Полный текст (3 421 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
٢٤٣٣ - وقال: "أيُّما امرأةٍ ماتَتْ وزوجُها عنها راضٍ، دخلَت الجنةَ".
"وعن أم سلمة أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : أيما امرأة ماتت وزوجها عنها راض دخلت الجنة"، وفيه بيان ثواب طاعة الزوجة زوجها.
* * *
٢٤٣٤ - وعن طَلْقِ بن عليٍّ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا دعا الرَّجُلُ زوجتَه لحاجتِه فلْتَأتِهِ، وإنْ كانَتْ على التنُّورِ".
"عن طلق بن علي أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : إذا دعا الرجل زوجته لحاجته "؛ أي: للغشيان "فلتأته وإن كانت على التنور"؛ أي: لتجب دعوته وإن كانت تخبز على التنور، وهذا بشرط أن يكون الخبز للزوج لأنه إذا دعاها في هذه الحالة فقد رضي لإتلاف مال نفسه، وتلفُ المال أسهل من وقوع الزوج في الزنا.
* * *
٢٤٣٥ - عن معاذٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لا تُؤذي امرأةٌ زوجَها في الدُّنيا إلا قالَتْ زوجتُه من الحورِ العِينِ: لا تؤذِيهِ، قاتَلكِ الله، فإنما هوَ عندَكِ دخيلٌ، يُوشِكُ أنْ يُفارِقَكِ إلينا"، غريب.
"عن معاذ ﵁، عن النبي ﵊ قال: لا تؤذي امرأة زوجها في الدنيا إلا قالت زوجته من الحور العين" وذلك بأن رفع الله تعالى الحجاب من الحور العين بين أزواجهن في الدنيا حتى يعلمن ما يجري بينهم وبين زوجاتهم، "لا تؤذيه، قاتلك الله" خطاب للمرأة المُؤذية زوجها، "فإنما هو عندك دخيل"؛ أي: ضعيف غريب ليس له عندك بقاء، "يوشك"؛ أي: يقرب "أن يفارقك إلينا" ويتركك في النار ولا تلحقين يه، وهذا على تقدير كون المرأة
стр. 1717
كتابية لا إشكال فيه لأنها مخلَّدة في النار، وإن كانت مسلمة فتوجيهه: أن إيذاءك زوجك سببُ دخولك النار، وهو يفارقك ويصل إلينا مدةَ بقائك في النار إلى أن تدخلي الجنة. "غريب".
* * *
٢٤٣٦ - عن حكيم بن مُعاويةَ القُشَيريِّ، عن أبيه قال: قلتُ: يا رسولَ الله! ما حقُّ زوجةِ أحدِنا عليهِ؟ قال: "أنْ تُطعِمَها إذا طَعِمْتَ، وتَكْسُوَها إذا اكتسَيْتَ، ولا تَضْرِب الوجْهَ، ولا تُقَبحْ، ولا تَهجُرْ إلا في البيتِ".
"عن حكيم بن معاوية القشيري، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله! ما حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت" بالخطاب فيهما، ليس معناه: إذا طعمت فأطعمها وإذا لم تطعم فلا تطعمها، وكذا في الكسوة، بل يجب عليه إطعام الزوجة وكسوتها سواء طعم أو لا، وإنما قاله ﵊ لأن من عادة بعض العرب أنهم يأكلون ويشربون ويلبسون ويتركون أهاليهم جائعين عارين، فنهاهم النبي ﵊ عن تلك العادة.
"ولا تضرب الوجه" هذا يدل على جواز ضرب غير الوجه إذا ظهر منها فاحشة أو تركت من فرائض الله تعالى، "ولا تقبح" بتشديد الباء المكسورة؛ أي: لا تقول لها قولًا قبيحًا ولا تشتمها بأن تقول: قَبَّح الله وجهك ونحوه.
"ولا تهجر إلا في البيت"؛ أي: في المضجع؛ يعني: إذا غضبت عليها فلا تتحول عنها إلى دار أخرى وتتركها في بيت خال.
* * *
٢٤٣٧ - وعن لَقيطِ بن صَبرة قال: قلتُ يا رسولَ الله! إنَّ لي امرأةً في
стр. 1718
لسانِها شيءٌ - يعني البَذَاء - قال: "طلِّقْها"، قلتُ: إنَّ لي منها وَلَدًا ولها صُحبةٌ، قال: "فَمُرْها - يقولُ عِظْها - فإنْ يَكُ فيها خيرٌ فستَقْبَلُ، ولا تضرِبن ظَعِينتَكَ ضَرْبَكَ أُمَيَّتَكَ".
"عن لقيط بن صبرة قال: قلت يا رسول الله! إن لي امرأة في لسانها شيء؛ يعني: البذاء" بفتح الباء والذال المعجمة والمد: هو الفحش في القول؛ يعني: تؤذيني بلسانها.
"قال"؛ أي: النبي ﵊: "طلقها، قلت: إن لي منها ولدًا ولها صحبة، قال: فمرها، يقول" من قول الراوي بمعنى: يريد؛ أي: يريد ﵊ بقوله: مرها: عظها إذا لم تطلقها، والأمر هنا الوعظ والنصيحة.
"فإن يك فيها خير فستقبل "وعظك، "ولا تضربن ظعينتك" وهي المرأة التي في الهودج، والمراد بها هنا الزوجة، والحق أنهم يَكْنون بها عن المرأة الكريمة على أهلها؛ لأن الهودج لا يضم إلا مَنْ كُنَّ كرائم عندهم؛ يعني: لا تضرب الحرة الكريمة من النساء التي هي منك بأعز مكان "ضربك"؛ أي: مثل ضربك "أميتك" تصغير أَمَة، وإنما صَغَّر للمبالغة في حقارتها، وأصلها أموة حذفت الواو ثم ردت في التصغير وقلبت ياء لياء التصغير وأدغمت.
* * *
٢٤٣٨ - وعن إياسِ بن عبد الله: أنَّه قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا تضرِبُوا إماءَ الله"، فأتاهُ عمرُ بن الخطاب ﵁ فقال: يا رسولَ الله! ذَئِرَ النِّساءُ على أزواجِهنَّ، فأذِنَ في ضَربهِنَّ، فأَطافَ بآلِ محمدٍ نساءٌ كثيرٌ كلُّهنَّ يَشتكينَ أزواجَهنَّ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "لقد أطافَ بآلِ مُحمَّدٍ سبعونَ امرأةً كلُّهنَّ يشتكينَ أزواجَهنَّ، ولا تِجدُونَ أولئكَ خيارَكم".
стр. 1719
"وعن إياس بن عبد الله أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : لا تضربوا إماء الله" يريد بها الزوجات، "فأتاه عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله! ذئر النساء"؛ أي: نشزت واجترأت "على أزواجهن، فأذن"؛ أي: النبي ﵊ "في ضربهن"، وهذا يدل على جواز ضرب النساء في منع حقوق النكاح ضربًا غيرَ مبرح، "فأطاف بآل محمد نساء كثيرة"؛ أي: ترددْنَ إلى باب محمد، والمراد بالآل: أهل بيته ﵇ من أزواجه.
"يشتكين أزواجهن"؛ أي: على كثرة ضرب أزواجهن، "فقال النبي ﵊: لقد أطاف بآل محمد سبعون امرأة كلهن تشتكين أزواجهن ولا تجدون"، أنتم أيها الرجال والسامعون "أولئك" الرجال الذين يضربون نساءهم، "خياركم" مفعول ثان لـ (لا تجدون)، فإن الصبر معهن والعفو عن سوء أدبهن خيرٌ من ضربهن.
* * *
٢٤٣٩ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ليس مِنَّا مَن خَبَّبَ امرأةً على زَوْجِها، أو عبدًا على سيدِه"؛ أي: أفسدَ.
"عن أبي هريرة أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : ليس منا من خبب امرأة"؛ أي: خدع وأفسد، والمراد: أن يوقع أحد عداوة بين زوج وزوجة.
"على زواجها" بأن يذكر مساوئ الزوج عند امرأته، "أو عبدًا على سيده"، بأن يذكر مساوئ السيد عند عبده بحيث يقع بينهما خصومة، أو طلاق، أو تقصير في خدمته، أو فرار، وغير ذلك.
* * *
٢٤٤٠ - وقال رسولُ الله ﷺ : "مِن أَكْملِ المؤمنينَ إيمانًا أحسنُهم خُلُقًا،
стр. 1720
وأَلْطَفُهم بأهلِهِ".
"وعن عائشة أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : من أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا وألطفهم بأهله"، قيل: فيه دليل لمن قال يزيد الإيمان بالطاعة وينقص بالمعصية، وعليه الشافعي ومالك.
* * *
٢٤٤١ - وقال: "أَكْمَلُ المؤمنينَ إيمانًا أحسنُهم خُلُقًا، وخِيارُكم خيارُكُم لنِسائهم"، صحيح.
"وعن أبي هريرة أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : أَكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا، وخياركم خياركم لنسائهم".
* * *
٢٤٤٢ - عن عائشةَ ﵂ قالت: قَدِمَ رسولُ الله ﷺ مِن غزوةِ تبوكَ، أو حُنَينٍ؛ وفي سَهْوتها ستْرٌ فَهَبَّت ريحٌ فكشفَتْ ناحيةَ السَّترِ عن بناتٍ لعائشةَ - لُعَبٍ - فقال: "ما هذا يا عائشةُ؟ " قالت: بناتي، ورَأَى بَينهنَّ فَرَسًا له جناحانِ من رِقاعٍ، فقال "ما هذا الَّذي أَرَى وَسْطَهنَّ؟ " قالت: فرسٌ، قال: "وما هذا الَّذي عليه؟ " قالت: جناحانِ، قال: "فرسٌ لهُ جناحانِ! " قالتُ: أَما سمعتَ أن لسليمانَ خيلًا لها أجنحةٌ؟ قالت: فضَحِكَ حتى رأيتُ نَواجِذَهُ.
"عن عائشة أنها قالت: قدم رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أو حنين أو خيبر وفي سهوتها"؛ أي: في صفة بيتنا "ستر فهبت ريح فكشفت ناحية الستر عن بنات لعائشة لعب، فقال: ما هذا يا عائشة؟ "قالت: بناتي، ورأى بينهن فرسًا له جناحان من رقاع"؛ أي: من قرطاس، "فقال: ما هذا الَّذي أرى وسطهن؟ قالت: فرس، قال: وما هذا الَّذي عليه؟ قالت: جناحان، قال:
стр. 1721
فرس لى جناحان؟! قلت: أما سمعت أن لسليمان خيلًا لها أجنحة، قالت: فضحك "؛ أي: النبي ﷺ "حتى رأيت نواجذه".
قيل: عدم إنكاره ﵊ على لعبها بالصورة وإبقائها ذلك في بيته دال على أن ذلك كان قبل التحريم إياها، أو يقال: لعب الصغار مظنة الاستخفاف.
* * *
١١ - باب الخُلعِ والطلاقِ
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٤٤٣ - عن ابن عبَّاسٍ: أن امرأةَ ثابتِ بن قيسٍ أتت النبيَّ ﷺ فقالت: يا رسولَ الله! ثابتُ بن قيسٍ ما أَعتِبُ عليهِ في خُلُقٍ ولا دينٍ، ولكنْ أَكْرَهُ الكفرَ في الإسلامِ، قال رسولُ الله ﷺ : "أتَرُدِّينَ عليهِ حديقَتَهُ؟ " قالت: نعم، قالَ رسولُ الله ﷺ : "اِقْبَلِ الحديقةَ، وطلِّقْها تطليقة".
(باب الخلع والطلاق)
"من الصحاح": " عن ابن عباس: أن امرأة ثابت بن قيس بن شماس" قيل: هي جميلة بنت أبي بن سلول، وقيل: حبيبة بنت سهل الأنصاري، كرهته لدمامة خَلْقه.
"أتت النبي ﵊ فقالت: يا رسول الله! إن ثابت بن قيس ما أعتب" بكسر التاء؛ أي: ما أغضب "عليه في خلق ولا دين"؛ أي: لسوء خلقه ولا لنقصان في دينه، "ولكن كره الكفر"؛ أي: كفران النعمة "في الإسلام" سمت ما ينافي الإسلام من النشوز وكفران النعمة كفرًا مجازًا؛ لأن
стр. 1722
كفران العشيرة شعبة منه، "فقال رسول الله ﷺ : أتردِّين عليه حديقته"؛ يعني: أتعطين الحديقة التي أعطاكها بالمهر حتى يطلقك؟ "قالت: نعم، قال له رسول الله ﷺ : اقبل الحديقة وطلقها تطليقة"، وهذا أمر إرشاد إلى الأصوب.
وقوله: (تطليقة) يدل على أن الأَولى للمطلق الاقتصار على طلقة واحدة ليعود إليها إن شاء.
* * *
٢٤٤٤ - عن عبد الله بن عُمرَ: "أَنَّه طلَّق امرأةً له وهي حائضٌ، فذكرَ عمرُ لرسولِ الله ﷺ ، فتغَيَّظَ فيهِ رسولُ الله ﷺ ثم قال: "لِيُراجِعْها، ثم ليُمْسِكْها حتى تَطْهُرَ، ثم تحيضَ فتَطهُرَ، فإِنْ بَدا لهُ أن يُطلِّقَها فليُطلِّقْها طاهرًا قبلَ أنْ يَمَسَّها، فتِلكَ العِدَّةُ التي أمرَ الله أن تُطَلَّقَ لها النساءُ".
وفي روايةٍ: "مُرْهُ فليُراجِعْها، ثم ليُطلِّقْها طاهِرًا أو حامِلًا".
"عن عبد الله بن عمر: أنَّه طلق امرأة له وهي حائض، فذكر عمر لرسول الله فتغيظ"؛ أي: غضب "فيه رسول الله ﷺ " فيه دليل على حرمة الطلاق في الحيض لأنه ﵊ لا يتغيظ لغير حرام.
"ثم قال: ليراجعها"؛ أي: ليقل راجعتها إلى نكاحي ليزول عنه إثم ذلك، فيه دليل على وقوع الطلاق مع كونه بدعيًا، وإلا لم يأمره ﵊ بالمراجعة، وعلى استحباب مراجعة المطلقة المدخول بها إن طلقها في حيض، وأوجب مالك هذه عملًا بظاهر الأمر.
"ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض فتطهر" إنما أمره ﵊ بإمساكها حتى يمضي عليها بعد الرجعة طُهْران؛ لأنه لو طلقها في الطهر الَّذي يأتي بعد الرجعة تكون رجعتها لأجل الطلاق، ولو لم يطلقها بعد الرجعة
стр. 1723
حتى مضى عليها طهران لم تكن الرجعة لأجل الطلاق، وإلا لطلقها في الطهر الأول بعد الرجعة.
"فإن بدا له أن يطلقها"؛ أي: ظهر له إرادة التطليق "فليطلقها طاهرًا قبل أن يمسها"؛ أي: قبل أن يجامعها في الطهر الَّذي يطلقها فيه، وهذا لأن الطلاق في طهر جامعها فيه بدعة؛ لأنه ربما يظهر الحمل فيندم، "فتلك" إشارة إلى الحالة المذكورة وهي حالة الطهر، "العدة التي أمر الله أن تطلق لها"؛ أي: فيها "النساء" بقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١]؛ أي: للوقت الَّذي يشرعن في العدة، وذلك إنما يكون في الطهر.
"وفي رواية: مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا" يدل على أن لا بدعة في طلاق الحامل.
* * *
٢٤٤٥ - وقالت عائِشَةُ ﵂: خَيَّرَنا رسولُ الله ﷺ فاختَرْنا الله ورسولَه، فلم يُعَدَّ ذلكَ علينا شيئًا.
"وقالت عائشة: خيرنا رسول الله ﷺ فاخترنا الله ورسوله فلم يعد ذلك علينا شيئًا" من الطلاق لا ثلاثًا ولا واحدة ولا بائنة ولا رجعية بسبب تكلم عائشة بهذا الكلام.
روي: أن عليًا ﵁ كان يرى أن المرأة إذا خيرت فاختارت زوجها يقع طلقة رجعية، وبه قال زيد بن ثابت ومالك، فأنكرت عائشة ذلك بأن لو كان ذلك موجبًا لوقوع الطلاق لعدَّ النبيُّ ﵊ علينا طلاقًا عند تخيره إيانا، وبه قال جماعة من الصحابة والشافعي وأبو حنيفة.
* * *
стр. 1724
٢٤٤٦ - وقال ابن عبَّاسٍ في الحرامِ: يُكَفَّرُ، ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ".
"وقال ابن عباس في الحرام"؛ أي: في مخاطبته لزوجته بلفظ الحرام بأن قال: أنت علي حرام أو حَرَّمتُك "يكفر" كفارة اليمين، فإن نوى به الطلاق أو الظهار وقع ما نوى منهما.
" ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ " الأسوة - بضم الهمزة وكسرها -: المتابعة؛ يعني: قال ابن عباس: تلفظ رسول الله بلفظ الحرام فأوجب الله عليه الكفارة وعليكم متابعته، قيل: سبب تلفظه بالحرام: أنَّه وطئ جاريته مارية القبطية في بيت حفصة، فاطلعت حفصة وغضبت، فقال لها ﵇: إني حرمتها علي فلا تغضبي، واسكتي، فنزل: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ [التحريم: ١] الآية.
* * *
٢٤٤٧ - وعن عائِشَةَ ﵂: أن النبيَّ ﷺ كانَ يَمْكُثُ عندَ زينبَ بنْتِ جَحْشٍ، وشربَ عندَها عَسَلًا، فتَواصَيْتُ أنا وحَفْصَةُ: أن أَيَّتَنا دخلَ عليها النبيُّ ﷺ فَلْتَقُلْ: إني أَجِدُ منكَ ريحَ مَغافيرَ، أَكَلْتَ مَغافيرَ؟ فدخلَ على إحداهُما فقالَتْ لهُ ذلكَ، فقالَ: "لا بأسَ، شربتُ عسلًا عندَ زينبَ بنتِ جحشٍ، فلَنْ أعودَ له، وقد حَلَفْتُ، لا تُخْبري بذلكَ أحدًا" يبتغي مرضاةَ أزواجِهِ، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ﴾ "عن عائشة: أن النبي ﵊ كان يمكث عند زينب بنت جحش وشرب عندها عسلًا، فتواصيت أنا وحفصة"؛ أي: اشترطنا وقررنا "أن
стр. 1725
أيتنا دخل عليها النبي ﵊ فلتقل: إني أجد منك ربح مغافير" بفتح الميم والغين المعجمة جمع مغفور بضم الميم: وهو صمغ حلو يكون على شجرة له رائحة كريهة.
"أكلت مغافير" وكان ﵊ يكره تغير الرائحة لأجل المَلَك، فقالت ذلك لئلا يدخل بيت زينب.
"فدخل على أحدهما، فقالت له ذلك" القول "فقال: لا بأس شربت عسلًا عند زينب بنت جحش فلن أعود له"، أي: لشرب العسل، "وقد حلفت" حال من ضمير (لن أعود) والجملة جواب قسم محذوف، والحال دال عليه.
"لا تخبري بذلك أحدًا" قال ﵊: لئلا تعرف زوجاته أنَّه أكل شيئًا له رائحة كريهة "يبتغي"؛ أي: قال الراوي: يبتغي النبي ﵊ بذلك "مرضاة أزواجه"، وكان التحريم زلة منه "فنزلت" عتابًا له ﵊: " ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ﴾ "؛ أي: من شرب العسل " ﴿تَبْتَغِي مَرْضَاتَ﴾ حال في ضمير (لك)؛ أي: تطلب رضاهن بتحريم المحلل.
* * *
مِنَ الحِسَان:
" مِنَ الحِسَان":
٢٤٤٨ - عن ثوبانَ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "أيُّما امرأةٍ سألَتْ زوجَها طلاقًا في غيرِ ما بأسٍ فحرامٌ عليها رائحةُ الجنَّةِ".
"من الحسان":
" عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : أيما امرأة سألت زوجها طلاقًا في
стр. 1726
غير ما بأس"، (ما) زائدة، والبأس: الشدة؛ أي: في غير حال شدة أو حاجة تلجأ إليها المفارقة.
"فحرام عليها"؛ أي: ممنوع عنها "رائحة الجنة" وذلك على نهج الوعيد والمبالغة في التهديد؛ يعني: لا تجد رائحة الجنة حين وجدها المحسنون، لا أنَّه لا تجدها أبدًا.
* * *
٢٤٤٩ - وعن ابن عمرَ ﵄، عن النبيِّ ﷺ قال: "أَبْغضُ الحلالِ إلى الله الطَّلاقُ".
"عن ابن عمر، عن النبي ﵊ قال: أبغض الحلال إلى الله الطلاق".
* * *
٢٤٥٠ - وعن عليٍّ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّه قال: "لا طلاقَ قبلَ نكاحٍ، ولا عَتاقَ إلَّا بعدَ مِلْكٍ، ولا وِصالَ في صيام، ولا ويُتْمَ بعدَ احتلامٍ، ولا رَضاعَ بعدَ فِطامٍ، ولا صَمْتَ يومٍ إلى الليلِ".
"عن عليٍّ ﵁، عن النبي ﵊ قال: لا طلاق قبل نكاح"؛ يعني: لو قال رجل لامرأة قبل أن ينكحها: طلقتك، أو قال لها: إن دخلت الدار فأنت طالق، لم يقع الطلاق.
"ولا عتاق إلا بعد ملك" فلو قال لعبد غيره: أنت حر، لم يعتق، أما إذا علق الطلاق والعتاق بالملك فصحيح عندنا، خلافًا للشافعي وأحمد.
"ولا وصال"؛ أي: لا يجوز الوصال "في صيام، ولا يتم"؛ أي:
стр. 1727
ولا يستحق اليتم "بعد احتلام"؛ أي: بعد بلوغ؛ يعني: إذا بلغ يتيم وله سهم من الخمس لا يستحقه بعد البلوغ لزوال حكم اليتم عنه حتى لا يتصرف الولي في ماله.
"ولا رضاع بعد فطام"؛ أي: لا أثر له ولا حكم بعد أوان الفطام؛ يعني: أن الرضاع بعد الحولين لا يوجب الحرمة.
"ولا صمت يوم إلى الليل"؛ يعني: لا يجوز أن يسكت الرجل من أول اليوم إلى الليل لأن السكوت عن كلام لا إثم فيه ليس بقربة، وكان ذلك الصمت من نُسُك الجاهلية حين اعتكافهم، فردَّ ﵊ عليهم ذلك.
* * *
٢٤٥١ - عن عمرِو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا نذرَ لابن آدمَ فيما لا يَملكُ، ولا عِتقَ فيما لا يملكُ، ولا طلاقَ فيما لا يملكُ، ولا بيعَ فيما لا يملكُ".
"عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله ﷺ : لا نذر لابن آدم فيما لا يملك"؛ يعني: لو قال: لله علي أن أعتق هذا العبد ولم يكن في ملكه وقت النذر: لم يصح نذره حتى لو ملكه بعد ذلك لم يعتق عليه.
"ولا عتق فيما لا يملك، ولا طلاق فيما لا يملك، ولا بيع فيما لا يملك".
* * *
٢٤٥٢ - عن رُكانَةَ بن عبدِ يزيدَ: أنه طَلَّقَ امرأتَه سُهَيْمَةَ البَتَّةَ، ثم أَتَى رسولَ الله ﷺ فقال: إنِّي طلقتُ امرأتي البتَّةَ، ووالله ما أردتُ إلا واحدةً، فقال رسولُ الله ﷺ : "والله ما أَردتَ إلا واحدةً؟ " فقال رُكانةُ: والله ما أردتُ إلا واحدةً، فردَّها إليه رسولُ الله ﷺ ، فطلَّقَها الثانيةَ في زمانِ عمرَ، والثالثةَ في
стр. 1728
زمانِ عثمانَ.
"عن ركانة" بضم الراء "بن عبد يزيد: أنه طلق امرأته سهيمة" بضم السين المهملة وفتح الياء "البتة" البت: القطع، والمراد بها الطلقة المنجزة، "ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: إني طلقت امرأتي البتة، والله ما أردت إلا واحدة، فقال رسول الله ﷺ : والله ما أردت إلا واحدة" وهذا تحليف من النبي ﵊ لركانة.
"فقال" ركانة: "والله ما أردت إلا واحدة"؛ أي: لم يكن في نيتي إلا طلقة واحدة، وفيه دليل للشافعي على جواز الجمع بين الطلقات الثلاث، ولا يكون بدعة؛ لأنه ﵇ لم ينهه عن أن يريد أكثر من واحدة.
"فردهما إليه رسول الله ﷺ "؛ أي: أمره بالرجعة بأن يقول: راجعتها إلى نكاحي، "فطلقها الثانية في زمان عمر، والثالثة في زمان عثمان".
والحديث يدل على تصديق الزوج باليمين في دعواه ما لم يكذِّبْه ظاهر اللفظ، وعلى تأثير النية لتحليفه ﵊ أنه لم يرد إلا واحدة، وعلى أن لا اعتبار بحلف مَنْ توجهت عليه اليمين قبل عرض الحاكم، وعلى أنْ طلاق البتة واحدة إذا لم يرد أكثر منها وأنها رجعية، وبه قال الشافعي.
وقال أبو حنيفة: إن نوى الثلاث فثلاث، وإن نوى اثنتين أو واحدة أو لم ينو شيئًا وقع واحدة بائنة.
* * *
٢٤٥٣ - وعن أبي هُريرةَ ﵁: أن رسولَ الله ﷺ قال: "ثلاثٌ جِدُّهن جِدٌّ، وهَزْلُهن جِدٌّ: الطَّلاقُ، والنِّكاحُ، والرَّجعةُ"، غريب.
"وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: ثلاث جدهن جد وهزلهن
стр. 1729
جد: الطلاق والنكاح والرجعة" حتى لو طلق أو نكح أو راجع وقال: كنتُ فيه لاغيًا أو هازلًا لا ينفعه، وكذلك البيع والهبة وجميع التصرفات، وإنما خَصَّ هذه الثلاثة لأنها أعظم أمرًا وآكد، وخالف الشافعي في نكاح الهازل ولم يحكم بانعقاده. "غريب".
* * *
٢٤٥٤ - وعن عائِشَةَ ﵂: أنها قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا طلاقَ ولا عَتاقَ في إغلاقٍ"، قيل: معنى الإغلاق: الإكراه.
"عن عائشة ﵂ قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا طلاق ولا عتاق في إغلاق، قيل: معنى الإغلاق الإكراه" وهذا من حيث إن المكره مغلق عليه في أمره ومضيَّق عليه في تصرفه، كإغلاق الباب عليه، وكأنه يغلق عليه الباب وحبس حتى يطلق ويعتق، وفيه دليل لمن لم يوقع الطلاق والعتاق من المكره.
* * *
٢٤٥٥ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "كلُّ طلاقٍ جائزٌ إلا طلاقَ المعتوهِ والمغلوبِ على عقلِه"، غريب.
"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه" وهو ناقص العقل، "والمغلوب على عقله" وهذا يعم السكران والمجنون والنائم والمريض الزائل عقله بالمرض، والمغمى عليه، فإن هؤلاء لا يقع طلاقهم. "غريب".
* * *
стр. 1730
٢٤٥٦ - وعن عليٍّ ﵁: أن رسولَ الله ﷺ قال: "رُفِعَ القلمُ عن ثَلَاثَةٍ: عن النَّائمِ حتى يستيقظَ، وعن الصَّبيِّ حتى يَبْلُغَ، وعن المَعْتوهِ حتى يَعْقِلَ".
"عن علي ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المعتوه حتى يعقل".
* * *
٢٤٥٧ - وعن عائشةَ ﵂: أن رسولَ الله ﷺ قال: "طلاقُ الأَمَةِ تطليقتانِ، وعِدَّتُها حيضتانِ".
"عن عائشة: أن رسول الله ﷺ قال: طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان" احتج أبو حنيفة بهذا الحديث على أن تعلُّق الطلاق بالمرأة، وأن طلاق الأمة ثنتان حرًا كان زوجها أو عبدًا، وللحرة ثلاث كيف كان زوجها، وذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أن الاعتبار بحرية الزوج ورقيته.
* * *
١٢ - باب المُطلَّقَةِ ثلاثًا
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٤٥٨ - عن عائشةَ ﵂ أنها قالت: جاءتْ امرأةُ رِفاعةَ القُرَظيِّ إلى رسولِ الله ﷺ فقالت: إنِّي كنتُ عندَ رِفاعةَ فطلَّقَني فَبَتَّ طلاقي، فتزوجتُ بعدَهُ عبدَ الرحمنِ بن الزبيرِ، وما مَعه إلا مثلُ هُدْبَةِ الثَّوبِ، فقال: "أَتُريدينَ أنْ ترجِعي إلى رِفاعةَ؟ لا، حتى تَذُوقي عُسَيْلَتَهُ ويذوقَ عُسَيلتَكِ".
стр. 1731
(باب المطلقة ثلاثًا)
"من الصحاح":
" عن عائشة ﵂ أنها قالت: جاءت امرأة رفاعة القرظي" وهي تميمة بنت وهب، وقيل: بنت أبي عبيد، وقيل: أبو عبيد هو وهب "إلى رسول الله ﷺ فقالت: إني كنت عند رفاعة فطلقني فبت طلاقي"، أي: إلى قطعه فلم يُبْقِ من الثلث شيئًا، "فتزوجت بعده بعبد الرحمن بن الزَّبير" بفتح الزاي المعجمة وكسر الباء، وبه قال أكثر أهل النقل، وقيل: بالضم وفتح الباء، رواه أبو بكر النيسابوري.
"وما معه إلا مثل هدبة الثوب" بضم الهاء وسكون الدال المهملة: وهو طرف الثوب، وهذا كناية عن عُنَّته وضعف هَنَته؛ أي: الجماع.
"فقال: أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ قالت: نعم، قال: لا"؛ أي: ليس لك أن ترجعي إلى رفاعة "حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" تصغير العسل، شبه ﵊ لذة الجماع بتغييب الحشفة بذوق العسل، فاستعار لها ذوقًا، وظهرت في تصغيره التاء التأنيثية، أو أراد قطعة منه، أو معنى النطفة أو اللذة، وفي التصغير إشارة إلى القدر القليل الذي يحصل به الحل وهو تغييب الحشفة، ولا يشترط الإنزال، قيل: هذا يدل على أن الثاني إن واقعها نائمة أو مغمى عليها لا تحس باللذة لا يحل للأول؛ لأن الذوق هو أن تحس باللذة، والعامة على الحِل، وسعيد بن المسيب يشرط العقد دون الوطء، وقوله غيرُ معتبر لكونه مخالفًا للكتاب والسنة والإجماع، حتى لو قضى به القاضي لا ينفذ.
* * *
стр. 1732
مِنَ الحِسَان:
٢٤٥٩ - عن عبد الله بن مَسْعودٍ ﵁ قال: لَعَنَ رسولُ الله ﷺ المُحلِّلَ والمُحَلَّلَ له.
"من الحسان":
" عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لعن رسول الله ﷺ المحلل" بكسر اللام الأولى: المتزوج مطلقة غير ثلاثًا أو ثنتين إن كانت أمة على نية تطليقها بعد الوطء، كأنه يحلِّلها بالنكاح والوطء على الأول، "والمحلل له" بالفتح: هو الزوج الأول، ولعن اللوطء لغرض الغير وقلة الحمية، ويحتمل أن اللعن إنما يتوجه إلى مَنْ شرط على الثاني تحليلها للأول حالةَ العقد لبطلان النكاح حينئذ اتفاقًا.
* * *
٢٤٦٠ - قال سليمانُ بن يسارٍ: أدركتُ بضعَةَ عَشَرَ من أصحابِ النبيِّ ﷺ كلُّهم يقولُ: يوقَفُ المُولي.
"قال سليمان بن يسار: أدركت بضعة عشر"؛ أي: رجلًا "من أصحاب النبي ﵊ كلهم يقولون: يوقف المؤلي"؛ أي: يحبس حتى يطلق أو يطأ، والمؤلي: هو الذي حلف أن لا يطأ امرأته أكثر من أربعة أشهر، فإنْ وطأ قبل مضي المدة فعليه كفارة اليمين، وإن لم يطأ حتى يمضي أربعة أشهر يوقف ويطالب بالوطء أو بالطلاق، هذا على مذهب الشافعي ومالك وأحمد.
وقال أبو حنيفة: إذا مضت أربعة أشهر ولم يطأها وقعت عليها طلقة بائنة من غير أن يطلق الزوج، ومن غير أن يطالب بالوطء، وأما إذا كان في مدة الحلف أربعة أشهر فما دونها فهو ليس بمؤل، بل حكمه حكم اليمين إن وطء
стр. 1733
قبله كفَّر كفارته، وإلا فلا شيء عليه.
* * *
٢٤٦١ - وعن أبي سَلَمَة: أن سلمانَ بن صَخْرٍ - ويقالُ له: سلمةُ بن صَخْرٍ - البياضيَّ جعلَ امرأتَه عليهِ كظَهْرِ أُمِّه حتى يمضيَ رمضانُ، فلمَّا مَضَى نصفٌ من رمضانَ وقعَ عليها ليلًا، فأتَى رسولَ الله ﷺ فذكرَ ذلك لهُ، فقالَ لهُ رسول الله ﷺ : "أعْتِقْ رقبةً"، فقال: لا أجِدُها، قال: فَصُمْ شهرينِ متتابعَيْنِ، قال: لا أستطيعُ، قال: "أَطعِمْ ستينَ مسكينًا" قال: لا أَجِدُ، فقالَ رسول الله ﷺ لعروةَ بن عمروٍ: "أَعطِهِ ذلكَ العَرَقَ - وهو مِكْتَلٌ يأخذُ خَمسةَ عشرَ صاعًا، أو ستةَ عشرَ - ليُطعِمَ ستينَ مِسكينًا". ويُروَى: "فأطعِمْ وَسْقًا من تمرٍ بينَ ستينَ مسكينًا".
"عن أبي سلمة: أن سليمان بن صخر، ويقال له سلمة بن صخر البياضي جعل امرأته عليه كظهر أمه حتى يمضي رمضان" هذا هو الظهار المؤقت، "فلما مضى نصف من رمضان وقع عليها"؛ أي: جامعها "ليلًا، فأتى رسول الله ﷺ ، فذكر ذلك، فقال له: أعتق رقبة" حَكَم ﵊ بالإعتاق للكفارة بالوطء قبل مضي المدة.
"قال: لا أجدها، قال: فصم شهرين متتابعين، قال: لا أستطيع، قال: أطعم ستين مسكينًا، قال: لا أجد، فقال رسول الله ﷺ لفروة بن عمرو: أعطه ذلك العرق" بفتح العين المهملة والراء: وهو مكتل يأخذ خمسة عشر صاعًا أو ستة عشر صاعًا ليطعم ستين مسكينًا، ويروى: "فأطعم وسقًا" وهو ستون صاعًا "من تمر بين ستين مسكينًا".
* * *
стр. 1734
٢٤٦٢ - وعن سُليمانَ بن يَسارٍ، عن سلمَةَ بن صَخرٍ ﵁ عن النبيِّ ﷺ : في المُظاهِرِ يواقِعُ قبلَ أنْ يُكَفِّرَ؟ قال: "كفَّارةٌ واحدةٌ".
"وعن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر، عن النبي ﵊ في المظاهر"؛ أي: في الرجل المظاهر الذي "يواقع" امرأته "قبل أن يكفر، قال: كفارة واحدة"؛ أي: يجزئه كفارة واحدة.
* * *
فصل
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٤٦٣ - عن معاويةَ بن الحَكَمِ ﵁ قال: قلتُ يا رسولَ الله! إنَّ جاريةً لي كانتْ تَرعى غنمًا لي، ففَقَدْتُ شاةً مِنَ الغنمِ فسألتُها، فقالت: أكلَها الذئبُ، فأَسِفتُ عليها، وكنتُ مِن بني آدمَ فلطمتُ وجهَها، وعليَّ رَقَبةٌ، أَفَأُعتِقُها؟ فقالَ لها رسولُ الله ﷺ : "أينَ الله؟ "، فقالت: في السَّماءِ، قال: "مَنْ أنا؟ "، قالت: أنتَ رسولُ الله، قال: "أَعتِقْها فإنَّها مؤمنةٌ".
(فصل)
"من الصحاح":
" عن معاوية بن الحكم قال: قلت: يا رسول الله إن جارية لي كانت ترعى غنمًا لي، ففقدت شاة من الغنم فسألتها فقالت: أكلها الذئب فأسِفت"؛ أي: غضبت "عليها، وكنت من بني آدم" الواو للحال، وهو تمهيد عذر الغضب.
стр. 1735
"فلطمت"؛ أي: ضربت بباطن الراحة "وجهها وعلي رقبة"؛ أي: إعتاق رقبة عن كفارة "أفأعتقها"؛ أي: هل يجوز لي أن أعتقها عن تلك الكفارة؟ "فقال لها رسول الله ﷺ : أين الله؟ قالت: في السماء" مراده ﵇ من سؤاله إياها: ليعلم أنها موحِّدة أم متخذة الأصنام آلهة، فلما أشارت إلى السماء عَلِمَ أنها موحِّدة، فقَنِع منها بأن علمت أن لها ربًا يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، وليس المراد إثبات السماء مكانًا له تعالى عنه علوًا كبيرًا، بل معناه أن أمره ونهيه ووحيه ورحمته وكُتبه جاءت من قبل السماء، أو هو كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ [تبارك: ١٦]، والمراد: نفسه تعالى بالمعنى المذكور.
"قال" ﵊: "من أنا؟ قالت: أنت رسول الله، قال: أعتقها فإنها مؤمنة".
* * *
١٣ - باب اللِّعَانِ
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٤٦٤ - عن سهلِ بن سَعْدٍ السَّاعديِّ قال: إنَّ عُوَيْمرًا العَجْلانيَّ قال: يا رسولَ الله! أرأيتَ رجلًا وَجَدَ معَ امرأتِه رجلًا أَيقتُلُه فتقتلُونَه، أَمْ كيفَ يفعلُ؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "قد أُنزِلَ فيكَ وفي صاحبتِكَ فاذَهبْ فأتِ بها"، قال سهلٌ: فَتلاعَنَا في المسجدِ وأنا مَعَ الناسِ عندَ رسولِ الله ﷺ ، فلما فَرَغا قال عُوَيمرٌ: كذبتُ عليها يا رسولَ الله إنْ أَمسكتُها، فطلَّقَها ثلاثًا، ثم قالَ رسولُ الله ﷺ : "انظُرُوا! فإنْ جاءَتْ بهِ أَسْحَمَ أَدْعَجَ العَيْنينِ، عظيمَ الأَليتينِ، خَدَلَّجَ السَّاقَيْنِ، فلا أحسِبُ عُوَيمِرًا إلا قد صَدَقَ عليها، وإنْ جاءَتْ بهِ أُحَيمِرَ كأنه وَحَرَةٌ، فلا أَحسِب عُوَيمرًا إلا قد كذبَ عليها"، فجاءَت بهِ على النَّعتِ الذي نعتَ
стр. 1736
رسولُ الله ﷺ مِن تصديقِ عُوَيمرٍ، فكانَ بعدُ يُنسَبُ إلى أمِّه.
(باب اللعان)
"من الصحاح":
" عن سهل بن سعد الساعدي أنه قال: أن عويمر العجلاني" بنو عجلان بفتح العين وسكون الجيم: بطن من العرب "قال: يا رسول الله! أرأيت رجلًا"، أي أخبرني عن رجل "وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه؟! "؛ أي: أولياء المقتول ذلك الرجل القاتل.
"أم كيف يفعل؟ فقال رسول الله ﷺ : قد أنزل فيك"؛ أي: قد أنزل الله فيك "وفي صاحبتك": ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النور: ٦] الآية.
"فاذهب فأت بها، قال سهل: فتلاعنا في المسجد وأنا مع الناس عند رسول الله ﷺ " وهذا يدل على جواز اللعان في المسجد، بل هو مستحب تغليظًا مكانيًا، وعلى أنه ينبغي أن يكون بمحضر جماعة من المؤمنين كإقامة الحدود بمحضرهم ليكون أبلغ زجرًا، وصفةُ اللعان معروفة.
والحديث يدل على أن آية اللعان نزلت في عويمر العجلاني، وأنه أول لعان كان في الإسلام، قال بعض العلماء: إنها نزلت بسبب هلال بن أمية، وكان أول رجل لاعن في الإسلام، فقالوا: معنى قوله ﵊ لعويمر: (نزلت فيك)؛ أي: في شأنك؛ لأن في ذلك حكم شامل لجميع الناس، وقيل: يحتمل أنها نزلت فيهما جميعًا، فلعلهما سألا في وقتين متقاربين فنزلت فيهما، وسبق هلال باللعان.
"فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها"؛ يعني: إن أمسكتها في نكاحي ولم أطلقها فقد كذبت فيما قلت في قذفها، "فطلَّقَها ثلاثًا".
стр. 1737
وهذا يدل على أن الفرقة لا تقع بمجرد اللعان ما لم يفرِّقِ الحاكمُ، وبه قال أبو حنيفة، حتى لو طلقها قبل قضاء القاضي وقع، وعند الشافعي: يقع بمجرد اللعان.
والفرقة في الحكم: التطليقة الثانية عند أبي حنيفة لا يتأبد حكمها، فإذا أكذب الرجلُ نفسَه بعد ذلك فحُدَّ جاز أن يتزوجها، وعند الشافعي: فرقة بغير طلاق يتأبد حكمها ليس لهما أن يجتمعا بعد ذلك بوجه.
"ثم قال النبي ﵊: انظروا، فإن جاءت به"؛ أي: بما حملت "أسحم" وهو شديد السواد "أدعج"؛ أي: أسود "العينين" مع سعتهما، وقيل: هو شديد سواد العين في بياضها، "عظيم الأَلْيتين خدلج" بتشديد اللام؛ أي: عظيم "الساقين"، وكان الرجل الذي نُسب إليه الزنا بهذه الصفة؛ يعني: لو كان الولد بهذه الصفات "فلا أحسب"؛ أي: فلا أظن "عويمرًا إلا قد صدق عليها"، وهذا يدل على جواز الاستدلال بالشبه.
"وإن جاءت به أحيمر" تصغير أحمر نصب حالًا "كأنه وحرة" بفتح الواو والحاء المهملة: دويبة حمراء تلتزق بالأرض، وقيل: شبه الوزغة، وكان عويمر أحمر، فلو كان الولد بهذه الصفة "فلا أحسب عويمرًا إلا قد كذب عليها، فجاءت به على النعت الذي نعت رسول الله من تصديق عويمر، فكان بعد ينسب إلى أمه"، وإنما كشف ﵊ بذلك مع أن الستر أفضل لفائدة إعلام النبوة، وللتنبيه على أن لا تأثير لوضوح الأمر بعد وقوع الفرقة بين المتلاعنين.
* * *
٢٤٦٥ - وعن ابن عمرَ ﵄: أن النبيَّ ﷺ لاعَنَ بينَ رَجُلٍ وامرأتِهِ، فانتفَى من ولدِها، ففرَّقَ بينَهما، وأَلحَقَ الولدَ بالمرأةِ، وفي حديثِه: أن رسولَ الله ﷺ -
стр. 1738
وَعَظَهُ، وذكَّرَهُ، وأَخبرَهُ أن عذابَ الدُّنيا أَهوَنُ مِن عذابِ الآخرةِ، ثم دَعاها فوَعَظَها، وذكَّرَها، وأخبرَها أن عذابَ الدنيا أَهْوَنُ مِن عذابِ الآخرةِ.
"وعن ابن عمر: أن النبي ﵊ لاعن بين رجل وامرأته فانتفى من ولدها ففرق بينهما وألحق الولد بأمه، وفي حديثه: أن رسول الله قال الله عيه وسلم وعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون"؛ أي: أسهل "من عذاب الآخرة" لأن عذاب الدنيا فانية وعذاب الآخرة باقية.
"ثم دعاها فوعظها، وذكرها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة"، والحديث يدل على أن للإمام أن يذكِّر المتلاعنين ويُعظم الأمر عليهما، ويقول لهما: عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة.
* * *
٢٤٦٦ - وعن ابن عُمَرَ ﵄: أن النبيَّ ﷺ قال للمُتلاعِنَيْنِ: "حِسابُكما على الله، أحدُكما كاذِبٌ لا سبيلَ لكَ عليها"، قال: يا رسولَ الله! مالي؟ قال: "لا مالَ لَكَ، إنْ كنتَ صدَقتَ عليها فهو لها بما استحْلَلتَ مِن فرجِها، وإنْ كنتَ كذبتَ عليها فذاكَ أبعدُ وأبعدُ لكَ منها".
"وعن ابن عمر: أن النبي عيه الصلاة والسلام قال للمتلاعنين: حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها"؛ يعني: لا يجوز لك أن تكون معها، بل حَرُمت عليك أبدًا، يدل على وقوع الفرقة باللعان كما قال الشافعي.
"قال"؛ أي: الرجل بعد الفرقة: "يا رسول الله! مالي"؛ أي: أين يذهب مالي الذي أعطيتها من المهر؟ "قال: لا مال لك إن كنت صدقت عليها، فهو بما استحللت من فرجها"؛ أي: فمالك يكون في مقابلة وطئك إياها، وهذا يدل
стр. 1739
على أن الملاعن لا يرجع بالمهر عليها إذا دخل بها، وعليه اتفاق العلماء، وأما إذا لم يدخل بها: قال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لها نصف المهر، وقال بعض: لها الصداق كاملًا، وقال الزهري: لا صداق لها.
"وإن كنت كذبت عليها" في أنها زنت، "فذاك أبعد"؛ أي: عود المهر إليك أبعد؛ لأنه إذا لم يعد إليك حالةَ الصدق فلأَنْ لا يعود إليك حالة الكذب أولى "وأبعد لك منها".
* * *
٢٤٦٧ - وعن ابن عبَّاسٍ: أن هِلالَ بن أُميَّةَ قذفَ امرأتَه عندَ النبيِّ ﷺ بشَريكِ بن سَحْماءَ، فقال النبيُّ ﷺ : "البَينَةُ أو حدٍّ في ظهرِكَ"، فقال هلالٌ: والذي بعثَكَ بالحقِّ إني لَصادِقٌ، فليُنزِلَنَّ الله ما يُبرِّئ ظهري من الحدِّ، فنزلَ جبريلُ ﵇، وأنزلَ عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ - فقرأ حتى بلغَ: - ﴿إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فجاءَ هلالٌ فشَهِدَ، والنبيُّ ﷺ يقولُ: "إنَّ الله يعلمُ أن أحدَكما كاذبٌ، فهل منكما تائبٌ؟ " ثم قامَتْ فشهِدَتْ، فلما كانَت عندَ الخامسةِ وَقَفوها وقالوا: إنَّها مُوجِبة! قال ابن عبَّاسٍ ﵄: فَتَلَكَّأَت ونكصَتْ حتى ظَنَنَّا أنها تَرجِعُ، ثم قالت: لا أَفْضَحُ قَومي سائرَ اليومِ، فمَضَتْ، وقال النبيُّ ﷺ : "أَبْصِرُوها! فإنْ جاءَت به أَكحَلَ العينينِ، سابغَ الأَليتينِ، خَدَلَّجَ السَّاقينِ فهو لشريكِ بن سَحْماءَ"، فجاءَت به كذلكَ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "لولا ما مَضَى مِن كتابِ الله لكانَ لي ولها شأنٌ".
"وعن ابن عباس: أن هلال بن أمية قذف امرأته" اسمها خولة "عند النبي ﵊ بشريك بن سحماء، فقال النبي ﵊: البينة"؛ أي: أقم البينة بأربعة شهود أنها زنت "أو حدًا" نصب على المصدر؛
стр. 1740
أي: تحد حدًا "في ظهرك"، وهذا يدل على وجوب الحد بقذف الزوجة، "فقال هلال: والذي بعثك بالحق، إني لصادق، فلينزلن الله ما يبرئ ظهري من الحد، فنزل جبرائيل فأنزل عليه: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ﴾؛ أي: يقذفون ﴿أَزْوَاجَهُمْ﴾ فقرأ - حتى بلغ - ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾، فجاء هلال فشهد"؛ أي: فلاعن.
"والنبي يقول: إن الله يعلم أن أحدكما كاذب فهل منكما تائب"، والأظهر: أنه ﵇ قال بعد فراغهما من اللعان، والمراد: أنه يلزم الكاذب التوبة، وقيل: قاله قبل اللعان تحذيرًا لهما منه.
"ثم قامت فشهدت، فلما كانت عند الخامسة"؛ أي: الشهادة الخامسة "وقفوها"؛ أي: حبسوها ومنعوها عن المضي في الشهادة الخامسة، وقيل: أقاموها في الخامسة بعد كونها قاعدة، وهذا يدل على أن حكم لعان الزوج مقدم على لعانها لأنه مثبت.
"وقالوا إنها"؛ أي: الشهادة الخامسة "موجبة" للتفريق بينكما.
"قال ابن عباس: فتلكأت"؛ أي: تبطأت له وتوقفت أن تقولها "ونكصت"؛ أي: انقلبت ورجعت على عقبيها "حتى ظننا أنها ترجع" عن ذلك، وتندم على اللعان، "ثم قالت: لا أفضح قومي سائر اليوم"؛ أي: في جميعه، واللام للجنس؛ أي: سائر الأيام، والمعنى: لا أفضح قومي في جميع الدهر بأن أرجع عن اللعان وأثبت على نفسي الزنا.
"فمضت"؛ أي: أتمت اللعان في الخامسة، "وقال النبي ﵊: أبصروها" بفتح الهمزة، "فإن جاءت به أكحل العينين" الكحل: سواد العينين من أصل الخلقة، "سابغ الأليتين"؛ أي: عظيم الأليتين "خدلج الساقين، فهو لشريك بن سحماء، فجاءت به كذلك، فقال النبي ﵊: لولا ما مضى من كتاب الله"؛ أي: لولا أن القرآن حكم بعدم الحد
стр. 1741
على المتلاعنين وعدم التعزير "لكان لي ولها شأن"؛ أي: لفعلت بها ما يكون عبرة للناظرين وتذكرة للسامعين لهتكها الحرمة بينها وبين ربها تارة بالزنا، وأخرى بالأيمان الكاذبة، وفي تنكير لفظ الشأن تهويل لِمَا كان يريد أن يفعل بها، وفيه دليل على أن القاضي يجب عليه أن يحكم بالظاهر، وإن كان ثمة ما يدل على خلافه من الشبه، ولا منافاة بين حديث الملاعنة وبين قوله ﵊: "الولد للفراش وللعاهر الحجر"؛ لأن حديث اللعان فيمن ينفي الولد مع وجود الفراش، والحديث الآخر فيمن يدَّعي الولد من غير فراش.
* * *
٢٤٦٨ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال سعدُ بن عُبادةَ: لو وَجدتُ معَ أهلي رَجُلًا لَمْ أَمَسَّهُ حتى آتيَ بأربعةِ شهداءَ!؟ قال رسولُ الله ﷺ : "نعم"، قال: كلا والذي بعثَكَ بالحقِّ، وإنْ كنتُ لأُعاجِلُه بالسَّيفِ قبلَ ذلكَ، قالَ رسولُ الله ﷺ : "اسمَعُوا إلى ما يقولُ سَيدُكم، إنه لَغَيُورٌ وأنا أَغْيَرُ مِنه، والله أَغْيَرُ منِّي".
"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال سعد بن عبادة: لو وجدت مع أهلي رجلًا لم أمسه"؛ أي: لم أضربه ولم أقتله حرف الاستفهام مقدرة هنا؛ أي: لم أتعرض له بالأذى والقتل؟
"حتى آتي" بالمد "بأربعة شهداء؟ قال رسول الله ﷺ : نعم، قال"؛ أي: سعد بن عبادة: "كلا والذي بعثك بالحق إن كنت لأعاجله بالسيف قبل ذلك"، (إن) هذه مخففة من المثقلة، واسمها مضمر، واللام في (لأعاجله) فارقة بينها وبين الشرطية والنافية، قيل: مراجعة سعد للنبي ﵇ طمعًا في الرخصة لا ردًا لقوله، ولم يرد بقوله: (كلا) إنكار حُكْمه ﵊؛ لأنه كفرٌ، وإنما بدت هذه الكلمة منه من فَرط الغيرة.
"قال رسول الله ﷺ : اسمعوا إلى ما يقول سيدكم، إنه لغيور" فعول من
стр. 1742
الغيرة وهي الحميَّة والغضب على مَنْ فعل بأهله فاحشة.
"وأنا أغير منه، والله أغير مني" أفعل تفضيل من الغيرة، وهي من الله الزجر عن المعاصي، والحديث يدل على أن مَنْ قتل رجلًا ثم ادعى أنه وجده على امرأته لا يسقط عنه القصاص به حتى يقيم البينة على زناه.
* * *
٢٤٦٩ - وقال رسولُ الله ﷺ : "لا أحدَ أَغْيَرُ مِن الله، فلذلكَ حرَّمَ الفواحشَ ما ظهرَ منها وما بَطَنَ، ولا أحدَ أحبُّ إليه المِدْحَةُ مِن الله، فلذلكَ مَدَحَ نفسَه".
وفي روايةٍ: "ولا أحدَ أحبُّ إليهِ المِدْحَةُ مِن الله ، ومِن أجلِ ذلكَ وعدَ الله الجَنَّةَ، ولا أحدَ أحبُّ إليه العُذرُ مِن الله تعالى، من أجلِ ذلكَ بعثَ المُنذِرينَ والمُبَشِّرين".
"وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﵊: لا أحد أغير من الله"؛ أي: أزجر من المعاصي منه، "فلذلك حرم الفواحش" جمع فاحشة وهي: ما تجاوز عن حد الشرع.
"ما ظهر منها وما بطن، ولا أحد أحب إليه المدحة" بكسر الميم بمعنى المدح من الله، "فلذلك مدح نفسه، وفي رواية: ولا أحد أحب إليه المدحة من الله ومن أجل ذلك وعد الله الجنة" لمن مدحه وأطاعه.
"ولا أحد أحب إليه العذر من الله، ومن أجل ذلك بعث المنذرين والمبشرين"؛ يعني: النبيين ليخوفوا العاصين ليعتذروا ويتوبوا عن معاصيهم ليقبل عذرهم وتوبتهم وبشروا المطيعين.
* * *
стр. 1743
٢٤٧٠ - وقال: "إنَّ الله تعالى يَغارُ، وإنَّ المُؤمِنَ يَغارُ، وغَيْرَةُ الله: أنْ يأتيَ المؤمنُ ما حرَّمَ الله".
"وعن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله يغار"؛ أي: يغضب على مَنْ فعل فاحشة، "وإن المؤمن يغار، وغيرة الله أن لا يأتي المؤمن ما حرم الله".
* * *
٢٤٧١ - وقال: "يا أُمَّةَ مُحمَّدٍ! والله ما مِن أَحدٍ أَغْيَرُ مِن الله أنْ يزنيَ عبدُه أو تزنيَ أَمَتُه".
"وعن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : يا أمة محمد! والله ما من أحد أغير من الله أن يزني"؛ أي: على أن يزني "عبده أو تزني أمته".
* * *
٢٤٧٢ - عن أبي هريرةَ ﵁: أن أعرابيًّا أَتَى رسولَ الله ﷺ فقال: إنَّ امرأَتي ولدَتْ غلامًا أسودَ، وإني أَنكَرْتُه؟ فقال له رسولُ الله ﷺ : "هل لكَ مِن إبلٍ؟ " قال: نعم، قال: "فما أَلوانهُا؟ " قال: حُمْرٌ، قال: "هل فيها مِن أَوْرَقَ؟ " قال: إنَّ فيها لَوُرْقًا، قال: "فأَنَّى تَرَى ذلكَ جاءَها؟ " قال: عِرْقٌ نزعَها، قال: "ولعلَّ هذا عِرْقٌ نَزَعَه"، ولم يُرَخِّصْ له في الانتفاءِ منه".
"وعن أبي هريرة ﵁: أن أعرابيًا أتى رسول الله فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود وإني أنكرته، فقال له النبي ﵊: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: فما ألوانها؟ قال: حمر، قال: هل فيها من أورق؟ "؟ أي: أسمر، والورقة: السُّمرة، وفي "صحاح الجوهري": الأورق من الإبل: الذي
стр. 1744
في لونها بياض إلى سواد، وهو أطيب الإبل لحمًا، وليس بمحمود عندهم في سيره وعمله.
"قال: إن فيها لورقًا" بضم الواو، جمع الأورق، "قال: فأنى ترى"؛ أي كيف ترى أنت "ذلك" الورق "جاءها"؛ يعني: من أين حصل لها وأبوها ليس كذلك؟!
"قال"؛ أي: الأعرابي: "عرق"؛ أي: هو عرق "نزعها"؛ أي: أخرجها وقطعها من ألوان فحلها ولقاحها وجدتها إلى الورقة، وفي المثل: العِرْق نزَّاع.
"قال"؛ أي: النبي ﵇: "فلعل هذا"؛ أي: المولود "عرق نزعه ولم يرخص له في الانتفاء منه"، وهذا يدل على إثبات قياس اختلاف لون الوالد والمولود لنزع عرق على اختلاف الإبل مع اتحاد الفحل واللقاح.
* * *
٢٤٧٣ - وعن عائشة ﵂: أنها قالت: كانَ عُتبةُ بن أبي وَقَّاصٍ عَهِدَ إلى أخيهِ سعدِ بن أبي وَقَّاصٍ: أن ابن وَلِيدةِ زَمْعةَ مِنِّي فاقبضْهُ إليكَ، فلمَّا كانَ عامُ الفتحِ أَخَذَه سعدٌ فقال: إنه ابن أخي، وقالَ عبدُ بن زَمْعَةَ: أخي، فتساوَقا إلى رسولِ الله ﷺ ، فقال سعدٌ: يا رسولَ الله! إنَّ أخي كانَ عَهِدَ إليَّ فيه، وقال عبدُ بن زَمْعَةَ: أخي، وابن وَلِيدةِ أبي، وُلِدَ على فراشِهِ، فقال رسولُ الله ﷺ : "هُوَ لكَ يا عبدَ بن زَمْعَةَ، الولدُ للفِراشِ وللعاهِرِ الحَجَرُ"، ثم قالَ لِسَودةَ بنتِ زَمْعة: احتجِبي منه، لِما رَأَى مِن شَبَهِهِ بعُتبةَ، فما رآها حتى لَقيَ الله. ويُرَوى: "هو أخوكَ يا عبدُ".
"عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان عتبة بن أبي وقاص" وهو الذي كسر رباعية النبي ﵊ يومَ أحد فمات كافرًا "عهد إلى أخيه
стр. 1745
سعد بن أبي وقاص: أن ابن وليدة زمعة مني فاقبضه إليك" أراد بالوليدة الأمة، وزمعة هذا أبو سودة زوجة النبي ﵊، وكان عادة أهل الجاهلية أن أحدهم إذا وطئ أمة غيره وحبلت بعده زعم أن الحمل منه، فإذا وضعته ادعاه فألحق به، وكان عتبة قد فعل هذا الفعل وأوصى أخاه سعد بن أبي وقاص حين مات بمكة أن يضم إليه ابن وليدة زمعة على أنه ابنه.
"فلما كان عام الفتح"؛ أي: فتح مكة "أخذه سعد فقال: إنه ابن أخي، وقال عبد بن زمعة: إنه أخي" كان أبي يطؤها بملك اليمين، وقد ولدت على فراشه، "فتساوقا"؛ أي: ذهبا "إلى رسول الله كأن كلًا منهما يسوق صاحبه إليه ﵊، فقال سعد: يا رسول الله! إن أخي كان عهد إلي فيه، وقال عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي ولد على فراشه، فقال رسول الله ﵇: هو لك يا عبد بن زمعة" حكم ﵊ بالولد لزمعة لإقراره بوطئها وتصييرها فراشًا له به، وأبطل ما كان عليه أهل الجاهلية من الانتساب إلى الزاني بقوله: "الولد للفراش"؛ أي: لصاحب الفراش، "وللعاهر الحجر"، قيل: معناه: وللزاني الرجم، لكن هذا إنما يستقيم إذا كان محصَنًا، ويجوز أن يكون معناه: وللزاني الخيبة فيما ادعاه من النسب، يقال: لفلان حجر أو تراب: إذا خاب.
"ثم قال رسول الله ﷺ لسودة بنت زمعة: احتجبي منه" أمرها بالاحتجاب من ذلك الابن بطريق الورع والاحتياط "لما رأى من شبهه بعتبة، فما رآها"؛ أي: ذلك الابن سودة "حتى لقي الله"؛ أي: مات، "وروي: هو أخوك يا عبد".
* * *
٢٤٧٤ - وقالت عائِشَةُ ﵂: دخلَ عليَّ رسولُ الله ﷺ ذاتَ يومٍ وهو مسرورٌ فقالَ: "أَيْ عائشةُ! ألم تَرَيْ أن مُجزِّرًا المُدْلِجيَّ دخلَ، فرأى أسامةَ
стр. 1746
وزيدًا وعليهما قَطيفةٌ، قد غَطَّيا رُؤوسَهما وبدَتْ أقدامُهما، فقال: إنِّ هذه الأقدامَ بعضُها مِن بعضٍ؟ ".
"وقالت عائشة: دخل علي رسول الله ﷺ ذات يوم"؛ أي: يومًا "وهو مسرور"؛ أي: فرح، "فقال: أي عائشة! ألم تري أن مجززًا المدلجي" بضم الميم وكسر اللام المخففة "دخل"؛ أي: في المسجد "فرأى أسامة وزيدًا"؛ يعني: أسامة وأبيه زيدًا "وعليهما قطيفة" كساء غليظ "قد غطَّيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض" وكان زيد أبيض وأسامة أسود لأن أمه بركة كانت جارية حبشية الأصل ورِثها النبيُّ ﵊ من أبيه عبد الله فأعتقها وزوَّجها زيدَ بن حارثة، فكان المنافقون يتكلمون فيهما بما يسوء النبي ﵊ سماعه بسبب سواده، فلما سمع قول المدلجي وهو كان قائفًا من بني مدلج؛ أي: عالمًا نسب غيره، سُرِّي عنه؛ لما فيه من إشارة الحق وغيظ أهل النفاق، وفيه دليل على ثبوت أمر القافة، وصحة الحكم بقولهم في إلحاق الولد؛ لأنه ﵊ لا يُظْهِر السرور إلا بما هو حق عنده، وهو قول الشافعي وأحمد ومالك، وعندنا: لا يجوز الحكم بقول القافة.
* * *
٢٤٧٥ - وقال رسولُ الله ﷺ : "من ادَّعى إلى غيرِ أبيهِ وهو يعلمُ فالجنةُ عليهِ حرامٌ".
"وعن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله ﷺ : من ادعى إلى غير أبيه" عدَّى الادعاء بـ (إلى) لتضمنه معنى الانتساب "وهو يعلم" أنه غير أبيه، الواو فيه للحال، وقد كانوا يفعلونه في الجاهلية "فالجنة عليه حرام".
قيل: هذا محمول على المستحِل، وقيل: معناه: لا يكون من الفائزين
стр. 1747
الداخلين أولًا، عبر عنه بهذه العبارة تشديدًا في الزجر عنه لأنه مؤدٍ إلى الفساد الكثير.
* * *
٢٤٧٦ - وقال: "لا تَرْغبُوا عن آبائِكم فمن رَغِبَ عن أبيهِ فقد كفَرَ".
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا ترغبوا"؛ أي: لا تعرضوا "عن آبائكم" بالانتساب إلى غير آبائكم، "فمن رغب"؛ أي: أعرض "عن أبيه" وهو عالم أنه أبوه، "فقد كفر" إن اعتقد إباحته لمخالفته الإجماع، وإن لم يعتقد يكون معناه: فقد كفر حقَّ نعمته.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٤٧٧ - عن أبي هريرةَ ﵁: أنَّه سمعَ النبيَّ ﷺ يقولُ لما نزلَت آيةُ المُلاعَنَةِ: "أيُّما امرأةٍ أَدخَلَتْ على قومٍ مَن ليسَ منهم فليسَتْ مِن الله في شيءٍ، ولن يُدخِلَها الله جنَّتَهُ، وأيُّما رَجُلٍ جَحَدَ ولدَهُ وهو ينظرُ إليه احتجبَ الله منه وفضحَه على رؤوسِ الخلائقِ في الأوَّلينَ والآخِرينَ". ويُروى "وفَضَحَهُ على رؤوسِ الأَشهادِ".
"من الحسان":
" عن أبي هريرة ﵁: أنه سمع النبي ﵊ يقول لما نزلت آية الملاعنة: أيما امرأة أدخلَتْ على قوم من ليس منهم" بانتساب ولدها المولود من الزنا إلى زوجها "فليست من الله في شيء"؛ أي: في رحمته وغفرانه؛ يعني: لا تجد العفو، "ولن يدخلها الله جنته"؛ أي: مع المحسنين، بل يؤخرها
стр. 1748
ويعذبها ما شاء إلا أن تكون كافرة فتخلد في النار.
"وأيما رجل جحد ولده وهو ينظر إليه"؛ أي: يعلم أنه ولده وينكر مع العلم، ذِكْر النظر تخفيف لسوء صنيعه وعظم جنايته، "احتجب الله منه"؛ يعني: يحتجب الله منه كما احتجب هو منه في الدنيا، "وفضحه على رؤوس الخلائق في الأولين والآخرين"؛ أي: يكشف سوءه قدامهم وعند مشاهدتهم.
"ويروى: وفضحه على رؤوس الأشهاد" جمع شاهد، وهو الحاضر، والمراد: أهل القيامة.
* * *
٢٤٧٨ - ويُروَى عن ابن عبَّاسٍ ﵁ أنه قال: جاءَ رجلٌ إلى رسولِ الله ﷺ فقال: إنَّ لي امرأةً لا تَردُّ يَدَ لامِسٍ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "طلِّقْها"، فقال: إني أُحِبُّها، قال: "فأمْسِكْها إذًا".
"وروي عن ابن عباس ﵄: أنه قال: جاء رجل إلى النبي ﵇ فقال: إن لي امرأة لا ترد يد لامس"؛ أي لا تمنع نفسها من يقصدها بفاحشة، "فقال النبي ﵊: طلقها، قال: إني أحبها، قال: فأمسكها إذًا"؛ أي: احفظها ولازمها كيلا تفعل فاحشة، وهذا يدل على أن تطليق مثل هذه المرأة أولى لأنه قدم الطلاق على الإمساك، وقيل: معناه: لا تحفظ ما في البيت ولا ترد يدَ مَنْ أراد أن يأخذ منه شيئًا، فمعنى قوله: "فأمسكها"؛ أي: احفظها عما ذكرت من التبذير.
* * *
٢٤٧٩ - عن عمرِو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه ﵁: أن النبيَّ ﷺ قَضَى: "أن كلَّ مستَلْحَقٍ استُلحِقَ بعدَ أبيهِ الذي يُدْعَى له ادَّعاهُ ورثَتُه"، فقَضَى:
стр. 1749
"أنَّ مَن كانَ مِن أَمَةٍ يملِكُها يومَ أصابَها فقد لحِقَ بمن استلحَقَهُ، وليسَ له مما قُسِمَ قبلَه مِن الميراثِ شيءٌ، وما أدركَ من ميراثٍ لم يُقْسَمْ فلهُ نصيبُه، ولا يُلحَقُ إذا كانَ أبوهُ الذي يُدعى لهُ أنكرَهُ، فإن كانَ مِن أَمَةٍ لم يملِكْها، أو مِن حُرَّةٍ عاهَرَ بها فإنه لا يَلحقُ ولا يرثُ، وإن كانَ الذي يُدعى له هو ادَّعاهُ فهو ولدُ زَنْيَةٍ، مِن حُرَّةٍ كانَ أو أَمَةٍ".
"عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي ﵊ قضى أن كل مستلحق" بفتح الحاء: الولد الذي طلب الورثة أن يلحقوا بهم "استلحق بعد أبيه"؛ أي: بعد موت أبيه "الذي يدعى له"؛ أي: ينسبه إليه الناس بعد موت سيد تلك الأمة، ولم ينكر أبوه حتى يموت.
"ادعاه ورثته" صفة لـ (مستلحق) أيضًا، "فقضى" تفسير للقضاء الأول: "أن من كان من أمة يملكها يوم أصابها"؛ يعني: جامعها "فقد لحق"؛ أي: الولد "بمن استلحقه، وليس له مما قسم قبله"؛ أي: قبل الاستلحاق "من الميراث شيء، وما أدرك من ميراث لم يقسم فله نصيبه" على حسب ذكورته وأنوثته، "ولا يلحق إذا كان أبوه الذي يدعى له أنكره"؛ لأن الولد انتفى عنه بإنكاره، وهذا إنما يكون إذا ادعى الاستبراء بأن يقول: مضى عليها حيض بعدما وطئها وما وطئتها بعد مضي الحيض حتى ولدت وحلف على الاستبراء، فحينئذ ينفى عنه الولد.
"فإن كان من أمة لم يملكها، أو من حرة عاهر بها"؛ أي: زنى بها، "فإنه لا يلحق ولا يرث"؛ لأن الزنا لا يثبت النسب، "وإن كان الذي يدعى له هو ادعاه" هذا تأكيد لقوله: فإنه لا يلحق ولا يرث، "فهو ولد زنية من حرة كان أو أمة".
* * *
стр. 1750
٢٤٨٠ - عن جابرِ بن عَتيكٍ ﵁: أن النّبيَّ ﷺ قال: "مِن الغَيْرَةِ ما يُحِبُّ الله، ومنها ما يُبغِضُ الله، فأمَّا التي يُحبُّها الله: فالغَيْرةُ في الرِّيبةِ، وأمَّا التي يُبغِضُها الله: فالغَيْرةُ في غيرِ رِيبةٍ، وإنَّ مِن الخُيَلاءِ ما يُبغِضُ الله، ومنها ما يحبُّ الله، فأَمَّا الخُيَلاءُ التي يحبُّ الله: فاختيالُ الرجلِ عندَ القِتالِ واختيالُه عندَ الصَّدقةِ، وأمَّا التي يُبغِضُ الله تعالى: فاختيالُهُ في الفخرِ". ويُروى: "في البَغْيِ".
"عن جابر بن عتيك: أن نبي الله ﷺ قال: إن من الغيرة ما يحب الله، ومنها ما يبغض الله، فأما التي يحبها الله فالغيرة في الريبة": وهي التهمة والشك، وهنا الاختلاط مع الأجانب؛ يعني: إذا علم أن بين زوجته أو أمته وبين الأجنبي ملاقاة وانبساطًا ومراحًا ينبغي للرجال أن لا ترضى بهذا.
"وأما التي يبغضها الله: فالغيرة في غير الريبة"؛ بأن يقع في خاطره ظن سوء من غير أمارة.
"وإن من الخيلاء"؛ أي: الكبر "ما يبغض الله، ومنها ما يحب الله، فأما الخيلاء التي يحب الله: فاختيال الرجل عند القتال"، وهو التبختر عند المعركة والاستهانة بالعدو، وإظهار الشجاعة حتى يتمكن الروع واسعة في قلبه.
"واختياله عند الصدقة" وهو بأن تهزه الأريحية للسخاء، فيعطيها طيبة بها نفسه فلا يستكثر الكثير، بل لا يعطي منها إلا وهو يعده قليلًا.
"وأما الذي يبغض الله: فاختياله في الفخر" بأن يقول: أنا أشرف نسبًا وكرمًا من فلان، "ويروى: في البغي" وهو الظلم.
* * *
стр. 1751
١٤ - باب العِدَّة
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٤٨١ - عن أبي سلمةَ، عن فاطمةَ بنتِ قيسٍ: أن أبا عمروِ بن حفصٍ طلَّقَها البتَّةَ وهو غائبٌ، فأَرسلَ إليها وكيلَه بشعيرٍ، فتَسَخَّطَتْهُ، فقال: والله ما لكِ علينا مِن شيءٍ، فجاءَتْ رسولَ الله ﷺ ، فذكرَتْ ذلكَ له، فقال: "ليسَ لكِ نفقةٌ"، فأَمَرَها أنْ تعتدَّ في بيتِ أُمِّ شَريكٍ، ثم قال: "تلكَ امرأةٌ يغشاها أصحابي، اعتدِّي عندَ ابن أُمِّ مكتومٍ فإنه رجلٌ أعمى، تَضعِينَ ثيابَكِ، فإذا حَلَلْتِ فآذِنيني"، قالت: فلمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لهُ أن مُعاوِيَةَ بن أبي سفيانَ، وأبا جَهْمٍ خَطَباني؟ فقال: "أمَّا أبو جَهْمٍ: فلا يَضَعُ عَصاهُ عن عاتِقِهِ، وأمَّا مُعاوِيةُ: فصُعْلوكٌ لا مالَ لهُ، انكِحي أُسامةَ بن زيدٍ"، فَكَرِهْتُهُ ثم قال: "انكِحي أُسامةَ ابن زيدٍ"، فَنَكَحتُه فجعلَ الله فيهِ خيرًا واغتبَطْتُ".
وفي روايةٍ: "فأمَّا أبو جَهْمٍ فرجلٌ ضَرَّابٌ للنِّساءِ".
ورُوي: أن زوجَها طلَّقَها ثلاثًا، فأتَتْ النبيَّ ﷺ فقال: "لا نفقةَ لكِ إلا أنْ تكوني حامِلًا".
(باب العدة)
"من الصحاح":
" عن أبي سلمة، عن فاطمة بنت قيس: أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة" المراد بها هنا: الطلقات الثلاث "وهو غائب، فأرسل إليها وكيله"؛ أي: إلى فاطمة وكيل أبي عمرو "الشعير للنفقة فسخطته"؛ أي: استقلته وعدَّته قليلًا ولم ترض به.
стр. 1752
"فقال"؛ أي: الوكيل: "والله ما لك علينا من شيء"؛ لأنك مطلقة بائنة، "فجاءت" فاطمة "رسولَ الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال رسول الله: ليس لك نفقة" قال الشافعي ومالك: لا نفقة للمطلقة البائنة إلا أن تكون حاملًا لكن لها السُّكنى، وعندنا: تجب لها النفقة والسكنى في العدة كالمطلقة الرجعية.
معنى قوله: (ليس لك نفقة)؛ أي: النفقة التي تريدينها لأنها لم ترض بالشعير وأرادت أجود منه.
"فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: تلك"؛ يعني: أم شريك "امرأة يغشاها أصحابي"؛ أي: يدخلون إليها فلا يصلُح بيتها للمعتدة، "اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك" خبر في معنى الطلب بملازمة المسكن، والنهي عن الخروج، ووضع ثياب الزينة إلى انقضاء العدة؛ أي: لا تلبسي ثياب الزينة في حال العدة.
"فإذا حللت"؛ أي: من العدة بانقضائها "فآذنيني"؛ أي: فأعلميني، "قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله ﷺ : أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه"، هذا كناية أنه كثير الضرب والتأديب للنساء فلا تطيق ضربه.
"وأما معاوية فصعلوك"؛ أي: فقير "لا مال له" فلا تستريحين منه، وفيه دليل على أن المستشار إذا ذكر الخاطب عند المخطوبة ببعض ما فيه من العيوب على وجه النصيحة والإرشاد إلى ما فيه لم يكن غيبة موجبة للإثم، وأن المال معتبر في الكفاءة.
"انكحي أسامة بن زيد، فكرهته، ثم قال: انكحي أسامة بن زيد، فنكحته، فجعل الله فيه خيرًا كثيرًا، واغتبطت"؛ أي: صرت بحيث تغبطني النساء بحظ كان لي منه بحيث يتمنى النساء مثل أحوالي.
стр. 1753
"وفي رواية: فأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء، وروي: أن زوجها طلقها ثلاثًا فأتت النبي ﵊ فقال: لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملًا".
* * *
٢٤٨٢ - وقالت عائشةُ ﵂: إنَّ فاطمةَ كانتْ في مكان وَحْشٍ فخيفَ على ناحيَتِها، فلذلكَ رَخَّصَ لها رسولُ الله ﷺ ، تَعني في النُّقْلَة.
"وقالت عائشة: إن فاطمة" بنت قيس "كانت في مكان وحش"؛ أي: خال لا ساكن به، "فخيف على ناحيتها"؛ أي: جانبها؛ يعني: نفسها، "فلذلك رخص لها النبيُّ ﵊؛ تعني" الضمير لعائشة "في النقلة" بضم النون؛ أي: في الانتقال من موضعها إلى بيت ابن أم مكتوم؛ لأنه لا سكنى لها على الزوج.
* * *
٢٤٨٣ - وقالت عائشةُ ﵂: ما لِفاطمةَ أنْ لا تَتَّقي الله - يعني في قولها: لا سُكنَى ولا نفقةَ.
"وقالت عائشة ما لفاطمة"، (ما) استفهامية بمعنى الإنكار "ألا تتقي الله"؛ أي: أما تخشي الله في نسبة هذا القول إلى النبي ﵊.
"يعني في قولها: لا سكنى ولا نفقة"، وما قال لها النبي ﷺ هذا، بل تجب للمطلقة النفقة والسكنى، وإنما أمرها بالخروج من منزلها لكون مكانها وحشًا.
روى الجعفي: أن عمر ﵁ رفع إليه حديث فاطمة، فقال: لسنا نترك
стр. 1754
كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة، وذلك بمحضر من الصحابة.
* * *
٢٤٨٤ - وقال سعيدُ بن المُسيبِ: إنما نُقِلَتْ فاطمةُ لطولِ لسانِها على أحمائها.
"قال سعيد بن المسيب: إنما نقلت فاطمة لطول لسانها على أحمائها": جمع حمو: قريب الزوج؛ يعني: كانت سليطة تؤذي أقارب زوجها.
* * *
٢٤٨٥ - وعن جابر ﵁ قال: طُلِّقَتْ خالتي ثلاثًا، فَأرادَتْ أنْ تَجُدَّ نخلَها فزجرَها رجُل أنْ تَخْرُجَ، فأتَت النبيَّ ﷺ فقالَ: "بلى فَجُدِّي نخلَكِ، فإنه عَسَى أنْ تَصَدَّقي أو تَفْعلي معروفًا".
"عن جابر ﵁ قال: طلقت خالتي ثلاثًا فأرادت أن تجد نخلها"؛ أي: تقطع ثمرة نخلها، "فزجرها رجل"؛ أي: منعها "أن تخرج، فأتت النبي ﵊ فقال: بلى، فجدي نخلك"؛ أي: اقطعي ثمرة نخلك، وهذا يدل على أن للمعتدة الخروج نهارًا للعذر، فلعل خالة جابر لم تكن لها من يصلح نخلها، فرخص ﵊ في الخروج.
"فإنه عسى أن تصدقي" أصله: أن تتصدقي؛ أي: تؤدي زكاة ثمرتك إن بلغت نصابًا، "أو تفعلي معروفًا" بأن تصدقي صدقة التطوع إن لم يبلغ نصابًا.
* * *
٢٤٨٦ - وعن المِسْوَر بن مَخْرَمَة: أن سُبَيْعةَ الأَسلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بعدَ وفاةِ زوجها بليالٍ - ويُروَى: وضعَتْ بأربعينَ ليلةً - فجاءَتْ النبيَّ ﷺ فاستأذنَتْه أنْ
стр. 1755
تَنكِحَ فأذِنَ لها فَنَكَحَتْ.
"عن المسور بن مخرمة: أن سبيعة" بضم السين المهملة وفتح الباء "الأسلمية نفست" بضم النون؛ أي: ولدت بعد وفاة زوجها "بليال، ويروى: وضعت بأربعين ليلة، فجاءت النبي ﵊ فاستأذنته أن تنكح، فأذن لها فنكحت" يدل على عدة الحامل بوضع الحمل.
* * *
٢٤٨٧ - عن أمِّ سلمةَ ﵂ قالت: جاءَتْ امرأةٌ إلى النبيِّ ﷺ فقالت: يا رسولَ الله! إِنَّ ابنتي تُوفِّيَ عنها زَوجُها، وقد اشتكَتْ عينَها أَفَنَكْحُلُها؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "لا"، مرتينِ أو ثلاثًا، كلُّ ذلكَ يقولُ: "لا"، ثم قال: "إنما هي أربعةُ أَشْهُرٍ وعَشْرٌ، وقد كانَتْ إحداكُنَّ في الجاهليةِ تَرْمي بالبَعرةِ على رأسِ الحولِ".
"وعن أم سلمة قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﵊ فقالت: يا رسول الله! إن ابنتي توفي عنها زوجها"؟ أي: مات "وقد اشتكت عينها"؛ أي: وجعت "أفنكحلها؟ فقال رسول الله ﵇: لا، مرتين أو ثلاثًا" شك من الراوي، "كل ذلك يقول: لا" وفيه حجة لأحمد على أنه لا يجوز الاكتحال بالإثمد للمتوفى عنها زوجها لا في رَمَد ولا في غيره، وعندنا ومالك: يجوز الاكتحال به في الرمد.
وقال الشافعي: تكتحل للرمد ليلًا وتمسحه نهارًا.
"ثم قال: إنما هي أربعة أشهر وعشرًا، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول"؛ يعني: كانت عدة المتوفى عنها زوجها في الجاهلية حولًا كاملًا، فنسخ بأربعة أشهر وعشر، وذلك أن المرأة إذا توفي عنها
следующие страницы →