Полный текст (3 421 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
١٤ - باب العِدَّة
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٤٨١ - عن أبي سلمةَ، عن فاطمةَ بنتِ قيسٍ: أن أبا عمروِ بن حفصٍ طلَّقَها البتَّةَ وهو غائبٌ، فأَرسلَ إليها وكيلَه بشعيرٍ، فتَسَخَّطَتْهُ، فقال: والله ما لكِ علينا مِن شيءٍ، فجاءَتْ رسولَ الله ﷺ ، فذكرَتْ ذلكَ له، فقال: "ليسَ لكِ نفقةٌ"، فأَمَرَها أنْ تعتدَّ في بيتِ أُمِّ شَريكٍ، ثم قال: "تلكَ امرأةٌ يغشاها أصحابي، اعتدِّي عندَ ابن أُمِّ مكتومٍ فإنه رجلٌ أعمى، تَضعِينَ ثيابَكِ، فإذا حَلَلْتِ فآذِنيني"، قالت: فلمَّا حَلَلْتُ ذَكَرْتُ لهُ أن مُعاوِيَةَ بن أبي سفيانَ، وأبا جَهْمٍ خَطَباني؟ فقال: "أمَّا أبو جَهْمٍ: فلا يَضَعُ عَصاهُ عن عاتِقِهِ، وأمَّا مُعاوِيةُ: فصُعْلوكٌ لا مالَ لهُ، انكِحي أُسامةَ بن زيدٍ"، فَكَرِهْتُهُ ثم قال: "انكِحي أُسامةَ ابن زيدٍ"، فَنَكَحتُه فجعلَ الله فيهِ خيرًا واغتبَطْتُ".
وفي روايةٍ: "فأمَّا أبو جَهْمٍ فرجلٌ ضَرَّابٌ للنِّساءِ".
ورُوي: أن زوجَها طلَّقَها ثلاثًا، فأتَتْ النبيَّ ﷺ فقال: "لا نفقةَ لكِ إلا أنْ تكوني حامِلًا".
(باب العدة)
"من الصحاح":
" عن أبي سلمة، عن فاطمة بنت قيس: أن أبا عمرو بن حفص طلقها البتة" المراد بها هنا: الطلقات الثلاث "وهو غائب، فأرسل إليها وكيله"؛ أي: إلى فاطمة وكيل أبي عمرو "الشعير للنفقة فسخطته"؛ أي: استقلته وعدَّته قليلًا ولم ترض به.
стр. 1752
"فقال"؛ أي: الوكيل: "والله ما لك علينا من شيء"؛ لأنك مطلقة بائنة، "فجاءت" فاطمة "رسولَ الله ﷺ ، فذكرت ذلك له، فقال رسول الله: ليس لك نفقة" قال الشافعي ومالك: لا نفقة للمطلقة البائنة إلا أن تكون حاملًا لكن لها السُّكنى، وعندنا: تجب لها النفقة والسكنى في العدة كالمطلقة الرجعية.
معنى قوله: (ليس لك نفقة)؛ أي: النفقة التي تريدينها لأنها لم ترض بالشعير وأرادت أجود منه.
"فأمرها أن تعتد في بيت أم شريك، ثم قال: تلك"؛ يعني: أم شريك "امرأة يغشاها أصحابي"؛ أي: يدخلون إليها فلا يصلُح بيتها للمعتدة، "اعتدي عند ابن أم مكتوم، فإنه رجل أعمى، تضعين ثيابك" خبر في معنى الطلب بملازمة المسكن، والنهي عن الخروج، ووضع ثياب الزينة إلى انقضاء العدة؛ أي: لا تلبسي ثياب الزينة في حال العدة.
"فإذا حللت"؛ أي: من العدة بانقضائها "فآذنيني"؛ أي: فأعلميني، "قالت: فلما حللت ذكرت له أن معاوية بن أبي سفيان وأبا جهم خطباني، فقال رسول الله ﷺ : أما أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه"، هذا كناية أنه كثير الضرب والتأديب للنساء فلا تطيق ضربه.
"وأما معاوية فصعلوك"؛ أي: فقير "لا مال له" فلا تستريحين منه، وفيه دليل على أن المستشار إذا ذكر الخاطب عند المخطوبة ببعض ما فيه من العيوب على وجه النصيحة والإرشاد إلى ما فيه لم يكن غيبة موجبة للإثم، وأن المال معتبر في الكفاءة.
"انكحي أسامة بن زيد، فكرهته، ثم قال: انكحي أسامة بن زيد، فنكحته، فجعل الله فيه خيرًا كثيرًا، واغتبطت"؛ أي: صرت بحيث تغبطني النساء بحظ كان لي منه بحيث يتمنى النساء مثل أحوالي.
стр. 1753
"وفي رواية: فأما أبو جهم فرجل ضراب للنساء، وروي: أن زوجها طلقها ثلاثًا فأتت النبي ﵊ فقال: لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملًا".
* * *
٢٤٨٢ - وقالت عائشةُ ﵂: إنَّ فاطمةَ كانتْ في مكان وَحْشٍ فخيفَ على ناحيَتِها، فلذلكَ رَخَّصَ لها رسولُ الله ﷺ ، تَعني في النُّقْلَة.
"وقالت عائشة: إن فاطمة" بنت قيس "كانت في مكان وحش"؛ أي: خال لا ساكن به، "فخيف على ناحيتها"؛ أي: جانبها؛ يعني: نفسها، "فلذلك رخص لها النبيُّ ﵊؛ تعني" الضمير لعائشة "في النقلة" بضم النون؛ أي: في الانتقال من موضعها إلى بيت ابن أم مكتوم؛ لأنه لا سكنى لها على الزوج.
* * *
٢٤٨٣ - وقالت عائشةُ ﵂: ما لِفاطمةَ أنْ لا تَتَّقي الله - يعني في قولها: لا سُكنَى ولا نفقةَ.
"وقالت عائشة ما لفاطمة"، (ما) استفهامية بمعنى الإنكار "ألا تتقي الله"؛ أي: أما تخشي الله في نسبة هذا القول إلى النبي ﵊.
"يعني في قولها: لا سكنى ولا نفقة"، وما قال لها النبي ﷺ هذا، بل تجب للمطلقة النفقة والسكنى، وإنما أمرها بالخروج من منزلها لكون مكانها وحشًا.
روى الجعفي: أن عمر ﵁ رفع إليه حديث فاطمة، فقال: لسنا نترك
стр. 1754
كتاب ربنا وسنة نبينا بقول امرأة، وذلك بمحضر من الصحابة.
* * *
٢٤٨٤ - وقال سعيدُ بن المُسيبِ: إنما نُقِلَتْ فاطمةُ لطولِ لسانِها على أحمائها.
"قال سعيد بن المسيب: إنما نقلت فاطمة لطول لسانها على أحمائها": جمع حمو: قريب الزوج؛ يعني: كانت سليطة تؤذي أقارب زوجها.
* * *
٢٤٨٥ - وعن جابر ﵁ قال: طُلِّقَتْ خالتي ثلاثًا، فَأرادَتْ أنْ تَجُدَّ نخلَها فزجرَها رجُل أنْ تَخْرُجَ، فأتَت النبيَّ ﷺ فقالَ: "بلى فَجُدِّي نخلَكِ، فإنه عَسَى أنْ تَصَدَّقي أو تَفْعلي معروفًا".
"عن جابر ﵁ قال: طلقت خالتي ثلاثًا فأرادت أن تجد نخلها"؛ أي: تقطع ثمرة نخلها، "فزجرها رجل"؛ أي: منعها "أن تخرج، فأتت النبي ﵊ فقال: بلى، فجدي نخلك"؛ أي: اقطعي ثمرة نخلك، وهذا يدل على أن للمعتدة الخروج نهارًا للعذر، فلعل خالة جابر لم تكن لها من يصلح نخلها، فرخص ﵊ في الخروج.
"فإنه عسى أن تصدقي" أصله: أن تتصدقي؛ أي: تؤدي زكاة ثمرتك إن بلغت نصابًا، "أو تفعلي معروفًا" بأن تصدقي صدقة التطوع إن لم يبلغ نصابًا.
* * *
٢٤٨٦ - وعن المِسْوَر بن مَخْرَمَة: أن سُبَيْعةَ الأَسلَمِيَّةَ نُفِسَتْ بعدَ وفاةِ زوجها بليالٍ - ويُروَى: وضعَتْ بأربعينَ ليلةً - فجاءَتْ النبيَّ ﷺ فاستأذنَتْه أنْ
стр. 1755
تَنكِحَ فأذِنَ لها فَنَكَحَتْ.
"عن المسور بن مخرمة: أن سبيعة" بضم السين المهملة وفتح الباء "الأسلمية نفست" بضم النون؛ أي: ولدت بعد وفاة زوجها "بليال، ويروى: وضعت بأربعين ليلة، فجاءت النبي ﵊ فاستأذنته أن تنكح، فأذن لها فنكحت" يدل على عدة الحامل بوضع الحمل.
* * *
٢٤٨٧ - عن أمِّ سلمةَ ﵂ قالت: جاءَتْ امرأةٌ إلى النبيِّ ﷺ فقالت: يا رسولَ الله! إِنَّ ابنتي تُوفِّيَ عنها زَوجُها، وقد اشتكَتْ عينَها أَفَنَكْحُلُها؟ فقال رسولُ الله ﷺ : "لا"، مرتينِ أو ثلاثًا، كلُّ ذلكَ يقولُ: "لا"، ثم قال: "إنما هي أربعةُ أَشْهُرٍ وعَشْرٌ، وقد كانَتْ إحداكُنَّ في الجاهليةِ تَرْمي بالبَعرةِ على رأسِ الحولِ".
"وعن أم سلمة قالت: جاءت امرأة إلى النبي ﵊ فقالت: يا رسول الله! إن ابنتي توفي عنها زوجها"؟ أي: مات "وقد اشتكت عينها"؛ أي: وجعت "أفنكحلها؟ فقال رسول الله ﵇: لا، مرتين أو ثلاثًا" شك من الراوي، "كل ذلك يقول: لا" وفيه حجة لأحمد على أنه لا يجوز الاكتحال بالإثمد للمتوفى عنها زوجها لا في رَمَد ولا في غيره، وعندنا ومالك: يجوز الاكتحال به في الرمد.
وقال الشافعي: تكتحل للرمد ليلًا وتمسحه نهارًا.
"ثم قال: إنما هي أربعة أشهر وعشرًا، وقد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول"؛ يعني: كانت عدة المتوفى عنها زوجها في الجاهلية حولًا كاملًا، فنسخ بأربعة أشهر وعشر، وذلك أن المرأة إذا توفي عنها
стр. 1756
زوجها دخلت بيتًا ضيقًا ولبست شرَّ ثيابها ولا تمس شيئًا فيه زينة من طيب وغيره حتى تمضي عليها سنة، ثم يؤتى بدابة من حمار أو شاة أو طير فتكسر بها عدتها، ثم تخرج فتعطى بعرة فترمي بها، تريد انقضاء العدة بهذا الفعل المحسوس.
* * *
٢٤٨٨ - عن أمِّ حبيبةَ، وزينبَ بنتِ جَحْشٍ، عن رسولِ الله ﷺ قال: "لا يَحِلُّ لامرأةٍ تؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ أنْ تُحِدَّ على ميتٍ فوقَ ثلاثِ ليالٍ إلا على زوجٍ: أربعةَ أشهرٍ وعشرًا".
"عن أم حبيبة وزينب بنت جحش، عن رسول الله ﷺ قال: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت" بترك الزينة والطيب والكحل والدهن "فوق ثلاث ليال إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا" وفيه دليل على وجوب الحداد على معتدة الوفاة.
* * *
٢٤٨٩ - وعن أمِّ عطيَّةَ ﵂، أن رسولَ الله ﷺ قال: "لا تُحِدُّ امرأةٌ على ميتٍ فوقَ ثلاثٍ إلا على زوجٍ أربعةَ أشهرٍ وعَشْرًا، ولا تَلْبَسُ ثوبًا مصبوغًا إلا ثوبَ عَصْبٍ، ولا تكتحلُ، ولا تَمَسُّ طِيْبًا إلا إذا طَهُرت نبُذةً مِن قُسْطٍ، أو أَظفارٍ"، ويروى: "ولا تَختضبْ".
"وعن أم عطية: أن رسول الله ﷺ قال: لا تحد امرأة على ميت فوق الثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا، ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب" بفتح العين وسكون الصاد المهملتين، نوع من البرود اليمنية يعصب غزلها؛ أي: يجمع ويشد ثم يصبغ وينسج، فلا بأس بلبسه.
стр. 1757
"ولا تكتحل، ولا تمس طيبًا إلا إذا طهرت نبذة"؛ أي: قطعة يسيرة "من قسط" بضم القاف عود يحمل من الهند يجعل في الأدوية، وقيل: هو عقاقير البحر طيب الريح تتبخر به النفساء.
"أو أظفار" بفتح الهمزة جنس من الطيب أسود يجعل في الدخنة لا واحد له من لفظه، والتقدير: ولا تمس طيبًا إلا نبذة منهما إذا طهرت بعد الحيض الذي يعتبر بها في العدة، فإنه يباح لها ذلك، ويروى: (ولا تختضب).
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٤٩٠ - عن زينبَ بنتِ كعبٍ: أن الفُرَيعةَ بنتَ مالكِ بن سِنانٍ، وهي أختُ أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵂، أخبرَتْها أنها جاءَتْ إلى رسولِ الله ﷺ تسألُه أنْ تَرجِعَ إلى أهلِها في بني خُدْرةَ، فإنَّ زوجَها خرجَ في طلبِ أَعْبُدٍ له أَبَقُوا فقتلُوه، قالت: فسألتُ رسولَ الله ﷺ أنْ أَرجِعَ إلى أهلي، فإنَّ زوجي لم يترُكْني في منزلٍ يملِكُهُ ولا نفقةٍ، فقالت: قال رسولُ الله ﷺ : "نعم"، فانصرَفْتُ حتى إذا كنتُ في الحُجْرةِ أو في المسجدِ دَعاني، فقال: "اُمْكُثي في بيتِكِ حتى يبلغَ الكتابُ أجلَهُ"، قالت: فاعتدَدْتُ فيه أربعةَ أشهرٍ وعَشْرًا.
"من الحسان":
" عن زينب بنت كعب: أن الفريعة" بضم الفاء وفتح الراء المهملة "بنت مالك بن سنان، وهي أخت أبي سعيد الخدري أخبرتها: أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة" بضم الخاء المعجمة حي من الأنصار، "فإن زوجها خرج في طلب أعبد له" جمع عبد "أبقوا"؛ أي: هربوا "فقتلوه، قالت: فسألت رسول الله ﷺ أن أرجع إلى أهلي، فإن زوجي لم يتركني في منزل يملكه ولا نفقة"؛ أي: ولا في نفقة، "فقالت: قال رسول الله ﷺ :
стр. 1758
نعم، فانصرفت"؛ أي: فرجعت من عنده ﵊، "حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني فقال: امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله"؛ أي: حتى تنقضي العدة، سميت العدة كتابًا؛ لأنها فريضة من الله تعالى كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ﴾ أي: فرض.
"قالت: فاعتددت"؛ أي: قضيت عدتي "فيه أربعة أشهر وعشرًا" وهذا يدل على أن المعتدة تعتد في المنزل الذي وجبت فيه العدة إلا أن تنتقل منه بعذر.
* * *
٢٤٩١ - عن أمِّ سَلَمةَ قالت: "دخلَ عليَّ رسولُ الله ﷺ حينَ توفي أبو سلَمةَ وقد جعلتُ على عَينيَّ صَبرًا فقال: "ما هذا يا أُمَّ سلمةَ؟ "، فقلتُ: إنما هو صَبرٌ ليسَ فيه طِيبٌ، فقال: "إنه يَشُبُّ الوجهَ فلا تجعَليهِ إلا بالليلِ وَتَنْزَعِيهِ بالنَّهارِ، ولا تَمْتَشِطي بالطِّيبِ، ولا بالحِنَّاء فإنه خِضابٌ"، قلتُ: بأيِّ شيءٍ أَمْتَشِطُ يا رسولَ الله؟ قال: "بالسِّدر تُغَلِّفينَ به رأسَكِ".
"عن أم سلمة قالت: دخل علي رسول الله ﷺ حين توفي أبو سلمة وقد جعلت على عيني صبرًا" بفتح الصاد وكسر الباء: الدواء المر، "فقال: ما هذا يا أم سلمة؟ فقلت: إنما هو صبر ليس فيه طيب، فقال: إنه يشب الوجه"؛ أي: يوقده ويلونه ويلينه ويحسنه، "فلا تجعليه إلا بالليل وتنزعيه بالنهار ولا تمتشطي بالطيب": الباء فيه للحال؛ أي: حال كون المشط مطيبًا "ولا بالحناء فإنه خضاب قلت: بأي شيء أمتشط يا رسول الله؟ قال: بالسدر تغلفين" بفتح التاء، أصله؛ تتغلفين "به رأسك": من قولهم تغلف؛ إذا تلطخ بها؛ يعني: لا تكثرين منه على شعرك حتى يصير غلافًا له، فتغطيه كتغطية الغلاف المغلوف، وروي بضم التاء فمعناه: لا تمكني أن يفعل بك ذلك.
* * *
стр. 1759
٢٤٩٢ - عن أمِّ سلمةَ ﵂: أن النبيَّ ﷺ أنه قال: "المُتَوفَّى عنها زوجُها لا تلبَسُ المُعَصفَرَ من الثِّيابِ، ولا المُمَشَّقةَ، ولا الحُليَّ، ولا تختَضبُ، ولا تكتَحِلُ".
"عن أم سلمة، عن النبي ﵊ أنه قال: المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر" بضم الميم وفتح العين؛ أي: الذي يصبغ بالعصفر "من الثياب، ولا الممشقة" بضم الميم الأولى وفتح الشين المعجمة المشددة: هي المصبوغة بالمشق - بالكسر ثم السكون - وهو المغرة وهو طين أحمر، "ولا الحلي، ولا تختضب، ولا تكتحل".
* * *
١٥ - باب الاستبراء
" باب الاستبراء": وهو طلب براءة الرحم من النطفة.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٤٩٣ - عن أبي الدرداءِ ﵁ أنَّه قال: مرَّ النبيُّ ﷺ بامرأةٍ مُجِحٍّ فسألَ عنها؟ فقالوا: أَمَةٌ لفلانٍ، قال: "أَيُلِمُّ بها؟ " قالوا: نعم، قال: "لقد همَمْتُ أنْ أَلعنَهُ لعنًا يدخلُ معَهُ في قبرِهِ، كيفَ يستخدِمُه وهوَ لا يحِلُّ لهُ؟ أَمْ كيفَ يوَرِّثُه وهو لا يحِلُّ له".
"من الصحاح":
" عن أبي الدرداء قال: مر النبي ﵊ بامرأة مجح": بضم الميم وكسر الجيم وتشديد الحاء: هي الحامل التي قربت ولادتها، "فسأل عنها"؛ أي: عن كيفيتها، "فقالوا: إنها أمة لفلان، فقال: أيلم بها" الإلمام
стр. 1760
بالمرأة كناية عن وطئها، "قالوا: نعم، فقال: لقد هممت"؛ أي: قصدت "أن ألعنه لعنًا يدخل معه في قبره، كيف يستخدمه"؛ أي: كيف يستعبد الولد "وهو"؛ أي: الاستخدام "لا يحل له" إذ يمكن أن يكون الولد منه، "أم كيف يورثه" إذ يمكن أن يكون من غيره، "وهو"؛ أي: التوريث "لا يحل له"، (كيف) استفهام فيه معنى الإنكار، يتضمن الذم، والمراد به: النهي عن وطء الحامل المَسبية قبل الاستبراء.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٤٩٤ - عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁، رفَعَه إلى النبيِّ ﷺ : قال في سبايا أوْطاسٍ: "لا تُوطَأُ حاملٌ حتى تَضَعَ، ولا غيرُ ذاتِ حَملٍ حتى تَحيضَ حَيْضةً".
"من الحسان":
" عن أبي سعيد الخدري رفعه إلى النبي ﵊ قال في سبايا أوطاس" جمع سبية بمعنى مسبية، وأوطاس موضع وقع بها حرب حنين: "لا توطأ حامل" خبر بمعنى النهي؛ يعني: لا تجامعوا مسبية حاملًا "حتى تضع" حملها، "ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة" فيه دليل على أنه إذا اشتراها وهي حائض فإنه لا يعتدُّ بتلك الحيضة حتى تستبرأ بحيضة مستأنفة، وإن كانت ممن لا تحيض فاستبراؤها بمضي شهر.
* * *
٢٤٩٥ - وعن رُوَيْفِعِ بن ثابتٍ الأنصاريِّ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ يومَ حُنينٍ: "لا يَحِلُّ لامرئٍ يؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ أنْ يَسقي ماؤُه زَرْعَ غيرِه - يعني إتيانَ الحَبالَى -، ولا يَحِلُّ لامرئٍ يؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ أنْ يقعَ على امرأةٍ من
стр. 1761
السَّبْيِ حتى يستبرِئَها، ولا يَحِلُّ لامرئٍ يؤمنُ بالله واليومِ الآخرِ أنْ يَبيعَ مَغْنمًا حتى يُقْسَمَ".
"وعن رويفع بن ثابت الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ يوم حنين: لا يحل لامرئ يؤمن بالله" صفة لـ (امرئ)، "واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره؛ يعني: إتيان الحبالى" شبه ﵇ الولد إذا علق بالرحم بالزرع إذا نبت ورسَخ في الأرض.
"ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي"؛ أي: يجامعها "حتى يستبرأها، ولا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيع مغنمًا"؟ أي: شيئًا من الغنيمة "حتى يقسم".
* * *
١٦ - باب النَّفقاتِ وحَقّ المَملوكِ
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٤٩٦ - عن عائشةَ ﵂: أن هِندًا بنتَ عتبةَ قالت: يا رسولَ الله! إنَّ أَبا سُفيانَ رجلٌ شَحِيحٌ، وليسَ يُعطيني ما يَكفيني وولدي إلا ما أَخذتُ منه وهوَ لا يَعلم، فقال: "خُذي ما يَكفيكِ وولدَكِ بالمعروفِ".
(باب النفقات وحق المملوك)
"من الصحاح":
" عن عائشة: أن هندًا بنت عتبة قالت: يا رسول الله ﵇ إن أبا سفيان رجل شحيح" من الشح وهو البخل مع حرص "وليس يعطيني ما
стр. 1762
يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم" فيه دليل على جواز ذكر المرء ببعض ما فيه من العيوب للحاجة، "فقال: خذي ما يكفيك وولدك"؛ أي: قدر نفقتك ونفقة ولدك "بالمعروف" وهو ما يعرفه الشرع ويأمر به، فيه دليل على أن النفقة بقدر الكفاية.
* * *
٢٤٩٧ - وقال: "إذا أَعْطَى الله أحدكم خيرًا فليَبدَأْ بنفسِه وأهلِ بيتِهِ".
"عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أعطى الله أحدكم خيرًا"؛ أي: مالًا "فليبدأ بنفسه" بالإنفاق، فلينفق عليها من ذلك الخير "وأهل بيته" من زوجته وأولاده.
* * *
٢٤٩٨ - وقال رسولُ الله ﷺ : "للمَمْلوكِ طَعامُه وكِسوتُه، ولا يُكلَّفُ مِن العملِ إلا ما يُطيقُ".
"وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : للمملوك طعامه"؛ أي: يجب على السيد نفقة رقيقه قدر ما يكفيه "وكسوته" بقدر حاجته، "ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق"؛ أي: لا يأمره بالأعمال الشاقة إلا ما يطيق الدوام عليه لا ما يطيق يومين أو ثلاثة ثم يعجز.
* * *
٢٤٩٩ - وقال رسولُ الله ﷺ : "إخوانُكم خَوَلُكُم، جَعلَهم الله تحتَ أيديكُم، فمن جَعلَ الله أخاهُ تحتَ يديهِ فليُطعِمْهُ مما يأكلُ، وليُلبسْهُ مما يلبَسُ، ولا يُكلِّفُهُ من العملِ ما يَغلِبُه، فإنْ كلَّفَه ما يَغلِبُه فلْيُعِنْهُ عليهِ".
стр. 1763
"عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : إخوانكم"؛ أي: مماليككم إخوانكم "جعلهم الله تحت أيديكم"؛ أي: محكومين لكم، "فمن جعل الله أخاه تحت يديه فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس"، وهذا خطاب مع العرب الذين لبوس عامتهم وأطعمتهم متقاربة يأكلون الخشن ويلبسون الخشن، فأما من خالف معاشه معاشهم ومعاش السلف بأن أكل رقيق الطعام ولبس جيد الثياب، فلو أسني رقيقه كان أحسن، وإلا فليس عليه إلا ما هو المعروف من نفقة أرقاء بلده وكسوتهم، "ولا يكلفه من العمل ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه عليه".
* * *
٢٥٠٠ - وعن عبد الله بن عَمرٍو ﵄: جاءه قَهْرَمانٌ له، فقالَ: أَعطيتَ الرَّقيقَ قوتَهم؟ قال: لا، قال: فانطلِقْ فأَعطِهم فإنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "كَفَى بالمرءِ إثمًا أنْ يَحبسَ عَمَّن يملكُ قُوْتَه".
وفي روايةٍ: "كفى بالمرءِ إثمًا أنْ يُضَيعَ مَن يَقُوتُ".
"عن عبد الله بن عمرو: جاءه قهرمان له" وهو فارسي معرب معناه: القائم بأمور الرجل كوكيله وخازنه وحافظ تحت يده "فقال له: أعطيت الرقيق قوتهم قال: لا، قال فانطلق فأعطهم فإن رسول الله ﷺ قال: كفى بالمرء إثمًا أن يضيع من يقوته"؛ أي: يعطي قوته، والمراد: من يلزمه نفقته، وهذا يدل على أنه لا يتصدق بما لا يفضل عن قوت الأهل يلتمس به الثواب لأنه ينقلب إثمًا، ويحتمل أن يراد به: أن يضيع أمر من يقوته وهو الباري تعالى الذي يقوت الخلائق.
"وفي رواية: كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوته" نصب بـ (يحبس)، والضمير فيه لـ (من)، معناه: لو لم يكن له إثم إلا إثم منع القوت
стр. 1764
عن المماليك والعيال أو تأخير قوتهم عن وقت حاجتهم = لكفاه ذلك الإثم.
* * *
٢٥٠١ - وقال: "إذا صنعَ لأحدِكم خادِمُهُ طعامَه ثم جاءَه بهِ، وقد وَليَ حَرَّهُ ودُخانَه فليُقعِدْه معَه فليأكلْ، فإنْ كانَ الطَّعامُ مَشفُوهًا قليلًا، فليَضَعْ في يدِه منهُ أُكْلةً أو أُكُلَتَيْنِ".
"وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إذا صنع"؛ أي: فعل "لأحدكم خادمه طعامًا ثم جاءه به"؛ أي: بذلك الطعام "وقد ولي" أي: قرب، أو بمعنى تولى "حره ودخانه" في طبخ ذلك الطعام، "فليقعده معه فيأكل، فإن كان الطعام مشفوهًا" وهو الطعام الذي كثرت عليه الأيدي "قليلًا" بيان لقلة الطعام "فليضع في يده منه أكلة" بضم الهمزة؛ أي: لقمة، "أو أكلتين"؛ أي: لقمتين.
* * *
٢٥٠٢ - وقال: "إنَّ العبدَ إذا نَصَحَ لسيدِه وأحسنَ عبادَةَ الله فلهُ أجرُهُ مَرَّتينِ"
"وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : إن العبد إذا نصح لسيده"؛ أي: أراد له خيرًا، "وأحسن عبادة الله فله أجره مرتين" مرة لطاعة ربه ومرة لطاعة سيده.
* * *
٢٥٠٣ - وقال: "نِعِمَّا للمَمْلوكِ أنْ يَتَوفَّاهُ الله يُحْسِنُ عبادَةَ ربه وطاعةَ سيدهِ نِعِمَّا لهُ".
стр. 1765
"وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : نعما" أصله: نعم ما فأدغم وكسر العين للساكنين، وفاعل (نعم) مستتر فيه، و (ما) بمعنى: شيئًا مسفر للفاعل نصب على التمييز؛ أي: نعم الشيء شيئًا "للمملوك" والمخصوص بالمدح التوفي في قوله: "أن يتوفاه الله" يقال: توفاه؛ أي: قبض روحه "يحسن عبادة ربه " جملة حالية عن الضمير المنصوب في (يتوفاه)؛ يعني: موته في حال حسن عبادة ربه، "وطاعة سيده نعما له" كرر للمبالغة.
* * *
٢٥٠٤ - وقال: "أيُّما عبدٍ أَبَقَ فقد بَرِئَتْ منهُ الذِّمَّةُ".
"وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أبق العبد" من مولاه "لم تقبل له صلاة"؛ يعني: كمال صلاته.
* * *
٢٥٠٥ - وقال: "أيُّما عبدٍ أَبَقَ من مواليهِ فقدْ كَفَرَ حتى يرجعَ إليهم".
"وعن جرير بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : أيما عبد أبق": (أيما) للشرط مبتدأ و (ما) زائدة للتأكيد و (أبق) خبره، وجواب الشرط قوله: "ففد برئت منه الذمة"؛ أي: ذمة الإيمان وعهده، فيحمل الحديث على كونه مستحلًا للإباق، ويجوز أن يراد بها الحرمة؛ يعني: يخرج العبد الآبق عن احترام المسلمين فلا يجعل أحد بينه وبين سيده في عقوبته الجائزة على إباقه.
* * *
٢٥٠٦ - وقال: "إذا أَبَقَ العبدُ لم تُقبَلْ له صلاةٌ".
"وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : أيما عبد أبق من مواليه فقد كفر" أي:
стр. 1766
كفران نعمة المولى "حتى يرجع إليهم".
* * *
٢٥٠٧ - وقال: "مَن قَذَفَ مَملوكَهُ وهو بريءٌ مما قالَ، جُلِدَ يومَ القيامَةِ، إلا أنْ يكونْ كما قال".
"وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : من قذف مملوكه"؛ أي: رماه بالزنا "وهو" الواو فيه للحال؛ أي: المملوك "بريء مما قال" ضمير الفاعل راجع إلى من "جلد يوم القيامة"؛ أي: ضرب حده في الآخرة.
"إلا أن يكون"؛ أي: المملوك "كما قال" فلا يجلد في الآخرة، قال الطِّيبي: هذا الاستثناء مشكل لأن قوله: (وهو بريء) يأباه، اللهم إلا أن يؤول ويقال: وهو بريء؛ أي: في اعتقاده.
* * *
٢٥٠٨ - وقال: "مَن ضَرَبَ غلامًا له حدًّا لم يَأْتِهِ، أو لَطَمَه، فإنَّ كفَّارتَه أنْ يُعتِقَهُ".
"وقال ابن عمر ﵄: قال رسول الله ﷺ : من ضرب غلامًا له حدًا" مفعول له "لم يأته"؛ أي: لم يأت موجب ذلك الحد، "أو لطمه"؛ أي: ضرب وجهه بباطن الكف، "فإن كفارته أن يعتقه"؛ يعني: إثم ذلك الضرب يمحو بإعتاقه.
* * *
٢٥٠٩ - عن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ ﵁ قال: كنتُ أَضرِبُ غلامًا لي فسمعتُ مِن خلفي صَوْتًا: "اعلمْ أَبا مسعودٍ! لَلَّهُ أَقْدَرُ عليكَ منكَ عليهِ"،
стр. 1767
فالتَفَتُّ، فإذا هوَ رسولُ الله ﷺ ، فقلتُ: يا رسولَ الله! هوَ حُرٌّ لوجهِ الله، فقالَ: "أَما لَو لَمْ تفعلْ للفَحَتْكَ النارُ، أَوْ لَمَسَّتْكَ النارُ".
"عن أبي مسعود الأنصاري أنه قال: كنت أضرب غلامًا لي، فسمعت من خلفي صوتًا: اعلم أبا مسعود"؛ أي: يا أبا مسعود "لله" مبتدأ للام الابتداء وخبره "أقدر عليك منك عليه"؛ يعني: قدرة الله عليك أتم وأبلغ وأشد من قدرتك على عبدك.
"فالتفت فإذا هو رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله! هو حر لوجه الله تعالى، فقال: أما" حرف تنبيه "لو لم تفعل" ذلك التحرير كفارة لضربك "للفحتك النار"؛ أي: أحرقتك، "أو لمستك النار" شك من الراوي.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٥١٠ - عن عمروِ بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أن رسولَ الله ﷺ جاءه رجلٌ فقال: إنَّ لي مالًا وإنَّ والِدي يحتاجُ إلى مالي، فقال: "أنتَ ومالُكَ لوالِدِكَ، إنَّ أَولادكم مِن أطيبِ كَسبكم، كُلوا مِن كسبِ أولادِكم".
"من الحسان":
" عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: إن لي مالًا، وإن والدي يحتاج إلى مالي، فقال: أنت ومالك لوالدك"، وفي بعض: "لأبيك" لأنه أصل وجودك، وأنت خلقت من مائه، فحينئذ يجب عليك نفقته.
"إن أولادكم من أطيب"؛ أي: أحلى "كسبكم" من الطيب وهو الحلال، "كلوا من كسب أولادكم"، وهذا يدل على أنه إذا لم يكن للولد مال وله كسب:
стр. 1768
يلزمه الكسب للإنفاق على والده، وقيل: يده مبسوطة في مال ولده يأخذ منه ما شاء، والعامة على أنه لا يأخذ إلا لحاجة.
* * *
٢٥١١ - وعن عمروِ بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أن رَجُلًا أتَى النبيَّ ﷺ فقال: إني فقيرٌ وليسَ لي شيءٌ، وَلي يتيمٌ، فقال: "كُلْ مِن مالِ يتيمِكَ غيرَ مُسرِفٍ، وَلا مُبادِرٍ، ولا مُتَأثِّلٍ".
"عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رجلًا أتى النبي ﵊ فقال: إني فقير ليس لي شيء ولي يتيم"؛ أي: عندي، أو أضافه إلى نفسه لأنه كان قيمه، "فقال: كل من مال يتيمك غير مسرف"؛ أي: غير مفرط في الإنفاق على نفسك، "ولا مبادر"؛ أي: غير مسرع في أكل ماله مخافة أن يبلغ فيلزمه تسليمه، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾ [النساء: ٦]، "ولا متأثل"؛ أي: جامع مالًا من مال اليتيم فيتخذه أصل ماله، وأثلة الشيء: أصله.
* * *
٢٥١٢ - عن أمِّ سلمَةَ: عن النبيِّ ﷺ أنه كَانَ يقولُ في مرضه: "الصَّلاةَ وما مَلَكَت أَيْمانُكم".
"عن أم سلمة، عن النبي ﵊: أنه كان يقول في مرضه: الصلاة" نصب بمقدر؛ أي: احفظوا الصلاة بالمواظبة عليها، "وما ملكت أيمانكم" عطف عليها؛ أي: احفظوا المماليك بحسن المملكة والقيام بما يحتاجون به من الطعام والكسوة، أو التقدير: احذروا الصلاة وما ملكت أيمانكم أن تضيعوها، وفي حذف الفعل تعظيم لشأن هذا الأمر وتفخيم له، قَرَنَ
стр. 1769
أمر المماليك بأمر الصلاة إشارة إلى أن حقوق المماليك واجبة على السادات وجوبَ الصلاة.
* * *
٢٥١٣ - وقال: "لا يدخلُ الجنَّةَ سَيئُ المَلَكَةِ".
"وعن أبي بكر الصديق ﵁: أنه قال رسول الله ﷺ : لا يدخل الجنة سيئ الملكة"؛ أي: الذي يسيء صحبة المماليك، وهذا تهديد ووعيد في ترك حقوقهم.
* * *
٢٥١٤ - عن رافِع بن مَكِيثٍ ﵁: أن النبيَّ ﷺ قال: "حُسْنُ المَلَكَةِ يُمْنٌ، وسوءُ الخُلُقِ شُؤْمٌ، والصَّدقةُ تمنعُ مِيتةَ السوءِ والبرُّ زيادةٌ للعُمُرِ".
"عن رافع بن مكيث: أن النبي ﵊ قال: حسن الملكة"؛ أي: الذي يحسن الصنيع بمماليكه "يمن"؛ أي: بركة وزيادة، فإن من أحسن إليهم يبارك له فيما ملك لإحسانه.
"وسوء الخلق شؤم" وهذا ضد الحسن، "والصدقة تمنع ميتة السوء" بكسر الميم بناء: نوع من الموت؛ يعني: الصدقة تدفع موت الفجاءة، فإنه موت يسيء لإتيانه بغتة لا يقدر المرء معه على التوبة.
"والبر"؛ أي: الإحسان "زيادة في العمر"؛ أي: بركة فيه، فإن الذي بورك في عمره يتدارك في يوم أو في ساعة بتوفيق الله من الطاعة ما لا يتدارك غيره في سنة، أو المراد يجعل الله ذلك سببًا لزيادة العمر، كما جعل التداوي سببًا للصحة والطاعة سببًا لنيل الدرجات.
* * *
стр. 1770
٢٥١٥ - وقال: "إذا ضربَ أحدكم خادِمَه فذَكَرَ الله فليُمْسِك".
"عن أبي سعيد الخدري: أنه قال رسول الله ﷺ : إذا ضرب أحدكم خادمه فذكره"؛ أي: الخادم "الله" بأن يقول عند وقوع الضرب عليه: لله لله، "فليمسك"؛ أي: فليترك ضربه تعظيمًا لاسم الله تعالى.
* * *
٢٥١٦ - وقال: "مَن فَرَّقَ بينَ والدةٍ وولدِها، فرَّقَ الله بينَهُ وبينَ أَحِبَتِهِ يومَ القيامَةِ".
"وعن أبي أيوب قال: قال رسول الله ﷺ : من فرق بين والدة وولدها"؛ يعني: من فرق بين الجارية وولدها ببيع أو هبة أو نحوهما وذلك في الصغر وهو دون سبع سنين، "فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة"، وهذا يدل على حرمة التفريق بينهما، وكذا حكم الجدة والأب والجد.
* * *
٢٥١٧ - وعن عليٍّ ﵁ قال: وهبَ لي رسولُ الله ﷺ غُلامَينِ أَخَوينِ فبعْتُ أحدَهُما، فقال لي رسولُ الله ﷺ : "ما فعلَ غُلامُك؟ " فأَخبرتُه فقال: "رُدَّهُ، رُدَّهُ".
"وعن علي ﵁ أنه قال: وهب لي رسول الله ﷺ غلامين أخوين فبعت أحدهما، فقال لي رسول الله: ما فعل غلامك، فأخبرته، فقال: رده رده"؛ أي: البيع، مَنَعَ بعضٌ بهذا تفرقة الأخوين، وحمله الأكثر على الاستحباب.
* * *
стр. 1771
٢٥١٨ - ورُوِيَ عن عليٍّ ﵁: أنه فرَّقَ بينَ جاريةٍ وولدِها، فنهاهُ النبيُّ ﷺ عن ذلكَ، فَرَدَّ البيعَ. منقطع.
"عن علي ﵁: أنه فرق بين جارية وولدها، فنهاه النبي عليه الصلاة السلام عن ذلك فرد البيع" "منقطع".
* * *
٢٥١٩ - عن جابرٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "ثلاث مَن كُنَّ فيه يَسَّرَ الله حَتْفَهُ وأدخَلَهُ جَنَّتَهُ: رِفْقٌ بالضَّعيفِ، وشَفَقَةٌ على الوالدينِ، والإحسانُ إلى المَمْلوكِ"، غريب.
"عن جابر ﵁، عن النبي ﵊ أنه قال: ثلاث من كن فيه يسر الله عليه حتفه"؛ أي: هون الله موته وأزال عنه سكراته، قيل: مات بغير آفة حلت به؛ كقتل ونحوه، "وأدخله جنته رفق"؛ أي: مداراة "بالضعيف، وشفقة على الوالدين، والإحسان إلى المملوك". "غريب".
* * *
٢٥٢٠ - عن أبي أُمامةَ ﵁: أن رسولَ الله ﷺ وَهَبَ لعليٍّ غُلامًا فقال: "لا تضربْه، فإني نُهيتُ عن ضَرْبِ أهلِ الصَّلاةِ، وقد رأيتُه يُصلي".
"عن أبي أمامة: أن رسول الله ﷺ وهب لعلي غلامًا فقال: لا تضربه فإني نهيت عن ضرب أهل الصلاة وقد رأيته يصلي"، وذلك لأن المصلي غالبًا لا يأتي بما يستحق الضرب لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء.
* * *
стр. 1772
٢٥٢١ - عن عبد الله بن عُمرَ ﵄ قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقالَ: يا رسولَ الله! كَمْ نعفو عن الخادِمِ؟ فَسَكَت، ثم أعادَ عليهِ الكلامَ، فصمتَ، فلمَّا كانت الثالثةُ قال: "اُعفُوا عنه كلَّ يومٍ سبعينَ مرةً".
"عن عبد الله بن عمر قال: جاء رجل إلى النبي ﵊ فقال: يا رسول الله! كم نعفو عن الخادم"؛ أي: كم مرة نعفو عن المماليك، "فسكت"؛ أي: النبي ﵊، "ثم أعاد عليه"؛ أي: الرجل على النبي ﵊ "الكلام، فصمت، فلما كانت الثالثة قال: اعفو عنه كل يوم سبعين مرة".
* * *
٢٥٢٢ - عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن لاءَمَكم مِن مَملُوكِيكُم فأَطعِمُوه ممَّا تأكلونَ، واكسُوهُ مما تكْتَسون، ومَن لم يُلائِمْكُم مِنهم فبيعوهُ، ولا تُعذِّبوا خَلْقَ الله".
"وعن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : من لاءمكم"؛ أي: وافقكم وصلح لكم "من مملوكيكم فأطعموه مما تأكلون، واكسوه مما تكسون، ومن لا يلائمكم منهم"؛ أي: لا يوافقكم لإساءته أو تقصير في الخدمة "فبيعوه، ولا تعذبوا خلق الله".
* * *
٢٥٢٣ - عن سهلِ بن الحَنْظَليَّة قال: مرَّ رسولُ الله ﷺ ببعيرٍ قد لَحِقَ ظَهْرُهُ ببطنهِ فقال: "اتقوا الله في هذهِ البهائمِ المُعجَمةِ، فاركَبُوها صالحةً، وكُلُوها صالحةً".
стр. 1773
"عن سهل بن الحنظلية قال: مر رسول الله ﷺ ببعير قد لحق ظهره ببطنه" من شدة الجوع والعطش "فقال: اتقوا الله في هذه البهائم المعجمة"، وهي التي لا تقدر على النطق فيتفصح عن حالها، وهذا يدل على وجوب علف الدابة.
"فاركبوها صالحة"؛ أي: قوية، وذلك بأن تتعهدوها بالعلف لتقوى على المشي وتصلح للركوب، "واتركوها صالحة"؛ أي: اتركوها عن الركوب قبل الإعياء، وفي رواية: "كلوها صالحة".
* * *
١٧ - باب بلوغِ الصَّغيرِ وحضانتهِ في الصِّغَرِ
" باب بلوغ الصغير وحضانته في الصغر" الحضانة: عبارة عن القيام بتربية طفل لا يستقل بنفسه ولا يهتدي لمصالحه.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٥٢٤ - عن ابن عمرَ ﵄ قال: عُرِضْتُ على رسولِ الله ﷺ عامَ أُحُدٍ وأنا ابن أَرْبَعَ عشرةَ سنةً فردَّني، ثم عُرِضْتُ عليهِ عامَ الخندق وأنا ابن خمسَ عشرةَ سنةً فأَجازني. وقال عمرُ بن عبدِ العزيز: هذا فرْقُ ما بينَ المُقاتِلَةِ والذُّريةِ.
"من الصحاح":
" عن ابن عمر ﵄ أنه قال: عرضت"؛ أي: للذهاب إلى الغزو "على رسول الله عام أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فردني، ثم عرضت عليه عام الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني"؛ أي: كتب لي الجائزة؛ يعني: أثبت اسمي في ديوان الغزاة المقاتلة وكتب رزقي فيه.
стр. 1774
"وقال عمر بن عبد العزيز: هذا فرق بين المقاتلة والذرية"؛ أي: الصغر؛ يعني: في وجوب القتال وفي استحقاق السهم أو الرمح.
* * *
٢٥٢٥ - عن البراءِ بن عازبٍ ﵁ قال: صالَحَ النبيُّ ﷺ يومَ الحُديبيةِ على ثلاثةِ أشياءَ، على أن مَن أتاهُ مِن المشركينَ ردَّه إليهم، ومَن أَتاهم مِن المسلمينَ لم يَرُدُّوه، وعلى أنْ يَدخُلَها مِن قابلٍ ويُقيمَ بها ثلاثةَ أيَّامٍ، فلمَّا دَخَلَها ومَضَى الأجلُ خرجَ فتَبعَتْهُ ابنةُ حمزةَ تنادي: يا عمِّ! يا عمِّ! فَتَناولها عليٌّ فأَخَذَ بيَدِها، فاختصمَ فيها عليٌّ، وزيدٌ، وجعفرٌ، فقال عليٌّ: أَنا أخذتُها وهي بنتُ عمِّي، وقال جعفرٌ: ابنةُ عمِّي وخالتُها تحتي، وقال زيدٌ: ابنةُ أَخي، فقضى بها النبيُّ ﷺ لخالتِها وقال: "الخالةُ بمنزِلَةِ الأُمِّ"، وقال لعليٍّ: "أنتَ مِنِّي وأنا منكَ"، وقال لجعفرٍ: "أَشبَهتَ خَلْقي وخُلُقي"، وقال لزيدٍ: "أنتَ أَخونا ومولانا".
"عن البراء بن عازب أنه قال: صالح النبي ﵊ يوم الحديبية على ثلاثة أشياء: على أن من أتاه من المشركين رده إليهم، ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه، وعلى أن يدخلها"؛ أي: مكة "من قابل"؛ أي: سنة آتية، "ويقيم بها ثلاثة أيام، فلما دخلها ومضى الأجل خرج فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم! يا عم! ": أصله: عمي، فحذفت الياء اكتفاء بكسرة الميم، وإنما قالت بهذا؛ لأنه ﵊ وحمزة وزيدًا رضعوا معًا، فهو عمها رضاعًا.
"فتناولها علي، فأخذ بيدها، فاختصم فيها علي وزيد" وهو زيد بن حارثة، "وجعفر" وهو جعفر بن أبي طالب، يكنى أبا عبد الله، وكان أكبر من علي بعشر سنين.
стр. 1775
"قال علي: أنا أخذتها وهي بنت عمي، وقال جعفر: ابنة عمي وخالتها تحتي"؛ أي: زوجتي، "وقال زيد: ابنة أخي"؛ لأن النبي ﵊ كان قد آخى بينه وبين حمزة، وقيل: هو أخوه من الرضاعة.
"فقضى بها رسول الله ﷺ لخالتها، وقال: الخالة بمنزلة الأم، وقال لعلي: أنت مني وأنا منك، وقال لجعفر: أشبهت خلقي وخلقي، وقال لزيد: أنت أخونا"؛ أي: في الإسلام "ومولانا"؛ أي: عتيقنا؛ لأن زيدًا ملكته خديجة الكبرى فاستوهبه ﵇ منها، فوهبته له، فأعتقه ﵊، وإنما قال لهم ذلك استطابة لقلوبهم بكلماته اللطيفة في تقديم الخالة عليهم.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٥٢٦ - عن عمروِ بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه عبدِ الله بن عمروٍ: أن امرأةً قالت: يا رسولَ الله! إنَّ ابني هذا كانَ بَطني لهُ وعاءً وثَدْي له سِقاءً، وحِجْري له حِواءً وإنَّ أباهُ طلَّقني وأَرادَ أنْ ينزِعَه مني؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "أنتِ أَحَقُّ بهِ ما لم تَنْكِحي".
"من الحسان":
" عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن امرأة قالت: يا رسول الله! إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثدي له سقاء، وحجري" بفتح الحاء وكسرها؛ أي: ذيلي "له حواء" بكسر الحاء المهملة: اسم المكان الذي يحوي الشيء؛ أي: يضمه ويجمعه.
"وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني، فقال رسول الله ﷺ : أنت أحق به
стр. 1776
ما لم تنكحي"؛ أي: زوجًا آخر، وهذا يدل على بطلان حق الحضانة بالنكاح.
* * *
٢٥٢٧ - عن أبي هريرةَ ﵁: أن رسول الله ﷺ خَيَّرَ غلامًا بينَ أبيهِ وأُمِّهِ.
"عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ خير غلامًا بين أبيه وأمه"، ولعل هذا الغلام بلغ سنَّ التمييز توفيقًا بين هذا وبين الحديث السابق.
* * *
٢٥٢٨ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: جاءَت امرأةٌ إلى رسول الله ﷺ فقالت: إنَّ زوجي يريدُ أنْ يذهبَ بابني وقد سَقاني ونَفَعَني، فقال النبيُّ ﷺ : "هذا أبوكَ وهذهِ أُمُكَ، فخُذْ بيَدِ أَيهما شِئتَ، فأَخَذَ بيدِ أُمَّه فانطلقَتْ بهِ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: جاءت امرأة إلى رسول الله ﷺ فقالت: إن زوجي يريد أن يذهب بابني وقد سقاني"؛ أي: ابني "ونفعني"، تريد: أن ابنها بلغ حدًا ينتفع بخدمته، "فقال النبي ﵊: هذا أبوك وهذه أمك، فخذ بيد أيهما شئت، فأخذ بيد أمه، فانطلقت به".
* * *
стр. 1777
١٣ - كِتابُ العِتِقْ
стр. 1778
١٣ - كِتابُ العِتِقْ
(كتاب العتق)
١ - باب
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٥٢٩ - قال رسولُ الله ﷺ : "من أعتقَ رقبةً مُسلمةً أعتَقَ الله بكلِّ عُضوٍ منها عُضْواً منه من النارِ، حتى فَرْجَهُ بفَرجِهِ".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَن أَعتقَ رقبةً مسلمةً"، (الرقبة) في الأصل: العُنق، فجُعلت كنايةً عن جميع ذات الإنسان، تسميةً بالبعض.
"أَعتقَ الله"؛ أي: أَنْجَي الله؛ إنما ذَكرَه بلفظ الإعتاق للمُشاكَلَة.
"بكل عضوٍ منه عضواً من النار، حتى فَرْجَه بفَرْجه"، (حتى) هذه: عاطفة، خَصَّ الفَرْجَ بالذِّكر؛ لأنه محلُّ أكبرِ الكبائر - وهو الزِّنا - بعد الشِّرك.
وقيل: ذَكرَ (حتى) للتحقير؛ لأنه عضوٌ حقيرٌ بالنسبة إلى باقي الأعضاء.
وفي الحديث: استحباب إعتاق كامل الأعضاء إتماماً للمقابلة، وتقييدُ الرقبة بالمسلمة يدلُّ على أن إعتاقَ الكافر ليس بهذه المرتبة، وإن كان
стр. 1779
فيه فضلٌ بلا خلافٍ.
* * *
٢٥٣٠ - وعن أبي ذرٍّ ﵁ قال: سألتُ النبيَّ ﷺ أيُّ العملِ أَفضلُ؟ قال: "إيمانٌ بالله وجِهادٌ في سبيلِهِ"، قالَ: قلتُ: فأيُّ الرِّقابِ أَفضلُ؟ قال: "أَغلاها ثَمَنًا وأنفَسُها عندَ أهلِها"، قلتُ: فإنْ لم أَفعَلْ؟ قال: "تُعِينُ صانِعاً، أو تَصنعُ لأخْرَقَ"، قلتُ: فإنْ لم أَفعَلْ؟ قال: "تَدَع الناسَ مِن الشرِّ، فإنها صدقةٌ تَصَّدَّقُ بها على نفسِك".
"عن أبي ذَرٍّ أنه قال: سألتُ النبيَّ ﵊: أيُّ العملِ أفضلُ؟ قال: إيمانٌ بالله، وجهادٌ في سبيله، قال: قلت: فأيُّ الرِّقابِ أفضلُ؟ قال: أغلاها ثمناً وأَنْفَسُها عند أهلها"؛ أي: إعتاقُ أحبِّ المماليكِ إلى أهلها وأرفعِها قيمةً عندهم.
"قلت: فإنْ لم أفعل؟ قال: تُعين صانعاً" من: الصَّنعة، وهي ما به مَعَاشُ الرجلِ، ويدخل فيه الحِرفة والتجارة؛ أي: صانعًا لم يُتمَّ كسبَه لعياله.
وفي بعض النسخ: "ضائعًا"، من: الضَّيَاع؛ أي: إعانةُ مَن لم يكن له متعهِّد يتعهَّده.
"أو تصنع لأخرقَ"، يقال: خَرِقَ يَخْرَقُ خَرَقًا - بالتحريك - من باب: شَرِبَ؛ أي: جَهِلَ، فهو أخرق؛ يعني: الجاهل لِمَا يجب أن يعملَه، وليس في يده صنعة يكتسب بها.
"قلت: فإن لم أفعل؟ قال: تَدَعُ الناسَ"؛ أي: تتركُهم "من الشرِّ؛ فإنها صدقةٌ": أنَّثَ الضمير لتأنيث الخبر، أو باعتبار الفعلة والخصلة.
"تصدَّقُ"، أصله: تتصدَّق.
стр. 1780
"بها على نفسك"، وإنما جعل ﵊ عدَم إيصال الشرِّ إلى الناس صدقًة على نفسه؛ لأن فيه حفظَها عما يؤذيها ويعود وبالُه عليها.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٥٣١ - عن البَراءِ بن عازِبٍ ﵁ قال: جاء أعرابيٌّ إلى النبيِّ ﷺ فقال: علِّمني عَمَلاً يدخِلُني الجنةَ، قال: "لئنْ كنتَ أَقْصَرْتَ الخُطبةَ لقد أَعْرَضْتَ في المسألةَ، اِعتِقْ النَّسمةَ، وفُكَّ الرَّقَبَةَ"، قال: أَوَلَيْسا واحدًا؟ قال: "لا، عِتْقُ النَّسمةِ أنْ تَفرَّدَ بعِتْقِها، وفَكُّ الرقبةِ أنْ تُعينَ في ثمنِها، والمنحةَ الوَكُوفَ، والفيءَ على ذي الرَّحم الظَّالمِ، فإنْ لم تُطِقْ ذلكَ فأَطعِمَ الجائعَ، واسقِ الظَّمآنَ، وَأْمُرْ بالمعروفِ، وَانْهَ عن المنكرِ، فإنْ لم تُطِقْ ذلكَ فَكُفَّ لسانَكَ إلا مِن خير".
"من الحسان":
" عن البراء بن عازب أنه قال: جاء أعرابي إلى النبي ﵊، فقال: علِّمْني عملاً يُدخلني الجنةَ، قال: لَئن كنتَ": اللام فيه توطئة للقَسَم المقدَّر.
"أقصرتَ الخُطبةَ"؛ أي: جئتَ بالخُطبة؛ أي: بالعبارة قصيرةً، قيل: الخُطبة عند العرب: كلُّ كلامٍ لم يكن منظومًا.
"لقد أَعرضتَ المسألةَ"؛ أي: جئتَ بها عريضةً واسعةً؛ يعني: سألتَ بلفظٍ قصيرٍ عن أمرٍ ذي طولٍ؛ أي: عن معنًى كثيرٍ.
"أعتِقِ النسمةَ": وهي الرُّوح والنَّفْس؛ أي: أعتقْ ذا نسمةٍ.
"وفكَّ الرقبةَ، قال"؛ أي: الأعرابيُّ:
стр. 1781
"أَوَليسا واحداً؟ "؛ أي: إعتاقُ النسمة وفكُّ الرقبة شيئاً واحداً؟
"قال: لا": وفرَّق بينهما بقوله:
"عتقُ النسمةِ أن تفرَّدَ": أصله: تتفرَّد.
"بعتقها"؛ وهذا لأن العتقَ إزالةُ ملكٍ عن إنسانٍ، وذلك إنما يكون عن مالكٍ.
"وفكُّ الرقبةِ أن تُعينَ في ثمنها"؛ لأن الفكَّ هو السعيُ في التخليص، فيكون من غيره بأداءِ النجم عن المكاتِب، أو إعانةٍ فيه.
"والمِنْحَةُ"، بالرفع على الابتداء؛ أي: ومما يُدخلُ الجنةَ المِنحةُ، وهي العطيَّةُ في الأصل، وغَلَبَ في لبن ناقةٍ أو شاةٍ يعطيها صاحبُها لواحدٍ لينتفعَ بلَبنها وَوبَرِها زمانًا، ثم يردُّها.
"الوَكُوف" بفتح الواو: الغزيرة اللَّبن، وقيل: التي لا ينقطع لَبنها جميعَ سَنَتِها.
"والفَيء" بالرفع؛ أي: العطف والإحسان والشفقة.
"على ذي الرَّحِم الظالم"؛ أي: الذي يظلم عليكم، والرواية المشهورة في (المِنحة) و (الفيء) بالنصب، على تقدير: وامنَحِ المِنحةَ وآثِرِ الفيءَ؛ ليتطابقَ العطفُ على الجملة السابقة.
"فإن لم تُطِقْ ذلك فأَطعِمِ الجائعَ واسْقِ الظمآنَ"؛ أي: العطشانَ.
"وأمرْ بالمعروف وانْهَ عن المُنكَر، فإن لم تُطِقْ ذلك فكُفَّ لسانَك"؛ أي: أَمسِكْه "إلا من خير".
* * *
٢٥٣٢ - عن عمرِو بن عَبَسةَ: أن النبيَّ ﷺ قال: "مَن بنى مسجدًا ليُذكرَ الله
стр. 1782
فيهِ بنيَ له بيتٌ في الجنَّةِ، ومَن أَعْتَقَ نفساً مُسلِمةً كانتْ فِدْيَتَهُ مِن جهنمَ، ومَن شابَ شيبةً في سبيلِ الله كانتْ له نُوراً يومَ القيامةِ".
"عن عمرو بن عَبَسَة: أن النبيَّ ﵊ قال: مَن بنى مسجداً ليُذكَرَ الله فيه بنيَ له بيتٌ في الجنة، ومَن أَعتقَ نفساً مسلمةً كانتْ فِديتَه من جهنم، ومَن شَابَ شيبةً في سبيل الله كانت له نوراً يومَ القيامة".
* * *
٢ - باب إعتاقِ العَبْدِ المُشتَرَك وشراءِ القريبِ والعتقِ في المَرَضِ
(باب إعتاق العبد المشرك وشِرَاء القريب والعتق في المرض)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٥٣٣ - عن ابن عُمرَ ﵁: أن رسولَ الله ﷺ قال: "مَن أَعتَقَ شِرْكًا لهُ في عَبْدٍ وكانَ لهُ مالٌ يبلغُ ثمنَ العبدِ، قُوِّمَ العبدُ عليهِ قيمةَ عدلٍ، فأَعْطى شُرَكاءَهُ حِصَصَهم وعَتَقَ عليه العَبْدُ، وإلا فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ".
"من الصحاح":
" عن ابن عمر ﵄: أن رسولَ الله ﵊ قال: مَن أَعتقَ شِركًا"؛ أي: حِصَّةً ونصيبًا "له في عبد"، نصفًا كان أو غيره.
"وكان له"؛ أي: للمُعتِق.
"مالٌ يَبلُغ ثمنَ العبد"؛ أي: ثمنَ باقيه.
"قُوِّمَ العبدُ عليه قيمةَ عَدْلٍ"؛ أي: لا يُنقص من قيمة الوسط ولا يُزاد عليها.
стр. 1783
"فأُعطِيَ شركاؤُه حِصَصَهم" جمع: حِصَّة، وهو النصيب أيضًا.
"وعَتَقَ عليه العبدُ"، والولاءُ له.
"وإلا"؛ أي: إنْ لم يكن له مالٌ يَبلُغ ذلك الثمنَ سوى حوائجِه الأصليةِ "فقد عَتَقَ منه ما عَتَقَ"؛ يعني: عتقَ نصيبُه فقط، ولا يُستسعَى العبدُ في فكِّه، وعليه الشافعي.
* * *
٢٥٣٤ - وعن أبي هريرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَن أَعْتَقَ شقْصاً من عبدٍ عَتَقَ كلُّه إنْ كانَ له مالٌ، فإن لم يكنْ لهُ مالٌ استُسعيَ العبدُ غيرَ مَشقوقٍ عليهِ".
"وعن أبي هريرة: أن النبيَّ ﵊ قال: مَن أَعتَقَ شِقْصاً"؛ أي: نصيبًا.
"في عبدٍ أُعتقَ" عليه.
"كلُّه إن كان له مالٌ"، ويَضمَن قيمةَ نصيب شريكه.
"وإن لم يكن له مالٌ استُسعِي العبدُ" على بناء المجهول؛ أي: طُولِبَ سعايةَ قيمةِ نصيب الآخر.
"غيرَ مشقوقٍ عليه"؛ أي: حالَ كونِ العبد لا يُشَقُّ عليه بالزيادة مما قوَّمه عَدْلٌ.
وقيل: معنى قوله: (استُسعي العبد)؛ أي: يُستخدم لسيده الذي لم يُعتق نصيبَه منه بقَدْر ما فيه الرِّقُّ، وقوله: (غير مشقوق عليه)؛ أي: غيرَ محمولٍ عليه بالخدمة فوقَ طاقته.
* * *
стр. 1784
٢٥٣٥ - عن عِمرانَ بن حُصَينٍ ﵁: أن رجلاً أعتقَ ستةَ مَمْلوكينَ لهُ عندَ مَوْتِهِ، لم يكنْ لهُ مالٌ غيرُهم، فدَعا بهم رسولُ الله ﷺ جَزَّأَهم أَثلاثاً ثم أَقرَعَ بينَهم، فأَعْتَقَ اثنينِ، وأَرَقَّ أربعةً، وقالَ لهُ قولاً شديداً.
"عن عمران بن حصين: أن رجلاً أَعتقَ ستةَ مملوكين" جمع: مملوك.
"له عند موته، لم يكن له مالٌ غيرهم، فدعا بهم رسولُ الله ﵊، فجزَّأهم أثلاثًا"، تجزئة الشيء: قسمته؛ يعني: جعلَهم ثلاثةَ أجزاء؛ أي: باعتبار القيمة، وقيل: أي: جعلَهم اثنين اثنين اثنين.
"ثم أَقرَعَ بينهم"، وكيفية القُرعة: أن يأخذ رِقَاعًا متساويةً ويكتبَ في إحداها: عِتقٌ، وفي اثنين: رقٌّ، وتُدرَج في شيء، ثم يُخرِج رقعةً منها باسم اثنين، فإن خرج العتق عَتَقَا، ورَقَّ الأربعةُ، وإنْ خرجَ الرقُّ رُقَّا، ثم يخرج رقعةً أخرى باسم اثنين منهم، فإنْ خرجَ العتقُ عَتَقَا وإلَاّ رقَّا وعتقَ الاثنان الأخيران، وعلى هذا: "فأَعتقَ اثنين وأرقَّ أربعةً، وقال له قولاً شديداً"؛ أي: تقريعًا على فعلِه.
* * *
٢٥٣٦ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَجْزِي وَلَدٌ والِدَهُ إلا أنْ يَجِدَهُ مَملوكاً فيشتَرِيَهُ فيُعتِقَهُ".
"وعن أبي هريرة: أن النبي ﵊ قال: لا يَجْزِي ولدٌ والدَه"؛ أي: لا يقوم بجزاء حقِّه.
"إلا أن يجدَه مملوكاً، فيَشتريَه، فيُعتقَه"؛ أي: يخلِّصَه بالشراء عن الرِّقِّ، والجمهور على عتقه بمجرد المُلك، من غير إنشاء عتق، والفاء للسببية.
وقال بعض الظاهرية: لا يَعتِقُ بمجرد تملُّكه؛ لترتيب العتق على الشِّراء
стр. 1785
بالفاء وهو للتعقيب، فيحتاج بعد الشراء إلى إنشائه، هذا في الأصول والفروع، وقد عمَّم الحُكمَ بعضُهم في كل ذي رَحِمٍ مَحْرَمٍ.
* * *
٢٥٣٧ - عن جابرٍ ﵁: أن رجلاً من الأنصارِ دَبَّرَ مملوكاً ولم يَكُنْ لهُ مالٌ غيرُه، فبلغَ النبيَّ ﷺ فقال: مَن يَشتريهِ مِنِّي؟ فاشتراهُ نُعيمُ بن النَّحَّامِ العدويٌ بثمانمائةِ درهمٍ.
وفي روايةٍ: فاشتراهُ نُعيمُ بن عبدِ الله العدويُّ بثمان مئةِ درهمٍ، فجاءَ بها رسولَ الله ﷺ فدَفَعَها إليهِ، ثم قال: "ابدَأ بنفسِكَ فتَصَدَّق عليها، فإنْ فَضَلَ شيءٌ فلأِهلِكَ، فإنْ فَضَلَ عن أهلِكَ شيءٌ فَلِذي قرابَتِكَ، فإنْ فَضَلَ عن ذي قرابَتِكَ شيءٌ فهكذا وهكذا، يقولُ: فبَيْنَ يَدَيْكَ وعن يمينِكَ وعن شِمالك".
"وعن جابر ﵁: أن رجلاً من الأنصار دبَّر مملوكاً ولم يكن له مالٌ غيرُه، فبلغَ النبيَّ ﵊، فقال: مَن يشتريه مني؟ فاشتراه نُعَيم" - بضم النون وفتح العين على صيغة التصغير - "بن النَّحَّام بثمان مئةِ درهمٍ"، فيه: دليل على جواز بيع المدبر، وهو قول الشافعي وأحمد.
"وفي رواية: فاشتراه نُعيم بن عبد الله العَدَوي بثمان مئة درهمٍ، فجاء بها"؛ أي: نُعيمٌ بثمان مئة درهم "رسولَ الله ﵊، فدفعَها إليه"؛ أي: إلى الرجل الأنصاري.
"ثم قال: ابدأ بنفسك فتصدَّقْ عليها، فإنْ فضلَ شيءٌ فلأهلِك، فإنْ فضلَ عن أهلك شيء فلذي قرابتك، فإنْ فضلَ عن قرابتك شيء فهكذا وهكذا، يقول: فبينَ يديك"؛ أي: تصدَّقْ بين يديك "وعن يمينك وعن شمالك".
* * *
стр. 1786
مِنَ الحِسَان:
٢٥٣٨ - عن الحسنِ، عن سَمُرَةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "من مَلَكَ ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فهو حُرٌّ".
"من الحسان":
" عن سَمُرة، عن رسول الله ﵊ أنه قال: مَن مَلَكَ ذا رَحِمٍ مَحْرمٍ فهو حُرٌّ"، قلنا: هذا الحكم يعمُّ الولادَ وغيرَه، مثل الأخ والأخت، والعم والعمَّة، والخال والخالة، وخصَّه الشافعي بالوِلادِ، وافقنا مالك في الأخوة والأخوات.
* * *
٢٥٣٩ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا وَلَدت أَمَةُ الرَّجلِ منهُ فهي مُعتَقةٌ عن دُبُرٍ منهُ، أو بعدَه".
"عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﵊ قال: إذا وَلَدَتْ أَمَةُ الرجلِ منه"؛ أي: من الرجل.
"فهي مُعتَقةٌ عن دُبُرٍ منه"، دُبُر كل شيء: آخره، وهذا يدل على عتق أم الولد بموت سيدها.
"أو بعده": شك من الراوي.
* * *
٢٥٤٠ - عن جابرٍ ﵁ قال: بِعْنا أُمَّهاتِ الأولادِ على عهدِ رسولِ الله ﷺ وأبي بكرٍ، فلمَّا كانَ عمرُ نهانا عنه فانتَهَيْنا.
"عن جابر ﵁ أنه قال: بِعْنَا أمهاتِ الأولادِ على عهد رسول الله - عليه
стр. 1787
الصلاة والسلام - وأبي بكر"، العهد: الزمان.
"فلما كان عمرُ نهانا عنه، فانتهينا": يُحمل هذا على الإباحة في الابتداء، ثم نُسخت بحديث ابن عباس ونحوه، ولم يَظهرِ النسخُ لجابرٍ ولا لبائعهن، ولم يعلم أبو بكر ببيعِ مَن باعَ في زمانه؛ لقصورِ مدةِ خلافته، واشتغاله بأمورِ الدِّينِ. ومحاربةِ المرتدِّين، ثم ظهر في عهد عمر ﵁، فنَهَى عنه.
* * *
٢٥٤١ - عن ابن عمَر ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن أعتَقَ عبداً ولهُ مالٌ فمالُ العبدِ له إلا أنْ يشترِطَ السيدُ".
"وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵊: مَن أَعتَقَ عبداً وله"؛ أي: للعبد "مالٌ"، واللام للاختصاص، والمراد به: ما في يدِه وحَصَلَ بكسبه.
"فمالُ العبدِ له"؛ أي: لمَن أَعتقَه.
"إلا أن يَشترطَ السيدُ" المُعتِق أنه للعبد، فيكون منحةً وتصدُّقاً منه عليه.
* * *
٢٥٤٢ - وعن أبي المَلِيحِ، عن أبيه: أن رَجُلاً أعتقَ شِقْصاً مِن غلامٍ فذُكِرَ ذلكَ للنبيِّ ﷺ فقال: "ليسَ للهِ شَريكٌ".
"عن أبي المَلِيح، عن أبيه: أن رجلاً أَعتقَ شِقْصاً من غلامٍ، فذُكر ذلك للنبي ﵊، فقال: ليس لله شريك"؛ يعني: ينبغي أن يُعتقَ كلَّه، ولا يجعلَ نفسَه شريكًا له تعالى.
* * *
стр. 1788
٢٥٤٣ - عن سَفينَةَ قال: كنتُ مَملوكاً لأمِّ سَلَمَةَ فقالتْ: أُعتِقُكَ وأَشتَرِطُ عليكَ أنْ تخدُمَ رسولَ الله ﷺ ما عِشْتَ؟ فقلتُ لها: إنْ لَمْ تَشْتَرِطي عليَّ ما فارقتُ رسولَ الله ﷺ ما عِشتُ، فأعتقَتْني واشترطَتْ عليَّ.
"عن سَفِينةَ أنه قال: كنتُ مملوكًا لأم سَلَمة، فقالت: أُعتقُك وأَشترطُ عليك أن تَخدُمَ رسولَ الله ﵊ ما عشتَ"، (ما) هذه: للدوام.
"فقلت: إن لم تشترطي عليَّ ما فارقتُ رسولَ الله ﵊ ما عشتُ، فأَعتقتْني واشترطَتْ عليَّ": وهذا وعدٌ عُبرَ عنه بالشرط، ولا يلزم الوفاءُ به.
* * *
٢٥٤٤ - عن عمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: عن النبيِّ ﷺ قال: "المُكاتَبُ عبدٌ ما بقي عليهِ مِن مُكاتَبَتِهِ درهمٌ".
"عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال ﵊: المُكاتَب عبدٌ ما بقيَ عليه من كتابته"؛ أي: من بدل كتابته "درهم": أَطلقَ اسمَ العقد على البدل لملابسةٍ بينهما.
* * *
٢٥٤٥ - عن أمِّ سَلَمَةَ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا كانَ عندَ مُكاتَبِ إحداكُنَّ وَفاءٌ فلتَحْتَجبْ منه".
"عن أم سَلَمةَ قالت: قال رسولُ الله ﵊: إذا كان عند مُكاتَبِ إحداكن وفاءٌ"، قيل: الخطاب لجماعة نسوة، والمراد بـ (الوفاء):
стр. 1789
القدرة على أداء نجوم الكتابة.
"فَلْتَحتجِبْ منه": وهذا محمول عند عامتهم على الورع والاحتياط؛ لأنه بصدد أن يعتقَ ساعةً فساعةً، بأن يؤدِّيَ نجومَ الكتابة.
قيل: لعله ﵊ قصد به منعَ المُكاتَبِ عن تأخير الأداء بعد التمكُّن، ليستديمَ جوازَ النظر إلى سيدته، فسدَّ ﵊ عليه هذا البابَ.
* * *
٢٥٤٦ - وعن عمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أن رسولَ الله ﷺ قال: "مَن كاتَبَ عبدَه على مائةِ أوقيةٍ فأدَّاها إلا عَشْرَ أواقٍ - أو قال: عَشْرةَ دنانيرَ، ثم عَجَزَ فَهُوَ رَقيقٌ".
"عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبي ﵊ أنه قال: مَن كاتَبَ عبدَه على مئة أوقيةٍ، فأدَّاها إلا عشرةَ أواقٍ، أو قال: عشرةَ دنانيرَ، ثم عجزَ فهو رقيقٌ": وهذا يدل على أن عجزَ المُكاتَبِ عن أداء البعض كعجزهِ عن الكل، فللسيدِ فسخُ كتابته، فيكون رقيقًا كما كان، ويدل مفهوم قوله: (فهو رقيق) على أن ما أدَّاه يصير لسيده.
* * *
٢٥٤٧ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا أصابَ المُكاتبُ حدًّا أو ميراثاً وَرِثَ بحسابِ ما عَتَقَ منه".
وقال: "يُؤدِّي المكاتَبُ بحصَّةِ ما أدَّى ديةَ حُرٍّ، وما بقي ديةَ عبدٍ"، ضعيف.
стр. 1790
"عن ابن عباس، عن النبي ﵊ أنه قال: إذا أصابَ المُكاتَبُ حدًّا"؛ أي: أمرًا موجبًا للحدِّ.
"أو ميراثاً وُرِّثَ" - بصيغة المجهول وتشديد الراء - "بحساب ما عَتَقَ منه"، كما لو أدى نصفَ الكتابة، ثم مات أبوه وهو حرٌّ، ولم يخلِّف سواه، فإنه يَرِثُ منه نصفَ ميراثه.
"وعنه قال: قال - عليه الصلاة السلام -: يُودِي المُكاتَبُ": بتخفيف الدال وصيغة المجهول، من: وَدَى يَدِي دِيَةً.
"بحصَّةِ ما أدَّى دِيَةَ حرٍّ": نُصب على المفعول به لـ (يودي)، والأَولى جعلُه مفعولاً مطلقًا، ومفعول (أدى) عائد محذوف.
"وما بقي دِيَةَ عبدٍ": عطف على معمولَي عاملين مختلفين؛ وهو الفعل المجهول وحرف الجر، والمعنى: أن المُكاتَبَ إذا جُني عليه وقد أدَّى بعضَ كتابته يدفع الجاني إلى وَرَثتِه بقَدْر ما أدَّاه من كتابته ديةَ حرٍّ، وإلى مولاه بقَدْر ما بقيَ منها ديةَ عبدٍ.
"ضعيف": هذان الحديثان ليسا بمعمولٍ [بهما] عند الأئمة، إلا عند النَّخَعي وحدَه.
* * *
٣ - باب الأيمانِ والنذورِ
(باب الأيمان والنذور)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٥٤٨ - عن ابن عمرَ ﵄ أنه قال: كان أكثرُ ما كانَ النبيُّ ﷺ يَحلِفُ:
следующие страницы →