← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17791

شرح المصابيح لابن الملك

ابن الملك

Полный текст (3 421 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

المدينَةِ، والميزانُ ميزانُ أهلِ مَكَّةَ". "عن ابن عمر ﵁: أن النبيَّ ﵊ قال: المكيال"؛ أي: المكيال المعتبر "مكيال أهل المدينة"؛ لأنهم أصحاب ذِراعات ونخيل، فهم أعلم بحال المكاكيل "والميزان"؛ أي: الميزان المعتبر "ميزان أهل مكة"؛ لأنهم أصحاب تجارات فهم أعلم بالموازين. والحديث فيما يتعلق بالوزن والكيل من حقوق الله كالزكاة والكفارة ونحوها حتى لا يجب في الدراهم حتى يبلغ مئتين بوزن مكة، والصاع في صدقة الفطر والزكاة صاع أهل المدينة، كلّ صاع خمسة أرطال وثلثُ رطلٍ. * * * ٢١٢٢ - عن ابن عبَّاسٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ لأَصحابِ الكيلِ والميزانِ: "إنكم قد وُلِّيتم أمرَين هَلَكَ فيهما الأممُ السَّالِفةُ قبلَكمْ". "عن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم لأصحاب الكَيل والميزان: إنكم قد وَلِّيتم أمرين"؛ أي: جعلتم حكامًا في أمرين هما الكيل والميزان، فاعدِلوا فيهما، فلكم الأجرُ، وإلا فالهلاك. "هلك فيهما الأمم السَّالفة قبلَكم" كقوم شعيب كانوا يأخذون مالَهم على الناس تامًا، وإذا أعطوا ما عليهم أعطَوه ناقصاً. * * * ٧ - باب الاحتِكارِ " باب الاحتكار" وهو جمع الطعام وحبسه ليبيعه عند الغلاء.

стр. 1542

مِنَ الصِّحَاحِ: ٢١٢٣ - قال رسولُ الله ﷺ : "مَنِ احتكَرَ فهوَ خاطِئٌ". "من الصحاح": " عن معمر" بفتح الميمين: "أنه قال: قال رسول الله ﷺ : من احتكر فهو خاطئ"؛ أي: آثم، وبهذا قال مالك: يحرم الاحتكار في المطعوم وغيره، وعندنا والشافعي: يحرم في الأقوات خاصة؛ لما روي أن الراوي كان يحتكر الزيت، وَيحْمِلُ الحديثَ على احتكار القوت، والصحابيُّ أعرفُ بمراد النبيِّ ﵊. * * * ٢١٢٤ - وقال عمرُ ﵁: كانتْ أموالُ بني النَّضيرِ ممَّا أفاءَ الله عَلَى رسُولهِ لرسولِ الله ﷺ خاصَّةً، يُنفِقُ عَلَى أهلِهِ منها نفَقةَ سنةٍ، ثُمَّ يَجْعَلُ ما بقيَ في السِّلاحِ والكُراعِ عُدَّةً في سَبيلِ الله. "وقال عمر ﵁: كانت أموال بني النضير" هم قوم من يهود المدينة صالَحُوا رسولَ الله بعد قدومه على المدينة أن لا يكونوا له ولا عليه، فلما وقعت وقعةُ أُحدٍ نكثُوا العهدَ، وسار زعيمُهم الخبيثُ كعبُ بن الأشرفِ في جَمْعٍ منهم إلى مكة فحالفوهم على النبي ﵊، فبعث النبيُّ ﵊ محمدَ بن سلمةَ الأنصاريَّ في نفر من الأنصار إليه ليقتلَه، فقتله ليلاً وصَبَّحهم بالكتائب، وحاصروهم حتى قذف الله الرعبَ في قلوبهم، فطلبوا الصلحَ، فأبى ﵊ إلا الجلاءَ وأُجْلُوا - أي: ارتحلوا - إلى أَرِيحا وأَذْرِعَات من الشام، وإلى خَيبر، فكانت أموالهم "مما أفاء الله"؛ أي: أعطى "على رسوله لرسوله ﵊ خاصةً ينفق على أهله منها نفقةَ سنةٍ،

стр. 1543

ثم جعل ما بقي"؛ أي: فَضَل عن نفقة عياله "في السلاح والكراع" وهو اسم لجمع الخيل "عُدَّة في سبيل الله"، والعدَّة: ما يُهيَّأ من السلاح وغيره للغزو والسفر. وتعلُّقُ هذا الحديث بالباب من حيث إن فيه بيان أنَّ حبس الطعام لنفقة العيال ليس باحتكارٍ؛ لفعله ﵊. * * * مِنَ الحِسَان: ٢١٢٥ - عن عمرَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "الجالِبُ مَرْزُوقٌ، والمُحْتكِرُ مَلْعُون". "من الحسان": " عن عمر ﵁: أن النبيَّ ﵊ قال: الجالب"؛ يعني: التاجر الذي يبيع ويشتري "مرزوق"؛ أي: يحصل له الربحُ من غير إثم. "والمحتكر ملعون"؛ أي: آثم بعيد عن الخير ما دام في ذلك الفعل، ولا يحصل له البركة. * * * ٢١٢٦ - عن أنسٍ ﵁ قال: غَلا السِّعْرُ على عَهْدِ رسُولِ الله ﷺ ، فقالُوا: يا رسُولَ الله! سَعِّرْ لنا، فقال النبيُّ ﷺ : "إنَّ الله هُوَ المُسعِّرُ القابضُ الباسِطُ الرَّازِقُ، وإنِّي لأرجُو أنْ ألقَى ربي وليسَ أحدٌ مِنْكُمْ يطلُبني بمَظْلَمَةٍ بدَمٍ ولا مالٍ". "عن أنس ﵁ أنه قال: غلا السعر"؛ أي: ارتفع، والسعر: القيمة "على

стр. 1544

عهد رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! سَعِّر لنا" أمرٌ من التسعير، وهو وضع السعر على المَتاع. "فقال النبيُّ ﵊: إنَّ الله هو المُسَعِّر"؛ أي: المُوسع للرزق "القابض"؛ أي: هو الذي يقبض الرزق بأن يقلِّله "الباسط الرازق"؛ أي: الذي يبسط الرزق، بأنْ يوسعه على مَنْ يشاء. "وإني لأرجو أنْ ألقى ربي وليس أحدٌ منكم يطلبني بمَظْلِمة" - بكسر اللام - هو اسم ما أخذ منك ظلماً "بدم ولا مال" بدل عن مظلمة، وفيه إرشادٌ إلى أن المانع له من التسعير مخافةُ أنْ يَظْلِمَ في أموالهم، فإنَّ التسعير تصرُّف فيها بغير إذن أهلها، فيكون ظلماً. * * * ٨ - باب الإفلاسِ والإنظارِ " باب الإفلاس"، يقال: أفلس الرجلُ: إذا لم يبقَ له مالٌ، معناه: صارت دراهمهم فلوساً، وقيل: صار إلى حالٍ يقال ليس معه فليس. "والإنظار"؛ أي: الإمهال. مِنَ الصِّحَاحِ: ٢١٢٧ - عن أبي هريرةَ: ﵁ أن رسولَ الله ﷺ قال: "أيما رجُلٍ ماتَ أو أفْلَسَ، فأدْرَكَ رجُلٌ مالَهُ بعَيْنهِ فهوَ أَحَقّ بهِ مِنْ غَيْرِهِ". "من الصحاح": " عن أبي هريرة ﵁: أن رسولَ الله ﷺ قال: "أيما رجلٍ أفلسَ"؛ أي: صار ذا فلوسٍ بعد أنْ كان ذا دراهم، "فأدرك رجل مالَه بعينه"؛ أي: بذاته بأن

стр. 1545

يكون غيرَ هالكٍ حساً أو معنى بالتصرفات الشرعية مثل الهِبَة والوَقْف وغيرهما. "فهو أحق به"؛ أي: بماله "من غيره" وبهذا قال مالك والشافعي وأحمد: البائع إذا وجد ماله عند المشتري المفلسِ فله أنْ يَفْسَخَ العقدَ ويأخذ المبيع، وعندنا ليس له الفسخُ والأخذ، بل هو كسائر الغُرماء، فحمَلْنا الحديثَ على العقد بالخيار، يعني: إذا كان الخيار للبائع وظهر له في مدَّته أن المشتري مفلسٌ فالأنسب له أن يختارَ الفسْخَ. * * * ٢١٢٨ - وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قال: أُصِيبَ رجُلٌ في عَهْدِ رسُولِ الله ﷺ في ثِمارٍ ابْتاعَها، فكثُرَ دينُهُ. فقالَ رسُولُ الله ﷺ : "تَصَدَّقُوا عليهِ". فتصدَّقَ النَّاس عليهَ فلمْ يبلُغْ ذلكَ وفاءَ دَيْنِهِ، فقالَ رسُولُ الله ﷺ لغُرمائِهِ: "خُذُوا ما وَجَدْتُمْ وليسَ لكُمْ إلَاّ ذلكَ". "وعن أبي سعيد ﵁ أنه قال: أُصيب رجل في عهد النبي ﵊"؛ أي: لَحِقَه خسرانٌ بسبب إصابة جائحة "في أثمارٍ ابتاعها"؛ أي: اشتراها ولم ينقُد ثمنها. "فكثر دينه، فقال رسول الله ﷺ : تصدَّقوا عليه، فتصدَّق الناسُ عليه، فلم يبلغ ذلك وفاءَ دينِه، فقال رسول الله ﷺ لغُرمائه: خُذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك"؛ أي: أخذ ما وجدتم، والإمهال بمطالبة الباقي إلى الميسُرة، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠]، لا زجره وحبسه؛ لأنه ظهر إفلاسُه وليس معناه أن يبطل لكم ما بقيَ مِنْ ديونكم. * * * ٢١٢٩ - عن أبي هريرةَ ﵁: أن النبيَّ ﷺ قال: "كانَ رجلٌ يُداينُ النَّاسَ،

стр. 1546

فكانَ يقولُ لفتاهُ: إذا أتَيتَ مُعْسِراً تجاوزْ عنهُ لعلَّ الله أنْ يتجاوَزَ عنَّا، قال: فلَقِيَ الله فتجاوَزَ عنهُ". "عن أبي هريرة ﵁ قال: كان رجل يُداينُ الناسَ"؛ أي: يعاملهم ويعطيهم ديناراً، "فكان يقول لفتاه"؛ أي: لخادمه: "إذا أتيت مُعْسِراً تجاوزْ عنه" بصيغة الأمر؛ أي: تَسَامَحْ في الاقتضاء. "لعل الله" بمعنى عسى؛ أي: عسى الله "أن يتجاوز عنَّا، قال"؛ أي: النبي ﵊: "فلقيَ"؛ أي: الرجل "الله فتجاوزَ عنه"؛ أي: عَفَى عن ذنبه. * * * ٢١٣٠ - وقال: "مَنْ سَرَّهُ أنْ يُنْجِيَهُ الله تعالى مِنْ كُرَبِ يومِ القيامَةِ فَلينفِّسْ عنْ مُعْسِرٍ أو يضَعْ عنهُ". "وعن أبي قتادة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : مَنْ سَرَّه"؛ أي: أَفْرحه "أنْ يُنجيه الله" الجملة فاعل (سرَّه) "مِنْ كُرب يومِ القيامة فلينفّس عن مُعْسِر"؛ أي: ليؤخّر مطالبتَه إلى مدة يَجِدُ مالاً، "أو يضعُ عنه" بعضَ الدَّين. * * * ٢١٣١ - وقال: "مَنْ أنْظَرَ مُعْسِر" أو وَضَعَ عنهُ أنجاهُ الله مِنْ كُرَبِ يومِ القِيامَةِ". "وعنه أنه: قال ﵊: مَنْ أنظر مُعسراً"؛ أي: أَمْهل مديونا فقيراً، "أو وضع عنه أنجاه الله من كُرب يوم القيامة"؛ أي: شدته. * * *

стр. 1547

٢١٣٢ - وقال: "مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِراً أو وضعَ عنهُ أظلَّهُ الله في ظِلِّه". "وعن أبي هريرة ﵁ قال النبي ﵊: من أنظر معسراً، أو وضع عنه، أظلَّه الله في ظله"، والمراد به الكرامة والحماية من مكاره المَوقِف، كما يقال: فلان في ظلِّ فلان؛ أي: في كَنفَه وحمايته؛ أي: نظر الله إليه يوم القيامة بنظر الرحمة ووَقَاه من حَرِّ يوم القيامة بأنْ وَقَفَه في ظلِّ العرش. * * * ٢١٣٣ - عن أبي رافع ﵁ قال: اسْتَسْلَفَ رسُولُ الله ﷺ بَكْراً، فجاءَتْهُ إبل مِنَ الصَّدَقَةِ. قال أبو رافِع: فأمَرني أنْ أقضيَ الرجُلَ بَكْرَهُ، فقلتُ: لا أَجِدُ إلا جَمَلاً خِياراً رَبَاعيًّا، قال رسُولُ الله ﷺ : "أعْطِهِ إيَّاهُ، فإنَّ خيرَ النَّاسِ أحسَنُهُمْ قضاءً". "عن أبي رافع قال: استسلف"؛ أي: استقرض "رسولُ الله بَكراً" بالفتح ثم السكون الفتى من الإبل "فجاءته إبل من الصدقة، قال أبو رافع: فأمرني أنْ أقضيَ الرجلَ بكرة فقلت: لا أجدُ إلا جَمَلاً خياراً"؛ أي: مختارًا "رَباعياً" - بفتح الراء - هو من الإبل ما أتى عليه ست سنين ودخل في السابعة. "فقال رسول الله ﷺ : أعطِه إيَّاه، فإنَّ خيرَ الناسِ أحسنُهم قضاء". وفي الحديث دليل على جواز استسلاف الإمام للفقراء إذا رأى بهم حاجة ثم يؤدِّيه من مال الصدقة، وعلى جواز استقراض الحيوان، وبه قال الشافعيُّ، وعلى أن ردَّ الأحسن أو الأكثر من غير شرطٍ إحسانٌ. * * * ٢١٣٤ - ورُوي: أن رجُلاً تقاضَى علَى النبيِّ ﷺ فأغْلظَ لهُ، فهَمَّ بهِ أصحابُهُ، فقال: "دعُوهُ فإنَّ لصاحبِ الحقِّ مقالاً".

стр. 1548

"وروي: أن رجلاً تَقَاضَى على النبيِّ ﵊"؛ أي: طلب منه قضاءَ الذين، "فأغلظ له" في القول، "فهمَّ [به] أصحابُه"؛ أي: قصدَ أصحابُ النبي ﵊ بضربه وإيذائه. "فقال دعوه"؛ أي: اتركوه، "فإنَّ لصاحب الحق مقالاً" يدلّ على جواز تشديد صاحب الحق على المديون المليء بالقول. * * * ٢١٣٥ - وعن أبي هريرةَ ﵁: أن رسولَ الله ﷺ قال: "مَطْلُ الغَنيِّ ظُلْم، فإذا أتبعَ أحَدكمْ عَلَى مَلِيءٍ فلْيتبَعْ". "وعن أبي هريرة: أن رسولَ الله ﷺ قال: مَطْلُ الغني"، أي: تأخير أدائه الدَّينَ من وقتٍ إلى وقت "ظلمٌ، فإذا أُتبع" بضم الهمزة وكسر الباء؛ أي: أُحيل "أحدُكُم على غني فليتبع"؛ أي: فليقبل الحوالةَ، ليس الأمرُ هنا للوجوب بل للرِّفق والإباحة، وفيه دليل على صحة الحوالة. * * * ٢١٣٦ - عن كَعْبِ بن مالكٍ ﵁: "أنَّهُ تقاضَى ابن أبي حَدْرَد ديناً لهُ عليهِ، فارتفعَتْ أصواتُهُما، فخرجَ إلَيْهِما رسولُ الله ﷺ ونادَى كَعْبَ بن مالك ﵁، فأشارَ بيَدهِ أَنْ ضَعِ الشَّطْرَ مِنْ دينِكَ، قال: قدْ فعلتُ. فقال: "قُمْ فاقْضهِ". "عن كعب بن مالك: أنه تقاضى ابن أبي حَدْرد ديناً له عليه"؛ أي: طلبَ كعبٌ قضاءَ الدَّينِ الذي كان له على أبي حَدْرد، "فارتفعت أصواتُهما، فخرج إليهما رسولُ الله ﷺ ، فنادى كعبَ بن مالك، وأشار بيده أنْ ضَعِ الشطر"؛ أي: أبرئه عن النصف؛ فإنه معسر، واطلبِ النصفَ الباقي بلا مُهْلة، أمره ﵊ بذلك على سبيل البرِّ والمُسَاهلة، "قال قد فعلت

стр. 1549

فقال"؛ أي: النبيُّ ﵊ لابن أبي حَدْرد: "قُمْ فاقْضه"؛ أي: الشطرَ الباقي. * * * ٢١٣٧ - عن سَلَمةَ بن الأكْوَعِ: أنَّه قال: كُنَّا عِندَ النَّبيِّ ﷺ إذْ أُتيَ بجَنازةٍ فقالُوا: صَلِّ عليها، فقال: "هلْ عليهِ دين؟ "، قالوا: لا. فصلَّى عليها. ثُمَّ أُتيَ بجَنازة أُخرَى، فقال: "هلْ عليه دين؟ "، قِيل: نعمْ. قال: "فهلْ تركَ شيئاً"، قالوا: ثلاثةَ دنانيرَ. فصلَّى عليها. ثُمَّ أُتيَ بالثالثة، فقالَ: "هلْ عليهِ دين؟ "، قالوا: ثلاثةُ دنانيرَ. قال: "هلْ تركَ شيئاً؟ "، قالوا: لا، قال: "صلُّوا على صاحِبكُمْ". قال أبو قَتادة: صلِّ عليهِ يا رسول الله وعلي دَينُهُ، فصلَّى عليهِ. "وعن سلمة بن الأكوع: أنه قال: كنا عند النبي ﵊ إذ أُتي بجنازة، فقالوا: صلِّ عليها، فقال: هل عليه دينٌ؟ قالوا: لا"؛ أي لا دينَ عليه، "فصلَّى عليها، ثم أُتي بجنازة أخرى، فقال: هل عليه دينٌ؟ قالوا: نعم، قال: فهلْ تركَ شيئاً؟ قالوا: ثلاثة دنانير، فصلى عليها"، وفيه إيذان بأنَّ الله تعالى ألهمه بأنَ ما تركه ذلك الميت يَفِي بدينه، أو يزيدُ عليه. "ثم أتي بالثالثة فقال: هل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير، قال: هل تركَ شيئاً؟ قالوا: لا، قال: صَلُّوا على صاحبكم". وإنما امتنع ﵊ عن الصلاة على المَدْيون الذي لم يترك وفاءً؛ تحذيرًا عن الدَّين، واستعظاماً له، أو لكراهة أن لا يُتلقَّى دعاؤه بالإجابة، فيوقَف لِمَا عليه من حقوق الناس. "قال أبو قتادة: صلِّ عليه يا رسول الله وعليَّ دينُه، فصلى عليه" فيه دليل على جواز الضمان عن الميت المُفْلِس، وبه قال الشافعي. * * *

стр. 1550

٢١٣٨ - وقال النبيُّ ﷺ : "مَنْ أَخَذَ أموالَ النَّاسِ يُريدُ أداءَها أدَّى الله عنه، ومَنْ أخذَها يُريدُ إتْلافَها أتْلَفَهُ الله ". "وعن أبي هريرة قال: قال رسولُ الله ﷺ : مَنْ أخذ أموال الناس" أعم من أن يكون أخذَهُ بحق أو غيره، "يريد أداءَها، أدَّى الله عنه"؛ أي: يسَّر الله أداءه بإعانته، ويوسِّع رزقه، فإن لم يتيسَّر له الأداء حتى مات رُجِيَ منه تعالى أنْ يُرْضيَ خصمَه بكرمه، وفضله، وهذا جملة خبرية لفظاً ومعنى، ويجوز أن يكون إنشاء معنى بأن يخرج مَخْرجَ الدعاء له. "ومَنْ أخذها يريد إتلافها أتلفه الله تعالى"؛ أي: لم يُعِنْه في أدائه. * * * ٢١٣٩ - عن أبي قتادةَ ﵁ قال: قالَ رجل: يا رسُولَ الله "أَرَأَيْتَ إنْ قُتِلْتُ في سبيلِ الله صابراً مُحْتَسِباً مُقْبلاً غيرَ مُدْبرٍ يُكفرُ الله عني خَطايايَ؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "نعمْ، فلمَّا أدْبَرَ ناداهُ، فقال: "نعمْ إلَاّ الدَّيْنَ، كذلكَ قال جِبريلُ". "عن أبي قتادة قال: قال رجل: يا رسول الله "أرأيت"؛ أي: أخبرني "إن قتلت في سبيل الله صابراً محتسباً"؛ أي: طامعًا في سبيل الله لا للرِّياء، "مقبلاً غيرَ مدبرٍ، يُكَفِّر الله" بحذف حرف الاستفهام داعن خطاياي؟ فقال النبي ﵊: نعم"؛ يعني يكفِّر الله عنك خطاياك، "فلما أدبر ناداه"؛ أي: النبي ﵊ ذلك الرجل. "فقال: نعم إلا الدين" استثناء منقطع؛ أي: لكن الدين لا يكفِّر، والمراد به: حقوق الآدميين في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، ويجوز أن يكون متصلاً على حذف المضاف؛ أي: خطيئة الدَّين.

стр. 1551

"كذلك قال جبرئيل ﵇" وهذا يدلُّ على أنه يلقِّن إياه ﵊ أشياء غيرَ القرآن. * * * ٢١٤٠ - وقال: "يُغْفَرُ للشَّهيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إلَاّ الدَّيْنَ". "وعن عبد الله بن عمرو ﵁: أنه قال: قال رسول الله ﷺ : يُغْفر للشهيد كل ذنب" صغائر كانت أو كبائر "إلا الدين" يدل على أن حقوقه تعالى مبنية على المساهلة، وحقوق العباد على المضايقة. * * * ٢١٤١ - وقال أبو هريرةَ ﵁: كانَ رسولُ الله ﷺ يُؤْتَي بالرَّجُلِ المُتَوفَّى عليهِ الدَّيْنُ، فيَسألُ: "هلْ تركَ لدَينِهِ قَضاءً؟ " فإنْ حُدِّثَ أنَّهُ تركَ وفاءً صلَّى عليهِ، وإلَاّ قال للمُسِلمينَ: "صلُّوا على صاحبكُمْ" فلمَّا فتحَ الله عليه الفُتوحَ قامَ فقال: "أنا أوْلَى بالمُؤمِنينَ مِنْ أنفُسِهِمْ، فمنْ تُوفِّيَ مِنَ المُؤمِنينَ فتركَ ديناً فعليَّ قضاُؤهُ، ومَنْ تركَ مالاً فهوَ لِوَرثتهِ". "وقال أبو هريرة: كان رسول الله ﷺ يؤتى بالرَّجل المتوفَّى عليه الدين، فيسأل: هل ترك لدينه قضاء؟ فإن حُدِّث"؛ أي: أُخبر "أنه ترك وفاء صلَّى، وإلا"؛ أي: إن لم يترك وفاء "قال للمسلمين: صلُّوا على صاحبكم، فلمَّا فتحَ الله عليه الفتوح قام فقال أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم"؛ أي: في كل شيء من أمور الدين والدنيا، وشفقتي عليهم أكثرُ من شفقتهم على أنفسهم، فأكون أولى بقضاء دَينهم لهم. "فمن توفي من المؤمنين فترك ديناً" ليس له مال، "فعليَّ قضاؤه، ومَنْ

стр. 1552

ترك مالاً فلورثته" بعد قضاء دينه. * * * مِنَ الحِسَان: ٢١٤٢ - عن أبي خَلْدَةَ الزُّرَقي قال: جِئْنا أبا هُرَيْرةَ في صاحِبٍ لنا قدْ أفْلسَ، فقال: هذا الذي قضَى فيهِ رسُولُ الله ﷺ : "أيما رجُلٍ ماتَ أو أَفْلَسَ فصاحِبُ المتاعِ أَحَقُ بمتاعِهِ إذا وَجَدَهُ بعَينهِ". "من الحسان": " عن أبي خَلْدة الزُّرقي: أنه قال: جئنا أبا هريرة ﵁ في صاحب"؛ أي: شأن صاحب "لنا قد أفلس، فقال: هذا الذي"؛ أي: هذا مثل الرجل الذي "قضى فيه رسولُ الله ﷺ : أيما رجل مات أو أفلسَ فصاحبُ المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه" مر بيانه. * * * ٢١٤٣ - وقال رسولُ الله ﷺ : "نفسُ المُؤْمِنِ مُعَلَّقة بدَينهِ حتَّى يُقْضَى عنه". "وعن أبي هريرة ﵁: أنه قال: قال رسول الله ﷺ : نفسُ المؤمن معلَّقة بدَينه"؛ أي: لا يدخل الجنة، أو لا تدخل روحُه بين أرواح الصالحين، أو لا تجد روحه اللذة ما دام عليه دين "حتى يُقضى عنه"، أو يرضى غريمُه. * * * ٢١٤٤ - وقال: "صاحِبُ الدَّيْنِ مأسُور بدَيْنِهِ يَشْكُو إلى ربهِ الوَحْدَةَ يومَ القِيامَةِ".

стр. 1553

"وعن البراء بن عازب: أنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : صاحبُ الدَّينِ مأسورٌ بدَينه"؛ أي: محبوسٌ بسببه فريداً لا يؤذن له في دخول الجنة، ولا في مصاحبة الصالحين. "يشكو إلى ربه الوحدة يوم القيامة"؛ يعني: يكون تعبُه وعذابُه من الوحدة لا يرى أحداً يقضي عنه ويخلصه من قضاء الدين، فإنه يعذب بها حتى يخرج من عهدة الدين بأن يدفع من حسناته بقدر الدين إلى مستحِقِّه، أو يوضع من ذنوب مستحقِّه عليه بقدَرِه، أو يرضي الله خصمَه من فضله. * * * ٢١٤٥ - ورُوي أن مُعاذاً كانَ يدَّانُ، فأتَى غُرَماؤُه إلى النبي ﷺ ، فباعَ النبيُّ ﷺ مالَهُ كُلَّهُ في دينهِ حَّتى قامَ مُعاذ ﵁ بغيرِ شيءٍ، مرسل. "وروي أن معاذاً كان يَدَّان" بتشديد الدال؛ أي: يأخذ الدين، "فأتى غرماؤه إلى النبي ﵊ وطلبوا" من معاذ قضاءَ ديونهم، "فباع النبيُّ ﵊ مالَه"؛ أي: مالَ معاذِ "كلَّه في دينه"، فقضى منه ديونهَم، "حتى قام معاذ بغير شيء"، وهذا يدلُّ على أن الغرماء إذا طلبوا من القاضي الحجرَ على المُفْلِس يَحْجُر، ويبيع مالَه، ويقسِم بينهم على قدر ديونهم. "مرسل". * * * ٢١٤٦ - عن عمرِو بن الشَّريدِ ﵁، عن أبيه قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "ليُّ الواجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وعُقُوبته". "عن عمرو بن الشَّريد، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : ليُّ الواجد"؛ أي: مطل الغني القادر على قضاء دينه "يُحِلُّ عِرْضَه"؛ أي: يجوز لصاحب الحق

стр. 1554

أن يُغْلِظ القول، ويُطيل لسانَه عليه، وينسِبه إلى سوء القضاء، "وعقوبته" بالحبس أو الضرب حتى يؤدِّي الحق. * * * ٢١٤٧ - وعن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ ﷺ قال: أُتيَ النبي ﷺ بجَنازةٍ ليُصلِّيَ علَيْها، فقال: "هَلْ عَلَى صاحِبكُمْ مِنْ دينُ؟ " قالوا: نعم، قال: "هَلْ تركَ وفاءً؟ " قالوا: لا، قال: "صلُّوا على صاحِبكُمْ، قالَ عليّ بن أبي طالِبٍ ﵁: عَلَيَّ دينُهُ. فتقدَّمَ النبيُّ ﷺ فصلَّى عليهِ. وقال: "فكَّ الله رِهانَكَ مِنَ النَّارِ كما فكَكْتَ رِهانَ أخيكَ المُسلم، ليسَ مِنْ عَبدٍ مُسلمٍ يَقضي عنْ أخيهِ دينَهُ إلَاّ فكَّ الله رِهانَهُ يومَ القِيامَةِ". "وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: أتي النبيُّ ﵊ بجنازة ليصلي عليها، فقال: هل على صاحبكم دينٌ، قالوا: نعم، قال: هل ترك وفاء؟ قالوا: لا، قال: صلوا على صاحبكم، قال علي بن أبي طالب ﵁: عليَّ دينه"؛ أي: قضاء دينه "فتقدم"؛ أي: النبيُّ ﵊ "فصلى عليه وقال" لعلي: "فَكَّ الله رِهانَك" جَمْعُ رَهن، وفَكُّه: تخليصه؛ إذ كلُّ نفس مرهونة بعملها، كما قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ والمراد عتق رقبته "من النار"؛ يعني: أبرأ الله تعالى ذمَّتَك عن حقوق الآدميين وعن الآثام والأوزار، وأعتق رقبتَك من النار بالعفو عنها، والتجاوز عن سيئاتها التي يُحبس ويعذَّب بها يومَ القيامة. "كما فَكَكْتَ رِهانَ أخيك المسلم"؛ أي: خَلَّصْتَه عن تعلُّق الدين به، فإن نفس المؤمن مرهونة بدينه بعد الموت، "ليس من عبد مسلم يقضي عن أخيه دينَه إلا فكَّ الله رِهانَه يومَ القيامة"، ذكر الرهان بلفظ الجمع تنبيها على أن الرهن

стр. 1555

يتعدد بتعدُّد الآثام والأوزار. * * * ٢١٤٨ - عن ثوبانَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ ماتَ وهو بريء مِنَ الكِبْرِ والغُلولِ والدَّيْنِ دخلَ الجَنَّةَ". "عن ثوبان أنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : مَنْ مات وهو بريء من الكِبر" قيل: هو إبطالُ الحق بأن لا يقبلَه ويحتقر الناس فلا يراهم شيئاً، "والغلول" وهي الخيانة، "والدَّين دَخَلَ الجنة". * * * ٢١٤٩ - عن أبي موسى ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ أعظمَ الدُّنوبِ عندَ الله أنْ يلقاهُ بها عبدٌ بعدَ الكبائِرِ التي نهَى الله عنها أنْ يَمُوتَ رَجُل وعليهِ دين لا يدَعُ له قضاءً". "عن أبي موسى، عن النبي ﵊ أنه قال: إن أعظم الذنوب عند الله أن يلقاه" حال، أو تمييز، أو بدل من الذنوب وهو الصواب، والضمير البارز يرجع إلى الله، "بها"؛ أي: بالذنوب "عبد" فاعل (يلقاه). "بعد الكبائر التي نهى الله عنها أنْ يموت" خبر (أن)، أو بدل من (أن يلقاه) لأن لقاء العبد ربَّه إنما هو بعد الموت "رجل، مظهر أقيم مقام ضمير العبد، وفائدة ذكر العبد لاستبعاد ملاقاةِ ربه بهذا الشَّين، ثم إعادته بلفظ (رجل) وتنكيره تحقيراً لشأنه، وتوهيناً لأمره. "وعليه دين لا يدع له قضاء"؛ أي: لا يترك لذلك الدين مالاً يقضي به، وهذا على سبيل المبالغة والتحذير عن كثرة التداين. * * *

стр. 1556

٢١٥٠ - عن عمرِو بن عَوْفٍ المُزَنيِّ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "الصُّلْحُ جائِز بينَ المُسلمينَ إلاّ صُلْحاً حرَّمَ حلالاً أَوْ أحلَّ حراماً، والمُسلِمونَ على شُروطِهِمْ إلَاّ شَرْطاً حَرَّمَ حلالاً أو أحلَّ حراماً". "وعن عمرو بن عوف المزني، عن النبيِّ ﵊ قال: الصُّلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً حرَّم حلالاً" كالصلح أن لا يطأ الضَّرَّة، أو على شرب الخمر ونحوهما، "أو أحلَّ حراماً" وهو أن يكون الشيء حرامًا عليه وهو يريد أن يُحِلَّه بالصُّلح. "والمسلمون على شروطهم"؛ أي: ثابتون على ما اشترطوا "إلا شرطًا حرم حلالاً" كأنْ يشترطَ مع امرأته أن لا يطأ جاريته، "أو أحل حرامًا" كما في الصُّلح. * * * ٩ - باب الشَّركة والوَكالةَ مِنَ الصِّحَاحِ: ٢١٥١ - عن زُهرةَ بن مَعبدٍ: أنَّهُ كانَ يخرُجُ بهِ جَدُّهُ عبدُ الله بن هشام إلى السُّوقِ فيشتري الطعامَ، فيلقاهُ ابن عُمَرَ وابن الزُّبَيْرِ فيقولان له: أَشْرِكنا، فإنَّ النبيَّ ﷺ قد دَعا لكَ بالبرَكَةِ، فيشركهما، فربَّما أصابَ الراحلةَ كلما هيَ فيَبعَثُ بها إلى المنزِلِ. وكَانَ عبدُ الله بن هشامٍ ﵁ ذهبتْ بهِ أمُّهُ إلى النبيِّ ﷺ فمسحَ رأسَهُ ودَعا لهُ بالبركةِ. (باب الشركة والوكالة) "من الصحاح": " عن زهرة بن معبد: أنه كان يخرج به" الباء للتعدية، أو بمعنى مع "جده

стр. 1557

عبد الله بن هشام إلى السوق فيشتري"، أي: عبد الله بن هشام "الطعام، فيلقاه ابن عمر وابن الزبير، فيقولان له "؛ أي: لعبد الله بن هشام: "أشركنا"؛ أي: اجعلنا شريكاً فيما اشتريت، "فإن النبيَّ ﵇ قد دعا لك بالبركة، فيشركهما"، وهذا يدل على جواز الاشتراك في العقود "فربما أصاب الراحلة كما هي"؛ أي: ربما ربح من الطعام حِمْل بعير، "فيبعث بها إلى المنزل" فحصلَتِ الراحلةُ له بلا شيء ببركة دعاءِ النبيِّ. "وكان عبد الله بن هشام ذهبت به أمُّه إلى النبيِّ ﵊، فمسح رأسَه، ودعا له بالبركة". * * * ٢١٥٢ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قالتِ الأنصارُ للنبيِّ ﷺ : اقسِمْ بَيننا وبينَ إِخْواننا النَّخيلَ، قال: "لا، تَكفوننَا المَؤونةَ ونشرَككُمْ في الثَّمَرَةِ"، قالوا: سَمِعنا وأطَعْنا "عن أبي هريرة قال" لما هاجر المهاجرون من مكة إلى المدينة وتركوا أموالهم وأوطانهم بمكة: "قالت الأنصار لرسول الله ﷺ : اقسم بيننا وبين إخواننا" المهاجرين "النخيل"؛ يعني: ليجعل نخيلنا بيننا وبينهم. "قال ﵇: لا"؛ أي: لا نقسم النخيل بينكم، وإنَّما أبى النبيُّ ﵊ استبقاءً لنخيلهم عليهم؛ لأن بها قَوام أمورهم، "ولكن تكفوننا المؤنة" خبر معناه الأمر؛ أي: ادفعوا عن المهاجرين مُؤنة العمارة؛ لأنهم لا يعلمون عمارة النخيل بالتأبير والسقي وما يتوقف عليه الصلاح، واحفظوا نخيلَكم وأصلحوها. "ونشرككم في الثمرة، قالوا: سمعنا وأطعنا"، وفي الحديث بيانُ استحباب

стр. 1558

معاونة الإخوان، ودفع المشقة عنهم، وبيان صحة الشركة. * * * ٢١٥٣ - عن عُروةَ بن أبي الجَعْد: أن رسولَ الله ﷺ أعطاهُ دِيناراً ليَشتريَ لهُ شاةً، فاشترَى له شاتَيْنِ، فباعَ إحداهُما بدينارٍ وأتاهُ بشاة ودينارٍ، فدَعا لهُ رسولُ الله ﷺ في بَيْعِهِ بالبَركَةِ، فكانَ لو اشترَى تُراباً لرَبحَ فيهِ. "عن عروة بن أبي الجعد" - بفتح الجيم وسكون المعجمة - "البارقي" والبارق: جبل نزله بعضُ الأَزْد؛ أي: قبيلة: "أن رسولَ الله ﷺ أعطاه ديناراً ليشتري له شاةً، فاشترى له شاتين" تساوي كل واحدة ديناراً. "فباع إحداهما بدينار، وأتاه بشاة ودينار، فدعا له رسولُ الله ﷺ في بيعه بالبركة، فكان لو اشترى تراباً لرَبحَ فيه" وفيه دليل على جواز التوكيل في المعاملات، وفي كل ما تجري فيه النيابة، وعلى أن مَنْ باع مال غيره بلا إذنه انعقد البيعُ موقوفُ الصحة على إذن المالك، وبه قلنا، وقال الشافعيُّ في قولٍ: لا يجوز ذلك وإن رضي مالكه بعد ذلك، وتأوَّل الحديثَ بأن وكالته كانت مُطْلَقة. * * * مِنَ الحِسَان: ٢١٥٤ - عن أبي هريرةَ ﵁ رفَعَه قال: "إنّ الله يقولُ: أنا ثالثُ الشَّريكَيْنِ ما لمْ يَخُنْ أحدُهما صاحبَه، فإذا خانَهُ خرجْتُ منْ بينِهِما". "من الحسان": " عن أبي هريرة ﵁ رفعه، إلى النبيّ ﵊ "قال: إنَّ الله عز وجل

стр. 1559

يقول: أنا ثالثُ الشَّريكين"؛ أي: معهم بالحفظ والبركة؛ أحفظ أموالهما، وأعطيهما الربح. "ما لم يخن أحدهما صاحبه فإذا خانه خرجت من بينهما"؛ أي: خرجَ حفظي وبركتي مِنْ بينهم. * * * ٢١٥٥ - وعن أبي هريرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "أدِّ الأَمانةَ إلى مَنِ ائْتَمَنَكَ، ولا تَخُنْ مَنْ خانَكَ". "وعنه، عن النبي ﵊ قال: أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك"؛ أي: جعلك أميناً وحافظاً على ماله وغيره، "ولا تَخُن مَنْ خانك"؛ أي: لا تقابله بمثل خيانته، بل أَحْسِنْ إلى مَنْ أساء إليك. * * * ٢١٥٦ - عن جابر ﵁ قال: أردتُ الخُروجَ إلى خَيْبَرَ فأتيتُ النبيَّ ﷺ فسلَّمتُ عليهِ فقال: "إذا أتيتَ وكِيلي فخُذْ منهُ خمسةَ عشرَ وَسْقاً، فإن ابتغَى منكَ آيةً فضَعْ يدكَ على تَرْقُوتهِ". "عن جابر ﵁ قال: أردتُ الخروج إلى خيبر، فأتيتُ النبيَّ ﵊ فسلَّمتُ عليه، فقال: إذا أتيتَ وكيلي"؛ أي: إذا وصلتَ إلى عاملي في خيبر. "فخذ منه خمسة عشر وسقاً" من التمر، "فإن ابتغى"؛ أي: طلب "منك آية"؛ أي: علامة على أنِّي أَمَرْتُك بهذا. "فضع يدك على ترقوته"؛ لأني قلتُ له: إذا جاء أحدٌ ويطلب شيئاً عن

стр. 1560

لساني، فالآيةُ أن يضعَ يده على تَرْقُوتك. وإنما خَصَّ العلامة بوضع اليد على التَّرقوة (١)؛ لأن الأمانة مُطَوَّقة في الرقبة، وهذا يدل على أن للسادة علامة مع المماليك. * * * ١٠ - باب الغَصْبِ والعاريَةِ مِنَ الصِّحَاحِ: ٢١٥٧ - قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ أخذَ شِبراً مِنَ الأرضِ ظُلماً فإنَّهُ يُطَوَّقُهُ يومَ القِيامَةِ مِنْ سَبْعِ أرَضين". (باب الغصب والعارية) "من الصحاح": " عن سعد بن زيد بن عمرو بن نُفيل قال: قال رسولُ الله ﷺ : مَنْ أخذ شِبْراً من الأرض ظُلماً" نصبه على أنه مفعول له، أو حال، أو تمييز. "فإنه يطوقه"؛ أي: يجعل ذلك طوقاً في عنقه "يوم القيامة من سبع أرضين" ليعذَّب بثِقَلها، وقيل: معناه: يَخْسِفُ الله به الأرض، يؤيده قولُه ﵊: "من أخذ من الأرض شبراً بغير حقه خسف به يوم القيامة من سطح الأرض إلى سبع أرضين"، وقيل: يطوَّق إثمُ ذلك ويَلْزُمه كلزوم الطَّوق. * * *

стр. 1561

٢١٥٨ - وقال: "لا يَحلُبن أحدٌ ماشيةَ امرئٍ بغير إذنِهِ، أيُحبُّ أحدُكُمْ أنْ تُؤْتَى مَشْربتُهُ فتُكْسَرَ خِزانتُهُ، فينتَقَلَ طعامُهُ؛ فإنما تَخزُنُ لهم ضُروعُ مَواشِيهمْ أطعِماتِهِم". "وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يَحْلِبن أحد ماشية امرئ بغير إذنه، أيحبُّ أحدكم" الاستفهام بمعنى الإنكار "أن يؤتى مشربته" بفتح الميم وضم الراء وفتحها: الغُرفة، وهي بيت فَوْقاني يُوضع فيها الطعام وغيره. "فتكسر خزانته فينتقل"، وفي بعض النسخ (فينتثل) على صيغة المجهول؛ أي: يستخرج "طعامه" ويؤخذ، "فإنما يخزن"؛ أي: يحفظ "لهم ضروع مواشيهم أطعماتهم" مفعول (يخزن)؛ يعني: ضُروع مواشيهم في حفظ اللبن بمنزلة خزانتكم التي تَحفَظ طعامَكم، فمن حَلَب مواشيهم فكانه كَسَر خزانتهم، ودَرَق منها شيئاً. * * * ٢١٥٩ - عن أنسٍ ﵁ قال: كَانَ النبيُّ ﷺ عندَ بعضِ نسائهِ، فأرسلَتْ إحدَى أمَّهاتِ المُؤمنينَ بصَحْفَةٍ فيها طعامٌ، فضرَبتِ التي النبي ﷺ في بيتِها يدَ الخادِمِ فسَقَطَتِ الصَّحْفَةُ فانفلَقَتْ، فجمعَ النبي ﷺ فِلَقَ الصَّحْفَةِ ثُمَّ جَعَلَ يجمَعُ فيها الطعامَ ويقول: "غارَتْ أمُّكُمْ"، ثُمَّ حبسَ الخادِمَ حتَّى أُتي بصَحْفةٍ مِنْ عِند التي هو في بيتها، فدفعَ إلى التي كسِرَتْ صحْفتها وأمسكَ المكسُورة في بيت التي كسرتها. "عن أنس ﵁ قال: كان النبيُّ ﵊ عند بعض نسائه" يقال: هي عائشة، "فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين"؛ أي: إحدى زوجاتِ النبي ﵊، قيل: هي صَفية.

стр. 1562

"بصحفة" وهي قَصْعة كبيرة "فيها، طعام فضربت التي كان النبيُّ ﵊ في بيتها يدَ الخادم، فسقطت الصحفة، فانفلقت"؛ أي: انشقت وانكسرت، "فجمع النبي ﵊ فِلق الصحفة" بكسر الفاء وفتح اللام، جمع فلقة: وهي القطعة، "ثم جعل يجمع فيها الطعام ويقول: غارت أمُّكم"؛ يعني: فعلت ذلك من غَيرتها واستنكافها قَبولَ هدية الضَّرَّة، "ثم حبس الخادم"؛ أي: منعه مِنْ أن يرجع "حتى أتى بصحفة من عند التي هو في بيتها" بدل الصَّحفةِ المكسورة، "فدفع إلى التي كسرت صحفتها وأَمْسَكَ المكسورة"، وفي هذا بيان لُزومِ الضَّمان على مَنْ أتلف مالَ غيرِه، وبيان لزوم الغَيرة نفسَ الإنسان، فلا يُعاب أحدٌ على الغَيرة، فإنَّها مركَّبة في نفس البشر. وجهُ إيرادِ الحديث في هذا الباب: أن من أنواع الغضب السبب إلى إتلاف مال الغير عدوانًا. * * * ٢١٦٠ - عن عبد الله بن يزيدَ، عن النبي ﷺ : أنَّه نهَى عن النُّهبةِ والمُثْلةِ. "عن عبد الله بن زيد، عن النبيِّ ﵊: أنه نهى عن النهبة"، والمراد به هنا: انتهاب الغنيمة، وعدمُ إدخالها في القِسْمة. "والمُثْلة"، وهي قطع أعضاء المقتول، يعُمُّ المقتولَ قصاصًا، أو كفرًا، أو حَدًّا، وهذا لأن الغرض إزالة الحياة وقد حصلت، فلا فائدة في قطعها بعدَها. * * * ٢١٦١ - وعن جابر ﵁ قال: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ في عهدِ رسُولِ الله ﷺ يومَ ماتَ إبراهيمُ ابن رسولِ الله ﷺ ، فصلَّى بالنَّاسِ سِت ركعات بأربعِ سجَداتٍ، فانصرفَ وقد آضَتِ الشمسُ، وقال: "ما مِنْ شيءٍ تُوعَدُونه إلَاّ وقدْ

стр. 1563

رأيتُهُ في صلاتي هذه، لقدْ جِيءَ بالنَّارِ وذلكَ حينَ رأَيْتُمُوني تأخرْتُ مخافةَ أنْ يُصِيبني مِنْ لَفْحِها، وحتَّى رأيتُ فيها صاحِبَ المِحْجَنِ يجُرُّ قُصْبَهُ في النَّارِ، وكان يَسرِقُ الحاجَّ بمِحْجَنِهِ، فإنْ فُطِنَ لهُ قال: إنَّما تَعَلَّقَ بمِحْجَني، وإنْ كُفِلَ عنهُ ذهبَ بهِ، وحتَّى رأيتُ فيها صاحِبَةَ الهِرَّةِ التي ربطَتْها فلمْ تُطْعِمْها ولم تَدَعْها تأْكلُ من خَشاشِ الأرضِ حتَّى ماتَتْ جُوعاً، ثمَّ جِيءَ بالجنَّةِ وذلكَ حينَ رأَيْتُمُوني تقدَّمْتُ حتَّى قُمْتُ في مَقامي، ولقدْ مدَدْتُ يَدِي وأنا أُرِيدُ أنْ أتَناوَلَ منْ ثَمَرِها لتنظُرُوا إلَيْهِ ثمَّ بدا لي أنْ لا أفعلَ". "عن جابر ﵁ قال: انكسفت الشمسُ في عهد رسول الله ﷺ يومَ مات إبراهيمُ بن رسولِ الله ﷺ ، فصلى بالناس سِتَّ ركَعات"؛ أي: ركوعات، "بأربع سَجَدات"؛ يعني: صلى ركعتين، في كلِّ ركعةِ ثلاثُ ركوعات وسجدتين، "فانصرف"؛ أي: رجع بعد فراغه من الصلاة، "وقد أضاءت الشمس"؛ أي: عادت إلى حالها الأولى بعد ذهاب كُسوفها، "وقال: ما من شيء تُوعَدُونه"؛ أي: ليس شيء وُعِدتم بمجيئه من الجنة والنار وغيرها من أحوال القيامة، "إلا وقد رأيته في صلاتي هذه، لقد جيء بالنار وذلك حين رأيتموني تأخَّرت مخافةَ أن يصيبني من لَفَحها"؛ أي: حرها ووهَجها "حتى رأيت فيها"؛ أي: في النار "صاحب المحجن" بكسر الميم: عصا في رأسها حديدة فيها اعوجاج كالصَّولجان، "يجر قُصبه"؛ أي: أمعاءَه "في النار"، قيل: القصب اسم للأمعاء كلها، وقيل: أمعاءُ أسفلِ البطن، وصاحب المِحْجن هو عَمرو بن لحي أبو خزاعة، رُوي أنه أول مَنْ بَدَّل دينَ إسماعيل ﵊، وسَيَّبَ السَّائبة. "وكان يسرق الحاج"؛ أي: متاعَهم بمِحجن، "فإن فطن له"؛ أي: فإن علم لما سرق كان عذره أنه "قال: إنما تعلَّق بمِحجني، وإنْ غَفَل عنه ذهب".

стр. 1564

"وحتى رأيت فيها صاحبة الهرة الثي ربَطَتْها فلم تُطعمها ولم تدعها تأكل من خشاش الأرض" بفتح الخاء المعجمة وكسرها وضمها: الهَوَامُّ والحشرات، وبالحاء المهملة: يابس النبات. "حتى ماتت جوعاً، ثم جيء بالجنة وذلك حين رأيتموني تقدَّمت حتى قمت في مقامي، ولقد مددت يدي وأنا أريدُ أن أتناول من ثمرها لتنظروا إليها، ثمَّ بدا لي أن لا أفعل"، والحديث يدلُّ على وجود الجنة والنار وفواكهها في زمانه ﵊. * * * ٢١٦٢ - وقال أنسٌ ﵁: كانَ فَزَع بالمدينةِ فاستعارَ النبي ﷺ فَرَساً منْ أبي طَلْحَةَ، فرَكِبَ، فلما رجعَ قال: "ما رأَيْنا مِنْ شَيءٍ وإنْ وجدناهُ لَبَحْراً". "وقال أنس ﵁: كان فَزَعٌ بالمدينة"؛ أي: وقع خوف وصياح بأنَّ جيش الكفار قد وَصَلَ إلى قرب المدينة، "فاستعار النبيُّ ﵊ فرساً من أبي طلحة فَرَكِب"، فخرج ليكشف سببه، "فلمَّا رجع" وسألوه عمَّا رآه مِنْ سيره "قال: ما رأينا من شيء"؛ أي: من البطء الذي يقال في حق ذلك الفرس، "وإنْ وجدناه"؛ أي: هذا الفرس، "إنْ" مخففة من المثقَّلة، اسمها محذوف وهو ضمير الشأن، واللام في "لبحراً" فارقةٌ بينها وبين النافية، والبحر: الفرس السريع الجَرْي، سمي به لِسَعته، أو أن جَريه كجري ماء البحر، وهذا يدل على جواز استعارة الحيوان، وعلى إباحة التوسُّع في الكلام، وتشبيه الشيء بالشيء الذي له تعلّق ببعض معانيه (١). * * *

стр. 1565

مِنَ الحِسَان: ٢١٦٣ - عن سعيدِ بن زيدٍ، عن رسولِ الله ﷺ أنَّه قال: "مَنْ أحْيا أَرْضاً مَيتةً فهي لهُ، وليسَ لعِرْقٍ ظالم حَقٌّ"، مرسل. "من الحسان": " عن سعيد بن زيد، عن رسول الله ﷺ : أنه قال: مَنْ أحيا أرضاً ميتة"؛ أي: أَعْمر أرضاً غيرَ مملوكةِ لمسلم، ولم يجر عليها عمارة أحد، ولم تتعلق لمصلحة بلد أو قرية بأن يكون مركض دوابهم "فهي له"؛ أي: صارت تلك الأرض مملوكة له، سواء كان بإذن السلطان أو لا عند الشافعي، وقال أبو حنيفة: لابدَّ منه. "وليس لعرقٍ ظالم" قيل: معناه: من غرس أرضًا أحياها غيره، أو زرعها، لم يستحق به الأرض و (عرق ظالم) روي بالتنوين صفة وموصوفاً، فالمراد به المغروس؛ سمّي به لأنه لظالم، أو لأن الظلم حصل به على الإسناد المجازي، ويروى بالإضافة، فالمراد به الغارس، سماه ظالمًا لأنه في ملك الغير بغير إذنه، وهذا المعنى أوفق للحكمِ السابق، وقيل معناه: من غرس أو زرع أرض غيره بلا إذنه فليس لزرعه وغرسه "حق"؛ بمعنى: أنه يجوز للمالك قلعُهما. كذا قال الخطابي. وهذا يدل على جواز قَلْع المالك أشجار الغاصب وزرعه بلا ضمان. "مرسل": هذا الحديث مرسل على ما رُوي عن عروة، وقد ذكر الترمذي أيضًا إرسالَه، لكنه هنا مُسند إلى أَحَدِ العشرة المبشرة، فإسناده مِنْ راوٍ وإرساله مِنْ آخر، فلا منافاة، لكن قول المؤلف: (مرسل) بعد ذكره إسناده= لا يخلو عن تساهل. * * *

стр. 1566

٢١٦٤ - وقال: "ألا لا تظلِمُوا، ألا لا يحِلُّ مالُ امرئٍ إلا بطيبِ نفسٍ منه". "وعن أبي حَرَّة الرقاشي قال: قال ﵊: ألا لا تظلموا"؛ أي: بعضكم على بعض، الظلم: وضع شيء في غير موضعه، "ألا لا يحل مال امرئ مسلم الا بطِيبِ نفس منه" * * * ٢١٦٥ - وعن عِمرانَ بن حُصَيْنٍ ﵁، عن النبي ﷺ : أنَّه قال: "لا جَلَبَ ولا جَنَبَ ولا شِغارَ في الإسلامِ، ومَنِ انتَهَبَ نُهْبةً فليسَ مِنَّا". "عن عمران بن الحصين، عن النبي ﵊ أنه قال: لا جَلَب ولا جَنَب" تقدم معناهما في الزكاة، وقد يستعملان في المسابقة، فمعنى الجَلَب فيها: أن يصوِّت جماعة ليركض فرسُ صاحبهم من أصواتهم، وهو منهي لأنه مَكْر وحيلة، ومعنى الجنب فيها: أن يستصحب أحدُ المتسابقين فرسًا ليركبه إذا تَعِبَ مركوبه الأول، فإنه غير جائز أيضًا. "ولا شِغَار في الإسلام" وهو بكسر الشين والغين المعجمتين، أن يقول لغيره: زوِّجني بنتك أو أختك على أنْ أزوجك بنتي أو أختي، على أنْ يضعَ كل واحد منهما صَدَاق الأخرى، وكانوا يفعلونه في الجاهلية، فنهى النبي ﵊ عن ذلك. ثمَّ إن وقع هذا العقدُ بين المسلمين اختلف فيه: ذهب الشافعي إلى بطلانه لظاهر الحديث، وقال أبو حنيفة: العقد صحيح والواجب فيه مَهْرُ المِثل؛ لأن المنع إنما ورد عليه من حيث إنه ذكر فيه ما لا يصلح مهراً، فيجوز العقدُ ويجب مهرُ المثل فيه، كما إذا سَمَّى خمراً، "ومن انتهب نهبة فليس منا" مرَّ معنى النهبة.

стр. 1567

٢١٦٦ - وعن السَّائِب بن يَزيدَ، عن أبيه، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا يأخُذْ أحَدكمْ عصا أخيهِ لاعِباً جادًّا، فمنْ أخَذَ عصا أخيهِ فليرُدَّها إليهِ". "وعن السائب بن يزيد، عن أبيه، عن النبي ﵊ قال: لا يأخذ أحدُكم عصا أخيه لاعباً جاداً، منصوبان على الحال، قيل معناه: لاعبًا ظاهرًا جاداً باعتبار الباطن؛ أي: يأخذه على سبيل الملاعبة وقصدُه في ذلك إمساكه لنفسه لئلا يلزم اللعب والجد في زمان واحد، "فمن أخذ عصا أخيه فليردها إليه"، وهذا ليس تخصيصاً بالعصا بل هكذا كل شيء. * * * ٢١٦٧ - وعن الحَسَنِ عن سَمُرةَ عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ وجدَ عَيْنَ مالِه عندَ رجُلٍ فهوَ أحقُّ بهِ ويتَّبعُ البيعُ من باعَهُ". "وعن الحسن، عن سَمُرة، عن النبي ﵊ قال: مَنْ وجد عين ماله عند رجل فهو أحقُّ به"، المراد: ما غَصَب أو سرق منه، "ويتبع البيع" بتشديد الياء؛ أي: المشتري "من باعه"؛ يعني: يتبع البائع ويأخذ منه الثمن؛ لأنه غاصب أو سارق. * * * ٢١٦٨ - وقال: "على اليدِ ما أخَذَتْ حتَّى تُؤَدِّيَ". "وعن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله ﷺ : على اليد"؛ أي: يجب عليها ردُّ "ما أخذت" بغصب أو عارية أو وديعة، فيجب في الغصب وإن لم يطلبه، وفي العارية إنْ عَيَّنَ مدة لزمه ردَّه إذا انتقضت ولو طلب مالكها قبلها، وفي الوديعة لا يلزمه الرد إلا إذا طلب المالك "حتى تؤدي" إلى مالكه. * * *

стр. 1568

٢١٦٩ - عن حَرامِ بن سعدِ بن مُحَيصةَ: أنَّ ناقَةً للبراءِ بن عازبٍ دَخَلَتْ حائِطاً فأفسَدَتْ، فقضَى رسُولُ الله ﷺ أن على أَهْلِ الحوائِطِ حِفْظَها بالنَّهارِ، وأنَّ ما أفسَدَتِ المَواشي باللَّيْلِ ضامِن على أَهلِها. "عن حرام بن سعد بن محيصة: أن ناقة للبراء بن عازب دخلت حائطاً"؛ أي: بستاناً لغيره، "فأفسدت فقضى رسولُ الله ﷺ أن على أهل الحوائط حِفْظَها بالنهار، وأنَّ ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها"؛ أي مضمون عليهم، قال الشافعي ومالك: إذا لم يكن مالكُها معها يلزم ضمان ما أتلف بالليل فقط؛ لأن العادة حفظُ المواشي بالليل وإرسالُها بالنهار. * * * ٢١٧٠ - وعن أبي هريرةَ ﵁: أن النبيَّ ﷺ قال: "الرِّجْلُ جُبَارٌ". "عن أبي هريرة ﵁: أن النبيَّ ﵊ قال: الرِّجل جبار"؛ أي: ما أتلفت الدابةُ برجلها هَدر غير مضمون. * * * ٢١٧١ - وقال: "النَّارُ جُبَارٌ". "وقال: النار جبار"؛ أي: ما أحرقته شِرارُ نار أوقدت لحاجة من غير تعدِّ هَدرٌ. * * * ٢١٧٢ - عن الحسنِ عن سَمُرةَ ﵄: أنّ النبيَّ ﷺ قال: "إذا أتَى أحدكم على ماشيةٍ فإنْ كانَ فيها صاحبُها فلْيَستأْذِنْهُ، وإنْ لمْ يكُنْ فيها فَلْيُصِّوتْ ثلاثاً، فإنْ أجابَهْ أَحَدٌ فلْيَستأْذِنْهُ، فإنْ لمْ يُجبْهُ أحدٌ فليَحتلِبْ ولْيَشْرَبْ ولا يَحْمِل"، غريب.

стр. 1569

"عن الحسن، عن سمرة: أن النبيَّ ﵊ قال: إذا أتى أحدكم على ماشية، فإنْ كان فيها صاحبُها فليستأذنه، فإن لم يكن فيها فليصوت"؛ أي: فليناد وليقلْ: يا صاحب المواشي! "ثلاثاً، فإن أجابه أحد فليستأذنه، وإن لم يجبه أحدٌ فليحلب وليشرب"؛ أي: جاز له أن يحلب من اللبن بقدْرِ حاجته ويشرب، "ولا يحمل"؛ أي: شيئًا من اللبن، ويرد قيمته إلى مالكه عند القدرة، وقيل: لا يلزمه ردُّ قيمته، وهذا إذا كان مضطراً يخاف الموت من الجوع أو يخاف انقطاعه عن السبيل، وقال أحمد: يجوز له أن يشرب وإن لم يكن مضطراً. * * * ٢١٧٣ - وعن ابن عمرَ ﵄ عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ دخلَ حائِطاً فلْيَأكلْ ولا يتَّخِذْ خُبنةً"، غريب. "عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﵊ قال: من دخل حائطاً"؛ أي: بستاناً لغيره "فليأكل"؛ أي: جاز له أن يأكل من ثماره بغير إذنه، "ولا يتخذ خبنة" بضم الخاء المعجمة وسكون الباء الموحدة؛ أي: لا يأخذ منه، وهذه الرخصة لابن السبيل المضطر أيضاً، وإلا فلا تُقاوِمُ هذه الأحاديثُ نصوصًا وردت في تحريم أموال المسلمين. "غريب ". * * * ٢١٧٤ - وعن عمرِو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جدِّه: أن النبيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ المُعَلَّقِ، فقال: "مَنْ أصابَ بفيهِ مِنْ ذي حاجَةٍ غيرَ متَّخذٍ خُبنةً فلا شيءَ عليهِ".

стр. 1570

"وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﵊ سئل عن الثمر المعلق"؛ أي: المُدلَّى من الشجر، "فقال: من أصاب بفيه"؛ أي: أكل من الشَّجر بفمه، ذكر الفم ليعلم أنه لا يجوز الحمل "من ذي الحاجة" بيان (من أصاب)؛ أي: أصاب للحاجة والضرورة الداعية إليه، "غير متخذ خبنة فلا شيء عليه"؛ أي: فلا إثم عليه في التناول لكن عليه ضمانه، وكان ذلك في الأول الإسلام ثم نُسخ، وأجاز أحمد ذلك من غير ضرورة. * * * ٢١٧٦ - عن أُميَّةَ بن صَفْوانَ عن أبيه: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ استَعارَ منه أدْراعَهُ يومَ حُنَيْن فقال: أَغصْباً يا محمَّدُ؟ قال: "لا، بَلْ عاريَة مضمُونة". "وعن أمية بن صفوان، عن أبيه: أن النبي ﵊ استعار منه أدراعه يوم حنين" وكان صاحبُ الأدراع كافراً أُدخل المدينة بإذنه ﵊ ليسمع القرآن والحديث ويتعلم أحكام الدين بشرط أنه إن اختار دين الإسلام أسلم، وإلا رجع إلى وطنه بلا لُحوق أذية له من المسلمين، فظن أنه يأخذها ولا يردها عليه، "فقال: أغصباً"؛ أي: أتأخذ غصباً "يا محمد، قال: لا بل عارية" بتشديد الياء؛ أي: آخذها عارية "مضمونة" قال الشافعي وأحمد: إذا تلفت العاريةُ يجب على المستعير ضمانُ قيمتها، وعندنا: لا، فتأويل قوله: (مضمونة)؛ أي: بضمان الرد؛ يعني: يجب على المستعير مؤنةُ ردِّها إلى مالكها. * * * ٢١٧٧ - عن أبي أُمامة ﵁ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "العارِيَةُ مُؤدَّاةٌ، والمِنْحَةُ مَرْدُودَةٌ، والدَّيْنُ مَقْضيٌّ، والزَّعِيمُ غارِمٌ".

стр. 1571

"وعن أبي أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ : العارية مؤدَّاة"؛ أي: يجب ردُّها إذا طلبها مالكُها، فيه دليل على وجوب أداء عينها عند قيامها، "والمنحة مردودة" وهي بكسر الميم وسكون النون: ما يمنح الرجل؛ أي: يعطي صاحبه من أرض يزرعها مدة، أو شاة يشرب دَرَّها، أو شجرة يأكل ثمرها ثم يردها، "والدين مقضي"؛ أي: يجب قضاؤه شرعاً، "والزعيم غارم"؛ أي: الكفيل ضامن؛ يعني: مَنْ ضَمِنَ ديناً لزمه أداؤه. * * * ٢١٧٥ - وعن رافعِ بن عمرٍو الغِفاريِّ قال: كنتُ غُلاماً أرمي نخلَ الأنصارِ، فأُتيَ بيَ النَّبي ﷺ فقال: "يا غُلامُ لِمَ تَرمي النَّخْلَ"؛ قلت: أكلُ، قال: "فلا تَرْمِ وكُلْ ممَّا سقطَ في أسفَلِها". ثمَّ مسحَ رأسَهُ وقال: "اللهمَّ أشْبعْ بَطْنَهُ". "عن رافع بن عمرو الغفاري قال: كنت غلاماً"؛ أي: صبيًا "أرمي نخل الأنصار" بالأحجار ليسقط من ثمرها، "فأتي بي النبيُّ ﵊ فقال: يا غلام! لِمَ ترمي النخل؟ قلت: آكل، قال: فلا ترم، وكل مما يسقط في أسفلها"، إنما أجاز له ﵊ أن يأكل مما سقط من التمر؛ لأنه كان جائعاً مضطراً، وإلا فلا يجوز له ذلك، "ثم مسح رأسه فقال: اللهم أشبع بطنه". * * * ١١ - باب الشُّفْعَةِ " باب الشفعة": وهي الزيادة بضم المأخوذ إلى ما عنده فيشفعه؛ أي يزيده، والأَولى أنْ يقال: هي اسم للملك المشفوع، كالأكُلة للمأكول. * * *

стр. 1572

مِنَ الصِّحَاحِ: ٢١٧٨ - عن جابرٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "الشُّفْعَةُ فيما لمْ يُقْسَم، فإذا وقعَتِ الحُدُودُ وصُرِفَتَ الطرُقُ فلا شُفعة". "من الصحاح": " عن جابر ﵁، عن النبي ﵊ قال: الشفعة فيما لم يقسم"، وفيه بيان ثبوت الشفعة للشريك فيما لم يقسم، أعمّ مِنْ أن يحتمل القسمة أولًا، وعند الشافعي: لا شفعة فيما لم يحتمل القسمة، وهذا بعمومه حجة عليه، "فإذا وقعت الحدود"؛ أي: عُينت وظَهر حَدّ كل واحد منهما بالقسمة والإفراز، "وصُرِفت الطرق" على بناء المجهول؛ أي: بُينت، "فلا شفعة" وبهذا قال الشافعي ومالك وأحمد: لا شفعة للجار. * * * ٢١٧٩ - وعن جابرٍ ﵁ قال: قضَى رسولُ الله ﷺ بالشُّفْعَةِ في كلِّ شِركةٍ لمْ تُقْسَمْ رَبْعَةٍ أو حائِطٍ، لا يَحِلّ له أنْ يبيعَ حتَّى يُؤذِنَ شَريكَهُ، فإنْ شاءَ أخذَ وإنْ شاءَ تركَ، فإذا باعَ ولمْ يُؤْذِنْهُ فهوَ أحقُّ بهِ. "وعن جابر ﵁ قال: قضى رسول الله ﷺ بالشفعة في كل شركة"؛ أي: مشتركة "لم تقسم" صفة لـ ("شركة)، "ربعة" بدل عنها، أو خبر مبتدأ محذوف، والربع والربعة: المنزل الذي يربع فيه الإنسان ويتوطَّنه، "أو حائط" وهو البستان، "لا يحل له أن يبيع حتى يؤذن"؛ أي: يعلم "شريكه، فإن شاء أخذ، وإن شاء ترك، فإذا باع ولم يؤذنه فهو أحق به"، والحديث يدلُّ على: أنها لا تثبت إلا فيما لا يمكن نقلُه؛ كالأراضي والدُّور والبساتين، دون ما يمكن؛ كالأمتعة والدواب، وهو قولُ العامة، وعلى: وجوب العرض على الشريك إذا أراد البيع. * * *

стр. 1573

٢١٨٠ - وقال: "الجارُ أحقُّ بسَقَبهِ". "وعن أبي رافع قال: قال ﵊: الجارُ أحقَّ"؛ أي: أحق وأولى من غيره في أخذ الشفعة "بسَقبه"؛ أي: بسبب قربه؛ أي: قرب داره جاراً، وبهذا قال أبو حنيفة تثبت الشفعة للجار. * * * ٢١٨١ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا يَمنعْ جار جارَهُ أنْ يغرِزَ خشَبةً في جِدارِه". "وعن أبي هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : لا يمنع جار جاره أن يغرِز خشبة في جداره"؛ يعني: إذا بنى رجل بناء فاحتاج فيه أن يضع رأسَ خشبةٍ على جدار الجار، فليس له منعُه، فإن منعه يُجْبرُه القاضي، وبه قال الشافعي في القديم، والأكثر: أنه لا يجبر عليه، فالخبرُ محمولٌ على الندب وحُسن الجوار؛ أي: لا ينبغي له منعُه من حيث المروءة، وأما من حيث الشرع فله ذلك. * * * ٢١٨٢ - وقال: "إذا اخْتَلَفْتُمْ في الطَّريقِ جُعِلَ عَرْضُهُ سبعةَ أذْرُعٍ". "وعنه: أنه قال: قال ﵊: إذا اختلفتم في الطريق جعل عرضه سبعة أذرع"؛ يعني: إذا كان طريق بمرة كل أحد، وأراد أن يقعد في طرف ذلك الطريق لبيع، أو يبني عليه بناء، أو يغرس فيه شجراً، ومنعه جماعة = جعل عرضه سبعة أذرع؛ لأن هذا القدر مما يحتاج إليه المار، وفيما عدا هذا القدر جاز لكل أحد أن يتصرف فيه، وكذا إذا كان الطريق في مَوَات وأراد أحدٌ أن يحييَ جانبي تلك الطريق، وأما الطريق في السِّكة الغير النافذة فهو يتعلق باختيار أهل السِّكة، يُجْعل عَرضه بقدرِ ما لا يتضرر به أهلُها في مرورهم، وقيل

стр. 1574

أيضًا: يجعل عرضه سبعة أذرع، وأما الطريق التي قسمت في دار يكون منها مدخلهم، تقدر بمقدارٍ لا يضيق عن مآربهم التي لا بدَّ لهم منها كممرِّ السقاء والجمال والجنازة ونحوها. * * * مِنَ الحِسَان: ٢١٨٣ - قالَ ﷺ "مَنْ باعَ مِنْكُمْ داراً أو عَقَاراً قَمِنٌ أنْ لا يُبارَكَ لهُ إلَاّ أنْ يَجعلَهُ في مِثْلِهِ". "من الحسان": " عن سعيد بن حريث قال: قال رسول الله ﷺ : من باع منكم داراً أو عقاراً العقار - بالفتح -: الأرض والضياع، "فقمن"؛ أي: حقيق وجدير "أن لا يبارك له إلا أن يجعله في مثله"؛ أي: إلا أن يشتري بثمنه مثله من الدار والأرض، لا ما يخالف ذلك من المنقولات؛ لأن الدار والأرض كثيرة المنافع، مديدة الثبات، قليلة الآفات، لا يسرقها سارق، ولا يلحقها غارة، بخلاف المنقولات، وهذا يدل على أن صرف ثمنها إلى المنقولات غير مُستحبٍّ. * * * ٢١٨٤ - عن جابر ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "الجارُ أحقُّ بشُفْعَتِهِ يُنْتَظَرُ بها إنْ كانَ غائباً إذا كانَ طريقُهُما واحِداً". "عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : الجار أحق بشفعته ينتظر بها"؛ أي: بالشفعة "إن كان غائباً إذا كان طريقهما واحداً"؛ يعني: الجار أحق بها إذا كان كذلك. * * *

стр. 1575

٢١٨٥ - عن ابن عبَّاسٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "الشَّريكُ شَفْيعٌ، والشُّفْعَةُ في كلِّ شيءٍ"، ويُروَى عن ابن أبي مُلَيكةَ مُرسلاً. "عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﵊ قال: الشريك شفيع، والشفعة في كل شيء"؛ أي: ثابتة في جميع الأحوال المشتركة من الحيوان والعُروض وغيرهما، كذا قيل، لكن لم يذهب إليه أحدٌ من الأئمة الأربعة. "ويروى" هذا الحديث "عن ابن أبي مليكة مرسلاً"، قيل: تقديره: في كل شيء يحتمل الشفعة، أو كل عَقار مشترك. * * * ٢١٨٦ - عن عبدِ الله بن حُبَيْشٍ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ قطعَ سِدْرَةً صَوَّبَ الله رأْسَهُ في النَّارِ". وقال أبو داودَ: هذا الحديثُ مُختصرٌ، يعني: "منْ قطعَ سِدرةً في فَلاةٍ يَسْتَظِلُّ بها ابن السبيلِ والبهائُم غَشْماً وظُلماً بغيرِ حق يكونُ لهُ فيها، صَوَّبَ الله رأسَهُ في النَّار". "عن عبد الله بن حُبيش قال: قال رسول الله ﷺ : من قطع سِدرة" وهي شجرة النَّبق "صوَّب الله"؛ أي: ألقى "رأسه في النار"، التصويب ضد الصعود، قيل: المراد هنا سدرة مكة؛ لأنه حَرَم، وقيل: سدرة المدينة، نهى عن قطعه لئلا توحش وليبقى شجرها، فيستأنس بذلك مَنْ هاجر إليها، ويستظل بها، وهذا غير مختص بالسِّدر، بل عامٌّ في شجر يستظل الناس والبهائم بالجلوس تحته. "قال أبو داود: هذا الحديث مختصر؛ يعني: من قطع سدرة في فلاة - أي: بادية - يستظل بها ابن السبيل والبهائم غَشماً" وهو بفتح الغين وسكون

стр. 1576

الشين المعجمة: الظلم، "وظلماً" تفسير له، "بغير حق يكون له فيها"، قيل: المراد بالحق: النفع، وربما يظلم أحد ظلماً ويكون له نفعاً، وهذا بخلافه كما قال الله تعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣]. "صوب الله رأسه في النار" قيل: إيراد هذا الحديث في (باب الشفعة) غيرُ مناسب، وإنما المناسب في "باب الغَصْب". * * * ١٢ - باب المُساقاةِ والمُزارعةِ مِنَ الصِّحَاحِ: ٢١٨٧ - عن عبدِ الله بن عمرَ ﵄: أن رسُولَ الله ﷺ دفَع إلى يهودِ خَيْبَرَ نخلَ خَيْبَرَ وأرضَها على أنْ يعتَمِلُوها مِنْ أموالِهِمْ ولرسُولِ الله ﷺ شَطْرُ ثَمَرِها. ويُروى: عَلَى أنْ يعمَلُوها وَيزْرعُوها ولهمْ شَطْرُ ما يخرُجُ منها. (باب المساقاة والمزارعة) "من الصحاح": " عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها" حين فتحَها ﵊ عَنْوة وأراد إخراج أهلها اليهود منها، والتمسوا منه ﵊ أن يُقِرَّهم "على أن يعتملوها"؛ أي: يسعَوا فيها بما فيه عمارة أرضها وإصلاحها "من أموالهم" بأن تكون آلات العمل كلِّها كالفأس والمِنْجل وغير ذلك عليهم، "ولرسول الله ﷺ شطر ثمرها"، فقال ﵊: "نُقرُّكم بها على ذلك ما شئنا"، فكانوا على ذلك زمنَ النبيِّ ﵊ وخلافة أبي بكر وصَدرْاً من خلافة عمر ﵄ إلى أن أجلاهم

стр. 1577

عمر، أي: ارتحلهم إلى أريحا وأَذْرعات الشام. "ويروى: على أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها" وهذا يدل على أنه لو بَيَّنَ حِصَّة العامل وسكت عن حصة نفسه جاز، ولو عكس قيل: يجوز قياساً على العكس. * * * ٢١٨٨ - عن ابن عمرَ ﵄ قال: كُنَّا نُخابرُ ولا نَرَى بذلكَ بأْساً حتَّى زعمَ رافِعُ بن خَدِيج أن النَّبيَّ ﷺ نهَى عَنْها فتَركْناها مِنْ أجْلِ ذلكَ. "عن ابن عمر قال: كنا نخابر" مرَّ معنى المخابرة: اكتراءُ العاملِ الأرضَ ببعض ما يخرج من النصف أو الثلث، والخبرة: النصيب، "ولا نرى بذلك بأساً حتى زعم"؛ أي: قال "رافع بن خديج: أن النبي ﵊ نهى عنها، فتركناها من أجل ذلك". * * * ٢١٨٩ - عن حَنظلةَ بن قَيْسٍ عن رافعِ بن خَدِيجٍ ﵄ قال: أخبرني عمَّايَ أنَّهمْ كانوا يُكرونَ الأرضَ على عهدِ رسُولِ الله ﷺ بما يَنْبُتُ على الأربعاءَ، أو شيءٍ يَستثنيهِ صاحبُ الأرضِ، فنهانا النبي ﷺ عنْ ذلكَ، فقلتُ لِرَافعٍ: فكيفَ هيَ بالدَّراهِم والدَّنانيرِ؛ فقال: ليسَ بها بأسٌ. فكانَ الذي نَهىَ منْ ذلكَ ما لو نظرَ فيهِ ذو الفَهم بالحَلالِ والحَرامِ لمْ يُجيزوهُ لما فيهِ مِنَ المُخاطَرَةِ. "عن حنظلة بن قيس، عن رافع بن خديج قال: أخبرني عَمَّايَ" تثنية عم: "أنهم كانوا"؛ أي: أصحاب النبي ﷺ "يُكْرون الأرض على عهد رسول الله ﷺ " ليزرعها العامل ببَذره "بما ينبت على الأربعاء" - بكسر الباء - جمع الربيع، وهو النهر الصغير على طرف المزارع؛ يعني: يكون ما ينبت على

стр. 1578

أطراف الجداول والسَّواقي، للمُكْري أجرة لأرضه، وما عدا ذلك للمكري في مقابلة بذره وعمله، "أو شيء يستثنيه صاحب الأرض" بأن يقول: ما ينبت في هذه القطعة بعينها يكون له أجرة لأرضه، "فنهانا النبيُّ ﵊ عن ذلك، فقلت لرافع: فكيف هي بالدراهم أو الدنانير، فقال: ليس بها بأس"؛ لأنه لا خطر فيه، "وكان الذي نهى عن ذلك ما لو نظر فيه ذوو الفهم" بواوين، أريد به الجمع "بالحلال والحرام لم يجيزوه لِمَا فيه من المخاطرة"؛ أي: من التورُّط فيما لا يحل لكون حصة كل واحد مجهولة، وربما لا يخرج فلا يكون لصاحب الأرض شيء، فيكون عليه ضرر بتعطيل أرضه مدة من غير عوض، فهذا هو المخاطرة من الخطر الذي هو الإشراف على الهلاك. * * * ٢١٩٠ - وعن رافِعٍ قال: كانَ أحدُنا يُكري أرضَهْ فيقول: هذهِ القِطعةُ لي وهذهِ لك، فرُبَّما أخرَجَتْ ذِه ولمْ تُخْرِجْ ذِه، فنهاهُمُ النَّبيّ ﷺ . "وعن رافع قال: كان أحدُنا يُكْري أرضه"؛ أي: يدفعها إلى آخر ليزرعه من بذر نفسه "فيقول" صاحب الأرض: "هذه القطعة"؛ أي: ما يخرج "لي" منها بكراء أرضي، "وهذه"؛ أي: هذه القطعة؛ يعني: ما يخرج منها "لك" بعملك، "فربما أخرجت ذه" إشارة إلى القطعة من الأرض، وهي من الأسماء التي يُشار بها إلى المؤنث المفردة، يقال: ذو ذه، والهاء ساكنة؛ لأنها للوقف وهي فاعل (أخرجت)؛ أي: ربما أخرجت قطعة منها زرعاً ولم تخرجه قطعة أخرى منها، "ولم تخرج ذه" فيلحق الضرر، "فنهاهم النبي ﵊" عن هذه المعاملة. * * *

стр. 1579

٢١٩١ - وعن طاوُس ﵁ قال: إنَّ أعلَمَهُمْ أخبرَني - يعني: ابن عبّاسٍ ﵄ أن النَّبيَّ ﷺ لمْ ينهَ عنهُ، ولكنْ قالَ: "أنْ يمنحَ أحدُكُم أخاهُ خيرٌ لهُ منْ أنْ يأخُذَ عليهِ خَرْجاً معلوماً". "وعن طاوس أنه قال: إن أعلمهم"؛ أي: أَعْلم أهلِ المدينة والصحابة "أخبرني؛ يعني: ابن عباس"؛ لعل طاوس قال هذا القول في وقت لم يبقَ من الصحابة مَن هو مثل ابن عباس علماً، "أن النبي ﵊ لم ينه عنه"؛ أي: عن كراء الأرض على الوجه الشرعي، "ولكن قال: لأن يمنح أحدكم"؛ أي: يعطي "أخاه" أرضه إعارة ليزرعها "خير له من أن يأخذ عليه خرجاً"؛ أي: أجراً "معلوماً" لاحتمال أن يمسك السماء مطرها والأرض رَيعها فيذهب مالُه بغير شيء. * * * ٢١٩٢ - عن جابرٍ ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "مَنْ كانتْ لهُ أرضٌ فلْيَزْرَعْها أو لِيَمْنَحْها أخاهُ، فإنْ أَبَى فلْيُمْسِكْ أرضَهُ". "عن جابر ﵁ قال: قال النبيُّ ﵊: مَنْ كانت له أرض فليزرعها" أمرُ إباحة؛ يعني: ينبغي له أن ينتفع بها بأن يزرعها، "أو ليمنحها أخاه" بطريق المروءة والمواساة، "فإن أبى"؛ أي: عن المنح، وقيل: أي عن أحد الأمرين، "فليمسك أرضه"، وهذا توبيخ لمن له مال ولم يحصل له نفع دنيوي ولا أخروي. * * * ٢١٩٣ - عن أبي أُمامةَ ﵁ ورأَى سِكَّةً وشيئاً مِنْ آلةِ الحَرْث، فقال: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: "لا يَدخُلُ هذا بيتَ قومٍ إلَاّ أدخلَه الله الذُّلَّ".

стр. 1580

"عن أبي أمامة ورأى" الواو للحال؛ أي: قال هذا الكلام حين رأى "سكة" وهي بكسر السين وتشديد الكاف: الحديدة التي يحرث بها الأرض "وشيئاً من آلة الحرث فقال: سمعت النبيَّ ﵊ يقول: لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الذل" ظاهر الحديث يدل على أن الحراثة والزراعة تُورث المَذلَّة، وليس كذلك، بل المراد: أنهم إذا أقبلوا على الدَّهْقنة والزراعة اشتغلوا عن الغزو، وأدى ذلك إلى غلبة الكفار، وأيُّ ذل أشدُّ من غلبتهم على المسلمين، ويقرب من هذا قوله: "العزُّ في نواصي الخيل، والذلُّ في أذناب البقر". * * * مِنَ الحِسَان: ٢١٩٤ - عن رافِعِ بن خَدِيجٍ عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ زرعَ في أرضِ قومٍ بغيرِ إذنِهِمْ فليسَ لهُ مِنَ الزَّرْعِ شيءٌ ولهُ نَفَقَتُهُ"، غريب. "من الحسان": " عن رافع بن خديج، عن النبي ﵊ قال: من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء"؛ يعني: ما حصل من الزرع يكون لصاحب الأرض، وليس لصاحب البذر إلا بذره، "وله نفقته"؛ أي: لصاحب الأرض مؤنته، وبهذا قال أحمد، وأما غيره قالوا: ما حصل منه فهو للزارع، وعليه أجرة الأرض من يوم غصبها إلى يوم تفريقها. وهذا حديث "غريب" ضعفه بعضُ أهل الحديث.
следующие страницы →