← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17791

شرح المصابيح لابن الملك

ابن الملك

Полный текст (3 421 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

١٩٥٥ - وعن عُثْمان ﵁ حدَّث عن رسُولِ الله ﷺ : في الرجُلِ إذا اشْتكَى عَيْنَيْهِ وهو مُحْرِمٌ ضَمَّدَهُما بالصَّبرِ. "وعن عثمان حدث عن رسول الله ﷺ في الرجل إذا اشتكى عينيه"؛ أي: حصل له بهما ألم وأنين من الوجع. "وهو محرم ضمَّدهما": وأصل الضمد: الشد، يقال: ضمد رأسه وجرحه: إذا شده بالضماد، وهو: خرقة يُشَدُّ بها العضو المؤوف. "بالصبِر" بكسر الباء: الدواء المر الذي يتداوى به، والمراد منه: الاكتحال. * * * ١٩٥٦ - وقالت أُمُّ الحُصَيْن: رَأَيْتُ أُسامَةَ وبلالًا، وأَحَدُهُما آخِذٌ بخِطامِ ناقَةِ رسُولَ الله ﷺ ، والآخَرُ رافعٌ ثَوْبَهُ يَسْتُرُهُ مِنَ الحَرِّ، حتى رَمَى جَمْرَةَ العَقَبةِ. "وقالت أم الحصين: رأيت أسامة وبلالًا، وأحدهما آخذٌ بِخطام ناقة رسول الله"؛ أي: بزمام ناقته. "والآخرُ رافعٌ ثوبه"؛ أي: جاعل ثوبه على رأسه ﵊ مثل ظل بحيث لم يصلِ الثوبُ إلى رسول الله ﷺ . "يستره من الحر"؛ أي: حر الشمس. "حتى رمى جمرة العقبة": وهذا يدل على جواز الاستظلال، وكرهه أحمد ومالك. * * * ١٩٥٧ - عن كعْب بن عُجْرَة "أن النبيَّ ﷺ مرَّ بِهِ وهو بالحُدَيبيَّةِ قَبْلَ أَنْ

стр. 1437

يَدْخُلَ مَكَّةَ وهو مُحْرِمٌ، وهو يُوقدُ تَحْتَ القِدْرِ وَالقَمْلُ يتَهافَتُ على وَجْهِهِ، فقال: "أتؤْذِيكَ هَوَامُّكَ؟ "، قال: نعَمْ، قال: "فاحْلِقْ رَأْسَكَ، وأَطْعِمْ فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةَ مَسَاكينَ - والفَرْقُ ثَلاثَةُ أَصْوُع - اْو صُمْ ثَلاثَةَ أيامٍ، أو انْسُكْ نَسِيكَةً". "عن كعب بن عجرة: أن النبي ﵊ مرَّ به وهو بالحديبية" بتخفيف الياء: قرية قريبة من مكة، وكثيرٌ من المحدثين يشددونها. "قبل أن يدخل مكة وهو محرم، وهو يوقدُ"؛ أي: يشعل النار. "تحت قدر"؛ ليطبخ طعامًا. "والقمل يتهافت"؛ أي: تتساقط من رأسه على وجهه. "فقال" له: "أيؤذيك هوامُّك": جمع هامة، وهي: الدابة التي تدب؛ أي: تسير على السكون مثل القمل وغيره، والمراد هنا: القمل. "قال: نعم، قال: فاحلق رأسك، وأطعم فَرَقًا بين ستة مساكين": كل مسكين نصف صاع؛ حنطة أو شعيرًا أو زبيبًا أو تمرًا، وقيل: من التمر والزبيب صاعًا، والأول أصح. "والفَرَق" - بالتحريك - "ثلاثة أَصوُع، أو صُمْ ثلاثة أيام، أو انسُكْ نسَيكة"؛ أي: اذبح ذبيحة، وفرِّقْ لحمها بين مساكين الحرم، والحديث يدل على تخيير فدية الأذى بين الهدي والإطعام والصيام على ما نطق به القرآن، ولا فرقَ بين الحلق بعذر وغيره عند أكثرهم، وقيل: إن حلق بغير عذر تعيَّنَ الدم إن قدر عليه. * * * مِنَ الحِسَان: ١٩٥٨ - عن ابن عُمر ﵄: أنه سَمعَ النبيَّ ﷺ نهَى النِّساءَ في إحْرَامِهِنَّ

стр. 1438

عَنِ القُفَّازينِ، والنِّقَابِ، وما مَسَّ الوَرْسُ، والزَّعْفَرَانُ مِنَ الثيابِ، ولْتَلْبَسْ بَعْدَ ذلكَ ما أَحَبَّتْ مِنْ ألوَانِ الثيابِ مُعَصْفَرٍ، أو خَزٍّ، أو حُلَلٍ، أو سَرَاوِيلَ، أو قَمِيصٍ، أو خُفٍّ". من الحسان: " عن ابن عمر ﵄: أنه سمع رسول الله ﷺ نهى النساء في إحرامهن عن القُفَّازين والنقاب وما مسَّه الورس والزعفران من الثياب، ولتلبسْ": عطف على قوله: (نهى) من حيث المعنى، كأنه قيل: لا تلبس المرأة القفازين "ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب"؛ أي: أصنافها. "معصفر": بيان للألوان؛ أي: مصبوغ بالعصفر، وجاز هذا؛ لأنه ليس بطيب بخلاف الزعفران. "أو خَزٍّ": قيل: هو ثوب من إبرسيم وصوف، وفي "المغرب": الخز اسم دابة، ثم سمي المتخذ من وبرها خزًا. "أو حُلْي": جعل الحلي من جنس الثياب تغليبًا، وفسَّره المظهر: بالحلل وقال: هي جمع، وهي رداء وإزار من قطن. "أو سراويل أو قميص أو خف". * * * ١٩٥٩ - وقالتْ عائشةُ ﵂: كانَ الرُّكْبَانُ يَمُرُّونَ بنا ونحنُ معَ رسولِ الله ﷺ مُحْرِمَاتٌ، فإذا حاذَوْنَا سَدَلَتْ إحْدَانَا جِلْبَابَها مِنْ رَأْسِها عَلى وَجْهِهَا، فإذا جاوَزُونَا كَشَفْنَاهُ. "وقالت عائشة ﵂: كان الرُّكبان": جمع راكب. "يمرون بنا ونحن مع رسول الله ﷺ محرمات، فإذا حاذونا"؛ أي: وصلوا حذاءنا ومقابلتنا.

стр. 1439

"سدلت"؛ أي: أرسلت "إحدانا جلبابها من رأسها على وجهها": بحيث لا يمس الجلباب بشرة الوجه؛ كيلا يرانا الركبان الأجنبيون. "فإذا جاوزنا كشفناه". * * * ١٩٦٠ - وعن ابن عُمر ﵄: أن النَّبيَّ ﷺ كانَ يَدهِنُ بالزَّيْتِ وهُوَ مُحْرِمٌ غَيْرَ المُقَتَّتِ؛ يعني: غير المُطيَّب. "عن ابن عمر: أن النبي - عليه الصلاة السلام - كان يدهن بالزيت وهو محرم غير المقتَّتِ": بالنصب حال من (الزيت)، وبالجر صفة له؛ يعني: غير المطيب، وهو ما يطبخ فيه الرياحين حتى يطيبَ ريحه. * * * ١٢ - باب المحرِم يَجتنِب الصيد (باب المحرم يجتنب الصيد) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٩٦١ - عن الصَّعْب بن جَثَّامة: أنَّهُ أَهْدَى لرسُولِ الله ﷺ حِمَارًا وحْشِيًّا وهو بالأَبْوَاء - أو بَوَدَّانَ - فَرَدَّ عليهِ، فلمَّا رأَى ما في وَجْهِهِ قال: "إنا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إلَّا أنا حُرُم". "من الصحاح": " عن الصعب بن جَثَّامة: أنه أهدى لرسول الله ﷺ "؛ أي: أرسل إليه.

стр. 1440

"حمارًا وحشيًا وهو" ﷺ . "بالأبواء" بفتح الهمزة: اسم موضع، وهو مدفن أمِّ النبي ﵊، على عشرة فراسخ من المدينة. "أو بوَدَّان" بفتح الواو وتشديد الدال: قرية بينها وبين الأبواء ثمانية أميال، وقيل: هي قرية جامعة قريبة الجحفة، شك من الراوي. "فرد عليه"؛ أي: لم يقبل النبي ﵊ ذلك الحمار منه. "فلما رأى ما في وجهه"؛ أي: وجه صاحب الحمار من أثر التأذي بردِّ هديته. "قال" اعتذارًا إليه وتطييبًا لقلبه: "إنا لم نرده عليك إلا أنَّا": بفتح الهمزة وحذف لام التعليل، والمستثنى منه مقدر؛ أي: لا نرده لعلة من العلل إلا لأنا. "حُرُم" بضم الحاء والراء: جمع حرام بمعنى: محرم، وهذا يدل على أن المحرم لا يقبل الصيد حيًّا، وإن كان له قَبولُ لحمه، ولا شراءه عند الأكثر. * * * ١٩٦٢ - عن أَبي قتادَةَ: أنَّهُ خَرَجَ معَ رسُولِ الله ﷺ فتخَلَّفَ مَعَ بعضِ أَصْحَابهِ وهم مُحْرِمُونَ، وهو غيرُ مُحْرِمٍ، فرَأَوْا حِمارًا وَحْشيًا قَبْلَ أَنْ يراهُ، فلمَّا رأَوهُ تَرَكُوهُ حَتَّى رآهُ أبو قَتادَةَ، فرَكِبَ فَرَسًا له، فسألهُمْ أنْ يُنَاوِلُوهُ سَوْطَهُ، فَأَبَوْا، فتنَاوَلَهُ، فحَمَلَ عليهِ فَعَقَرَهُ، ثُمَّ أَكَلَ، فأكلُوا، فَنَدِمُوا، فلمَّا أَدْركوا رسولَ الله ﷺ ، سألوه قال: "هَلْ مَعَكُم مِنْهُ شيء؟ "، قالوا: مَعَنا رِجْلُهُ، فَأَخَذَهَا النَّبيّ ﷺ ، فَأَكَلَها. وفي روايةٍ: فلمَّا أتوْا رسولَ الله ﷺ قال: "هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أنْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا، أَوْ أَشَارَ إلَيْهَا؟ "، قالوا: لا، قال: "فكُلُوا ما بقِيَ مِنْ لَحْمِها".

стр. 1441

"وعن أبي قتادة: أنه: خرج مع النبي ﵊، فتخلَّف"؛ أي: تأخر أبو قتادة. "مع بعض أصحابه": عن رسول الله ﷺ قليلًا في الطريق. "وهم محرمون وهو غير محرم، فرأوا حمارًا وحشيًا قبل أن يراه، فلما رأوه"؛ أي: أبا قتادة. "تركوه"؛ أي: لم يقولوا: هذا حمار، بل سكتوا. "حتى رآه أبو قتادة"؛ لأنه لا يجوز للمحرم الدلالة على الصيد. "فركب فرسًا له، فسألهم"؛ أي: طلب منهم. "أبو قتادة أن يناولوه"؛ أي: يعطوه. "سوطه، فأبوا"؛ أي: امتنعوا عن إعطاء سوطه؛ لامتناع إعانة المحرم غيره في قتل الصيد. "فتناوله"؛ أي: أخذ أبو قتادة سوطه. "فحمل عليه"؛ أي: ركض فرسه نحو الحمار الوحشي. "فعقره"؛ أي: قتله. "ثم أكل، فأكلوا، فندموا"؛ أي: المحرمون عن أكلهم من ذلك اللحم. "فلما أدركوا رسول الله ﷺ سألوه قال: هل معكم منه شيء؟ قالوا: معنا رِجْله، فأخذها النبيُّ ﵊، فأكلها": الضمير عائد إلى الرَّجل. "وفي رواية: فلما أتوا رسول الله ﷺ قال: هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها"؛ أي: يصول على الحمار الوحشي، "أو أشار إليها؟ قالوا: لا، قال: فكلوا ما بقي من لحمها": يدل على جواز أكل المحرم من لحم صيد صاده حلال إذا لم يدلَّ عليه، أو لم يُشِرْ إليه.

стр. 1442

١٩٦٣ - وعن ابن عُمر ﵄، عن النبيِّ ﷺ قال: "خَمسٌ لا جُنَاحَ على مَنْ قتلَهُنَّ في الحَرَمِ والإحْرامِ: الفَأْرَةُ، والغُرابُ، والحِدَأة، والعَقْرَبُ، والكَلْبُ العَقُورُ". "وعن ابن عمر ﵁، عن النبي ﵊: خمس"؛ أي: خمس دواب، مبتدأ خبره "لا جناحَ"؛ أي: لا إثمَ "على من قتلهن في الحرم والإحرام"؛ أي: سواء كان ذلك القاتل في حرم مكة أو المدينة، أو في حالة الإحرام. "الفأرة والغراب والحِدَأةُ والعقرب والكلب العقور"؛ أي: الذي يعضُّ الناس ويجرحهم. * * * ١٩٦٤ - وعن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ : "خَمْسٌ فَوَاسقُ يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ: الحَيَّةُ، والغُرابُ الأَبْقَعُ، والفَأرَةُ، والكَلْبُ العَقُورُ، والحُدَيَّا". "وعن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ أنه قال: خمس فواسق": يروى برفعهما، وبالإضافة أيضًا، والأول أصح، جمع فاسقة، وهي: المضرة من الدواب والطيور، وسميت هذه الحيوانات فواسق؛ لخبثهن وكثرة الضرر فيهن، أو لخروجهن من الحرمة في الحل والحرم؛ أي: لا حرمةَ لهن بحال. "يقتلن في الحل والحرم: الحية والغراب الأبقع" بفتح الهمزة: الذي لونه أسود وأبيض. "والفأرة، والكلب العقور، والحُدَيا": تصغير حِدَأة، فلما صغرت صارت حديئة قلبت الهمزة ياءً، ثم أدغمت ثم حذفت، وأقيمت الألف في

стр. 1443

مكانها؛ لأنها تدل على التأنيث مثل: حُبلى. وإنما خص هذه الخمس؛ لأنها أقرب ضررًا من الإنسان بالنسبة إلى غيرها. وعلى هذا قال الشافعي: كل سبع ضار أو عاب وكل حيوان لا يؤكل فقال: لا فدية على قاتلها في الحل والحرم. وقال مالك: كل ما يضر الناس من الدواب مثل الأسد والفهد والنمر والذئب فهو كالكلب العقور، وأما ما لا يضر كالهرة البرية وكالنسر من الطيور وما أشبه ذلك، فلو قتله لزمه الجزاء، وأجاز أبو حنيفة سوى ما جاء في الحديث قتل الذئب، وأوجب الكفارة فيما عداه كالفهد والنمر والخنزير وجميع ما لا يؤكل لحمه. * * * مِنَ الحِسَان: ١٩٦٥ - عن جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لَحْمُ الصَّيْدِ لَكُمْ في الإحْرَامِ حَلالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ، أوْ يُصادَ لَكُمْ". "من الحسان": " عن جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: لحم الصيد لكم في الإحرام حلالٌ ما لم تصيدوه، أو يصادَ لكم": - بالنصب - (أو) بمعنى: (إلا أن)؛ لأن معنى (ما لم تصيدوه) في معنى الاستثناء، يعني: أن لا تصيدوه وإلا أن يصاد لكم، فإنه لا يحل لكم في هاتين الحالتين.

стр. 1444

١٩٦٦ - عن أَبي هُريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "الجَرَادُ مِنْ صَيْدِ البَحْرِ". "عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵊: الجرادُ من صيد البحر"؛ يعني: كما يجوز للمحرم قتل صيد البحر، يجوز له قتل الجراد، ولا ضمانَ عليه. قيل: إن الجراد يتولد من الحيتان. ولهذا الحديث جوَّز بعض العلماء أن يصيده المحرم، وأما من لم يجوز فيقول: إنه من صيد البر؛ لاستقراره فيه. ويحتمل الحديث معنى آخر، وهو أن يقول: أراد أنه من صيد البحر؛ لمشاركته صيد البحر في حكم الأكل منه من غير تزكية على ما ورد به الحديث: "أحلت لنا ميتتان". * * * ١٩٦٧ - عن أَبي سَعيد الخُدريِّ ﵁، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "يَقْتُلُ المُحْرِمُ السَّبُعَ العَادِي". "عن أبي سعيد الخدري، عن النبي ﵊ أنه قال: يقتل المحرم السبع العادي"؛ أي: الذي يقصد الإنسان أو المواشي بالقتل، والجراحة، كالأسد والذئب والنمر وغيرها. * * * ١٩٦٨ - عن عبد الرَّحمن بن أبي عَمَّار قال: سألتُ جابر بن عبدِ الله ﵁ عَنِ الضَّبُعِ أَصَيْدٌ هِيَ؟، قال: نعمْ، فقلتُ: أتؤْكَلُ؟، قال: نعمْ، فقلتُ:

стр. 1445

سَمِعْتَهُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ؟ قال: نعم، صحيح. "وعن عبد الرحمن بن أبي عمار: أنه قال سألت جابرَ بن عبد الله عن الضبع: أصيد هي؟ قال: نعم، فقلت: أتؤكل؟ قال: نعم، فقلت: سمعتَه من رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم"، وبهذا أجاز الشافعي وأحمد أكلَ لحمها، وأوجبا الكفارة على المحرم بقتلها. * * * ١٩٦٩ - وعن جَابرِ ﵁ قال: سألتُ رسُولَ الله ﷺ عَنِ الضَّبُعِ، فقال: "هو صَيْدٌ، ويَجْعَلُ فيهِ كَبْشًا إذا أَصَابَهُ المُحْرِمُ". "وعن جابر أنه قال: سألت رسول الله ﷺ عن الضبع؟ فقال: هو صيد، ويجعل فيه كبشًا إذا أصابه المحرم"؛ أي: يجب في إتلاف المحرم إياه كبشٌ، يدل على وجوب الكفارة بقتله، كما قالا. * * * ١٩٧٠ - ورُوي عن خُزَيْمَة بن جَزِيٍّ قال: سَألتُ رسُولَ الله ﷺ عَنْ أكْلِ الضَّبُعِ، فقال: "أَو يَأْكُلُ الضَّبُعَ أَحَدٌ؟ "، وسَألْتُهُ عَنْ أكلِ الذِّئْبِ، قال: "أوَ يَأكلُ الذِّئْبَ أَحَدٌ فيهِ خَيْرٌ؟ "، ليس إسناده بالقوي. "روي عن خزيمة بن جَزِي": بفتح الجيم وكسر الزاي، وقال الدارقطني: جُزَي بصيغة التصغير. "أنه قال: سألت رسول الله ﷺ عن أكل الضبع قال: أو يأكُلُ الضبعَ": بهمزة الاستفهام على سبيل الإنكار، يعني: لا يأكل الضبع "أحدٌ؟ "، وبهذا قال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز أكلها.

стр. 1446

"وسألته عن أكل الذئب قال: أو يأكُلُ الذئبَ أحد": بهمزة الاستفهام أيضًا "فيه خير؟ ": صفة لـ (أحد). "إسناده ليس بقوي". * * * ١٣ - باب الإِحْصَار وفَوْت الحَجّ (باب الإِحْصَار وفوات الحج) الإحصار: المنع والحبس عن الوجه الذي يقصد. مِنَ الصِّحَاحِ: ١٩٧١ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قَدْ أُحْصِرَ رسُولُ الله ﷺ فَحَلَقَ وجامَعَ نِسَاءَهُ، ونَحَرَ هَدْيَهُ حتَّى اعْتَمَرَ عامًا قابِلًا. "من الصحاح": " عن ابن عباس أنه قال: قد أُحصِرَ رسولُ الله ﷺ "؛ أي: عن العمرة، أحصره كفار مكة عام الحديبية في السادسة من الهجرة من دخولها. "فحلق": رأسه للتحلل. "وجامع نساءه، ونحر هدية"، ورجع إلى المدينة. "حتى اعتمر عامًا قابلًا": وهذا يدل على أن إحرامه كان بعمرة، وعلى جواز التحلل بالإحصار، وعلى أن هدي الإحصار يذبح حيث أُحصِرَ بخلاف سائر الهدايا.

стр. 1447

١٩٧٢ - وقال عبد الله بن عُمَر: خَرَجْنا معَ رسولِ الله ﷺ فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيشٍ دُونَ البَيْتِ، فَنَحَرَ النَّبيّ ﷺ هَدَاياهُ وحَلَقَ، وقَصَّرَ أَصحَابُهُ. "وقال عبد الله بن عمر: خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فحال"؛ أي: منع. "كفار قريش دون البيت"؛ أي: عند البيت. "فنحر النبي ﵊ هداياه، وحَلَق": بتخفيف اللام. "وقصَّر" - بتشديد الصاد - "أصحابه". * * * ١٩٧٣ - وقال مِسْوَر بن مَخْرَمَة: إنَّ رسُولَ الله ﷺ نَحَرَ قَبْلَ أنْ يحْلِقَ، وأمرَ أصحَابَهُ بذلك. "وقال المِسْوَر" بكسر الميم مع السكون: "إن رسول الله ﷺ نحر قبل أن يحلق، وأمر أصحابَهُ بذلك": استدل الشافعي بهذا على جواز تقديم أداء الكفارة على الحلق ولبس المخيط وغيرها من محرمات الإحرام. * * * ١٩٧٤ - وقال ابن عُمر ﵄: ألَيْسَ حَسْبُكُمْ سُنَّةُ رسولِ الله ﷺ ، إنْ حُبسَ أحدكم عَنِ الحَجِّ طافَ بالبَيْتِ وبالصَّفَا والمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شيءٍ حَتَّى يَحُجَّ عامًا قابلًا، فيُهْدِي، أَوْ يَصُومَ إنْ لم يَجدْ هَدْيًا. "وقال ابن عمر: أليس حسبكم"؛ أي: ألم يكفيكم. "سنةَ رسول الله ﷺ ؟! "؛ أي: قوله وطريقته. "إن حُبِس"؛ أي: منع. "أحدكم عن الحج"؛ أي: عن الوقوف بعرفة بسبب العدو، ولم يمنع

стр. 1448

عن الطواف والسعي. "طاف بالبيت": بعد وصوله إلى مكة. "وبالصفا والمروة، ثم حلَّ من كل شيء"؛ أي: بأفعال العمرة. "حتى يحج عامًا قابلًا، فيهدي" شاة، "أو يصوم": عشرة أيام، "إن لم يجد هديًا"، وهذا يدل على جواز التحلل للمحصر عن الحج بعمل العمرة. * * * ١٩٧٥ - وقالتْ عائشةُ ﵂: دَخَلَ رسولُ الله ﷺ عَلى ضُبَاعَةَ بنتِ الزُّبَيرِ، فقال لها: "لعلكِ أَرَدْتِ الحَجَّ؟ "، قالت: والله ما أَجدُني إلَاّ وَجِعَةً، فقال لها: "حُجِّي، وَاشْتَرِطي، وقُولي: اللهمَّ مَحِلِّي حَيْثُ حَبَسْتَنِي". "وقالت عائشة: دخل رسول الله ﷺ على ضُباعةَ" بضم الضاد. "بنت الزبير": بن عبد المطلب بن هاشم، جد النبي ﵊، وكانت تحت المقداد بن الأسود. "فقال لها: لعلك أردت الحج؟ "؛ أي: أتريدين أن تحجي؟ "قالت: والله ما أجدني إلا وجعة"؛ أي: ضعيفة من المرض، وأخاف أن لا أقدر على إتمام الحج. "فقال لها: حجي"؛ أي: أحرمي بالحج. "واشترطي"؛ أي: واعدي يومًا، يُنحَرُ عنك في ذلك اليوم، فتتحللين. "وقولي: اللهم مَحَلي" بفتحتين: مصدر ميمي، وبالفتح ثم الكسر: اسم زمان أو مكان؛ أي: خروجي من الإحرام. "حيث حبستني"؛ أي: منعتني فيه من الحج بالمرض، استدل بهذا مَنْ لم

стр. 1449

يرَ الإحصار بالمرض بدون الاشتراط، وإليه ذهب الشافعي. * * * مِنَ الحِسَان: ١٩٧٦ - عن ابن عبَّاس ﵄: أن رسُولَ الله ﷺ أَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يُبَدِلُوا الهَدْيَ الذي نَحَرُوا عامَ الحُدَيْبيةِ في عُمْرَة القَضَاء. "من الحسان": " عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ باب أمر أصحابه أن يُبدِلوا الهديَ الذي نحروا عام الحديبية": للإحصار؛ أي: أمرهم أن ينحروا بالحرم بدل ما نحروا في ذلك العام. "في عمرة القضاء": متعلق بالإبدال، وذلك لأن نحرهم فيه كان خارج الحرم، والنحرُ خارج الحرم غيرُ جائز عند الشافعي استدلالًا بهذا. * * * ١٩٧٧ - عن الحَجَّاجِ بن عَمْرو الأَنْصاري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ كُسِرَ أو عَرِجَ أو مَرِضَ فقدْ حَلَّ، وعليهِ الحَجُّ مِنْ قَابلٍ"، ضعيف. "عن الحجاج بن عمرو الأنصاري أنه قال: قال رسول الله ﷺ : من كُسِر": رجلاه. "أو عرج، أو مرض"؛ يعني: من حدث له بعد الإحرام مانعٌ غير إحصار العدو، وعجز عن إتمام الحج. "فقد حلَّ، وعليه الحجُّ من قابل"؛ أي: يقضيه في السنة القابلة كالمحصر، ويهذا قال أبو حنيفة ﵀: يجوز أن يخرج عن الإحرام بعذر غير الإحصار.

стр. 1450

وتأوَّله بعضهم على أنه يحلُّ بالكسر والعرج إذا شرط ذلك قبل الإحرام. "ضعيف"؛ لما ثبت عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو. وبه تمسك الشافعي ومالك وأحمد. قلنا: المراد: أن الحصر بالعدو من أعظم أسبابِ الحصرِ. * * * ١٩٧٨ - عن عبد الرحمن بن يَعْمَرَ الدِّيلي قال: سمعتُ النبي ﷺ يقول: "الحَجُّ عَرَفَة، مَنْ أدركَ عَرَفَة ليْلَةَ جَمْعٍ قَبْلَ طُلوعِ الفَجْرِ فقدْ أَدْرَكَ الحجَّ؛ أيامُ مِنًى ثلاثةٌ، ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣] ". "عن عبد الرحمن بن يَعمَر": بفتح الياء والميم. "الدُّئَلي": بضم الدال المهملة وفتح الهمزة. "أنه قال: سمعت النبي ﵊ يقول: الحجُّ عرفةُ": بحذف المضاف؛ أي: معظم أركان الحج وقوف عرفة؛ لأن الحج يفوت بفواته. "من أدرك عرفة"؛ أي: الوقوف. "بها ليلة جمع"؛ أي: ليلة النحر، سميت ليلة جمع؛ لأنه يجمع فيها صلاتاها، وهي ليلة المزدلفة. "قبل طلوع الفجر، فقد أدرك الحج، أيامُ مِنى"؛ أي: أيام التشريق. "ثلاثة، ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ﴾ ": وهو يجيء لازمًا ومتعديًا، فإن عدَّيته فالتقدير: فمن تعجَّل النفرَ.

стр. 1451

﴿فِي يَوْمَيْنِ﴾؛ أي: في آخر اليومين الأولين من أيام التشريق. ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾، ويسقط عنه مبيت الليلة الثالثة، ورمي اليوم الثالث، ولا دمَ عليه. وإن قُدِّر لازمًا فمعناه: فمن تعجَّل في النفر وهذا أقرب. ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾؛ أي: ليس في التعجيل ترك واجب، ولا في التأخير إلى اليوم الثالث ارتكابُ بدعة، بل هما سواء في الجزاء مع أن التأخير أفضل. * * * ١٤ - باب حرَم مكةَ حرَسَها الله (باب حرم مكة حرسها الله) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٩٧٩ - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسُولُ الله ﷺ يَوْمَ فَتْح مَكَّةَ: "لا هِجْرَةَ، ولكِنْ جِهادٌ وَنيَّةٌ، فإذا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا"، وقالَ يَوْمَ فَتْح مَكَّةَ: "إنَّ هذا البَلَدَ حَرَّمَهُ الله يَوْمَ خَلَقَ السَّماوَاتِ والأرضَ، فهو حَرَامٌ بِحُرْمَةِ الله إلى يَوْمِ القِيامَةِ، وإنَّه لَمْ يَحِلَّ القِتَالُ فيهِ لأحَدٍ قَبْلِي، ولَمْ يَحِل لِيْ إلا ساعةً مِنْ نهَارٍ، فهو حَرَام بحُرْمَةِ الله إلى يَوْمِ القيامَةِ، لا يُعْضَدُ شَوْكُهُ، ولا يُنَفَّرُ صَيْدُهُ، ولا يَلتَقِطُ لُقَطَتَهُ إلَّا مَنْ عَرَّفَهَا، ولا يُخْتَلَى خَلاه"، فقال العباسُ: يا رسولَ الله! إلَاّ الإذْخِرَ، فإنه لقَيْنهِمْ ولِبُيوتِهِمْ، قال: "إلَاّ الإِذْخِر". "من الصحاح": " عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: لا هجرةَ بعد

стр. 1452

الفتح": يريد بها: الهجرة من مكة إلى المدينة، وكانت تلك فرضًا على كل مسلم مستطيع قبل فتح مكة؛ ليكونَ في سعة من العبادة متمكنًا من الطاعة بلا صارفٍ، ولينصرَ رسول الله ﷺ في إعلاء كلمته وإظهار دينه، فلما فُتِحت رُفِعت الهجرة؛ لزوال الموجب. "ولكن": بقي "جهادٌ"؛ أي: محاربة الكفار. "ونيةٌ"؛ أي: قصد وعزم على إعلاء الدين وإظهاره، ينالون بهما ثوابًا ورتبة تقرب من رتبة المهاجرين. وقيل: المعنى: ولكن جهاد في سبيل الله، ونية يفارق بها الرجل أهل الفسق، إذا لم يقدر على تغيير. وقيل: المراد النية الخالصة في محبة الله ومحبة رسوله. "وإذا استنفرتم"؛ أي: إذا طلبَ أمراؤكم النفر؛ أي: الخروج للجهاد. "فانفروا"؛ أي: فاخرجوا حيث ما كنتم، وهذا حثٌّ على الجهاد، وأمرٌ بإجابة الداعي إليه، إنما قاله تحقيقًا لوجوبه؛ لئلا يختلجَ في صدورهم قياس الجهاد على الهجرة في السقوط. * * * "وعنه: أنه قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: إن هذا البلد حرَّمه الله"؛ يعني: كتب في اللوح المحفوظ. "يوم خلق السماوات والأرض": إن إبراهيم سيحرم مكة بأمر الله. والفاء في "فهو" جزاء شرط محذوف؛ أي: إذا كان الأمر كذلك فهو "حرام بحرمة الله": بتحريمه أظهره على لسان إبراهيم، لا بتحريم من الناس باجتهاد شرعي.

стр. 1453

وقيل: الحرمة: الحق؛ أي: بالحق المانع من تحليله. "إلى يوم القيامة، وإنه لن يحل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي": عطف على (لن يحل)؛ أي: لم يحل لي القتال فيه. "إلا ساعة من نهار": أراد بها ساعة الفتح قيل: أبيحت له فيها إراقة الدماء فقط؛ لأنها هي المحتاجة إليها للفتح، وهذا يدل على أن مكة فُتِحت عنوةً لا صلحًا، وبه قلنا، ومن قال: فتحت صلحًا، تأوله على إباحة دخوله ﵊ مكة من غير إحرام، وعلى هذا الشافعي ومالك وأحمد، فعلى ما قلنا لا يجوز بيع دور مكة ولا إجارتها؛ لأنه ﵊ أوقفها بعد الفتح، وعلى ما قالوا يجوز؛ لأنها مملوكة لأصحابها. "فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه"؛ أي: لا يقطع شجره، وذكرُ الشوك دالٌّ على منع قطع سائر الأشجار بالطريق الأولى، وأراد به: ما لا يؤذي منه، فأما الشوكة المؤذي كالعوسج لا بأس بقطعه، كالحيوان المؤذي لا بأس بقتله، وهذا النفي بمعنى النهي. "ولا ينفر صيده"؛ أي لا يتعرض له بالاصطياد. "ولا يلتقط لقطته إلا مَنْ عرفها": معنى التعريف: التشهير وطلب صاحبها، فإنه يجوز له الأخذ للحفظ والتعريف حولًا كاملًا، وبه قال أبو حنيفة ومالك وأحمد، وإنما أورده هاهنا مع أن الحكم في لقطة الحل كذلك؛ لدفع وهم من يتوهم أن لقطة الحرم لا يملك أصلًا، كما هو أظهر قولي الشافعي. "ولا يُختلَى خلاه": بالقصر؛ أي: لا يقطع حشيشه الرطب، وهذا يدل على جواز قطع اليابس من النبات للدواب، وهو أظهر الوجهي أصحابنا. "فقال العباس: يا رسول الله! إلا الإذخرَ": وهو حشيشة طيبة الرائحة.

стр. 1454

"فإنه لقينهم": واحد القيون، وهو: الحداد؛ أي: يحرقه الحدادون بدل الحطب والفحم. "ولبيوتهم"؛ أي: يسقف بها البيوت بمنزلة القصب. "فقال": له النبي ﵊: "إلا الأذخر": استثناه ﵊ عن التحريم لحاجتهم. * * * ١٩٨٠ - وفي روايةٍ: "لا تُعْضَدُ شَجَرتُها، ولا يَلْتَقِطُ سَاقِطَتَها إلَاّ مُنْشِد". "وفي رواية: لا يعضد شجرتها، ولا يَلتقِطُ ساقِطها"؛ أي لقطتها. "إلا مُنشِد"؛ أي: مُعرف، يقال: نشدت الضالة: إذا طلبتها مع رفع الصوت. * * * ١٩٨١ - وعن جَابرٍ ﵁ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "لا يَحِلُّ لأحَدِكُمْ أنْ يَحْمِلَ بِمَكَّةَ السِّلاحَ". "عن جابر أنه قال: سمعت النبي ﵊ يقول: لا يحل لأحدكم أن يحمل بمكة السلاح": أراد به: ما حمل لأجل المحاربة مع المسلمين، أما حمله للبيع والشراء والمحاربة مع الكفار، فيجوز. * * * ١٩٨٢ - عن أنَسٍ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْح وعلى رَأْسِهِ المِغْفَرُ، فلمَّا نزَعَهُ جَاءَ رَجُلٌ فقال: إنَّ ابن خَطَلٍ مُتَعَلِّق بأسْتَارِ الكَعْبةِ، فقال: "اقْتُلْهُ".

стр. 1455

"عن أنس: أن النبي ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر": وهو البيضة توضع على الرأس في الحرب، وهذا يدل على أنه ﵊ كان قد دخل مكة عند فتحها غير محرم، وإلا لكان رأسه مكشوفًا، وأما بعد ذلك، فلا يجوز له عند أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، ويجوز عند مالك، وفي القول الثاني للشافعي. "فلما نزعه"؛ أي: رفع المغفر عن رأسه، وجلس، "جاء رجل": هو نَضْلةُ بن عُبيد الأسلمي. "فقال: إن ابن خَطَل" بفتحتين: اسمه عبد العزيز. "متعلق بأستار الكعبة"؛ أي: بلباسها؛ كيلا يقتله أحد. "فقال"؛ أي: النبي ﵊: "اقتله"، وإنما لم يقبل أمانه؛ لأنه كان مسلمًا بعثه في أمر مع رجل من الأنصار، فقتله في الطريق، وأخذ ما معه، وهرب من المدينة إلى مكة، فلما فتحت مكة أمر بقتله قصاصًا، وهذا يدل على أن من عليه القصاص إذا التجأ بالحرم يقتص فيه، وبه أخذ الشافعي، وعندنا يُحْبَسُ عنه القوتُ حتى يضطر ويخرج منه، فيتقص خارج الحرم. * * * ١٩٨٣ - وعن جابرٍ ﵁: أن رسُولَ الله ﷺ دَخَلَ يومَ فَتْح مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةُ سَوْداءُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ. "وعن جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ دخل يوم فتح مكة وعليه عمامةٌ سوداءُ بغير إحرامٍ": يدل أيضًا على أنه ﷺ دخلها غير محرم. * * * ١٩٨٤ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "يَغْزُو

стр. 1456

جَيْش الكَعْبةَ، فإذا كانُوا ببَيْدَاءَ مِنَ الأَرْضِ يُخْسَفُ بأوَّلهِمْ وآخِرِهِمْ"، قالتْ: يا رسُولَ الله!، كيْفَ يُخْسَفُ بأوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ وفيهِمْ أَسْوَاقُهُمْ وَمَنْ لَيْسَ مِنْهَمْ؟، قال: "يُخْسَفُ بأوَّلِهِمْ وآخِرِهِمْ، ثُمَّ يُبْعَثُونَ على نِيَّاتِهِم". "عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : يغزوا جيش الكعبة"؛ أي: يقصد الكعبة جيش في آخر الزمان؛ ليخربها، عبَّر بالغزو إشارة إلى شدة اهتمامهم بالأضرار، كما تُغرَم ديار الكفار. "فإذا كانوا ببيداء من الأرض"؛ يعني: فلما بلغوا في طريقهم بأرض بيداء، وهي برية بعيدة. "يخسف بأولهم وآخرهم"، أي: دخلوا قعر الأرض كلهم جميعًا. "قلت: يا رسول الله! كيف يخسف بأولهم وآخرهم وفيهم أسواقهم": جمع السوق، والمراد: أهل أسواقهم. "ومن ليس منهم؟ ": في الكفر والقصد بخراب الكعبة، كالضعفاء والإسراء. "قال: يخسف بأولهم وآخرهم، ثم يبعثون على نياتهم"؛ أي: فيما يخفون في قلوبهم من الصلاح والفساد، وفيه إخبار بهلاك الأخيار بشؤم الأشرار. * * * ١٩٨٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يُخَرِّبُ الكَعْبةَ ذُو السُّويقَتَيْنِ مِنَ الحَبَشَةِ". "عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : يخربُ الكعبةَ ذو السُّويقتين": تثنية سويقة، وهي تصغير الساق، وهو مؤنث سماعي، وإنما

стр. 1457

صغَّرها؛ لأن الغالب على سوق الحبشة الدّقة، يعني: يخربها في آخر الزمان ملك كافر "من الحبشة". * * * ١٩٨٦ - وقال ابن عبَّاس ﵄، عن النبيّ ﷺ : "كأنِّي بِهِ أَسْوَدَ أَفْحَجَّ، يَقْلَعُها حَجَرًا حَجَرًا". "وقال ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ : كأني به": يتعلق بمحذوف؛ أي: كأني أبصر به وأنظر إليه من غاية علمي به وبصورته، الضمير عائد إلى (ذو السويقتين). "أسودَ أفْحَجَ": حالان من الضمير في (به)، أو بدلان منه، غير منصرفين. (الفَحَج) بتقديم الحاء المهملة على الجيم: تباعد ما بين الفخدين، وهو من نعوت الحبشان. "يقلعها"؛ أي: الكعبة، "حجرًا حجرًا": حال. * * * مِنَ الحِسَان: ١٩٨٧ - عن يَعلَى بن أُميَّة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال: "احْتِكَارُ الطَّعامِ في الحَرَمِ إلحَادٌ فيهِ". "من الحسان": " عن يَعلى بن أُمية أنه قال: أن رسول الله ﷺ قال: احتكارُ الطعام": وهو حبسه إلى وقت الغلاء؛ لبيعِهِ بثمن أرفعَ مما اشتراه به. "في الحرم إلحادٌ فيه"؛ أي: ميل عن الحق إلى الباطل في الحرم، قال الله

стр. 1458

تعالى ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]، والاحتكارُ منهي في كل البلاد حرام، وفي مكة أشد تحريمًا. * * * ١٩٨٨ - عن ابن عبَّاسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لِمَكَّةَ: "ما أطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ وأَحَبَّكِ إليَّ، ولولا أن قَوْمِي أَخْرَجُوني مِنْكِ ما سَكَنْتُ غيْرَكِ"، صحيح. "عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله ﷺ لمكة: ما أطيبَكِ من بلد": (ما) للتعجب مبتدأ، و (أطيب) فعل ماض فاعله مضمر فيه، والجملة خبره. "وأحبك إلي! ": عطف عليه، خاطب ﵊ مكة عام الفتح لغاية حب الكعبة، وحرم الله تعالى، ومسكن آبائه. "ولولا أن قومي": أراد: كفار قريش. "أخرجوني منك ما سكنتُ غيرك"؛ أي: ما ينبغي لي أن أسكن بلدًا غيرك، والبلد إذا كان أشرفَ يكون توطُّنُهُ أفضل، وترك الأفضل بالاختيار غير مرضي. "صحيح". * * * ١٩٨٩ - عن عبد الله بن عَدِيِّ بن الحَمْراء قال: رَأَيْتُ رسُولَ الله ﷺ واقِفًا على الحَزْوَرَةِ، فقال: "والله إنَّكِ لَخَيْرُ أرْضِ الله، وأَحَبُّ أرْضِ الله إلى الله، ولَوْلَا أنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ ما خَرَجْتُ". "عن عبد الله بن عَدي بن حمراءَ أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ واقفًا على الحَزْوَرَةِ": بوزن (القَسْوَرَة): اسم سوق بمكة، سميت بذلك، لأن فيه تلًا

стр. 1459

صغيرًا؛ إذ الحزورة: التلُّ الصغير. "فقال: والله إنك لخيرُ أرض الله، وأحبُّ أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخرِجت منك ما خرجْتُ". * * * ١٥ - باب حرَم المَدينة على ساكنها الصلاةُ والسلام (باب حرم المدينة حرسها الله تعالى) مِنَ الصِّحَاحِ: ١٩٩٠ - عن علي ﵁ قال: قال النبيّ ﷺ : "المَدِينَةُ حَرام ما بَيْنَ عَيْرٍ إلى ثَوْرٍ، فَمَنْ أَحْدَثَ فيها حَدَثًا أو آوى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله والمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْف ولا عَدْلٌ، ذِمَّةُ المُسْلِمِينَ واحِدَةٌ، يَسْعَى بها أدْناهُمْ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا فعلَيْهِ لعْنَةُ الله والمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يُقْبَلَ مِنْهُ صَرْفٌ ولا عَدْلٌ، ومَنْ والَى قَوْمًا بغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنة الله والمَلَائِكَةِ والنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ ولا عَدْلٌ". وفي روايةٍ: "وَمَنْ ادَّعَى إلى غَيْرَ أبيهِ، أوْ تَوَلَّى غَيْرَ مَوَالِيهِ فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله والمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ، لا يُقْبَلُ مِنْهُ صَرْفٌ ولا عَدْلٌ". "من الصحاح": " عن علي ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﵊: المدينة حرامٌ ما بين عَيْرٍ" بفتح العين المهملة وسكون الياء: جبل بالمدينة. "إلى ثَوْرٍ": وهو جبل بقرب مكة، وفيه الغار الذي توارى فيه النبيُّ - عليه

стр. 1460

الصلاة والسلام - من الكفار مع أبي بكر ﵁ حين هاجر؛ يعني: حرمت ما بينهما، وهذا التحريم يوجب الإثم لمن قتل صيدًا أو قطع شجرًا، ولكن لا جزاءَ عليه عند مالك، والشافعي في قوله (الجديد). وفي القديم: تُسلَبُ ثياب القاتل أو القاطع، ثم السَّلَبُ لمن سلبه، وقيل: لبيت المال، وقيل: يفرق على مساكين المدينة. وعند أبي حنيفة: لا يحرم حرم [الـ]ـمدينة، بل هو كسائر الأراضي. "فمن أحدث فيها حدثًا"؛ أي: أباع في المدينة أمرًا غير معروف في السّنة. "أو آوى محدثًا": بكسر الدال؛ أي: نصر فيها مبتدعًا، وروي بفتح الدال؛ أي: أمرًا مبتدعًا، فمعنى إيوائه: الرضاء به، وفيه تنبيه على أن ترويج البدعة والرضاء بها كإبداعها. "فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين"؛ يعني: يكون مطرودًا عند الله عن إعطاء مرتبة الفائزين بلا عذاب، وعند الملائكة والناس عن دعائهم له، وهذه الجملة يحتمل أن تكون إخبارًا، أو دعاءَ عليه. "لا يقبل منه صرف"؛ أي: توبة أو نافلة، والمراد: نفي كمال القبول. "ولا عدل"؛ أي: فريضة أو فدية، يريد بالفداء: جزاء الصيد والشجر إن جنى في الحرم، ويكون محمولًا على التغليظ. "ذمة المسلمين واحدة": وهي العهد والأمان، يعني: أمان واحد منهم لبعض أهل الحرب كأمان كلهم. "يسعى بها"؛ أي: يتولاها. "أدناهم"؛ أي: أقلهم منزلة، وهو العبد، وليس لغيره نقضه، سواء كان مأذونًا في الجهاد أو لا، وبه قال الشافعي ومالك، وعندنا لا يجوز أمانه إذا لم

стр. 1461

يكن مأذونًا فيه. "فمن أخفر مسلمًا"؛ أي: نقض عهده وأمانه. "فعليه لعنةُ الله والملائكة والناس أجمعين"؛ لأن إبطالَ أمان المسلم إبطالُ حكم الله ورسوله، فإذًا يوجب اللعنة. "لا يقبل منه صرف ولا عدل، ومن والى قومًا": أراد به: ولاء الموالاة. "بغير إذن مواليه"؛ يعني: من عقد الموالاة وعقل عنه الأعلى، ليس للأسفل أن ينتقل عنه إلى غيره إلا بإذنه؛ لما فيه من تضييع حقه. "فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل منه صرف ولا عدل": وقيل: المراد ولاء العتاقة، كقول العتيق لغير معتقه: أنت مولاي، ولك ولائي، لكن على هذا لا يبقى لقوله: (بغير إذن مواليه) فائدة؛ لأن ولاء العتاقة لا ينتقل بإذن مولاه، إلا إن يُحمَل هذا القيدُ على الغالب؛ لأن المعتق لا يأذن له في ذلك عادة. "وفي رواية: ومن ادعى"؛ أي: انتسب "إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يُقبَل منه صرف ولا عدل"؛ لأن في ذلك قطع الرحم، وهتك الحق، وإبطال حق مواليه. * * * ١٩٩١ - عن سَعْدٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنِّي أُحَرِّمُ ما بَيْنَ لابَتَيِ المَدِينَةِ أنْ يُقْطَعَ عِضَاهُهَا، أو يُقْتَلُ صَيْدُها"، وقال: "لا يَدَعُها أَحَدٌ رَغبةً عَنْها إلَاّ أَبْدَلَ الله فيها مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، ولا يثبُتُ أَحَدٌ على لأْوَائِها وَجَهْدِهَا إلَاّ كُنْتُ لهُ شفيعًا أو شَهيدًا يومَ القِيامَةِ". "عن سعد ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إني أحرم ما بين لابتي

стр. 1462

المدينة": تثنية لابة، وهي الأرض ذات الحجارة السود. "أن يقطع": بدل اشتمال من مفعول (أحرم). "عِضَاهُها": جمع عضة بفتح العين وكسرها: كل شجر له شوك. "أو يُقتَل صيدُها"، وإنما نهى عن ذلك؛ لئلا يتوحش فيها، وليبقى شجرها، فيأنس بذلك من هاجر إليها، فيستظل بظلالها، وكان يرى سعد وزيد ابن ثابت الجزاء في ذلك. * * * "وقال: لا يدعها"؛ أي: لا يترك المدينة. "أحدٌ رغبةً عنها"؛ أي: إعراضًا عنها، نصب على التمييز، أو على أنه مفعول له. "إلا أبدل الله فيها مَنْ هو خيرٌ منه": قيل: هذا كان في حياته ﷺ ، وقيل: عام، وفيه بيان فضل المدينة وفضل ساكنيها. "ولا يثبت أحد على لأوائِهَا"؛ أي: شدتها من جهة ضيق المعيشة فيها. "وجَهْدِها": بفتح الجيم؛ أي: مشقتها من جهة وَخَامةِ هوائها. "إلا كنتُ له شفيعًا يوم القيامة أو شهيدًا": قيل: (أو) للشك، والأظهر أنها للتقسيم، ومعناه: كنت شهيدًا للمطيعين منهم وشفيعًا للعاصين، أو شهيدًا لمن مات بها في زماني شفيعًا لمن مات بعدي. * * * ١٩٩٢ - وعن أبي هُريرة ﵁: أن النبيَّ ﷺ قال: "لا يَصْبرُ على لأوَاءَ المَدِينَةِ وشِدَّتِهَا أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِي إلَاّ كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا يومَ القِيامَة".

стр. 1463

"عن أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: لا يصبرُ على لأْوَاءَ المدينة وشدتها أحدٌ من أمَّتي إلا كنت له شفيعًا يَوم القيامة". * * * ١٩٩٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: كانَ النَّاسُ إذا رَأَوْا أَوَّلَ الثَّمَرَةِ جَاؤُوا بهِ إلى النَّبيِّ ﷺ فإذا أَخَذَهُ قال: "اللهمَّ بارِكْ لنا في ثَمَرِنًا، وبارِكْ لنا في مَدِينَتِنَا، وبارِكْ لَنَا في صاعِنَا، وبارِكْ لَنَا في مُدِّنا، اللهمَّ إنَّ إبراهيمَ صلوات الله عليه عَبْدُكَ وخَلِيلُكَ ونبَيُّكَ، وإنِّي عَبْدُكَ ونبَيُّكَ، وإنه دَعَاكَ لِمَكَّةَ، وإنِّي أَدْعُوكَ للمَدِينَةِ بِمِثْلِ ما دعاكَ لِمَكَّةَ، ومِثْلِهِ مَعَهُا، قال: ثُمَّ يَدْعُو أَصغَرَ وَلِيدٍ لهُ، فَيُعْطِيهِ ذلكَ الثَّمَرَ. "عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمرة جاءوا به إلى النبي ﵊"؛ لأنهم يختارونـ[ـه] بذلك على أنفسهم؛ حبًا له ﷺ ، وطلبًا للبركة فيما جدَّد الله عليهم من نعمة. "فإذا أخذه قال: اللهم باركْ لنا في ثمارنا، وباركْ لنا في مدينتنا": أراد بالدعاء لأهلها؛ لأنهم المقتاتون للثمار. "وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا": أراد به الدعاء بالبركة على الأقوات، وإنما خص الصاع والمد؛ لأن أكثر أقواتهم التمر، وهو مكيل. "اللهم إن إبراهيمَ عبدُك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك": ولم يذكر الخلة لنفسه مع أنه أيضًا خليله تعالى؛ لقوله ﷺ : "واتخذ الله صاحبكم خليلًا"؛ رعاية للأدب في ترك المساواة بين نفسه وبين آبائه وأجداده الكرام، صلوات الله عليه وعليهم أجمعين. "وإنه دعاك لمكة": كما قال الله تعالى حكايةً عن إبراهيم: ﴿فَاجْعَلْ

стр. 1464

أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] الآية. "وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه"؛ أي: أدعوك للمدينة ضعف ما دعاك إبراهيم ﵇. "قال"؛ أي: الراوي: "ثم يدعو"؛ أي: بعد فراغه من الدعاء يدعو ﷺ "أصغرَ وليدٍ له"؛ أي: صبي من أهل بيته. "فيعطيه ذلك الثمر"؛ ليفرح به، فإن فرحه بالثمر الجديد أشدُّ من فرح الكبار. * * * ١٩٩٤ - وعن أبي سَعيدٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ إبراهيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، فَجَعَلَهَا حَرامًا، وإِنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ حَرامًا ما بَيْنَ مَأزِمَيْهَا أنْ لا يُهَرَاقَ فيها دَمٌ، ولا يُحْمَلَ فِيها سِلاحٌ لِقِتالٍ، ولا تُخْبَطَ فيها شَجَرَة إلَاّ لِعَلْفٍ". "وعن أبي سعيد، عن النبي ﵊ أنه قال: إن إبراهيم حرم مكة، فجعلها حرامًا، وإني حرَّمت المدينة حرامًا": نصب على المصدر. "ما بين مَأزِميها" بدل اشتمال من المدينة، تثنية (مَأزِم) بفتح الميم وسكون الهمزة وكسر الزاي: كل طريق ضيق بين جبلين، وأراد به: جانبي المدينة. "أن لا يهراق فيها دم": تفسير للمحرم، والمراد: النهي عن القتال فيها. "ولا يحمل فيها سلاحٌ" لقتال. "ولا تخبط"؛ أي: لا يضرب. "فيها شجرة": لتساقط الأوراق.

стр. 1465

"إلا لعَلْفٍ": بسكون اللام مصدر: علف علفًا، وبالفتح: اسم للحشيش والتبن والشعير ونحوها، وفي جواز خبطها للعلف دليلٌ على أنه ليس حرمتها كحرمة مكة؛ إذ لا يجوز خبطها بحال. * * * ١٩٩٥ - ورُوي أن سعدًا وَجَدَ عَبْدًا يَقْطَعُ شَجَرًا أو يَخْبطُهُ، فَسَلَبَهُ، فَجَاءَهُ أَهْلُ العَبدِ، فَكَلَّمُوهُ أنْ يَرُدَّ ما أَخَذَ مِنْ غُلامِهِم، فقال: مَعَاذَ الله أنْ أَرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رسُولُ الله ﷺ . "ورُويَ: أن سعدًا وجد عبدًا يقطع شجرًا، أو يخبطه، فسلبه"؛ أي: نزع ثيابه. "فجاءه أهل العبد، فكلموه أن يردَّ"؛ أي: في أن يرد، أو بأن يرد "ما أخذ من غلامهم، فقال: معاذ الله أن أرد شيئًا نفَّلنيه رسولُ الله"؛ أي: أعطانيه نَفَلًا بفتح الفاء؛ أي: غنيمة؛ لأمره ﵊ بسلب ثياب من قطع شجرًا أو قتل صيدًا في حرم المدينة، وقد نُسِخَ هذا. * * * ١٩٩٦ - وقالت عائشة ﵂: لَمَّا قَدِمَ رسُولُ الله ﷺ المَدِينَةَ وُعِكَ أبو بَكْرٍ وبلالٌ، فجِئْتُ رسُولَ الله ﷺ فَأخْبَرْتُهُ، فقال: "اللهمَّ حَببْ إِلَيْنَا المَدينَةَ كَحُبنَا مَكَّةَ أوْ أَشَدَّ، وَصحِّحْها لَنَا، وبارِكْ لنا في صاعِها ومُدِّها، وانْقُلْ حُمَّاهَا، فاجْعَلْها بالجُحْفَةِ". "وقالت عائشة: لما قدم رسول الله ﷺ المدينةَ وُعِكَ أبو بكر ﵁ وبلال"؛ أي: أخذتهما الحمى.

стр. 1466

"فجئت رسول الله ﷺ ، فأخبرته، فقال: اللهم حبِّبْ إلينا المدينة كحبنا مكة، أو أشد، وصحّحها"؛ أي: صحح هواء المدينة "لنا"، واجعل نزولنا فيها سببًا للصحة والعافية. "وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقلْ حمُاها فاجعلها بالجحفة"، وإنما دعا بنقلها إلى الجحفة؛ لأنها كانت دار اليهود في ذلك الوقت. * * * ١٩٩٧ - وعن عبد الله بن عُمر ﵄ في رُؤْيا النبى ﷺ في المَدِينَةِ: "رَأَيْتُ امْرَأَةً سَوْداءَ ثَائِرَةَ الرَّأْسِ خَرَجَتْ مِنَ المَدِينَةِ حَتَّى نزَلَتْ مَهْيَعَةً، فَتَأوَّلْتُها أَنَّ وباءَ المَدِينَةِ نُقِلَ إلى مَهْيَعَةَ، وهي الجُحفَة". "وعن عبد الله بن عمر في رُؤيا النبي ﵊"؛ أي: في حديث رؤياه. "في المدينة"؛ أي: في شأنها حكايةً عن رسول الله ﷺ قال: "رأيت امرأة سوداءَ ثائرةَ الرأس"؛ أي: منتشرة شعر الرأس. "خرجت من المدينة حتى نزلت مَهْيَعَةً": يقال: أرض مهيعة؛ أي: مبسوطة. "فتأوَّلتها": التأول والتأويل: أن يفسر الشيء بما يؤول إليه. "أن وباء المدينة": بالمد والقصر؛ أي: طاعونها. "نُقِل إلى مهيعة، وهي الجحفة": وكانت الجحفة بعد رؤيا [هـ] هذه أكثر أرض الله وباء.

стр. 1467

١٩٩٨ - وقال رسول الله ﷺ : "يُفْتَحُ اليَمَنُ، فَيَأْتِي قَوْمٌ يَبُسُّونَ، فَيتحَمَّلُونَ بِأهْلِيهِمْ وَمَنْ أطاعَهُمْ، والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لو كانُوا يَعْلَمُونَ، ويُفْتَحُ الشَّامُ، فَيَأتِي قَوْم يَبُسُّونَ، فَيتحَمَّلُونَ بِأَهْلِيهِمْ وَمَنْ أطَاعَهُمْ، والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لو كانُوا يَعْلَمُونَ، ويُفْتَحُ العِراقُ، فَيَأْتِي قَوْم يَبُسونَ فَيتحَمَّلُونَ بأَهْلِيهِمْ وَمنْ أطاعَهُمْ، والمَدِينَةُ خَيْرٌ لَهُمْ لو كانُوا يَعْلَمُونَ". "عن سفيان بن أبي زُهير أنه قال: قال رسول الله ﷺ : يُفتَحُ اليمن"؛ أي: بلادها. "فيأتي قوم"؛ أي: من المدينة إليها. "يَبُسون"؛ أي: يسوقون إبلهم. "فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم"؛ يعني: يرتحلون من المدينة مسرعين إلى الأمصار المفتوحة؛ لما رأوا في هذه البلاد من الإرفاق، وما يدرُّ عليهم من الأرزاق. "والمدينة"؛ أي: والحال أن المدينة "خيرٌ لهم": من البلاد التي ينتقلون إليها؛ لأنها حرم الرسول ﷺ ومحل الوحي، ومنزل البركات. "لو كانوا يعلمون": ما في الإقامة في المدينة من الفوائد الدينية، جوابه محذوف، وهو: لما ارتحلوا منها. "ويفتح الشام، فيأتي قوم يبسون، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، (ويفتح العراق): أراد به الكوفة إلى أول أرض خراسان. "فيأتي قوم يبسون، فيتحملون بأهليهم ومن أطاعهم، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون": وفيه بيان فضل المدينة والصبر على شدتها.

стр. 1468

١٩٩٩ - وقال ﷺ : "أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تأكلُ القُرَى، يَقُولُونَ: يثرِبَ، وهيَ المَدِينَةُ، تَنْفِي الناس كما يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيد". "وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : أُمرت بقريةِ"؛ أي: بنزول قرية والسكنى بها. "تأكلُ القُرَى"؛ أي: يغلب أهلها - وهم الأنصار - بالمحاربة والإسلام على غيرها من القرى؛ أي: على جميع البلاد، ويظهرهم الله عليها بالفتح، فإن الغالب المستولي على الشيء كالمفني له إفناءَ الآكل له، أو يأكلون غنائمها، جعل ذلك أكلًا للقُرَى على سبيل التمثيل. "يقولون: يثرب": هو اسم أرض المدينة، وإنما فسَّر بقوله: "وهي المدينة": وإنما قال ذلك تنبيهًا على أن الاسم القديم متروكٌ أو قاله على وجه التفخيم والتعظيم. "تنفي الناس": بالفاء من (النفي) الإبعاد على الرواية المشهورة؛ أي: تخرج شرار الناس عنها وتطردهم، وهم الذين لا يليقون بها، فتنفيهم بالحمى والجوع، "كما ينفي الكير خبثَ الحديد". * * * ٢٠٠٠ - وقال: "إنَّ الله تَعَالَى سَمى المَدِينَةَ طَابَةَ". "عن جابر بن سمرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله سمَّى المدينةَ طابةَ"؛ لطيبها بحضور النبي ﵊ وأصحابه والتابعين وتطهيرهم إياها عن خبث الكفار، وتطهيرها من الطاعون، والدجَّال، وغير ذلك من الفتن.

стр. 1469

٢٠٠١ - وقال: "إنَّمَا المَدِينَةُ كالكِيرِ تَنْفِي خَبَثَها، وتَنْصَعُ طَيبُهَا". "وقال: إنما المدينةُ كالكير تنفي خبثها، وتنصعُ": بالنون والصاد المشددة والعين المهملة أشهر رواية؛ أي: تخلص المدينة. "طيبها": بتشديد الياء؛ أي: صلحاءها من الذنوب والأخلاق المذمومة؛ يعني: صلحاؤها يكونون على غاية من الصَّلاح. * * * ٢٠٠٢ - وقال: "لا تقومُ السَّاعَةُ حَتَّى تنفِى المَدِينَةُ شِرَارَها كما يَنْفِى الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ". "وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا تقوم الساعةُ حتى تنفي المدينة شِرارها، كما ينفي الكيرُ خبثَ الحديد"؛ يعني: يأتي زمان قبل القيامة يكون أهل المدينة كلهم مسلمون صلحاء، وقد وقع هذا في زمن عمر ﵁، فإنه أخرج منها أهل الكتاب، وأظهر فيها العدل والاحتساب. * * * ٢٠٠٣ - وقال ﷺ : "على أنْقَابِ المَدِينَةِ مَلَائِكَةٌ، لا يَدْخُلُهَا الطَّاعُونُ، ولا الدَّجَالُ". "وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : على أنقاب المدينة": جمع نقب بسكون القاف، وهو: الطريق بين الجبلين. "ملائكةٌ لا يدخلها الطاعون"؛ يعني: لا يكون فيها الطاعون مثل الذي في غيرها، وما هذا إلا ببركة دعاء النبي ﵊. "ولا الدجَّال".

стр. 1470

٢٠٠٤ - وقال: "ليسَ مِنْ بَلَدٍ إلَاّ سَيَطَؤُهُ الدَّجَّالُ، إلَاّ مَكَّةَ والمَدِينَةَ، لَيْسَ نقبٌ مِنْ أَنْقَابها إلَاّ عَلَيْهِ المَلائِكَةُ صافِّينَ يَحْرُسُونهَا، فَينرلُ السَّبْخَةَ، فترْجُفُ المَدِينَةُ بِأَهْلِهَا ثَلَاثَ رَجَفَاتٍ، فَيَخْرُجُ إلَيْهِ كلُّ كافِرٍ ومُنافِقٍ". "عن أنس ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ليس من بلد إلا سيطؤُهُ الدجَّال"؛ أي: سيدخله. "إلا مكة والمدينة، ليس نقب من أنقابها إلا عليه الملائكة صافين": حال من (الملائكة). "يحرسونها"؛ أي: يحفظون المدينة. "فينزل السَّبِخة" بكسر الباء: اسم موضع قريب من المدينة. "فترجف المدينة"؛ أي: تزلزل وتضطرب أرضها. "بأهلها": الباء للتعدية. "ثلاث رجفات، فيخرج إليه"؛ أي: إلى الدجَّال. "كل كافر ومنافق"؛ أي: من قلبه شرك ونفاق، فيلحقه. * * * ٢٠٠٥ - وقال: "لا يَكِيدُ أهْلَ المَدِينَةِ أَحَدٌ إلَاّ انْمَاعَ كَما يَنْمَاعُ المِلْحُ في المَاءِ". "عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا يكيدُ أهلَ المدينة"؛ أي لا يمكر بهم، ولا يقصد [هم] بالأذى. "أحد إلا انماعَ"؛ أي: ذابَ "كما ينماعُ"؛ أي: يذوبُ "المِلْح في الماء"، شبَّه أهلَ المدينة مع وفور علمِهم وصفاء قريحتهم [بالماء]، وشبه مَن يريد

стр. 1471

الكيد بهم بالملح. * * * ٢٠٠٦ - وعن أنسٍ ﵁: أن النبيَّ ﷺ كانَ إذا قَدِمَ مِنْ سَفَر فَنَظَرَ إلى جُدُرَاتِ المَدِينَةِ أَوْضَعَ راحِلَتَهُ، وإنْ كانَ على دابةٍ حَرَّكها، مِنْ حُبها. "وعن أنسٍ ﵁: أن النبيَّ ﵊ كان إذا قَدِمَ من سفرٍ فنظرَ إلى جدران المدينة"؛ جمع جُدُر بضم الجيم والدال، وهو جمع جدار. "أوضع راحلَته"؛ أي: أَسْرَعَها. "وإنْ كان على دابة حَرَّكَها"؛ ليكون وصولُه إليها قريبًا. "مِن حُبها"؛ أي: مِن حُبِّ المدينة. * * * ٢٠٠٧ - وقال أنس ﵁: إنَّ النَّبيَّ ﷺ طَلَعَ لهُ أُحُدٌ، فقال: "هذا جَبَلٌ يُحِبُّنا وَنُحِبُّهُ!، اللهمَّ إنَّ إبراهيمَ ﵇ حرَّمَ مَكَّةَ، وإنِّي حَرمْتُ المَدِينَةَ ما بَيْنَ لَابَتَيْهَا". "وقال أنس: إنَّ النبي ﵊ طَلَع"؛ أي: ظهرَ له. "أُحُدٌ"؛ يعني: قَدِمَ من سفر فرأى أُحُدًا. "فقال: هذا جبلٌ يُحبنا ونُحِبُّه"، محمولٌ على المجاز؛ أي: إنه جبلٌ يحبنا أهلُه ونحبُّهم وهم الأنصار، أو على الحقيقة، ولا يُنكَر وصفُ الجمادات بحبِّ الأنبياء والأولياءِ كما حنَّت الأسطوانة على مفارقتِه ﵊ حتى سمع القومُ حنينَها إلى أنْ سَكَّنَها ﵊، وأخبرَ ﵊ أنه سلَّم عليه حجرٌ قبلَ الوَحْي.

стр. 1472

"اللهم إنَّ إبراهيمَ ﵇ حَرَّمَ مكَّة وإني حرَّمْتُ ما بينَ لابَتَيْها". * * * ٢٠٠٨ - ويُروى أنَّه قال: "أُحُدٌ جَبَل يُحِبنا، ونُحِبُّهِ". "ويروَى أنه قال: أُحُدٌ جبل يحبنا ونُحِبُّه". مِنَ الحِسَان: ٢٠٠٩ - رُوي: أن سعدَ بن أبي وَقَّاصٍ أَخَذَ رَجُلًا يَصِيدُ في حَرَمِ المَدِينَةِ، فَسَلَبَهُ ثِيَابَهُ، فَجَاءَ مَواليهِ، فَكَلَّمُوهُ فيهِ، فقال: إنَّ رسُولَ الله ﷺ حَرَّمَ هذا الحَرَمَ، وقال: "مَنْ أَخَذَ أَحَدًا يَصِيدُ فيهِ فَلْيَسْلُبهُ"، فلا أَرُدُّ عَلَيكُم طُعْمَةً أَطْعَمَنيها رسولُ الله ﷺ ، ولكِن إنْ شِئتم دَفَعتُ إلَيكُم ثَمَنَهُ" وَيُروى: "مَنْ قَطَعَ مِنْهُ شَيْئًا فَلِمَنْ أَخَذَهُ سَلَبَهُ". "من الحسان": " رُويَ: أن سعدَ بن أبي وقَّاصٍ أخذَ رجلًا يصيدُ في حَرَمِ المدينة، فسلَبه ثيابَه"، بدل اشتمال عن الضمير المنصوب في (فسلبه). "فجاءَه موالِيه فكلَّمُوه فيه"؛ أي: في رَدِّ ثيابِه، أو في ذلك السَّلَب. "فقال: إنَّ رسول الله ﷺ حرَّمَ هذا الحَرَم وقال: منَ أخذ أَحدًا يَصيدُ فيه فلْيَسْلُبْه، فلا أردُّ عليكم طُعمةً": - بالضم -؛ أي: رِزْقًا. "أَطْعَمَنِيها رسولُ الله ﷺ ، ولكن إن شئتم دفعتُ إليكم ثَمنَه"، قيل: دَفْعُ الثمنِ إليهم تبرعٌ منه عليهم. "ويروى: مَن قطعَ منها"؛ أي: من المدينة. "شيئًا فلِمَنْ أخذَه سَلَبُه"؛ أي: السَّلَب لمن أخذَ مِن الذي قطعَ شيئًا.

стр. 1473

٢٠١٠ - وروى الزُّبَير، عن رسول الله ﷺ : أن صَيْدَ وَجٍّ وعِضاهَهُ حِرْمٌ مُحَرَّمٌ لِلَّه. ووجٌّ ذكروا أنَّها من ناحية الطَّائف. "وروى الزبيرُ عنه ﵊: إنَّ صَيْدَ وَجٍّ": وهو اسم بلد. "وعِضَاهَه":، مرَّ معناه. "حِرْمٌ"؛ بمعنى: حرامٌ، كحِلٍّ وحَلَال. "محرَّم": ذُكِرَ على وجه التأكيد لقوله: حِرْم. "لله": متعلِّق بالتحريم؛ أي: حَرَّمَ ذلك الله على سبيل الحُرْمة، والتعظيمُ له ليصير حِمًى للمسلمين؛ أي: مراعيَ لأفراسِ الغزاة لا يرعاها غيرُهم يحتمل أن يكون ذلك التحريم في وقت معلوم، وفي مُدَّة محصورة، ثم نُسِخَ فعاد الأمر إلى الإباحة كسائر البلاد. "ووجٌّ ذكرُوا أنها من ناحية الطائف"، والتأنيثُ في أنها بحسب البقعة، والتذكير بحسب البلد. * * * ٢٠١١ - وعن ابن عُمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ اسْتَطَاعَ أنْ يَمُوتَ بالمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِها، فإنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا"، صح. "وعن ابن عمرَ أنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : من استطاعَ أن يموتَ بالمدينة"؛ أي: أن يقيم بالمدينة حتى إذا جاءه الموت أدركَه بها. "فليمُتْ بها"؛ أي: فليُقِمْ بها حتى يموتَ. "فإني أشفَعُ لمن يموتُ بها"، عبَّرَ عن الإقامة بما يَؤُولُ إليه.

стр. 1474

"صحيح". * * * ٢٠١٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "آخِرُ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الإسْلَامِ خَرابًا المَدِينَةُ"، غريب. "عن أبي هريرةَ أنه قال: قال رسول الله ﷺ :آخرُ قرية من قرى الإسلام خرابًا المدينة"، هذا يدلُّ على شَرَفِ المدينة وفَضْلِها. "غريب". * * * ٢٠١٣ - وعن جَرِير بن عبد الله ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "إِنَّ الله تعالَى أَوْحَى إليَّ: أَيَّ هؤُلاءَ الثَّلاثَةِ نزَلتَ فَهيَ دارُ هِجْرتكَ: المَدِينَة، أو البَحرَين، أو قِنَّسْرِين". "عن جرير بن عبد الله عن النبي ﵊ أنه قال: إن الله أوحى إليَّ: أيَّ هؤلاءَ الثلاثةِ نزلتَ": (أيَّ) ظرف لـ (نزلت)، قُدِّم للاستفهام. "فهي دارُ هِجْرتك"؛ يعني: أنه تعالى خيَّرَه بين هذه المواضع الثلاثة. "المدينة أو البحرين"، بلد باليمن، وقيل: موضع بين البصرة وعمان، كذا في "الُمْغرِب". "أو قِنَّسْرين"، بكسر القاف وفتح النون المشددة وسكون السين المهملة: بلد بالشام.

стр. 1475

١١ - كِتَابُ البُيُوعِ
следующие страницы →