٢٠٥٩ - قال جابرٌ ﵁: نهى رسُولُ الله ﷺ عن بَيع الصُّبْرَةِ مِنَ التَّمْرِ لا يُعْلَمُ مكِيلتها بالكَيْلِ المُسمَّى مِنَ التَّمْرِ.
"وقال جابرٌ: نهى رسولُ الله ﷺ عن بيع الصُّبْرة من التمر لا يُعلَم مكِيلتها"؛ أي: مقدارها.
"بالكَيْل المسمَّى"؛ أي: المعلوم صفة الكيل.
"من التَّمْر": حال منه، يعني: نهى عن بيع الصُّبْرة المجهولةِ مَكِيلَتُها بالصَّبْرة المعلومة مَكِيلَتُها من جنس واحد.
* * *
٢٠٦٠ - عن فَضَالَةَ بن عُبَيْد ﵁ قال: اشْتَرَيْتُ يومَ خَيْبَرَ قِلادَةً باثْنَيْ عَشَرَ دِينارًا، فيها ذَهَب وخَرَزٌ، ففصلْتُها، فوجدت فيها أكثرَ من اثْنَيْ عَشَرَ دِينارًا، فذكرتُ ذلك للنَّبيِّ ﷺ فقال: "لا تُباعُ حَتَّى تُفصَلَ".
"عن فَضَالةَ بن عُبيد أنه قال: اشتريتُ يومَ خيبرَ قلادةً باثني عَشَرَ دينارًا فيها ذهب وخَرَز، ففَصَلْتُها"؛ أي: مَيَّزْتُ الذهبَ من الخَرَز.
"ووجدتُها أكثَر من اثني عشر دينارًا، فذكرتُ للنبي ﵊ فقال: لا تُباع"؛ أي: القلادة.
"حتى تُفصَل"؛ أي: تُميَّز ما فيها من الخَرَز، فإذا مُيزَ ذهبُها يباعُ بالذهب متماثلًا.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٠٦١ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ليَأْتِيَنَّ علَى النَّاسِ
стр. 1507
زَمانٌ لا يَبْقَى أَحَدٌ إلَاّ أكَلَ الرِّبا، فإنْ لم يَأكلْهُ أصابَهُ مِنْ بُخَارِه"، ويُروى: "مِنْ غُبَارِهِ".
من الحسان:
" عن أبي هريرة، عنه ﷺ أنه قال: ليأتينَّ على الناس زمانٌ لا يبقَى أحدٌ إلا أكل الرِّبا، فإنْ لم يأكله أصابَه مِن بُخَارِه، ويروى: من غُبَارِه"؛ يعني: يصِلُ إليه من إثمه بأن يكون شاهدًا في عَقْد الربا أو كاتبًا لقبالته، أو يأكل من ضيافةِ آكلي الربا أو مِن هَدِيَّتهِم مع علمه بأنه مالُ الربا.
* * *
٢٠٦٢ - وعن عُبادةَ بن الصَّامِتِ ﵁: أن رسولَ الله ﷺ قال: "لا تَبيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ، ولا الوَرِقَ بالوَرِقِ، ولا البُرَّ بالبُرِّ، ولا الشَّعِيرَ بالشَّعِيرِ، ولا التَّمْرَ بالتَّمْرِ، ولا المِلْحَ بالمِلْح إلَاّ سَواءً بسَواءٍ, عَيْنًا بعَيْنٍ، يدًا بيدٍ، ولكِنْ بيعُوا الذَّهَبَ بالوَرِقِ، والوَرقَ بالذَّهَبِ، والبُرَّ بالشَّعِيرِ، والشَّعِيرِ بِالبُرِّ، والتَّمْرَ بالمِلْح، والمِلْحَ بالتَّمْرِ، يدًا بيَدٍ كيفَ شِئتمْ".
"وعن عُبادةَ بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: لا تَبِيعوا الذهبَ بالذهب، ولا الوَرِقَ بالوَرِق، ولا البُرَّ بالبُرِّ، ولا الشَّعِير بالشعير، ولا التَّمْرَ بالتمر، ولا المِلْح بالملح، إلا سواءً بسواء"؛ أي: مِثْلًا بمِثْل.
"عينًا بعين"؛ أي: حاضرًا بحاضر.
"يدًا بيد"، تأكيد لقوله: (عينًا بعين) من حيثُ المعنى؛ أي: ليكن قَبْضُ العِوَضَين في المجلس.
"ولكن بِيعوا الذهبَ بالوَرِق، والوَرِقَ بالذَّهب، والبُرَّ بالشعير، والشَّعيرَ بالبُرِّ، والتمر بالمِلْح، والمِلْح بالتمر يدًا بيد كيف شئتم"؛ أي: يجوز التفاضُلُ
стр. 1508
بين العِوَضَين إذا اختلفَ جِنْساهما مع التقابُض في المجلس.
* * *
٢٠٦٣ - عن سعدِ بن أبي وقَّاصٍ ﵁ أنه قال: سمعتُ رسُولَ الله ﷺ سُئلَ عنْ شِرَاءِ التمْرِ بالرُّطَبِ، فقال: "أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إذا جَفَّ؟ "، فقال: نعم، فنهاهُ عنْ ذلكَ.
"عن سعد بن أبي وقاص أنه قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ سُئِلَ عن شراء التَّمْر بالرُّطَب؟ فقال" ﷺ : "أينقصُ الرُّطَبُ إذا يَبِس؟ ": استفهام على سبيل التقرير.
"فقال: نعمَ، فنهاه عن ذلك": لأنهما ليسا متماثِلَين.
* * *
٢٠٦٤ - وروى سعيدُ بن المُسَيب مُرْسلًا: أن النَّبيَّ ﷺ نهى عنْ بَيع اللحم بالحَيَوانِ. قال سعيدٌ: كانَ مِنْ مَيْسِرِ أهْلِ الجَاهِليَّةِ.
"وروى سعيدُ بن المُسَيَّب مرسَلًا أن النبيَّ ﵊: نهى عن بيع اللَّحْم بالحيوان، قال سعيد: كان مِن مَيْسرِ أهلِ الجاهلية"؛ أي: مِن فِعْلِهم، كانوا يُعطُون قطعةَ لحم بحيوان، والمَيْسِر في الأصل: القِمَار.
وبهذا قال الشافعي ومالك وأحمد: لا يجوزُ بيع اللحمِ بالحيوان سواءٌ كان ذلك الحيوان مأكولًا أو لا، أو من جنس ذلك اللحم أو لا، وعندنا يجوزُ مطلَقًا.
* * *
٢٠٦٥ - عن الحسنِ عن سَمُرَة ﵄ أن النَّبيَّ ﷺ نهى عن بَيعِ
стр. 1509
الحَيَوانِ بالحَيَوانِ نسَيئَةً".
"عن الحسن، عن سَمُرَة: أن النبي ﵊ نهى عن بَيعِ الحيوان بالحيوان نسَيئةً".
قال الخَطَّابي: تأويلُه أن يكون كلٌّ من الحيوانيَنِ نسِيئةَ كقوله: بِعتُ منك فرسًا صفتُه كذا بفرسٍ أو جملٍ صفتُه كذا، فلا يجوزُ هذا البيعُ؛ لأنه بيعُ الدَّيْن بالدَّيْنِ، ويعني به ما يكون في الذِّمَّة، أما لو كان أحدهما حاضرًا والآخر في الذمة فيجوز عند الشافعي سواءٌ كانا من جنس واحد أو لا.
وعند مالك: إن اختلفَ جنساهما جازَ، وإن اتفقَ لم يَجُزْ مطلَقًا، وعندنا لا يجوزُ مُطْلَقًا.
* * *
٢٠٦٦ - وعن عبدِ الله بن عمرِو بن العاص ﵄: أن النَّبيَّ ﷺ أمرَهُ أنْ يُجَهِّزَ جَيْشًا فَنَفَدَتِ الإبلُ، فأمَرَهُ أنْ ياْخُذَ على قَلائِصِ الصَّدَقَةِ، فكانَ يأْخُذَ البعيرَ بالبعيرَيْنِ إلى إبلِ الصَّدَقَةِ.
"وعن عبد الله بن عمرو بن العاص: أن النبيَّ ﵊ أَمرَه أن يجهِّزَ جيشًا"؛ أي: يهيئ أسبابَهم من المراكب والسلاح.
"فنَفَدَتِ الإبلُ"؛ أي: فنيتْ ولم يبقَ لبعضهم مركوبٌ.
"فأمرَه"؛ أي: النبي ﵊ عبدَ الله بن عمرو.
"أن يأخذَ على قلائصِ الصدقة"، جمع قَلُوص وهي الفتيُّ من الإبل؛ أي: يستقرِض عددًا من الإبل حتى يتمَّ جَهَازُ ذلك الجيش ليردَّ بدلَها من إبل الزكاة.
"وكان"، أي: عبد الله بن عمرو.
стр. 1510
"يأخذُ البعيرَ بالبعيرين"، مؤجَّلًا "إلى" أوانِ أَخْذِ "إبلِ الصَّدَقة"، وكان ذلك معلومًا عندهم، وهذا يدلُّ على جواز سَلَم الحيوان به، ولو من جنسه متفاضلًا، وبه قال الشافعيُّ وأحمد.
* * *
٥ - باب المنهي عنها من البيوع
(باب المنهيِّ عنها من البيوع)
جمع على إرادة الأنواع، وهي على قسمين:
أحدهما: ما يدلُّ على فساد العَقْد، وهو كل ما نهي عنه لخللٍ في نفس العَقْد.
والثاني: ما نهي عنه لمجاورةِ ضرر إياه دون خَلَلٍ فيه.
* * *
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٠٦٧ - عن ابن عُمَرَ قال: نهى رسولُ الله ﷺ عن المُزَابنةِ: أَنْ يَبيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ إن كان نَخْلًا بِتَمْرٍ كَيلًا، وَإِنْ كان كَرْمًا أَنْ يَبيعَهُ بِزَبيبٍ كَيْلًا، وإنْ كان زَرْعًا أَنْ يَبيعَهُ بِكَيْلِ طَعَام، نهى عن ذلك كلِّهِ.
ويُروى: المُزَابنةُ أَنْ يُبَاعَ ما في رؤوسِ النَّخْلِ بِتَمْرٍ بِكَيْلٍ مُسَمَّى إن زَادَ فَلِي وإنْ نَقَصَ فَعَلَيَّ.
стр. 1511
"من الصحاح": " عن ابن عمرَ أنه قال: نهى رسولُ الله عن المزابنة"؛ وهو: "أن يبيعَ تمرَ حائِطه"؛ أي: بستانه "إنْ كانَ نخلًا بتمرٍ كَيْلًا، وإن كانَ كَرْمًا أن يبيعَه بزبيبٍ كيلًا، وإنْ كانَ زَرعًا أن يبيعَه بكيلِ طعامٍ"؛ أي: من الحنطة.
وأصلُها من الزَّبن وهو الدَّفْع؛ لأن أحدَ المتبايعَين إذا غُبن أراد فسخَ العقد، والآخرُ إمضاءَه، فتزابنا؛ أي: تدافعَا فكأنَّ كلًا منهما يدفعُ صاحبَه عن حقِّه بالزيادة.
"نهى عن ذلك كله"؛ لأن ما عليه يقدِرُ خرصًا وهو حَدْس وظنٌّ لا يؤمَنُ فيه مِن التفاوت.
"ويروى: المزابنة: أن يباعَ ما في رؤوس النخلِ بتمرٍ بكيلٍ مسمَّى، إنْ زاد فلي، وإنْ نقصَ فعلَيَّ".
* * *
٢٠٦٨ - عن جابرٍ ﵁ قال: نهى رسُولُ الله ﷺ عَنِ المُخابَرةِ والمُحاقَلَةِ والمُزابنةِ، فالمُحاقَلةُ: أَنْ يَبيعَ الرَّجُلُ الزَّرْعَ بمائَةِ فَرْقٍ حِنْطَةٍ، والمُزَابنةُ: أَنْ يَبيعَ التَّمرَ في رؤُوسِ النَّخْلِ بمائَةِ فَرَقٍ، والمُخابَرَةُ: كِراءُ الأرضِ بالثّلُثِ والرُّبعِ.
"عن جابر أنه قال: نهى رسولُ الله ﷺ عن المخابرة والمحاقَلَة والمزابنة، فالمحاقَلَة أن يبيعَ الرجلُ الزرعَ" بعد اشتداد الحَبَّ.
"بمئة فَرْقُ حِنْطَة": والفَرْق - بسكون الراء وفتحها -: مكيالٌ بالمدينة يسع ستةَ عشرَ رَطْلًا، والتقييد بالمئة للتَّمثيل وإنما نهى لأن الحنطةَ اليابسةَ بالحنطةِ
стр. 1512
القائمةِ على الزرعِ لا يُعرَفُ يقينا أنهما متماثِلان.
"والمزابنةُ أن يبيعَ التمرَ في رؤوس النخلِ بمئة فَرْق" تمرًا، وهذا لأنَّه بعد جفاف الرُّطَب لا يعرَف التماثُل أيضًا.
"والمخابرةُ كِراءُ الأرضِ بالثلثِ أو الربع"؛ يعني: هو أن يعطيَ الرجلُ أرضَه إلى غيرِه ليزرعَها، والبذْر من الزَّارع ليأخذَ صاحبُ الأرضِ بكِرى أرضه ربعَ الغَلَّة أو ثلثها، وما أشبَه ذلك، مشقة من الجُزْء من الخُبرة - بالضم - وهي النصيب، وإنما فسدَ لجهالةِ الأجرة، أو لكونها معدومةً.
* * *
٢٠٦٩ - وعن جابرٍ ﵁ قال: نهى رسولُ الله ﷺ عن المحاقلةِ والمُزابنةِ والمُخابَرَةِ والمُعاوَمَةِ وعَنِ الثُّنْيَا، ورخَّصَ في العَرَايا.
"عن جابِرِ أنه قال: نهى رسولُ الله عن المحاقَلَة والمزابنة والمخابرة والمعاوَمة"، مفاعلة من العام، وهو أن يبيعَ ثمرةَ بستانِه سنةً قبل أن تظهرَ ثمارُه، وقيل: أن يَبيعه بالسنتين أو ثلاثًا فصاعدًا، وهذا فاسد لأنه بيعُ ما لم يُخلَق.
"وعن الثُّنْيا" - بضم الثاء وسكون النون -: اسمٌ من الاستثناء، وهو أن يَبيعَ ثمرةَ حائطه ويستثنيَ منه جزءًا غيرَ معلومِ القدرِ، فيفسدُ لجهالةِ المَبيع باستثناء غيرِ المعلوم منه.
"ورخصَ في العَرَايا": جمع عَرِيَّة، فسَّرها الأكثرون ببيع الرّطَب والعنبِ على الشجر بالتمر والزبيبِ على وجه الأرض خَرْصًا بتقدير الجفاف بقدْرٍ معلومٍ، فهذا جائز، وبه قال الشافعي.
وذلك لِمَا روي: أن فقراءَ المدينةِ جاؤوا إلى رسولِ الله صلى الله تعالى عليه وسلم وقالوا: يا رسولَ الله قد نهيتَ عن بيعِ الرطَب بالتمر، وليس عندنا
стр. 1513
الذهبُ والفِضَّة فنشتري به الرطبَ، ونشتهيه، فرخَّصَ لهم في ذلك.
* * *
٢٠٧٠ - وعن سهلِ بن أبي حَثْمَةَ ﵁ قال: نهى رسُولُ الله ﷺ عَنْ بَيع التَّمرِ بالتَّمْرِ، إلَاّ أنَّهُ رَخَّصَ في العَرِيَّةِ أَنْ تُباعَ بِخَرْصها تَمْرًا يأكُلُها أهلُها رُطَبًا.
"وعن سهلِ بن أبي حَثْمَة أنه قال: نهى رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن بيع التمرِ بالتمر إلا أنه رَخَّص في العَرِيَّة أن تُباع بخَرْصِها"؛ أي: بقدْرها.
"تمرًا يأكلُها أهلُها"؛ أي: أهل العَرِيَّة وهم مُلَاّكها القديمة.
"رُطَبًا"، سُمِّيت عَرِيَّةً؛ لأنها عَرِيَتْ عن جملةِ التحريم؛ أي: خرجَتْ عنه، فعيلة بمعنى فاعلة.
* * *
٢٠٧١ - وعن أبي هريرةَ ﵁ "أن رسولَ الله ﷺ أَرْخَصَ في بيعِ العَرايا بخَرْصِها من التَّمْرِ فيما دُونَ خَمْسَةِ أوسقٍ، أوْ في خَمْسةِ أوسقٍ، شكَّ داوُدُ".
"وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنه صلى الله تعالى عليه وسلم رخَّصَ في بيعِ العَرايا بخَرْصها من التمر فيما دون خمسة أَوْسُق"، الوَسْق: ستون صاعًا كلُّ صاعٍ أربعةُ أمداد، يحتملُ أن تكون هذه لقومِ بلغَ مقدارُ خَرْصِهم في العَرِيَّة هذا المقدار.
"أو في خمسة أَوْسُق، شكَّ داود" في أنه سمعَ خمسةَ أوسُق، أو دون خَمسةِ أَوْسُق، قيل: هو داود بن قيس، وقيل: داود بن أبي هند، وقيل: داود بن الحصين، وهو يَروي عن أبي سفيان مولى ابن أحمدَ عن أبي هريرة.
стр. 1514
٢٠٧٢ - عن عبدِ الله بن عمرَ ﵄: "نهى رسُولُ الله ﷺ عَنْ بَيع الثِّمارِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُها، نهى البائِعَ والمُشْتَرِي" ويروى: "نهى عَنْ بَيع النَّخْلِ حتَّى تَزْهُوَ، وعَنِ السُّنْبُلِ حتَّى يَبْيَضَّ ويأمَنَ العاهَةَ".
"وعن عبدِ الله بن عمر ﵁ أنه قال: نهى رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن بيعِ الثمارِ حتى يبدوَ صلاحُها"، وبهذا منعَ الشافعيُّ بيعَ الثمارِ قبلَ ظهور الصلاحِ؛ أي: قبلَ الانتفاعِ بها؛ لأنها لا يؤمَن هلاكُها بورود آفة عليها لصغرِها وضعفِها، وإذا تلفت لم يبقَ للمشتري في مقابلة الثمنِ شيءٌ.
"نهى البائعَ" عن هذا البيع كي لا يكونَ أخذ مال المشتري لا بمقابلةِ شيءٍ مُسَلَّم.
"والمشتريَ" عن هذا الشّرَى كي لا يتلفَ ثمنه بتقدير تلفِ الثمار.
"ويروى: نهى عن بيع النخل حتى تزهوَ"؛ أي: تحمَرَّ، وذلك أمارة الصلاح فيها، ودليلُ خلاصها.
"وعن السنبل حتى يبيضَّ"؛ أي: اشتدَّ حبُّه.
"ويأمن العاهةَ"؛ أي: الآفةَ، وهذا يدلُّ على جوازِ بيعِ الحبِّ في سنبلهِ إذا اشتدَّ، وبه قلنا، ومالك بن أنس تشبيهًا بالجَوز واللَّوز: يباعان في قشريهما.
وقال الشافعي: لا يجوزُ؛ للنهيِ عن الغرر.
* * *
٢٠٧٣ - وعن أنسٍ ﵁ قال: "نهى رسُولُ الله ﷺ عنْ بَيع الثِّمارِ حتَّى تُزْهِيَ. قيل: وما تُزْهِي؟ قال: حتَّى تحمَرَّ. قال: أَرَأَيْتَ إذا منعَ الله الثَّمَرَةَ بِمَ يَأْخُذُ أحدكم مالَ أَخِيهِ؟ ".
"وعن أنس ﵁ أنه قال: نهى رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن
стр. 1515
بيع الثمارِ حتى تُزْهيَ قيل: وما تُزْهِي؛"، يجوز أن يكونَ حكايةَ قولِ الرسول ﵊؛ أي: ما معنى قولك حتى تُزْهي.
"قال: حتى يحمرَّ، قال"؛ أي: النبيُّ ﵊: "أرأيتَ"؛ أي: أخبرني: "إذا منعَ الله الثمرةَ": بإرسال الآفةِ، وتَلَفِتْ.
"بم يأخذ أحدكم مال أخيه؛": استفهام للإنكار؛ أي: كيف يجوز له ذلك ولم يحصل للمشتري بمقابلة الثمن نفعٌ؟
* * *
٢٠٧٤ - وعن جابرٍ ﵁ قال: "نَهى رسُولُ الله ﷺ عَنْ بَيع السِّنِينَ، وأمَرَ بوَضْعِ الجَوَائِحِ".
"عن جابر ﵁: نهى رسولُ الله ﷺ عن بيعِ السِّنين"؛ أي: عن بيع ثمار السنين وهي المُعَاوَمة.
"وأمر بوضع الجوائح" جمع جائحة وهي الآفة المستأصلة تُصيب الثمار ونحوها فتهلكها؛ أي: أمرَ بأن يترك البائع ثمنَ ما تلف، وهذا أمرُ ندبٍ عند الأكثر؛ لأن ما أصاب المبيعَ بعد القبض فهو من ضمان المشتري.
وعن مالك: إن كانت الجائحةُ دونَ الثلثِ فهو من مال المشتري، وإلا فَمِنْ مال البائع، وعنه أيضًا: تركُ ثلُثِ الثمن.
قال الطحاوي: هذا في الأراضي الخَرَاجية، وحكمُها إلى الإمام بوضع الجوائح عنهم لِمَا فيه من مصالح المسلمين ببقاء العمارة.
стр. 1516
٢٠٧٥ - وعن جابرٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَوْ بعْتَ مِنْ أَخِيكَ ثَمرًا فأصابَتْهُ جائِحَة فلا يَحِلُّ لكَ أَنْ تأخُذَ مِنْهُ شَيئًا، بمَ تأخُذُ مالَ أَخِيكَ بغَيرِ حَقّ؟ ".
"وعنه: قال رسول الله ﷺ : لو بعتَ من أخيكَ ثَمَرًا فأصابته جائحة فلا يَحِلُّ لك أنْ تأخذَ منه شيئًا" يُحمل على ما إذا لم يَقْبضِ المُشتري الثِّمار، وعلى تقدير قبضه: يؤوَّل على التهديد، أو معناه: لا يحِلُّ في الورع والتقوى.
"بم تأخذ مال أخيك بغير حق".
* * *
٢٠٧٦ - وعن ابن عمرَ ﵄ أنَّه قال: "كانُوا يَبْتَاعُونَ الطَّعامَ في أعلَى السُّوقِ فَيَبيعُونه في مكانِهِ، فَنهاهُمْ رسُولُ الله ﷺ أَنْ يَبيعُوهُ في مكانِهِ حتَّى يَنْقُلُوه".
"عن ابن عمر ﵄ قال: كانوا يبتاعون (١) "؛ أي: يشترون الطعام "في أعلى السوق"؛ أي: في الناحية العليا منها، "فيبيعونه"؛ أي: ذلك الطعام، الفاء للتعقيب (٢)، "في مكانه، فنهاهم رسولُ الله ﷺ أنْ يبيعوه"؛ أي: عن أن يبيعوا ذلك الطعام "في مكانه حتى ينقلوه" يدلُّ على أن قبض المنقول بالنقل والتحويل من موضع إلى موضعٍ آخر.
* * *
٢٠٧٧ - وقال: قال رسول الله ﷺ "مَنِ ابتَاعَ طَعامًا فلا يَبعْهُ حَتَّى
стр. 1517
يَسْتَوْفيه" ويُروى: "حَتَّى يَكْتَالَه".
"وقال رسول الله ﷺ : منِ ابتاعَ طعامًا"؛ أي: اشتراه "فلا يبعه حتى يستوفيه"؛ أي: يقبضه، "ويروى: حتى يكتالَه"؛ أي: يأخذه بالكَيل.
* * *
٢٠٧٨ - وقال ابن عبَّاسٍ ﵁: "أمَّا الذِي نهَى عَنْهُ رسولُ الله ﷺ فهو الطَّعامُ أنْ يُباعَ حتَّى يُقْبَضَ. ولا أَحْسِبُ كُلَّ شَيءٍ إلَاّ مِثلَهُ".
"وقال ابن عباس: أمَّا الذي نهى عنه النبئ ﵊ فهو الطعام أن يُباع"؛ أي: عن أن يباع، "حتى يُقبض، ولا أحسب"؛ أي: لا أظن "كل شيء إلا مثله"؛ أي: مثل الطعام في أنَّه لا يجوزُ للمشتري أن يبيعَه حتى يَقْبضَه، والأظهر أنه من قول ابن عباس.
* * *
٢٠٧٩ - وعن أبي هريرةَ ﵁ أن النبيَّ ﷺ قال: "لا تلَقَّوْا الرُّكبانَ لِبَيعٍ، ولا يَبعْ بعضُكُمْ على بَيْعِ بعضٍ، ولا تناجَشُوا ولا يَبعْ حاضر لبادٍ، ولا تُصَرُّوا الإبلَ والغَنَمَ، فَمَنِ ابْتَاعَهَا بعدَ ذلكَ فهوَ بخَيْرِ النَّظَرَيْن بعدَ أَنْ يَحْلُبَها، إنْ رَضيَهَا أَمْسَكَها، وإنْ سَخِطَهَا رَدَّها وصاعًا مِنْ التَّمرِ".
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسولَ الله ﵊ قال: لا تَلقَّوا الرُّكبان لبيع"؛ يعني: إذا وقع الخبرُ بقدوم عَيرٍ بمتاع فلا تستقبلوهم لتشتروا من مَتاعهم بأرخصَ قبلَ أن يقدُموا السُّوقَ ويعرفوا سعرَ البلد، نهى عنه للخَديعة والضَّرر.
"ولا يبيع بعضُكم على بيع بعض" وهو أن يقول لمن اشترى شيئًا بالخيار:
стр. 1518
افسخْ هذا البيعَ وأنا أبيعُك مثلَه بأرخصَ مِنْ ثمنِه، أو أجودَ منه بثمنه.
قيل: النهيُ مخصوصٌ بما إذا لم يكن فيه غُبن، فإذا كان فله أن يدعوه إلى الفَسخ ليبيعَ منه بأرخصَ دفعًا للضَّرر عنه.
"ولا تناجشوا" بحذف أحد التاءين، من النَّجْش وهو رفع قيمةِ السِّلعة من غير رغبة فيها لخدع المشتري، وترغيبه، ونفعِ صاحبها.
"ولا يبعْ حاضرٌ" أراد به مَنْ كان [من] أهل البلد "لباد" أراد به مَنْ كان من أهل البادية، كما إذا جاء البدويُّ بالطعام إلى البلد ليبيعَه بسعرِ يومِه ويرجع فيتوكَّل البلديُّ عنه ليبيعه بالسعر الغالي على التدريج، وهي حرامٌ عند الشافعيِّ، ومكروه عند أبي حنيفة، وإنما نهى عنه لأنَّ فيه سدَّ أبوابِ المرافق على ذوي البَياعات.
"ولا تُصرُّوا الإبل والغنم" من التَّصْرية وهو أن يَشُدَّ الضَّرع قبل البيع أيامًا ليظنَّ المشتري أنه لَبون فيزيد في الثمن، ومعنى النهي الخِداع.
"فمن ابتاعها"؛ أي: اشتراها "بعد ذلك" التصرية "فهو بخير النَّظَرين"؛ أي (١): من الإمساك والرَّد "بعد أن يَحْلِبها إنْ رَضيَها أمسكَها وإنْ سَخِطَها"؛ أي: لم يرضَ بها "ردَّها وصاعًا مِنْ تمر" عوضًا من اللَّبن، وبه قال الشافعيُّ وأحمد.
* * *
٢٠٨٠ - ورُوِيَ: "مَنِ اشْتَرى شاةً مُصَرَّاةً فهوَ بالخِيارِ ثلاثةَ إيامٍ، فإِنْ رَدَّهَا ردَّ مَعَها صاعًا مِنْ طَعامٍ لا سَمْرَاءَ".
стр. 1519
"ويروى: مَنِ اشْترى شاةً مُصَرَّاةً فهو بالخيار ثلاثةَ أيام" وبهذا قيل: خيار التَّصْرية يتقدَّر بالثلاثة حتى لو عَلِمَ قبل مُضي الثلاثة فله الخيار إلى تَمامها؛ لأنَّ الوقوفَ عليها قلَّما يكون في أقلَّ منها، إذِ النقصانُ في مُدَّتها قد يكون من اختلاف اليد وتبدُّل المكان.
وقيل: لا تأخيرَ له بعد العلم بالتصرية، فإن أخر يسقطُ الرَّد وهو القياس؛ لأنه خيارُ العيبِ، والتقديرُ بالثلاثة على الغالب.
"فإنْ ردَّها ردَّ معها صاعًا من طعام"؛ أي من تمر "لا سمراء" وهي الحِنطة، فيه دليلٌ على أنه لا يجوزُ غير التمر وإنْ رضي به البائعُ، وإنما تعيَّن لأنَّ طعامهم كان هو التمر واللبن غالبًا، فأقام التَّمر مقامَ اللبن لذلك، وقيل: يجوزُ غيرُه برضا البائعِ، فكأنه استبدل عن حقّه.
* * *
٢٠٨١ - وقال: "لا تَلَقَّوُا الجَلَبَ، فَمَنْ تلقَّاهُ فَاشْتَرَى مِنْهُ، فإذا أتى سيدُهُ السُّوقَ فهوَ بالخِيَارِ".
"وعن أبي هريرةَ ﵁: قال رسول الله ﷺ : لا تلقَّوا الجَلَب" بفتحتين بمعنى المَجْلوب من الإبل والبقر والغنم والعبيد، يُجْلَب من بلد إلى بلد للتجارة.
"فمن تلقَّاه فاشترى منه، فإذا أتى سيدَه"؛ أي: صاحب الجَلَب "السوق"، واطلع على السعر "فهو بالخيار" في الاسترداد.
وفيه دليلٌ على صحة البيع، إذ الفاسدُ لا خيارَ فيه، أمَّا إذا كان سعرُه أعلى، أو كسعرِ البلد؛ ففيه وجهان: في وجهٍ يثبُتُ له الخيار لإطلاق الحديث، والأصحُّ أنه لا خيارَ له لعدم الغُبن.
стр. 1520
٢٠٨٢ - وعن ابن عمرَ ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تلَقَّوْا السِّلَعَ حَتَّى يُهبَطَ بها إلى السُّوقِ".
"وعن ابن عمرَ ﵁: قال رسولُ الله ﷺ : لا تلقَّوا السِّلَع" جمع سِلعة وهي المَتَاع.
"حتى يُهْبَط" على صيغة المجهول؛ أي: يُنْزَل بها "إلى السوق" والباء للتعدية؛ أي: حتى يُسْقِطها عن ظهر الدوابِّ في السوق.
* * *
٢٠٨٣ - وقال "لا يَبعْ أحدُكُم على بَيع أخِيهِ، ولا يَخْطُبِ الرَّجُلُ على خِطْبةِ أخِيهِ حتَّى يترُكَ الخاطِبُ قبلَهُ أو ياْذَنَ لهُ الخاطِبُ".
"وعن ابن عمرَ ﵁: قال رسول الله ﷺ : لا يبيعُ أحدكم على بيع أخيه، ولا يخطِب الرجلُ على خِطْبة أخيه" وهي أن يَخْطِب الرجلُ امرأة وأجابت هي أو وليُّها= ليس لغيره أنْ يَخْطِبها.
"حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له لهُ الخاطِبُ" قيل: فيه دليلٌ على جواز الخطبة على خطبة الكافر؛ لقطعه - تعالى - الأخوةَ بين المسلم والكافر، وذهب الجمهور إلى منعه؛ حملًا للأخوة على الأعم وهو الأخوةُ من جهة كونهم من بني آدم.
* * *
٢٠٨٤ - وقال: "لا يَسُمِ الرَّجُلُ على سَوْمِ أخِيهِ المُسلم".
"وعن أبي هريرة ﵁: قال رسولُ الله ﷺ : لا يَسُمِ الرجلُ على سَوم أخيه المسلم" وهو أن يزيد في الثمن بعد تقرير البيع لإرادة الشراء، فهذا مكروهٌ
стр. 1521
ولكنَّ البيعَ صحيح.
* * *
٢٠٨٥ - وعن جابرٍ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَبيعُ حاضرٌ لبادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرْزُقُ الله بعضَهُم منْ بعضٍ".
"وعن جابرٍ ﵁: قال رسولُ الله ﷺ : لا يبيعُ حاضرٌ لبادٍ، دعُوا النَّاس"، أي: اتركوهم ليبيعوا متاعَهم رخيصًا "يرزق الله بعضهم من بعض".
* * *
٢٠٨٦ - وعن أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ قال: نهَى رسُولُ الله ﷺ عَنْ لِبْسَتَيْنِ وعنْ بَيْعَتَيْن، نهَى عَنِ المُلامَسَةِ والمُنابَذَةِ في البَيعِ، والمُلامَسَةُ لَمْسُ الرَّجُلِ ثَوْبَ الآخَرِ بيَدِه باللَّيل أو بالنهارِ ولا يُقَلِّبُهُ إلَاّ بذلِكَ، والمُنابَذَةُ أنْ يَنْبذَ الرَّجُلُ إلى الرَّجُلِ بثَوْبهِ وينبذَ الآخر ثَوْبَهُ، ويكُونَ ذلكَ بَيْعَهُما عنْ غير نَظَرٍ ولا تَراضٍ، واللِّبْسَتَيْنِ: اشْتِمالُ الصَّمَّاءِ، والصَّمَّاءُ أنْ يجعلَ ثوْبَهُ على أحَدِ عاتِقَيْهِ فيَبْدُوَ أحَدُ شِقَّيْهِ ليسَ عليهِ ثوبٌ، واللِّبْسَةُ الأُخرَى احتِباؤُهُ بثَوْبهِ وهو جالِس ليسَ على فرجِهِ منهُ شَيءٌ.
"عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: نهى رسولُ الله ﷺ عن لِبستين" أراد بهما لِبسةَ الصَّمَّاء ولِبسة الاحتِباء "وعن بيعتين" أراد بهما بيعَ الملامسةِ وبيعَ المنابذة.
"نهى عن الملامسة والمنابذة في البيع، والملامسةُ: لمسُ الرجلِ ثوبَ الآخر بيده بالليل أو بالنهار ولا يقلبه إلا بذلك" اللمسِ من غير أن يجريَ بينهما إيجابٌ وقَبول في اللفظ.
стр. 1522
"والمنابذة: أن ينبذَ الرجلُ إلى الرجل بثوبه" الباء زائدة؛ أي: يلقيه إليه "وينبذ الآخر بثوبه ويكون ذلك"؛ أي: تنبيذُ كلٍّ منهما ثوبَه إلى الآخر.
"بيعهما من غير نظر" بالبصر كل واحد ثوب الآخر، وقيل: بلا تأمّل، "ولا تراض" بالإيجاب والقَبول، وكان هذان من بُيوع الجاهلية، فنهى ﵊ عنهما لِمَا فيهما من الغرَّر وهو ما خَفِيَ عليك علمُه.
"واللِّبستين: اشتمال الصَّمَّاء، والصَّماء: أن يجعلَ ثوبَه على أحد عاتقيه فيبدو أحدُ شِقَّيه ليس عليه ثوبٌ، واللِّبسة الأخرى: اختباؤه بثوبه وهو جالس"، يقال: احتبى الرجل: إذا جمع ظهره وساقيه جالسًا على مَقْعده "ليس على فرجه منه شيء"، إنما نهى عنهما لكراهة التكشف وإبداء العَورة، وهذان من لبس أهل الجاهلية.
* * *
٢٠٨٧ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: نهَى رسُولُ الله ﷺ عَنْ بَيع الحَصاةِ وعَنْ بَيع الغَرَرِ.
"وعن أبي هريرة ﵁: نهى رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن بيع الحَصَاة" وهو أن يقول المشتري للبائع: إذا نبَذْتُ إليك الحَصَاةَ فقد وجبَ البيعُ، أو يقولُ البائعُ: بعتُكَ من السِّلَع ما تقعُ عليه حَصَاتُكَ إذا رَمَيتَ بها، أو مِنَ الأرض إلى حيثُ تنتهي حصاتُكَ، وهذا أيضًا من بُيوع الجاهلية.
"وعن بيع الغرر" وهو الخطرُ الذي لا يدري أيكون أم لا؛ كبيع الطَّير في الهواء، والسَّمك في الماء، والعبد الآبق، والغائب، والمجهول من الغِرة - بالكسر -: الغفلة، وقيل: من الغرور، فهذا كله فاسد للجهل بالمبيع والعجز عن تسليمه.
стр. 1523
٢٠٨٨ - وعن ابن عمرَ ﵄ قال: "نهَى رسُولُ الله ﷺ عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الحَبَلةِ، وكانَ بَيْعًا يتَبايَعُهُ أهلُ الجاهِليَّةِ، كانَ الرجُلُ يَبْتاعُ الجَزُورَ إلى أنْ تُنْتَجَ الناقةُ، ثمَّ تُنْتَجُ التي في بَطنِها".
"عن ابن عمر قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع حَبَلِ الحَبَلة" بالتحريك فيهما، مصدرٌ سُمِّي به المجهول كما سمِّي بالحَمْل، والتاء للمبالغة وللإشعار بالأنوثة؛ لأن معناه: أن يبيع ما سوف يحمله الجنين الذي في بطن الناقة على تقدير أن يكون أنثى، ونهى عنه لأنه غرر، وبيع شيء لم يُخْلَق بعدُ، وهو نِتاج النِّتاج، أو أنْ يبيعَ إلى أجل يَنتُج فيه الحملُ الذي في بطن الناقة.
"وكان بيعًا يتبايعه أهلُ الجاهلية؛ كان الرجلُ يَبتاع"؛ أي: يشتري "الجَزور" من الإبل، وهو يقعُ على الذَّكر والأنثى.
"إلى أن تنتج الناقة ثم تنتج التي في بطنها"؛ أي: ولد ولدِها، وهذا باطل لأنه مؤجَّل بمجهول.
* * *
٢٠٨٩ - وقال: نهَى رسُولُ الله ﷺ عن عَسْبِ الفَحْلِ.
"وعن ابن عمر: أنه قال: نهى رسولُ الله ﷺ عن عَسْب الفحل" وهو ضرَابُه، والمراد هنا: الكِراء المأخوذ على ضرابه على حذف المضاف؛ أي: عن كِراء عَسْب الفَحْل، نهى عنه للغَرر؛ لأنَّ الفحل قد يَضْرِب وقد لا يَضْرِب، وقد لا يلقّح الأنثى، وبهذا ذهبَ الأكثرُ إلى تحريمه.
* * *
٢٠٩٠ - وعن جابرٍ ﵁: نهَى رسُولُ الله ﷺ عنْ بَيْعِ ضرابِ الجَمَلِ،
стр. 1524
وعَنْ بَيْعِ الماءَ والأرضِ لِتُحْرَثَ.
"وعن جابرٍ ﵁ قال: نهى رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن بيع ضراب الجَمل" بكسر الضاد: نزوان الفحل على الأنثى.
"وعن بيع الماء والأرض لتُحرث" وهو أنْ يُعطي الرجلُ أرضَه والماء التي لتلك الأرضِ أحدًا ليكونَ منه الأرضُ والماء ومن الآخر البَذْر والحِراثة؛ ليأخذَ صاحبُ الأرضِ بعد الحاصل من الحُبوب وهو المُخَابرة.
* * *
٢٠٩١ - وقال: نهى رسُولُ الله ﷺ عَنْ بَيع فَضْلِ الماء.
"وعنه: أنه قال: نهى رسولُ الله ﷺ عن بيع فَضْلِ الماء"، والمراد بيعُه ممن أرادَ أن يَشْربَ أو يسقي دابَته، فأمَّا مَنْ أرادَ أن يَسْقِيَ زَرعًا فله البيعُ منه.
* * *
٢٠٩٢ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يُباعُ فَضْلُ الماءَ ليُباعَ بهِ الكَلأ".
"وعن أبي هريرة: قال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا يُباع فَضْلُ الماءَ ليُباع به الكَلأ" بالقصر والهمزة.
قال الخطابي: تأويله: أن رجلًا إذا حفر بئرًا في مَوات فيملكها بالإحياء فإذا جاء قوم لينزلوا في ذلك الموات ويرعوا نباتَها وليس هناك ماء إلا تلك البئر، فلا يجوز له أن يمنع أولئك القوم من شرب ذلك الماء؛ لأنه لو منعهم منه لا يُمكنهم رعيُ ذلك المَوات، فكأنَّه منعهم عنه، وذا لا يجوز، ولا يجوز له أخذُ الثمن من ذلك الماء؛ أي: لا يباع فضلُه ليصيرَ به كالبائع للكَلأ؛ لأن الواردَ
стр. 1525
حولَ ماءِ أحدٍ للرَّعي إذا منعه عن الورود إلا بعِوَضٍ اضطرَّ إلى شرائه، فيصيرُ كَمَن اشترى الكَلأ لأجل الماء.
وقيل: معناه: لا يُباع فضلُ الماء فيكون القصدُ في بيعه وعدم بذله مجانًا بيع الكَلأ الحاصل به، قيل: هذا النهي للتحريم، وقيل: حَمْلُه على الكراهية أولى.
* * *
٢٠٩٣ - وعن أبي هريرةَ ﵁: أن رسُولَ الله ﷺ مَرَّ عَلَى صبْرَةِ طَعامٍ فأدْخَلَ يَدَهُ فيها، فنالَتْ أصابعُهُ بلَلًا، فقالَ: "ما هذا يا صاحِبَ الطَّعامِ؟ "، قال: أصابَتْهُ السَّماءُ يا رسُولَ الله، قال: "أفلا جعَلْتَهُ فوقَ الطَّعامِ حتَّى يراهُ النَّاسُ، مَنْ غشَّ فليسَ مِنِّي".
"وعنه: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مَرَّ على صبْرة طعامٍ فأدخلَ يدَه فيها، فنالت أصابعُه بَلَلًا فقال: ما هذا يا صاحب الطعام؟ قال: أصابته السماء"؛ أي: المطر "يا رسول الله، قال: أفلا جعلتَه فوقَ الطعام حتى يراه الناسُ، مَنْ غش (١) "، الغِشُّ: سَترُ حالٍ على أحد كفعل هذا الرجل.
"فليس مني (٢) "؛ أي: ليس هذا من أخلاقنا وأفعالنا، أو: ليس هو على سنَّتنا وطريقتنا في مُناصحة الإخوان.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٠٩٤ - عن جابرٍ ﵁ أن رسُولَ الله ﷺ نهى عَنِ الثُّنْيا إلَاّ أنْ يُعلَمَ.
стр. 1526
"من الحسان":
" عن جابر ﵁: أنه قال: نهى رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن الثُّنيا"، تقدم بيانه، "إلا أن يعلم"؛ أي: يكون المستثنى معلومًا كالثُّلث أو الربع، فيجوز البيعُ في هذا.
* * *
٢٠٩٥ - وعن أنسٍ ﵁ قال: "نهَى رسولُ الله ﷺ عنْ بَيع التَّمرِ حتَّى تَزْهُوَ، وعنْ بَيع العِنَبِ حتى يَسْوَدَّ، وعنْ بَيع الحَبِّ حتَّى يَشْتَدَّ". (غريب).
"عن أنس ﵁ قال: نهى النبيُّ ﵊ عن بيع الثَّمر حتى يَزْهو، وعن بيع العنب حتى يَسْود، وعن بيع الحَبِّ حتى يَشْتَد" "غريب".
* * *
٢٠٩٦ - وعن ابن عمرَ: أن النَّبيَّ ﷺ نهَى عَنْ بَيع الكالئِ بالكالئِ.
"عن ابن عمر: أن النبيَّ ﵊ نهى عن بيع الكالئ بالكالى"، يقال: كلأ الدَّين كلؤ: إذا تأخَّر، فهو كالئ، معناه: بيع النسيئة بالنسيئة؛ مثل أن يشتريَ شيئًا إلى أجل فإذا حَلَّ ولم يجد ما يقضي به قال: بعْنيه إلى أجلِ آخر بزيادة شيء، فيبيعه منه من غير أن يجريَ بينهما تقايض.
* * *
٢٠٩٧ - عن عَمرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جدِّه ﵁ قال: نهَى رسولُ الله ﷺ عَنْ بَيْعِ العُربانِ.
"عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: نهى رسولُ الله ﷺ عن
стр. 1527
بيع العُرْبان" وهو أن يشتري السّلعة ويدفع إلى صاحبها شيئًا، على أنه إِنْ مضى البيعُ حُسِبَ من الثمن، وإلا كان لصاحب السلعة والعُربان اسم لذلك الشيء المدفوع إليه، وكان ذلك بيع العرب، وهو باطلٌ لِمَا فيه من الشَّرط والغَرر.
* * *
٢٠٩٨ - وعن عليٍّ قال: نهَى رسُولُ الله ﷺ عنْ بَيع المُضْطَرِّينَ وعنْ بَيع الغَرَرِ.
"وعن عليٍّ ﵁ أنه قال: نهى النبي ﵊ عن بيع المُضْطرين" وهو أن يضطر إلى العقد إكراهًا عليه وهذا فاسد، أو يضطر لدين رَكِبَه أو مُؤنة تُرْهِقه فيعلمُ به المشتري، فلا يزال يتراغب عنه حتى يبيعَ ما في يده بالوَكْس والنَّجش للضرورة، وهذا جائز لكنه مكروه، والمروءة أن لا يبع عليه، بل يعاون بالإقراض والإمهال إلى الميسُرة، أو يشتري بالقيمة، "وبيع الغرر": مر معناه (١).
* * *
٢٠٩٩ - عن أنسٍ ﵁ أن رجلًا سأل النَّبيَّ ﷺ عنْ عَسْبِ الفَحْلِ، فنهاهُ، فقال: إنَّا نطرِقُ الفَحْلَ فنكْرَمُ، فرَخَّصَ لَهُ في الكَرامَةِ.
"عن أنس: أن رجلًا سأل النبي ﵊ عن عَسْب الفحل، فنهاه، فقال"؛ أي: الرجل: "إنا نَطْرُق الفحل"؛ أي: نُعيره للضرَاب "فنكْرم" على صيغة المجهول؛ أي: يعطينا صاحبُ الأنثى شيئًا من المال من غير أن يَشْتَرِطَ أخذَ مال.
стр. 1528
"فرخَّص له ﵊ في الكرامة".
* * *
٢١٠٠ - وعن حَكيم بن حِزامٍ قال: نهاني رسُولُ الله ﷺ عنْ بَيْعِ ما ليسَ عِندِي.
٢١٠١ - وقال حَكيم: يا رسُولَ الله، يأتيني الرجُلُ فيُريدُ مني البَيْع ليسَ عِندي، فابتاعُ لهُ مِنَ السُّوقِ؟، قال: "لا تَبعْ ما ليسَ عِندَكَ".
"وعن حكيم بن حِزام أنه قال: نهاني رسولُ الله ﷺ عن بيع ما ليس عندي، فقال حكيم: يا رسول الله! يأتيني الرجلُ فيريدُ مني البيعَ وليس عندي، فأبتاعُ له من السُّوق" يحتمل أمرين:
أحدهما: أن يشتري له من أحد مَتاعًا فيكون دَلالًا، وهذا يَصِحُّ.
والثاني: أن يبيعَ منه متاعًا لا يملِكه ثم يشتريه من مالكه ويدفعه إليه.
"قال ﵊: لا تَبعْ ما ليس عندك" فهذا باطل؛ لأنه باعَ ما ليس في ملكه وقتَ البيع.
* * *
٢١٠٢ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: نهى رسُولُ الله ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ.
"وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: نهى رسولُ الله ﷺ عن بَيعتين في بَيعة" معناه أن يقول: بعْتُ هذا منك بعشرة نقدًا، أو بعشرين نَسيئة إلى شهر، فالبيع باطل؛ لأن الثمنَ مجهولٌ، وأن يقول: بعتُ منك هذا العبدَ بعشرة على أن تبيعني جاريتَك بكذا، فهذا باطلٌ؛ لأنه بيع وشَرْطٌ.
стр. 1529
٢١٠٣ - وعن عمرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جدِّه ﵁ قال: نَهَى رسُولُ الله ﷺ عَنْ بَيْعَتَيْنِ في بَيْعَةٍ صَفْقَةً واحِدةً.
"عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أنه قال: نهى رسولُ الله ﷺ عن بَيعتين في بيعة صَفقةً واحدةٍ" نُصب على المصدر، والصفقة: البيع، سُمّي العقدُ بيعاً وصفقة لأن عادة العرب عند البيع ضربُ كل واحد من المتعاقدَين يدَه على صاحبه.
* * *
٢١٠٤ - وقال: "لا يَحِلُّ سَلَفٌ وبَيعٌ، ولا شَرْطانِ في بَيع، ولا رِبحُ ما لمْ يُضْمَنْ، ولا بَيع ما ليسَ عِندَكَ". (صحيح).
"وعن عَمرو بن العاص أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا يَحِلُّ سَلَفٌ وبيع" والمراد بالسَّلَف القرض؛ مثل أن يقول: بعتُك هذا الثوب بعشرة دراهم على أن تُقْرِضَني مائةَ درهم، فالبيعُ فاسد.
وقيل: هو أن يُقْرِضَ قرضاً ويبيعَ منه شيئاً بأكثرَ من قيمته فإنه حرامٌ، لأنَّ قرضه رَوَّجَ متاعَه بهذا الثمن.
"ولا شرطان في بيع" معناه أن يقول: بعتُكَ ثوبي هذا بكذا وعليَّ قَصَارتُه وخِياطَتُه، فهذا فاسدٌ، لا فرقَ بين شرطين أو شرط في الجهالة بالثمن عند سُقوط الشرط، وجوَّز أحمدُ الشرطَ الواحدَ بناءً على مفهومه.
"ولا رِبْح ما لم يُضْمن" وهو أن يبيع ما اشتراه قبلَ القبض، فإنه لا يَصِحُّ لأنه لم يدخل في ضمانه بالقبض.
"ولا تَبعْ ما ليس عندك" مر معناه، "صحيح".
* * *
стр. 1530
٢١٠٥ - وعن ابن عمرَ ﵄ قال: كنتُ أَبيعُ الإبلَ بالبقِيعِ بالدَّنانيرِ، فآخذُ مكانهَا الدَّراهِمَ، وأَبيعُ بالدَّراهِم وآخُذُ مكانهَا الدنانيرَ، فأتيتُ النَّبيَّ ﷺ فذكرتُ ذلكَ لهُ، فقال: "لا بأسَ بأنْ تأخُذَها بسِعْرِ يومِها ما لَمْ تتَفَرقَا وبينَكُما شيء".
"وعن ابن عمر أنه قال: كنتُ أبيع الإبل بالنَّقِيع" بالنون والقاف، موضع قريب من المدينة، كان يستنقع فيه الماء؛ أي: يجتمع وينبُت العشب عند نُضُوبه.
"بالدنانير فآخذُ مكانهَا"؛ أي: مكانَ الدنانير "الدراهم، وأبيعُ بالدراهم فآخذ مكانها الدنانير، فأتيتُ النبيَّ ﵊ فذكرتُ ذلك له فقال: لا بأسَ أنْ تأخذَها" يدل على جواز استبدال النقد عن النقد وإن كان ثمناً "بسعر يومها"؟ أي: بلا ربح "ما لم تفترقا وبينكما شيء"؛ أي: يشترط قبض العِوضين في المجلس.
* * *
٢١٠٦ - عن العَدَّاءَ بن خالدِ بن هَوْذَةَ، أخرجَ كِتاباً: هذا ما اشترَى العَدَّاءُ بن خالدِ بن هَوْذَةَ منْ محمَّدٍ رسُولِ الله ﷺ ، اشترَى منهُ عبداً أوْ أمَةً، لا داءَ ولا غائِلةَ ولا خِبْثةَ، بَيع المُسْلِم المُسْلِمَ. (غريب).
"عن العَدَّاء بن خالد بن هَوذة: أخرج كتاباً"؛ أي: صَكاً كان مكتوباً فيه "هذا ما اشترى العَدَّاء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله؛ اشترى منه عبداً أو أمة" شكٌّ من الراوي "لا داء"؛ أي: يشترط أن لا يكون فيه داء، أرادَ به الجنون والجُذَام والبَرَصَ ونحوها مما يرد، وقيل: أراد به العيب الباطن.
"ولا غائلة" فسرها بعضٌ بالمسروق، وبعضٌ بالزنا، وقيل: معناها: لا حيلة عليك في هذا البيع.
стр. 1531
"ولا خِبثة" - بكسر الخاء -: نوع من الخَبيث الحرام؛ يعني: لا يكون من قوم لا يَحِلُّ سبيُهم لعهد وأمان أو حرية أصل.
وقيل: الخبثة: ما يكون خبيثَ الأصل؛ بأن يكون ولدَ الزنا.
"بيع" نصبٌ على المصدر وهو مضاف إلى الفاعل؛ أي: باعه بيع "المسلم المسلم"؛ أي: كما يجري بين المسلمين، أو رفع فعلى أنه خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: هذا بيع المسلم المسلم، أو بيع المسلم المسلم يكون هكذا، وليس في ذلك ما يدل على أن المسلم إذا باع عبدَ المسلم جاز له أن يعامِلَه بما يتضمن غُبناً أو خيانة، وإنما قال ذلك على سبيل المبالغة، فإن المسلم إذا بايع المسلم يرى له من النُّصح أكثرَ مما يرى لغيره، والحديث يدلُّ على جواز كتابة الصُّكوك.
"غريب".
* * *
٢١٠٧ - عن أنس ﷺ أن رسُولَ الله ﷺ باعَ حِلْساً وقَدَحاً، فقال: مَنْ يشتري هذا الحِلْسَ والقَدَح؟، فقال رجل: آخُذُهُما بدِرْهَم، فقالَ النَّبيّ ﷺ : "مَنْ يَزِيدُ على دِرْهَم؟ "، فأَعطاهُ رجل دِرْهَمَيْنِ فباعَهُما منهُ.
"عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ باع حِلْساً" وهو الكِساء الرقيق الذي على ظهر البعير تحت القَتَب لا يفارقه.
"وقدحاً"؛ أي: أراد بيعهما "فقال: مَنْ يشتري هذا الحِلْس والقَدَح؟ فقال رجل: أنا آخذهما بدِرهم، فقال النبي ﵊: مَنْ يزيد على درهم فأعطاه رجل درهمين فباعهما منه" هذا يدل (١) على جواز الزيادة على
стр. 1532
الثمن إذا لم يرضَ البائعُ بما عيَّنه الطالبُ، وقصة هذا: أن رجلاً سأل النبيَّ ﵊ صدقةً فقال له: "هل لكل شيء" فقال: ليس لي إلا حِلْس وقَدَح، فقال ﵊: "بعْهما وكُل ثمنَهما إذا لم يكن لك شيء فاسألِ الصَّدقة"، فباعهما ﵊.
* * *
فصل
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢١٠٨ - عن ابن عمرَ ﵂ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنِ ابْتاعَ نَخْلاً بعدَ أن تُؤبَّرَ فثمَرتها للبائِعِ إلَاّ أنْ يشتَرِطَ المُبْتاعُ، ومَنِ ابْتاعَ عَبداً ولهُ مالٌ؛ فمالُهُ للبائِعِ إلَاّ أنْ يشتَرِطَ المُبْتاعُ".
(فصل)
"من الصحاح":
" عن ابن عمر ﵂: أنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : مَنِ ابتاعَ نَخْلاً بعدَ أنْ تؤبَّر"، التأبير: أن يَشُقَّ طَلْع النَّخل ويُوضع فيه شيء مِنْ طَلْع فِحَال النخل، فيكون ذلك لقاحاً وصلاحاً للثمرة بإذن الله تعالى.
"فثمرتها للبائع إلا أن يشترط المُبتاع "؛ أي: المشتري بأن يقول: اشتريت النخلةَ بثمرتها هذه، وكذلك في غير المؤبَّرة عندنا.
وقال الشافعي ومالك في غير المؤبَّرة: تكون الثمرةُ للمشتري إلا أنْ يشترطَها البائعُ لنفسه بمفهوم المخالفة من الحديث.
"ومَنِ ابتاعَ عبداً وله مال فماله للبائع" إضافةُ المالِ إلى العبد للملابسة بينهما؛ لكونه في يده لا للملك، يدل عليه إضافة المال إليهما لأنه يمتنع أنْ
стр. 1533
يكونَ شيء واحد في حالة واحدة مِلْكَ اثنين، "إلا أن يشترط المبتاع" بأن يقول: اشتريت العبد مع ماله، وكذلك الحكمُ في الجارية.
* * *
٢١٠٩ - وعن جابرٍ ﵁ أنَّه كانَ يَسيرُ على جَمَلٍ لهُ قَدْ أعْيا، فمرَّ النَّبيّ ﷺ فضَرَبَهُ، فسارَ سَيْراً ليسَ يَسِيرُ مثلَهُ، ثُمَّ قال: "بعْنِيهِ بوُقيَّةٍ". قال: فبعْتُهُ فاسْتَثْنَيْتُ حُمْلانه إلى أهْلي، فلمَّا قَدِمْتُ المدِينةَ أتيتُهُ بالجمَلِ ونقَدَني ثمنَهُ. ويُروى: فأعطاني ثمنَهُ وردَّهُ عليَّ. ورُوي: أنَّهُ قالَ لِبلالٍ: "اقْضهِ وزِدْه"، فأعْطاهُ وزادَهُ قِيرَاطاً.
"وعن جابر ﵁: أنه كان يسير على جمل له قد أعيا" يجيء لازماً ومتعدياً؛ أي: صار ذا عَي عن السَّير، أو أصابه العَيُّ وهو العَجْز.
"فمر النبيُّ ﵊ به فضربه فسار" ببركة يدِ النبيِّ ﵊ "سيراً ليس يسير مثله، ثم قال: بعْنيه بوقيَّة" وهو اسم لأربعين درهماً.
"قال فبعته فاستثنيت حُمْلانه" مصدر حَمَله يَحْمِلُه حُملاناً؛ أي: شرطت أن أحمله رحلي ومتاعي "إلى أهلي" بالمدينة، فَرَضيَ ﵊ بهذا الشرط.
احتج أحمد بهذا على جواز بيع دابة واستثناء ظهرِها لنفسه مدةً مع لزومها لشرط عندنا، والشافعي: أنه خاص لجابر ولا يجوز لغيره، أو أنه كان الاستثناءُ بعد وجوب البيع، فأعاره النبيُّ ﵊، أو أنه لم يَجْرِ بينهما حقيقة بيع، إذ لا قبض ولا تسليم، وإنما أراد ﵊ أن ينفعَه بشيء فاتخذ بيعَ الجمل ذريعةً إلى ذلك؛ بدليل قوله ﵊ عند إعطاء
стр. 1534
الوقيَّة: "ما كنت لآخذ جَمَلَك، فخُذْ جملك فهو مالك".
"فلما قدمت المدينة أتيته بالجمل ونَقَدني ثمنه.
ويروى: فأعطاني ثمنَه وردَّه عليَّ.
وروي أنه قال لبلال: اقْضه وزِدْه، فأعطاه وزاده قيراطاً" وهو نصف دانق، والدَّانق سدس درهم.
* * *
٢١١٠ - وعن عائشةَ ﵂ قالت: جاءتْ بَريرَةُ فقالتْ: إنِّي كاتَبْتُ على تِسْعِ أَواقٍ في كُلِّ عامٍ وُقِيَّة فأعِينيني، فقالت عائشةُ: إنْ أحبَّ أهلُكِ أنْ أعُدَّها لهم عَدَّةً واحِدةً وأعْتِقَكِ فَعلتُ ويكونُ وَلاؤُكِ لي. فذهبَتْ إلى أهلِها، فأبَوْا إلَاّ أَنْ يكونَ الوَلاءُ لهُمْ. فقالَ رسولُ الله ﷺ : "خُذيها وأَعْتِقيها". ثُمَّ قامَ رسُولُ الله ﷺ في النَّاسِ فحمِدَ الله وأثنَى عليهِ ثُمَّ قال: "أمَّا بعدُ، فما بالُ رجالٍ يَشْتَرِطُونَ شُروطاً ليسَتْ في كتابِ الله، ما كانَ مِنْ شَرْطٍ ليسَ في كتابِ الله فهوَ باطل وإنْ كانَ مائةَ شَرْط، فقضاءُ الله أَحَقُّ، وشَرْطُ الله أَوْثَقُ، وإنَّما الوَلاءُ لمنْ أَعْتَقَق".
"وعن عائشة ﵂ أنها قالت: جاءت بَريرة فقالت: إنِّي كاتبت "؛ أي: قَبلْتُ الكتابةَ واشتريتُ نفسي.
"على تسع أواق" جمع أوقية؛ "في كل عامٍ وقية فأعينيني" أمر مخاطبة من الإعانة؛ بمعنى النصرة، متصل به ضمير المفعول.
"فقالت عائشة: إنْ أحبَّ أهلُك أن أعدَّها لهم"؛ أي: تسع أواق لأهلك "عدة واحدة" وإنما قالت: (أعدها)؛ لأن تعامل أهلِ المدينة قبلَ مَقْدَمِه ﵊ بالدراهم كان كذلك إلى أنْ أرشدهم إلى الوزن.
стр. 1535
"وأعتقك فعلت، ويكون ولاؤك لي، فذهبت إلى أهلها فأبَوْا إلا أن يكون الولاء لهم، فقال رسولُ الله ﷺ : خُذيها"؛ أي: اشتريها "وأعتقيها"، وفي رواية: "خذيها واشترطي لأهلها الولاء، فإنَّما الولاءُ لمن أعتق"، فظاهر الحديث يدل على جواز بيع رقبة المكاتَب، وبه قال مالك وأحمد، ومنعه الشافعيَّ وأوَّل الحديثَ بأنَ بريرة بيعت برضاها، وذلك فسخٌ للكتابة.
"ثم قام رسول الله ﷺ في الناس فَحَمِدَ الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فما بالُ رجالٍ يشترطون شروطاً ليست"؛ أي: تلك الشروط "في كتاب الله"؛ أي: على حكم كتابه ومُوجب قضائه.
"ما كان مِنْ شَرط ليس في كتاب الله فهو باطلٌ وإن كان مائةَ شرط، فقضاءُ الله"؛ أي: حكمه "أحق" بالاتباع، "وشرطُ الله أوثقُ"؛ أي: بالعمل به؛ يريد به ﵊: ما أظهره وبيَّنه من قوله: "وإنما الولاء لمن أعتق".
* * *
٢١١١ - وعن ابن عمرَ ﵂ قال: نهَى رسُولُ الله ﷺ عَنْ بَيع الوَلاءِ وعنْ هِبتِهَ.
"وعن ابن عمر ﵂ أنه قال: نهى رسولُ الله ﷺ عن بَيع الولاء وعَنْ هِبته "؛ لأنه كالنسب، فكما لا ينتقل النسبُ إلى غيره، كذلك الولاء لا ينتقل إلى غير المعتِق لأنه من حقوق العتق.
* * *
٢١١٢ - عن مَخْلَدِ بن خُفافٍ قال: ابْتَعْتُ غُلاماً فاسْتَغْلَلْتُهُ، ثُمَّ ظَهَرتُ منهُ على عَيْبٍ، فقَضَى عليَّ عُمرُ بن عبدِ العزيزِ بردِّ غَلَّتِهِ، فراحَ إليهِ عُرْوَةُ
стр. 1536
فأخبَرَهُ أن عائِشةَ ﵂ أخْبَرتني: أن رسُولَ الله ﷺ قضَى في مِثْلِ هذا أن الخَراجَ بالضَّمانِ، فقَضَى لي أنْ آخُذَ الخَراجَ.
"من الحسان":
" عن مخلد" بفتح الميم واللام "ابن خُفاف" بضم الخاء المعجمة وتخفيف الفاء "أنه قال: ابتعت غلاماً"؛ أي: اشتريتُه "فاستغللته"؛ أي: أخذتُ غَلَّته، أي: أُجْرته وكِرَاه.
"ثم ظهرت منه على عيب"؛ أي: اطَّلعت على عيبه فردَدتُه بعيبه، "فقضى"؛ أي: حَكَم "على عمر بن عبد العزيز بردِّ غَلَّته، فراحَ"، أي: راح "إليه عروة، فأخبره أن عائشة ﵂ أخبرتني: أن رسول الله ﷺ قضى في مثل هذا: أن الخَراج"؛ أي: الغلة، أراد به ما حَصَل للمشتري من نفع المبيع أرضاً كان أو عبداً.
"بالضمان"، أي: مستحق بسببه، إذ منافع المبيع بعد قبضه تبقى للمشتري في مقابلة الضمان اللازم عليه بتلفه ونفقته ومُؤنته.
"فقضى لي أن آخذ الخراج" وهذا يدل على أن القاضي إذا أخطأ في حكم ثم تبيَّن له الخطأ يقيناً أو ظناً لَزِمه النقضُ، كما فعل عمرُ بن عبد العزيز بحديث عروة.
* * *
٢١١٣ - وقالت عائشةُ ﵂: إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "الخَراجُ بالضَّمانِ".
"وقالت عائشة ﵂: إنّ رسول الله ﷺ قال: الخراج بالضمان".
* * *
стр. 1537
٢١١٤ - عن عبد الله بن مسعودٍ ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا اخْتلَفَ البَيعانِ فالقَوْلُ قَوْلُ البائِعِ، والمُبْتاعُ بالخِيارِ".
وفي روايةٍ: "البيعانِ إذا اخْتَلفا والمبيعُ قائِمٌ وليسَ بينَهُما بَينه، فالقَوْلُ ما قالَ البائعُ، أو يتَرادَّانِ البَيع".
"وعن عبد الله بن مسعود ﵁: أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إذا اختلف البيعان"؛ أي: البائع والمشتري في قَدْر الثمن، أو في شرط الخيار، أو الأجل ونحوها من صفات العقد.
"فالقول قول البائع" مع يمينه، فيحلِفُ بحسَبِ ما ادَّعاه، "والمبتاع"؛ أي: المشتري "بالخيار" إن شاء رَضيَ بما حَلَف عليه البائع، وإنْ شاء حلف هو أيضاً بأنه ما اشتراه بكذا بل بكذا، وبه قال الشافعي، ثم إذا تحالفا فإنْ رَضيَ أحدُهما بقول الآخر فذاك، وإلا فُسِخَ العقد باقياً كان المبيعُ أو لا.
"وفي رواية: البيعان إذا اختلفا والمبيع قائم" عند النزاع "ليس بينهما بينة، فالقول ما قال البائع" فإذا حلف تخيَّرَ المشتري بين أن يرضى بما حلف عليه البائع، وبين أن يحلف على ما يقول، فإذا حَلَف فسخ العقد ورد المبيع، وهو معنى قوله: "أو يترادان البيع"، فإن تَلِفَ المبيعُ فالقول للمشتري، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة ومالك رحمهما الله.
* * *
٢١١٥ - وقال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ أقالَ أخاهُ المسلِمَ صَفْقَةً كَرِهَها، أقالَهُ الله عَثْرتهُ يومَ القِيامَةِ".
"وعن شريح الشامي: قال رسول الله ﷺ : مَنْ أقال أخاه المسلم" من الإقالة وهي الفسخ بعد لزوم العقد "صفقةً كَرِهها"؟ أي: عقداً ندم فيها، "أقال
стр. 1538
الله عثرتَه"؛ أي: غَفَر خطيئتَه "يوم القيامة"، وهو إشارة إلى ندبية الإقالة إن رَضيَ البائع.
* * *
٦ - باب السَّلَمِ والرَّهنِ
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢١١٦ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قَدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينةَ وهُمْ يُسْلِفونَ في الثِّمارِ السَّنةَ والسنتَيْنِ والثلاثَ، فقالَ: "مَنْ أسْلَفَ في شيءٍ فليُسْلِفْ في كَيْلٍ معلُومٍ ووَزْنٍ معلُومٍ إلى أَجَلٍ معلُومٍ".
(باب السلم والرهن)
"من الصحاح":
" عن ابن عباس أنه قال: قدم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المدينة وهم يُسْلِفون في الثمار" والإسلاف: إعطاء الثمن في مَبيع إلى مدة؛ يعني: يعطون الثمن في الحال ويشترون الثّمار.
"السَّنة": منصوب بنزع الخافض؛ أي: إلى السنة، أو على المصدر؛ أي: إسلاف السنة.
"والسنتين والثلاث، فقال: مَنْ أسلف في شيء فليُسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم": الحديث يدلُّ على وجوب الكيل والوزن، وتعيين الأجل في المكيل والموزون، وأنَّ جهالةَ أحدِها مُفْسِد للبيع.
* * *
стр. 1539
٢١١٧ - وقالت عائشةُ ﵂: إنَّ النَّبيَّ ﷺ اشترى طَعَاماً مِنْ يَهوديٍّ إلى أَجَل ورَهَنَهُ دِرْعاً مِنْ حَديدٍ.
"قالت عائشة ﵂: إن النبي ﷺ اشترى طعامًا من يهودي إلى أجلٍ ورَهَنه دِرْعاً من حديد" وهذا يدلُّ على جواز الشراء بالنسيئة، وعلى جواز الرَّهن بالديوان، وعلى جواز المعاملة مع أهل الذّمة وإنْ لم تَخْلُ أموالُهم عن الربا وثمن الخمر.
وعلى أنَّ غلبةَ ظنِّ الشيء ليس كنفسه، فإنَّ الغالبَ على أموالهم الحرمة، ومع هذا فقد عامَلَه ﵊، وعلى جواز رهنِ المَنْقُول.
* * *
٢١١٨ - وقالت: تُوفِّي رسُولُ الله ﷺ ودِرعُهُ مَرهونة عِنْدَ يهودي بثلاثينَ صاعاً من شعيرٍ".
"وقالت: توفِّي رسولُ الله ﷺ ودِرْعه مرهونةٌ عند يهودفي بثلاثينَ صاعاً من شعير".
* * *
٢١١٩ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "الظَّهْرُ يُركَبُ بنفَقتِهِ إذا كانَ مَرْهُوناً، ولبن الدَّرِّ يُشْرَبُ بنفَقتِهِ إذا كانَ مَرْهُوناً، وعَلَى الذي يَرْكَبُ وَيشربُ النفقَةُ".
"وعن أبي هريرة ﵁: قال ﷺ : "الظَّهْرُ"؛ أي: ظَهر الدابةِ "يُركب بنفقته إذا كان مرهوناً"؛ يعني: جاز للراهن أنْ يركبها ويحمل عليها حمله بسبب أن علفها عليه، وعليه الأكثر وبه قال أبو حنيفة والشافعي؛ لأنَّ الأصل مِلْكُه بدليل أنَّه لو مات العبدُ المرهون كفَّنه المالكُ، فكذا في فروعه.
стр. 1540
"ولبن الدَّر"؛ أي: ذات الدَّر؛ أي: اللبن، فله دَرُّه؛ أي: عمله "يشرب بنفقته"؛ أي: يشرب لبن ذات الدر مَنْ يُنفق عليها؛ أي: يعلفها.
"إذا كان مرهوناً، وعلى الذي يَركب ويشرب النفقة"، وهذا يدلُّ على أن دوام قبض المرهون ليس بشرط في الرهن؛ لأنه لا يركبها المالك إلا وهي خارجة عن قبض المرتهن.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢١٢٠ - عن أبي هريرةَ ﵁: أن رسولَ الله ﷺ قال: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ صاحبهِ الذي رهنَهُ، لهُ غنْمُهُ، وعليهِ كُرْمُه".
"من الحسان":
" عن أبي هريرة ﵁: أن رسولَ الله ﷺ قال: لا يَغْلَقُ الرهن الرهن" يقال: غَلِقَ الرهن - بالكسر - غَلْقاً: إذا بقي في يد المرتهن لا يقدر على تخليصه، والرهن الأول المصدر، والرهن الثاني بمعنى المرهون؛ يعني: لا يمنع الرهن المرهون.
"من صاحبه الذي رهنه" بحيث تزول عنه منفعتُه وتسقط عنه نفقتُه، بل يكون المرهون كالباقي في ملك الراهن.
"له غنمه"؛ أي: منفعته وفوائده، "وعليه عزمه"؛ أي: نفقته وضمانه، حتى لو تَلِفَ في يد المرتهن كان من ضمان الراهن، ويرجع ربُّ المال بحقه عليه، وبه قال الشافعي.
* * *
٢١٢١ - وعن ابن عمرَ أن النَّبيَّ ﷺ قال: "المِكْيالُ مكْيالُ أهلِ
стр. 1541
المدينَةِ، والميزانُ ميزانُ أهلِ مَكَّةَ".
"عن ابن عمر ﵁: أن النبيَّ ﵊ قال: المكيال"؛ أي: المكيال المعتبر "مكيال أهل المدينة"؛ لأنهم أصحاب ذِراعات ونخيل، فهم أعلم بحال المكاكيل "والميزان"؛ أي: الميزان المعتبر "ميزان أهل مكة"؛ لأنهم أصحاب تجارات فهم أعلم بالموازين.
والحديث فيما يتعلق بالوزن والكيل من حقوق الله كالزكاة والكفارة ونحوها حتى لا يجب في الدراهم حتى يبلغ مئتين بوزن مكة، والصاع في صدقة الفطر والزكاة صاع أهل المدينة، كلّ صاع خمسة أرطال وثلثُ رطلٍ.
* * *
٢١٢٢ - عن ابن عبَّاسٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ لأَصحابِ الكيلِ والميزانِ: "إنكم قد وُلِّيتم أمرَين هَلَكَ فيهما الأممُ السَّالِفةُ قبلَكمْ".
"عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم لأصحاب الكَيل والميزان: إنكم قد وَلِّيتم أمرين"؛ أي: جعلتم حكامًا في أمرين هما الكيل والميزان، فاعدِلوا فيهما، فلكم الأجرُ، وإلا فالهلاك.
"هلك فيهما الأمم السَّالفة قبلَكم" كقوم شعيب كانوا يأخذون مالَهم على الناس تامًا، وإذا أعطوا ما عليهم أعطَوه ناقصاً.
* * *
٧ - باب الاحتِكارِ
" باب الاحتكار" وهو جمع الطعام وحبسه ليبيعه عند الغلاء.
стр. 1542
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢١٢٣ - قال رسولُ الله ﷺ : "مَنِ احتكَرَ فهوَ خاطِئٌ".
"من الصحاح":
" عن معمر" بفتح الميمين: "أنه قال: قال رسول الله ﷺ : من احتكر فهو خاطئ"؛ أي: آثم، وبهذا قال مالك: يحرم الاحتكار في المطعوم وغيره، وعندنا والشافعي: يحرم في الأقوات خاصة؛ لما روي أن الراوي كان يحتكر الزيت، وَيحْمِلُ الحديثَ على احتكار القوت، والصحابيُّ أعرفُ بمراد النبيِّ ﵊.
* * *
٢١٢٤ - وقال عمرُ ﵁: كانتْ أموالُ بني النَّضيرِ ممَّا أفاءَ الله عَلَى رسُولهِ لرسولِ الله ﷺ خاصَّةً، يُنفِقُ عَلَى أهلِهِ منها نفَقةَ سنةٍ، ثُمَّ يَجْعَلُ ما بقيَ في السِّلاحِ والكُراعِ عُدَّةً في سَبيلِ الله.
"وقال عمر ﵁: كانت أموال بني النضير" هم قوم من يهود المدينة صالَحُوا رسولَ الله بعد قدومه على المدينة أن لا يكونوا له ولا عليه، فلما وقعت وقعةُ أُحدٍ نكثُوا العهدَ، وسار زعيمُهم الخبيثُ كعبُ بن الأشرفِ في جَمْعٍ منهم إلى مكة فحالفوهم على النبي ﵊، فبعث النبيُّ ﵊ محمدَ بن سلمةَ الأنصاريَّ في نفر من الأنصار إليه ليقتلَه، فقتله ليلاً وصَبَّحهم بالكتائب، وحاصروهم حتى قذف الله الرعبَ في قلوبهم، فطلبوا الصلحَ، فأبى ﵊ إلا الجلاءَ وأُجْلُوا - أي: ارتحلوا - إلى أَرِيحا وأَذْرِعَات من الشام، وإلى خَيبر، فكانت أموالهم "مما أفاء الله"؛ أي: أعطى "على رسوله لرسوله ﵊ خاصةً ينفق على أهله منها نفقةَ سنةٍ،
стр. 1543
ثم جعل ما بقي"؛ أي: فَضَل عن نفقة عياله "في السلاح والكراع" وهو اسم لجمع الخيل "عُدَّة في سبيل الله"، والعدَّة: ما يُهيَّأ من السلاح وغيره للغزو والسفر.
وتعلُّقُ هذا الحديث بالباب من حيث إن فيه بيان أنَّ حبس الطعام لنفقة العيال ليس باحتكارٍ؛ لفعله ﵊.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢١٢٥ - عن عمرَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "الجالِبُ مَرْزُوقٌ، والمُحْتكِرُ مَلْعُون".
"من الحسان":
" عن عمر ﵁: أن النبيَّ ﵊ قال: الجالب"؛ يعني: التاجر الذي يبيع ويشتري "مرزوق"؛ أي: يحصل له الربحُ من غير إثم.
"والمحتكر ملعون"؛ أي: آثم بعيد عن الخير ما دام في ذلك الفعل، ولا يحصل له البركة.
* * *
٢١٢٦ - عن أنسٍ ﵁ قال: غَلا السِّعْرُ على عَهْدِ رسُولِ الله ﷺ ، فقالُوا: يا رسُولَ الله! سَعِّرْ لنا، فقال النبيُّ ﷺ : "إنَّ الله هُوَ المُسعِّرُ القابضُ الباسِطُ الرَّازِقُ، وإنِّي لأرجُو أنْ ألقَى ربي وليسَ أحدٌ مِنْكُمْ يطلُبني بمَظْلَمَةٍ بدَمٍ ولا مالٍ".
"عن أنس ﵁ أنه قال: غلا السعر"؛ أي: ارتفع، والسعر: القيمة "على
стр. 1544
عهد رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! سَعِّر لنا" أمرٌ من التسعير، وهو وضع السعر على المَتاع.
"فقال النبيُّ ﵊: إنَّ الله هو المُسَعِّر"؛ أي: المُوسع للرزق "القابض"؛ أي: هو الذي يقبض الرزق بأن يقلِّله "الباسط الرازق"؛ أي: الذي يبسط الرزق، بأنْ يوسعه على مَنْ يشاء.
"وإني لأرجو أنْ ألقى ربي وليس أحدٌ منكم يطلبني بمَظْلِمة" - بكسر اللام - هو اسم ما أخذ منك ظلماً "بدم ولا مال" بدل عن مظلمة، وفيه إرشادٌ إلى أن المانع له من التسعير مخافةُ أنْ يَظْلِمَ في أموالهم، فإنَّ التسعير تصرُّف فيها بغير إذن أهلها، فيكون ظلماً.
* * *
٨ - باب الإفلاسِ والإنظارِ
" باب الإفلاس"، يقال: أفلس الرجلُ: إذا لم يبقَ له مالٌ، معناه: صارت دراهمهم فلوساً، وقيل: صار إلى حالٍ يقال ليس معه فليس.
"والإنظار"؛ أي: الإمهال.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢١٢٧ - عن أبي هريرةَ: ﵁ أن رسولَ الله ﷺ قال: "أيما رجُلٍ ماتَ أو أفْلَسَ، فأدْرَكَ رجُلٌ مالَهُ بعَيْنهِ فهوَ أَحَقّ بهِ مِنْ غَيْرِهِ".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة ﵁: أن رسولَ الله ﷺ قال: "أيما رجلٍ أفلسَ"؛ أي: صار ذا فلوسٍ بعد أنْ كان ذا دراهم، "فأدرك رجل مالَه بعينه"؛ أي: بذاته بأن
стр. 1545
يكون غيرَ هالكٍ حساً أو معنى بالتصرفات الشرعية مثل الهِبَة والوَقْف وغيرهما.
"فهو أحق به"؛ أي: بماله "من غيره" وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد: البائع إذا وجد ماله عند المشتري المفلسِ فله أنْ يَفْسَخَ العقدَ ويأخذ المبيع، وعندنا ليس له الفسخُ والأخذ، بل هو كسائر الغُرماء، فحمَلْنا الحديثَ على العقد بالخيار، يعني: إذا كان الخيار للبائع وظهر له في مدَّته أن المشتري مفلسٌ فالأنسب له أن يختارَ الفسْخَ.
* * *
٢١٢٨ - وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قال: أُصِيبَ رجُلٌ في عَهْدِ رسُولِ الله ﷺ في ثِمارٍ ابْتاعَها، فكثُرَ دينُهُ. فقالَ رسُولُ الله ﷺ : "تَصَدَّقُوا عليهِ". فتصدَّقَ النَّاس عليهَ فلمْ يبلُغْ ذلكَ وفاءَ دَيْنِهِ، فقالَ رسُولُ الله ﷺ لغُرمائِهِ: "خُذُوا ما وَجَدْتُمْ وليسَ لكُمْ إلَاّ ذلكَ".
"وعن أبي سعيد ﵁ أنه قال: أُصيب رجل في عهد النبي ﵊"؛ أي: لَحِقَه خسرانٌ بسبب إصابة جائحة "في أثمارٍ ابتاعها"؛ أي: اشتراها ولم ينقُد ثمنها.
"فكثر دينه، فقال رسول الله ﷺ : تصدَّقوا عليه، فتصدَّق الناسُ عليه، فلم يبلغ ذلك وفاءَ دينِه، فقال رسول الله ﷺ لغُرمائه: خُذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك"؛ أي: أخذ ما وجدتم، والإمهال بمطالبة الباقي إلى الميسُرة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، لا زجره وحبسه؛ لأنه ظهر إفلاسُه وليس معناه أن يبطل لكم ما بقيَ مِنْ ديونكم.
* * *
٢١٢٩ - عن أبي هريرةَ ﵁: أن النبيَّ ﷺ قال: "كانَ رجلٌ يُداينُ النَّاسَ،