلاً؛ أي: إلَّا في التكلم، وأن يكون منقطعاً؛ أي: لكن رخِّص لكم التكلُّم فيه.
"فمن تكلم فيه فلا يتكلمن إلا بخير" "وقفه الأكثرون على ابن عباس".
* * *
١٨٦١ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "نزَلَ الحَجَرُ الأَسْوَدُ مِنَ الجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَياضاً مِنَ اللَّبن، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بني آدَمَ" صحيح.
"وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : نزل الحجر الأسود من الجنة، وفي بعض النسخ: (حجر الأسود) بالإضافة، فيكون من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، وهذا يجوز حمله على ظاهره، ويجوز التأويل بأنه أراد به مشاركتَه لجواهر الجنة في الكرامة كأنه نزل منها.
стр. 1378
"وهو أشد بياضاً من اللبن"؛ يعني: أنه كان من الصفاء والنورانية على هذا النعت.
"فسوَّدته خطايا بني آدم" معناه: ذنوب الزائرين بيت الله انتقلت منهم إلى الحجر فصار أسود، كما جاء في الحديث: "إن مسح الحجر الأسود ينفي الذنوب" وهذا شيء يقبله المؤمن بالإيمان تصديقاً لقوله ﵊، وفيه تنبيهٌ على أن الخطايا تؤثر في الجماد فتجعلُ المبيضَّ منه مسوداً، فكيف بقلوبكم؟!.
"صحيح".
* * *
١٨٦٢ - وعنه قال: قال رسولُ الله ﷺ في الحَجَرِ: "والله لَيَبْعَثنَّهُ الله يَوْمَ القِيامَةِ لَهُ عَيْنَانِ يبْصِرُ بِهِمَا، ولسانٌ يَنْطِقُ بِهِ، يَشْهَدُ على مَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ، وعلى مَنِ استلَمَهُ بغير حقٍّ".
"وعنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ في الحجر: والله ليبعثنه الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما، ولسانٌ ينطق به يشهد على مَن استلمه" (على) هاهنا بمعنى اللام.
"بحق"؛ أي: بتعظيم وإحترام.
"وعلى من استلمه بغير حق"؛ أي: باستهزاء واستخفاف، والنطقُ - بعد أن كان جماداً لا حياة فيه - ليميز بين المشهود له وعليه من زوَّاره، ولا امتناع فيه لأنَّه تعالى قادر على جميع الممكنات.
* * *
стр. 1379
١٨٦٣ - وعن ابن عُمر ﵄ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "إنَّ الرُّكْنَ والمَقَامَ ياقُوتتَانِ مِنْ ياقُوتِ الجَنَّةِ طَمَسَ الله نُورَهُمَا، ولَوْ لَمْ يَطْمِسْ نُورَهما لأَضَاءَا مَا بين المَشْرِقِ والمَغْرِبِ".
"وعن ابن عمر ﵄ أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إنَّ الرُّكنَ والمقام ياقوتتان من ياقوت الجنة" والتأويل: أن فضلهما على سائر الأحجار كفضل ياقوت الجنة الباقية على ياقوت هذه الدُّنيا الفانية، وهذا لامتناع تبدُّل ما احتوت عليه الجنة وزوالِه.
"طمس الله"؛ أي: أذهب.
"نورهما" ليكون الإيمان بهما بالغيب، لأنَّه لو لم يطمس نورهما لكان الإيمان بهما إيماناً بالشهادة، والموجِبُ للثواب هو الإيمان بالغيب.
"ولو لم يطمس نورهما لأضاءا ما بين المشرق والمغرب".
* * *
١٨٦٤ - وعن ابن عُمر ﵄: أنَّهُ كانَ يُزَاحِمُ على الرُّكْنَيْنِ، وقال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إنَّ مَسْحَهُمَا كَفارَةٌ لِلخَطايَا" وسَمِعَتْهُ يقولُ: "مَنْ طافَ بهذا البيتِ أُسْبوعاً يُحْصِيهِ، فيُصَلِّي ركعَتَيْنِ كَانَ كَعِتْقِ رَقَبَةٍ، وما وَضَعَ رَجُلٌ قَدَماً ولا رَفَعَهَا إلَّا كتَبَ الله لَهُ بها حَسَنَةً، ومَحَا عَنْهُ بِهَا سَيئَةً ورَفَع لَهُ بها دَرَجَةً".
"وعن ابن عمر ﵄ أنه كان يزاحم" على بناء الفاعل.
"على الركنين"؛ أي: اليمانيين، يعني: يُوْقع نفسه بين الخلق المجتمعِ عند الحجر الأسود والركن اليماني حتَّى يتمسَّح بهما.
"وقال: سمعت رسول الله يقول؟ إن مسحهما كفارةٌ للخطايا، وسمعته
стр. 1380
يقول: من طاف بهذا البيت أسبوعاً"؛ أي: سبعة أيام متوالية بحيث "يحصيه"؛ أي: يعدُّه ولا يترك بين الأيام السبعة يوماً.
"وصلَّى" إثر طوافِ كلّ يوم "ركعتين، كان كعتق رقبة" وقيل: أسبوعًا؛ أي: سبعاً.
"وما وضع رجلٌ قدماً ولا رفعها إلا كتب الله له بها حسنة، ومحا عنه بها سيئة، ورفع له بها درجة".
* * *
١٨٦٥ - عن عبد الله بن السَّائب ﵁: أنَّهُ سَمعَ النَّبيَّ ﷺ يقولُ فيما بينَ رُكْنِ بني جُمَع والرُّكْنِ الأَسْوَد: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ".
"عن عبد الله بن السائب أنه سمع النبي ﵊ يقول: فيما بين ركن بني جُمَح" بضم الجيم وفتح الميم: بطنٌ من قريش، أراد به الركن اليماني، وإضافته إليهم لأن مساكنهم كانت من ذلك الشق.
"والركن الأسود" هو الحجر الأسود.
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
* * *
١٨٦٦ - عن صَفِيةَ بنت شَيْبَة قالتْ: أخْبَرتْنِي بنتُ أَبي تُجْراةَ قالتْ: دَخَلْتُ مع نِسْوَة مِنْ قُرَيْشٍ دارَ آلِ أبي حُسِيْنٍ ننظُرُ إلى رسُولِ الله ﷺ وهو يسعى بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فَرَأَيْتُهُ يَسْعَى وإنَّ مِئْزَرَهُ لَيَدُورُ مِنْ شدَّةِ السَّعِي، وسَمِعْتُهُ يقولُ: "اسْعُوْا، فإنَّ الله كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ".
стр. 1381
"عن صفية بنت شيبة قالت: أخبرتني بنت أبي تُجْراة" بضم التاء وسكون الجيم.
"قالت: دخلتُ مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين ننظر" بصيغة المتكلم.
"إلى رسول الله ﷺ وهو يسعى بين الصفا والمروة، فرأينه يسعى وإن مئزره ليدور" حول رجليه ويلتف بهما "من شدة السعي، وسمعته يقول: اسعوا فإن الله كتب"؛ أي: فرض "عليكم السعي" بين الصفا والمروة، ومَن لم يَسْعَ لم يصحَّ حجّه عند الشافعي ومالك وأحمد، وقال أبو حنيفة: هو تطوُّعٌ، وعنه أنه واجب.
* * *
١٨٦٧ - عن قُدَامَةَ بن عبد الله بن عَمَّارٍ قال: رَأَيتُ رسُولَ الله ﷺ يَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ على بَعِيرٍ، لا ضَرْبَ ولا طَرْدَ، ولا إلَيْكَ إلَيْكَ.
"عن قدامة بن عبد الله بن عمار ﵁ أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يسعى بين الصفا والمروة على بعير لا ضرب" هناك "ولا طرد"؛ أي: لم يكونوا يضربون الناس ولا يطردونهم.
"ولا" قول: "إليك إليك" اسم فعل؛ أي: ابعد عني، كما هو عادة الملوك والجبابرة، بل يمشي عنده مَن شاء من الفقير والغني.
* * *
١٨٦٨ - عن ابن يَعْلَى، عن أبيه: أن النَّبيَّ ﷺ طَافَ بالبَيْتِ مُضْطَبعاً ببُرْدٍ أَخْضَرَ.
"وعن يعلى بن أمية: أن النبي ﵊ طاف بالبيت
стр. 1382
مضطبعًا ببرد أخضر"، (الاضطباع): هو أن يجعل وسط ردائه في الإبط اليمنى، وجمع طرفيه على العاتق الأيسر، وهذا لإظهار الجلادة والرجولية، وهو يدل على استحبابه في طوافٍ فيه رَمَلٌ.
* * *
١٨٦٩ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أن رسولَ الله ﷺ وأصحابَهُ اعْتَمَرُوا مِنَ الجعْرانة، فَرَمَلُوا بالبَيْتِ ثلاثاً، وجَعَلُوا أَرْدِيتَهُمْ تحتَ آباطِهِمْ، ثُمَّ قَذَفُوهَا على عَواتِقِهِم اليُسْرَى.
"عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعْرانة، فرملوا بالبيت ثلاثاً وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم قذفوها"؛ أي: رموها "على عواتقهم اليسرى".
* * *
٥ - باب الوُقوف بِعَرَفة
(باب الوقوف بعرفة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٨٧٠ - عن محمد بن أبي بَكْر الثَّقَفِي: أنَّهُ سأل أَنسَ بن مالكٍ ﵁ وهُمَا غَادِيَانِ مِنْ مِنًى إلى عَرَفَةَ: كَيْفَ كنتمْ تَصْنَعُونَ في هذا اليَوْمِ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ؟، فقال: كانَ يُهِلُّ مِنَّا المُهِلُّ، فلا يُنْكَرُ عليهِ، ويُكَبرُ المُكَبَّرُ مِنَّا، فلا يُنْكَرُ علَيْهِ".
"من الصحاح":
" عن محمد بن أبي بكر الثقفي: أنه سأل أنس بن مالك ﵁ وهما
стр. 1383
غاديان" بالغين المعجمة: اسم فاعل من الغدو.
"من منى إلى عرفة" للوقوف.
"كيف كنتم تصنعون في هذا اليوم"؛ أي: في يوم عرفة "مع رسول الله ﷺ ؟ فقال: كان يُهِلُّ"؛ أي يلبِّي "منا المهلُّ فلا ينكَر عليه"؛ أي: فلا يعيبه أحد.
"ويكبر المكبر منا فلا ينكر عليه" وهذا رخصة؛ يعني: لا حرج في التكبير، بل يجوز كسائر الأذكار، ولكن ليس التكبير في يوم عرفة سنةً للحاج، بل السنةُ لهم التلبية إلى رمي جمرة العقبة يوم النحر.
* * *
١٨٧١ - عن جابر ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "نَحَرتُ هاهنا، ومِنًى كلَّها مَنْحَرٌ، فاَنْحَرُوا في رِحَالِكُمْ، ووَقَفْتُ هَاهُنَا، وعَرَفَةُ كلُّها مَوْقفٌ، وَوَقَفْتُ هَاهُنَا، وجَمْعٌ كلُّها مَوْقفٌ".
"وعن جابر أن رسول الله ﷺ قال: نحرْتُ هاهنا" إشارة إلى منى.
"ومنًى" مبتدأ.
"كلُّها" تأكيد.
"منحر" خبره، والجملة حال؛ أي: لا يختص النحر بالمكان الذي نحرتُ فيه من منى "فانحروا في رحالكم"
"ووقفت هاهنا" إشارة إلى عرفة "وعرفةُ كلها موقفٌ، ووقفت هاهنا وجَمْعٌ" بفتح الجيم وسكون الميم: المزدلفة، وهي المشعر الحرام، سميت به لاجتماع الناس بها، وقيل: لاجتماع آدم وحواء فيها.
"كلها موقف".
стр. 1384
١٨٧٢ - وقالت عائشة ﵂: إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَا مِنْ يَوْم أكثَرَ مِنْ أَنْ يُعْتِقَ الله فيه عَبْدًا مِنْ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَة، وإنَّهُ لَيَدْنُو، ثُمَّ يُباهِي بِهِمُ الملائِكَةَ، فيقولُ: ما أَرادَ هَؤُلَاء؟ ".
"وقالت عائشة ﵂: إن رسول الله ﷺ قال: ما من يوم"، (ما) بمعنى ليس، اسمه (يوم)، و (من) زائدة، وكذا (من) الثانية، وخبره: "أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة) متعلق بـ (أكثر)؛ أي: ليس يوم أكثر إعتاقًا فيه من يوم عرفة.
"وإنه ليدنو"؛ أي: إن الله تعالى ليقربُ من العباد بفضله ورحمته.
"ثم يباهي بهم الملائكة"؛ أي: يفتخر (١) بالحجاج على الملائكة، يعني: يُظهر فضلهم وشرفَهم بين الملائكة.
"فيقول: ما أراد"؛ أي: أيَّ شيء يريد "هؤلاء" الحجاج؟ فإن أرادوا مغفرتي ورحمتي فقد غفرت لهم ورحمتهم.
* * *
١٨٧٣ - عن عَمْرو بن عبد الله بن صَفْوان، عن خالٍ له يُقال له: يَزِيْد بن شَيْبَان أنَّه قال: كُنَّا في مَوْقفٍ لنا بعَرَفَةَ يُباعِدُهُ عَمْرٌو مِنْ مَوْقفٍ الإمامِ جِدًا، فأَتَانَا ابن مِربَع الأنصَارِيُّ، فقال: إنِّي رسُولُ رسُولِ الله ﷺ إلَيْكُم، يقولُ لَكُمْ: "قفوا على مَشاعِرِكُمْ، فإنَّكُمْ على إِرْثٍ مِنْ إرْثِ أَبيكُمْ إبراهيمَ ﵇".
"من الحسان":
" عن عمرو بن عبد الله بن صفوان، عن خالٍ له: يقال له يزيد بن شيبان
стр. 1385
أنه قال: كنا في موقف لنا"؛ أي: لأسلافنا "بعرفة" كانوا يقفون فيه قبل الإسلام.
"يباعده عمرو"؛ أي: يجعل ذلك الموقف بعيدًا "من موقف الإمام"؛ أي: إمام الحاج، والجملة صفة (موقف).
(جدًا) نصب على المصدر؛ أي: يجدُّ في التبعيد جدًا، والتباعُدُ يجيء في كلامهم بمعنى التبعيد.
"فأتانا ابن مِرْبَع الأنصاريُّ فقال: إني رسولُ الله"؛ أي: أرسلني رسول الله ﷺ "إليكم يقول لكم: قفوا على مشاعركم"؛ أي: مناسككم، جمع مشعر، وهو موضع النسك، وكل موضع من مواضع النسك يقال له: مشعر، سمي به؛ لأنه مَعْلَم للعبادة (١).
"فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم ﵇"، (من) للبيان؛ أي: على بقيةٍ من شرائع إبراهيم، وهذا إعلامٌ منه ﷺ بأنهم لم يخطئوا سنَّة الخليل، وبأن أيَّ جزء وقفوا فيه من أجزاء عرفة فهو كافٍ، إذ عرفةُ وحدودها مما بناه إبراهيم ﵇ للحجاج.
* * *
١٨٧٤ - وعن جابرٍ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقفٌ، وكُلُّ مِنى مَنْحَرٌ، وكُلُّ المُزْدلفَة مَوْقفٌ، وكُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيق وَمَنْحَرٌ".
"عن جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: كلُّ عرفةَ موقفٌ، وكلُّ منى منحرٌ، وكل المزدلفة موقفٌ، وكل فِجاج مكة" بكسر الفاء: جمع فج، وهو الطريق الواسع.
стр. 1386
"طريقٌ" لدخول الحاج "ومَنْحَرٌ" للهدي؛ لأنها من أرض الحرم.
* * *
١٨٧٥ - عن خالد بن هَوْذَة قال: رَأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ يومَ عَرفَةَ على بَعِيرٍ قائمًا في الرِّكابَيْنِ.
"عن خالد بن هوذة أنه قال: رأيت النبي ﵊ يخطب الناس يوم عرفة على بعير قائمًا في الركابين"؛ أي: واقفًا عليهما ليراه الناس من بعيد، ويستمعوا كلامه.
* * *
١٨٧٦ - عن عَمْرو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه: أن النَّبيَّ ﷺ قال: "خَيْرُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ، وخَيْرُ ما قُلْتُ أَنَا والنَّبيُّونَ من قَبْلِي: لا إلهَ إلَاّ الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وهُوَ على كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ".
"عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: أن النبي ﵊ قال: خير الدعاء دعاء يوم عرفه، لأنه أعجلُ إجابة وأجزلُ أجرًا.
"وخير ما قلتُ أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير" سمي التهليل والتحميد والتمجيد دعاء؛ لأنه بمنزلته في استجلاب الثواب؛ لأن مَن ذكر فقد دعا وطلب، قال ﵊ حكاية عن الله تعالى: "مَن شغله ذِكْري عن مسألتي أعطيتُه أفضلَ ما أُعطي السائلين" فقد أقام الذكر مقام الدعاء.
* * *
١٨٧٧ - عن طَلْحَةَ بن عُبَيْد الله بن كَرِيْز ﷺ أن النبيَّ ﷺ قال: "ما رُؤِيَ
стр. 1387
الشَّيْطانُ يَوْمًا هو فيهِ أَصغَرَ، ولا أَدْحَرَ ولا أَحْقَرَ ولا أَغْيَظَ منهُ يومَ عَرَفَةَ، وما ذاكَ إلَاّ لِمَا يَرَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ , وتَجَاوُزِ الله تعالَى عنِ الذُّنُوبِ العِظامِ , إلَاّ ما كانَ مِنْ يَوْمِ بَدْرٍ" , فقيلَ: وما رَأَى مِنْ يَوْمِ بَدْرٍ؟، فقال: "إنَّهُ قَدْ رَأَى جِبْرِيلَ وهو يَزَعُ الملائِكَةَ"، مُرسَلٌ.
"عن طلحة بن عبيد الله بن كريز ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ما رؤي الشيطان يومًا هو فيه أصغر"؛ أي: أذلُّ.
"ولا أدحر" بالحاء المهملة؛ أي: أبعد من رحمة الله، من الدحور، وهو الدفع بعنف على سبيل الإهانة والإذلال.
"ولا أحقر ولا أغيظ"؛ أي: أشد غيظًا.
"منه"؛ أي: من الشيطان.
"يوم عرفة"؛ أي: في يوم عرفة أبعد من مراده من نفسه في سائر الأيام.
"وما ذاك إلا لمَا يرى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام، إلا ما كان من يوم بدر" استثناء من معنى الدحور، كأنه قال: إلا الدحور الذي أصيب به يومئذ، فإنه كان فيه أحقر منه في يوم عرفة لمَّا رأى نزول الملائكة لمدد المسلمين وهزم الكفار.
"فقيل: وما رأى من يوم بدر" قال: إنه قد رأى"؛ أي: الشيطانُ.
"جبرائيلَ وهو يزع الملائكة"؛ أي: يتقدَّمهم ويرتبهم صفًا للحرب، مِن وَزَعَ يَزَغُ وَزْعًا؛ أي: منع وكفَّ، كأنه يكفُّهم عن الانتشار.
"مرسل"؛ أي: هذا الحديث مرسل؛ لأن راويه تابعي من الشام.
* * *
١٨٧٨ - عن جابرٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا كانَ يومُ عَرَفَةَ إنّ
стр. 1388
الله يَنْزِلُ إلى السَّماء الدُّنْيَا، فَيُبَاهِي بِهِمُ الملائِكَةَ، فيقول: اَنْظُرُوا إلى عِبَادِي، أَتَوْني شُعْثًا غبْرًا ضَاجِّينَ مِنْ كَلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ، أُشْهِدكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، فتقُولُ الملائِكَةُ: ياربِّ! فُلانٌ كانَ يُرهِّقُ، وفُلان وفُلانةٌ، قال: يقولُ الله : قَدْ غَفَرْتُ لهُمْ"، قالَ رسولُ الله ﷺ : "فَمَا مِنْ يَوْمٍ أكثرَ عَتِيقًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ".
"عن جابر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إذا كان يوم عرفة فإن الله ينزل إلى السماء الدنيا" قيل: معناه: يُنزل رحمتَه ويقرِّب فضلَه وغفرانه إلى الحجاج.
"فيباهي بهم الملائكة فيقول: انظروا إلى عبادي أتوني شُعثًا" بضم الشين: جمع أشعث، وهو متفرق شعر الرأس من عدم غَسْله كما هو عادة المُحْرِمين.
"غُبرًا" بضم الغين: جمع أغبر، وهو مَن الْتَصَقَ الغبارُ بأعضائه كما هو دأبُ المسافرين.
"ضاجِّين": جمع ضاجٍّ؛ أي: رافعين أصواتهم بالتلبية.
"من كل فج عميق"؛ أي: من كل طريق بعيد.
"أُشهدكم أني قد غفرت لهم، فتقول الملائكة: يارب فلان كان يرهِّق" بتشديد الهاء على صيغة المجهول من الترهيق، وهو النسبة إلى الرَّهَق، وهو غشيانُ المحارم، وقيل: أي: يُتَّهم بسوء، وقيل: بفتح الياء وسكون الراء وفتح الهاء؛ أي: يفعل المعاصي.
"وفلانٌ وفلانةُ"؛ يعني: كذلك يفعلون المعاصي، وليس بأهل أن تغفر لهما.
"قال: يقول الله : قد غفرت لهم، وقال رسول الله ﷺ : فما من يوم
стр. 1389
أكثر عتيقًا من النار من يوم عرفة".
* * *
٦ - باب الدفْع من عَرَفَةَ والمُزْدَلِفَة
(باب الدفع من عرفة والمزدلفة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٨٧٩ - عن هِشَام بن عُرْوةَ، عن أَبيه أنه قال: سُئِلَ أُسامةُ: كيفَ كانَ رسولُ الله ﷺ يَسِيْرُ في حَجَّةِ الوَداعِ حينَ دَفَعَ؟، قال: كانَ يَسيرُ العَنَقَ، فإذا وجَدَ فَجْوَة نَصَّ.
(الدفع): الذهاب مع كثرةٍ من عرفة إلى المزدلفة.
"من الصحاح":
" عن هشام بن عروة عن أبيه أنه قال: سئل أسامة: كيف كان رسول الله ﷺ يسير في حجة الوداع؟ "؛ أي: يسير على سرعة، أو على سكون.
"حين دفع"، أي: حين رجع من عرفات عند ابتداء السير.
"قال: كان يسير العَنَق" بفتحتين: السير المتوسط؛ لئلا يصدم الناسُ بدابته.
"فإذا وجد فجوة"؛ أي: موضعًا متسعًا خاليًا عن المار وزحمة الناس.
"نصَّ"؛ أي: أسرع جدًا، ويسوق دابته شديدًا.
стр. 1390
١٨٨٠ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أَنَّه دَفَع مَعَ النَّبيِّ ﷺ يومَ عرَفَةَ، فَسَمعَ النَّبيّ ﷺ وراءَهُ زَجْرًا شَديدًا، وضَرْبًا للإبلِ، فأشَارَ بسَوْطِهِ إلَيْهِمْ، وقال: "يا أيهَا النَّاسُ، عَلَيْكُمْ بالسَّكِينَةِ، فإنَّ البرَّ لَيْسَ بِالإيْضَاعِ".
"وعن ابن عباس: أنه دفع" أي: رجع "مع النبي ﵊ يوم عرفة، فسمع النبيُّ ﵊ وراءه"؛ أي: خلفه "زجرًا"؛ أي: سيرًا "شديدًا وضربًا للإبل، فاشار بسوطه إليهم فقال: يا أيها الناس عليكم بالسكينة فإن البر"؛ أي: الخير والرفق "ليس بالإيضاع" وهو حمل الدابة على السير السريع، يعني: الإسراع ليس من البر إذا أكثر الناس، فإنه يؤذي الناس بصدمه الدواب والرحال.
* * *
١٨٨١ - وعن ابن عبَّاس ﵄: أَنَّ أُسَامَةَ بن زيدٍ كَانَ رِدْفَ النَّبيِّ ﷺ مِنْ عَرَفَة إلى المُزْدلمفَةِ، ثُمَّ أَرْدَفَ الفَضْلَ مِنَ المُزْدلمِفَة إلى مِنًى، فكِلاهُما قال: لَمْ يَزَلِ النَّبيّ ﷺ يُلَبي حتَّى رمى جَمْرَةَ العَقَبةَ".
"وعن ابن عباس: أن أسامة بن زيد كان ردف النبي ﵊"؛ أي: ركب خلفه ﷺ على ناقته "من عرفه إلى مزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، فكلاهما"؛ أي: أسامة والفضل "قالا": في بعض النسخ: (قال) اعتبارًا على لفظ (كلاهما).
"لم يزل النبي ﵊ يلبي حتى رمى جمرة العقبة" هذا يدل على أن التلبية من وقت الإحرام إلى رمي جمرة العقبة كلها، ثم يقطع يوم العيد، وبه قال أحمد.
стр. 1391
١٨٨٢ - عن ابن عُمر ﵁ قال: "جَمَعَ النَّبيّ ﷺ المَغرِبَ والعِشاءَ بجَمْعٍ، كُلُّ واحدةٍ مِنهُمَا بإقامةٍ، ولَمْ يسبحْ بينَهُمَا، ولا على إثْرِ كُلِّ واحدةٍ مِنْهُمَا.
"وعن ابن عمر ﵄ أنه قال: جمع النبي ﵊ المغرب والعشاء بجمع"؛ أي: بمزدلفة.
"كل واحد منهما بإقامة، ولم يسبح بينهما"؛ أي: لم يصلِّ بين المغرب والعشاء شيئًا من السنن والنوافل.
"ولا على إثر"؛ أي: عقيب "كل واحدة منهما".
* * *
١٨٨٣ - وقال عبد الله بن مَسْعُودٍ ﵁: ما رَأَيْتُ رسُولَ الله ﷺ صَلَّى صَلاةً إلَاّ لِمِيْقاتِهَا إلَاّ صلاتَيْنِ: صلاةَ المغرب والعِشاء بِجَمْعٍ، وصَلَّى الفَجْرَ يومئذٍ قَبْلَ مِيقاتِهَا.
"قال عبد الله بن مسعود: ما رأيت رسول الله ﷺ صلى صلاةً إلا لميقاتها"؛ أي: لوقتها.
"إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجمع"؛ أي: بمزدلفة.
"وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها"؛ أي: قبل وقتها المعهود وهو الإسفار؛ ليسير إلى المشعر الحرام ويقف فيه ويدعو ويفرغ قبل طلوع الشمس ليعجل السير إلى منى، ويشتغل بالرمي والنحر والحلق.
стр. 1392
١٨٨٤ - وقال ابن عباسٍ ﵄: أَنا مِمنْ قَدَّمَهُ النَّبيّ ﷺ لَيْلَةَ المُزْدلفَةِ في ضَعَفَةِ أهلِهِ.
"وقال ابن عباس: أنا ممن قدَّم النبي ﵊ ليلة المزدلفة في ضَعَفَة أهله": جمع ضعيف؛ يعني: بعثني رسول الله ﵊ مع ضعفاء أهله من النساء والصبيان - قيل: صبح ليلة العيد -؛ لئلا يزدحمنا الناس في السير.
* * *
١٨٨٥ - وعن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما، عن الفَضْلِ بن عبَّاس، وكانَ رَديفَ النبيِّ الله ﷺ ، أَنه قال في عَشِيَّةِ عَرَفَةَ وغداةِ جَمْعٍ للنَّاسِ حينَ دَفَعُوا: "عَلَيْكُمْ بالسَّكِينَةِ"، وهو كَافٌ نَاقتَهُ حَتَّى دَخَلَ مُحَسِّرًا، وهو مِنْ مِنًى، قال: "عَلَيْكُمْ بحَصَى الخَذْفِ الذي يُرْمَى بِهِ الجَمْرَةُ"، وقال: لَمْ يَزَلْ رسُولُ الله ﷺ يُلَبي حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبة.
"عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس ﵄ وكان"؛ أي: الفضل بن عباس "رديف رسول الله ﷺ أنه"؛ أي: النبي ﷺ "قال في عشية عرفة وغداة جمع للناس حين دَفَعوا"؛ أي: رجعوا من عرفة إلى المزدلفة ليلة العيد وحين ذهبوا من المزدلفة غداة يوم النحر إلى منى: "عليكم بالسكينة".
"وهو"؛ أي: النبي ﷺ "كافٌ" بالتشديد، أي: مانع "ناقته": عن السرعة.
"حتى دخل محسِّرًا، وهو من منى قال: عليكم بحصى الخذف": جمع حصاة، وهي الحجر الصغير، و (الخذف) بفتح الخاء وسكون الذال المعجمتين: الرمي برؤوس الأصابع، أي: ارموا.
стр. 1393
"الذي يُرمى به جمرة العقبة": ولا ترموا الكبار كيلا يتأذى الناس.
"وقال: لم يزل رسول الله ﷺ يلبي حتى رمى الجمرة".
* * *
١٨٨٦ - وعن جابر ﵁ قال: أفاضَ النَّبيُّ ﷺ مِنْ جَمْعٍ وعلَيْهِ السَّكينةُ، وأَمَرَهُمْ بالسَّكِينَةِ، وأَوْضَعَ في وادي مُحَسِّر، وأَمَرَهُمْ أَنْ يَرْمُوا بمثلِ حَصَى الخَذْفِ، وقال: "لَعَلِّي لا أَرَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذا".
"عن جابر ﵁ أنه قال: أفاض النبي ﵊ من جمع" يقال: أفاض من المكان: إذا انصرف وأسرع منه إلى مكان آخر.
"وعليه السَّكينة والوقار، وأمرهم بالسكينة، وأوضع"؛ أي: أسرع "في وادي محسِّر، وأمرهم أن يرموا بمثل حصى الخذف، وقال: لعلِّي لا أراكم بعد عامي هذا" وهذا وداع منه ﵊ للأمة، و (لعلّ) هنا للظن؛ أي: تعلَّموا مني أحكام الدين، فإني أظن أنْ لا أراكم في العام القابل، وكان الأمر كما ظن ﵊، فإنه فارق الدنيا في الثاني عشر من ربيع الأول في السنة العاشرة من الهجرة.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٨٨٧ - عن محمد بن قَيْس بن مَخْرَمَة قال: خَطَبَ رسُولُ الله ﷺ فقال: "إنَّ أَهلَ الجاهِليَّةِ كانوُا يَدْفَعُونَ مِنْ عَرفةَ حينَ تكون الشَّمسُ كأنَّها عَمائِمُ الرِّجالِ في وجُوهِهِمْ قبلَ أنْ تغرُبَ، ومِنَ المُزْدلفَةِ بعدَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ حينَ تكون كأنَّها عَمائِمُ الرِّجالِ في وجُوهِهِمْ، وإنَّا لا نَدْفَعُ مِنْ عَرَفَةَ حتَّى تَغْرُبَ
стр. 1394
الشَّمْسُ، ونَدْفَعُ مِنَ المُزْدلفَةِ قبلَ أنْ تَطلُعَ الشَّمسُ، هَدْيُنا مُخالِفٌ لِهَدْي أَهْلِ الأَوْثانِ والشِّرْكِ".
"من الحسان":
" عن محمد بن قيس بن مخرمة ﵁ أنه قال: خطب رسول الله ﷺ فقال: إن أهل الجاهلية كانوا يدفعون من عرفة حين تكون الشمس كأنها عمائم الرجال في وجوههم قبل أن تغرب، ومن المزدلفة بعد أن تطلع الشمس حين تكون كأنها عمائم الرجال في وجوههم" إنما شبَّه ﷺ ما يقع من الضوء على الوجه في طرفي النهار حين دنوِّ الشمس من الأفق غروبًا وطلوعًا بالعمامة؛ لأن الناظر إذا نظر إليها في أحد هذين الوقتين وهو في الأودية يجد الضوء في وجهه ككورِ العمامة فوق الجبين؛ لأنه حينئذ لم يصبه من الشمس إلا شيء قليل يلمع لمعان بياض العمامة فوقه.
"وإنا لا ندفع من عرفة حتى تغرب الشمس، وندفعُ من المزدلفة قبل أن تطلع الشمس، هَدْيُنا"؛ أي: ديننا وسيرتنا "مخالف لهدي أهل الأوثان والشرك"؛ أي: لهدي عبدة الأوثان وأهل الشرك.
* * *
١٨٨٨ - قال ابن عباس ﵄: قَدَّمَنا رسُولُ الله ﷺ لَيْلَةَ المُزدلفَةِ أُغيْلِمَةَ بني عَبْدِ المُطَّلِبِ على حُمُراتٍ، فجعلَ يَلْطَحُ أَفخاذَنا، ويقول: "أَبنيَّ! لا تَرْمُوا الجَمْرَةَ حتَّى تَطلُعَ الشمسُ".
"وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: قدَّمنا رسول الله ﷺ "؛ أي: بعثنا "ليلة المزدلفة" إلى المزدلفة قبل سائر الناس.
"أغيلمةَ بني عبد المطلب" تصغير أَغْلِمة: جمع غلام، يريد بها الصبيان،
стр. 1395
نصبٌ على التفسير لضمير (قدمنا)، أو على الاختصاص.
"على حُمرات"؛ أي: راكبين على حُمرات - بضم الحاء والميم - جمع حُمُر، وهي جمع حمار، وهذا يدل على استحباب تقديم الضعفة، حتى لا يتخلفوا ولا يتأذَّوا بالاستعجال والازدحام.
"فجعل"؛ أي: طفق.
"بلطخ أفخاذنا"؛ أي: يَضْرِبها ببطن كفه ضربًا خفيفًا للتلطُّف.
"ويقول: أُبَيْنيَّ" بضم الهمزة: تصغير أَبنى كأعمى وأُعيمى، وهو اسمُ جمع للابن، كذا ذكره سيبويه، ثم صغِّر وجُمع جمعَ السلامة، ثم أضيف إلى الياء.
"لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس" يدل على أن الرمي قبل طلوع الشمس بعد نصف الليل لا يجوز، وبه قلنا ومالك وأحمد.
* * *
١٨٨٩ - وعن عائشةَ ﵂ قالتْ: أرسَلَ النَّبيُّ ﷺ بأُمِّ سَلَمَةَ ليلةَ النَّحْرِ، فَرَمَتْ الجَمْرَةَ قَبْلَ الفَجْرِ، ثمَّ مَضَتْ فأفاضَتْ، كانَ ذلكَ اليومُ اليومَ الذي يكونُ رسُولُ الله ﷺ عِنْدَها.
"عن عائشة ﵂ أنها قالت: أرسل النبي ﵊ بأم سلمة" الباء زائدة؛ أي: أرسلها ﷺ "ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر" يدل على جواز الرمي قبله، وبه قال الشافعي، وقلنا: هذا رخصة خاصة لها.
"ثم مضت"؛ أي: ذهبت من منى.
"فأفاضتا"؛ أي: فانصرفت وطافت بالبيت.
стр. 1396
"وكان ذلك اليومُ اليومَ الذي يكون رسول الله ﷺ عندها"؛ أي: عند أم سلمة.
* * *
١٨٩٠ - وقال ابن عباس ﵄: يُلَبي المُعْتَمِرُ حتَّى يَفْتِتحَ الطَّوافَ، ويُروى: حتَّى يَسْتَلِمَ الحَجَرَ. ورفعه بعضهم.
"وقال ابن عباس ﵁: يلبي المعتمر"؛ أي: المحرم بالعمرة من وقت إحرامه "حتى يفتتح الطواف"؛ أي: يبدأ به، ثم يترك التلبية.
ويروى: "حتى يستلم الحجر".
أكثر العلماء على أن هذا الحديث عبارةُ ابن عباس، "ورفعه بعضهم"؛ أي: قالوا: إنه مرفوع؛ أي: منقول عن النبي ﵊.
* * *
٧ - باب رَمْيِ الجِمَار
" باب رمي الجمار": جمع جمرة، وهي الحصاة.
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٨٩١ - قال جابر ﵁: رأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ يَرْمي على راحلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ، ويقولُ: "لِتَأخُذُوا عنِّي مناسِكَكُمْ، فإنِّي لا أدْرِي لَعَلِّي لا أحُجُّ بعدَ حَجي هذا".
"من الصحاح":
" قال جابر ﵁: رأيت النبي ﵊ يرمي على راحلته يوم
стр. 1397
النحر"؛ أي: يرمي وهو راكب على ناقته، يدل على أن رمي الجمار يجوز راكبًا.
"ويقول: لتأخذوا" هذه اللام هي لام الأمر، معناه: خذوا "عني مناسككم"؛ أي: تعلموا مني أحكام الحج.
"فإني لا أدري" قيل: مفعوله محذوف؛ أي: لا أدري ما يُفعل بي.
"لعلي"؛ أي: أظن أني "لا أحج بعد حجتي هذه".
* * *
١٨٩٢ - وقال جابرٌ ﵁: رَأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ يَرمِي الجَمْرَةَ بِمِثْلِ حَصَى الخَذْفِ".
"وقال جابر ﵁: رأيت النبي ﵊ يرمي الجمرة بمثل حصى الخذف".
* * *
١٨٩٣ - وقال: رمَى رسُولُ الله ﷺ الجَمْرَةَ يومَ النَّحْرِ ضُحًى، وأما بعدَ ذلك فإذا زالتِ الشَّمْسُ.
"وقال: رمى رسول الله ﷺ الجمرة"؛ أي: جمرة العقبة.
"يوم النحر ضحًى، وأما بعد ذلك"؛ أي: بعد أيام التشريق.
"فإذا زالت الشمس"؛ أي: الرمي فيها بعد الزوال.
* * *
١٨٩٤ - عن عبد الله بن مَسْعُود: أنَّهُ انتهَى إلى الجَمْرَةِ الكُبْرى، فجعَلَ البَيْتَ عَنْ يسارِه ومِنى عَنْ يمينِهِ، ورمَى بِسَبْعِ حَصَياتٍ يُكَبرُ مَعَ كُلِّ حَصاةٍ، ثمَّ قال: هكذا رمَى الذي أُنْزِلَتْ عليهِ سُورةُ البقَرَةِ.
стр. 1398
"عن عبد الله بن مسعود: أنه انتهى إلى الجمرة الكبرى"؛ يعني: جمرة العقبة؛ لأنها جعلت وحدها نسكًا في اليوم الأول بخلاف الثاني والثالث.
"فجعل البيت عن يساره، ومنى عن يمينه، ورمى بسبع حصيات يكبِّر مع كلِّ حصاة، ثم قال"؛ أي: ابن مسعود: "هكذا رمى الذي أنزلت عليه سورة البقرة"؛ يعني به رسول الله ﷺ ، وإنما خص (سورة البقرة)؛ لأن معظم المناسك مذكور فيها.
* * *
١٨٩٥ - وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الاستِجْمارِ تَوٌّ، ورَمْىُ الجمارِ تَوٌّ، والسَّعْيُ بَيْنَ الصَّفا والمَرْوَةِ تَوٌّ"، وإذا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَجْمِرْ بِتَوٍّ". أي: وِتْرٍ.
"وعن جابر ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : الاستجمار تَوٌّ" بفتح التاء وضم الواو المشددة: الوتر؛ أي: الاستنجاء وتر.
"ورمي الجمار تَوٌّ"؛ أي: الرمي في كل موضع من الجمرات وتر، وهو أن يرمي في كل موضع بسبع حصيات.
"والسعي بين الصفا والمروة تو" وهو أن يطوف سبعًا.
"وإذا استجمر أحدكم فليستجمر بتو" قيل: المراد بالاستجمار المذكور في أول الحديث الفعل، وبالمذكور في آخره عدد الأحجار وهو الثلاث.
* * *
مِنَ الحِسَان:
١٨٩٦ - عن قُدَامَة بن عبد الله بن عاِمرٍ قال: رأيتُ النَّبيّ ﷺ يَرمي الجَمْرَةَ
стр. 1399
يومَ النَّحْرِ عَلَى ناقَةٍ له صَهْباءَ، ليسَ ضَرْبٌ، ولا طَرْدٌ، وليسَ قِيلُ: إِلَيْكَ إِلَيْكَ.
"من الحسان":
" عن قدامة بن عبد الله بن عمار أنه قال: رأيت النبي ﷺ يرمي الجمرة يوم النحر على ناقة صهباء"؛ أي: حمراء.
"ليس ضربٌ، ولا طردٌ، وليس قيلُ: إليك إليك" تقدَّم بيانه.
* * *
١٨٩٧ - وعن عائشة ﵂ عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّما جُعِلَ رَمْيُ الجمارِ، والسعْيُ بينَ الصَّفا والمَرْوَةِ لإقامَةِ ذِكْرِ الله"، صحيح.
"وعن عائشة عن النبي ﵊ أنه قال: إنما جعل"؛ أي: شُرع "رمي الجمار والسعي بين الصفا والمروة لإقامة ذكر الله" وذلك بالتكبير مع رمي كل جمرة، والدعوات المأثورة في السعي بين الصفا والمروة.
"صحيح".
* * *
١٨٩٨ - وعن عائشة ﵂ قالت: قلنا: يا رسُولَ الله، أَلا نبَني لكَ بناءً يُظِلّكَ بِمنًى؟، قال: "لا، مِنى مُناخُ مَنْ سَبَقَ".
"عن عائشة أنها قالت: قلنا: يا رسول الله ﷺ ألا نبني": الهمزة للاستفهام، و (لا) للنفي.
"لك بناءً": أعم من أن يكون من لبن أو قصب أو خيمة.
"يظلك"؛ أي: يوقع ظله عليك.
"بمنى"، ويقيك من حرِّ الشمس.
стр. 1400
"قال ﷺ : لا؛ مِنى مناخُ مَنْ سبق"؛ أي: ليس هذا موضع إناخة الإبل لأحد؛ أي: إبراكها، وإنما هو موضع العبادة من الرمي وذبح الهدي والحلق وغيرها من العبادات، فلو أجاز البناء، لكثرت الأبنية، ويضيق المكان.
* * *
٨ - باب الهَدْي
" باب الهدي" هو: ما يهدى إلى الحرم من بعير أو بقرة أو شاة.
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٨٩٩ - عن ابن عبَّاسٍ قال: صلَّى بنا رسولُ الله ﷺ الظُّهْرَ بذِي الحُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَعا بناقَتِهِ، فَأشْعَرَها في صفْحَةِ سَنامِها الأَيْمَن، وَسَلَتَ الدَّمَ، وقَلَّدَها نَعْلَيْنِ، ثُمَّ ركِبَ راحِلَتَهُ، فلمَّا اسْتَوَتْ بِهِ على البَيْداءِ أَهَلَّ بالحَجِّ.
"من الصحاح":
" عن ابن عباس ﵄ أنه قال: صلَّى بنا رسول الله ﷺ ": بعد خروجه من المدينة للحج.
"الظهرَ بذي الحُليفةِ": ميقات أهل المدينة.
"ثم دعا بناقته"؛ أي: دعا أن يؤتى بناقته التي أراد أن يجعلها هديًا.
"فأشعرها"؛ أي: طعنها.
"في صفحة سنامها الأيمن" حتى يسيل منه دم؛ ليعلم أنه هدي، وصفحة كل شيء: جانبه، "وسلت الدم عنه"؛ أي: بسطه على سنامها ليظهر أثر الإشعار أكثر.
стр. 1401
"وقلدها"؛ أي: علَّق في عنقها.
"نعلين": ليشعر بأنها هدي خارجٌ عن ملك المهدي، فلا يتعرض له السراقُ وأصحابُ الغارات، وفي هذا دلالة على أن إشعار الهدي وتقليده سنة.
"ثم ركب راحلتهُ، فلما استوت به على البيداء، أهلَّ بالحج"؛ أي: أحرم به.
* * *
١٩٠٠ - عن عائشة ﵂ قالت: أَهْدَى النَّبيُّ ﷺ مَرَّةً إلى البَيْتِ غنمًا فَقَلَّدَها.
"عن عائشة ﵂ أنها قالت: أهدى النبي ﵊ مرة إلى البيت غنمًا، فقلَّدها": يدل على جواز الهدي من الغنم.
* * *
١٩٠١ - عن جابر ﵁ قال: ذَبَحَ رسُولُ الله ﷺ عَنْ عائشةَ ﵂ بَقَرَةً يومَ النَّحْرِ.
"عن جابر ﵁ أنه قال: ذبح رسول الله ﷺ عن عائشة"؛ أي: لأجلهما.
"بقرة يوم النحر": وفرَّق لحمها على الفقراء، وهذا دليل على جواز الذبح عن الغير.
* * *
١٩٠٢ - وعنه قال: نَحَرَ النَّبيّ ﷺ عَنْ نِسائِهِ بقَرَةً في حَجَّتِهِ.
"وعنه أنه قال: نحر رسول الله ﷺ عن نسائه"؛ أي: من أجلهن.
стр. 1402
"بقرة في حجته": وهذا محمول على أنه ﵊ استأذن لهن في ذلك، فإن تضحية الإنسان عن غيره لا تجوز إلا بإذنه.
* * *
١٩٠٣ - وقالت عائشة ﵂: فتلْتُ قَلائِدَ بُدْنِ النَّبيِّ ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَها وأَشْعَرَها وأَهْداها، فما حَرُمَ عليه شيء كانَ أُحِلَّ له.
"وفقالت عائشة ﵂: فتلت قلائدَ بُدنِ النبي ﵊ بيدي": من فتل الحبلين إذا ضمَّ بعضه إلى بعض وأبرم، والقلائد: جمع قلادة، وهو ما يُعلَّق بالعنق، يريد بالبدن: البدن التي أهداها ﵊، وبعثها مع أبي بكر ﵁ في العام السابق على حجته ﵊.
"ثم قلدها"؛ أي: النبي ﵊ تلك البدن.
"وأشعرها، وأهداها"؛ أي: بعثها إلى مكة هدية.
"فما حرم عليه شيء كان أُحِلَّ له": إنما قالت ذلك لما بلغها من فُتيا ابن عباس فيمن بعث هدايا إلى مكة: أنه يحرم عليه ما يحرم على المحرم حتى يبلغ الهدي محله، ويُنحَر.
* * *
١٩٠٤ - وقالت: فَتَلْتُ قَلائِدَها مِن عِهْنٍ كانَ عِنْدي، ثُمَّ بعثَ بها مَعَ أبي.
"وقالت: فتلت قلائدها"؛ أي: قلائد البدن.
"من عِهْنٍ"؛ أي: من صوف مصبوغ.
стр. 1403
"كان عندي"؛ أي: في بيتي.
"ثم بعثَ بها مع أبي".
* * *
١٩٠٥ - عن أبي هُريرةَ ﵁: أن رسُولَ الله ﷺ رأَى رجلًا يَسُوقُ بَدَنةً، فقال: "ارْكبْها"، فقال: إنَّها بَدَنَة، قال: "ارْكَبْها"، فقال: إنَّها بَدَنَة، قال: "ارْكَبْها، ويلَكَ"، في الثانية أو الثالثة.
"عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يسوق بدنة فقال: اركبها، فقال: إنها بدنة، فقال: اركبها، فقال: إنها بدنة، قال: اركبها ويلك": نصب على المصدر، وهو دعاء بالسوء والهلاك، وإنما دعا ﷺ معليه حيث لم يُجِبْ إلى ما دعاه إليه.
"في الثانية أو الثالثة": هذا يدل على أن السائق بدنة هديًا له ركوبها غير مضرٍّ بها سواء اضطر إلى ذلك أو لا، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد ﵏.
* * *
١٩٠٦ - وسُئِلَ جابر بن عبد الله ﵁ عَنْ رُكُوبِ الهَدْي؟، فقال: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يقول: "ارْكَبها بالمعرُوف إذا أُلجئْتَ إليها، حتَّى تَجدَ ظَهْرًا".
"وسئل جابر بن عبد الله عن ركوب الهدي؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: اركبها بالمعروف"؛ أي: بوجهٍ لا يلحقه ضرر.
"إذا ألجئت إليها"؛ أي: إذا اضطررت، واحتجت إلى ركوبها.
"حتى تجد ظهرًا"؛ أي: مركوبًا، سمي به؛ لأنه يركب ظهرها، وهذا
стр. 1404
يدل على أن جواز ركوب الهدي إذا كان مضطرًا إلى ذلك بأن لم يجدْ مركوبًا غيرها، وبه قال أبو حنيفة.
* * *
١٩٠٧ - وقال ابن عباس ﵄: بَعَثَ رسُولُ الله ﷺ بسِتَّ عَشَرَةَ بَدَنَةً مَعْ رَجُل وأمَّرَهُ فيها، فقال: يا رسُولَ الله، كيفَ أصنعُ بما أُبْدع عَلَيَّ منها؟، قال: "انْحَرْها، ثُمَّ اصْبُغ نَعْلَيْها في دَمِها، ثمَّ اجْعَلْها عَلَى صفْحَتِها، ولا تأكلْ منها أنتَ ولا أحدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ".
"وقال ابن عباس: بعث رسول الله ﷺ ستَّ عشرةَ بدنة مع رجل": هو ناجيةُ بن جندب الأسلمي صاحبُ بدن النبي ﵊.
"وأَمَّره فيها": بفتح الهمزة وتشديد الميم؛ أي: جعله ﵊ أميرًا حاكمًا في نحر تلك البدن بمكة، وتفريق لحمها على الفقراء من الحرم وغيره.
"فقال: يا رسول الله! كيف أصنعُ بما أُبدع عليَّ منها؟ ": على بناء المجهول؛ أي: انقطعت عن السير لكلال، وإنما لم يقل: بي؛ لأنه لم يكن راكبها، وأراد: بما حُبِس على من الكلال.
"قال: انحرها، ثم اصبغْ نعليها": المقلَّد بهما "في دمها، ثم اجعلها على صفحتها"؛ أي: اضرب نعليها على جانب اليمنى من سنامها؛ ليعلم المار به أنه هدي، فمن كان محتاجًا يأكل منه.
"ولا تأكل منها أنت، ولا أحدٌ من أهل رفقتك": إنما نهاهم عن أكلها؛ كيلا يتوهم أحدٌ أنهم نحروها لأنفسهم، ولم يكن قد أُبدِع في الطريق.
стр. 1405
١٩٠٨ - وقال جابرٌ ﵁: نَحَرْنا مَعَ رسُولِ الله ﷺ عامَ الحُدَيْبيةِ البَدَنة عَنْ سَبْعَةٍ، والبقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ.
"وقال جابر ﵁: نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية": وهي السنة السادسة من الهجرة التي جاء النبي ﵊ من المدينة إلى مكة للعمرة، فأحصره المشركون بالحديبية، وهو موضعٌ في أطراف الحل.
"البدنة عن سبعة"؛ أي: عن سبعة أشخاص.
"والبقرة عن سبعة": وفي "الصحاح": البدنة: ناقة أو بقرة تُنحَرُ بمكة، سميت بذلك؛ لأنهم كانوا يُسمِّنونها.
* * *
١٩٠٩ - وعن ابن عمر ﵄: أنهّ أتَى على رجُلٍ قد أناخَ بَدَنتَهُ يَنْحَرُها، فقال: ابْعَثْهَا قِيامًا مُقَيَّدَةً، سُنَّةُ محمَّدٍ ﷺ .
"وعن ابن عمر: أنه أتى على رجل قد أناخ بدنته": الجملة صفة (رجل).
"ينحرها": حال من (بدنة)، والعامل (أناخ).
"فقال: ابعثها قيامًا": مصدر بمعنى اسم الفاعل، وانتصابه على الحال، والعامل فعلٌ محذوف دلَّ عليه قرينة الحال؛ أي: انحرها قائمة.
"مقيدة سنةً محمد ﷺ ": نصبًا بعامل مضمر على أنه مفعول به؛ أي: مقتفيًا في نحرها سنةَ محمد ﵊، أو على الاختصاص؛ أي: الزم سنة محمد ﷺ واحفظها، وفي بعض النسخ بالرفع؛ أي: ذلك سنة.