"فإذا خرجت" من حِرزها "استشرفها الشيطان"؛ أي: أمعن النظر إليها ليغويها بغيرها ويغوي غيرها بها فيوقعهما أو أحدهما في الفتنة، أو يريد بالشيطان: شيطان الإنس من أهل الفسوق؛ أي: إذا رأوها بارزة واستشرفوها طَمَحوا بأبصارهم نحوها.
* * *
١٢١٠ - وعن برَيْدةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ لعليٍّ: "يا عليُّ! لا تتبعِ النَّظرةَ النظرةَ، فإنَّ لكَ الأولى وليسَتْ لكَ الآخِرةُ".
"وعن بريدة قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: يا علي! لا تتبع النظرة النظرة"؛ أي: لا تتبع النظرة الأولى نظرةً أخرى، "فإن لك الأولى"؛ يعني: لا إثم عليك في النظرة الأولى إذا كانت فجأة من غير قصد، "وليست لك الآخرة"؛ أي: النظرة الآخرة يكون عليك بها إثم لأنها باختيارك.
* * *
٢٣١١ - عن عَمرِو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه، عن رسولِ الله ﷺ : أنه قال: "إذا زَوَّجَ أحدكم عبدَه أَمَتَهُ فلا ينظرْ إلى عَورتها".
وفي روايةٍ: "فلا ينظرْ إلى ما دونَ السُرَّةِ وفوقَ الرُّكبةِ".
"عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵊ قال: إذا زوج أحدكم عبده أمته فلا ينظر إلى عورتها"؛ لأنها حرمت عليه، "وفي رواية: فلا ينظر ما دون السرة وفوق الركبة"، وهذا بيان لما يراد من قوله، فلا ينظر إلى عورتها لأن عورة الأَمَة ما بين السرة والركبة.
* * *
стр. 1647
٢٣١٢ - وعن جَرْهَدٍ ﵁: أن النبيَّ ﷺ قال: "أَمَا علِمتَ أن الفَخِذَ عَورةٌ؟ ".
"وعن جَرْهَد: أن النبي ﵊ قال: أما علمت أن الفخذ عورة".
* * *
٢٣١٣ - وقال لعليٍّ: "لا تُبْرِزْ فَخِذَكَ، ولا تنظرْ إلى فَخِذِ حيٍّ ولا ميتٍ".
"وقال لعلي: لا تبرز"؛ أي: لا تظهر "فخذك، ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت".
* * *
٢٣١٤ - وقال لمَعْمَرٍ: "يا مَعْمَرُ! غَطِّ فَخِذَيك فإنَّ الفَخِذَينِ عَورةٌ".
"وعن محمد بن جحش قال: قال ﵊ لمعمر: يا معمر! غَطِّ"؛ أي: استر "فخذيك، فإن الفخذين عورة".
والأحاديث الثلاثة تدل على أن الفخذين عورة، وأنها من الميت كهي من الحي.
* * *
٢٣١٥ - وقال: "إيَّاكم والتعرِّيَ، فإنَّ معَكم مَن لا يفارقُكم إلا عندَ الغائِطِ، وحينَ يُفضي الرَّجلُ إلى أهلِهِ، فاستحْيُوهم وأكرِمُوهم".
"وعن ابن عمر ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إياكم والتعري"؛ أي: احذروا من كشف العورة، "فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط، وحين
стр. 1648
يفضي الرجل إلى أهله"؛ أي: يجامعها، أراد به الملائكة الكرام الكاتبين.
"فاستحيوهم وأكرموهم"، وهذا يدل على أنه لا يجوز كشف العورة إلا عند الضرورة كقضاء الحاجة والمجامعة وغير ذلك.
* * *
٢٣١٦ - وعن أمِّ سلَمَةَ ﵂: أنها كانت عندَ رسولِ الله ﷺ وميمونةَ، إذ أقبَلَ ابن أُمِّ مكتومٍ فدخلَ عليهِ، فقال رسولُ الله ﷺ : "احتجبا منه"، فقلتُ: يا رسولَ الله! أليسَ هو أَعمى لا يُبصِرُنا؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "أفعَمْياوانِ أنتما؟ أَلستُما تُبصِرانِه؟ ".
"وعن أم سلمة: أنها كانت عند رسول الله ﷺ وميمونةُ" بالرفع عطفًا على الضمير في (كانت)، وبالجر عطفًا على (رسول الله ﵊.
"إذ أقبل ابن أم مكتوم، فدخل عليه، فقال رسول الله ﷺ : احتجبا منه"؛ أي: استترا بالحجاب من ابن [أم] مكتوم، "فقلت: يا رسول الله! أليس هو أعمى لا يبصرنا؟ فقال رسول الله ﷺ : أفعمياوان أنتما! " تثنية عمياء، وهي تأنيث أعمى، "ألستما نبصرانه؟! " وهذا يدل على تحريم نظر المرأة إلى الأجنبي مطلقًا، وبعضر خَصَّه بحال خوف الفتنة عليها جمعًا بينه وبين قول عائشة: (كنت أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون بحرابهم)، ومن أطلق التحريم قال: كان قولها ذلك قبل آية الحجاب، والأصح: أنه يجوز نظر المرأة إلى الرجل، والحديث محمول على الورع والتقوى.
* * *
٢٣١٧ - عن بَهْزِ بن حَكيمٍ، عن أبيه، عن جدِّه ﵁: أنه قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "اِحفَظْ عَوْرتَكَ إلا مِن زَوجِكَ، أو ما مَلَكتْ يمينُكَ"، قلتُ:
стр. 1649
أفرأيتَ إذا كانَ الرَّجلُ خاليًا؟ قال: "فالله أَحَقُ أن يُستَحيى منه".
"عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده أنه قال: قال رسول الله ﷺ : احفظ عورتك إلا من زوجتك، أو ما ملكت يمينك" وهذا يدل على أن النكاح والمِلْك يُبيحان النظر إلى السوءتين من الجانبين.
"قلت: أفرأيت"؛ أي: أخبرني "إذا كان الرجل خاليًا"؛ أي: هل يجوز النظر إلى عورته؛ "قال: فالله أحق أن يستحيى منه" يدل على وجوب الستر في الخلوة.
* * *
٢٣١٨ - وعن عمرَ ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لا يَخلُونَّ رجلٌ بامرأةٍ، فإن الشَّيطانَ ثالثُهما".
"عن عمر ﵁، عن النبي ﵊ قال: لا يخلون رجل بامرأة"؛ أي: بامرأة أجنبية، "فإن الشيطان ثالثهما"؛ أي: يكون معهما يهيج شهوة كل واحد منهما حتى يلقيهَما في الزنا.
* * *
٢٣١٩ - وعن جابرٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "لا تَلِجُوا على المُغِيباتِ، فإن الشَّيطانَ يجري من أحدِكم مَجْرى الدَّمِ".
"وعن جابر: أن النبي ﵊ قال: لا تَلِجُوا على المغيبات"؛ أي: لا تدخلوا على النساء الأجنبيات اللاتي غاب عنهن زوجُهن، "فإن الشيطان يجري من أحدكم مجرى الدم".
* * *
стр. 1650
٢٣٢٠ - وعن أنسٍ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ أَتى فاطِمةَ بعبدٍ قد وَهَبَهُ لها، وعلى فاطمةَ ثوبٌ إذا قنَّعَتْ به رأسَها لم يبلُغْ رِجلَيْها، وإذا غَطَّت به رِجلَيْها لم يبلُغْ رأسَها، فلمَّا رأى رسولُ الله ﷺ ما تَلْقَى قال: "إنه ليسَ عليكِ بأسٌ، إنما هو أبوكِ وغلامُكِ".
"وعن أنس ﵁: أن النبي ﵊ أتى فاطمة بعبد قد وهبه لها وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت"؛ أي: سترت "به رأسها لم يبلغ رجلهيا، وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها، فلما رأى رسول الله ما تلقى"؛ أي: ما تلقاه فاطمة من التحيُّر والخجل والمشقة في جر الثوب من رجلها إلى رأسها ومن رأسها إلى رجلها "قال: إنه" أي: إن الشأن "ليس عليك بأس"؟ أي: لا بأس عليك إن لم تستري وجهك ورجليك، "إنما هو أبوك وغلامك"؛ أي: الآتي أحدُهما أبوك والآخر غلامك ومملوكك، وهذا صريح بجواز نظر الرجل إلى ما فوق السرة وتحت الركبة من نساء محارمه وبأن عبدَ المرأةِ مَحْرمُها.
* * *
٣ - باب الوليِّ في النِّكاح واستِئذانِ المَرأةِ
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٣٢١ - عن أبي هُريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تنكَحُ الثَّيبُ حتى تُستَأمرَ، ولا تُنْكَحُ البكرُ حتى تُستَأذنَ، وإذنُها الصُّموتُ".
(باب الولي في النكاح واستئذان المرأة)
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا تنكح الثيب حتى
стр. 1651
تستأمر"، الاستئمار: المشاورة، ولا يصح هنا؛ لأن الاستئذان أبلغ منها، فيحمل على طلب الأمر منها بالنكاح، والأمر بالشيء لا يكون إلا بالنطق، وهذا باطلاقه حجة للشافعي في عدم تجويزه إجبار الوليِّ الثيبَ الصغيرةَ على النكاح، وحجة على أبي حنيفة في تجويزه ذلك.
"ولا تنكح البكر حتى تستأذن"؛ أي: يطلب منها الإذن فيه، والإذن في الشيء الإعلام بإجازته والرخصة فيه، "وإذنها الصموت"، فإن السكوت يقوم مقام القول في نكاح الأبكار؛ لأنهنَّ أكثر حياء، وهذا بإطلاقه حجة لأبي حنيفة في عدم تجويزه إجبار البكر البالغة، وحجة على الشافعي في تجويزه ذلك، وحجة عليهما في تجويزهما إجبار البكر الصغيرة.
* * *
٢٣٢٢ - وعن ابن عبَّاسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "الأيمُ أَحَقُّ بنفسِها من وَليها، والبكرُ تُستَأذَنُ في نفسِها، وإذنُها صمَاتها".
ويروى: "الثَّيبُ أحقُّ بنفسِها من وَليها، والبكرُ تستأمرُ".
ويروى: "البكرُ يستأذنُها أبوها، وإذنُها صُمَاتُها".
"عن ابن عباس: أن النبي ﵊ قال: الأيم" بتشديد الياء المكسورة: امرأة لا زوج لها صغيرة كانت أو كبيرة، بكرًا كانت أو ثيبًا، لكن المراد منها هنا الثيب لوقوعه في مقابلة البكر.
"أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها وأذنها صماتها.
ويروى: الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر. ويروى: البكر يستأذنها أبوها وإذنها صماتها".
* * *
стр. 1652
٢٣٢٣ - عن خَنْساءَ بنتِ خِذامٍ: أنَّ أباها زوَّجَها وهي ثَيبٌ، فكرِهَتْ، فأتَتْ رسولَ الله فردَّ نكاحَها.
"عن خنساء بنت خذام: أن أباها زوجها وهي ثيب فكرهت، فأتت النبي ﵊ فردَّ نكاحها"، وهذا يدل على أن تزويج الثيب لا يجوز بغير إذنها.
* * *
٢٣٢٤ - عن عائِشَةَ ﵂: أن النَّبيَّ ﷺ تزوَّجَها وهي بنتُ سبعِ سنينَ، وزُفَّتْ إليه وهي بنتُ تسعِ سنينَ، ولُعَبُها معَها، وماتَ عنها وهي بنتُ ثمانٍ عَشْرةَ سنةً.
"عن عائشة ﵂: أن النبي ﵊ تزوجها وهي بنت سبع سنين وزفَّت إليه"؛ أي: أرسلت إلى بيت رسول الله "وهي بنت تسع سنين، ولعبها معها" جمع لُعبة بضم اللام وفتح العين، وهي ما كانت تلعب به، وكل ملعوب به فهو لعبة، "ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة".
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٣٢٥ - عن أبي موسى ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لا نكاحَ إلا بوليٍّ".
"من الحسان":
" عن أبي موسى ﵁، عن النبي ﵊ أنه قال: لا نكاح إلى بولي" وبه عمل الشافعي وأحمد، قلنا: المراد منه: النكاح الذي لا يصح إلا بعقد وليٍّ بالإجماع كعقد نكاح الصغيرة والمجنونة.
* * *
стр. 1653
٢٣٢٦ - عن عائشةَ ﵂: أن رسولَ الله ﷺ قال: أيُّما امرأةٍ نكَحَتْ بغيرِ إذنِ وليها فنِكاحُها باطلٌ، فنِكاحُها باطلٌ، فنِكاحُها باطلٌ، فإن دخلَ بها فلها المهرُ بما استحلَّ من فَرجِها، فإن اشتَجَروا فالسُّلطانُ وليُّ مَن لا وليَّ له".
"وعن عائشة: أن النبي ﵊ قال: أيما امرأة نكحت"، (أيما) من ألفاظ العموم في سلب الولاية عنهنَّ من غير تخصيص ببعض دون بعض؛ يعني: أيما امرأة زوجت نفسها "بغير وليها فنكاحها باطل"، ولهذا قال أبو ثور: إن زوجت نفسها بإذن وليها جاز نكاحُها، وإلا فلا، وعندنا: يجوز مطلقًا، وعند الشافعي وأحمد بطل مطلقًا.
"فنكاحها باطل، فنكاحها باطل" تكرير لفظ البطلان ثلاثًا يدل على بطلان العقد لا على توقُّفِه على الإجازة، وتأولناه بأنه على صدد البطلان، ومصيره إليه إن اعترض الولي عليها إن زوَّجت نفسَها من غير كفؤ مردود.
"فإن دخل بها فلها المهر بما استحل"؛ أي: بما استمتع "من فرجها"؛ أي: فلها المهر بإزاء دخوله بها، وهذا يدل على أن المهر يجب بوطئ الشبهة؛ لأن هنا شبهة لاختلاف العلماء في صحة هذا النكاح.
"فإن اشتجروا"؛ أي: اختلفوا وتنازعوا، والمراد به: منع الولي المرأة عن التزويج، "فالسلطان ولي من لا ولي لها"؛ لأن الولي إذا امتنع من التزويج فكأنه لا ولي لها، فيكون السلطان وليها، وإلا فلا ولاية للسلطان مع وجود الولي.
* * *
٢٣٢٧ - وعن ابن عبَّاسٍ، عن النبي ﷺ قال: "البغايا اللاتي يُنْكِحْنَ
стр. 1654
أنفسَهُنَّ بغيرِ بَينَةٍ"، والأصحُّ أنه موقوفٌ على ابن عباسٍ ﵁.
"عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﵊ قال: البغايا" جمع بغي وهي الزانية، مبتدأ خبره "اللاتي تنكحن أنفسهن بغير بينة"، والمراد بالبينة هنا: الشهود عند قوم، فمعناه: النساء اللاتي يزوجن أنفسهن بغير شهود فهنَّ زانيات، وبه قال أبو حنيفة، والولي عند آخرين، وبه قال الشافعي.
"والأصح أنه موقوف على ابن عباس".
* * *
٢٣٢٨ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "اليتيمةُ تُستَأمرُ في نفسِها، فإن صمتَتْ فهو إذنُها، وإن أَبَتْ فلا جوازَ عليها".
"عن أبي هريرة أنه قال رسول الله ﷺ : اليتيمة" وهي اسم للصغيرة التي لا أب لها ولا جد، والمراد هنا البالغة، سماها يتيمة باسم ما كانت قبل البلوغ.
"تستأمر في نفسها، فإن صمتت فهو إذنها، وان أبت فلا جواز عليها"؛ أي: فلا إجبار، والأكثر على أن الوصي لا ولاية له على بنات الموصي، وإن فوض ذلك إليه، وأجازه مالك إن فوضه الأب إليه.
* * *
٢٣٢٩ - وعن جابر ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: أيُّما عبدٍ تزوَّجَ بغيرِ إِذنِ سيدِهِ فهو عاهرٌ".
"عن جابر ﵁، عن النبي ﵊: أيما عبد تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر"؛ أي: زان؛ يعني: لا يجوز نكاح العبد بغير إذن السيد، وبه قال الشافعي وأحمد، ولا يصير العقد صحيحًا عندهما بالإجازة بعده، وقال
стр. 1655
أبو حنيفة ومالك: إن أجاز بعد العقد صحَّ.
* * *
٤ - باب إعلانِ النكاحِ والخِطبةِ والشَّرطِ
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٣٣٠ - عن الرُّبيعِ بنتِ مُعَوِّذِ بن عفراءَ ﵂: أنها قالت: جاء النبي ﷺ فدخلَ حينَ بني عليَّ، فجلسَ على فراشي، فجعلَتْ جُوَيرياتٌ لنا يَضرِبن الدُّفَّ ويندُبن مَن قُتِلَ من آبائي يومَ بدرٍ، إذ قالت إحداهُنَّ:
وفينا نبيٌّ يعلمُ ما في غدٍ
فقال: "دَعي هذه، وقُولي ما كنتِ تقولينَ".
(باب إعلان النكاح والخطبة والشرط)
"من الصحاح":
" عن الربيع بنت معوذ بن عفراء: أنها قالت: جاء النبي ﵊ فدخل حين بني عليَّ" على بناء المجهول؛ أي: سُلِّمت وزففت إلى زوجي، "فجلس على فراشي، فجعلَتْ"؛ أي: طفِقت "جويريات لنا" تصغير جواري، والمراد هنا: بنات الأنصار لا المملوكات "يضربن الدف"، فيه دليل على جواز ضرب الدف عند النكاح والزفاف للإعلان.
"ويندبن من قتل من آبائهن يوم بدر" النَّدْب: تعديد محاسن الميت؛ يعني: يَصِفْنَ شجاعتهم ويقُلْن مَرْثِيَتَهم، وفيه دليل جواز الندب على الموتى، وجواز استماعها ما لم يشتمل على عصيان وحرام، وجواز استماع أصوات
стр. 1656
اللاتي لم يبلغن محلَّ الشهوة.
"إذ قالت إحداهن: وفينا نبي يعلم ما في غد"؛ يعني: يخبر عن المستقبل ويقع على وفقه، "فقال" ﵊ منعًا إياها عن ذلك: "دعي هذه"؛ أي: اتركي هذه الحكاية أو القصة، "وقولي ما كنت تقولين" من ذكر المقتولين، وهذا لكراهته ﵊ نسبة علم الغيب إليه مطلقًا؛ لأنه لا يعلمه كذلك إلا الله، وإنما يعلم الرسول من الغيب ما أخبره الله به، أو لكراهته أن يذكر في أثناء ضرب الدف وأثناء مرْثيَة القتلى لعلوِّ منصبه عن ذلك.
* * *
٢٣٣١ - وقالت عائشةُ ﵂: زُفَّتْ امرأةٌ إلى رجلٍ من الأنصارِ، فقال رسولُ الله ﷺ : "ما كانَ معَكم لهوٌ؟ فإنَّ الأنصارَ يُعجبُهم اللهوُ".
"وقالت عائشة: زفت امرأة إلى رجل من الأنصار، فقال نبي الله ﷺ : ما كان" (ما) للنفي وهمزة الاستفهام مقدَّرة؛ أي: أما كان، "معكم لهو" يريد به ضرب الدف وقراءة شعر لا إثم فيه، "فإن الأنصار يعجبهم اللهو"، وهذا رخصة في اللهو عند العريس.
* * *
٢٣٣٢ - وقالت عائشةُ ﵂: تَزوَّجَني رسولُ الله ﷺ في شوَّالٍ، وبنى بي في شوَّالٍ، فأيُّ نساءِ رسولِ الله ﷺ كانَ أَحْظَى عندَه مني؟.
"وقالت عائشة: تزوجني رسولُ الله ﷺ "؛ أي: نكحني "في شوال، وبنى بي"؛ أي: أدخلني بيته وضَمَّني إليه "في شوال، فأيُّ نساء رسول الله كان
стр. 1657
أحظى"؛ أي: أقرب منزلة "عنده مني" قيل: إنما قالت هذا ردًا على أهل الجاهلية؛ فإنهم كانوا لا يرون تيمنًا في التزوج والعرس في أشهر الحج، وقيل: لأنها سمعت بعض الناس يتطيَّرون ببناء الرجل على أهله في شوال فحَكَت ما حكت إنكارًا لذلك وإزاحة للوهم.
* * *
٢٣٣٣ - وقال ﷺ : "أحقُّ الشروطِ أن تُوفُوا به ما استحلَلْتُم به الفُرُوجَ".
"وعن عقبة بن عامر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج" وهذا عند الأكثر خاص في شرط المسمى في الذمة مالًا أو عينًا لأنه الشرط الذي تستحل به الفروج، وقيل: هو عام في الحقوق التي يقتضيها العقد من المهر والنفقة والكسوة وحُسن العشرة.
* * *
٢٣٣٤ - وقال: "لا يخطُبْ الرَّجلُ على خِطْبةِ أخيهِ حتى ينكِحَ أو يترُكَ".
"عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا يخطب الرجل على خطبة أخيه" وهي بكسر الخاء: طلب المرأة للتزوج "حتى ينكح"؛ أي: الخاطب الأول تلك المخطوبة، "أو يترك" فيخطبها، قيل: هذا إذا تراضيا على صَداق معلوم ولم يبق إلا العقد، وأما إذا لم يكن كذلك فيجوز خطبتها، ثم لو خطب على خطبة أخيه يكون عاصيًا ويصح نكاحه ولا يفسخ، وقال بعض المالكية: يفسخ.
* * *
٢٣٣٥ - وقال: "لا تَسألِ المرأةُ طلاقَ أختِها لتَستفرغَ صَحفتَها ولتَنكِحَ،
стр. 1658
فإنَّ لها ما قُدِّرَ لها".
"وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا تسأل المرأة طلاق أختها" أراد في كونها من بنات آدم، المراد ضرتها.
"لتستفرغ صحفتها"؛ أي: قصعتها؛ يعني: لتجعل تلك المرأةُ قصعةَ أختِها خاليةً عما فيها، وهذا كناية عن أن يصير لها ما كان يحصل لضرتها من النفقة وغيرها.
"ولتنكح" بالنصب عطف على قوله: (لتستفرغ)؛ أي: لتنكح زوجها منفردة به عن أختها؛ أي: ضرتها، "فإن لها ما قدر لها" من النفقة وغيرها سواء كانت منفردة أو مع أخرى، ويجوز أن يكون النهي في غير صورة الضرة، فالمعنى: لا تسأل غير المنكوحة طلاق أختها من زوجها لينكحها وتستبدَّ هي بما كانت تحظى به أختُها من زوجها.
* * *
٢٣٣٦ - عن ابن عمرَ: أن رسولَ الله ﷺ نهى عن الشِّغارِ.
والشِّغارُ: أن يُزَوِّجَ الرَّجُلُ ابنتَه على أن يزوِّجَه الآخرُ ابنتَه، وليسَ بينَهما صَداقٌ.
"عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ نهى عن الشغار" قال المصنف: "والشغار: أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ابنته وليس بينهما صداق".
* * *
٢٣٣٧ - وقال النبي ﷺ : "لا شِغارَ في الإسلامِ".
стр. 1659
"وعنه: أن النبي ﷺ قال: لا شغار في الإسلام" تقدم البيان فيه في حِسَان (باب الغصب).
* * *
٢٣٣٨ - وعن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁: أن رسولَ الله ﷺ نهى عن مُتْعَةِ النِّساء يومَ خيبرَ، وعن أكلِ لُحومِ الحُمُرِ الإنسيَّةِ.
"عن علي بن أبي طالب: أن رسول الله ﷺ نهى عن متعة النساء يوم خيبر" وصورة ذلك: أن ينكح الرجل امرأة إلى مُدَّة معينة فإذا انقضت بانت منه، وكان ذلك مباحًا في أول الإسلام فيكون منسوخًا.
"وعن كل لحوم الحمر الإنسية" فإنه كان حلالًا فحرِّم بهذا.
* * *
٢٣٣٩ - وعن سلَمَةَ بن الأكَوعِ قال: رَخَّصَ رسولُ الله ﷺ عامَ أوطاسٍ في المُتعَةِ ثلاثًا، ثم نَهى عنها.
"وعن سلمة [بن] الأكوع قال: رخص رسول الله ﷺ عام أوطاس" وهو عام حنين، وأوطاس وادٍ من ديار هوازن قَسَم بها رسولُ الله ﷺ غنائمَهم، وذلك بعد عام الفتح.
"في المتعة ثلاثًا"؛ يعني: مدة الرخصة في ذلك الغزو ثلاثة أيام، "ثم نهى عنها"، لا أن جميع مدة الرخصة كان ذلك؛ لأن الخطابي قال: رَخَّص ﵊ في نكاح المتعة في بُدُوِّ الإسلام ونسخها في حجة الوداع.
* * *
стр. 1660
مِنَ الحِسَان:
٢٣٤٠ - عن أبي الأحَوصِ عن عبد الله ﵁ قال: علَّمنا رسولُ الله ﷺ التشهُّدَ في الصَّلاةِ، والتشهُّدَ في الحاجةِ، فذكرَ التشهُّدَ في الصَّلاةِ كما ذكرَ غيرَه، والتشهَّدُ في الحاجةِ: "إنَّ الحمدَ للَّهِ نحمدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذُ بالله من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدهِ الله فلا مُضلَّ له، ومَنْ يُضلِل فلا هاديَ له، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله وأشهدُ أن مُحمَّدًا عبدُه ورسولُه"، ويقرأُ ثلاثَ آياتٍ قصيرة - ففسَّرَه سفيانُ الثوريُّ: " ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ , ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ ," ويُروى عن ابن مسعودٍ ﵁ في خُطبةِ الحاجةِ من النكاحِ وغيره.
"من الحسان":
" عن أبي الأحوص، عن عبد الله أنه قال: علمنا رسول الله ﷺ التشهد في الصلاة" أراد بالتشهد: كلَّ كلام فيه الثناء على الله تعالى وكَلِمتا الشهادةِ.
"والتشهد في الحاجة، فذكر"؛ أي: الراوي "التشهد في الصلاة كما ذكره غيره" وهو: التحيات. . . إلى آخره، "والتشهد في الحاجة: إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، ويقرأ"؛ أي: النبيُّ ﵊ "ثلاث آيات، ففسرها"؛ أي: بينها "سفيان الثوري: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ بأن يطاع فلا يعصى، وقال مجاهد: أن تجاهدوا في سبيل الله حقَّ جهاده، ولا تأخذكم في الله لومةَ لائم، وتقوموا لله ولو على أنفسكم وآباءكم وأبناءكم.
" ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ "؛ أي: مؤمنون، وقيل: مخلصون مفوِّضون
стр. 1661
أمورَكم إلى الله، والنهي في ظاهر الكلام وقع على الموت، وإنما هو في الحقيقة على ترك الإسلام، ومعناه: داوموا على الإسلام حتى لا يصادفكم الموت إلا وأنتم مسلمون.
" ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ " أصله: (تتساءلون) أدغمت التاء في السين بعد إبدالها سينًا لقرب التاء من السين، " ﴿وَالْأَرْحَامَ﴾ " قرئ بالنصب مفعولًا؛ أي: اتقوا الأرحام أن تقطعوها، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ "؛ أي: حافظًا.
" ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ "؛ أي: مستقيمًا، "ويروي"؛ أي: هذا التحميد والتشهد المذكور "عن ابن مسعود ﵁ في خطبة الحاجة من النكاح وغيره".
* * *
٢٣٤١ - وعن أبي هُريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "كلُّ خُطبةٍ ليسَ فيها تَشَهُّدٌ فهي كَاليَدِ الجَذْماء"، غريب.
وفي رِوايةٍ: "كلُّ كلامٍ لا يُبدأُ فيه بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فهو أَجْذَمُ".
"وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : كل خطبة" هي بكسر الخاء: طلب التزوج "ليس فيها تشهد"؛ أي: ليس فيها حمدُ الله وثناؤه "فهي كاليد الجَذْماء"؛ أي: المقطوعة التي لا فائدة فيها لصاحبها.
"غريب. وفي رواية: كل كلام لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم"؛ أي: مقطوع اليد؟ يعني: كل أمر لم يبدأ فيه بالحمد لله لا ثَباتَ له ولا منفعةَ فيه، وكان كالمنقطع الأثر الذي لا نظام له.
* * *
стр. 1662
٢٣٤٢ - عن عائِشَةَ ﵂: أنَّها قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "أعلِنُوا هذا النِّكاحَ، واجعَلُوه في المساجدِ، واضرِبُوا عليه بالدُّفوفِ"، غريب.
"عن عائشة أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : أعلنوا هذا النكاح" إشارة به إلى نكاح المسلمين، "واجعلوه في المساجد"؛ أي: اجعلوا عقد النكاح فيها؛ لأنه إذا أسر به فربما نسب إلى الزنا ووقعوا في التهمة والغيبة، "واضربوا عليه بالدف"، يدل على جواز ضرب الدف في المسجد للنكاح.
"غريب".
* * *
٢٣٤٣ - وعن محمَّدِ بن حاطبٍ الجُمَحِيِّ، عن النبيِّ ﷺ قال: "فَصْلُ ما بينَ الحلالِ والحرامِ: الصوتُ والدُّفُّ في النكاح".
"وعن محمد بن حاطب الجمحي، عن النبي ﵊ قال: فصل ما بين الحلال والحرام الصوت والدف في النكاح" ليس المراد منه: أنه لا فرق بينهما في النكاح سوى هذا الأمر، فإن الفرق يحصل بحضور الشهود عند عقد النكاح، بل المراد: الترغيب إلى إعلان أمر النكاح بحيث لا يخفى على الأباعد، فالسنة إعلان النكاح بضرب الدف وأصوات الحاضرين بالتهنئة أو نغمة في إنشاد الشعر المباح، وهذا يدل على جواز رفع الأصوات وإنشاد الشعر في المساجد للنكاح.
* * *
٢٣٤٥ - عن عائِشَةَ ﵂ قالت: كانَتْ عندي جاريةٌ من الأنصارِ زَوَّجتُها، فقال رسولُ الله ﷺ : "يا عائشةُ! ألا تُغَنِّينَ؟ فإنَّ هذا الحيَّ من الأنصارِ يُحِبُّونَ الغناءَ".
стр. 1663
"عن عائشة ﵂ أنها قالت: كانت عندي جارية من الأنصار زوجتها، فقال رسول الله ﷺ : يا عائشة! ألا تغنين"؛ أي: ألا تأمرين بالغناء، "فإن هذا الحي من الأنصار يحبون الغناء".
* * *
٢٣٤٦ - وعن عائِشَةَ ﵂: أن جاريةً من الأنصارِ زُوِّجَتْ فقال النبيُّ ﷺ : "ألا أرسَلْتُم معهم مَن يقولُ:
أَتيناكُم أَتيناكُم. . . فَحَيَّانا وحيَّاكم"
"وعنها: أن جارية من الأنصار زوجت، فقال النبي ﵊: ألا أرسلتم" بحرف التحضيض؛ أي: لم لا أرسلتم "معهم من يقول: أتيناكم أتيناكم" بقصر الهمزة فيهما "فحيانا وحياكم"؛ أي: سلام علينا وعليكم.
* * *
٢٣٤٤ - عن الحَسَنِ، عن سَمُرَة ﵁: أن رسولَ الله ﷺ قال: "أيما امرأةٍ زَوَّجها وليَّانِ فهي للأوَّلِ منهما، ومَن باعَ بيعًا من رجلينِ فهو للأوَّل منهما (١) ".
"عن الحسن عن سمرة: أن النبي ﷺ قال: أيما امرأة زوجها وليان" وأحدهما سابق "فهي للأول منهما" وبطل الثاني؛ دخل الثاني بها أو لا، وبه قال عامة العلماء، وقال عطاء ومالك: إن دخل بها الثاني فهي له، وعند الشافعي في قول: لا يصح النكاح أصلًا، "ومن باع بيعًا من رجلين فهو للأول منهما".
* * *
стр. 1664
٥ - باب المُحرَّماتِ
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٣٤٧ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يُجمَعُ بينَ المرأةِ وعمَّتِها، ولا بينَ المرأةِ وخالتِها".
(باب المحرمات)
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة ﵁: أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها"؛ يعني: يحرم الجمع بينهما سواء كانت عمة وخالة حقيقة أو مجازية، وهي أخت أب الأب وأب الجد وإن علا، وأخت أم الأم وأم الجد من جهتي الأم والأب وإن علت، فكلهن حرام بإجماع العلماء.
٢٣٤٨ - وقال: "يَحْرُمُ من الرَّضاعةِ ما يَحرُمُ من الوِلادةِ".
"وعن عائشة أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : يحرم من الرضاع ما يحرم من الولادة"، وفيه دليل على أن حرمة الرضاع كحرمة النسب بين الرضيع وفروعه فقط دون سائر أقاربه وبين المرضعة وسائر أقاربها في المناكح حتى يحرم على رضيع المرأة أولاده دون سائر أقاربه الأُخر، ويدل أيضًا على أن الزانية إذا أرضعت بلبن الزنا رضيعًا لا تثبت الحرمة بين الرضيع وبين الزاني وأهل نسبة كما لا يثبت به النسب.
* * *
٢٣٤٩ - وقالت عائشةُ ﵂: جاء عمِّي من الرَّضاعةِ فاستأذنَ
стр. 1665
عليَّ، فأَبَيْتُ أنْ آذنَ لهُ حتى أسألَ رسولَ الله ﷺ ، فجاءَ رسولُ الله ﷺ فسألتُه فقال: "إنه عمُّكِ، فائذَني له".
"وقالت عائشة: جاء عمي من الرضاعة فاستأذن عليَّ فأبيت أن آذن له حتى أسأل رسول الله ﷺ ، فجاء رسول الله فسألته، فقال: إنه عمك فأذني له" وهذا يدل على أن لبن الفحل يحرم حتى تثبت الحرمة من جهة صاحب اللبن، كما تثبت من جانب المرضعة، فإنه ﵇ أَثبتَ عمومةَ الرضاع وألحقها بالنسب، وعليه الأكثر.
* * *
٢٣٥٠ - وعن عليٍّ ﵁: أنَّه قال: يا رسولَ الله! هل لكَ في بنتِ عمَّكَ حَمزةَ؟ فإنها أجملُ فتاةٍ في قريشٍ، فقالَ له: "أَما علمْتَ أن حمزةَ أخي من الرَّضاعةِ، وأنَّ الله حرَّمَ من الرَّضاعةِ ما حرَّمَ من النَّسبِ؟ ".
"وعن علي ﵁ أنه قال: يا رسول الله! هل لك" خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هل لك رغبة "في بنت عمك حمزة، فإنها أجمل فتاة في قريش، فقال له: أما علمت أن حمزة أخي من الرضاعة، وأن الله حرم من الرضاعة ما حرم من النسب".
* * *
٢٣٥١ - وقال رسولُ الله ﷺ : "لا تُحرِّمُ الرضْعةُ والرَّضعتانِ".
"عن أم الفضل أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : لا تحرم الرضعة والرضعتان" بفتح الراء وسكون الضاد فيهما.
* * *
стр. 1666
٢٣٥٢ - وقال: "لا تُحرِّمُ المَصَّةُ والمصَّتانِ".
٢٣٥٣ - و: "لا تُحرِّمُ الإمْلاجَةُ والإمْلاجَتانِ".
"وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : لا تحرم المصة والمصتان، ولا تحرم الإملاجة ولا الاملاجتان" المصة: فعل الرضيع، والإملاجة: فعل المُرضعة، قال داود: لا يثبت الرضاع بأقل من ثلاث رَضَعات أخذًا بظاهر الحديث، والأكثرون على أن قليل الرضاع وكثيرَه محرِّم، وإليه ذهب أبو حنيفة لقوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ﴾، وهو بإطلاقه يتناول القليل والكثير، وخبر الواحد لا يصلح أن يقيد إطلاق الكتاب.
* * *
٢٣٥٤ - وقالت عائشةُ ﵂: كانَ فيما أُنزِلَ من القرآن: (عَشْرُ رَضَعاتٍ معلوماتٍ يُحَرِّمْنَ)، ثم نُسِخنَ بـ (خمسٍ معلوماتٍ)، فتُوفيَ رسولُ الله ﷺ وهي فيما يُقرأُ من القرآنِ.
"وقالت عائشة ﵂: كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن"؛ يعني: كانت في القرآن آية فيها: أن المحرم عشر رضعات، "ثم نسحن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهي فيما يقرأ من القرآن" ذهب الشافعي بهذا إلى أن التحريم لا يثبت بأقل من خمس رضعات متفرقات.
أجيب: بأن هذا لفظ منسوخ، والظاهر أنه إذا نسخ اللفظ نسخ الحكم، وقولها: (فتوفي ﵊ وهي فيما يقرأ من القرآن) مجاز عن قرب عهد النسخ من وفاته، وإلى هذا ذهب مالك بن أنس والثوري والأوزاعي وعبد الله بن المبارك.
* * *
стр. 1667
٢٣٥٥ - وعن عائِشَةَ ﵂: أن النبي ﷺ دخلَ عليها وعندَها رجلٌ فكأنه كرِهَ ذلك فقالَتْ: إنه أخي، فقال: "انظُرْنَ ما إخْوانُكُنَّ، فإنَّما الرَّضاعةُ من المَجاعَةِ".
"وعن عائشة ﵂: أن النبي ﵊ دخل عليها وعندها رجلٌ فكأنه كره ذلك، فقالت: إنه أخي، فقال: انظرن ما إخوانكن"، (ما) هنا بمعنى (من)؛ يعني: ليس كل من ارتضع لبن أمهاتكن يصير أخًا لكن.
"فإنما الرضاعة من المجاعة"؛ أي: الرضاعة المحرمة حين يكون الرضيع طفلًا يسُدُّ اللبن جُوعته، ولا يحتاج إلى طعام آخر، فكيف عرفت أن رضاع هذا الرجل على الصفة المذكورة.
* * *
٢٣٥٥/ -م - وعن عُقبةَ بن الحارث: أنه تزوَّجَ ابنةً لأبي إهابِ بن عَزيزٍ، فأتَت امرأةٌ فقالت: قد أرضعتُ عُقبةَ والتي تَزَوَّجَ بها، فقالَ لها عقبةُ: ما أعلمُ أنكِ أرضعْتِني ولا أخبرتني! فأرسلَ إلى آلِ أبي إهابٍ فسألهم، فقالوا: ما علمْنا أرضعَتْ صاحبتَنا! فركبَ إلى النبيِّ ﷺ بالمدينةِ فسألَهُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "كيفَ وقد قيلَ؟ " ففارقَها ونكحَتْ زَوجًا غيره.
"عن عقبة بن الحارث: أنه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز، فأتت امرأة فقالت: قد أرضعت عقبة والتي تزوجها، فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني ولا أخبرتني، فأرسل إلى أبي إهاب فسألهم فقالوا: ما علمنا أرضعت صاحبتنا، فركب"؛ أي: عقبة "إلى النبي ﵊ بالمدينة فسأله، فقال رسول الله ﷺ : كيف"؛ أي: كيف يجوز لك إمساكُها "وقد قيل" إنها أختك من الرضاع؛ يعني: فارِقْها، "ففارقها"؛ أي: عقبة "ونكحت زوجًا غيره" ذهب
стр. 1668
بعض إلى الاكتفاء في إثبات الرضاع بشهادة المرضعة عملًا بهذا الحديث، وأكثر العلماء على خلافه، وحملوا قولَه ﵊: "كيف وقد قيل" على التورع والتقوى، إذ ليس هنا إلا إخبار امرأة عن فعلها في غير مجلس الحكم والزوج مكذِّب لها، فلا يقبل؛ لأن شهادة الإنسان على فعل نفسه غيرُ مقبولة شرعًا.
* * *
٢٣٥٦ - وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁: أن رسولَ الله ﷺ يومَ حنينٍ بعثَ جيشًا إلى أوْطاسٍ فأَصابُوا سَبايا، فكأنَّ ناسًا من أصحابِ النبيِّ ﷺ تحرَّجُوا من غِشيانِهِن مِن أجلِ أزواجِهِنَّ من المشركينَ، فأَنزلَ الله : ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: فَهُنَّ حلالٌ لكم إذا انقضَتْ عِدَّتُهنَّ.
"عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن رسول الله ﷺ يوم حنين بعث جيشًا إلى أوطاس" موضع عند الطائف "فأصابوا سبايا" جمع سبية فعيلة بمعنى مفعولة.
"فكأن ناسًا من أصحاب النبي ﵊ تحرَّجوا"؛ أي تحرَّزوا من الإثم "من غشيانهن"؛ أي: من مجامعتهن "من أجل أزواجهن"؛ أي: من أجل أن لهن أزواجًا "من المشركين" زاعمين أن وطأهن غيرُ جائز ولم يعلموا انقطاع نكاحهن عن أزواجهن.
"فأنزل الله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ "؛ أي: اللاتي لهن أزواج، عطف على قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾؛ يعني: هؤلاء المذكورات محرمات " ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ "؛ يعني: والمحصنات من النساء اللاتي لهن أزواج محرمات لأنهن أحصنَّ فروجَهن بالتزوج وما ملكت أيمانهن؛ أي: من اللاتي سُبين ولهن أزواج في دار الكفر فهن حلال لغزاة
стр. 1669
المسلمين وإن كن محصنات، "أي: فهن حلال لكم إذا انقضت عدتهن".
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٣٥٧ - عن أبي هريرةَ ﵁: أن رسولَ الله ﷺ نهَى أنْ تُنكَحَ المرأةُ على عَمَّتِها، أو العَمَّةُ على بنتِ أخيها، والمرأةُ على خالتِها، والخالةُ على بنتِ أُختِها، "لا تُنْكَحُ الصُّغرَى على الكُبرَى، ولا الكُبرى على الصغرَى".
"من الحسان":
" عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ نهى أن تنكح المرأة على عمتها، أو العمة على بنت أخيها، والمرأة على خالتها، والخالة على بنت أختها، ولا تنكح الصغرى على الكبرى ولا الكبرى على الصغرى" المراد من الصغرى والكبرى هما في المرتبة؛ فالعمة والخالة كبريان وبنت الأخ وبنت الأخت صغريان فيها؛ لأنهما أعلى مرتبة منهما وأكبر سنًا غالبًا، وهذا كالبيان والتأكيد لما قبلَهما؛ يعني: لا يجوز الجمع بينهما.
* * *
٢٣٥٨ - وعن البَراء بن عازبٍ قال: مَرَّ بي خالي ومعَهُ لواءٌ فقلتُ: أينَ تذهبُ؟ قال: بعثني النبيُّ ﷺ إلى رجلى تَزَوَّجَ امرأةَ أبيهِ آتيهِ برأسِه.
وفي روايةٍ: فأَمرني أنْ أضرِبَ عُنُقَهُ وآخُذَ مالَه.
"عن البراء بن عازب قال: مر بي خالي" أبو برزة "ومعه لواء" وكان ذلك اللواء علامة كونه مبعوثًا من جهة النبي ﵊ في ذلك الأمر، "فقلت له: أين تذهب؟ قال: بعثني النبي ﵊ إلى رجل تزوج امرأة أبيه آتيه برأسه، وفي رواية: فأمرني أن أضرب عنقه وآخذ ماله"، وإنما
стр. 1670
أمره ﵊ بقتل ذلك الرجل وأخذ ماله لعِلْمه ﵊ باباحته نكاحها، فصار بذلك مرتدًا، والمرتد يُقتل ويكون ماله فيئًا.
* * *
٢٣٥٩ - وعن أمِّ سلَمَةَ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يُحَرِّمُ من الرَّضاعِ إلا ما فتقَ الأمعاءَ في الثَّدي، وكانَ قبلَ الفِطامِ".
"عن أم سلمة أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق"؛ أي: شق "الأمعاء"، ووقع موقع الغذاء، شق الطعام إياها: إذا نزل إليها، وهذا احتراز عن أن يتقيأ الولد اللبن قبل الوصول إلى الجوف فإنه لا يحصل به التحريم.
وفي بعض النسخ بزيادة: "في الثدي" وهو حال عن ضمير (فتق)؛ أي: حال كونه ممتلئًا في الثدي، فأيضًا منها ليس المراد منه اشتراط أن يكون من الثدي، فإن الإيجار باللبن يقوم مقام الارتضاع من الثدي في حق التحريم، بل خرج مخرج العادة لأن ما يفتق أمعاء الصبي من اللبن يكون في الثدي غالبًا.
"وكان" ذلك "قبل الفطام"، لدقة أمعاء الصبي حينئذ، وهذا يدل على عدم تأثير الرضاع في الكبر ومدة الفطام حولين أو حولين ونصف الحول، أو ثلاث سنين على اختلاف الأقوال.
* * *
٢٣٦٠ - وعن حَجَّاجِ بن حَجَّاجِ الأسلميِّ، عن أبيه: أنه قال: يا رسولَ الله! ما يُذهِبُ عني مَذَمَّةَ الرَّضاعِ؟ فقال: "غُرَّةٌ، عبدٌ أو أَمَةٌ".
"عن حجاج بن حجاج الأسلمي، عن أبيه أنه قال: يا رسول الله! ما يذهب عني مذمة الرضاع" وهي بكسر الذال وفتحها: الذمام وهو الحرمة
стр. 1671
والحق؛ يعني: أي شيء يسقط عن الحق اللازم بسبب الرضاع، أو حق ذات الرضاع حتى أكون قد أدَّيته كاملًا.
"فقال غرة" بضم الغين وبالتنوين "عبد أو أمة" تفسير للغرة، أمر بالغرة لكي يخدُم المرضعة جبرًا لما فعلته من الرضاع والتربية.
* * *
٢٣٦١ - عن أبي الطُّفَيل قال: كنتُ جالسًا معَ النَّبيِّ ﷺ إذ أَقبلَت امرأةٌ، فبسطَ النَّبيُّ ﷺ رِداءَهُ حتى قعدَتْ عليهِ، فلمَّا ذهبَتْ قيلَ: هذه أرضَعَت النبيَّ ﷺ .
"عن أبي الطفيل قال: كنت جالسًا مع النبي إذ أقبلت"؛ أي: جاءت "امرأة، فبسط النبي ﵊"؛ أي: أفرش لها "رداءه حتى قعدت عليه، فلما ذهبت قيل: هذه أرضعت النبي ﵊"، وهذا يدل على تعظيم أمِّ الرضاع.
* * *
٢٣٦٢ - عن ابن عمرَ: أن غيلانَ بن سلَمَة الثَّقَفيَّ أسلمَ، وله عشرُ نسوةٍ في الجاهليَّةِ فأَسْلَمْنَ معَهُ، فقال له النبيُّ ﷺ : "أَمسِكْ أربعًا، وفارِق سائرَهُن".
"عن ابن عمر ﵄: أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وله عشر نسوة في الجاهلية، فأسلمن معه، فقال له النبي ﵊: أمسك أربعًا وفارق سائرهن"؛ أي: اترك باقيهن.
وفيه دليل على أن أنكحة الكفار صحيحة حتى إذا أسلموا لا يؤمرون بتجديد النكاح، وعلى أنه لا يجوز أكثر من أربع نسوة، وعلى أنه إذا قال:
стр. 1672
اخترت فلانة وفلانة، ثبت نكاحُهن وحصلت الفرقة بينه وبين ما عداهن من غير أن يطلِّقهن.
* * *
٢٣٦٣ - وعن نوفلِ بن مُعاويةَ ﵁ قال: أَسلمتُ وتحتي خمسُ نِسوةٍ فقال ﷺ : "فارِقْ واحدةً وأمسِكْ أربعًا"، فعَمَدت إلى أقدمِهن صُحبةً عندي، عاقرٌ منذُ ستينَ سنةً ففارقتُها.
"وعن نوفل بن معاوية قال: أسلمت وتحتي خمس نسوة، فقال النبي ﵊: فارق واحدة وأمسك أربعًا، فعمدت إلى أقدمهن صحبة عندي عاقر" بالجر صفة (أقدمهن) "منذ ستين سنة ففارقتها".
* * *
٢٣٦٤ - وعن الضَّحَّاك بن فيروزَ الدَّيلميِّ، عن أبيهِ قال: قلتُ: يا رسولَ الله! إني أسلمتُ وتحتي أختانِ؟ قال: "اختَرْ أيتهما شئتَ".
"عن الضحاك بن فيروز الديلمي عن أبيه أنه قال: قلت: يا رسول الله! إني أسلمت وتحتي أختان، قال: اختر أيتهما شئت" ذهب الشافعي ومالك وأحمد إلى أنه لو أسلم رجل وتحته أختان وأسلمتا معه كان له أن يختار إحداهما سواء كانت المختار تزوجها أولًا أو آخرًا، وقال أبو حنيفة: إن تزوجهما معًا لا يجوز له أن يختار واحدة منهما، وإن تزوجهما متعاقبتين له أن يختار الأولى منهما دون الأخيرة.
* * *
٢٣٦٥ - عن ابن عبَّاسٍ قال: أسلَمَت امرأةٌ فتزوَّجَتْ، فجاءَ زوجُها
стр. 1673
إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: يا رسولَ الله! إنِّي قد أسلمتُ وعَلِمَتْ بإسلامي، فانتزَعَها رسولُ الله ﷺ من زوجِها الآخِرِ، ورَدَّها إلى زوجِها الأولِ.
ورُوِيَ أنه قال: إنَّها أسلَمَت معي، فرَدَّها عليهِ.
"عن ابن عباس قال: أسلمت امرأة فتزوجت، فجاء زوجها"؛ أي: زوجها الأول "إلى النبي ﵊ فقال: يا رسول الله! إني قد أسلمت"؛ أي: معها أو قبل انقضاء عدتها، "وعلمت بإسلامي، فانتزعها رسول الله ﷺ من زوجها الآخر، وردَّها إلى زوجها الأول" بلا تجديد نكاح، بل حَكَم ببقاء النكاح الأول وبطلان الثاني.
"وروي أنه قال: إنها أسلمت معي، فردَّها عليه".
* * *
٢٣٦٦ - وروي أنَّ جماعةً من النِّساءَ رَدَّهُنَّ النبيُّ ﷺ بالنِّكاحِ الأوَّلِ على أزواجِهِن، عندَ اجتماعِ الإسلامينِ في العدة بعدَ اختلافِ الدِّينِ والدَّارِ، منهُن: بنتُ الوليدِ بن المغيرةِ، كانَتْ تحتَ صفوانَ بن أميةَ فأَسلَمَتْ يومَ الفتح، فهرَبَ زوجُها من الإسلام، فبَعَثَ إليه ابن عمِّه وهبُ بن عُميرٍ برداء رسولِ الله ﷺ أمانًا لصفوانَ، فلمَّا قَدِمَ جعلَ له رسولُ الله ﷺ تَسْييَر أربعةِ أشهرٍ حتى أَسلمَ، فاستقرَّتْ عندَه، وأسلَمَتْ أمُّ حكيمٍ بنتُ الحارثِ بن هشامٍ، امرأةُ عِكرمَةَ بن أبي جهل يومَ الفتح بمكةَ، وهربَ زوجُها من الإسلام حتى قَدِمَ اليمنَ، فارتحلَتْ أمُّ حكيمٍ حتى قَدِمَتْ عليهِ اليمنَ، فدعَتْهُ إلى الإسلامِ فأسلَمَ، فثبَتا على نكاحِهما.
"وروي: أن جماعة من النساء ردهن النبيُّ ﵊ بالنكاح الأول على أزواجهن عند اجتماع الإسلامين" في العدة بأن أسلم الزوجان معًا،
стр. 1674
أو يكون أسلم المتأخر قبل انقضاء العدة.
"بعد اختلاف الدين والدار" فالمعتبر هو اجتماع إسلامهن في العدة سواء كانا على دين واحد أو لا، وسواء كانا في دار الإسلام أو في دار الحرب أحدهما في هذا والآخر في ذلك، وإليه ذهب الشافعي وأحمد.
"منهن بنت الوليد بن المغيرة كانت تحت صفوان بن أمية فأسلمت يوم الفتح وهرب زوجها من الإسلام، فبعث إليه ابن عمه" فاعل بعث "وهب بن عمير" عطف بيان، "برداء رسول الله ﷺ أمانًا لصفوان" حتى لا يتعرضوه بالقتل، "فلما قدم جعل له رسولُ الله ﷺ تسيير أربعة أشهر" بإضافة المصدر إلى الظرف على الاتساع تفعيل من السير الإخراج من بلد إلى أخرى، والمراد هنا: تمكينه من السير في الأرض أمنًا أربعة أشهر بين المسلمين لينظروا في سيرة المسلمين، فلبث بينهم زمانًا، فرزقه الله الإسلام قبل أن تنقضي عدةُ زوجته.
"حتى أسلم فاستقرت عنده" على نكاحها، "وأسلمت أم حكيم بنت الحارث بن هشام امرأة عكرمة بن أبي جهل يومَ الفتح بمكة، وهرب زوجها من الإسلام حتى قدم اليمن فارتحلت أمُّ حكيم حتى قدمت عليه اليمن فدعته إلى الإسلام فأسلم فثبتا على نكاحهما".
* * *
٦ - باب المُباشَرةِ
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٣٦٧ - عن جابرٍ ﷺ قال: كانت اليهودُ تقولُ: إذا أتى الرجلُ امرأتَه من دُبرِها في قُبُلِها كانَ الولدُ أَحْوَلَ، فنزلَتْ: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾.
стр. 1675
(باب المباشرة)
"من الصحاح":
" عن جابر قال: كانت اليهود تقول: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها"؛ يعني: يقف خلفَها ويُولج في فرجها لا في دبرها، فإنَّ الوطء في الدبر محرَّم في جميع الأديان، "كان الولد أحول، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ "؛ أي: هن لكم بمنزلة الأرض تزرع ومحلُّه القبل، " ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ "؛ أي: كيف شئتم قائمًا أو قاعدًا أو مضطجعًا، أو من الدبر في فرجها، أو من القبل في فرجها، وعلى أي هيئة كانت.
* * *
٢٣٦٨ - قال جابرٌ ﵁: كنا نعزِلُ والقرآنُ يَنْزِلُ، فبلغَ ذلكَ النَّبيَّ فلمْ يَنْهَنا.
"قال جابر: كنا نعزل" العزل: إخراج الرجل ذكرَه من الفرج وقتَ الإنزال، "والقرآن ينزل، فبلغ ذلك"؛ أي: فِعْلنا هذا "النبيَّ ﵊، فلم ينهنا"، ولو لم يكن ذلك جائزًا لنهانا.
* * *
٢٣٦٩ - عن جابر ﵁: أنَّ رَجُلًا أتى رسولَ الله ﷺ فقالَ: إنَّ لي جاريةً هي خادمتُنا وأنا أَطوفُ عليها وأكرَهُ أن تحمِلَ؟ فقال: "اعزِلْ عنها إن شئتَ، فإنه سَيأتِيها ما قُدِّرَ لها"، فَلِبَث الرجلُ ثم أتاهُ فقال: إنَّ الجاريةَ قد حَبلَتْ، فقال: "قد أخبرتُكَ أنه سيأتِيها ما قُدِّرَ لها".
"وعنه: أن رجلًا أتى رسولَ الله ﷺ فقال: إن لي جارية هي خادمتنا وأنا
стр. 1676
أطوف عليها"؛ أي: أجامعها "وأكره أن تحمل، فقال: أعزل عنها" بفتح الهمزة (١) "إن شئت"، وهذا يدل على جواز العزل، وعلى أن العزل في الأمة بمشيئة الواطئ.
"فإنه" الضمير للشأن "سيأتيها ما قدر لها"؛ يعني: إن قدر الله تعالى حملًا ستحمل، سواء عزلت عنها أو لم تعزل، فإن العزل لا يمنع تقدير الله.
"فلبث الرجل، ثم أتاه فقال: إن الجارية قد حبلت، فقال: أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها" وفيه دلالة على إلحاق النسب مع العزل.
* * *
٢٣٧٠ - عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قال: خرجْنا معَ رسولِ الله ﷺ في غزوةِ بني المُصْطَلِقِ فأصبنا سبيًا فاشتَهَيْنا النِّساءَ وأحببنا العزلَ، فكنَّا نعزِلُ ورسولُ الله ﷺ بينَ أَظهُرِنا قبلَ أن نسألهُ، فسأَلْناهُ عن ذلكَ؟ فقال: "ما عليكم أن لا تَفْعَلُوا، ما مِن نسَمَةٍ كائنةٍ إلى يومِ القيامةِ إلا وهي كائنةٌ".
"عن أبي سعيد الخدري أنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة نبي المصطلق، فأصبنا سبيًا فاشتهينا النساء وأحببنا العزل، قلنا: نعزل ورسول الله بين أظهرنا"؛ أي: بيننا "قبل أن نسأله، فسألناه عن ذلك، فقال: ما عليكم أن لا تفعلوا"، روي بكسر الهمزة، و (لا) زائدة، و (أن) شرطية؛ أي: ما عليكم جناح أن تفعلوا، وروي بفتحها؛ فعلى هذا: (لا) غير زائدة، فيكون (عليكم أن لا تفعلوا) كلامًا مستأنفًا مؤكِّدًا لما قبله من الحكم المنفي؛ يعني: ما يصح العزل وتركُه واجب عليكم، ويروى: (لا عليكم أن لا تفعلوا).
"ما من نسمة"؛ أي: نفس إنسانية "كائنة"؛ أي: بالقوة "إلى يوم القيامة
стр. 1677
إلا وهي كائنة"؛ أي: بالفعل لا يمنعه العزل.
* * *
٢٣٧١ - وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ قال: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عن العَزْلِ، فقال: "ما مِن كلِّ الماء يكونُ الولدُ، وإذا أرادَ الله خلقَ شيءٍ لم يمنَعْه شيءٌ".
"وعن أبي سعيد أنه قال: سئل النبي ﵊ عن العزل"؛ يعني: استأذنوا النبيَّ ﷺ في العزل مخافةَ الولد زعمًا بأنه لا يحصل الولد بالعزل (١).
"فقال"؛ أي: النبي ﵊: "ما مِنْ كُلِّ الماء يكون الولد"؛ أي: لا يكون الولد من كل الماء، فكم مِنْ صَبٍّ لا يحدث منه، وكم من عزل يحدث له، قدَّم خبر (كان) ليدل على الاختصاص، وأن يكون الولد بمشيئة الله تعالى لا بالماء، وهذا يشير إلى جواز العزل.
"وإذا أراد الله خلق شيء"؛ أي: من الولد "لم يمنعه شيء"؛ أي: من العزل وغيره، بل يخلقه معه.
* * *
٢٣٧٢ - وعن سعدِ بن أبي وقَّاصٍ: أن رجلًا جاءَ إلى رسولِ الله ﷺ فقال: إني أَعزِلُ عن امرأتي، فقال: "لِمَ تفعلُ ذلك؟ " قال: أُشفِقُ على ولدِها، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "لو كان ذلكَ ضارًا ضَرَّ فارسَ والرومَ".
"وعن سعد بن أبي وقاص: أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال: إني أعزل عن امرأتي، فقال: لم تفعل ذلك؟ قال: أشفق" من الإشفاق: الخوف؛
стр. 1678
أي: أخاف "على ولدها"؛ أي: الرضيع، وذلك لأنه لو وَطِئها ولم يعزل عنها فربما حملت فيضر ولدها الرضيع لأن الجماع يُفْسِد اللبن، إذ الطبيعة تشتغل عن إنضاج اللبن فيبقى نيًا رقيقًا بلا قوة.
"فقال رسول الله ﷺ : لو كان ذلك ضارًا لضر فارس والروم"؛ لأن نساءهما تُرْضع أولادَهن في حال الحمل مع أنَّه لا يضرهم ذلك.
* * *
٢٣٧٣ - وعن جُدامةَ بنتِ وَهْبٍ ﵂ قالت: حَضَرتُ رسولَ الله ﷺ في أناسٍ وهو يقولُ: "لقدْ هَمَمتُ أنْ أَنهَى عن الغِيلةِ، فنظرتُ في الرومِ وفارسَ فإذا هم يُغِيلُونَ أولادَهم، فلا يَضُرُّ أولادَهم"، ثم سألُوه عن العزلِ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "ذلكَ الوَأْدُ الخَفيُّ".
"عن جذامة بنت وهب قالت: حضرت رسولَ الله ﷺ في أناس وهو يقول: لقد هممت"؛ أي: عزمت وقصدت "أن أنهى عن الغيلة" بكسر الغين المعجمة، اسم من الغَيلة بالفتح، وهو مجامعة المرأة وحملها مرضعة.
"فنظرت في الروم وفارس، فإذا هم يغيلون أولادهم فلا يضر أولادهم، ثم سألوه عن العزل، فقال رسول الله ﷺ : ذلك الوأد الخفي"، الوأد: دفن الحي في القبر؛ شَبَّه ﵊ إضاعةَ النطفة التي أعدها الله تعالى ليكون الولد منها بالوأد، ولأنه يسعى في إبطال ذلك الاستعداد بعزل الماء عن محله، وهذا دليل لمن لم يُجوِّز العزل، ومَنْ جوَّزه يقول هذا منسوخ، أو تهديد، أو لبيان الأولى.
* * *
٢٣٧٤ - عن أبي سعيدٍ الخُدرِيِّ ﵁: أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ
стр. 1679
أعظمَ الأمانةِ عندَ الله يومَ القيامةِ: الرَّجلُ يُفضي إلى امرأتِهِ وتُفضي إليه ثم يَنشُرُ سِرَّها".
وفي روايةٍ: "إِنَّ مِنْ أَشَرِّ الناسِ عندَ الله منزِلةً يومَ القيامةِ".
"وعن أبي سعيد أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : إن أعظم الأمانة"؛ أي أعظم خيانة الأمانة "عند الله يوم القيامة الرجل" خبر (إن)، "يفضي إلى امرأته"؛ أي: يباشرها، "وتفضي إليه ثم ينشر سرها" وتنشر سرَّه؛ يعني: أن أفعال كلٍّ من الزوجين وأقوالَهما أمانة مودعة عند الآخر، فمن أفشى منهما ما كرهه الآخرُ وأشاعه فقد خانه.
"وفي رواية: إن من أشر الناس منزلة عند الله يوم القيامة".
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٣٧٥ - عن ابن عبَّاسٍ قال: أُوحيَ إلى رسولِ الله ﷺ : ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ...﴾ [البقرة: ٢٢٣] الآية، "أَقْبلْ وأَدبر، واتَّقِ الدُّبرَ والحَيْضَةَ".
" مِنَ الحِسَان":
" عن ابن عباس أنَّه قال: أوحي إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ. . .﴾ الآية فأقبل"؛ أي: أولج في القُبل، "وأدبر"؛ أي أولج في القُبل من الدبر، خطاب عام تفسير لقوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ "واتق الدبر"؛ أي: إيلاجه "والحيضة" بكسر الحاء: اسم من الحيض؛ أي: الإيلاج في زمانها.
* * *
стр. 1680
٢٣٧٦ - عن خُزَيمةَ بن ثابتٍ ﵁: أن النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ الله لا يَسْتَحْيي من الحقِّ، لا تأتوا النساءَ في أدبارِهِنَّ".
"عن خزيمة بن ثابت: أن النبي ﵊ قال: إن الله لا يستحيي من الحق"، واستحياؤه تعالى مجاز عن الترك الَّذي هو غاية الحياء؛ أي: إن الله تعالى لا يترك من قول الحق أو إظهاره، وفي جعل هذا الكلام مقدمة وتمهيدًا للنهي الوارد بعده إشعار لشناعة هذا الفعل واستهجانه؛ أي: قبحه "لا تأتوا النساء في أدبارهن".
* * *
٢٣٧٧ - وعن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَلْعونٌ مَنْ أتى امرأةً في دُبُرِها".
٢٣٧٨ - وقال: "إنَّ الَّذي يأتي امرأةً في دُبُرِها لا ينظرُ الله تعالى إليه".
٢٣٧٩ - ويُروى: "لا ينظرُ الله إلى رجلٍ أَتَى رَجُلًا أو امرأةً في الدُّبرِ".
"عن أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : ملعون من أتى امرأته في دبرها" * * *
"وعنه قال: إن الَّذي يأتي امرأته في دبرها لا ينظر الله إليه"؛ أي: بنظر الرحمة حتى يتوب.
"وفي رواية ابن عباس ﵄: لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في الدبر".
стр. 1681
٢٣٨٠ - عن أسماءَ بنتِ يزيد قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا تَقتُلوأ أولادَكُم سِرًا، فإنَّ الغَيْلَ يُدرِكُ الفارسَ فيُدَعْثِرُهُ".
"عن أسماء بنت يزيد أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تقتلوا أولادكم سرًا"؛ أي: إغالة، "فإن الغيل" وهو اللبن الَّذي يحصل عند الإغالة "يدرك الفارس" الراكب الفرس "فيدعثره" يصرعه ويُهلكه؛ يعني: أن المرأة إذا جُومعت وحَملَت فسدَ لبنها، فإذا اغتذى به الطفل بقي سوءُ أثره في بدنه وأفسد مزاجه، فإذا صار رجلًا وركب الفرس فركضها ربما أدركه ضعفُ الغيل فسقط عن متن فرسه، وكان ذلك كالقتل، غير أنَّه سِرٌّ لا يُرى، وخفيٌّ لا يُعرف، فلهذا قال (سرًا)، وهذا النهي نهي تنزيه لا تحريم.
* * *
فصل
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٣٨١ - عن عروةَ، عن عائِشَةَ ﵂: أن رسولَ الله ﷺ قال لها في بَريرةَ: "خُذِيها فأَعتِقِيها"، وكان زَوْجُها عبدًا، فخيَّرها رسولُ الله ﷺ فاختارَتْ نفسَها، ولو كان حرًّا لم يُخيرها.
(فصل)
"من الصحاح": " عن عروة، عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قال لها في بريرة: خذيها فأعتقيها، وكان زوجها عبدًا، فخيَّرها رسولُ الله ﷺ بينَ فسخِ النكاح وإمضائه، "فاختارت نفسَها"، اتفقوا على ثبوت الخيار إذا كانت تحت عبد.
"ولو كان حرًا"؛ أي: زوجها حرًا "لم يخيرها" يدل على أن لا خيار لها
стр. 1682
لو كانت تحت حر، وبه قال الشافعي ومالك رحمهما الله، وعندنا: لها الخيار.
* * *
٢٣٨٢ - وقال ابن عبَّاسٍ ﵄: كانَ زوجُ بَريرةَ عبدًا أسودَ يقالُ له: مُغِيث، كأنِّي أنظرُ إليهِ يطوفُ خَلْفَها في سِكَكِ المدينةِ يبكي، ودُموعُهُ تسيلُ على لِحْيَتِهِ، فقالَ النبيُّ ﷺ للعبَّاسِ: "يا عبَّاسُ! ألا تَعْجَبُ من حُبِّ مُغيثٍ بريرَةَ ومن بُغضِ بريرةَ مُغيثًا؟ " فقال النبيُّ ﷺ : "لو راجعتيه"، فقالت: يا رسولَ الله! تَأْمُرُني؟ قال: "إنَّما أنا أشفعُ"، قالت: لا حاجةَ لي فيه.
"وقال ابن عباس: كان زوج بريرة عبدًا أسودًا يقال له مغيث، كأني أنظر إليه يطوف"؛ أي: يدور ويمشي "خلفها في سكك المدينة" جمع السكة، "يبكي" من حبها، "ودموعه تسيل على لحيته"، ويتضرع لترجع إلى نكاحه، "فقال النبيُّ للعباس: يا عباس! ألا تعجب من حُبِّ مغيث بريرة، ومن بغض بريرة مغيثًا، فقال النبي ﵊: لو راجعتيه" جواب (لو) محذوف؛ أي: لكان أولى وأحسن.
"فقالت: يا رسول الله! تأمرني؟ قال: إنما أشفع، قالت: لا حاجة لي فيه"، وفيه دلالة على فقه بريرة حيث فرقَّت بين أمر النبيِّ ﵊ وشفاعته، وعلمت أنَّه للوجوب دونَها.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٣٨٣ - عن عائِشَةَ ﵂: أنَّها أرادَتْ أن تُعتِقَ مَمْلوكَينَ لها زوجينِ، فسألَت النبيَّ ﷺ فَأَمرَها أن تَبدأَ بالرَّجلِ قبلَ المرأةِ.
стр. 1683
"من الحسان":
" عن عائشة ﵂: أنها أرادت أن تعتق مملوكين لها زوجين" صفة لـ (مملوكين) ": "فسألت النبيَّ ﵊ فأمرها أن تبدأ بالرجل قبل المرأة"؛ أي: بإعتاق الرجل قبل إعتاق المرأة، وإنما أمر ﵊ بذلك لأن الإعتاق على وجهٍ يبقي النكاح أولى من الإعتاق على وجهٍ يفسخ النكاح.
* * *
٢٣٨٤ - وعن عائِشَةَ ﵂: أن بريرةَ عُتِقتْ وهي عندَ مُغيثٍ، فخيَّرها رسولُ الله ﷺ وقال لها: "إن قَرِبَكِ فلا خيارَ لك".
"وعن عائشة: أن بريرة عتقت وهي عند مغيث، فخيَّرها رسول الله ﷺ وقال لها: إن قربك"؛ أي: جامعك زوجُك "فلا خيار لك"؛ وهذا حجة للشافعي ﵀ في أن لها الخيار ما لم يُصِبْها بعد عتقها، فالخيار في قول منه: إلى ثلاثة أيام، وفي قول: على الفور، فلو أخرت الفسخ بغير عذر بعد أن علمت بعتقها: بَطَل خَيارُها.
* * *
٧ - باب الصَّداق
" باب الصداق": صداق المرأة: مهرها، والكسر أفصح.
* * *
стр. 1684
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٣٨٥ - عن سَهْلِ بن سَعْدٍ ﵁: أن رسولَ الله ﷺ جاءَتْهُ امرأةٌ فقالَتْ: يا رسولَ الله! إنِّى وهبتُ نفسي لكَ، فقامَتْ طويلًا، فقامَ رجلٌ فقالَ: يا رسولَ الله! زَوِّجنِيها إن لم تكنْ لكَ بها حاجةٌ، فقال: "هل عندَكَ من شيءٍ تُصْدِقُها؟ "، قال: ما عندي إلا إزاري هذا، قال: "فالتَمِسْ ولو خاتَمًا من حديدٍ"، فالتَمَسَ فلم يَجدْ شيئًا، فقال رسول الله ﷺ : "هلْ معكَ من القرآنِ شيءٌ؟ "، قال: نعم، سورةُ كذا، وسورةُ كذا، فقال: "قد زَوَّجتُكَها بما مَعَكَ من القرآنِ".
ويُروى: "قد زَوَّجتُكَها، فعَلِّمْها".
"من الصحاح":
" عن سهل بن سعد: أن رسول الله ﷺ جاءته امرأة، فقالت: يا رسول الله! إني وهبت نفسي لك، فقامت طويلًا"؛ أي: وقفت ساعة طويلة، "فقام رجل فقال: يا رسول الله! زوجنيها إن لم يكن لك فيها حاجة، فقال: هل عندك من شيء تصدقها! من الإصداق، يقال أصدقت المرأة: إذا سمَّيت لها صداقًا.
"قال: ما عندي"؛ أي: ليس لي شيء "إلا إزاري هذا، قال: فالتمس"؛ أي: فاطلب شيئًا آخر تجعله صداقًا "ولو خاتمًا من حديد"؛ أي: ولو كان ما تلتمس خاتمًا من حديد، وهذا يدل على أن الصداق لا تقدير له، بل أي شيء كان من المال وإن قلَّ، إذ قيمة خاتم حديد قليل، وبه قال الشافعي وأحمد، وعندنا: يتقدر بنصاب السرقة، ويدل أيضًا على جواز لبس خاتم الحديد وكرهه بعضٌ.
"فالتمس، فلم يجد شيئًا، فقال رسول الله ﷺ : هل معك من القرآن شيء؟ قال: نعم، سورة كذا وسورة كذا، فقال: قد زوجتكها بما معك من القرآن"،
стр. 1685
قالت الشافعية: الباء فيه للمقابلة كهي في بعت ثوبي بكذا، وإلا لم يكن لسؤاله إياه بقوله: (هل معك من القرآن شيء)؛ لأن التزويج ممن لم يُحسن القرآن جائزٌ، جوازُه ممن يحسنه تعليم القرآن، وهذا يدل على جواز جعله صداقًا.
"ويروى: قد زوجتكها، فعلمها" وقالت الحنفية: الباء فيه للسببية، معناه: زوجتكها بسبب ما معك من القرآن صار سبب الاجتماع بينكما، ولولاه لَمَا زوجتكها لكونك معدَمًا عن الغنى الظاهر والغنى الباطن، كما في تزوج أبي طلحة أمَّ سليم على إسلامه، فإن الإسلام صار سببًا لاتصاله بها.
* * *
٢٣٨٦ - وقالت عائشةُ ﵂ وسُئلَت عن صَداقِ رسولِ الله ﷺ : قالت: كانَ صَداقُه لأزواجِه ثنتَيْ عشرةَ أُوقِيَّةً ونشًّا، قالت: أَتدرونَ ما النَّش؟ نصفُ أُوقيَّة، فتِلكَ خَمْسُ مِئَةِ درهم".
"وقالت عائشة وسئلت عن صداق رسول الله ﷺ قالت: كان صداقه لأزواجه ثنتي عشرة أوقية" وهي بضم الهمزة: أربعون درهمًا "ونشًّا، قالت: أتدرون ما النش؟ نصف أوقية" وهو عشرون درهم، قال ابن الأعرابي: النش: النصف من كل شيء، ونش الرغيف: نصف.
"فتلك خمس مئة درهم" فإن قيل: صداق أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي ﵊ كان أربعة آلاف درهم، وقيل أربع مئة دينار، قلنا: إن هذا القدر تبرع به النجاشي من ماله إكرامًا للنبي ﷺ .
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٣٨٧ - قال عمرُ بن الخطَّابِ ﵁: ألا لا تُغالوا صَدُقَةَ النِّساءَ، فإنها لو