الكيد بهم بالملح.
* * *
٢٠٠٦ - وعن أنسٍ ﵁: أن النبيَّ ﷺ كانَ إذا قَدِمَ مِنْ سَفَر فَنَظَرَ إلى جُدُرَاتِ المَدِينَةِ أَوْضَعَ راحِلَتَهُ، وإنْ كانَ على دابةٍ حَرَّكها، مِنْ حُبها.
"وعن أنسٍ ﵁: أن النبيَّ ﵊ كان إذا قَدِمَ من سفرٍ فنظرَ إلى جدران المدينة"؛ جمع جُدُر بضم الجيم والدال، وهو جمع جدار.
"أوضع راحلَته"؛ أي: أَسْرَعَها.
"وإنْ كان على دابة حَرَّكَها"؛ ليكون وصولُه إليها قريبًا.
"مِن حُبها"؛ أي: مِن حُبِّ المدينة.
* * *
٢٠٠٧ - وقال أنس ﵁: إنَّ النَّبيَّ ﷺ طَلَعَ لهُ أُحُدٌ، فقال: "هذا جَبَلٌ يُحِبُّنا وَنُحِبُّهُ!، اللهمَّ إنَّ إبراهيمَ ﵇ حرَّمَ مَكَّةَ، وإنِّي حَرمْتُ المَدِينَةَ ما بَيْنَ لَابَتَيْهَا".
"وقال أنس: إنَّ النبي ﵊ طَلَع"؛ أي: ظهرَ له.
"أُحُدٌ"؛ يعني: قَدِمَ من سفر فرأى أُحُدًا.
"فقال: هذا جبلٌ يُحبنا ونُحِبُّه"، محمولٌ على المجاز؛ أي: إنه جبلٌ يحبنا أهلُه ونحبُّهم وهم الأنصار، أو على الحقيقة، ولا يُنكَر وصفُ الجمادات بحبِّ الأنبياء والأولياءِ كما حنَّت الأسطوانة على مفارقتِه ﵊ حتى سمع القومُ حنينَها إلى أنْ سَكَّنَها ﵊، وأخبرَ ﵊ أنه سلَّم عليه حجرٌ قبلَ الوَحْي.
стр. 1472
"اللهم إنَّ إبراهيمَ ﵇ حَرَّمَ مكَّة وإني حرَّمْتُ ما بينَ لابَتَيْها".
* * *
٢٠٠٨ - ويُروى أنَّه قال: "أُحُدٌ جَبَل يُحِبنا، ونُحِبُّهِ".
"ويروَى أنه قال: أُحُدٌ جبل يحبنا ونُحِبُّه".
مِنَ الحِسَان:
٢٠٠٩ - رُوي: أن سعدَ بن أبي وَقَّاصٍ أَخَذَ رَجُلًا يَصِيدُ في حَرَمِ المَدِينَةِ، فَسَلَبَهُ ثِيَابَهُ، فَجَاءَ مَواليهِ، فَكَلَّمُوهُ فيهِ، فقال: إنَّ رسُولَ الله ﷺ حَرَّمَ هذا الحَرَمَ، وقال: "مَنْ أَخَذَ أَحَدًا يَصِيدُ فيهِ فَلْيَسْلُبهُ"، فلا أَرُدُّ عَلَيكُم طُعْمَةً أَطْعَمَنيها رسولُ الله ﷺ ، ولكِن إنْ شِئتم دَفَعتُ إلَيكُم ثَمَنَهُ"
وَيُروى: "مَنْ قَطَعَ مِنْهُ شَيْئًا فَلِمَنْ أَخَذَهُ سَلَبَهُ".
"من الحسان":
" رُويَ: أن سعدَ بن أبي وقَّاصٍ أخذَ رجلًا يصيدُ في حَرَمِ المدينة، فسلَبه ثيابَه"، بدل اشتمال عن الضمير المنصوب في (فسلبه).
"فجاءَه موالِيه فكلَّمُوه فيه"؛ أي: في رَدِّ ثيابِه، أو في ذلك السَّلَب.
"فقال: إنَّ رسول الله ﷺ حرَّمَ هذا الحَرَم وقال: منَ أخذ أَحدًا يَصيدُ فيه فلْيَسْلُبْه، فلا أردُّ عليكم طُعمةً": - بالضم -؛ أي: رِزْقًا.
"أَطْعَمَنِيها رسولُ الله ﷺ ، ولكن إن شئتم دفعتُ إليكم ثَمنَه"، قيل: دَفْعُ الثمنِ إليهم تبرعٌ منه عليهم.
"ويروى: مَن قطعَ منها"؛ أي: من المدينة.
"شيئًا فلِمَنْ أخذَه سَلَبُه"؛ أي: السَّلَب لمن أخذَ مِن الذي قطعَ شيئًا.
стр. 1473
٢٠١٠ - وروى الزُّبَير، عن رسول الله ﷺ : أن صَيْدَ وَجٍّ وعِضاهَهُ حِرْمٌ مُحَرَّمٌ لِلَّه.
ووجٌّ ذكروا أنَّها من ناحية الطَّائف.
"وروى الزبيرُ عنه ﵊: إنَّ صَيْدَ وَجٍّ": وهو اسم بلد.
"وعِضَاهَه":، مرَّ معناه.
"حِرْمٌ"؛ بمعنى: حرامٌ، كحِلٍّ وحَلَال.
"محرَّم": ذُكِرَ على وجه التأكيد لقوله: حِرْم.
"لله": متعلِّق بالتحريم؛ أي: حَرَّمَ ذلك الله على سبيل الحُرْمة، والتعظيمُ له ليصير حِمًى للمسلمين؛ أي: مراعيَ لأفراسِ الغزاة لا يرعاها غيرُهم يحتمل أن يكون ذلك التحريم في وقت معلوم، وفي مُدَّة محصورة، ثم نُسِخَ فعاد الأمر إلى الإباحة كسائر البلاد.
"ووجٌّ ذكرُوا أنها من ناحية الطائف"، والتأنيثُ في أنها بحسب البقعة، والتذكير بحسب البلد.
* * *
٢٠١١ - وعن ابن عُمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ اسْتَطَاعَ أنْ يَمُوتَ بالمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ بِها، فإنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا"، صح.
"وعن ابن عمرَ أنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : من استطاعَ أن يموتَ بالمدينة"؛ أي: أن يقيم بالمدينة حتى إذا جاءه الموت أدركَه بها.
"فليمُتْ بها"؛ أي: فليُقِمْ بها حتى يموتَ.
"فإني أشفَعُ لمن يموتُ بها"، عبَّرَ عن الإقامة بما يَؤُولُ إليه.
стр. 1474
"صحيح".
* * *
٢٠١٢ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "آخِرُ قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى الإسْلَامِ خَرابًا المَدِينَةُ"، غريب.
"عن أبي هريرةَ أنه قال: قال رسول الله ﷺ :آخرُ قرية من قرى الإسلام خرابًا المدينة"، هذا يدلُّ على شَرَفِ المدينة وفَضْلِها.
"غريب".
* * *
٢٠١٣ - وعن جَرِير بن عبد الله ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "إِنَّ الله تعالَى أَوْحَى إليَّ: أَيَّ هؤُلاءَ الثَّلاثَةِ نزَلتَ فَهيَ دارُ هِجْرتكَ: المَدِينَة، أو البَحرَين، أو قِنَّسْرِين".
"عن جرير بن عبد الله عن النبي ﵊ أنه قال: إن الله أوحى إليَّ: أيَّ هؤلاءَ الثلاثةِ نزلتَ": (أيَّ) ظرف لـ (نزلت)، قُدِّم للاستفهام.
"فهي دارُ هِجْرتك"؛ يعني: أنه تعالى خيَّرَه بين هذه المواضع الثلاثة.
"المدينة أو البحرين"، بلد باليمن، وقيل: موضع بين البصرة وعمان، كذا في "الُمْغرِب".
"أو قِنَّسْرين"، بكسر القاف وفتح النون المشددة وسكون السين المهملة: بلد بالشام.
стр. 1475
١١ - كِتَابُ البُيُوعِ
стр. 1476
١١ - كِتَابُ البُيُوعِ
(كتاب البيوع)
١ - باب الكَسْب وطلَب الحلال
(باب الكسب وطلب الحلال)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٠١٤ - قال رسولُ الله ﷺ : "ما أكَلَ أحدٌ طَعامًا قطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِيْهِ، وإنَّ نبَيَّ الله داودَ ﷺ كانَ يَأكْلُ مِنْ عَمَلِ يَدِيْهِ".
"من الصحاح":
" عن المِقْدام بن معدي كرب ﵁ أنه قال: قالَ رسول الله ﷺ : ما أكلَ أحدٌ طعامًا قطُّ خيرًا من أن يأكلَ مِن عمل يديه": فيه تحريضٌ على طلب كَسْبِ الحلال.
"وإن نبيَّ الله داودَ ﵇ كان يأكلُ مِن عملِ يديه"، روي: أن داود ﵇ في خلافته كان يتحسس الناسَ في أمره، وسأل مَن لا يعرف: كيف سِيرةُ داود ﵇ فيكم؟ فبعثَ الله مَلَكًا في صورة آدمَ فتقدَّم إليه داود ﵇ فسأله فقال: نِعْمَ الرجلُ داودُ ﵇، إلا
стр. 1477
أنه يأكلُ من بيت المال، فسأل داود ربَّه أن يُغْنِيَه من بيت المال، فعلَّمه الله تعالى صَنعةَ الدُّرُوع، وكان يعملُ الدروع ويبيعُها، كلُّ دِرْعٍ بأربعة آلاف.
وقيل: كان يعملُ كلَّ يوم دِرعًا يبيعه بستة آلاف درهم، فينفق ألفين على نفسه وعياله، ويتصَّدق بأربعة آلاف على فقراءِ بني إسرائيل.
* * *
٢٠١٥ - وقال: "إنَّ الله طَيبٌ لا يقبلُ إلا طَيبًا، وإنَّ الله أَمَرَ المُؤمنينَ بما أَمَرَ به المُرْسَلينَ، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ "، ثُمَّ ذَكَرَ "الرجُل يُطيلُ السَّفَرَ، أَشْعَثَ أَغبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إلى السَّماء: يا رَبِّ، يا ربِّ، ومَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرامٌ، ومَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وغُذِيَ بالحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجابُ لذلِكَ؟ ".
"عن أبي هريرةَ ﵁ أنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : إنَّ الله طَيب"؛ أي: طاهرٌ منزه عن النقائص والعيوب.
"لا يقبَلُ إلا طَيبًا"؛ أي: لا يقبَلُ من الصدقات إلا ما يكون حلالًا.
"وإنَّ الله أمرَ المؤمنين بما أمرَ به المرسَلِين"، وهو طلبُ الحلال واجتنابُ الحرام.
"فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، ثم ذكرَ"؛ أي: النبيُّ ﵊.
"الرجُل": - بالرفع - مبتدأ مذكور على وجْهِ الحكاية مِن لفظِ رسول الله ﷺ ، قيل: المراد بـ (الرجل) الحاجٌ.
"يطيلُ السفرَ"؛ أي: يأتي من مكانٍ بعيدٍ لزيارة بيت الله.
стр. 1478
"أشعثَ أغبرَ"؛ أي: حالَ كونهِ ذا وسَخٍ وغبار.
"يمدُّ يديه"؛ أي: يرفَعُهما "إلى السماء" سائلًا حوائجَه وقائلًا:
"يا ربِّ، يا ربِّ"، ظانًّا أن هذه الحالات من إطالة السفر وإصابة الشَّعَث وعلاء الغبرة من مَظَانِّ إجابة الدعوات.
"ومطعمُه"؛ أي: والحالُ أن مطعمَه "حرامٌ، ومَشْرَبهُ حرامٌ، ومَلْبَسُه حرامٌ" في حال كِبْره.
"وغُذِيَ بالحرام" في حال صِغَرِه.
"فأنَّى يُستجابُ"، هذا استبعادٌ لاستجابة الدعاء لا بيانٌ لاستحالتها.
"لذلك؟ "؛ أي: لذلك الرجلِ، واللام للتعليل؛ أي: لا يستجابُ لكون مطعَمِه وأخواتِه حَرَامًا، وهذا يدلُّ على أن حِلَّ المَطْعَم وأخواتِه مما يتوقَّفُ عليه إجابةُ الدعاء، ولذا قيل: إن للدعاء جَناحَين: أكلَ الحلال وصِدْقَ المقال.
* * *
٢٠١٦ - وقال: "يَأتِي على النَّاسِ زمان لا يُبالي المَرءُ ما أَخَذَ مِنْهُ أَمِنَ الحلالِ أَمْ مِنَ الحَرامِ".
"وعنه أنه قال: قالَ ﵊: يأتي على الناس زمانٌ لا يبالي المرءُ ما أُخِذَ منه"، والمراد به المال، يعني: لا يبالي بما أُخِذَ من المال، "أمِنَ الحلال أم مِن الحرام" (١).
стр. 1479
٢٠١٧ - وقال "الحَلَالُ بَينٌ، والحَرَامُ بَين، وَبَيْنَهُمَا أُمورٌ مُشتَبهَات لا يَعْلَمُهُنَّ كثيرٌ مِنَ الناسِ، فَمَنْ اتَّقى الشُّبُهاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وعِرْضهِ، ومَنْ وَقَعَ في الشُّبُهَاتِ وقَعَ في الحَرامِ، كالرَّاعي يَرْعَى حَوْلَ الحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فيهِ، أَلَا وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وإنَّ حِمَى الله مَحَارِمُهُ، أَلَا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كلّهُ، وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كلُّهُ، أَلَا وَهِيَ القَلْبُ".
"وعن النعمان بن بَشِير أنه قال: قال رسول الله ﷺ : الحلال بَين"؛ أي: بعضُ الأشياء واضحٌ حِلُّه.
"والحرامَ بين"؛ أي: بعضُها واضحٌ حرمتُه بالدلائل الظاهرة.
"وبينهما أمور مشتبِهات"؛ يعني: بعض الأشياء مشتبِهة لوقوعه بينَ دليلِهما.
"لا يَعْلَمُهنَّ كثيرٌ من الناس"؛ يعني: لا يَمِيْزُ بينهما إلا العلماءُ المجتهِدُون.
"فمن اتَّقى الشُّبُهات"؛ أي: اجتنبَ عن الأمور المُشْبِهة قبلَ ظهورِ حُكمْ الشَّرْع فيها بأحدِ الأدلَّةِ التي هي: النصّ والقياسُ والإجماعُ والاجتهاد.
"استبرأَ لدينه"؛ أي: بالغَ في براءة دينه وصيانته من أن يَخْتِلَ بالمحارم.
"وعِرْضه" من أن يُتَّهم بترك الوَرعَ.
"ومَن وقع في الشُّبُهات"؛ أي: أتى بها وتعوَّد ذلك.
"وقعَ في الحرام"؛ أي: يوشِكُ أن يقعَ في الحرام؛ لأنه حام حَوْلَ حريمه، وإنما قال: (وقعَ) دون (يوشك أن يقع) تحقيقًا لمداناة الوقوع، كما يقال: (من اتبع هواه فقد هلك)، ولمَّا كانت حِمَى الملوك محسوسةً يُحْتَرِزُ عنها كلُّ ذي بَصَر، وحِمَى الله معقولة لا يدرِكُه إلا ذو البصائر ضربَ المَثَلَ بالمحسوس بقوله:
стр. 1480
"كالراعي يَرْعَى حول الحِمَى يوشِكُ أن يَرْتَعَ فيه"، شَبَّه آخذ الشُبُهات بالراعي، وفيه تشبيهُ المحارم بالحِمَى، والشُّبُهات بما حولَه، ثم أكَّد التحذيرَ من حيث المعنى بقوله:
"ألا وإن لكل ملك حمًى، ألا وإن حمى الله تعالى محارمُه"، وفيه إشارةٌ إلى أن الاحتراز عن مقارَبة محارمِ الله أحقُّ من مجانبة حِمَى كلِّ مَلِك؛ لأن عقابَه أشدُّ، ولمَّا كان التورُّع بميل القَلْبِ إلى الصلاح وعدمِه بميله إلى الفجور نبَّهَ ﷺ بقوله:
"ألا وإنَّ في الجسد مُضغةً إذا صلَحتْ"، بفتح اللام؛ أي: انشرحَتْ بالهداية.
"صلَحَ الجسدُ كلُّه"؛ أي: استُعْمِلت الجوارح في الخيرات؛ لأنها متبوعةٌ للجسد.
"ورادًا فَسَدَت"؛ أي: انشرحَتْ بالضلالة.
"فسدَ الجَسَدُ كلُّه" باستعمال الآلة في المنكرات.
"ألا وهي القَلْبُ"، سُميت بالقلب؛ لأنها محلُّ الخواطر المختلِفَة الحاملةِ على الانقلاب.
* * *
٢٠١٨ - وقال: "ثَمَنُ الكلبِ خَبيث، ومَهْرُ البَغِيِّ خَبيثٌ، وكسْبُ الحَجامِ خَبيثٌ".
"عن أبي هريرةَ ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : - ثمنُ الكلب خبيثٌ"، استدلَّ به الشافعي على أن بيع الكلب مطَلقًا غيرُ جائز.
وجَوزه أبو حنيفة، وأجاب عن الحديث: بأن لفظ الخَبيث لا يدلُّ على
стр. 1481
الحرمة بدليل أنه ﵊ قال: "وكسب الحَجَّام خَبيث"، مع أنه ليس بحرامٍ اتفاقًا، وقد ثبتَ أنه ﵊ احتجَم وأعطى أُجْرَة الحَجام.
"ومَهْر البغي"؛ أي: الزانية "خبيث": أراد به الحرام؛ لأن ما تأخذُه عوضًا عن الزنا المحرَّم ذريعةٌ إلى الحرام، ووسيلةُ الحرام حرام، وسمَّاه مَهْرًا مجازًا؛ لأنه في مقابلة البُضْع أيضًا.
"وكَسْبُ الحَجَّام خَبِيثٌ"، إطلاقُ الخَبِيث عليه باعتبار حصولهِ من أَدْنى المكاسب.
* * *
٢٠١٩ - وعن أبي مَسْعُود الأَنْصاري ﷺ : أَنَّ رسُولَ الكَلْبِ، وَمَهْرِ البَغِيِّ، وحُلْوَانِ الكَاهِنِ.
"عن أبي مسعود الأنصاري أن رسولَ الله ﷺ نهى ثمن الكلب", وهذا محمولٌ على أنه كان في زمن النبي ﵊ حتى أمر بقتلِها، وكان الانتفاعُ بها يومئذ محرَّمًا ثم رخَّصَ في الانتفاع روي: (أنه قضى في كلبِ صيدٍ قتلَه رجلٌ بأربعين درهمًا، وقضى في كلبِ ماشية بكبشٍ).
"ومَهْرِ البَغِيِّ، وحُلْوانِ الكاهن"؛ أي: ما يُعطَاه من الأجر والرِّشْوَة على كهانته، والكاهِنُ هو المخبِرُ عن الكوائن المستقَبلِيَّة أو عمَّا مضى، أو عن نحسِ طالعٍ وسعدِه، ونحو ذلك؛ لأن فِعْل الكِهَانة باطلٌ، فلا يجوزُ أَخْذُ الأجرة عليه.
стр. 1482
٢٠٢٠ - وعن أبي جُحَيْفَةَ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ، وثَمَنِ الكَلْبِ، وكَسْبِ البَغِيِّ، ولَعَنَ آكلَ الرِّبا، ومُوكِلَه، والواشِمةَ، والمُسْتَوْشِمةَ، والمُصَوِّرَ.
"وعن أبي جُحَيْفة أن النبي ﵊ نهى عن ثَمَن الدم"؛ لأنه نَجِسٌ لا يجوز بيعُه بالإجماع.
"وثمنِ الكلب، وكَسْبِ البَغِيِّ، ولَعَنَ آكل الرِّبَا"، وهو أخذُ الزيادة على ما أَعطى.
"وموكِلَه"؛ أي: معطيَه، وهو المديون الذي يُعطي الزيادة، وإنما لُعِنَا لاشتراكهما في الفعل.
"والواشمة": وهي المرأة التي تَشِم؛ أي: تغرِزُ بإبرة على يدها أو يد غيرها، ثم تُحَشِّي بالكحل.
"والمستوشمة": وهي التي تطلب أن يُجعلَ على يدها وَشْمٌ، وهذا الفعل حرام؛ لأنه تغييرُ خلق الله تعالى؛ ولأن هذا من فِعل الفُسَّاق والجُهَّال.
"والمُصَوِّر" الذي يصور صُورَ الحيوانات دون صُوَرِ الأشجار والثمار ونحو ذلك؛ لأن الأصنام التي عُبِدَت كانت على صور الحيوانات.
* * *
٢٠٢١ - عن جابرٍ ﵁ أَنَّهُ سَمعَ رسُولَ الله ﷺ يقولُ عامَ الفَتْح وهو بمَكَّةَ: "إنَّ الله ورسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الخَمْرِ والمَيْتَةِ والخِنْزِيرِ والأصنامِ"، فقيل: يا رَسُولَ الله!، أَرَأَيْتَ شُحُومَ المَيْتَةِ، فإنَّهُ يُطْلَى بها السُّفُنُ ويُدْهَنُ بها الجُلُودُ ويَسْتَصْبحُ بها النَّاسُ؟، فقال: "لا، هو حَرامٌ"، ثُمَّ قالَ عِنْدَ ذلِكَ: "قاتلَ الله اليَهُودَ، أن الله لمَّا حَرَّمَ شُحُومَها جَمَلوها ثُمَّ باعوها فَأكَلُوا ثَمنَها".
стр. 1483
"وعن جابر ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقولُ عام الفتح وهو بمكة: إن الله ورسولَه حَرَّمَ بيع الخَمْرِ، والميتة، والخنزير، والأصنام": جمع صنم، وهو ما يعبدُه الكفار من حجر وغيره، ذكره الرسولُ لأن حرمة بعض المذكورات مستفادةٌ من سنته، أو للدلالة على أن ما حَرَّمه كان حرامًا بتحريمه تعالى، إذ لا ينطِق عن الهوى، وتحريمُ بيع المذكورات يدلُّ على أن مَن أراق خمرَ النصرانيِّ، أو قتلَ خِنزيرًا له لا غرامةَ عليه، وعلى تحريم بيعِ جِلْد الميتة قبل الدباغ لنجاسةِ عَيْنهِ، وعلى تحريم بيعِ الأعيان النَّجِسة وإن انتُفِعَ بها حالةَ الضرورة كالسرقين ونحوه، وعلى تحريم بيعِ ما يُنتفع به من الحيوانات قياسًا على الخنزير كالأسد والفهد والدبّ والقرد ونحوها من حشرات الأرض، وعلى تحريم بيع شعر الخنزير، وعلى تحريم بَيعْ الصُّوَر المتخذَةِ من الخشب والحديد والفضة والذهب.
"فقيل: يا رسولَ الله! أرأيتَ شحومَ الميتة"؛ أي: أخبِرْني عن شحومها.
"فإنه": الضمير للشأن.
"يُطْلَى بها السُّفُنُ، ويُدْهَن بها الجلودُ، ويَسْتَصْبحُ بها الناس": هل يجوز ذلك أم لا؟.
"فقال: لا"؛ أي: لا يجوز ذلك.
"هو"؛ أي: ذلك الفعلُ حرامٌ.
"ثم قال عند ذلك: قاتلَ الله اليهودَ"؛ أي: أهلكَهم ولعنَهم أو عاداهم.
"إنَّ الله لمَّا حَرَّمَ شحومَها": الضمير يرجِعُ إلى غير المذكور، والمرادُ منه البقرُ والغنمُ كقوله تعالى: ﴿الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦]، والمحرَّمُ عليهم هو شحْمُ الكلى والكَرِش والأمعاء دون شَحْم الظُّهُور والإِلْية؛ لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا﴾ [الأنعام: ١٤٦].
стр. 1484
"أجْمَلُوه"؛ أي: أذابوه ليزولَ اسمُ الشَّحْم ويصير وَدكًا هنا.
"ثم باعوه"، الضمير فيهما ضميرُ الشحم لا الشحوم.
"فأكلُوا ثمنه"، وفيه دليلٌ على بطلان كلِّ حيلة يُتوصَّلُ بها إلى مُحَرَّم، فإنه: لا يتغيَّرُ حكمه بتغير هيئته وتبديلِ اسمه.
* * *
٢٠٢٢ - عن عمرَ ﵁: أن رسُولَ الله ﷺ قال: "قاتَلَ الله اليَهُودَ، حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحومُ فَجَمَلُوهَا فَبَاعُوهَا".
"وعن عمرَ أن رسولَ الله ﷺ قال: قاتلَ الله اليهودَ، حُرِّمتْ عليهم الشحومُ فجَمَلُوها فباعوها"، يقال: جَمَلَه يَجْمُلُه جَملًا، وأَجْملَه: إذا أذابه واستخرج دُهْنَه.
* * *
٢٠٢٣ - وعن جابرٍ ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ والسِّنَّوْرِ.
"عن جابرٍ أن رسولَ الله ﵊ نهى عن ثمنِ الكَلْبِ والسِّنَّور"، كرهَ بعضُهم بيعَ السِّنَّور بظاهر الحديث، وجَوَّزَ الأكثرون بَيعَها، وتأولوا الحديثَ على الوَحْشِيِّ منها للعَجْز عن تسليمِه، فإنه لو رُبِطَ لم ينتفِعْ به؛ لأن نفعَه صيدُ الفأرة، ولو لم يُربَطْ لربَّما ينفُر، ويضيع المالُ المصروف في ثمنه.
٢٠٢٤ - عن أنسٍ ﷺ قال: حَجَمَ أَبو طَيْبةَ رسُولَ الله ﷺ ، فَأمَرَ له بصاعٍ من تَمرٍ، وأَمَرَ أهلَهُ أَنْ يُخَفِّفُوا عنهُ مِنْ خَرَاجِهِ.
"عن أنس أنه قال: حَجَمَ أبو طَيْبةَ رسولَ الله ﷺ "، قيل: كان أبو طَيْبة
стр. 1485
عبدًا لبني بَيَاضَةَ، وقد وضعُوا عليه خَرَاجًا بأن قالوا له: أعطِنا كلَّ شهر كذا، والباقي مِن كَسْبكَ لك.
"فأمرَ له"؛ أي: الرسولُ لأبي طَيْبَة.
"بصاعٍ من تمر، وأمرَ أهلَه": يعني به: ساداته.
"أن يخفِّفوا عنه من خَرَاجه"؛ أي: يُنْقِصُوا من ذلك الخراج شيئًا.
* * *
مِنَ الحِسَانِ: ٢٠٢٥ - عن عائشة ﵂ قالت: قال النبيُّ ﷺ : "إنَّ أَطْيَبَ ما أكَلْتُمْ مِنْ كَسْبكُمْ، وإنَّ أَوْلَادكمْ مِنْ كَسْبكُمْ".
وفي رواية: "إنَّ أَطْيَبَ ما أكلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبهِ، وإنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبهِ".
"من الحسان":
" عن عائشةَ أنها قالت: قال النبيُّ ﵊: إن أَطْيَبَ"، أفعل التفضيل مِن الطَّيب وهو الحلال؛ أي: أحل.
"ما أكلْتُم مِن كَسْبِكم"؛ (يعني أحسن الحلالات ما تكسبون بأيديكم.
"وإن أولاكم مِن كَسْبِكم"؛ لأنهم حَصَلُوا بواسطة تزوُّجِكم وسَعْيكم، فيجوزُ لكم أن تأكلُوا إذا كنتم محتاجين مِن كَسْبِ أولادِكم، وإلا فلا، إلا أن تَطيبَ أنفسُهم به.
"وفي رواية" هاهنا: "إن أطيَب ما أكَلَ الرجلُ من كسْبهِ، وإنَّ ولدَه مِن كَسْبهِ".
стр. 1486
٢٠٢٦ - وعن عبدِ الله بن مسعودٍ ﵁، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "لا يَكْسِبُ عَبْد مالًا حَرَامًا، فَيتصَدَّقَ مِنْهُ فيُقْبَلَ مِنْهُ ولا يُنْفِقُ مِنْهُ فَيُبَارَكَ له فيهِ، ولا يتركُهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ إلَاّ كانَ زادَهُ إلى النَّارِ، إنَّ الله لا يَمْحُو السَّيئَ بالسَّيئِ، ولكن يَمْحُو السَّيئَ بِالحَسَنِ، إنَّ الخَبيثَ لا يمحوُ الخَبيثَ".
"عن عبد الله بن مسعودٍ، عن رسول الله ﷺ أنه قال: لا يَكْسِبُ عبدٌ مالًا حرامًا فيتصدقُ" - بالرفع - "منه فيقبَلُ منه، ولا يُنْفِقُ منه، فيبارَكُ له" بالرفع أيضًا، له.
"فيه ولا يَتْركُه خلفَ ظهرِه إلا كان" ذلك الترك أو متروكه "زادَه" بالزاي المعجمة؛ أي: زوَّادته منتهية "إلى النار"، وفي بعض النسخ: بالراء المهملة، من الردِّ: المنعُ؛ أي: مانعة عن غير النار ويضطرُّه ويُلْجِئُه إلى النار.
"إن الله لا يمحو السيئَ بالسيئ"؛ يعني: التصدقُ بالمال الحرام سيئة؛ أي: خَصْلَة سيئة، فلا يمحو الله أعمالَ السيئات بهذه السيئة.
"ولكن يمحو السيئَ بالحَسَن، إنَّ الخبيثَ لا يمحو الخبيثَ".
* * *
٢٠٢٧ - وقال: "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ لحمٌ نَبَتَ مِنَ السُّحْتِ، وكُلُّ لَحْمٍ نبَتَ مِنَ السُّحْتِ كانَتِ النَّارُ أَوْلَى بِهِ".
"وعن جابر ﵁ أنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : لا يدخلُ الجنةَ لحم نبتَ من السُّحْت" حتى يُحرَقَ بالنار، ويَطهُرَ بها من الحرام.
"وكلُّ لحمٍ نبتَ من السُّحْتِ كانت النار أَولى به"، لتطهِّرَه عن ذلك بإحراقها إياه، هذا على ظاهر الاستحقاق، أما إذا تاب الله عليه أو غفرَ له من غير
стр. 1487
توبة، وأَرْضَى خَصْمَه أو نالته شفاعةُ شفيعٍ فهو خارجٌ عن هذا الوعيد، فالحديثُ للزَّجْر والتَّهْديد.
* * *
٢٠٢٨ - عن الحسنِ بن عليٍّ ﵄ أنَّه قال: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ يقولُ: "دع مَا يَرِيبُكَ إلى ما لا يَرِيبُكَ، فإنَّ الصِّدْقَ طُمَأْنِينةٌ، وإنَّ الكَذِبَ رِيبةٌ".
"عن الحسنِ بن عليٍّ ﵄ أنه قال: حفظتُ من رسول الله ﷺ يقولُ: دعْ ما يَرِيبُك إلى ما لا يَرِيبُك"؛ أي: اترك ما اعترضَ لك فيه الشك، واذهب إلى ما لا شك فيه، يعني: خذْ ما أيقنتَه حَسَنًا وحلالًا، واتركْ ما شكَكْتَ في كونه حسنًا.
"فإن الصِّدْقَ طمأنينةٌ"؛ أي: مما يَطْمَئِنُّ له القَلْبُ ويسكن إليه.
"وإن الكَذِبَ ريبةٌ"؛ أي: مما يَقْلَقَ له ويضطرب منه، يعني: إذا وجدتَ نَفْسَك ترتابُ في شيءٍ فاترُكْه، فإن نفسَ المؤمن تطمئنُّ للصدق وترتاب للكذب، فارتيابُكَ فيه أَمَارةُ بطلانه، وطُمَأْنِينتُك فيه علامة حَقِّيته.
* * *
٢٠٢٩ - عن وَابصَةَ بن مَعبدٍ ﵁: أَنَّ رسول الله ﷺ قال: "يا وَابصَةُ! جِئْتَ تَسْأَلُ عَنِ البرِّ والإثْم"؟، قلتُ: نعمْ، قال: فَجَمَعَ أَصابعَهُ فَضَرَبَ بها صدْرَهُ وقال: "اِسْتَفْتِ نَفْسَكَ وَاسْتَفتِ قَلْبَكَ، ثلاثًا، البرُّ ما اطْمَأَنَّتْ إلَيْهِ نفسُك واطْمَأنَّ إلَيْهِ قلبُك، والإثْمُ ما حاكَ في النَّفْسِ وتَرَدَّدَ في الصَّدْرِ وإنْ أَفْتَاكَ النَّاسُ".
"عن وابصَة بن معبَد أنه ﷺ قال: يا وابصةُ جئتَ تسأل عن البِرِّ"،
стр. 1488
بالكسر: الإحسانُ، وهو في حق الوالدين والأقْرَبين ضدُّ العقوق، وهو الإساءة إليهم وتضييعُ حقوقهم، وقيل: البِرُّ اسم جامعٌ للخير كلِّه.
"والأثم": وهو الذنب.
"قلت: نعم"، وقولُه ﷺ لواصبةَ وقد أَضْمَرَ في نفسِه أن يسألَ النبي ﷺ عن ذلك من أعلام النبوة.
"قال"؛ أي: الراوي.
"فجمعَ أصابِعَه فضربَ بها صدْرَه"، الضمير للنبي ﵊ يعني: أشارَ إلى صَدْرِه.
"وقال": يا وابصةُ.
"استفتِ نفسَك"؛ أي: اطلب الفَتْوى من نفسك.
"استفتِ قلبَك ثلاثًا"، فما سكنَ قلبُك على أنه حَقٌّ فخُذْه، وإلا فلا.
أراد أن يسألَه عما أَشْكَلَ عليه منهما، فأمره ﷺ بالأخذ بما هو بمَعْزِلٍ عن الاشتباه.
"البِرُّ ما اطمأنَّتْ إليه النَّفْسُ"؛ أي: في كونه حَسَنًا مرضيًّا.
"واطمأنَّ إليه القَلْبُ": عطفٌ على اطمئنان النفس، للتقرير والتأكيد.
ذهبَ الأكثرون إلى أن الأَمَارة التي أشارَ إليها النبي ﵊ للتمييز بين الأمرين إنما هو في عموم المؤمنين، وليست مختصَّةً ببعضهم دونَ البعض، ومنهم مَنْ ذهب إلى أنها تختصُّ بأهل النظر وأصحاب الفِرَاسات من ذوي القلوب السليمة والنفوسِ المرتاضة، فإن قلوبَهم تصْبُو بالطبع إلى الخير وتنبو عن الشر، وتُلْهَم الصواب غالبًا.
"والإثمُ ما حاك"؛ أي: تَردَّد وأثرَ "في النفس"؛ أي: القلبُ بالتَّخَالج.
стр. 1489
"وتردَّدَ في الصدر"، من حاك يَحيك: إذا تردَّد في القلب، ولم يستقرَّ القلبُ عليه.
"وإن أفتاك الناسُ"؛ أي: وإن جعلُوا لك فيه رُخْصة، مثلًا: رجلٌ له مال حلالٌ وحرامٌ إنْ أتاك بشيءٍ من مالِه، والمفتي يقول لك: كُلُّ ما لم تتيقَّن كونه حرامًا جازَ لك أَكْلُه، فلا ينبغي لك أن تأكلَه خوفًا أن تأكلَ الحرام، فإن الفَتْوى غيرُ التَّقْوى.
* * *
٢٠٣٠ - عن عَطِية السَّعْدِيِّ ﵁ أنَّه قال، قال النبيُّ ﷺ : "لا يَبْلُغُ العَبْدُ أَنْ يَكُونَ مِنَ المُتَّقِينَ حتَّى يَدع ما لا بَأْسَ بِهِ حَذَرًا لِمَا بِهِ بَأْسٌ".
"عن عطيةَ السَّعْدِيِّ ﵁ أنه قال: ﵊: لا يبلُغُ العبدُ أن يكونَ مِن المتقين حتى يَدعَ"؛ أي: يترُكَ "ما لا بأس به حَذَرًا لما به بأسٌ"؛ أي: خوفًا من أن يقعَ فيما به بأسٌ.
* * *
٢٠٣١ - عن أنسٍ ﵁ قال: لَعَنَ رسُولُ الله ﷺ في الخَمْرِ عَشْرةً: عَاصِرَهَا، ومُعْتَصِرَهَا، وشَارِبَها، وحَامِلَهَا، والمَحْمُولَة إِلَيْهِ، وسَاقِيَهَا، وبَائِعَهَا، وآكِلَ ثَمَنِهَا، والمُشْتَرِيَ لها، والمُشْتَرَاةَ لَهُ.
"عن أنسٍ ﵁ أنه قال: لعنَ النبيُّ ﷺ في الخَمْرِ"؛ أي: في شأنها.
"عشرةً: عاصرَها": وهو الذي يعصِرُ لغيره.
"ومُعْتَصِرَها": وهو من يعصِرُ لنفسه أو: من يطلُبُ عَصْرَها.
"وشاربَها، أو حامِلَها، والمحمولةَ إليه"؛ أي: الذي يطلُبُ أن يَحْمِلَها أحدٌ لأجله.
стр. 1490
"وساقِيَها، وبائعها، وأكلَ ثمنِها، والمشتريَ لها"؛ أي: الذي اشتراها.
"والمشترى له"؛ أي: الذي تُشْتَرى له بالوكالة.
* * *
٢٠٣٢ - عن ابن عمرَ ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لَعَنَ الله الخَمْرَ، وشَارِبَهَا، وسَاقِيَهَا، وبَائِعَهَا، ومُبْتَاعَهَا، وعَاصِرَهَا، ومُعْتَصِرَها، وحَامِلَهَا، والمَحمُولَة إلَيهِ".
"وعن ابن عمر ﵄ أنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : لعنَ الله الخمرَ، وشاربَها، وساقيَها، وبائعَها، ومبتاعَها"؛ أي: مشتريَها.
"وعاصرَها، ومعتصرَها، وحاملَها، والمحمولَةَ إليه".
* * *
٢٠٣٣ - وعن مُحَيصَةَ ﵁: أنَّه اِسْتَأْذَنَ رسُولَ الله ﷺ في إِجَارَةِ الحَجَّامِ فَنَهَاهُ، فَلَمْ يَزَلْ يَسْتَأذنه حَتَّى قال: "اِعْلِفْهُ ناضحَكَ وأَطْعِمْهُ رَقِيقَكَ".
"عن مُحَيصَةَ: أنه استأذنَ رسولَ الله ﷺ في إجَارَةِ الحَجَّام"؛ أي: في أُجْرَته، والإِجَارَة: اسم للأُجْرة.
"فنهاه ﵊، عن أَكْلِها.
"فلم يزلْ يستأذِنُه حتى قال: اعلِفْه ناضحَك"؛ أي: اصرفْ ما تكتسب بالحِجَامة في عَلَفِ ناضحِك، وهو البعيرُ الذي يُسْتقَى به الماء.
"وأطعِمْه رَقيقَك"، والأكثَرُون على أنه نهيُ تنزيهٍ عن الكَسْب الدَّنيء.
* * *
٢٠٣٤ - وعن أبي هريرةَ ﷺ قال: نهى رسولُ الله ﷺ عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ، وكَسْبِ الزَّمَّارَةِ.
стр. 1491
"عن أبي هريرةَ: نهى رسولُ الله ﷺ عن ثمنِ الكَلْبِ وكَسْبِ الزَّمَّارة"، بفتح الزاي المعجمة وتشديد الميم، قيل: هي الزانية، وقيل: المغنية، من زَمَر: إذا غَنَّى، ويقال للقَصَبة التي تزمر بها: زَمَّارَة.
وذهب بعضٌ إلى تقديم الراء على الزاي، وهي التي تومِئُ بعينها وشَفَتِها؛ أي: يفعل الزواني.
* * *
٢٠٣٥ - وعن أبي أُمامة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تَبيعُوا القَيْنَاتِ ولا تَشْتَرُوهُنَّ ولا تُعَلِّمُوهُنَّ، وثَمَنُهُنَّ حرامٌ، وفي مِثلِ هذا أُنْزِلَتْ: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ ""، (ضعيف).
"وعن أبي أمامةَ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا تَبِيعوا القَيْنَات": جمع قَيْنَة، وهي الأَمَة غَنَّتْ أو لا، لكن المراد هنا المغنِّية.
"ولا تشتروهنَّ"، النهيُ مقصورٌ على البيعِ والشراءِ لأجل التَّغَنِّي.
"ولا تعلِّموهنَّ"؛ أي: الغِناءَ.
"وثمنُهنَّ حرامٌ"، وهذا دليلٌ على فساد بيعِها، والجمهورُ صحَّحُوا بيعَها لمَا في هذا الحديث مِن الطَّعْن في رواته، وبتقدير صِحَّتِه أُوِّل بأن هنا مضافًا محذوفًا؛ أي: أخذُ ثمنِهنَّ حرامٌ كأخذِ ثمن العِنَبِ ممن يتَّخِذُه خمرًا؛ لا أنَّ البيعَ غيرُ صحيح.
"وفي مثل هذا نزلت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ "؛ أي: يشترِي الغِناءَ والأصواتَ المحرَّمةَ التي تُلْهِي عن ذِكْر الله.
"غريب".
стр. 1492
٢٠٣٦ - عن جابرٍ ﵁ قال: نهى رسُولُ الله ﷺ عَنْ أَكلِ الهِر وثَمَنِهِ، غريب.
"وعن جابرٍ ﵁ أنه قال: نهى رسولُ الله ﷺ عن أكلِ الهِرِّ وثمنِه، ضعيف".
* * *
٢ - باب المُساهلةِ في المُعاملة
(باب المساهلة في المعاملة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٠٣٧ - قال رسولُ الله ﷺ : "رَحِمَ الله رَجُلًا سَمْحًا إذا باعَ، وإذا اشْتَرَى، وإذا اقْتَضَى".
"من الصحاح":
" عن جابر ﵁ أنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : رَحِمَ الله رَجَلًا سَمْحًا"، - بفتح السين؛ أي: سَهْلَ البيعِ والشِّرَاء.
"إذا باعَ، وإذا اشترى، وإذا اقتضى"؛ أي: إذا طلبَ دينًا له على غريمٍ يطلبُ بالرِّفْق لا بالعُنْف.
* * *
٢٠٣٨ - وقال: "إنَّ رَجُلًا كانَ فيمَنْ قبلَكُمْ أتاهُ المَلَكُ ليقْبضَ رُوحَهُ، فقِيلَ لَهُ: هَلْ عَمِلْتَ مِنْ خَيْرٍ؟، قال: ما أعلَم شيئًا، قيلَ لهُ: انْظُرْ، قال: ما أَعْلَمُ شَيْئًا غير أَنِّي كنْتُ أُبايعُ النَّاسَ في الدّنْيَا وأُجازِيهِم، فأُنْظِرُ المُوسِرَ
стр. 1493
وأتجاوَزُ عن المُعْسِرِ، فأدخَلَهُ الله الجنَّة.
وفي روايةٍ: "قالَ الله: أنا أحَقُّ بِذا مِنْكَ، تَجاوَزُوا عَنْ عَبْدِي".
"عن أبي مسعودٍ الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : إنَّ رجلًا كان فيمن قبلَكم أتاه الملَك ليقبِضَ رُوحَه، فقيل له: هل عملتَ مِن خيرٍ؟ قال: ما أعلَمُ شيئًا؟، قيل: هذا السؤالُ منه كان في القبر.
"قيل له: انظُرْ"؛ أي: تفَكَّرْ.
"قال: ما أعلَمُ شيئًا غير أني كنتُ أبايعُ الناسَ في الدنيا وأجازِيهم"؛ أي: أُحْسِنُ إليهم.
"فأُنْظِرُ الموسِرَ"؛ أي: أُمْهِلُ الغنيَّ.
"وأتجاوزُ عن المُعْسِر"؛ أي: أَعْفُو عن الفقير وأُبْرِئُ ذِمَّتَه عن دَيني.
"فأدخلَه الله الجَنَّة".
"وفي رواية: قال الله تعالى: أنا أحقُّ بذا"، أي: أنا أَوْلَى بهذا الكَرَمِ والتَّجَاوُز "منك، تجاوَزُوا عن عبدي".
* * *
٢٠٣٩ - وقال رسولُ الله ﷺ إيَّاكم وَكَثْرَةَ الحَلِفِ في البَيع؛ فإنَّهُ يُنَفِّقُ ويَمْحَقُ".
"وعن أبي قَتادة أنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : إياكم وكثرةَ الحَلِف"؛ أي: احذَرُوا من كثرةِ الحَلِف "في البيع، فإنه يُنَفِّقُ"؛ أي: يُروِّجُ المتاعَ، ويُكْثِرُ الرَّغبَات فيه.
"ويُمْحِق"؛ أي: يُفْنِي البركةَ من ثمنه.
стр. 1494
٢٠٤٠ - وفي روايةٍ: "الحَلفُ مَنْفَقَة للسلْعَةِ ومَمْحَقَةٌ للبَرَكةِ".
"وفي رواية" أبي هريرة ﵁: "الحَلِفُ مَنْفَقَة للسلْعَة": - بفتح الميم -؛ أي: مَظِنّة وسبب لنَفَاقِها وموضع له.
"مَمْحَقَة للبَرَكَة"؛ أي: مَظِنة لَمَحْقِ البَرَكة وذهابِها وموضع له.
* * *
٢٠٤١ - وعن أبي ﵁ عن النبى ﷺ أنَّه قال: "ثلاثة لا يُكَلِّمُهُمُ الله يومَ القِيامَةِ ولا يَنْظُرُ إليْهِمْ ولا يُزكيهِمْ ولهُمْ عَذاب ألِيم". قالَ أبو ذَرٍّ: خابُوا وَخَسِرُوا، مَنْ هُمْ يا رَسُولَ الله؟، قال: "المُسْبلُ إزارَهُ، والمنَّانُ، والمُنَفِّقُ سِلْعَتَهُ بالحَلفِ الكاذبِ".
"عن أبي ذَرٍّ، عن النبي ﵊ أنه قال: ثلاثة لا يكلِّمُهم الله"؛ أي: بكلام الرضاء.
"يومَ القيامة"؛ أي: لا يُسْمِعُهم ما يَسُرُّهم مِن الكلام.
"ولا ينظرُ إليهم"؛ أي: بنظر الرَّحْمة.
"ولا يزكِّيهم"؛ أي: لا يُطَهِّرهم من الذنوب.
"ولهم عذابٌ أليم، قال أبو ذر: خابُوا وخَسِرُوا، مَن هم يا رسول الله؟ قال: المُسبِل"، بضم الميم؛ أي: الذي يُرْخِي "إزارَه" ويُرْسله إلى الأرض؛ أي: يطوِّلُه وَيمْشِي تكبرًا واختيالًا.
"والمَنَّان": إما مِن المِنَّة؛ أي: الذي يُعطِي الناسَ شيئًا ويمنُّ عليهم لاعتبارِ صَنيعه، مثل قوله: أعطيتُ فلانًا كذا ليُظْهِرَ سخاءَ نَفْسِه، وإما مِن المَنِّ: النقص مِن الحقِّ والخيانة.
стр. 1495
"والمنفِقُ سِلْعَتَه"؛ أي: الذي يروِّجُ مَتَاعَه.
"بالحَلِف الكاذب"، مثل أن يقول للمشتري: اشتريتُ هذا بمئة دينارٍ، والله ليظُنُّ المشتري أن ذلك المتاعَ يساوِي مئة دينار أو أكثر، فيرغب في شرائه.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٠٤٢ - عن أبي سعيدٍ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأمِينُ معَ النَّبيينَ والصِّدّيقِينَ والشُّهَدَاء"، غريب.
"من الحسان":
" عن أبي سعيدٍ ﵁ أنه قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : التاجرُ الصَّدُوق الأمينُ مع النبيين والصدِّيقين والشهداء"، "غريب".
* * *
٢٠٤٣ - عن قيسِ بن أبي غرَزةَ ﵁ قال: مَرَّ بنا رسولُ الله ﷺ فقال: "يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ! إنَّ البَيع يَحْضُرُهُ اللغوُ والحَلِفُ فشُوبوهُ بالصَّدَقَةِ".
"عن قيسِ بن أبي غرَزَة أنه قال: مرَّ بنا النبيُّ ﵊ فقال: يا معشرَ التجار! إنَّ البيعَ يحضرُه اللَّغْوُ والحَلِفُ"؛ يعني: البائع قد تكلَّم بكذبٍ، وقد يحلِفُ على ذلك.
"فشُوبُوه"؛ أي: اخلِطُوا ذلك اللغو والحلِفَ "بالصدقة"، فإنها تطفئ غضبَ الربِّ، وإن الحسنات يُذهِبن السيئات.
стр. 1496
٢٠٤٤ - عن عُبَيْد بن رِفاعَةَ، عن أبيه ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "التُّجَّارُ يُحْشَرُونَ يومَ القِيامَةِ فُجَّارًا إلا مَنِ اتَّقَى وبَرَّ وصَدَقَ".
"عن عُبَيد بن رِفاعة، عن أبيه، عن النبي ﷺ أنه قال: التجار يُحشَرُون يومَ القيامة فُجَّارًا"، من الفجور: الميلُ عن القصد، والكاذب فاجرٌ لميله، سمَّاهم فجارًا؛ لتدليسهم في المعاملات، وتلبيسهم فيها بالكذب.
"إلا مَن اتقى"؛ أي: اجتنبَ المحارمَ أو الكذب.
"وَبرَّ": في يمينه، "وصدق" في قوله، أراد بالبر الإحسانَ.
* * *
٣ - باب الخِيَارِ
(باب الخيار)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٠٤٥ - عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "المُتَبَايعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما بالخِيَارِ على صاحِبهِ ما لمْ يتفرَّقَا إلَاّ بَيع الخِيارِ".
وفي روايةٍ: "إذا تَبَايَعَ المُتَبَايعَانِ فَكُلُّ واحِد مِنْهُمَا بالخِيارِ مِنْ بَيْعِهِ ما لم يتفَرَّقَا، أوْ يَكُونُ بَيْعُهُما عن خِيار، فإذا كَانَ بيعُهُما عن خِيارٍ فقدْ وَجَبَ".
وفي روايةٍ: "البَيعانِ بالخِيارِ ما لمْ يتفَرَّقا أو يَخْتَارَا".
"من الصحاح":
" عن ابن عمر ﵁ أنه قال: ﷺ : المتبايعان": أراد بهما البائع والمشتري.
"كلُّ واحد منهما بالخِيَار على صاحبه ما لم يتفرَّقا"، ذهب الشافعي بهذا
стр. 1497
على ثبوت خيار المجلِس للمتبايعَيْنِ من فَسْخِ البيع وإمضائه وحملِ التفرُّق على التفرق بالأبدان.
"إلا بيعَ الخِيَار"؛ أي: إلا المتبايعَين بيعَ الخِيَار، أو إلا إذا تبايعا بيعَ الخِيَار بأن يقول أحدُهما لصاحبه: اختَرْ، فيقول: اخترتُ، فيكون هذا إلزامًا للبيع منهما، وإن كان المجلس قائمًا ويسقط خيارهما، وأئمتنا ألزَمُوا البيعَ بنفس التواجر، وحملُوا الخِيَار على خِيَار القَبول، والتفرُّق على التفرُّق بالأقوال يدلُّ عليه ما روي عنه ﷺ : (المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا عن بيعهما).
قيل: الاستثناء في قوله: إلا بيعَ الخِيَار يرجعُ إلى مفهوم مدَّةِ الخِيَار، تقديرُه: كلٌّ منها بالخِيَار ما لم يتفرَّقا، فإن تفرَّقَا لزمَ البيعُ إلا أن يتبايعا بشرط خِيَارِ ثلاثة أيام فما دونها، فيبقى خيار الشرط بعد التفرُّق.
"وفي رواية" ابن عمر.
"إذا تبايع المتبايعان فكلُّ واحدٍ منهما بالخِيَار من بيعه ما لم يتفرَّقَا، أو يكون بيعُهما عن خِيَار، فإذا كان بيعُهما عن خِيَار فقد وجب"؛ أي: ثبتَ الخِيَار لمن شرطَ له.
"وفي رواية: البَيعان": بكسر الياء وتشديدها؛ أي: البائع والمشتري.
"بالخِيَار لم يتفرَّقا أو يختارا" لزومَ البيع وإسقاطَ خِيَارِهما، يعني: لهما الخيارُ ما لم يتفرَّقا من المجلس وما لم يُسْقِطا خِيَارَهما.
* * *
٢٠٤٦ - وعن حكيمِ بن حزامٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "البَيعانِ بالخِيارِ ما لمْ يتفَرَّقا، فإنْ صَدَقَا وبيَّنَا بُورِكَ لَهُمَا في بَيْعِهِمَا، وإنْ كتَمَا وَكَذَبَا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بَيعِهِما".
стр. 1498
"وعن حَكِيم بن حِزَام أنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : الَبيعان بالخِيَار ما لم يتفرَّقا" من المسجد، وما لم يسقط خيارهما.
"فإن صدَقا"؛ أي: البائعُ والمشتري في صفة المبيع والثمن.
"وبيَّنا"؛ أي: ما كان فيهما من عيب ونقص.
"بُورِك لهما"؛ أي: أكثر بركةُ ما يأخذُ كل منهما.
"في بيعهما، وإن كتَما"؛ يعني: عيبَ المبيع والثمن.
"وكذَبا" في صفاتهما.
"مُحِقَتْ"؛ أي: ذهبت "بركةُ بيعِهما"، وهذا يدل على أن كلاًّ منهما إذا عَلِمَ عيبًا بما في يده فعليه أن يبينه للآخر ولا يكتُمَه.
* * *
٢٠٤٧ - وعن ابن عمرَ ﵄ أنَّه قال: قالَ رجُل: يا رسولَ الله، إنِّي أُخْدع في البُيوعِ، فقال: "إذا بايَعْتَ فَقُلْ لا خِلَابةَ" فكانَ الرجُلُ يقولُهُ.
"عن ابن عمر أنه قال: قال: رجل"، اسمه حَبَّان بن منقذ.
"للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم: إني أُخدع في البيوع"، وذلك لقلة خبرته بالمعاملات من كبر سنه.
وقيل: كان متغيرَ العقلِ لشَجِّ رأسه في الغزاة، وقد جاء أهلُه إلى النبي ﵊ فشكاه لخوف الغبن في البيع، وطلبُوا الحَجْرَ عليه، فحَجَرَ عليه، فشكا عدمَ صبره عن البيع فرُفع عنه الحجر.
"فقال: إذا بايعتَ فقل: لا خِلَابة" بكسر الخاء المعجمة؛ أي: لا خديعةَ لي في هذا البيع.
стр. 1499
"فكان الرجل يقولُه"، قال أحمدُ: مَن قال ذلك في بيعه كان له الردُّ إذا غُبن كحَبَّان، والجمهور على أنه لا ردَّ له، فيؤوَّل الحديث على أنه ﵊ قال له ذلك ليطَّلِعَ صاحبُه عليه فيعلم أنه لا بصيرة له في البيع فينزجِرَ عن غبنه، وَيرى له كما يرى لنفسه.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٠٤٨ - عن عمرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أن رسولَ الله ﷺ قال: "البَيعانِ بالخِيارِ ما لمْ يتَفَرَّقا إلَاّ أنْ يكونَ صَفْقَةَ خِيارٍ، ولا يَحِلُّ لهُ أَنْ يُفارِقَ صاحِبَهُ خَشْيةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ".
"من الحسان":
" عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدِّه: أن رسول الله ﷺ قال: البَيعان بالخِيَار ما لم يتفرَّقَا، إلا أن يكونَ صفقةَ خِيَار"؛ أي: صفقةً شَرَطَ فيها خيَار، وهو مثل قوله: إلا بيعَ الخِيَار، والمراد من الصفقة هنا العقدُ المشتمِلُ على البيعِ والشِّراء.
"ولا يحِلُّ له أن يفارِقَ صاحبَه خشيةَ أن يستقيلَه"، الاستقالةُ طلبُ الإِقالة، وهو إبطالُ البيع؛ أي: لا ينبغي له أن يقومَ من مجلِس العَقْدِ خوفًا من أن يَفْسَخَ صاحبه بخيارِ المجلس؛ لأنه يشبِهُ خديعةَ، وفيه دليلٌ لمن قال بثبوت خِيار المجلس.
* * *
٢٠٤٩ - وعن أبي هريرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا يُتفَرَّقُ عَنْ بَيع إلَاّ عَنْ تَراضٍ".
стр. 1500
"عن أبي هريرة، عن النبي ﵊ أنه قال: لا يتفرَّقُ عن بَيْعٍ إلا عن تراض"، صفة مصدر محذوف؛ أي: تفرّقًا صادرًا عن تراض.
* * *
٤ - باب الرِّبا
(باب الربا)
وهو في اللغة: الزيادة، وفي الشَّريعة: زيادةٌ على صفةٍ مخصوصة.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٠٥٠ - عن جابرٍ ﵁ قال: لَعَنَ رسُولُ الله ﷺ آكلَ الرِّبا ومُوكِلَهُ وكاتِبَهُ وشاهِدَيْهِ.
"من الصحاح":
" عن جابرٍ ﵁ أنه قال: لعنَ رسولُ الله ﷺ آكلَ الرِّبا"؛ أي: آخذَه.
"وموْكِلَه"؛ أي: مُعْطِيه.
"وكاتِبَه وشاهِدَيْه".
* * *
٢٠٥١ - عن عُبادةَ بن الصامِت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الذَّهَبُ بالذَّهَبِ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ، والبُرِّ بالبُرِّ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ، والتَّمْرُ بالتَّمْرِ، والمِلْحُ بالمِلْح، مِثْلًا بمِثْلٍ، سَواءً بسَواءً، يَدًا بِيَدٍ، فإذا اخْتَلَفَتْ هذِهِ الأصنافُ - وفي روايةٍ: إذا اختلف النوعان - فَبيعُوا كيفَ شئتم إذا كَان يَدًا بِيَدٍ".
стр. 1501
"عن عُبَادة بن الصَّامِت أنه قال: قال رسول الله ﷺ : الذَّهبُ بالذَّهب"؛ أي: يُباعُ به.
"والفِضَّة بالفضة، والبُرُّ بالبُرِّ، والشَّعيرُ بالشعير، والتَّمرُ بالتمر، والمِلحُ بالملح مِثْلًا بمِثْل"؛ أي: حال كونهما متساويين في القَدْر.
"سواءٌ بسواءٍ"، تأكيد لقوله: (مثلًا بمثل)، وكذا: "يدًا بيد"، ويحتمل أن يريد بقوله: (مثلًا بمثل) المماثلةَ الكَيْل والوزن، وبقوله: سواء بسواء اتحادَ مجلِسِ تقابُل العِوَضَيْن، وبقوله: (يدًا بيد) الحلول.
ذكر ﵊ النقدين والمطعومات الأربع إيذانًا بأن عِلَّة الربا النقدية أو المطعم، وذكر من المطعومات الحبوبَ وهو البُرّ والشعير والثِّمار، وهو التَّمْر وما يقصَدُ بالطَّعْم لذاته كهذه الثلاثة، أو لغيره كالمِلْح إيذانًا بأن الكلَّ سواء في الحُكْم "فإذا اختلفت هذه الأجناسُ فبِيعُوا كيف شئتم إذا كان"؛ أي: البيعُ "يدًا بيد"، جوَّزَ ﵊ التفاضُلَ عند اختلافِ الجنس مع إيجابِ التقابُض.
* * *
٢٠٥٢ - وعن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : "الذَّهَبُ بالذَّهَبِ، والفِضَّةُ بالفِضَّةِ، والبُرّ بالبُرِّ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ، والتَّمْرُ بالتَّمْرِ، والمِلْحُ بالمِلْح مِثْلًا بمِثْل، سواءً بسواءٍ يَدًا بِيَدٍ، فَمَنْ زادَ أو اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى، الآخِذُ والمُعْطِي فيهِ سَواءٌ".
"وعن أبي سعيد الخُدْري ﵁ أنه قال: قال رسولُ الله ﷺ الذهبُ بالذهب، والفِضَّة بالفضة، والبُرُّ بالبرِّ، والشعيرُ بالشعير، والتَّمْر بالتمر، والمِلْح بالمِلْح مِثْلًا بمِثل، يدًا بيد فمن زاد"؛ أي: أعطى الزيادة.
стр. 1502
"أو استزاد"؛ أي: أخذَ الزيادة.
"فقد أَرْبى"؛ أي: أتى بالرّبا أو تعاطاه.
"الآخِذُ والمعطي فيه"؛ أي: في الربا.
"سواءٌ"؛ أي: في الإثم واللَّعْن، قيل: كان بيعُ الربا في ابتداء الإسلام جائزًا، ثم نسُخَ بإيجاب المماثلة.
* * *
٢٠٥٣ - وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَبيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ إلَاّ مِثْلًا بمِثْلِ، ولا تُشِفُّوا بعضَها على بعضٍ، ولا تَبيعُوا الوَرِقَ بالوَرِقِ إلَاّ مِثْلًا بمِثْلٍ، ولا تُشِفُّوا بعضَها على بعضٍ، ولا تَبيعُوا منها غائِبا بناجِزٍ".
وفي رواية: "لا تَبيعُوا الذَّهبَ بالذَّهَبِ ولا الوَرِقَ بالوَرِقِ إلَاّ وَزنًا بِوَزنٍ".
"وعنه أنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : لا تبيعُوا الذهب بالذهب إلا مِثْلًا بمِثْل، ولا تُشْفُوا"، من باب الإفعال، الشَّفّ من الأضداد يُستعمل في النقصان والزيادة، وهنا بمعنى الزيادة بقرينة (على)؛ أي: لا تزيدوا في البيع.
"بعضَها على بعض، ولا تبيعُوا الوَرِقَ بالوَرِق إلا مِثْلًا بمِثْل، ولا تُشْفُوا بعضَها على بعض، ولا تَبِيعوا منها"؛ أي: من الأشياء المذكورة.
"غائبًا بناجِز"؛ يعني: نسيئةً بنقْد، والناجِزُ: هو الحاضر، وهذا يدلّ على تحريم النَّساء في الصَّرْف.
"وفي رواية: لا تَبِيعوا الذهبَ بالذهب والوَرِقَ بالوَرِق إلا وزنًا بوزن"، اعتبار المماثلة بالوزن في الموزون.
стр. 1503
٢٠٥٤ - وعن معْمَرِ بن عبد الله ﵁ قال: كنت أسمعُ رسول الله ﷺ يقول: "الطَّعَامُ بالطَّعامِ مِثْلًا بمِثْلٍ".
"وعن مَعْمَر بن عبد الله أنه قال: كنتُ أسمعُ رسولَ الله ﷺ يقول: الطعامُ بالطعام"، وهو اسمٌ لمَا يُؤكَل، وقد يُطلَق على البُرِّ، فإن أريد به البُرُّ قيسَ غيرُه عليه عند اتفاق الجنس، وإنْ أُريدَ به ما يُطْعَم بحيث يَعُمُّ المشروبَ أيضًا حُمِلَ على إرادة اتفاق الجنس لقوله: "مِثْلًا بمِثْل".
* * *
٢٠٥٥ - وعن عمر ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الذَّهَبُ بالذَّهَبِ رِبا إلَاّ هاءَ وهاءَ، والوَرِقُ بالوَرِقِ رِبًا إلَاّ هاءَ وهاءَ، والبُرُّ بالبُرِّ رِبًا إلَاّ هاءَ وهاءَ، والشَّعِيرُ بالشَّعِيرِ رِبًا إلَاّ هاءَ وهاء , والتَّمْرُ بالتَّمْرِ رِبًا إلَاّ هاءَ وهاءَ".
"وعن عمرَ ﵁ أنه قالَ: قال رسولُ الله ﷺ : الذهبُ بالذَّهبِ رِبًا"، نصب تمييزًا أو حالًا.
"إلا هاءَ وهاءَ": قيل: بالمد وفتح الهمزة، وهو الصواب، أصلُها هاكَ بمعنى خُذْ، فحُذِفت الكافُ وعُوِّضَ عنها المد والهمزة، يعني: لا يجوزُ بيعُ مالِ الربا إلا مقابضة بأن يقول البائع للمشتري: خُذ المبيع، ويقول المشتري للبائع: خذْ عِوَضَ المَبيعِ في الحال.
"والوَرِق بالوَرِق رِبًا إلا هاءَ وهاء, والبُرُّ بالبُرِّ ربا إلَاّ هاء وهاء، والشعير بالشعير ربًا إلَاّ هاءَ وهاء, والتمر بالتمر ربًا إلا هاءَ وهاء".
стр. 1504
٢٠٥٦ - وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ وأبي هريرةَ ﵄ أن رسُولَ الله ﷺ استعمَلَ رَجُلًا عَلَى أهلِ خَيْبَرَ، فجاءَهُ بتَمْرٍ جَنِيبٍ، فقال: "أكُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكذا؟ " قال: لا والله يا رسُولَ الله، إنَّا لَناْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هذا بالصَّاعَيْنِ، والصَّاعَيْنِ بالثَّلاثَةِ، فقال: "لا تَفْعَلْ، بعْ الجَمْعَ بالدَّراهِم، ثُمَّ ابْتَعْ بالدَّراهِم جَنِيبًا".
"عن أبي هريرة أن رسولَ الله ﷺ استعملَ رجلًا"؛ أي: جعلَه عاملًا وحاكمًا.
"على خَيبر"؛ أي: على أهلِه.
"فجاءه بتمرٍ جَنِيب"، نوع من أجود التمور بالحجاز.
"فقال: أكلُّ تمرِ خيبر هكذا؟ قال: لا والله يا رسول الله! إنا لنأخُذُ الصَّاعَ مِن هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة فقال: لا تَفْعلْ"؛ أي: لا تشتر الجَنِيبَ بتمر آخرَ إلا مِثْلًا بمِثْل، وإن كان أحدُهما أجودَ من الآخر، بل إذا أردتَ أن تبيعَ أحدَهما بآخر متفاضلًا.
"بع الجَمْعَ"؛ نوع من التمر الرديء.
"بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جَنِيبًا".
* * *
٢٠٥٧ - وعن أبي سعيدٍ ﵁ قال: جاءَ بِلالٌ إلى النَّبيِّ ﷺ بتَمْرٍ بَرْنِيٍّ، فقالَ لَهُ النبيُّ ﷺ : مِنْ أينَ هذا؟، قال: كانَ عِنْدَنًا تَمْر ردِيء فَبعْتُ مِنْهُ صاعَيْنِ بصاع، فقال: "أوَّهْ عَيْنُ الرِّبا، عَيْنُ الرِّبا، لا تَفْعَلْ، ولكنْ إذا أردْتَ أنْ تَشْتَرِي فَبعِ التَّمْرَ ببَيْعٍ آخَرَ ثُمَّ اشْتَرِ بِهِ".
"وعن أبي سعيد أنه قال: جاء بلال إلى النبي ﵊ -
стр. 1505
بتمر بُرْني"، نوع من التمر.
"فقال له النبيُّ ﵊: مِن أين هذا؟ قال: كان عندنا تمر رديء، فبِعْتُ منه صاعين بصاعٍ، فقال: أوَّه"، بتشديد الواو وسكون الهاء، كلمة تحسُّرٍ وندامة على لحُوُقِ ضَرَرٍ بأحد.
"عين الربا"؛ أي: هذا الفعل مَحْضُ الرِّبَا.
"لا تفعلْ، ولكن إذا أردتَ أن تشتريَ فبع التمرَ ببيعٍ آخر، ثم اشترِ به"، وهذا يدلُّ أنَّ على مَن أراد أنْ يبدِّلَ شيئًا من مال الربا بجنسه متفاضلًا فلا يجوزُ حتى يبيعَه بغير جِنسه، ويقبضَ ما اشتراه ثم يبيعَه بأكثرَ مما دُفع إليه.
* * *
٢٠٥٨ - وعن جابرٍ ﵁ قال: جاءَ عبدٌ فبايَعَ النبيَّ ﷺ علَى الهِجْرَةِ فلم يَشْعُرْ أَنَّهُ عبدٌ فجاءَ سَيدُهُ يُريدُهُ، فَاشْتَرَاهُ بِعَبْدَيْنِ أَسْوَدينِ، ولمْ يُبايعْ أَحَدًا بعدَهُ حتَّى يسأَلهُ أَعَبْدٌ هُوَ أَمْ حُرٌّ.
"عن جابر أنه قال: جاء عبدٌ فبايعَ النبيَّ ﵊ على الهِجرة"، ضمَّن بايعَ معنى عاهَد، وعدَّاه بـ (على).
"ولم يَشْعُرْ أنه عبدٌ، فجاءَ سيدُه يريدُه، فاشتراه بعبدين أسودين"؛ يعني: دفع ﵊ عبدين أسودين بدل ذلك العبدِ إلى سَيده، وهذا يدلُّ على أن بيعَ غيرِ مال الرِّبا يجوزُ متفاضلًا.
"ولم يبايعْ"؛ أي: النبي ﵊.
"أحدًا بعدَه حتى يسألَه: أعبدٌ هو أم حر؟ ".
стр. 1506
٢٠٥٩ - قال جابرٌ ﵁: نهى رسُولُ الله ﷺ عن بَيع الصُّبْرَةِ مِنَ التَّمْرِ لا يُعْلَمُ مكِيلتها بالكَيْلِ المُسمَّى مِنَ التَّمْرِ.
"وقال جابرٌ: نهى رسولُ الله ﷺ عن بيع الصُّبْرة من التمر لا يُعلَم مكِيلتها"؛ أي: مقدارها.
"بالكَيْل المسمَّى"؛ أي: المعلوم صفة الكيل.
"من التَّمْر": حال منه، يعني: نهى عن بيع الصُّبْرة المجهولةِ مَكِيلَتُها بالصَّبْرة المعلومة مَكِيلَتُها من جنس واحد.
* * *
٢٠٦٠ - عن فَضَالَةَ بن عُبَيْد ﵁ قال: اشْتَرَيْتُ يومَ خَيْبَرَ قِلادَةً باثْنَيْ عَشَرَ دِينارًا، فيها ذَهَب وخَرَزٌ، ففصلْتُها، فوجدت فيها أكثرَ من اثْنَيْ عَشَرَ دِينارًا، فذكرتُ ذلك للنَّبيِّ ﷺ فقال: "لا تُباعُ حَتَّى تُفصَلَ".
"عن فَضَالةَ بن عُبيد أنه قال: اشتريتُ يومَ خيبرَ قلادةً باثني عَشَرَ دينارًا فيها ذهب وخَرَز، ففَصَلْتُها"؛ أي: مَيَّزْتُ الذهبَ من الخَرَز.
"ووجدتُها أكثَر من اثني عشر دينارًا، فذكرتُ للنبي ﵊ فقال: لا تُباع"؛ أي: القلادة.
"حتى تُفصَل"؛ أي: تُميَّز ما فيها من الخَرَز، فإذا مُيزَ ذهبُها يباعُ بالذهب متماثلًا.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٠٦١ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليَأْتِيَنَّ علَى النَّاسِ
стр. 1507
زَمانٌ لا يَبْقَى أَحَدٌ إلَاّ أكَلَ الرِّبا، فإنْ لم يَأكلْهُ أصابَهُ مِنْ بُخَارِه"، ويُروى: "مِنْ غُبَارِهِ".
من الحسان:
" عن أبي هريرة، عنه ﷺ أنه قال: ليأتينَّ على الناس زمانٌ لا يبقَى أحدٌ إلا أكل الرِّبا، فإنْ لم يأكله أصابَه مِن بُخَارِه، ويروى: من غُبَارِه"؛ يعني: يصِلُ إليه من إثمه بأن يكون شاهدًا في عَقْد الربا أو كاتبًا لقبالته، أو يأكل من ضيافةِ آكلي الربا أو مِن هَدِيَّتهِم مع علمه بأنه مالُ الربا.
* * *
٢٠٦٢ - وعن عُبادةَ بن الصَّامِتِ ﵁: أن رسولَ الله ﷺ قال: "لا تَبيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ، ولا الوَرِقَ بالوَرِقِ، ولا البُرَّ بالبُرِّ، ولا الشَّعِيرَ بالشَّعِيرِ، ولا التَّمْرَ بالتَّمْرِ، ولا المِلْحَ بالمِلْح إلَاّ سَواءً بسَواءٍ, عَيْنًا بعَيْنٍ، يدًا بيدٍ، ولكِنْ بيعُوا الذَّهَبَ بالوَرِقِ، والوَرقَ بالذَّهَبِ، والبُرَّ بالشَّعِيرِ، والشَّعِيرِ بِالبُرِّ، والتَّمْرَ بالمِلْح، والمِلْحَ بالتَّمْرِ، يدًا بيَدٍ كيفَ شِئتمْ".
"وعن عُبادةَ بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: لا تَبِيعوا الذهبَ بالذهب، ولا الوَرِقَ بالوَرِق، ولا البُرَّ بالبُرِّ، ولا الشَّعِير بالشعير، ولا التَّمْرَ بالتمر، ولا المِلْح بالملح، إلا سواءً بسواء"؛ أي: مِثْلًا بمِثْل.
"عينًا بعين"؛ أي: حاضرًا بحاضر.
"يدًا بيد"، تأكيد لقوله: (عينًا بعين) من حيثُ المعنى؛ أي: ليكن قَبْضُ العِوَضَين في المجلس.
"ولكن بِيعوا الذهبَ بالوَرِق، والوَرِقَ بالذَّهب، والبُرَّ بالشعير، والشَّعيرَ بالبُرِّ، والتمر بالمِلْح، والمِلْح بالتمر يدًا بيد كيف شئتم"؛ أي: يجوز التفاضُلُ
стр. 1508
بين العِوَضَين إذا اختلفَ جِنْساهما مع التقابُض في المجلس.
* * *
٢٠٦٣ - عن سعدِ بن أبي وقَّاصٍ ﵁ أنه قال: سمعتُ رسُولَ الله ﷺ سُئلَ عنْ شِرَاءِ التمْرِ بالرُّطَبِ، فقال: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذا جَفَّ؟ "، فقال: نعم، فنهاهُ عنْ ذلكَ.
"عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ سُئِلَ عن شراء التَّمْر بالرُّطَب؟ فقال" ﷺ : "أينقصُ الرُّطَبُ إذا يَبِس؟ ": استفهام على سبيل التقرير.
"فقال: نعمَ، فنهاه عن ذلك": لأنهما ليسا متماثِلَين.
* * *
٢٠٦٤ - وروى سعيدُ بن المُسَيب مُرْسلًا: أن النَّبيَّ ﷺ نهى عنْ بَيع اللحم بالحَيَوانِ. قال سعيدٌ: كانَ مِنْ مَيْسِرِ أهْلِ الجَاهِليَّةِ.
"وروى سعيدُ بن المُسَيَّب مرسَلًا أن النبيَّ ﵊: نهى عن بيع اللَّحْم بالحيوان، قال سعيد: كان مِن مَيْسرِ أهلِ الجاهلية"؛ أي: مِن فِعْلِهم، كانوا يُعطُون قطعةَ لحم بحيوان، والمَيْسِر في الأصل: القِمَار.
وبهذا قال الشافعي ومالك وأحمد: لا يجوزُ بيع اللحمِ بالحيوان سواءٌ كان ذلك الحيوان مأكولًا أو لا، أو من جنس ذلك اللحم أو لا، وعندنا يجوزُ مطلَقًا.
* * *
٢٠٦٥ - عن الحسنِ عن سَمُرَة ﵄ أن النَّبيَّ ﷺ نهى عن بَيعِ
стр. 1509
الحَيَوانِ بالحَيَوانِ نسَيئَةً".
"عن الحسن، عن سَمُرَة: أن النبي ﵊ نهى عن بَيعِ الحيوان بالحيوان نسَيئةً".
قال الخَطَّابي: تأويلُه أن يكون كلٌّ من الحيوانيَنِ نسِيئةَ كقوله: بِعتُ منك فرسًا صفتُه كذا بفرسٍ أو جملٍ صفتُه كذا، فلا يجوزُ هذا البيعُ؛ لأنه بيعُ الدَّيْن بالدَّيْنِ، ويعني به ما يكون في الذِّمَّة، أما لو كان أحدهما حاضرًا والآخر في الذمة فيجوز عند الشافعي سواءٌ كانا من جنس واحد أو لا.
وعند مالك: إن اختلفَ جنساهما جازَ، وإن اتفقَ لم يَجُزْ مطلَقًا، وعندنا لا يجوزُ مُطْلَقًا.
* * *
٢٠٦٦ - وعن عبدِ الله بن عمرِو بن العاص ﵄: أن النَّبيَّ ﷺ أمرَهُ أنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا فَنَفَدَتِ الإبلُ، فأمَرَهُ أنْ ياْخُذَ على قَلائِصِ الصَّدَقَةِ، فكانَ يأْخُذَ البعيرَ بالبعيرَيْنِ إلى إبلِ الصَّدَقَةِ.
"وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن النبيَّ ﵊ أَمرَه أن يجهِّزَ جيشًا"؛ أي: يهيئ أسبابَهم من المراكب والسلاح.
"فنَفَدَتِ الإبلُ"؛ أي: فنيتْ ولم يبقَ لبعضهم مركوبٌ.
"فأمرَه"؛ أي: النبي ﵊ عبدَ الله بن عمرو.
"أن يأخذَ على قلائصِ الصدقة"، جمع قَلُوص وهي الفتيُّ من الإبل؛ أي: يستقرِض عددًا من الإبل حتى يتمَّ جَهَازُ ذلك الجيش ليردَّ بدلَها من إبل الزكاة.
"وكان"، أي: عبد الله بن عمرو.
стр. 1510
"يأخذُ البعيرَ بالبعيرين"، مؤجَّلًا "إلى" أوانِ أَخْذِ "إبلِ الصَّدَقة"، وكان ذلك معلومًا عندهم، وهذا يدلُّ على جواز سَلَم الحيوان به، ولو من جنسه متفاضلًا، وبه قال الشافعيُّ وأحمد.
* * *
٥ - باب المنهي عنها من البيوع
(باب المنهيِّ عنها من البيوع)
جمع على إرادة الأنواع، وهي على قسمين:
أحدهما: ما يدلُّ على فساد العَقْد، وهو كل ما نهي عنه لخللٍ في نفس العَقْد.
والثاني: ما نهي عنه لمجاورةِ ضرر إياه دون خَلَلٍ فيه.
* * *
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٠٦٧ - عن ابن عُمَرَ قال: نهى رسولُ الله ﷺ عن المُزَابنةِ: أَنْ يَبيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إن كان نَخْلًا بِتَمْرٍ كَيلًا، وَإِنْ كان كَرْمًا أَنْ يَبيعَهُ بِزَبيبٍ كَيْلًا، وإنْ كان زَرْعًا أَنْ يَبيعَهُ بِكَيْلِ طَعَام، نهى عن ذلك كلِّهِ.
ويُروى: المُزَابنةُ أَنْ يُبَاعَ ما في رؤوسِ النَّخْلِ بِتَمْرٍ بِكَيْلٍ مُسَمَّى إن زَادَ فَلِي وإنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ.