← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17791

شرح المصابيح لابن الملك

ابن الملك

Полный текст (3 421 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

"وقلدها"؛ أي: علَّق في عنقها. "نعلين": ليشعر بأنها هدي خارجٌ عن ملك المهدي، فلا يتعرض له السراقُ وأصحابُ الغارات، وفي هذا دلالة على أن إشعار الهدي وتقليده سنة. "ثم ركب راحلتهُ، فلما استوت به على البيداء، أهلَّ بالحج"؛ أي: أحرم به. * * * ١٩٠٠ - عن عائشة ﵂ قالت: أَهْدَى النَّبيُّ ﷺ مَرَّةً إلى البَيْتِ غنمًا فَقَلَّدَها. "عن عائشة ﵂ أنها قالت: أهدى النبي ﵊ مرة إلى البيت غنمًا، فقلَّدها": يدل على جواز الهدي من الغنم. * * * ١٩٠١ - عن جابر ﵁ قال: ذَبَحَ رسُولُ الله ﷺ عَنْ عائشةَ ﵂ بَقَرَةً يومَ النَّحْرِ. "عن جابر ﵁ أنه قال: ذبح رسول الله ﷺ عن عائشة"؛ أي: لأجلهما. "بقرة يوم النحر": وفرَّق لحمها على الفقراء، وهذا دليل على جواز الذبح عن الغير. * * * ١٩٠٢ - وعنه قال: نَحَرَ النَّبيّ ﷺ عَنْ نِسائِهِ بقَرَةً في حَجَّتِهِ. "وعنه أنه قال: نحر رسول الله ﷺ عن نسائه"؛ أي: من أجلهن.

стр. 1402

"بقرة في حجته": وهذا محمول على أنه ﵊ استأذن لهن في ذلك، فإن تضحية الإنسان عن غيره لا تجوز إلا بإذنه. * * * ١٩٠٣ - وقالت عائشة ﵂: فتلْتُ قَلائِدَ بُدْنِ النَّبيِّ ﷺ بِيَدَيَّ، ثُمَّ قَلَّدَها وأَشْعَرَها وأَهْداها، فما حَرُمَ عليه شيء كانَ أُحِلَّ له. "وفقالت عائشة ﵂: فتلت قلائدَ بُدنِ النبي ﵊ بيدي": من فتل الحبلين إذا ضمَّ بعضه إلى بعض وأبرم، والقلائد: جمع قلادة، وهو ما يُعلَّق بالعنق، يريد بالبدن: البدن التي أهداها ﵊، وبعثها مع أبي بكر ﵁ في العام السابق على حجته ﵊. "ثم قلدها"؛ أي: النبي ﵊ تلك البدن. "وأشعرها، وأهداها"؛ أي: بعثها إلى مكة هدية. "فما حرم عليه شيء كان أُحِلَّ له": إنما قالت ذلك لما بلغها من فُتيا ابن عباس فيمن بعث هدايا إلى مكة: أنه يحرم عليه ما يحرم على المحرم حتى يبلغ الهدي محله، ويُنحَر. * * * ١٩٠٤ - وقالت: فَتَلْتُ قَلائِدَها مِن عِهْنٍ كانَ عِنْدي، ثُمَّ بعثَ بها مَعَ أبي. "وقالت: فتلت قلائدها"؛ أي: قلائد البدن. "من عِهْنٍ"؛ أي: من صوف مصبوغ.

стр. 1403

"كان عندي"؛ أي: في بيتي. "ثم بعثَ بها مع أبي". * * * ١٩٠٥ - عن أبي هُريرةَ ﵁: أن رسُولَ الله ﷺ رأَى رجلًا يَسُوقُ بَدَنةً، فقال: "ارْكبْها"، فقال: إنَّها بَدَنَة، قال: "ارْكَبْها"، فقال: إنَّها بَدَنَة، قال: "ارْكَبْها، ويلَكَ"، في الثانية أو الثالثة. "عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ رأى رجلًا يسوق بدنة فقال: اركبها، فقال: إنها بدنة، فقال: اركبها، فقال: إنها بدنة، قال: اركبها ويلك": نصب على المصدر، وهو دعاء بالسوء والهلاك، وإنما دعا ﷺ معليه حيث لم يُجِبْ إلى ما دعاه إليه. "في الثانية أو الثالثة": هذا يدل على أن السائق بدنة هديًا له ركوبها غير مضرٍّ بها سواء اضطر إلى ذلك أو لا، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد ﵏. * * * ١٩٠٦ - وسُئِلَ جابر بن عبد الله ﵁ عَنْ رُكُوبِ الهَدْي؟، فقال: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يقول: "ارْكَبها بالمعرُوف إذا أُلجئْتَ إليها، حتَّى تَجدَ ظَهْرًا". "وسئل جابر بن عبد الله عن ركوب الهدي؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: اركبها بالمعروف"؛ أي: بوجهٍ لا يلحقه ضرر. "إذا ألجئت إليها"؛ أي: إذا اضطررت، واحتجت إلى ركوبها. "حتى تجد ظهرًا"؛ أي: مركوبًا، سمي به؛ لأنه يركب ظهرها، وهذا

стр. 1404

يدل على أن جواز ركوب الهدي إذا كان مضطرًا إلى ذلك بأن لم يجدْ مركوبًا غيرها، وبه قال أبو حنيفة. * * * ١٩٠٧ - وقال ابن عباس ﵄: بَعَثَ رسُولُ الله ﷺ بسِتَّ عَشَرَةَ بَدَنَةً مَعْ رَجُل وأمَّرَهُ فيها، فقال: يا رسُولَ الله، كيفَ أصنعُ بما أُبْدع عَلَيَّ منها؟، قال: "انْحَرْها، ثُمَّ اصْبُغ نَعْلَيْها في دَمِها، ثمَّ اجْعَلْها عَلَى صفْحَتِها، ولا تأكلْ منها أنتَ ولا أحدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِكَ". "وقال ابن عباس: بعث رسول الله ﷺ ستَّ عشرةَ بدنة مع رجل": هو ناجيةُ بن جندب الأسلمي صاحبُ بدن النبي ﵊. "وأَمَّره فيها": بفتح الهمزة وتشديد الميم؛ أي: جعله ﵊ أميرًا حاكمًا في نحر تلك البدن بمكة، وتفريق لحمها على الفقراء من الحرم وغيره. "فقال: يا رسول الله! كيف أصنعُ بما أُبدع عليَّ منها؟ ": على بناء المجهول؛ أي: انقطعت عن السير لكلال، وإنما لم يقل: بي؛ لأنه لم يكن راكبها، وأراد: بما حُبِس على من الكلال. "قال: انحرها، ثم اصبغْ نعليها": المقلَّد بهما "في دمها، ثم اجعلها على صفحتها"؛ أي: اضرب نعليها على جانب اليمنى من سنامها؛ ليعلم المار به أنه هدي، فمن كان محتاجًا يأكل منه. "ولا تأكل منها أنت، ولا أحدٌ من أهل رفقتك": إنما نهاهم عن أكلها؛ كيلا يتوهم أحدٌ أنهم نحروها لأنفسهم، ولم يكن قد أُبدِع في الطريق.

стр. 1405

١٩٠٨ - وقال جابرٌ ﵁: نَحَرْنا مَعَ رسُولِ الله ﷺ عامَ الحُدَيْبيةِ البَدَنة عَنْ سَبْعَةٍ، والبقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ. "وقال جابر ﵁: نحرنا مع رسول الله ﷺ عام الحديبية": وهي السنة السادسة من الهجرة التي جاء النبي ﵊ من المدينة إلى مكة للعمرة، فأحصره المشركون بالحديبية، وهو موضعٌ في أطراف الحل. "البدنة عن سبعة"؛ أي: عن سبعة أشخاص. "والبقرة عن سبعة": وفي "الصحاح": البدنة: ناقة أو بقرة تُنحَرُ بمكة، سميت بذلك؛ لأنهم كانوا يُسمِّنونها. * * * ١٩٠٩ - وعن ابن عمر ﵄: أنهّ أتَى على رجُلٍ قد أناخَ بَدَنتَهُ يَنْحَرُها، فقال: ابْعَثْهَا قِيامًا مُقَيَّدَةً، سُنَّةُ محمَّدٍ ﷺ . "وعن ابن عمر: أنه أتى على رجل قد أناخ بدنته": الجملة صفة (رجل). "ينحرها": حال من (بدنة)، والعامل (أناخ). "فقال: ابعثها قيامًا": مصدر بمعنى اسم الفاعل، وانتصابه على الحال، والعامل فعلٌ محذوف دلَّ عليه قرينة الحال؛ أي: انحرها قائمة. "مقيدة سنةً محمد ﷺ ": نصبًا بعامل مضمر على أنه مفعول به؛ أي: مقتفيًا في نحرها سنةَ محمد ﵊، أو على الاختصاص؛ أي: الزم سنة محمد ﷺ واحفظها، وفي بعض النسخ بالرفع؛ أي: ذلك سنة.

стр. 1406

١٩١٠ - وقال عليّ ﵁: أَمَرَني رسُولُ الله ﷺ أنْ أقُومَ على بُدْنِهِ، وأنْ أتصَدَّقَ بِلَحْمِها وجُلُودِها وأَجِلَّتِها، وأنْ لا أُعْطِىَ الجَزَّارَ مِنها، قال: "نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنا". "وقال علي ﵁: أمرني رسول الله ﷺ أن أقوم على بُدنه": بضم الباء؛ أي: على نحر هديه ﵊. "وأن أتصدق بلحمها وجلودها وأجلَّتها": جمع جِلال، وهو جمع الجل للفرس. "وأن لا أعطي الجَزَّار منها" بفتح الجيم والزاي المشددة: هو الذي يذبح الجمل. "قال: نحن نعطيه من عندنا". * * * ١٩١١ - وقال جابرٌ ﵁: كنَّا لا نأكُلُ مِنْ لُحُومِ بُدْنِنا فَوْقَ ثَلاثٍ، فَرَخَّصَ لنا رسُول الله ﷺ قال: "كُلُوا وتَزَوَّدُوا"، فأكَلْنَا وتَزَوَّدْنا. "وقال جابر: كنا لا نأكل من لحوم بُدْننا فوق ثلاث": نهانا ﵊ عن ذلك. "فرخص لنا رسول الله ﷺ فقال: كلوا وتزودوا، فأكلنا وتزودنا": فيه دليل على أنه يجوز للمهدي أن يأكل من هدي التطوع متى شاء، وأما الواجب بالشرع من الهدي كدم التمتع والقران، والواجب بإفساد الحج وفواته وجزاء الصيد، فلا يأكل المهدي منه، بل عليه التصدق عند بعضهم، وبه قال الشافعي.

стр. 1407

مِنَ الحِسَان: ١٩١٢ - عن ابن عباس ﵁: أن رسُولَ الله ﷺ أَهْدَى عامَ الحُدَيْبيَةِ في هدايا رسُولِ الله ﷺ جَملًا كانَ لأبي جَهْلٍ، في رأْسِهِ بُرَةٌ مِنْ فِضَّةٍ يَغيظُ بِذلِكَ المُشْرِكينَ. ويروى: بُرَةٌ من ذَهَبٍ. "من الحسان": " عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ أهدى"؛ أي: أرسل إلى مكة. "عام الحديبية في هدايا رسول الله ﷺ ": من باب إقامة الظاهر مقام المضمر؛ أي: في هداياه. "جملًا": نصب بـ (أهدى). "كان لأبي جهل": أخذه النبيُّ ﵊ في غزوة بدر غنيمةً. "في أنفه بُرَة": بضم الباء وتخفيف الراء؛ أي: حلقة "من فضة، يغيظ بذلك المشركين"؛ أي: يوصل الغيظ والأذى إلى قلوب المشركين في نحره ﵊ ذلك الجمل، ليعلموا أن ما هو أعزُّ لديهم من المال، فهو حقير عند المؤمنين. "ويروى: بُرةً من ذهب". * * * ١٩١٣ - عن جابر ﵁ أنّ النبيَّ ﷺ قال: "البقَرَةُ عَنْ سَبْعَةٍ، والجَزُورُ عنْ سَبْعَةٍ".

стр. 1408

"وعن جابر ﵁: أن النبي ﵊ قال: البدنة عن سبعة، والجزور": وهي من الإبل: ما يُذبَح للحم، يقع على الذكر والأنثى. "عن سبعة". * * * ١٩١٤ - وعن ابن عباس قال: كُنَّا مع النبيِّ ﷺ في سَفَرٍ فحَضَرَ الأَضْحَى، فاشْتَرَكنا في البقَرَةِ سَبْعَة، وفي الجَزُورِ عَشَرة"، غريب. "وعن ابن عباس أنه قال: كنا مع النبي ﵊ في السفر، فحضر الأضحى"؛ أي: يوم العيد. "فاشتركنا في البقرة سبعةً"؛ أي: حال كوننا سبعة أنفس. "وفي الجزورِ عشرةً"، "غريب". * * * ١٩١٥ - عن ناجِيَة الخُزَاعيِّ أنَّه قال: قُلتُ: يا رسول الله! كيفَ أصْنعُ بما عَطِبَ مِنَ البُدْنِ؟، قال: "انْحَرْها، ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَها في دَمِها، ثُمَّ خَلِّ بَيْنَ النَّاسِ وبينها فَيَأكلُونها". "عن ناجية الخزاعي أنه قال: قلت: يا رسول الله! كيف أصنع بما عطب"؛ أي: وقف وعجز عن السير. "من البدن؟ قال: انحرها، ثم اغمسْ نعلها في دمها، ثم خلِّ بين الناس وبينها": التعريف فيه للعهد، والمراد بهم: الذين يتبعون القافلة ويلتمسون الساقطة، أو جماعة غيرهم من قافلة أخرى، "فيأكلونها".

стр. 1409

١٩١٦ - عن عبد الله بن قُرْطٍ عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ أفْضَلَ الأيّامِ عِنْدَ الله يَوْمُ النَّحْرِ، ثُمَّ يَوْمُ القَرِّ". وقال: أُتِيَ رسُولُ الله ﷺ ببَدَناتٍ خَمْسٍ أو سِتٍّ، فَطَفِقْنَ يَزْدلفْنَ إليه بِأيّتِهِنَّ يَبْدَأُ، فلمَّا وَجَبَتْ جُنُوبُها، قال: فتكَلَّمَ بكَلِمةٍ خَفِيّهٍ لَمْ أَفْهَمْها، فسألتُ الذي يَليهِ فقال: قال: "مَنْ شاءَ فَلْيقْتَطِعْ". "عن عبد الله بن قُرطٍ ﵁، عن النبي ﵊ أنه قال: إن أفضل الأيام"؛ أي: من أفضلها. "عند الله يوم النحر"؛ أي: يوم عيد الأضحى. "ثم يوم القُرِّ": وهو اليوم الذي بعده، سمي به؛ لأنهم يقرون؛ أي: يسكنون فيه بمنى ويقيمون، أو لحصول القرار لهم في ذلك اليوم من تعبِ أفعال الحج. "وأتي رسول الله ﷺ ببدنات خمس أو ست، فطفقْنَ يزدلفْنَ إليه"؛ أي: يقربن منه. "بأيتهن يبدأ": الجار والمجرور يتعلق بـ (يبدأ)؛ أي: تسعى كل واحدة من تلك البدن إلى النبي ﵊؛ لينحرها ﵊ أولًا. "فلما وجبت جنوبها"؛ أي: سقطت على الأرض، مجازٌ عن موتها وزهوق روحها، وفيه إشارة إلى استحباب نحرها قائمة؛ فإن السقوطَ إنما يتصوَّر بعد القيام. "قال"؛ أي: الراوي. "فتكلم"؛ أي: النبي ﵊ حين نحر الإبل. "بكلمة خفية لم أفهمها"؛ لبعد مكاني عن مكانه ﷺ .

стр. 1410

"فسألت الذي يليه": ﷺ تلك الكلمة. "فقال" ذلك الرجل: "قال": ﷺ حين نحرها: "من شاء فليقطعْ"؛ أي: فليأخذ منها قطعة، كأنه يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: ٣٦]، قيل: فيه دليل على جواز هبة المشاع. * * * ٩ - باب الخلق (باب الحلق) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٩١٧ - عن ابن عمر ﵄: أَنَّ رسُولَ الله ﷺ حَلَقَ رَأْسَهُ في حَجَّةِ الوَداعِ وأُناسٌ مِنْ أصْحابهِ، وقَصَّرَ بعضُهُمْ. "من الصحاح": " عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ حلق رأسه في حجة الوداع، وأناسٌ من أصحابه، وقصَّر بعضهم": هذا يدل على جواز الحلق والتقصير، وهو أخذ أطراف الشعر. * * * ١٩١٨ - وقال ابن عبَّاسٍ: قال لي مُعاوبة: إنِّي قَصَّرْتُ مِنْ رأْسِ النبي ﷺ عِنْدَ المَرْوَةِ بمِشْقَصٍ. "وقال ابن عباس: قال لي معاوية" ابن أبي سفيان: "إني قصَّرت من رأس النبي ﵊"؛ أي: من شعر رأسه.

стр. 1411

"عند المروة بمِشْقَص" بكسر الميم ثم السكون ثم الفتح: ما طال وعرض من النصال، وهذا لا يعارض رواية الحلق؛ لأن التقصير كان في عمرة الجعرانة التي اعتمرها ﵊ عام فتح مكة، وإنما قيَّده بالمروة؛ لأنه محل تحلل العمرة، والحلق كان في العاشرة في حجة الوداع، ولذا قيده بها ابن عمر. * * * ١٩١٩ - عن ابن عمر: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "اللهمَّ ارْحَمْ المُحَلِّقينَ"، قالوا: والمُقَصِّرينَ يا رسولَ الله؟، قال: "اللهمَّ ارْحَمْ المُحَلِّقينَ"، قالوا: والمُقَصِّرين يا رَسُولَ الله؟، قالَ "وَالمُقَصِّرِينَ". "عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع: اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: اللهم ارحم المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمقصرين". * * * ١٩٢٠ - ويُروى: أنّ النَّبيَّ ﷺ في حَجَّةِ الوَداعِ دَعا للمُحَلِّقينَ ثلاثًا، وللمُقَصِّرِينَ مَرَّةً. "ويروى: أن النبي ﵊ في حجة الوداع دعا للمحلقين ثلاثًا، وللمقصرين مرة": وإنما خصَّ المحلقين بمزيد الدعاء، وقدَّمهم على المقصرين؛ لأنه ﵊ كان قد ساق هديه، ومن كان معه هديٌ لا يحلق حتى ينحر، فلما أمرُ مَنْ لا هديَ معه، وهم أكثرهم بالحلق والحل، وجدوا في أنفسهم شيئًا؛ لأنهم أرادوا أن يفعلوا كفعله حتى يكملوا الحج، وكان التقصير في نفوسهم أخفَّ من الحلق، مال أكثرهم إليه،

стр. 1412

فقدَّمهم، وأخَّر المقصرين، ولبيان ما بين النسكين من الفضل. * * * ١٩٢١ - وعن أنس ﵁: أن النبيَّ ﷺ أتَى مِنًى، فأتَى الجَمْرَةَ فَرمَى بها، ثُمَّ أتَى مَنْزِلَهُ بِمنًى، ونَحَرَ نُسُكَهُ، ثُمَّ دَعا بالحَلَاّقِ، وناوَلَ الحالِقَ شِقَّهُ الأَيمَنَ فَحَلَقَهُ، ثُمَّ دَعا أبا طَلْحَةَ الأَنْصارِيَّ فأعْطاهُ إيَّاهُ، ثُمَّ ناوَلَهُ الشِّقَّ الأَيْسَرَ، فقال: "احلِقْ" فَحَلَقَهُ، فأعْطاهُ أبا طَلْحَةَ الأَنْصارِيَّ فقال: "اقْسِمْهُ بَيْنَ النَّاسِ". "وعن أنس أن النبي ﵊ أتى منى، فأتى الجمرة"؛ يعني: جمرة العقبة. "فرماها": في يوم النحر. "ثم أتى منزله بمنى، ونحر نسكه"؛ أي: ذبح. "ثم دعا بالحلاق": وهو معمر بن عبد الله بن نافع بن فضلة القرشي العدوي. "وناول الحالق"؛ أي: أعطاه. "شقة الأيمن"؛ أي: الجانب الأيمن من شعر رأسه. "فحلقه": يدل على أن البداية في الحلق باليمين مسنون، واستدل الشافعي بهذا أن الحلق في الحج عبادة، وركن من أركانه، وعندنا ليس بركن، ولكنه يجب الدم بتركه. "ثم دعا"؛ أي: النبي ﵊. "أبا طلحة الأنصاري": وهو حافر قبر النبي ﷺ . "فأعطاه إياه"؛ أي: أعطاه ما حلق من الشعر.

стр. 1413

"ثم ناوله"؛ أي: النبي ﷺ الحلاقَ "الشقَّ الأيسر، فقال: احلق، فحلقه، فأعطاه أبا طلحة، فقال ﵊: اقسمه بين الناس"؛ أي: الشعر المحلوق بين الأصحاب، فقصد أن يكون تذكرة وبركة باقية بين أظهرهم؛ لعلمه باقتراب أجله. * * * ١٩٢٢ - عن عائشة ﵂ قالت: كنْتُ أُطَيبُ رسُولَ الله ﷺ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، ويَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بالبَيْتِ بطِيب فيه مِسْكٌ. "عن عائشة ﵂ أنها قالت: كنت أطيب رسول الله ﷺ قبل أن يحرم ويوم النحر"؛ يعني: كنتُ أطيبه يوم النحر بعد رمي الجمرة العقبة. "قبل أن يطوف بالبيت"؛ أي: طواف الزيارة. "بطيب فيه مسك". * * * ١٩٢٣ - وعن ابن عمر رضي عنهما: أنَّ رسُولَ الله ﷺ أفاضَ يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ رَجَعَ، فَصَلَّى الظّهْرَ بمِنًى. "وعن ابن عمر ﵁: أن رسول الله ﷺ أفاض"؛ أي: انصرف. "يوم النحر": من منى إلى مكة، فطاف طواف الفرض، "ثم رجع في ذلك اليوم، فصلى الظهر بمنى". * * * مِنَ الحِسَان: ١٩٢٤ - عن عائشةَ ﵂ أن النَّبيَّ ﷺ نهى أنْ تَحْلِقَ المرْأة رَأْسَها.

стр. 1414

"من الحسان": " عن عائشة ﵂: أن النبي ﵊ نهى أن تحلِقَ المرأةُ رأسها": إنما نهاهن عن الحلق؛ لأن شعورهن زينة لهن، فتركها ربما يبغضهنَّ إلى أزواجهن. * * * ١٩٢٥ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال، قال رسُولُ الله ﷺ : "ليس عَلَى النِّساءَ الحَلْقُ، إنَّما عَلَى النِّساءِ التَقْصيرُ". "وعن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ليس على النساء الحلقُ، إنما على النساء التقصيرُ"؛ فالسنة للمرأة أن تقصَّ من شعرها. * * * فصل مِنَ الصِّحَاحِ: ١٩٢٦ - عن عبد الله بن عَمْرو بن العاصِ ﵄: أن رسُولَ الله ﷺ وَقَفَ حَجةِ الوَداعِ بِمِنًى للنَّاسِ يسألونه، فجاءَ رجل فقال: لم أَشْعُرْ، فَحَلَقْتُ قَبْلَ أذْبَحَ، فقال: "اذْبَحْ ولا حَرَجَ"، فجاءَهُ آخَرُ وقال: لم أَشعُرْ، فَنَحَرْتُ قَبْلَ أَرْمِيَ، فقال: "ارمِ ولا حَرَجَ"، فَما سُئِلَ النَّبيّ ﷺ عَنْ شَيءٍ قُدِّمَ أو أُخِّرَ قال: "افْعَلْ ولا حَرَج". وفي روايةٍ: "أتاهُ رجلٌ فقال: حَلَقْتُ قَبلَ أنْ أرْميَ، قال: "ارْمِ ولا حَرَجَ"، وأتاهُ آخَرُ فقال: أفَضْتُ إلى البَيْتِ قَبْلَ أنْ أرْميِ، فقال: "ارْمِ ولا حَرَج".

стр. 1415

(فصل) "من الصحاح": " عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن رسولَ الله وقف في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه": حال من فاعل (وقف)؛ أي: وقف ﵊ مسؤولًا، أو من الناس؛ أي: وقف لهم سائلين عنه، ويجوز أن يكون استئنافًا بيانًا لعلة الوقوف. "فجاء رجل فقال: لم أشعر"؛ أي: لم أعلم ترتيب أفعال الحج، وهو الرمي والذبح والحلق والطواف. "فحلقت قبل أن أذبح، فقال: اذبحْ ولا حرجَ"؛ أي: لا إثم. "فجاءه آخر، فقال: لم أشعر"؛ أي: الترتيب المذكور. "فنحرت قبل أن أرمي، فقال: ارمِ ولا حرج، فما سُئِل النبي ﷺ عن شيء قُدِّم ولا أُخِّر إلا قال: افعل ولا حرج": يدل على أن الترتيب مندوب لا شيء في تركه، وعليه أكثر علماء الصحابة والتابعين، وبه قال الشافعي وأحمد وإسحاق ﵏. وقال أبو حنيفة ومالك ﵏: واجب حتى يتعلق الدم بتركه، وإليه مال ابن جبير، وأوَّلوا قوله: "ولا حرج" على دفع الإثم بجهله دون الفدية. "وفي رواية: أتاه رجل فقال: حلقت قبل أن أرمي، قال: ارْمِ ولا حرج، وأتاه آخر فقال: أفضت إلى البيت"؛ يعني: طفت طواف الإفاضة، وهو طواف الزيارة. "قبل أن أرمي قال: ارْمِ ولا حرج".

стр. 1416

١٩٢٧ - عن ابن عباس أنَّه قال: كانَ النَّبي ﷺ يُسْألُ يومَ النَّحْرِ بمِنًى، فيقول: "لا حَرَجَ"، فسَألهُ رجُل فقال: رَمَيْتُ بعدَما أَمْسَيْتُ، فقال: "لا حَرَجَ". "وعن ابن عباس أنه قال: كان النبي ﵊ يسأل يوم النحر بمنى فيقول: لا حرج، فسأله رجل فقال: رميت بعد ما أمسيت": أراد به: بعد العصر. "فقال: لا حرج": اعلم أن آخر وقت الرمي يوم النحر غروب الشمس من يومه، وأوله بعد طلوع الفجر عندنا، وبعد انتصاف ليلة النحر عند الشافعي. * * * مِنَ الحِسَان: ١٩٢٨ - عن علي ﵁ قال: أتاهُ رجُل فقال: يا رسُولَ الله! إنِّي أفضْتُ قَبْلَ أنْ أحْلِقَ، قال: "احْلِقْ - أو: قَصِّر - ولا حَرَجَ"، وجاءَهُ آخَرُ فقال: ذَبَحْتُ قَبْلَ أَنْ أرْميَ، فقال: "ارْمِ ولا حَرَجَ". "من الحسان": " عن علي ﵁ أنه قال: أتاه رجل فقال: يا رسول الله! إني أفضت قبل أن أحلق، قال: احلق - أو: قصِّر - ولا حرج، وجاء آخر فقال: ذبحت قبل أن أرمي، قال: ارْمِ ولا حرج".

стр. 1417

١٠ - باب الخُطْبة يومَ النحر ورَمْي أيام التشريق والتوديع (باب خطبة يوم النحر ورمي أيام التشريق والتوديع) سميت هذه الأيام أيام التشريق؛ لأنهم كانوا يُشرِّقون؛ أي: يُقدِّدون فيها لحوم الأضاحي. مِنَ الصِّحَاحِ: ١٩٢٩ - عن أبي بَكْرة ﵁ عنه قال: خَطَبنا رسُولُ الله ﷺ يَومَ النَّحْرِ، قال: "إنَّ الزَّمانَ قَد اسْتَدارَ كهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ الله السَّماواتِ والأَرْضَ، السَّنةُ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا، مِنْها أرْبَعَة حُرُم، ثَلاثة مُتَوالِيات: ذُو القَعْدَةِ وذُو الحِجَّةِ والمُحَرَّمُ، ورَجَبُ مُضَرَ الذي بَيْنَ جُمَادَى وشَعْبانَ"، ثُمَّ قال: "أيُّ شَهْرٍ هذا؟ فقُلْنا: الله ورسُولُهُ أعْلَمُ، قال: "أليْسَ ذا الحِجَّةِ؟ " قلنا: بَلَى، قال: "فأيُّ بَلَدٍ هذا؟ "، قُلْنا: الله ورسُولُهُ أعلم، قال: "أليْسَ البَلْدَةَ؟ " قُلْنا: بَلَى، قال: "فأيُّ يَوْم هذا؟ "، قُلْنا: الله ورسُولُهُ أعلم، قال: "أليْسَ يَوْمَ النَّحْرِ؟ "، قُلْنا: بَلَى، قال: "فإنَّ دِماءكمْ وَأَمْوالَكُمْ وأعْراضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرام، كحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذا، وسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ، فَيَسْألكُمْ عَنْ أعْمالِكُمْ، أَلا فلا تَرْجِعُوا بَعْدِي ضُلَاّلًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقابَ بَعْضٍ، ألا هَلْ بَلَّغْتُ؟ قالوا: نعَمْ، قال: "اللهمَ اشْهَدْ، فَلْيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغائِبَ، فَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سامع". "من الصحاح": " عن أبي بكرة ﵁ أنه قال: خطبنا النبي ﵊"؛ أي: وعظنا.

стр. 1418

"يوم النحر قال: إن الزمان": أراد به السنة. "قد استدار كهيئته": صفة مصدر محذوف؛ أي: استدار استدارة مثل حالته. "يوم خلق الله السماوات والأرض": أراد به: دوره بالشهور الهلالية التي يدور عليها حساب السنة العربية، وبطلان ما أبدعه الجاهلية من النسيء المذكور في القرآن: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]، وهو تأخيرهم تحريم رجب إلى شعبان، والمحرم إلى صفر، وذلك لأنهم كانوا أصحاب حروب وغارات، فإذا جاء الشهر الحرام وهم يحاربون، شقَّ عليهم ترك المحاربة، فيحلونه ويحرمون مكانه شهرًا آخر، حتى رفضوا تخصيص الأشهر الحرام، وربَّما زادوا عدد الشهور، فجعلوه ثلاثة عشر أو أربعة عشر؛ ليتسع بهم الوقت، وكانوا إذا أخَّروا ذا الحجة إلى المحرم أو صفر أو غيرهما، أخَّروا الحج أيضًا إليه، حتى بلغ دور تأخير ذي الحجة على حسابهم إلى ذي الحجة، ووافق ذلك السنة التي حجَّ فيها الرسول ﵊ حجة الوداع، فأعلمهم أن أشهر النسيء قد تناسخت باستدارة الزمان، وعاد الأمر إلى ما وضع الله عليه حساب الأشهر يوم خلق السموات والأرض. "السنة اثنا عشر شهرًا، منها أربعة حرم؛ ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة والمحرم، ورجب مضر": عطف على قوله: ثلاث، وإنما أضافه ﷺ إلى مضر، وهو القبيلة؛ لشدة محافظتهم على تحريمه. "الذي بين جمادى وشعبان"، وإنما وصف رجب بقوله: (الذي) للتأكيد، أو لبيان أن رجب الحرام هو الذي بينهما، لا ما كانوا يسمونه رجب على حساب النسيء. "ثم قال: أي شهر هذا؟ ": سألهم ليذكرهم حرمة الشهور ويقررها في نفوسهم؛ ليبني عليه ما أراد تقريره.

стр. 1419

"قلنا: الله ورسوله أعلم": وهذا مراعاة للأدب والاحتراز عن التقدم بين يدي الله ورسوله، والتوقف فيما لا يعلم الغرض من السؤال. "قال: أليس ذا الحجة؟ ": خبر (ليس) محذوف؛ أي: ما نحن فيه. "قلنا: بلى" يا رسول الله! "قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: أليس البلدة؟ "؛ أي: البلدة المحرمة، وهي اسم خاص لمكة. "قلنا: بلى" يا رسول الله! "قال: فأي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى، قال: فإن دمائكم وأموالكم وأعراضكم": جمع عِرْض، وهو الأوصاف التي يُمدح ويُذم الرجل بها. "عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم"؛ أي: ستبعثون وتحضرون يوم القيامة. "فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالًا"؛ يعني: إذا فارقتُ الدنيا، فاثبتوا بعدي على ما أنتم عليه من الإيمان والتقوى، ولا تظلموا أحدًا، ولا تأخذوا أموالهم بالباطل. "لا يضرب بعضهم رقابَ بعض"؛ فإن هذه الأفعال من الضلالة. "ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهدُ الغائبَ"؛ أي: فليبلغ من سمع كلامي وحضرني ما سمع مني إلى الغائبين. "فرب مبلَّغ": بفتح اللام. "أوعى من سامع"؛ أي: فرب غائب إذا بلغه كلامي، كان أشدَّ حفظًا وأدومَ قراءة ومراعاةً ممن سمع مني، وهذا تحريضٌ على تعليم الناس أحاديثه ﵊ وغيره من العلوم الشرعية، فإنه لولا التعليم والتعلم،

стр. 1420

لانقطع العلم بين الناس. * * * ١٩٣٠ - عن وَبَرَةَ قال: سَألْتُ ابن عُمَرَ: مَتَى أَرْمي الجمارَ؟، قال: إذا رمَى إمامُكَ فارْمِهْ، فأعَدْتُ عَلَيْهِ المسألَةَ، فقال: كُنَّا نتَحَيَّنُ، فإذا زالَت الشَّمْسُ رَمَيْنا. "عن وَبَرة": - بفتحتين -: "أنه قال: سألت ابن عمر: متى أرمي الجمار؟ قال: إذا رمى إمامك فارمه"؛ يعني: اقتد في الرمي بمن هو أعلم منك بوقته. "فأعدتُ عليه المسألة فقال: كنا نتحيَّن"؛ أي: نطلب الحين، وهو الوقت؛ أي: ننتظر دخول وقت الرمي، وقيل: أي نحفظ الوقت ونراقبه. "فإذا زالت الشمس رمينا"؛ أي: جمار أيام التشريق. * * * ١٩٣١ - وعن سَالِم، عن ابن عُمر ﵁: "أنَّهُ كانَ يَرْمي جَمْرَةَ الدُّنْيا بِسَبع حَصَيات يُكَبرُ على إثْرِ كُلّ حَصاةٍ، ثُمَّ يتقَدَّمُ حتَّى يُسْهِلَ، فيقُومُ مُسْتَقْبلَ القِبْلَةِ طَويلًا، ثم يَدْعُو وَيرْفَعُ يَدَيْهِ، ثُمَّ يَرْمي الوُسْطَى بِسَبْعِ حَصَياتٍ يُكَبرُ كُلَّما رَمَى بحَصاةٍ، ثُمَّ يَأخُذُ بِذاتَ الشمالِ، فيُسْهِلُ، ويقُومُ مُسْتَقبلَ القِبْلة، ثُمَّ يَدْعُو، وَيرْفَعُ يَدَيْهِ، ويَقُومُ طَويلًا، ثُمَّ يَرْمِي جَمْرَةَ ذاتِ العَقَبةِ مِنْ بَطْنِ الوادِي بِسَبع حَصَيات، يُكَبرُ عِنْدَ كُلِّ حَصاةٍ، ولا يَقِفُ عِنْدَها، ثُمَّ يَنْصَرفُ، فيقول: هكذا رَأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ يَفْعَل. "وعن سالم، عن ابن عمر ﵄: أنه كان يرمي جمرة الدُّنيا": تأنيث الأدنى؛ أي: الأقرب، وهي التي يُبدأ بها في الرمي، وصفها بالدنيا؛ لدنوها من

стр. 1421

منازل النازلين عند مسجد الخيف، وهناك كان مناخه ﵊، وإضافتها كإضافة المسجد الجامع، أو فيه حذف؛ أي: جمرة العقبة الدنيا؛ يعني: يرمي في الموضع الأول من المواضع الثلاثة. "بسبع حصيات، يكبر على إثر كل حصاة"؛ أي: عقيبه. "ثم يتقدم"؛ أي: يذهب قليلًا من ذلك الموضع. "حتى يُسهِلَ"؛ أي: يبلغ إلى موضع سهل لين، وهو الموضع الذي رمى فيه. "فيقوم مستقبل القبلة طويلًا"؛ أي: قيامًا طويلًا. "ويدعو، ويرفع يديه، ثم يرمي الوسطى"؛ أي: الجمرة الوسطى. "بسبع حصيات، يكبر كلما رمى بحصاة، ثم يأخذ بذات الشمال"؛ أي: يذهب على شمال الجمرة الوسطى. "فيسهل": يقال: أسهل: إذا صار إليه. "وبقوم مستقبل القبلة، ثم يدعو، ويرفع يديه، ويقوم طويلًا، ثم يرمي جمرة ذات العقبة": وهي الجمرة التي تلي مكة. "من بطن الوادي بسبع حصيات، يكبر عند كل حصاة، ولا يقفُ عندها، ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت النبي ﵊ يفعله". * * * ١٩٣٢ - وعن ابن عُمر ﵄ قال: اسْتَأذَنَ العَبَّاسُ بن عَبْدِ المُطَّلِبِ رسُولَ الله ﷺ أَنْ يَبيتَ بِمكَّةَ لَياليَ مِنًى مِنْ أجْلِ سِقايتهِ، فأذِنَ لَهُ. "وعن ابن عمر ﵁ أنه قال: استأذن العباسُ بن عبد المطلب رسول الله

стр. 1422

أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته": وهي في الأصل مصدر، أطلق هنا على المحل، أو المراد: أهل السقاية. "فأذن له": إذنه ﵊ للعباس بذلك يدلُّ على جواز ترك المبيت بمنى لمن هو مشغول بإسقاء الماء لأجل الناس، وكذا لمن له ضرورة وعذر، فإن ترك المبيت بغير عذر أثم عندنا ولا شيء عليه، وعند الشافعي لزمه في ليلة درهم، وفي ليلتين درهمان، وفي ثلاث ليال دم. وقال مالك: يلزمه بكل ليلة دم. * * * ١٩٣٣ - وعن ابن عبَّاس ﵄: أن رسُولَ الله ﷺ جاءَ إلى السِّقايَة، فاسْتَسْقَى، فقال العبَّاسُ: يا فَضْلُ! اذْهَبْ إلى أُمِّكَ، فائْتِ رسُولَ الله ﷺ بِشَرابٍ مَنْ عِنْدِها، فقال: "اسْقِني"، فقال: يا رسُولَ الله! إنهمْ يَجْعَلُونَ أيْدِيَهُمْ فِيهِ، فقال: "اسْقِني"، فَشَرِبَ مِنْهُ، ثُمَّ أتَى زَمْزَمَ وهُمْ يَسْقُونَ ويَعْمَلُونَ فيها، فقال: "اعْمَلُوا، فإنَّكمْ عَلَى عَمَلٍ صالِحٍ"، ثُمَّ قال: "لولا أنْ تُغْلَبُوا لنَزَلْتُ حتَّى أَضَعَ الحَبْلَ على هذه"، وأشَارَ إلى عاتِقِهِ. "وعن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ جاء إلى السقاية، فاستسقى، فقال العباس: يا فضل! ": هو فضل بن عباس. "اذهب إلى أمك، فأتِ رسولَ الله ﷺ بشراب من عندها، فقال"؛ أي: النبي ﵊: "اسقني": من هذه السقاية. "فقال"؛ أي: العباس. "يا رسول الله! إنهم يجعلون أيديهم فيه، فقال: اسقني، فشرب منه": شربه ﵊ لدفع وسوستهم من جعل أيديهم فيه، وفيه دليل

стр. 1423

على أن الماء الطاهر لا يصير نجسًا بجعل الناس أيديهم فيه ما لم تتيقَّنْ نجاسة أيديهم. "ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها، فقال: اعملوا فإنكم على عمل صالح، ثم قال: لولا أن تغلبوا"؛ أي: لولا مخافة غلبة الناس عليكم في الاستقاء اقتداءً بفعلي. "لنزلت": من دابتي. "حتى أضع الحبل على هذه، وأشار إلى عاتقه": وشاركتكم في الاستقاء، وفيه حثٌّ على العمل في البر. * * * ١٩٣٤ - وقال أَنسَ ﵁: إن رسُولَ الله ﷺ صلى الظُّهْرَ والعَصْرَ والمَغْرِبَ والعِشاء, ثُمَّ رَقَدَ رَقْدَةً بالمُحَصَّبِ، ثُئمَ كبَ إلى البَيْتِ، فطاف به. "وقال أنس ﵁: إن النبي ﵊ صلَّى الظهر والعصر والمغرب والعشاء": في اليوم الآخر من أيام التشريق. "ثم رقد رقدة"؛ أي: نام نومةً من الليلة التي بعد أيام التشريق. "بالمحصَّب" بفتح الصاد: موضع قريب إلى الأبطح من مكة. "ثم ركب، وسار إلى البيت، فطاف به": طواف الوداع، فنزولُ المحصَّب في هذه الليلة سنَّة عند ابن عمر. * * * ١٩٣٥ - وسُئِلَ أنسٌ ﵁ عَنْ النَّبيِّ ﷺ أَيْنَ صلى الظُّهْرَ والعَصْرَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ؟، قال: بمِنًى، قيل: فأيْنَ صَلَّى العَصْرَ يَوْمَ النفْرِ؟، قال: بِالأَبْطَح، ثُمَّ

стр. 1424

قال: افْعَلْ كما يَفْعَلُ أُمَراؤُك. "وسئل أنس ﵁ عن النبي ﷺ : أين صلَّى الظُّهر والعصر يوم التروية؟ ": وهو اليوم الثامن من ذي الحجة. "قال: بمنى، قيل: فأين صلى العصر يوم النَّفَر؟ ": بفتحتين؛ أي: يوم الرجوع، وهو اليوم الثالث من أيام التشريق، ويسمى النفر الثاني؛ لأن من لم ينفر في اليوم الثاني من منى، نفر في اليوم الثالث منه. "قال: بالأَبطح" بفتح الهمزة: وهو مسيل واسع فيه رقاقُ الحصى، أراد به: المحصب، عبَّر عن موضع واحد تارة بالأبطح وأخرى بالمحصب، أوَّلُهُ عند منقطع وادي منى، وآخره متصل بالمقبرة التي يسميه أهل مكة بالمعلَّى. "ثم قال: افعل كما يفعل أمراؤك": أراد به: من يقتدي به الناس. * * * ١٩٣٦ - قالت عائشةُ ﵂: نُزولُ الأَبطَح لَيْسَ بِسُنَّةٍ، إنَّما نزَلَهُ رسُولُ الله ﷺ لأنَّهُ كانَ أسْمَحَ لِخُروجِهِ إذا خَرَجَ. "قالت عائشة: نزول الأبطح ليس بسنة"؛ أي: ليس بنسكٍ من مناسك الحج. "إنما نزله رسول الله ﷺ ؛ لأنه كان أسمح"؛ أي: أسهل. "لخروجه إذا خرج": من منى إلى مكة لطواف الوداع. * * * ١٩٣٧ - وقالت: أحْرَمْتُ مِنْ التَّنْعِيم بعُمْرَةٍ، فدَخَلْتُ، فَقَضَيْتُ عُمْرَتي، وانتُظَرني رسُولُ الله ﷺ بِالأَبطَح حتَّى فَرَغْتُ، فَأمَرَ النَّاسَ بالرَّحِيلِ، فَخَرَجَ،

стр. 1425

فَمَرَّ بالبَيْتِ، فطافَ بهِ قَبْلَ صَلاةِ الصُّبْح، ثُمَّ خَرَجَ إلى المَدِينَةِ. "وقالت"؛ أي: عائشة. "أحرمتُ من التنعيم بعمرة، فدخلت": مكة. "فقضيت عمرتي"؛ أي: أتممتها، وهذه العمرة هي التي خرجت منها بسبب حيضها. "وانتظرني رسول الله ﷺ بالأبطح حتى فرغت، فأمر الناس بالرحيل، فخرج، فمر بالبيت فطاف به"؛ أي: بالبيت طواف الوداع. "قبل صلاة الصبح، ثم خرج إلى المدينة". * * * ١٩٣٨ - عن ابن عبَّاس ﵄ قال: كانَ النَّاسُ يَنْصَرِفُونَ في كُلِّ وَجْهٍ، فقالَ رسُولُ الله ﷺ : "لا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ حتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْده بالبَيْتِ"، إلَاّ أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الحائِضِ. "وعن ابن عباس أنه قال: كان الناس": إذا فرغوا من أفعال الحج. "ينصرفون في كل وجه"؛ أي: يذهبون في كل جانب إلى أوطانهم بلا طواف الوداع. "فقال رسول الله ﷺ ، نهيًا عن ذلك: "لا ينفرن"؛ أي: لا يذهبن. "أحدٌ حتى يكون آخر عهده بالبيت"؛ أي: يطوف بالبيت طواف الوداع أي: حتى يطوف طواف الوداع، وهذا يدل على وجوب طواف الوداع. "إلا أنه خفف عن الحائض"؛ يعني: جوَّز لها ترك طواف الوداع، وكذا عن النفساء، ولا دم عليها، وعليه الأكثر، وبه قال الشافعي.

стр. 1426

١٩٣٩ - وقالت عائشةُ ﵂: حاضَتْ صَفِيّهُ لَيْلَةَ النَّفرِ، فقالتْ: ما أُراني إلَاّ حابستكُمْ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "عَقْرَى، حَلْقَى، أطافَتْ يَوْمَ النَّحْرِ؟ "، قيل: نعمْ، قال: "فانْفِري". "وقالت عائشة ﵂: حاضت صفية ليلة النفر"؛ أي: ليلة يوم النفر؛ لأنه لم يشرع في تلك الليلة، بل في يومها. "فقالت: ما أراني"؛ أي: ما أظنني. "إلا حابستكم"؛ أي: مانعتكم عن الرحلة إلى المدينة، بأن تنتظروا تطهري، فأطوف طواف الوداع، كان ظنًا منها أن الحج كما يتوقف انعقاده على طواف الزيارة، يتوقف على طواف الوداع. "قال النبي ﵊: عَقرَى حَلْقى" بغير تنوين: صفتان للمرأة، دعاء بصيرورتها عاقرًا، وإصابة داءٍ في حلقها. وقيل: بالمصيبة، من (العقر) بمعنى: الخمش وحلق الرأس؛ لأن العرب كانوا يفعلون ذلك عند شدة المصيبة. ومحلهما رفع؛ أي: هي عقرى حلقى، أو مصدران على فَعْلَى بمعنى: العقر والحلق؛ أي: أصابها الله بعقر في جسدها وبوجع في حلقها، وكيف كان، فهو دعاءٌ لا يراد به وقوعه، إنما هو عادة بينهم في التلطف. "أطافت يوم النح"؛ أي: طواف الفرض. "قيل: نعم، قال: فانفري": أجاز ﵊ لها أن تنفر إذا حاضت من غير طواف الوداع. * * * مِنَ الحِسَان: ١٩٤٠ - عن عَمرو بن الأَحْوَص قال: سَمِعْتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ في

стр. 1427

حَجَّةِ الوَداعِ: "أيُّ يَوْمٍ هذا؟ "، قَالُوا: يَوْمُ الحَجِّ الأكبَرِ، قال: "فَإنَّ دِمَاءكمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ بَيْنَكُم حَرَام كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هذا في بَلَدِكمْ هذا، أَلا لا يَجْني جانٍ إلَاّ عَلَى نَفْسِهِ، أَلا لا يَجْني جانٍ عَلَى وَلَده، ولا مَوْلُودٌ عَلَى والِده، ألا وإنَّ الشَّيْطانَ قَدْ أَيسَ أَنْ يُعْبَدَ فِي بَلَدِكُمْ هذا أبَدًا، ولَكِنْ سَتكُونُ لهُ طاعَة فِيما تَحْتَقِرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَسَيَرضَى بهِ"، صحيح. "من الحسان": " عن عمرو بن الأحوص أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول في حجة الوداع: أي يوم هذا؟ قالوا: يوم الحج الأكبر": قال ابن عباس: هو يوم عرفة؛ لأنه من أدرك عرفة، فقد أدرك معظم الحج، سمي بالحج الأكبر؛ لأنه أكبر من يوم الجمعة، وهو حج المساكين. وقيل: هو الذي حجَّ فيه رسول الله ﷺ ؛ لأنه اجتمع فيه حج المسلمين وعيد اليهود والنصارى، ولم يجتمعْ قبله ولا بعده. "قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، ألا لا يجني جانٍ إلا على نفسه، ألا لا يجني جانٍ على ولده، ولا مولود على والده": تقدم بحثه. "ألا وإن الشيطان قد أيسَ أن يُعبَد في بلدكم هذا"؛ يعني: أنتم أبناء العرب لن تعبدوا الطاغوت وغير الله من الأصنام بعد هذا. "أبدًا": بمعنى: خالدًا، فيكون ظرفًا لـ (أيس)، أو بمعنى: قط، فيكون راجعًا إلى النفي؛ أي: لا يعبد قط. "ولكن ستكون له طاعةٌ فبما تحقِرون من أعمالكم، فسيرضى به".

стр. 1428

١٩٤١ - عن رافع بن عَمْرو المُزَني قال: رأيتُ رسُول الله ﷺ يَخْطُبُ النَّاسَ بمِنًى حِينَ ارْتَفَعَ الضُّحَى على بَغْلَةٍ شَهباءَ، وعليٌّ يُعَبرُ عنهُ، والنَّاسُ بينَ قائِم وقاعِدٍ. "عن رافع بن عمرو المزني ﵁ أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يخطب الناس بمنى حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء"؛ أي: بيضاء لا يخالط لونها سواد؛ أي: راكب عليها. "وعلي يعبر"؛ أي: يبلِّغ "عنه"، والتعبير في الأصل: إنهاء المعنى بتوسط العبارة في نفسك. "والناس بين قائم وقاعد"؛ أي: بعضهم قيام، وبعضهم قعود، نصبُهُ ﵊ عليًا لإسماع موعظته من لم يسمع؛ لكثرة الازدحام في ذلك الموضع؛ لأنه ﵊ كان في ذلك الموسم بين أمة لا يُحصى عديدهم، وكان صوته ﷺ لا يبلغ أُخريات القوم. * * * ١٩٤٢ - عن أَبي الزُّبَيْر، عن عائشة، وابن عبَّاسٍ ﵃: أن رسُولَ الله ﷺ أَخَّرَ طَوافَ الزِّيارَة يَوْمَ النَّحْرِ إلى اللَّيْلِ. "عن أبي الزَبير": اسمه محمد بن مسلم المكي التابعي. "عن عائشة وابن عباس: أن النبي ﵊ أخَّر طواف الزيارة": وهو طواف الإفاضة. "يوم النحر إلى الليل"، وأول وقته عند الشافعي بعد نصف ليلة العيد. وعند أبي حنيفة وأحمد ومالك: بعد طلوع فجر يوم النحر، وأما آخره فأي وقت طاف جاز سواء يوم النحر وأيام التشريق وبعدها، ولكن ينبغي أن لا يخرج

стр. 1429

من مكة حتى يطوف. * * * ١٩٤٣ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄: أن النَّبيَّ ﷺ لَمْ يَرْمُلْ في السَّبْعِ الذي أَفاضَ فيهِ. "وعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﵊ لم يرمُلْ في السبع الذي أفاض فيه"؛ أي: من عرفة. * * * ١٩٤٤ - وعن عائشةَ ﵂، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا رَمَى أحدكم جَمْرَةَ العَقَبةِ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَاّ النِّسَاءَ"، ضعيف منقطع. "عن عائشة ﵂، عن النبي ﵊ أنه قال: إذا رمى أحدكم جمرة العقبة، فقد حلَّ له كل شيء إلا النساء"، (ضعيف منقطع). * * * ١٩٤٥ - عن القاسم، عن عائشةَ ﵂ قالت: أفاضَ رسُولُ الله ﷺ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ رَجَعَ إلى مِنًى، فَمَكَثَ بها لَياليَ أيَّامِ التَّشْرِيقِ، يَرْمي الجَمْرَةَ إذا زالَتِ الشمسُ، كُلُّ جَمْرَةٍ بسبع حَصَياتٍ، يُكَبرُ مَعَ كُلِّ حَصاةٍ، ويقِفُ عندَ الأولَى والثانيةِ، فيطيلُ القِيامَ، ويتضَرعُ، وَيرمِي الثالِثة، فلا يقِفُ عِنْدَها. "عن القاسم، عن عائشة: أنها قالت: أفاض رسول الله ﷺ " أي: طاف طواف الفرض.

стр. 1430

"من آخر يومه"؛ أي: في آخر يوم النحر. "حين صلى الظهر": وفي الكلام تقدير، فالمعنى: صلى الظهر والعصر معًا في يوم عرفة، ووقف، ثم أفاض من آخر يومه، يدل عليه حديث حجة الوداع. "ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرة إذا زالت الشمس": بيان لوقت الرمي في أيام التشريق. "كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة، ويقف عند الأولى والثانية فيطيل القيام ويتضرع، ويرمي الثالثة فلا يقفُ عندها". * * * ١٩٤٦ - عن أَبي البَدَّاح بن عاصِم بن عَدِيٍّ عن أبيه قال: رَخَّص رسُولُ الله ﷺ لِرِعاءِ الإبلِ في البَيْتُوتَةِ أنْ يَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ، ثُمَّ يَجْمَعُوا رمْيَ يَوْمَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ، فَيَرْمُوهُ في أَحَدِهِما. "عن أبِي البَدَّاح بن عاصم بن عدي، عن أبيه: أنه قال: رخَّص رسول الله ﷺ لرعاء الإبل في البيتوتة"؛ أي: في ترك المبيت بمنى في ليالي أيام التشريق؛ لاشتغالهم برعي الإبل وحفظها. "أن يرمُوا"؛ أي: رخَّص لهم أن يرموا. "يوم النحر جمرة العقبة، ثم يجمعوا رميَ يومين بعد يوم النحر، فيرموه في أحدهما"؛ أي: فيرموا رمي يومين في أحد اليومين من أيام التشريق، فإن رموا ذلك في اليوم الثاني منها، كان الرمي عن اليوم الأول فيه قضاء، والرمي عن اليوم الثاني أداء، وإن رموا في اليوم الأول منها، كان رمي اليوم الأول أداء، ورمي اليوم الثاني تعجيلًا، وهذا لا يجوز عند الشافعي ومالك؛ لأن ما لم يجب

стр. 1431

لم يجز تقديمه، وأجازه بعضهم. * * * ١١ - باب ما يجتنبه المحرم (باب ما يجتنبه المحرم) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٩٤٧ - عن عبد الله بن عُمر ﵄: أن رجُلًا سَألَ النبي ﷺ : ما يَلْبَسُ المُحْرِمُ مِنَ الثِّيابِ؟، فقال: "لا يَلْبَسُوا القُمُصَ، ولا العَمائِمَ، ولا السَّراوِيلات، ولا البَرانِسَ، ولا الخِفَافَ، إلَاّ أَحَدٌ لا يَجدُ نَعْلَيْنِ، فَلْيَلْبَسَ الخُفَّيْنِ، ولْيقْطَعْهُما أسْفَلَ مِنَ الكَعْبينِ، ولا تَلْبَسُوا مِنَ الثِّيابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرانٌ ولا وَرْسٌ". وفي روايةٍ: "ولا تنتقِبِ المرْأة المُحْرِمَةُ، ولا تَلبَسُ القُفَّازَيْن". "من الصحاح": " عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ : ما يلبس المحرمُ؟ "؛ أي: سأل عن الشيء الذي يلبسه المحرم. "من الثياب": ويجوز أن تكون (ما) استفهامية. "فقال: لا تلبسوا القمص": جمع قميص، وهو الثوب المخيط. "ولا العمائم": جمع عمامة. "ولا السراويلات": وبهذا قال مالك وأبو حنيفة؛ ليس له لبس السراويل مطلقًا مع وجود الإزار وفقده. "وفي رواية: ولا البرانس": جمع برنس، وهو قلنسوة طويلة، وكان

стр. 1432

الحجاج يلبسونها في صدر الإسلام، وهي من لبد، يقال بالفارسي: برطولة وبلغاري، ذكر البرانس بعد ذكر العمائم يدل على أنه لا يجوز تغطية الرأس لا بنادر ولا بمعتاد اللباس، فإن غطى منه شيئًا فعليه الفدية. "ولا الخفاف": جمع خف. "إلا أحدٌ لا يجد نعلين، فيلبس الخفين، ويقطعْهما أسفلَ من الكعبين": فيصير كالمكعب، فإن لبس قبل القطع فعليه فدية، أو بعده مع وجود الثعلين، وجبت الفدية عند بعض؛ لأنه لم يُؤذَن فيه إلا عند عدمهما. "ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسَّه زعفران، ولا ورس": هو نبت أصفر يشبه الزعفران يكون باليمن يصبغ به، وهذا يدل على منع المحرم عن الطيب في بدنه وثيابه. "وفي رواية: ولا تنتقب المرأة المحرمة"؛ أي: لا تستر وجهها بالنقاب. "ولا تلبس القُفَّازين" بالضم والتشديد: شيء يتخذه الصائد في يده من جلد أو لبد. وقيل: هو شيء تلبسه نساء العرب في أيديهن؛ لتغطية الأصابع والكف؛ توقيًا من البرد ونحوه، وقد يكون طويلًا إلى المرفق والساعد، وقد يكون قصيرًا. * * * ١٩٤٨ - وعن ابن عبَّاس ﵄ قال: سَمِعْتُ رسُولَ الله ﷺ يَخْطُبُ وهو يَقُولُ: "إذا لَمْ يَجدِ المُحْرِمُ نَعْلَيْنِ لَبسَ خُفَّيْنِ، وإذا لَمْ يَجدْ إزارًا لَبسَ سَراوِيلَ". "وعن ابن عباس أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يخطب وهو يقول: إذا لم يجد المحرم نعلين لبس خُفَّين": وبهذا تمسك عطاء وأحمد وقالا: يجوز

стр. 1433

لبسهما بلا قطع؛ لأنه فساد. قلنا: حديث ابن عمر ﵄ صحيح، وفيه أمر بقطعهما، ولا فسادَ فيما أمر به الشرع وأذن فيه، بل الفساد فيما نهى عنه ﷺ . "وإذا لم يجد إزارًا لبس سراويل": وبهذا قال الشافعي، لو لبسه مع فقد الازار لا فدية عليه، وعليه الأكثر. * * * ١٩٤٩ - عن يَعْلَى عن بن أُمَيَّة قال: كُنَّا عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ بالجعْرانَةِ إذْ جاءَهُ رجُلٌ أعْرابيٌّ عَلَيْهِ جُبةً وهو مُتَضَمِّخ بِالخَلُوقِ، فقال: يا رسُولَ الله، إنّي أَحْرَمْتُ بالعمرةِ وهذه عليَّ، فقال: "أمَّا الطيبُ الذي بِكَ فاغْسِلْهُ ثَلاثَ مَراتٍ، وأمَّا الجُبَّةُ فانْزِعْها، ثمَّ اصْنَعْ في عُمْرتكَ كما تَصْنَعُ في حَجِّتِكَ". "وعن يعلى بن أمية أنه قال: كنا عند النبي ﵊ بالجعْرانة": بكسر الجيم وسكون العين والتخفيف وقد يكسر العين ويشدد الراء، وهي من أطراف الحلِّ، وميقاتٌ لإحرام العمرة، بينها وبين مكة تسعة أميال. "إذ جاءه أعرابي عليه جُبة وهو متضمِّخ"؛ أي: متطيب متلطخ. "بالخَلوق": وهو - بفتح الخاء - نوع من الطيب يتخذ من زعفران وغيره. "فقال: يا رسول الله! إني أحرمت بالعمرة، وهذه عليَّ، فقال ﷺ : أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها": أمر ﵊ بغسله ونزع الجبة، ولم يأمر بالفدية، ففيه دليل على أنه لو تطيب أو لبس جاهلًا لا فديةَ عليه، وبه قال الشافعي، وعندنا يلزمه دم. "ثم اصنع في عمرتك، كما تصنعُ في حجتك": من اجتناب النساء

стр. 1434

والطيب واللباس وغيرها من المنهيات، لا أعمال النسك؛ إذ لا وقوفَ بعرفة مع توابعه في العمرة. * * * ١٩٥٠ - عن عثمان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَنْكَحُ المُحْرِمُ، ولا يُنْكَحُ، ولا يَخْطُبُ". "عن عثمان ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا ينكِح المحرم، ولا يُنكَح": ويروى بصيغة الخبر، و (لا) للنفي، وبصيغة النهي، و (لا) هي الجازمة، ذكر الخطابي أنهما على صيغة النهي أصح، والأول منهما من النكاح، والثاني من الإنكاح. قال الأكثرون - منهم الشافعي ومالك - بفساد النكاح زوجًا كان المحرم، أو امرأة، أو وليًا. "ولا يخطب": هو من الخِطبة - بالكسر -: طلب المرأة للنكاح، وهو نهي تنزيه بخلاف الأولين. * * * ١٩٥١ - ورُوِيَ عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونة وهو مُحْرِمٌ. "وروي عن ابن عباس: أن النبي ﵊ تزوج ميمونة وهو محرم"، واحتج بهذا أبو حنيفة وسفيان الثوري على صحة نكاح المحرم. * * * ١٩٥٢ - وعن يَزِيْد بن الأَصَمِّ ابن أخت مَيْمُونة، عن مَيْمُونة: أنَّ

стр. 1435

رسُولَ الله ﷺ تَزَوَّجَهَا وهو حَلالٌ. قال الإمام ﵀: والأكثرون على أنَّه تزوَّجها حَلالًا. "وعن يزيد بن الأصم ابن أخت ميمونة: أن رسول الله ﷺ تزوجها وهو حلال، قال المصنف: والأكثرون من أصحاب الحديث على أنه تزوجها حلالًا": نصب على الحال؛ أي: في كونه حلالًا؛ لرواية ابن أخت ميمونة وغيره. قلنا: يحتمل أنه عبر بالتزويج عن الدخول بها توفيقًا بين الروايتين؛ لما روي: أنه ﵊ تزوجها وهو محرم، وبنى بها -؛ أي: دخل - وهو حلال. * * * ١٩٥٣ - عن أبي أيُّوب ﵁ أن النَّبيَّ ﷺ كانَ يَغْسِلُ رَأْسَهُ وهو مُحْرِمٌ. "عن أبي أيوب: أن النبي ﵊ كان يغسل رأسه وهو محرم": اتفق العلماء على جواز غسل المحرم رأسه وإمرار اليد على شعره بحيث لا ينتفُ شعرًا. * * * ١٩٥٤ - وعن ابن عبَّاس ﵄ قال: احْتَجَمَ النَّبي ﷺ وهو مُحْرِم. "عن ابن عباس أنه قال: احتجم النبي ﵊ وهو محرم": يدل على جواز الحجامة للمحرم بلا قطع شعر، فإن قطع فدى.

стр. 1436

١٩٥٥ - وعن عُثْمان ﵁ حدَّث عن رسُولِ الله ﷺ : في الرجُلِ إذا اشْتكَى عَيْنَيْهِ وهو مُحْرِمٌ ضَمَّدَهُما بالصَّبرِ. "وعن عثمان حدث عن رسول الله ﷺ في الرجل إذا اشتكى عينيه"؛ أي: حصل له بهما ألم وأنين من الوجع. "وهو محرم ضمَّدهما": وأصل الضمد: الشد، يقال: ضمد رأسه وجرحه: إذا شده بالضماد، وهو: خرقة يُشَدُّ بها العضو المؤوف. "بالصبِر" بكسر الباء: الدواء المر الذي يتداوى به، والمراد منه: الاكتحال. * * * ١٩٥٦ - وقالت أُمُّ الحُصَيْن: رَأَيْتُ أُسامَةَ وبلالًا، وأَحَدُهُما آخِذٌ بخِطامِ ناقَةِ رسُولَ الله ﷺ ، والآخَرُ رافعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنَ الحَرِّ، حتى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبةِ. "وقالت أم الحصين: رأيت أسامة وبلالًا، وأحدهما آخذٌ بِخطام ناقة رسول الله"؛ أي: بزمام ناقته. "والآخرُ رافعٌ ثوبه"؛ أي: جاعل ثوبه على رأسه ﵊ مثل ظل بحيث لم يصلِ الثوبُ إلى رسول الله ﷺ . "يستره من الحر"؛ أي: حر الشمس. "حتى رمى جمرة العقبة": وهذا يدل على جواز الاستظلال، وكرهه أحمد ومالك. * * * ١٩٥٧ - عن كعْب بن عُجْرَة "أن النبيَّ ﷺ مرَّ بِهِ وهو بالحُدَيبيَّةِ قَبْلَ أَنْ

стр. 1437

يَدْخُلَ مَكَّةَ وهو مُحْرِمٌ، وهو يُوقدُ تَحْتَ القِدْرِ وَالقَمْلُ يتَهافَتُ على وَجْهِهِ، فقال: "أتؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ "، قال: نعَمْ، قال: "فاحْلِقْ رَأْسَكَ، وأَطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةَ مَسَاكينَ - والفَرْقُ ثَلاثَةُ أَصْوُع - اْو صُمْ ثَلاثَةَ أيامٍ، أو انْسُكْ نَسِيكَةً". "عن كعب بن عجرة: أن النبي ﵊ مرَّ به وهو بالحديبية" بتخفيف الياء: قرية قريبة من مكة، وكثيرٌ من المحدثين يشددونها. "قبل أن يدخل مكة وهو محرم، وهو يوقدُ"؛ أي: يشعل النار. "تحت قدر"؛ ليطبخ طعامًا. "والقمل يتهافت"؛ أي: تتساقط من رأسه على وجهه. "فقال" له: "أيؤذيك هوامُّك": جمع هامة، وهي: الدابة التي تدب؛ أي: تسير على السكون مثل القمل وغيره، والمراد هنا: القمل. "قال: نعم، قال: فاحلق رأسك، وأطعم فَرَقًا بين ستة مساكين": كل مسكين نصف صاع؛ حنطة أو شعيرًا أو زبيبًا أو تمرًا، وقيل: من التمر والزبيب صاعًا، والأول أصح. "والفَرَق" - بالتحريك - "ثلاثة أَصوُع، أو صُمْ ثلاثة أيام، أو انسُكْ نسَيكة"؛ أي: اذبح ذبيحة، وفرِّقْ لحمها بين مساكين الحرم، والحديث يدل على تخيير فدية الأذى بين الهدي والإطعام والصيام على ما نطق به القرآن، ولا فرقَ بين الحلق بعذر وغيره عند أكثرهم، وقيل: إن حلق بغير عذر تعيَّنَ الدم إن قدر عليه. * * * مِنَ الحِسَان: ١٩٥٨ - عن ابن عُمر ﵄: أنه سَمعَ النبيَّ ﷺ نهَى النِّساءَ في إحْرَامِهِنَّ

стр. 1438

عَنِ القُفَّازينِ، والنِّقَابِ، وما مَسَّ الوَرْسُ، والزَّعْفَرَانُ مِنَ الثيابِ، ولْتَلْبَسْ بَعْدَ ذلكَ ما أَحَبَّتْ مِنْ ألوَانِ الثيابِ مُعَصْفَرٍ، أو خَزٍّ، أو حُلَلٍ، أو سَرَاوِيلَ، أو قَمِيصٍ، أو خُفٍّ". من الحسان: " عن ابن عمر ﵄: أنه سمع رسول الله ﷺ نهى النساء في إحرامهن عن القُفَّازين والنقاب وما مسَّه الورس والزعفران من الثياب، ولتلبسْ": عطف على قوله: (نهى) من حيث المعنى، كأنه قيل: لا تلبس المرأة القفازين "ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب"؛ أي: أصنافها. "معصفر": بيان للألوان؛ أي: مصبوغ بالعصفر، وجاز هذا؛ لأنه ليس بطيب بخلاف الزعفران. "أو خَزٍّ": قيل: هو ثوب من إبرسيم وصوف، وفي "المغرب": الخز اسم دابة، ثم سمي المتخذ من وبرها خزًا. "أو حُلْي": جعل الحلي من جنس الثياب تغليبًا، وفسَّره المظهر: بالحلل وقال: هي جمع، وهي رداء وإزار من قطن. "أو سراويل أو قميص أو خف". * * * ١٩٥٩ - وقالتْ عائشةُ ﵂: كانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بنا ونحنُ معَ رسولِ الله ﷺ مُحْرِمَاتٌ، فإذا حاذَوْنَا سَدَلَتْ إحْدَانَا جِلْبَابَها مِنْ رَأْسِها عَلى وَجْهِهَا، فإذا جاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ. "وقالت عائشة ﵂: كان الرُّكبان": جمع راكب. "يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذونا"؛ أي: وصلوا حذاءنا ومقابلتنا.

стр. 1439

"سدلت"؛ أي: أرسلت "إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها": بحيث لا يمس الجلباب بشرة الوجه؛ كيلا يرانا الركبان الأجنبيون. "فإذا جاوزنا كشفناه". * * * ١٩٦٠ - وعن ابن عُمر ﵄: أن النَّبيَّ ﷺ كانَ يَدهِنُ بالزَّيْتِ وهُوَ مُحْرِمٌ غَيْرَ المُقَتَّتِ؛ يعني: غير المُطيَّب. "عن ابن عمر: أن النبي - عليه الصلاة السلام - كان يدهن بالزيت وهو محرم غير المقتَّتِ": بالنصب حال من (الزيت)، وبالجر صفة له؛ يعني: غير المطيب، وهو ما يطبخ فيه الرياحين حتى يطيبَ ريحه. * * * ١٢ - باب المحرِم يَجتنِب الصيد (باب المحرم يجتنب الصيد) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٩٦١ - عن الصَّعْب بن جَثَّامة: أنَّهُ أَهْدَى لرسُولِ الله ﷺ حِمَارًا وحْشِيًّا وهو بالأَبْوَاء - أو بَوَدَّانَ - فَرَدَّ عليهِ، فلمَّا رأَى ما في وَجْهِهِ قال: "إنا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَّا أنا حُرُم". "من الصحاح": " عن الصعب بن جَثَّامة: أنه أهدى لرسول الله ﷺ "؛ أي: أرسل إليه.

стр. 1440

"حمارًا وحشيًا وهو" ﷺ . "بالأبواء" بفتح الهمزة: اسم موضع، وهو مدفن أمِّ النبي ﵊، على عشرة فراسخ من المدينة. "أو بوَدَّان" بفتح الواو وتشديد الدال: قرية بينها وبين الأبواء ثمانية أميال، وقيل: هي قرية جامعة قريبة الجحفة، شك من الراوي. "فرد عليه"؛ أي: لم يقبل النبي ﵊ ذلك الحمار منه. "فلما رأى ما في وجهه"؛ أي: وجه صاحب الحمار من أثر التأذي بردِّ هديته. "قال" اعتذارًا إليه وتطييبًا لقلبه: "إنا لم نرده عليك إلا أنَّا": بفتح الهمزة وحذف لام التعليل، والمستثنى منه مقدر؛ أي: لا نرده لعلة من العلل إلا لأنا. "حُرُم" بضم الحاء والراء: جمع حرام بمعنى: محرم، وهذا يدل على أن المحرم لا يقبل الصيد حيًّا، وإن كان له قَبولُ لحمه، ولا شراءه عند الأكثر. * * * ١٩٦٢ - عن أَبي قتادَةَ: أنَّهُ خَرَجَ معَ رسُولِ الله ﷺ فتخَلَّفَ مَعَ بعضِ أَصْحَابهِ وهم مُحْرِمُونَ، وهو غيرُ مُحْرِمٍ، فرَأَوْا حِمارًا وَحْشيًا قَبْلَ أَنْ يراهُ، فلمَّا رأَوهُ تَرَكُوهُ حَتَّى رآهُ أبو قَتادَةَ، فرَكِبَ فَرَسًا له، فسألهُمْ أنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ، فَأَبَوْا، فتنَاوَلَهُ، فحَمَلَ عليهِ فَعَقَرَهُ، ثُمَّ أَكَلَ، فأكلُوا، فَنَدِمُوا، فلمَّا أَدْركوا رسولَ الله ﷺ ، سألوه قال: "هَلْ مَعَكُم مِنْهُ شيء؟ "، قالوا: مَعَنا رِجْلُهُ، فَأَخَذَهَا النَّبيّ ﷺ ، فَأَكَلَها. وفي روايةٍ: فلمَّا أتوْا رسولَ الله ﷺ قال: "هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا؟ "، قالوا: لا، قال: "فكُلُوا ما بقِيَ مِنْ لَحْمِها".
следующие страницы →