← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17791

شرح المصابيح لابن الملك

ابن الملك

Полный текст (3 421 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

الشين المعجمة: الظلم، "وظلماً" تفسير له، "بغير حق يكون له فيها"، قيل: المراد بالحق: النفع، وربما يظلم أحد ظلماً ويكون له نفعاً، وهذا بخلافه كما قال الله تعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ [المائدة: ٣٣]. "صوب الله رأسه في النار" قيل: إيراد هذا الحديث في (باب الشفعة) غيرُ مناسب، وإنما المناسب في "باب الغَصْب". * * * ١٢ - باب المُساقاةِ والمُزارعةِ مِنَ الصِّحَاحِ: ٢١٨٧ - عن عبدِ الله بن عمرَ ﵄: أن رسُولَ الله ﷺ دفَع إلى يهودِ خَيْبَرَ نخلَ خَيْبَرَ وأرضَها على أنْ يعتَمِلُوها مِنْ أموالِهِمْ ولرسُولِ الله ﷺ شَطْرُ ثَمَرِها. ويُروى: عَلَى أنْ يعمَلُوها وَيزْرعُوها ولهمْ شَطْرُ ما يخرُجُ منها. (باب المساقاة والمزارعة) "من الصحاح": " عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها" حين فتحَها ﵊ عَنْوة وأراد إخراج أهلها اليهود منها، والتمسوا منه ﵊ أن يُقِرَّهم "على أن يعتملوها"؛ أي: يسعَوا فيها بما فيه عمارة أرضها وإصلاحها "من أموالهم" بأن تكون آلات العمل كلِّها كالفأس والمِنْجل وغير ذلك عليهم، "ولرسول الله ﷺ شطر ثمرها"، فقال ﵊: "نُقرُّكم بها على ذلك ما شئنا"، فكانوا على ذلك زمنَ النبيِّ ﵊ وخلافة أبي بكر وصَدرْاً من خلافة عمر ﵄ إلى أن أجلاهم

стр. 1577

عمر، أي: ارتحلهم إلى أريحا وأَذْرعات الشام. "ويروى: على أن يعملوها ويزرعوها ولهم شطر ما يخرج منها" وهذا يدل على أنه لو بَيَّنَ حِصَّة العامل وسكت عن حصة نفسه جاز، ولو عكس قيل: يجوز قياساً على العكس. * * * ٢١٨٨ - عن ابن عمرَ ﵄ قال: كُنَّا نُخابرُ ولا نَرَى بذلكَ بأْساً حتَّى زعمَ رافِعُ بن خَدِيج أن النَّبيَّ ﷺ نهَى عَنْها فتَركْناها مِنْ أجْلِ ذلكَ. "عن ابن عمر قال: كنا نخابر" مرَّ معنى المخابرة: اكتراءُ العاملِ الأرضَ ببعض ما يخرج من النصف أو الثلث، والخبرة: النصيب، "ولا نرى بذلك بأساً حتى زعم"؛ أي: قال "رافع بن خديج: أن النبي ﵊ نهى عنها، فتركناها من أجل ذلك". * * * ٢١٨٩ - عن حَنظلةَ بن قَيْسٍ عن رافعِ بن خَدِيجٍ ﵄ قال: أخبرني عمَّايَ أنَّهمْ كانوا يُكرونَ الأرضَ على عهدِ رسُولِ الله ﷺ بما يَنْبُتُ على الأربعاءَ، أو شيءٍ يَستثنيهِ صاحبُ الأرضِ، فنهانا النبي ﷺ عنْ ذلكَ، فقلتُ لِرَافعٍ: فكيفَ هيَ بالدَّراهِم والدَّنانيرِ؛ فقال: ليسَ بها بأسٌ. فكانَ الذي نَهىَ منْ ذلكَ ما لو نظرَ فيهِ ذو الفَهم بالحَلالِ والحَرامِ لمْ يُجيزوهُ لما فيهِ مِنَ المُخاطَرَةِ. "عن حنظلة بن قيس، عن رافع بن خديج قال: أخبرني عَمَّايَ" تثنية عم: "أنهم كانوا"؛ أي: أصحاب النبي ﷺ "يُكْرون الأرض على عهد رسول الله ﷺ " ليزرعها العامل ببَذره "بما ينبت على الأربعاء" - بكسر الباء - جمع الربيع، وهو النهر الصغير على طرف المزارع؛ يعني: يكون ما ينبت على

стр. 1578

أطراف الجداول والسَّواقي، للمُكْري أجرة لأرضه، وما عدا ذلك للمكري في مقابلة بذره وعمله، "أو شيء يستثنيه صاحب الأرض" بأن يقول: ما ينبت في هذه القطعة بعينها يكون له أجرة لأرضه، "فنهانا النبيُّ ﵊ عن ذلك، فقلت لرافع: فكيف هي بالدراهم أو الدنانير، فقال: ليس بها بأس"؛ لأنه لا خطر فيه، "وكان الذي نهى عن ذلك ما لو نظر فيه ذوو الفهم" بواوين، أريد به الجمع "بالحلال والحرام لم يجيزوه لِمَا فيه من المخاطرة"؛ أي: من التورُّط فيما لا يحل لكون حصة كل واحد مجهولة، وربما لا يخرج فلا يكون لصاحب الأرض شيء، فيكون عليه ضرر بتعطيل أرضه مدة من غير عوض، فهذا هو المخاطرة من الخطر الذي هو الإشراف على الهلاك. * * * ٢١٩٠ - وعن رافِعٍ قال: كانَ أحدُنا يُكري أرضَهْ فيقول: هذهِ القِطعةُ لي وهذهِ لك، فرُبَّما أخرَجَتْ ذِه ولمْ تُخْرِجْ ذِه، فنهاهُمُ النَّبيّ ﷺ . "وعن رافع قال: كان أحدُنا يُكْري أرضه"؛ أي: يدفعها إلى آخر ليزرعه من بذر نفسه "فيقول" صاحب الأرض: "هذه القطعة"؛ أي: ما يخرج "لي" منها بكراء أرضي، "وهذه"؛ أي: هذه القطعة؛ يعني: ما يخرج منها "لك" بعملك، "فربما أخرجت ذه" إشارة إلى القطعة من الأرض، وهي من الأسماء التي يُشار بها إلى المؤنث المفردة، يقال: ذو ذه، والهاء ساكنة؛ لأنها للوقف وهي فاعل (أخرجت)؛ أي: ربما أخرجت قطعة منها زرعاً ولم تخرجه قطعة أخرى منها، "ولم تخرج ذه" فيلحق الضرر، "فنهاهم النبي ﵊" عن هذه المعاملة. * * *

стр. 1579

٢١٩١ - وعن طاوُس ﵁ قال: إنَّ أعلَمَهُمْ أخبرَني - يعني: ابن عبّاسٍ ﵄ أن النَّبيَّ ﷺ لمْ ينهَ عنهُ، ولكنْ قالَ: "أنْ يمنحَ أحدُكُم أخاهُ خيرٌ لهُ منْ أنْ يأخُذَ عليهِ خَرْجاً معلوماً". "وعن طاوس أنه قال: إن أعلمهم"؛ أي: أَعْلم أهلِ المدينة والصحابة "أخبرني؛ يعني: ابن عباس"؛ لعل طاوس قال هذا القول في وقت لم يبقَ من الصحابة مَن هو مثل ابن عباس علماً، "أن النبي ﵊ لم ينه عنه"؛ أي: عن كراء الأرض على الوجه الشرعي، "ولكن قال: لأن يمنح أحدكم"؛ أي: يعطي "أخاه" أرضه إعارة ليزرعها "خير له من أن يأخذ عليه خرجاً"؛ أي: أجراً "معلوماً" لاحتمال أن يمسك السماء مطرها والأرض رَيعها فيذهب مالُه بغير شيء. * * * ٢١٩٢ - عن جابرٍ ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "مَنْ كانتْ لهُ أرضٌ فلْيَزْرَعْها أو لِيَمْنَحْها أخاهُ، فإنْ أَبَى فلْيُمْسِكْ أرضَهُ". "عن جابر ﵁ قال: قال النبيُّ ﵊: مَنْ كانت له أرض فليزرعها" أمرُ إباحة؛ يعني: ينبغي له أن ينتفع بها بأن يزرعها، "أو ليمنحها أخاه" بطريق المروءة والمواساة، "فإن أبى"؛ أي: عن المنح، وقيل: أي عن أحد الأمرين، "فليمسك أرضه"، وهذا توبيخ لمن له مال ولم يحصل له نفع دنيوي ولا أخروي. * * * ٢١٩٣ - عن أبي أُمامةَ ﵁ ورأَى سِكَّةً وشيئاً مِنْ آلةِ الحَرْث، فقال: سَمِعْتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: "لا يَدخُلُ هذا بيتَ قومٍ إلَاّ أدخلَه الله الذُّلَّ".

стр. 1580

"عن أبي أمامة ورأى" الواو للحال؛ أي: قال هذا الكلام حين رأى "سكة" وهي بكسر السين وتشديد الكاف: الحديدة التي يحرث بها الأرض "وشيئاً من آلة الحرث فقال: سمعت النبيَّ ﵊ يقول: لا يدخل هذا بيت قوم إلا أدخله الذل" ظاهر الحديث يدل على أن الحراثة والزراعة تُورث المَذلَّة، وليس كذلك، بل المراد: أنهم إذا أقبلوا على الدَّهْقنة والزراعة اشتغلوا عن الغزو، وأدى ذلك إلى غلبة الكفار، وأيُّ ذل أشدُّ من غلبتهم على المسلمين، ويقرب من هذا قوله: "العزُّ في نواصي الخيل، والذلُّ في أذناب البقر". * * * مِنَ الحِسَان: ٢١٩٤ - عن رافِعِ بن خَدِيجٍ عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ زرعَ في أرضِ قومٍ بغيرِ إذنِهِمْ فليسَ لهُ مِنَ الزَّرْعِ شيءٌ ولهُ نَفَقَتُهُ"، غريب. "من الحسان": " عن رافع بن خديج، عن النبي ﵊ قال: من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء"؛ يعني: ما حصل من الزرع يكون لصاحب الأرض، وليس لصاحب البذر إلا بذره، "وله نفقته"؛ أي: لصاحب الأرض مؤنته، وبهذا قال أحمد، وأما غيره قالوا: ما حصل منه فهو للزارع، وعليه أجرة الأرض من يوم غصبها إلى يوم تفريقها. وهذا حديث "غريب" ضعفه بعضُ أهل الحديث.

стр. 1581

١٣ - باب الإجارةِ " باب الإجارة": وهي تمليك المنفعة بعِوض إلى مدة معينة. مِنَ الصِّحَاحِ: ٢١٩٥ - عن عبد الله بن مُغَفَّل ﵁ قال: زَعَمَ ثابتٌ أن رسُولَ الله ﷺ نهَى عَنِ المُزارَعَةِ وأمرَ بالمُؤاجَرَةِ وقال: "لا بأْسَ بها". "من الصحاح": " عن عبد الله بن مغفل" بضم الميم وفتح الغين المعجمة والفاء المشددة "قال: زعم ثابت: أن رسول الله ﷺ نهى عن المزارعة"؛ أي: عن المخابرة، "وأمر بالمؤاجرة وقال: لا بأس بها". * * * ٢١٩٦ - عن ابن عبَّاسٍ: أن النَّبيَّ ﷺ احْتَجَمَ وأعطَى الحَجَّامَ أجْرَهُ، واسْتَعَطَ. "عن ابن عباس: أن النبي ﵊ احتجم وأعطى الحجَّام أجره واسْتعط"؛ أي: أدخل الدواء في أنفه، وهذا يدل على صحة الاستئجار، وجواز المداواة. * * * ٢١٩٧ - عن أبي هريرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "ما بعثَ الله نبيًّا إلَاّ رَعى الغَنمَ"، فقال أصحابُهُ: وأنتَ؟ فقال: "نعم، كنتُ أرْعَى على قَراريطَ لأِهلِ مكَّةَ".

стр. 1582

"عن أبي هريرة، عن النبي ﵊ قال: ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم" وفائدة رعيهم الغنم: زيادة شفعتهم وحملهم؛ لأنهم إذا صبروا على مشقة رعيها ومقاساة جمعها مع تفرقها في المَرعى والمَشْرب، وعلموا شدة ضعفها، واحتياجها إلى النقل من مكان إلى مكان، صبروا على مخالطة عوامِّ الناس مع اختلاف أمزجتهم، وقلة عقول بعضهم، ولم يَمَلُّوا من دعوتهم إلى الدين لاعتيادهم على تحمُّل المشقة، "فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: نعم، كنت أرعى على قراريط" جمع قيراط "لأهل مكة"؛ أي: استأجرني أهلُ مكة على رعي الغنم كلَّ يوم بقيراط، وهو نصف دانق وهو سدس [درهم]، وذِكْرُه بلفظ الجمع يُشعر بأنه أراد قسط كل شهر، ولم يذكر كميتها لنسيانها، أو استهانة بها، قال ﵊ تواضعاً لله، وتصريحاً بمنته ﵊، ومَنْ قال: القراريطُ اسمُ موضعٍ بمكة، فقد تكلَّف، كأنه استعظم أن يرعى عليه بالأجرة، ولم يعلم أن الأنبياء إنما يتنزَّهون عنها فيما يعملونه لله تعالى. * * * ٢١٩٨ - وقال: "قال الله تعالى: ثلاثةٌ أنا خَصْمُهُمْ يومَ القِيامَةِ: رجلٌ أعطَى بي ثمَّ غَدَرَ، ورجلٌ باعَ حُرًّا فأكلَ ثَمنَهُ، ورجلٌ استأجَرَ أجِيراً فاسْتوفَى منهُ ولم يُعطهِ أجرَهُ". "وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمُهم" مصدر خصمته أخصمه، ثم وُصف به للمبالغة كالعَدْل، "يوم القيامة رجل أعطى بي"؛ أي: أعطى الأمان وحلف باسمي، أو بذِكْري، أو بما شَرَعته من ديني بأن يقول للمستأجر: لك ذمة الله ولك عهده، "ثم غدر" ونقض عهده بلا جُرم من جانبه، "ورجل باع حراً فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيراً فاستوفى منه" عملَه المستأجَر منه "ولم يعطه أجره".

стр. 1583

٢١٩٩ - وعن ابن عبَّاسٍ أن نفراً مِنْ أصحابِ النبيِّ ﷺ مرُّوا بماءٍ فيهمْ لَديغٌ، فعَرَضَ لهمْ رجلٌ مِنْ أهلِ الماءِ فقال: هلْ فيكُمْ مِنْ راقٍ؟ إنَّ في الماءِ رجُلاً لدِيغاً. فانطلقَ رجلٌ منهمْ فقرأَ بفاتِحَةِ الكتابِ على شاءٍ فبرأَ، فجاءَ بالشاءِ إلى أصحابهِ فكرِهُوا ذلكَ وقالوا: أخذتَ على كتابِ الله أجْراً، حتى قَدِمُوا المدينةَ فقالوا: يا رسولَ الله! أخذَ على كتابِ الله أجراً، فقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ أحقَّ ما أخذْتُمْ عليهِ أجْراً كتابُ الله". وفي روايةٍ: "أصبتُمْ، اقْسِمُوا واضْرِبُوا لي معكُمْ سَهْماً". "عن ابن عباس ﵁: أن نفراً من أصحاب النبي ﵊ مرُّوا بماء"؛ أي: بأهل ماء، والمراد به: الحي النازلون عليه، ولذا جمع الضمير في قوله "فيهم لديغ"؛ أي: ملدوغ، "فعرض لهم"؛ أي: استقبلهم "رجل من أهل الماء فقال: هل فيكم من راق"؛ أي: قارئ رقية، "إن في الماء رجلاً لديغاً، فانطلق"؛ أي: ذهب "رجل منهم فقرأ بفاتحة الكتاب على شاءٍ" جمع شاة وهي الغنم؛ يعني: قال ذلك الرجل لهم أرقي هذا اللديغ بشرط أنْ تُعطوني كذا رأساً من الغنم، فرَضُوا، فقرأ عليه فاتحة الكتاب، "فبرأ" ببركة كلام الله، "فجاء بالشاة إلى أصحابه فكرهوا ذلك وقالوا: أخذت على كتاب الله أجراً حتى قدموا المدينة فقالوا: يا رسول الله! أخذ على كتاب الله أجراً، فقال رسول الله ﷺ : إن أحق ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله"، وبهذا قال الشافعي ومالك: يجوز أخذُ الأجرة على تعليم القرآن، والرقية بكلام الله، وباسمه تعالى، والدعوات؛ لأن القرآن والنَّفث من الأفعال المباحة، ومنع ذلك أبو حنيفة وأحمد. "وفي رواية: أصبتم"؛ أي: فعلتم صواباً وحقاً، "اقسموا واضربوا لي معكم سهماً"؛ أي: اقسموا وبيِّنوا لي نصيباً من هذه الشاة، وإنما قال هذا ليطمْئِنَ قلوبَهم باستحلال أخذ الأجرة على الرقية؛ لأنه لو لم يكن حلالاً وموافقاً

стр. 1584

للتقوى لم يَقُلْ ذلك. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٢٠٠ - عن خارجةَ بن الصَّلْتِ عن عمِّه أنَّه مرَّ بقومٍ فقالوا: إنَّكَ جِئْتَ مِنْ عندِ هذا الرَّجلِ بخَيرٍ، فارْقِ لنا هذا الرجُلَ، وأتوه برجلٍ مَجنونٍ في القُيودِ، فرقاهُ بأمّ القُرآنِ ثلاثةَ أيَّامٍ غُدْوَةً وعَشِيَّةً، كلَّما خَتَمها جمعَ بُزاقَهُ ثمَّ تَفَلَ، فكأنَّما أُنْشِطَ مِنْ عِقالٍ، فأعطوهُ مئةَ شاةٍ فأتَى النَّبيَّ ﷺ : فذكرَ لهُ فقال: "كُلْ فَلَعَمْري لَمَنْ أكلَ برُقْيَةِ باطلٍ لقدْ أكلْتَ برُقيةِ حقٍّ". "من الحسان": " عن خارجة بن الصلت، عن عمه: أنه مرَّ بقوم فقالوا: إنك جئت من عند هذا الرجل"؛ يعني: النبي ﵊ "بخير"؛ أي: بالقرآن وذكر الله، "فارْقِ لنا هذا الرجل، وأتَوْه برجل مجنون في القيود، فَرَقَاه بأم القرآن"؛ يعني: الفاتحة "ثلاثة أيام غَدوة وعَشِية كلما ختمها جمع بُزاقه ثم تفل"؛ أي: نفخ بزاقه عليه، "فكأنما أنشط"؛ أي: حَلَّ وأطلق "من عقال"؛ أي: من حَبْلٍ مشدود به؛ يعني: زال عنه ذلك الجنون، "فأعطوه مائة شاة فأتى النبي ﷺ فذكر له فقال: كل، فلعمري"؛ أي: بحياتي، اللام فيه لام الابتداء، وفي "لمن" جواب القسم "أكل برقية باطل"؛ يعني: من الناس مَنْ يأكل برقية باطل، كذكر الكواكب والاستعانة بها وبالجن، "لقد أكلت برقية حق" وهي كلام الله. * * * ٢٢٠١ - وقال رسولُ الله ﷺ : "أعْطُوا الأجيرَ أجْرَهُ قبلَ أنْ يَجفَّ عَرَقُهُ". "وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : أعطوا الأجير أجره قبل أن

стр. 1585

يجفَّ عرقُه"، وإنما ذكر ذلك بصيغة الأمر ليعلم أن ذلك من المهام، لا أنه واجب في ساعته. * * * ٢٢٠٢ - و"وأعْطُوا السَّائِلَ وإنْ جاءَ على فَرَسٍ"، مرسل. "وأعطوا السائل وإن جاء على فرس"؛ أي: لا ترد السائل وإن جاء على حالة مظِنة الغنى، فابذُلوا له مروءتكم كما بذل لكم وجهه، ولأن الفارس ربما انقطع زادُه واحتاج إلى القُوت ولم يكن له طريق إلا السؤال. في بعض النسخ وقع في آخر هذا الحديث "مرسل" وهو سهو؛ لأنه وجد مسنداً إلى ابن عمر، وقيل: أوله مسند إلى ابن عمر، وأورد البقية أبو داود في كتابه بإسناده إلى الحسين بن علي ﵄. * * * ١٤ - باب إحياء المَوَاتِ والشِّرْبِ " باب إحياء الموات والشرب" بكسر الشين: اسم للنصيب من الماء. مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٢٠٣ - عن عائشةَ ﵂ عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ أعْمَرَ أرضاً ليستْ لأحَدٍ فهوَ أحقُّ بها". "من الصحاح": " عن عائشة ﵂، عن النبي ﵊ قال: مَنْ أعمر أرضاً ليست لأحد فهو أحق بها"، والحديث بمنطوقه يدلُّ على أن العمارة

стр. 1586

كافية في التملك بلا إذن السلطان، وبمفهومه على أن غيرها من التحجير والإعلام لا يكفي. * * * ٢٢٠٤ - وقال: "لا حِمَى إلَاّ لله ورسُولِهِ". "وعن صعب بن جَثَّامة قال: قال رسول الله ﷺ : لا حمى" بكسر الحاء؛ بمعنى المحمي، وهو موضع الكَلاء يُحمى من الناس والماشية ليكثر كَلاؤه، "إلا لله ورسوله"، وهذا يؤول على إبطال فعل الجاهلية، كان الشريف فيها إذا نزل أرضاً في قبيلة استعْوى كلباً فحمى مدى عوائه من المكان الخصيب لخيله وماشيته، ولا يشركه فيه غيرُه، وهو يشارك القوم فيما يرعون، فنهى ﵊ عن ذلك، فمعناه: لا حمى لأحد على الوجه الخاص، بل على الوجه الذي حَمَاه ﵊ لمصالح المسلمين نحو حماية النَّقيع لمصالحهم للخيل المُعَدَّة لسبيل الله، ولرعي إبل الزكاة والجزية، مع أن الحمى كان جائزاً له لخاص نفسه، لكنه لم يفعل، ولا يجوز لأحد من الأئمة بعدَه ﵊ أن يحمي لخاص نفسه، قيل: ولا للمصالح أيضاً؛ لهذا الحديث، والأكثر على جوازه للمصالح على نحوِ حِمَاه ﵊، وقد حمى عمر ﵁ السرف والربذة. * * * ٢٢٠٥ - وعن عُرْوَةَ قال: خاصم الزُّبيرُ رجُلاً مِنَ الأنصارِ في شَريجٍ مِنَ الحَرَّةِ، فقال النبيُّ ﷺ : "اِسْقِ يا زُبيرُ ثمَّ أَرسِلِ الماءَ إلى جارِكَ". فقال الأنصاريُّ: أنْ كانَ ابن عمَّتِكَ؟ فتلوَّنَ وَجْهُهُ ثمَّ قال: "اِسْقِ يا زُبيرُ ثمَّ احْبسْ الماءَ حتَّى يَرجِعَ إلى الجَدْرِ، ثمَّ أرسِلْ الماءَ إلى جارِكَ". فاسْتَوْعَى النبيَّ ﷺ -

стр. 1587

للزُّبير حقَّهُ في صَريح الحُكْمِ حينَ أحفَظَهُ الأنصاريُّ، وكانَ أشارَ عليهِما بأمرٍ لهُما فيهِ سَعَة. "عن عروة قال: خاصم الزبير رجلاً من الأنصار في شريج" - بكسر الشين المعجمة وفتحها - جمع شرج، وهو مَسيل الماء، وفي أكثر النسخ: (الشراج)، "من الحرة"؛ أي: من بين الحجارة إلى موضع السهل وكانت أرض الزبير أعلى من أرض الأنصاري، وكانا يسقيان من ماء واحد جارٍ في دار، فتنازعا في تقديم السَّقي، فترافعا إلى النبي ﵊، "فقال النبيُّ ﵊: اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك" يدل على أن مَنْ كانت أرضه أعلى فهو أحقُّ بالسقي أولاً، "فقال الأنصاري: إن كان"؛ أي: لأن كان، بحذف حرف الجر، ومتعلقه؛ يعني: حكمت لأجل أن كان "ابن عمتك"، وكان الزبير ابن عاتكة بنت عبد المطلب، وهي عمةُ النبيَّ ﵊، "فتلوَّن"؛ أي: تغير "وجهه" ﵊ من الغضب واحمرَّ، "ثم قال: اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر" - بفتح الجيم وكسرها وسكون الدال المهملة وفتحها - هو الجدار الحائل بين المشارب، "ثم أرسل الماء إلى جارك، فاستوعى النبي ﵇"؛ أي: استوفى "الزبير حقه"؛ أي: أعطى الزبير حقه تاماً "في صريح الحكم" حيث قال ﵊: (حتى يرجع إلى الجدر) مأخوذ من الوعاء الذي يجمع فيه الأشياء كأنه جمعه في وعائه "حين أَخفظه"؛ أي: أغضبه "الأنصاريُّ، وكان ﵊ أشار عليهما" أولاً "بأمرٍ" وهو قوله: "اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك" "لهما فيه سَعة"؛ لأنه كان أمراً للزبير بالمعروف، وأخذاً بالمسامحة وحسن الجوار بترك بعض حقه دون أن يكون حكماً عليه منه، فلما رأى الأنصاري يجهل موضعَ حقِّه أَمَرَ الزبير باستيفاء تَمام حقه، وهذا يدل على جواز العفو عن التعزير لسوء أدبه، وإنما حكم ﵊ على

стр. 1588

الأنصاري في حال غضبه مع نهيه الحاكم أن يحكم وهو غضبان: لأنه كان معصوماً مِنْ أن يقول في السُّخط والرضا إلا حقاً. * * * ٢٢٠٦ - وقال رسولُ الله ﷺ : "لا تَمنعُوا فَضْلَ الماءِ لتَمنعُوا فَضْلَ الكَلإِ". "وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبيُّ ﵊: لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا فضل الكلإ" مرَّ تأويلُه في حديث: "لا يباع فضل الماء ليباع به الكَلاء". * * * ٢٢٠٧ - وعن جابرٍ ﵁ قال: نهَى رسُولُ الله ﷺ عنْ بيعِ فضْلِ الماءِ. "وعن جابر ﵁ قال: نهى رسول الله ﷺ عن بيع فضل الماء" مرَّ بيانُه. * * * ٢٢٠٧/ -م - وعن أبي هريرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "ثلاثةٌ لا يُكَلِّمُهُمْ الله يومَ القيامةِ ولا ينظرُ إليهم: رجلٌ حَلفَ على سِلْعةٍ، لقد أَعْطَى بها أكثرَ مما أَعْطَى وهو كاذبٌ، ورجلٌ حلفَ على يمينٍ كاذبةٍ بعدَ العصرِ لِتقْتَطِعَ بها مالَ رجلٍ مُسلمٍ، ورجلٌ مَنَعَ فضلَ ماءٍ, فيقولُ الله تعالى: اليومَ أمنعُكَ فضلي كما مَنَعْتَ فضلَ ماءٍ لم تعملْ يداك". "عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵊: ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة"؛ أي: كلام الرضا، "ولا ينظر إليهم"؛ أي: لا يلطف بهم: "رجل حلف على سلعة لقد أعطي بها"؛ أي: بالسلعة "أكثر مما أعطي"، كلا

стр. 1589

الفعلين على بناء المفعول؛ يعني: رجل يشتري متاعه بمائة فحلف أنَّ رجلاً أعطاني قبلَ هذا بهذا المتاع مائة وعشرين "وهو كاذب" في هذا الكلام، وفي بعض النسخ: كلاهما على بناء الفاعل؛ أي: أعطى هو بها أكثر مما أعطى هو بها، ويجوز أن يكون الأول على بناء الفاعل، والثاني على بناء المفعول؛ أي: أعطى في ثمنها أكثر مما يعطيه المشتري سَوماً، "ورجل حلف على يمين كاذبة"؛ أي: بيمين كاذبة على محلوف عليه غير واقع وهو عالم به "بعد العصر" قيَّد به لأنَّ بعده هو وقت الرجوع إلى أهله بغير ربح، فحلف كاذباً ليربح، أو ذكره لشرف ذلك الوقت، فيكون اليمين الكاذبة في تلك الساعة أغلظ وأشد، أو لأنه ﵊ كان يعقد للحكومة بعد العصر، "ليقتطع بها مال رجل مسلم"؛ أي: ليأخذه لنفسه متملكاً، "ورجل منع فضل ماء فيقول الله : اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك"؛ أي: لم يحصل بسعيك، فإني لو لم أخرجه لم يخرج بسعيك، ولو بالغت في الحفر كلَّ المبالغة. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٢٠٨ - عن جابرٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَن أحيا أرضاً مَيتَةً فهي له". "من الحسان": " عن جابر ﵁، عن النبي ﵊ قال: من أحيا أرضاً ميتة فهي له" مرَّ معناه (١).

стр. 1590

٢٢٠٩ - وعن الحسنِ، عن سَمُرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَن أَحاطَ حائِطاً على الأرضِ فهو له". "وعن الحسن، عن سمرة، عن النبي ﵊ قال: من أحاط حائطاً على أرض فهي له"؛ أي: مَنْ أحاط جداراً حول أرض موات لحظيرة غنم أو غيره صار ذلك المَحُوط ملكاً له، وقد يستدِلُّ به مَنْ يرى الملك بالتحجير، ولا حجةَ فيه؛ لأن التملك بالإحياء والعمارة. * * * ٢٢١٠ - عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ ﵁: أن رسولَ الله ﷺ أقطعَ للزُّبيرِ نخيلاً. "عن أسماء بنت أبي بكر: أن رسول الله ﷺ أقطع للزبير نخيلاً"؛ أي: أعطاه ﵊ ذلك من الخُمس الذي هو سهمه، أو من نخيل الكفار، أو من نخيل مسلم مات ولم يخلِّف وارثاً فوقع في بيت المال لكونه مقاتلاً في سبيل الله، أو هو من النخيل التي آثر بها الأنصارُ المهاجرين، أو أقطعه مواتاً ليغرس فيه نخيلاً، والإقطاع: تعيين قطعة من الأرض. * * * ٢٢١١ - وعن ابن عمرَ: أن النبيَّ ﷺ أَقطعَ للزُّبيرِ حُضْرَ فرسِه، فأَجْرى فرسَه حتى قامَ، ثم رَمَى بسَوْطِه فقال: "أَعطُوه مِن حيثُ بلغَ السَّوْطُ". "وعن ابن عمر ﵁: أن النبي ﵊ أقطع للزبير حضر فرسه" بضم الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة؛ أي: مقدار عَدْو فرسه، "فأجرى فرسه حتى قام"؛ أي: وقف ولم يقدر أن يمشي، "ثم رمى"؛ أي: الزبير "بسَوطه" في موضع وقال: أعطني يا رسول الله إلى حيث وَقَع فيه سوطي،

стр. 1591

"فقال ﵊: أعطوه من حيث بلغ السوط" (من) فيه زائدة، وهذا يدل على جواز إقطاع الإمام من بلاد العَنْوة ما لم يَجْرِ عليه ملكُ مسلم. * * * ٢٢١٢ - وعن عَلْقَمةَ بن وائلٍ، عن أبيه: أن النبيَّ ﷺ أَقطعَهُ أَرضاً بحضرَمَوْتَ. "وعن علقمة بن وائل، عن أبيه: أن النبي ﵊ أقطعه أرضاً بحضرموت" اسم بلد، وهما اسمان جُعلا واحداً. * * * ٢٢١٣ - وعن أبيضَ بن حَمَّالٍ المَأرِبيِّ: أنَّه وفدَ إلى النبيِّ ﷺ فاستَقطَعَه المِلحَ الذي بمأرِبَ فأَقطعَه إيَّاهُ، فلمَّا ولَّى قال رَجُلٌ: يا رسولَ الله! إنما أَقطعْتَ له الماءَ العِدَّ، قال: "فرجَعَه منه"، قال: وسأله ماذا يُحمى من الأراكِ؟ قال: "ما لم تَنَلْه أخفافُ الإبلِ". "وعن أبيض بن حَمَّال" بفتح الحاء المهملة والميم المشددة "المأربي"؛ أي: منسوب إلى مأرب وهو بفتح الميم وسكون الهمزة وفتح الراء وكسرها: موضع باليمن مملحة، قيل: أبيض أزدي، وإنما نسب إلى مأرب لنزوله به، وكان اسمه أسود فسماه ﵊ أبيض، وقيل: مأرب من بلاد الأزد. "أنه وفد"؛ أي: أتى "إلى رسول الله ﷺ فاستقطعه الملح"؛ أي: طلب منه إقطاع مَعْدنِ الملح "الذي بمأرب، فأقطعه إياه" لظنه أنه يستخرج منه الملح بالكَدِّ "فلما ولى"؛ أي: رجع "قال رجل" وهو أقرع بن حابس: "يا رسول الله! إنما أقطعت له الماء العد" بكسر العين وتشديد الدال المهملتين؛ أي: الدائم

стр. 1592

الذي لا ينقطع مادته، قال: قيل: القائل هو الرجل، والظاهر أنه أبيضُ الراوي، "فرجعه منه"؛ أي: النبي ﵊ من الإقطاع "قال: وسأله"؛ أي: الرجل النبيَّ ﵊، وفيه بيان أن المعدن الظاهر لا يجوز إقطاعه وهو الذي يحصل المقصود منه بلا كَدٍّ ومؤنة؛ كالملح والنفط والكبريت ونحوها، وبيان أن الحاكم إذا حكم بشيء ثم تبيَّن له أن الحق في غيره فعليه أن يرجع عن ذلك الحكم ويحكم ثانياً. "ماذا يحيى" على بناء المفعول "من الأراك" أراد بالحمى هاهنا: الإحياء "قال ﵊: ما لم تنله أخفاف الإبل"؛ أي: ليكن الإحياء في موضع بعيد لا تَصِلُ إليه الإبل السَّارحة، فإنها ترعى إلى غايةِ ما تصل إليه بمشيها على أخفافها، وفيه دليل على أن الإحياء لا يجوز بقرب العمارة، وبما يحتاج إليه أهل البلد من مَرْعى مواشيهم. * * * ٢٢١٤ - وقال رسولُ الله ﷺ : "المسلمونَ شركاءُ في ثلاثٍ: في الماءِ، والكَلإِ، والنَّارِ". "وعن أبي خداش، عن رجل، عن النبي ﵊: أنه قال: المسلمون شركاء في ثلاث: في الماء"، والمراد منه: المياه المباحة لكل واحد دون المُحْرز في الظُّروف والمستنبط بالسعي، "والكلاء" والمراد: هو الذي نبت في موات، "والنار" قيل المراد منها: الحجارة التي تُوري النار لا يمنع أحد أن يأخذ حجراً منها إذا كان في الموات، وأما التي أوقدها الرجلُ في منزله فله منعُ الغير منها، ولكن لا يمنع مَنْ يستصبح منها مصباحاً لأنه لا ينقص من عينها شيء.

стр. 1593

٢٢١٥ - وعن أسمرَ بن مُضَرِّسٍ أنه قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ فبايعتُه فقال: "مَن سَبقَ إلى ماءٍ لم يسبقْهُ إليه مُسلمٌ فهوَ لهُ". "عن أسمر بن مضرس قال: أتيت النبي ﵊ فبايعته، فقال: من سبق إلى ماء لم يسبقه إليه مسلم"؛ أي: إلى ماء مباح وكذا غيره من المباحات؛ كالكَلاء والحطب ونحوهما "فهو له"، أي: ما أخذه صار ملكاً له دون ما بقي في ذلك الموضع، فإنه لا يملكه. * * * ٢٢١٦ - ورُوِيَ عن طاوسٍ مُرسَلاً أن رسولَ الله ﷺ قالَ: "مَن أَحيا مَواتاً مِنَ الأرضِ فهو له، وعادِيُّ الأرضِ للهِ ولرسولهِ، ثم هي لكم مِنِّي". "وروي عن طاوس مرسلاً: أن رسول الله ﷺ قال: من أحيا مواتاً من الأرض فهو له، وعادي الأرض"؛ أي: قديمها، كأنه منسوب إلى عاد قوم هود؛ لتقادم زمانهم، والمراد بها الخراب الذي لا يعرف له مالك من المسلمين، "لله ولرسوله"؛ أي: هي فيء يتصرف فيها الرسول ﵊ ما يستصْوِبه، "ثم هي لكم مني"؛ أي: إعطائي إياها لكم بأن أَذنتُ وجوَّزتُ لكم أنْ تُحيوها وتَعْمُروها. * * * ٢٢١٧ - ورُوِيَ: أن النبيَّ ﷺ أقطعَ لعبد الله بن مسعودٍ الدُّورَ، وهي بينَ ظَهْرانيِ عِمارةِ الأنصارِ مِن المنازلِ والنخلِ، فقالَ بنو عبدِ بن زُهرَة: نَكِّبْ عنَّا ابن أُمِّ عبدٍ، فقالَ لهم رسولُ الله ﷺ : "فَلِمَ ابتَعَثَني الله إذاً؟ إنَّ الله لا يُقَدِّسُ أُمَّةً لا يُؤْخَذُ للضَّعيفِ فيهم حَقُّهُ". "وروي: أن رسول الله ﷺ أقطع لعبد الله بن مسعود الدور" وتأويل هذا

стр. 1594

الإقطاع على وجهين؛ أحدهما: أنه أقطعه العَرْصة ليبني فيها، والعربُ تسمي المنزل قبل البناء داراً، فعلى هذا صارت ملكاً له بالبناء، والثاني: أن إقطاع المهاجرين كان على سبيل العارية، وإليه ذهب أبو إسحاق المروزي، فعلى هذا: لا يجري فيها الإرث، وتركت في أيدي أزواجهم بعدهم على سبيل الإرفاق بالسُّكنى. "وهي بين ظهراني عمارة الأنصار"، يقال أقام بين ظهرانيهم؛ أي: بينهم على سبيل الاستظهار بهم والاستناد إليهم، زيدت الألف، والنون مفتوحة للتأكيد، "من المنازل والنخل" بيان لعمارة الأنصار، "فقال بنو عبد بن زهرة" هم حي من قريش أخوال النبي ﵊ كانوا من المهاجرين، وكانت أمه ﵊ منهم، "نكِّب"؛ أي: اصْرِف "عنا ابن أم عبد"، يعنون به عبد الله بن مسعود، وإنما قالوا ذلك استهانة بقربه، وسآمة عن مجاورته، وسألوا الرسول ﵊ أن يسترد منه ما أقطعه، "فقال رسول الله ﷺ : فلم ابتعثني الله إذاً"؛ أي: فما الفائدة في ابتعاثي إلى الخلق بالرسالة إذا لم أُسوِّ بين الضعيف والقوي في أخذ الحق من صاحبه له، وإن ابن مسعود ضعيف فقير وأنتم أقوياء أغنياء، فلا أترك معاونته ولا أسترد ما أعطيته لأجل رضاكم، "إنَّ الله لا يقدِّس أمة"؛ أي: لا يطهرهم من الذنوب والآفات، "لا يؤخذ للضعيف" الجملة صفة (أمة)، "فيهم حقه" لا يؤخذ حق الضعيف الذي فيهم. * * * ٢٢١٨ - عن أبي صِرْمَةَ ﵁ صاحبِ النبيِّ ﷺ عن النبيِّ ﷺ قال: "مَن ضارَّ أَضَرَّ الله بهِ، ومَن شاقَّ شَقَّ الله عليه". "عن أبي صرمة" بكسر الصاد "صاحب النبي ﵊، عن

стр. 1595

النبي ﵊ أنه قال: من ضار"؛ أي: أوصل ضرراً إلى أحد "أضرَّ الله به"؛ أي: أوصل إليه ضرراً، "ومن شاق"؛ أي: أوصل مشقة إلى المسلمين وفرَّق جماعتهم، "شق الله عليه"؛ أي: أوصل إليه مشقة وفرَّق أمره. * * * ٢٢١٩ - عن عمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أن رسولَ الله ﷺ قَضَى في سيلِ المهْزُور، أن يُمسَكَ حتى يبلغَ الكعبينِ، ثم يُرسلَ الأعلى على الأسفلِ. "عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ قضى في سيل مهزور" بالإضافة وتقديم الزاي المعجمة على الراء المهملة، وادٍ لبني قريظة بالحجاز كان يجري فيه الماء ويسقي منه جماعةٌ مزارعَهم، فأمر ﵊ "أن يمسك حتى يبلغ"؛ أي: الماء في أرضه إلى "الكعبين، ثم يرسل الأعلى إلى الأسفل"؛ أي: إلى مَنْ هو أسفل منه، فعلى هذا الترتيب. * * * ٢٢٢٠ - عن سَمُرةَ بن جُندُبٍ ﵁: أنه كانت لهُ عَضَدٌ مِن نخلٍ في حائطِ رَجُلٍ من الأنصارِ، ومعَ الرَّجلِ أهلُه، وكان سَمُرَةُ ﵁ يدخلُ عليه فيَتأذَى به، فأتى النبيَّ ﷺ فذكرَ ذلك لهُ، فطلبَ إليهِ النبيُّ ﷺ لِيَبيعَهُ فأَبى، فطلبَ أنْ يُناقلَه فأَبى، قال: "فهَبْهُ لهُ ولك كذا"، أمراً قَدْ رَغَّبهُ فيهِ فأَبى، فقال: أنتَ مُضارٌّ، فقالَ للأنصاري: "اِذهبْ فاقطَعْ نخلَهُ". "عن سمرة بن جندب: أنه كان له عضد"؛ أي: صف "من نخل في حائط رجل من الأنصار، ومع الرجل أهله، فكان سمرة يدخل عليه" لإصلاح النخيل، أو لقطف الثمار، "فيتأذى به"؛ أي؛ الرجل بدخول سمرة، "فأتى النبي

стр. 1596

عليه الصلاة والسلام، فذكر ذلك له، فطلب إليه النبي ﵊ ليبيعه فأبى" سمرة، "فطلب أن يناقله"؛ أي: يبادله؛ يعني: أن يترك نخيله في هذا البستان ويأخذ نخيلاً مثله في موضع آخر، "فأبى، قال ﵊: فهبه له ولك كذا وكذا أمراً"؛ أي: من الثواب والقُصُور والبساتين في الجنة، "رغَّبه فيه"؛ أي: حرَّضه في ذلك الأمر، "فأبى، فقال: أنت مضار"؛ أي: تريد إضرار الناس حيث لم تقبل هذه الأشياء، "فقال للأنصاري: اذهب فاقطع نخلة" ليندفع ضررُه. * * * ١٥ - باب العطايا " باب العطايا": جمع عطية، وهي ما يُعطى. مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٢٢١ - عن ابن عمرَ ﵁: أن عمرَ ﵁ أصابَ أرضاً بخيبرَ، فأَتى النبيَّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله! إني أصبتُ أرضاً بخيبرَ، لم أُصِبْ مالاً قطُّ أَنْفَسَ عندي منه، فما تَأَمُرُ به؟ قال: "إن شئتَ حَبَّسْتَ أصلَها وتصدَّقتَ بها"، فتصدَّقَ بها عمرُ: أنَّه لا يُباعُ أصلُها ولا يوهَبُ ولا يورَثُ، وتصدَّقَ بها في الفقراءِ, وفي القُربى، وفي الرِّقابِ، وفي سبيل الله، وابن السَّبيلِ، والضَّيْفِ، لا جُناحَ على مَنْ وَليَها أنْ يأكلَ منها بالمعروفِ، ويُطعِمَ غيرَ مُتمَوِّلٍ. وقال ابن سيرينَ: غيرَ مُتأثِّلٍ مالاً. "من الصحاح": " عن ابن عمر: أن عمر أصاب أرضاً بخيبر"؛ أي: حصل له ذلك عند فتحها وقِسْمتِها ﵊ بين الغانمين، "فأتى النبي عليه

стр. 1597

الصلاة والسلام فقال: يا رسول الله! إني أصبت أرضاً بخيبر لم أصب مالاً قط أنفس"؛ أي: أعزُّ وأفضل "عندي منه، فما تأمرني به"؛ يعني: أريد أن أجعله لله، فبأي طريق أجعله لله؟ "قال ﵊: إن شئت حَبَّست"؛ أي: وقفت؛ أي: إن شئت جعلتها وقفاً لا يُباع أصلُها. "وتصدقت بها"؛ أي: بالثمار والحبوب، "فتصدق بها عمر: أنه لا يباع أصلها، ولا يوهب، ولا يورث، وتصدق بها في الفقراء وفي القربى" تأنيث الأقرب يريد به: أقرباء الرسول ﵊، أو أقرباء نفسه، "وفي الرقاب" جمع رقبة وهم المكاتَبون؛ أي: في أداء ديونهم، ويحتمل أن يريد بقوله: (وفي الرقاب): أن يشتري منه الأرقاء، ويعتقوا، "وفي سبيل الله" أراد به: الغزاة بأن يشتري لهم منه السلاح والفرس، ويعطوا النفقة، "وابن السبيل" أراد به: المسافرين، "والضعيف لا جناح"؛ أي: لا إثم "على من وليها"؛ أي: أقام بحفظها وإصلاحها "أن يأكل منها بالمعروف"؛ أي: أن يأخذ منها قَدْرَ ما يحتاج إليه قوتاً وكسوة، "ويطعم"؛ أي: يصرف إلى الموقوف عليه، "غير متمول، قال ابن سيرين: غير متأثل مالاً"؛ أي: غير جامع لنفسه منه رأس مال. * * * ٢٢٢٢ - عن أبي هريرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "إِنَّ العُمْرَى جائزةٌ". "عن أبي هريرة، عن النبي ﵊ قال: العمرى جائزة" وهي اسم مِنْ أعمرتك الشيء؛ أي: جعلته لك عمري؛ أي: مدةَ عُمرِك، أو مدة عمري. * * * ٢٢٢٣ - وعن جابرٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "العُمْرَى ميراثٌ لأهلِها".

стр. 1598

"وعن جابر ﵁، عن النبي ﵊ قال: إن العمرى ميراث لأهلها" يدل على أن العمرى تمليك الرقبة والمنفعة جميعاً. * * * ٢٢٢٤ - وعن جابرٍ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أيُّما رَجُلٍ أَعْمَرَ عُمْرَى له ولعَقِبهِ، فإنها للذي أُعطِيَها، لا ترجعُ إلى الذي أَعطاها، لأنه أَعطَى عطاءً وقعَتْ فيهِ المواريثُ". "وعن جابر ﵁، عن النبي ﵊ قال: أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه، فإنها للذي أعطيها، لا ترجع إلى الذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث"؛ أي: صارت ملكاً للمدفوع إليه فيكون بعد موته لورثته كسائر أملاكه، ولا يرجع إلى الدافع، كما لا يجوز الرجوع في الموهوب، وإليه ذهب الأكثرون سواء ذكر العقب أو لم يذكر. * * * ٢٢٢٥ - وعن جابرٍ ﵁ قال: "إنَّما العُمرَى التي أجازَ رسولُ الله ﷺ أنْ يقولَ: هي لك ولعَقبكَ، فأمَّا إذا قال: هي لكَ ما عِشْتَ؛ فإنَّها ترجِعُ إلى صاحبها". "وعن جابر قال: إنما العمرى التي أجاز رسولُ الله ﷺ أن يقول: هي لك ولعقبك، فأما إذا قال هي لك ما عشت (١)، فإنها ترجع إلى صاحبها" بعد وفاة المعمر له، ولا يورث منه، فيكون تمليكاً للمنفعة مدةَ عمره دون الرقبة، وإليه ذهب مالك.

стр. 1599

مِنَ الحِسَان: ٢٢٢٦ - عن جابرٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا تُعْمِرُوا ولا تُرقِبوا، فمن أعْمرَ شيئاً أو أَرقَبَهُ فهو سبيلُ الميراثِ". "من الحسان": " عن جابر: أن النبي ﵊ قال: لا تعمروا ولا ترقبوا" الرُّقبى اسم على فُعلى من المَرقبة وهي أن يقول الرجل لصاحبه: وهبت منك كذا، فإن مُتَّ قبلي عاد إلي، وإن مُتُّ قبلك استقر لك، فكل واحد منهما يرقُب موتَ صاحبه، وهذا نهيُ إرشادٍ؛ أي: لا تهبوا أموالكم مدةً ثم تأخذونها كعادة الجاهلية، بل إذا وهبتم شيئاً زال عنه ملككُم. "فمن اعتمر شيئاً، أو أرقبه فهو سبيل الميراث" وقد تعارضت الروايات فمنهم من يعمل بظاهر الحديث ويجعلونها تمليكاً، ومنهم مَنْ قال إنها ليست تمليكاً؛ لأن التمليكات لا تعلق بالحَظْر، ومنهم من قال بجوازها لما روي. * * * ٢٢٢٧ - وعن جابرٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "العُمْرى جائزةٌ لأهلِها، والرُّقبى جائزةٌ لأهلِها". "عن جابر ﵁، عن النبي ﵊ قال: العمرى جائزة لأهلها"؛ أي: صحيحة نافذة لمن جعلت العمرى له، "والرقبى جائزة لأهلها". * * * فصل مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٢٢٨ - عن أبي هريرةَ ﵁ أنه قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ عُرِضَ

стр. 1600

عليهِ ريحانٌ فلا يردَّه، فإنه خفيفُ المَحْمَلِ طيَّبُ الرِّيح". (فصل) "من الصحاح": " عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من عرض عليه ريحان فلا يرده" كيلا يتأذى المعطي برده، "فإنه خفيف المحمل"؛ أي: قليل المنَّة "طيب الريح" فيه إشارة إلى حفظ قلوب الناس بقَبول هداياهم، وأيضاً إشارة إلى استحباب استعمال الطيب. * * * ٢٢٢٩ - عن أنسٍ ﵁: "أن النبيَّ ﷺ كانَ لا يَرُدُّ الطِّيْبَ". "عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ كان لا يرد الطيب" فيه إشارة إلى استحباب استعمال الطيب. * * * ٢٢٣٠ - وقال رسولُ الله ﷺ : "العائدُ في هِبَتِه كالكلبِ يعودُ في قَيْئهِ، ليسَ لنا مَثَلُ السَّوْءِ". "وعن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه" شَبَّه ﵊ القبيحَ شرعاً بالقبيح حِسًّا، واستدل به على عدم جواز الرجوع عن الموهوب بعد القبض بقوله: "ليس لنا مثل السوء"؛ أي: لا ينبغي لأهل ملتنا المُكَرَّمين بالإيمان أن يوصفوا بما يسوؤهم في العاقبة، وتنحط به منزلتهم، فإن الله تعالى لم يرضَ لهم ذلك، وإنما جعله للمشركين، قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ﴾ [النحل:٦٠]؛ أي: الصفة

стр. 1601

الذميمة، وأيُّ وصفٍ أخسُّ من وصف يشاركه فيه الكلب، ويَحمل هذا القول مَنْ يرى الرجوع في الهبة عن الأجنبي على التنزيه وكراهة الرجوع. * * * ٢٢٣١ - عن النُّعمانِ بن بشيرٍ: أن أباهُ أتَى بهِ إلى رسولِ الله ﷺ فقال: إني نَحَلْتُ ابني هذا غُلاماً، فقال: "أَكُلَّ وَلَدِك نحلْتَ مثلَه؟ " قال: لا، قال: "فارجِعْه". ورُوِيَ أنَّه قال: "أَيَسُرُّكَ أنْ يكونوا إليك في البرِّ سواءً؟ " قال: بلى، قال: "فلا إذاً". ويُروى أنه قال: "فاتَّقوا الله واعدِلُوا بينَ أولادِكم". ويُروى أنه قال: "لا أَشهدُ على جَوْرٍ". "عن النعمان بن بشير: أن أباه أتى به إلى الرسول ﵊ فقال: إني نحلت"؛ أي: أعطيت "ابني هذا غلاماً، فقال: أكل ولدك نحلت مثله؟ قال: لا، قال: فارجعه"؛ أي: استرد ذلك الغلام، وهذا على سبيل الإرشاد والتنبيه على ما هو الأولى والأقرب للتقوى، وفيه دلالة البر. "ويروى أنه قال: أيسرك أن يكونوا في البر سواء"؛ أي: يكونوا بارِّين محسنين إليك لا عاقين، "قال: بلى، قال: فلا إذاً"؛ أي: إذا كان كذلك فلا تفعل إذًا، كَرِهَ قومٌ تفضيل بعض الأولاد على بعض مع نفوذه، وبه قال الشافعي ومالك. "ويروى: أنه قال: فاتقوا الله واعدلوا بين أولادكم" يدل على استحباب التسوية بينهم في العطية وغيرها من أنواع البر، وبه قال إبراهيم. "ويروى أنه قال: لا أشهد على جور"؛ أي: على ظلم، وبهذا أوجب بعضُهم التسوية بينهم، ذهب طاوس وداود إلى أن التسوية بين الذكور والإناث، وقال أحمد وإسحاق: التسوية بينهم أن يعطى الذكر مثل حظ الأنثيين.

стр. 1602

مِنَ الحِسَان: ٢٢٣٢ - قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَحِلُّ لواهبٍ أنْ يرجعَ فيما وَهَبَ إلا الوالدَ مِن ولدِهِ". "من الحسان": " عن عبد الله بن عمرو قال: قال النبيُّ ﵊: لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهب، إلا الوالد من ولده" فإنه يجوز له أن يأخذ ما وهب لولده ويصرفه في نفقته وسائر ما يجب له عليه وقتَ حاجته كسائر أمواله استيفاءً لحقه من ماله، لا استرجاعاً لِمَا وهب ونقضاً للهبة، وفي معنى الوالد جميع الأصول كالأم والأجداد والجدَّات، وهذا عند الشافعي ومالك. * * * ٢٢٣٣ - عن ابن عمرَ، وابن عبَّاسٍ يَرفعانِ الحديثَ قال: "لا يَحِلُّ للرَّجلِ أنْ يُعطيَ عطِيَّةً ثم يرجعَ فيها، إلا الوالدَ فيما يُعطي ولدَه، ومَثَلُ الذي يُعطي العَطِيّةَ ثم يرجعُ فيها: كمثلِ الكلبِ أكلَ حتى إذا شبعَ قاءَ, ثم عادَ في قَيْئِهِ"، صحيح. "عن ابن عمر وابن عباس ﵃ يرفعان الحديث قال: لا يحل لرجل أن يعطي العطية ثم يرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب أكل حتى إذا شَبعَ قاء ثم عاد في قيئه" صحيح. * * * ٢٢٣٤ - عن أبي هريرةَ ﵁: أن أعرابياً أهدَى لرسولِ الله ﷺ بَكْرَةً، فعَوَّضهُ منها ستَّ بَكْراتٍ فتسَخَّطَ، فبلغَ ذلكَ النَّبيَّ ﷺ فحمِدَ الله وأَثنَى عليه ثمَّ

стр. 1603

قال: "إن فلاناً أَهْدى إليَّ ناقةً، فعوَّضْتُه منها ستَّ بَكْراتٍ فظَلَّ ساخِطاً! لقد هَمَمْتُ أنْ لا أَقبلَ هديةً إلا مِن قُرَشيٍّ، أو أنصاريٍّ، أو ثَقَفيٍّ، أو دَوْسيٍّ". "عن أبي هريرة ﵁: أن أعرابياً أهدى لرسول الله ﷺ بَكْرة" وهي الفَتِيَّة من الإبل، "فعوضه منها ست بَكرات" جمع بكرة، "فتسخط"؛ أي: استقل الأعرابي عطاءَه؛ لأن طمعه في الجزاء كان أكثر لِمَا سَمعَ من جوده ﵊، "فبلغ ذلك النبي ﵊، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن فلاناً أهدى إلي ناقة (١)، فعوضته منها ست بكرات، فظل ساخطاً، لقد هممت"؛ أي: قصدت "أن لا أقبل هدية إلا من قرشي أو أنصاري أو ثقفي أو دَوسي"، وإنما خص المذكورين بقبول هداياهم لعلمه بسخاوة أنفسهم وعلو هممهم، وصدق نياتهم، وقطع نظرهم من الأعراض الدنياوية، فكره ﵊ قَبولَ الهدية ممن لا باعث له عليها إلا الطمع. * * * ٢٢٣٥ - عن جابرٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "من أُعطيَ عطاءً فوَجَدَ فليَجْزِ بهِ، ومَنْ لم يَجدْ فليُثْنِ، فإنَّ مَنْ أَثنَى فقد شكرَ، ومَن كتَمَ فقد كَفَرَ، ومَن تَحَلَّى بما لم يُعْطَ كَانَ كَلابسِ ثَوْبَيْ زُورٍ". "عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ قال: مَنْ أعطى عطاء فوجد"؛ أي: غنى وقَدر على المكافأة، "فليجز به"؛ أي: فليعطه عطاء مكافأة لفعله، "ومن لم يجد فليثن" عليه بخير، وليشكره ولا يكتُم نعمته عليه، "فإن مَنْ أثنى فقد شكر، ومن كتم فقد كفر" من الكفران، لا من الكفر؛ أي: ترك أداء حقه، "ومن تحلى"؛ أي: تزين "بما لم يُعط" على بناء المجهول؛ أي: بما لم يعطاه "كان

стр. 1604

كلابس ثوبي زور"، وقصة هذا: ما روي أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن لي ضرة فهل عليَّ جناحٌ أن أتشبع بما لم يعطِني زوجي، فأجابها ﵊ بهذا القول؛ أي: مَنْ فعل ذلك فقد كذب كذبتين، إذ أظهر شيئين كاذبين أحدهما قولها: أعطاني زوجي، والآخر إظهارها محبته إياها أكثر من محبته ضَرَّتها. قال الخطابي: كان في العرب رجلٌ يشهد بالزور مُبْطِناً كذبه بلبسه ثوبين كثياب المعاريف مُوهماً أنه معروف محترم لتقبل شهادته، فكان ثوباه سببَ زوره، فسميا ثوبي زور، فشبه ﵊ هذه المرأة بذلك الرجل. * * * ٢٢٣٦ - وقال: "مَنْ صُنِعَ إليه مَعْروفٌ فقال لفاعِلِه: جزاكَ الله خيراً، فقد أبلغَ في الثناءِ". "وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: قال رسول الله ﷺ : من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيراً، فقد أبلغ في الثناء"؛ أي: بالغ في أداء شكره. * * * ٢٢٣٧ - وقال: "مَنْ لم يَشْكرِ النَّاسَ لم يشكرِ الله". "وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من لم يشكر الناس لم يشكر الله"، وذلك إما لأن مما أمر الله به شكر الناس، فمن لم يطاوعه فيه لم يكن ممتثلاً جميعَ أوامره، فلا يتمُّ شكره له لأنه إنما يتم بامتثال جميع أوامره، أو تنبيهاً على أن مِنْ شُكْر النعمة شُكْرَ الوسائط، فمن لم يفعل جديرٌ بأن لا يشكر

стр. 1605

المُنْعِم والنعمة. * * * ٢٢٣٨ - وعن أنسٍ ﵁ قال: لمَّا قدِمَ رسولُ الله ﷺ المدينةَ أتاهُ المهاجرونَ فقالواْ يا رسولَ الله! ما رأيْنا قوماً أبذَلَ مِن كثيرٍ، ولا أحسنَ مواساةً مِن قليلٍ، مِن قومٍ نزلْنا بينَ أَظْهُرِهم، لقد كَفَوْنا المؤنةَ وأشْرَكُونا في المَهْنَإ، حتى لقدْ خِفْنا أنْ يَذْهَبُوا بالأجرِ كلِّه، فقال: "لا، ما دَعَوْتُم الله لهم، وأَثنَيتُم عليهم"، صحيح. "وعن أنس أنه قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة أتاه المهاجرون فقالوا: يا رسول الله! ما رأينا قوماً أبذل من كثير"؛ أي: من مال كثير، "ولا أحسن مواساة"؛ أي: عطية "من قليل"؛ أي: من مال قليل، قيل: (من) فيهما يتعلق بالبذل والمواساة، "من قوم" المراد به الأنصار، "نزلنا بين أظهرهم، لقد كفونا" من الكفاية "المؤنة، وأشركونا في المَهْنأ" - بفتح الميم -: ما يقوم بالكفاية وإصلاح المعيشة، وقيل: ما يأتيك بلا تعب؛ يعني: شَرَكُونا في ثمار نخيلهم، وكَفونا مؤنة سقيها وإصلاحها، وأعطونا نصف ثمرهم. "حتى لقد خفنا أن يذهبوا بالأجر كله"؛ أي: يعطيهم الله أجر هجرتنا من مكة إلى المدينة، وأجر عبادتنا كلها من كثرة إحسانهم إلينا، "فقال ﵊: لا"؛ أي: لا يذهبون بكل الأجر "ما دعوتم الله"؛ أي: ما دمتم تدعون "لهم" بالخير، "وأثنيتم عليهم"، فإن دعاءكم يقوم مقامَ إحسانهم إليكم. "صحيح". * * * ٢٢٣٩ - وعن عائشةَ ﵂، عن النبيِّ ﷺ قال: "تَهادَوْا فإنَّ

стр. 1606

الهدِيَّةَ تَذهبُ بالضَّغائنِ". "عن عائشة ﵂، عن النبي ﵊ قال: تهادوا"؛ أي: ليعط بعضكم بعضاً الهدية، "فإن الهدية تذهب بالضغائن" جمع الضغينة، وهي الحقد؛ يعني: يزيل الحقدَ والحسد والبغض والعداوة، ويحصل في المدفوع محبة الدافع. * * * ٢٢٤٠ - عن أبي هريرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "تَهادَوا فإنَّ الهديةَ تُذهِبُ وَحَرَ الصَّدرِ، ولا تحقِرَنَّ جارةٌ لجارتها ولو بشقِّ فِرْسَنِ شاةٍ". "عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵊ قال: تهادوا، فإن الهدية تذهب وَحَرَ الصَّدر" بفتح الواو والحاء؛ أي: غشه ووساوسه، وقيل: هو الحقد والغضب، وقيل: أشد الغضب، وقيل: العداوة، "ولا تحقرن جارة لجارتها ولو بشق فرسن شاة" بكسر الفاء، هو للشاة والبعير بمنزلة الحافر للدابة؛ يعني: لتبعث كلُّ جارة إلى جارتها مما عندها من الطعام وإن كان شيئاً قليلاً. * * * ٢٢٤١ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ثلاث لا تُردُّ: الوَسائدُ، والدُّهنُ، واللَّبن"، غريب. قيل: أرادَ بالدُّهنِ: الطِّيبَ. "وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : ثلاث"؛ أي: ثلاث هدايا "لا ترد: الوسائد" جمع الوسادة، والمراد بها التي حَشْوها من الليف أو الصوف؛ لأن وسائدهم كانت يكون منها غالباً، "والدُّهن واللبن"، وإنما لا ترد هذه لقلة مِنَّتها، وتأذِّي المُهدي إياها بردها، وكان ﵊ يقبل

стр. 1607

الهدية ليطيب قلوبهم، ويعطي عوضاً لئلا يكون لأحد عليه مِنة. "غريب. قيل: أراد بالدهن: الطِّيب". * * * ٢٢٤٢ - عن أبي عثمانَ النَّهديِّ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا أُعطِيَ أحدُكم الرَّيْحانَ فلا يرُدَّه، فإنه خرجَ مِن الجنةِ"، مرسَلٌ. "وعن أبي عثمان النهدي قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أعطي أحدكم الريحان" وهو كل نبَت له رائحة طيبة، "فلا يرده، فإنه خرج من الجنة" لا يَرِدُ أن ريحان الدنيا خرج من الجنة، بل إن أصل الطيب في الجنة، وخَلَقه الله في الدنيا ليتذكروا به طيب الجنة ويرغبوا فيها ويزيدوا في الأعمال الصالحة. "مرسل". * * * ١٦ - باب اللُّقَطَة " باب اللقطة": الالتقاط: وجود الشيء على غير طلبٍ، قال الله تعالى: ﴿يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ [يوسف: ١٠]، واللقطة - بضم اللام وفتح القاف -: الشيء المأخوذ ضائعاً. مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٢٤٣ - عن زيدِ بن خالدٍ ﵁ قال: جاء رجل إلى رسولِ الله ﷺ فسألهُ عن اللُّقَطَةِ؟ فقال: "اِعْرِفْ عِفاصَها ووِكاءَها ثم عَرِّفْها سَنَةً، فإنْ جاءَ صاحبُها وإلا فَشَأنَك بها"، قال: فَضالَّةُ الغَنَم؟ قال: "هي لكَ أَوْ لأخيكَ أو للذئبِ"،

стр. 1608

قال: فَضالَّةُ الإبلِ؟ "قال: مالَكَ ولها؟ معَها سِقاؤُها وحِذاؤُها، تَرِدُ الماءَ وتأكلُ الشجرَ حتى يَلقاها ربُّها". وفي رِوايةٍ: "ثم استَنْفِقْ، فإنْ جاءَ ربُّها فأدِّها إليه". "من الصحاح": " عن زيد بن خالد ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فسأله عن اللقطة، فقال: اعرف عِفاصها" بكسر العين: الوعاء الذي فيه النفقة من جلد أو خرقة أو غير ذلك، "ووكائها" بكسر الواو: الخيط المشدود به العفاص، وإنما أمره ﵊ بتعرُّفها ليعلم صدق وكذب مَنْ يدعيها، "ثم عرفها"؛ أي: نادِ عليها في الأسواق ومجامع الناس "سَنَة"، واذكر جِنسها في التعريف دون جميع صفاتها كيلا يدَّعيها كلُّ أحد، ففي الأسبوع الأول عرفها في كل يوم مرتين مرة في أول النهار ومرة في آخره، وفي الأسبوع الثاني في كل يوم مرة، ثم في كل أسبوع مرة، قال بعضٌ: يجب الدفع لمن ادَّعاها وعَرَف عفاصها ووكاءَها من غير بينته؛ لأنه المقصود من معرفتها، وهو قول أحمد والشافعي وعندنا (١): إذا عرفهما والعدد والوزن ووقع في نفسه أنه صادق فله أن يعطيه ولا يجب عليه إلا ببينة، فتأويل معرفة العفاص والوكاء لئلا يختلط بماله اختلاطاً لا يمكنه التمييزُ إذا جاء صاحبها. "فإن جاء صاحبها"؛ أي: فردها عليه، أو فبها ونعمت، "وإلا"؛ أي: إن لم يجئ "فشأنك" نصب على المصدر؛ أي: اعمل "بها" ما تُحسنه، أو على الإغراء؛ أي: الزم شأنك؛ أي: افعل بها ما شئت من التملُّك والحفظ بعد السنة، وقيل: اعمل بها ما شئت من صدقة أو بيع أو أكل.

стр. 1609

"قال"؛ أي: الرجل: "فضالة الغنم" بتشديد اللام مبتدأ خبره محذوف؛ أي: ما حكمها؟ "قال ﵊: هي لك" إن أخذتَها، "أو لأخيك" إن لم تأخذها أنتَ، "أو للذئب"، أي: إن تركتم أخذها يأخذها الذئب، وفيه تحريض على التقاطها. "قال: فضالة الإبل؟ قال: مالك ولها"؛ أي: ما شأنك معها؛ أي: لا تأخذها، "معها سقاؤها"، أراد به معدتها، فيقع موقع السقاء في الري, لأنها إذا وردت الماء شربت ما يكون فيه رِيُّها لظمَئها أياماً. "وحذاؤها"، أي: أخفافُها تقوى بها على السير الدائم، "تَرِدُ الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها، وفي رواية: ثم استنفق"؛ أي: بعدما عرفتها سنة جاز لك أن تصرفها إلى نفسك بالملكية، "فإن جاء ربها" بعد ذلك "فأدِّها إليه" إن بقيتْ عينُها فعينُها وإلا فثمنُها. * * * ٢٢٤٤ - وقال: "مَن آوَى ضالَّةً فهو ضالٌ، ما لم يُعَرِّفْها". "وعن زيد بن خالد الجهني قال: قال رسول الله ﷺ : من آوى"؛ أي: ضم إليه "ضالة" وهي ما ضَلَّ من البهيمة، "فهو ضال"؛ أي: مائل عن الحق إلى الباطل، هذا بيان لحكم الآخرة، وقيل: أي ضامن إن هلكت، عبر عنه بلفظ الضال للمشاكلة، فيكون بيان لحكم الدنيا، "ما لم يعرفها" مر بيان التعريف. قال شمس الأئمة الحلواني: أدنى التعريف أن يشهد عند الأخذ ويقول آخذها: لأردها، فإن فعل ذلك ولم يعرفها بعدُ كفى.

стр. 1610

٢٢٤٥ - عن عبدِ الرَّحمنِ بن عثمانَ التَّيمِيِّ ﵁: أن رسولَ الله ﷺ نهَى عن لُقَطَةِ الحاجِّ. "عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي: أن رسول الله ﷺ نهى عن لقطة الحاج"، أراد به لقطة حرم مكة؛ أي: لا يحل لأحد تملكها بعد التعريف، بل يجب على الملتقط أن يحفظها أبداً لمالكها عند الشافعي، وعندنا: لا فرق بين لقطة الحرم وغيرها. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٢٤٦ - عن عمرِو بن شعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن رسولِ الله ﷺ : أنه سُئلَ عن الثمَرِ المُعلَّقِ، فقال: "مَنْ أصابَ بفيهِ مِن ذي حاجةٍ غيرَ متَّخِذٍ خُبنةً فلا شيءَ عليهِ، ومَنْ خرجَ بشيءٍ منهُ فعليهِ غرامةُ مِثْلَيهِ والعقوبةُ، ومَنْ سرقَ منه شيئاً بعدَ أن يُؤْوِيَه الجَرِينُ، فبلغَ ثمنَ المِجَنِّ فعليهِ القطعُ" - وذكرَ في ضالَّةِ الإبلِ والغنم كما ذكرَ غيرُهُ - قال: وسُئِلَ عن اللُّقَطَةِ فقال: "ما كانَ منها في الطريقِ المِيتاءِ والقريةِ الجامعةِ فعرِّفْها سنةً، فإنْ جاءَ صاحبُها فادفَعْها إليه، وإنْ لم يأتِ فهوَ لكَ، وما كانَ في الخَرابِ العاديِّ ففيهِ وفي الرِّكازِ الخُمُسُ". "من الحسان": " عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵊: أنه سئل عن الثمر المعلق قال: من أصاب بفيه من ذي حاجة غير متخذ خبنة"؛ أي: ذخيرة "فلا شيء عليه" مر بيانُه في (باب الغصب)، "ومن خرج بشيء منه فعليه غرامة مثليه"؛ أي: غرامة قيمة مثليه، وهذا على سبيل الزجر والوعيد، وإلا فالمتلف لا يضمن بأكثر من قيمة مثله، وكان عمر ﵁ -

стр. 1611

يحكم به عملاً بظاهر الحديث، وبه قال أحمد، وقيل: كان ذلك في صدر الإسلام ثم نسُخ. "والعقوبة" والمراد بها: التعزير فيما يخرجه من البستان، فإن الملاك لا يتسامحون به، بخلاف القدر اليسير الذي يؤكل فيها، وبخلاف الضرورة المرخِّصة للأكل، "ومن سرق منه شيئاً بعد أن يؤويه الجرين"؛ أي: يضمه إليه ويجمعه، وهو حِرز للثمار عادة، "فبلغ" ذلك "ثمن المجن" الترس، والمراد به نصاب السرقة؛ لأنه كان يساوي في ذلك الزمان ربع دينار، وقيل: عشرة دراهم، "فعليه القطع"، وأما سقوط القطع في الثمر المعلَّق لأن بساتين المدينة ليس لها حيطان فلا تكون مُحْرزة، وأما البساتين التي لها حائط أو حافظ فحِرْزٌ يجب القطع إذا كان المسروق نصاب السرقة. "وذكر"؛ أي: الراوي "في ضالة الإبل والغنم، كما ذكره غيره" هو زيد ابن خالد المار آنفاً، "وقال"؛ أي: الراوي: "سئل عن اللقطة فقال: ما كان منها في طريق الميتاء"؛ أي: في الطريق العامر الذي يأتيه الناس كثيراً ويسلكونه، "والقرية الجامعة فعرفها سنة، فإن جاء صاحبها فادفعها إليه، وإن لم يأت فهو لك" جعل ما يوجد في العمران وفي ما يمرُّ عليه الناس من المسالك لقطةً يجب تعريفها، إذ الغالب أنه ملك مسلم أو ذمي، "وما كان في الخراب العادي" التي لم يجر عليها عمارة إسلامية ولم يدخل في ملك مسلم سواء كان الموجود فيه ذهباً أو فضة أو غيرها من الأواني والأقمشة، "ففيه وفي الركاز" أراد به الذهب والفضة خاصة "الخمس"، والباقي للواجد، وهذا تتمة الحديث الأول. * * * ٢٢٤٧ - وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁: أن عليَّ بن أبي طالب ﵁ وجدَ ديناراً فأَتَى بهِ فاطمةَ فسألَتْ عنهُ رسولُ الله ﷺ ، فقال رسولُ الله ﷺ : "هذا رزقُ

стр. 1612

الله" فأكلَ منهُ رسولُ الله ﷺ ، وأكلَ عليٌّ وفاطمةُ ﵄، فلمَّا كانَ بعدَ ذلكَ أتتْ امرأةٌ تَنْشُدُ الدِّينار، فقال رسولُ الله ﷺ : "يا عليُّ! أَدِّ الدينارَ". "عن أبي سعيد الخدري: أن علي بن أبي طالب ﵁ وجد ديناراً، فأتى به فاطمة ﵂ فسألت عنه رسول الله ﷺ فقال: هذا رزقُ الله، فأكل منه رسول الله ﷺ ، وأكل علي ﵁ وفاطمة ﵂" ولم يأمره بإمساكه وتعريفه، فيه دليل على أن اللقطة إذا كان شيئا قليلاً لا يجب تعريفُه، وعلى أن الغني يتملك كالفقير، وأن اللقطة تَحِلُّ لمن لا تحل له الصدقة، فإنه ﵊ كان غنياً بما أفاء الله عليه، وكان هو وعليٌّ وفاطمة ممن لا تحل عليهم الصدقة، وقد أكلوا منها. "فلما كان بعد ذلك أتت امرأة تنشُد الدينار، فقال رسول الله ﷺ : يا علي! أدِّ الدينار" يدل على أنه يجب ردُّ بدلِه إلى المالك. * * * ٢٢٤٨ - وقال رسولُ الله ﷺ : "ضالَّةُ المُسلم حَرقُ النَّارِ". "عن الجارود بن المعلى العبد" وهو القبيلة، "قال: قال رسول الله ﷺ : ضالة المسلم حرق النار" بفتحتين: لهبها، وقد تسكن؛ يعني: ضالة المسلم إذا أخذت للتملك ولم تعرف سنة أدت إلى النار، وبهذا منع بعضٌ عن أخذ الضالة، وقيل: هو للوعيد. * * * ٢٢٤٩ - وعن عِياضِ بن حِمارٍ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن وَجَدَ اللُّقَطَة فليُشْهِدْ ذا عدلٍ، أو ذَوي عدلٍ، ولا يَكتُمْ ولا يُغَيبْ، فإنْ وَجَدَ صاحبَها فليَرُدَّها عليه، وإلا فهو مالُ الله يوْتيه مَنْ يشاءُ".

стр. 1613

"عن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﷺ : من وجد اللقطة فليشهد ذا عدل أو ذوي عدل" هذا أمرُ تأديبٍ وإرشاد ليأمن مِنْ أن يحمله الشيطان على ترك أداء الأمانة فيها وتخليص (١) عن طمع النفس فيها، وقيل: الإشهاد واجب لظاهر الحديث. "ولا يكتم ولا يغيب، فإن وجد صاحبها فليردها عليه، وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء" * * * ٢٢٥٠ - وعن جابرٍ ﵁ قال: رخَّصَ لنا رسولُ الله ﷺ في العَصا والسَّوطِ والحَبلِ وأَشباهِهِ، يلتقِطُه الرَّجلُ ينتفعُ بهِ. "عن جابر ﵁ قال: - رخص لنا رسول الله ﷺ في العصا والسوط والحبل وأشباهه، يلتقطه الرجل ينتفع به" من غير تعريف؛ لأن هذه الأشياء وأمثالها مما كان حقيراً، ويعلم أن صاحبها لا يطلبها زماناً كثيراً، وهذا يدل على أن القليل لا يُعرَّف. * * * ٢٢٥١ - عن المِقْدامِ بن مَعْدِ يْكَرِبَ ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "ألا لا يحِلُّ ذو نابٍ من السِّباعِ، ولا الحمارُ الأهليُّ، ولا اللُّقطةُ مِن مالِ مُعاهدٍ إلا أَنْ يستغنيَ عنها صاحبُها". "عن المقدام بن معدي كرب، عن رسول الله ﷺ قال: ألا لا يحل ذو ناب من السباع، ولا الحمار الأهلي، ولا اللقطة من مال معاهد"، وقيل: هو

стр. 1614

الذمي "إلا أن يستغني عنها صاحبُها، بأن كان شيئاً حقيراً. * * * ١٧ - باب الفرائضِ مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٢٥٢ - عن أبي هريرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "أنا أَوْلى بالمؤمنينَ مِنْ أنفسِهم، فمَن ماتَ وعليه دَيْنٌ ولم يتركْ وفاءً فعليْنا قضاؤُه، ومَنْ تركَ مالاً فلِوَرَثتِهِ". وفي روايةٍ: "مَنْ تركَ دَيْناً أو ضَياعاً فليَأتِني فأنا مَوْلاهُ". وفي روايةٍ: "مَن تركَ مالاً فلِوَرَثَتِهِ، ومَن تَرَكَ كَلاًّ فإلينا". (باب الفرائض) "من الصحاح": " عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﵊ قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن مات وعليه دين ولم يترك وفاء فعليَّ قضاؤه، ومن ترك مالاً فلورثته"، مرَّ البيانُ فيه في (باب الإفلاس). "وفي رواية: مَنْ ترك ديناً أو ضياعاً" بفتح الضاد وهو أكثر رواية؛ أي: عيالاً وبالكسر، جمع ضائع؛ كالذرية الصِّغار والزَّمْنى. "فليأتني فأنا مولاه"؛ أي؛ وليه، إذ يجب نفقته وكسوته في بيت المال. "وفي رواية: مَنْ ترك مالاً فلورثته، ومَنْ ترك كلاً" بفتح الكاف؛ أي: ديناً ثقيلاً وعيالاً "فإلينا"؛ أي: فعلينا ما كان عليه في حياته نفقة وكسوة وديناً،

стр. 1615

وقيل: أي: فليأت إلينا، أو: فإلينا مرجعه. * * * ٢٢٥٣ - وقال: "أَلحِقُوا الفرائضَ بأهلِها، فما بقيَ فهوَ لأوْلى رجلٍ ذَكَر". "وعن ابن عباس ﵄ قال: قال النبي ﵊: ألحقوا الفرائض بأهلها"؛ أي: أعطوا ذوي السهام سهامَهم؛ يعني: يقدم صاحب الفرض على العصبة في التوريث. "فما بقي" من سهام أصحاب الفروض "فهو لأولى رجل ذكر"؛ أي: لأقرب رجل من عصبات الميت، والمراد به: قرب النسب، قيل: ذِكْرُ الذكر للتأكيد، وقيل: للاحتراز عن الخنثى المُشْكل، فإنه لا يجعل عصبة ولا صاحب فرض جزماً، بل يعطي القدر المتيقن وهو الأقل على تقديري الذكورة والأنوثة، وقيل: لبيان أن العصبة ترث صغيراً كان أو كبيراً إذا كان ذكراً، بخلاف عادة الجاهلية. * * * ٢٢٥٤ - وقال: "لا يَرِثُ المُسلِمُ الكافرَ، ولا الكافِرُ المُسلِمَ". "وعن أسامة قال: قال ﵊: لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم"، وبه أخذ عامة العلماء، وإنما لم يرث كل منهما من الآخر لانقطاع الولاية بينهما، وهذا حجة ونص على مَنْ قال: المسلم يرث الكافر كنكاحه الكتابية. * * * ٢٢٥٥ - وقال: "مَوْلى القومِ مِن أنفسِهم".
следующие страницы →