← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17791

شرح المصابيح لابن الملك

ابن الملك

Полный текст (3 421 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.

стр. 1786

مِنَ الحِسَان: ٢٥٣٨ - عن الحسنِ، عن سَمُرَةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "من مَلَكَ ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ فهو حُرٌّ". "من الحسان": " عن سَمُرة، عن رسول الله ﵊ أنه قال: مَن مَلَكَ ذا رَحِمٍ مَحْرمٍ فهو حُرٌّ"، قلنا: هذا الحكم يعمُّ الولادَ وغيرَه، مثل الأخ والأخت، والعم والعمَّة، والخال والخالة، وخصَّه الشافعي بالوِلادِ، وافقنا مالك في الأخوة والأخوات. * * * ٢٥٣٩ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا وَلَدت أَمَةُ الرَّجلِ منهُ فهي مُعتَقةٌ عن دُبُرٍ منهُ، أو بعدَه". "عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﵊ قال: إذا وَلَدَتْ أَمَةُ الرجلِ منه"؛ أي: من الرجل. "فهي مُعتَقةٌ عن دُبُرٍ منه"، دُبُر كل شيء: آخره، وهذا يدل على عتق أم الولد بموت سيدها. "أو بعده": شك من الراوي. * * * ٢٥٤٠ - عن جابرٍ ﵁ قال: بِعْنا أُمَّهاتِ الأولادِ على عهدِ رسولِ الله ﷺ وأبي بكرٍ، فلمَّا كانَ عمرُ نهانا عنه فانتَهَيْنا. "عن جابر ﵁ أنه قال: بِعْنَا أمهاتِ الأولادِ على عهد رسول الله - عليه

стр. 1787

الصلاة والسلام - وأبي بكر"، العهد: الزمان. "فلما كان عمرُ نهانا عنه، فانتهينا": يُحمل هذا على الإباحة في الابتداء، ثم نُسخت بحديث ابن عباس ونحوه، ولم يَظهرِ النسخُ لجابرٍ ولا لبائعهن، ولم يعلم أبو بكر ببيعِ مَن باعَ في زمانه؛ لقصورِ مدةِ خلافته، واشتغاله بأمورِ الدِّينِ. ومحاربةِ المرتدِّين، ثم ظهر في عهد عمر ﵁، فنَهَى عنه. * * * ٢٥٤١ - عن ابن عمَر ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن أعتَقَ عبداً ولهُ مالٌ فمالُ العبدِ له إلا أنْ يشترِطَ السيدُ". "وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﵊: مَن أَعتَقَ عبداً وله"؛ أي: للعبد "مالٌ"، واللام للاختصاص، والمراد به: ما في يدِه وحَصَلَ بكسبه. "فمالُ العبدِ له"؛ أي: لمَن أَعتقَه. "إلا أن يَشترطَ السيدُ" المُعتِق أنه للعبد، فيكون منحةً وتصدُّقاً منه عليه. * * * ٢٥٤٢ - وعن أبي المَلِيحِ، عن أبيه: أن رَجُلاً أعتقَ شِقْصاً مِن غلامٍ فذُكِرَ ذلكَ للنبيِّ ﷺ فقال: "ليسَ للهِ شَريكٌ". "عن أبي المَلِيح، عن أبيه: أن رجلاً أَعتقَ شِقْصاً من غلامٍ، فذُكر ذلك للنبي ﵊، فقال: ليس لله شريك"؛ يعني: ينبغي أن يُعتقَ كلَّه، ولا يجعلَ نفسَه شريكًا له تعالى. * * *

стр. 1788

٢٥٤٣ - عن سَفينَةَ قال: كنتُ مَملوكاً لأمِّ سَلَمَةَ فقالتْ: أُعتِقُكَ وأَشتَرِطُ عليكَ أنْ تخدُمَ رسولَ الله ﷺ ما عِشْتَ؟ فقلتُ لها: إنْ لَمْ تَشْتَرِطي عليَّ ما فارقتُ رسولَ الله ﷺ ما عِشتُ، فأعتقَتْني واشترطَتْ عليَّ. "عن سَفِينةَ أنه قال: كنتُ مملوكًا لأم سَلَمة، فقالت: أُعتقُك وأَشترطُ عليك أن تَخدُمَ رسولَ الله ﵊ ما عشتَ"، (ما) هذه: للدوام. "فقلت: إن لم تشترطي عليَّ ما فارقتُ رسولَ الله ﵊ ما عشتُ، فأَعتقتْني واشترطَتْ عليَّ": وهذا وعدٌ عُبرَ عنه بالشرط، ولا يلزم الوفاءُ به. * * * ٢٥٤٤ - عن عمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: عن النبيِّ ﷺ قال: "المُكاتَبُ عبدٌ ما بقي عليهِ مِن مُكاتَبَتِهِ درهمٌ". "عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال ﵊: المُكاتَب عبدٌ ما بقيَ عليه من كتابته"؛ أي: من بدل كتابته "درهم": أَطلقَ اسمَ العقد على البدل لملابسةٍ بينهما. * * * ٢٥٤٥ - عن أمِّ سَلَمَةَ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا كانَ عندَ مُكاتَبِ إحداكُنَّ وَفاءٌ فلتَحْتَجبْ منه". "عن أم سَلَمةَ قالت: قال رسولُ الله ﵊: إذا كان عند مُكاتَبِ إحداكن وفاءٌ"، قيل: الخطاب لجماعة نسوة، والمراد بـ (الوفاء):

стр. 1789

القدرة على أداء نجوم الكتابة. "فَلْتَحتجِبْ منه": وهذا محمول عند عامتهم على الورع والاحتياط؛ لأنه بصدد أن يعتقَ ساعةً فساعةً، بأن يؤدِّيَ نجومَ الكتابة. قيل: لعله ﵊ قصد به منعَ المُكاتَبِ عن تأخير الأداء بعد التمكُّن، ليستديمَ جوازَ النظر إلى سيدته، فسدَّ ﵊ عليه هذا البابَ. * * * ٢٥٤٦ - وعن عمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أن رسولَ الله ﷺ قال: "مَن كاتَبَ عبدَه على مائةِ أوقيةٍ فأدَّاها إلا عَشْرَ أواقٍ - أو قال: عَشْرةَ دنانيرَ، ثم عَجَزَ فَهُوَ رَقيقٌ". "عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبي ﵊ أنه قال: مَن كاتَبَ عبدَه على مئة أوقيةٍ، فأدَّاها إلا عشرةَ أواقٍ، أو قال: عشرةَ دنانيرَ، ثم عجزَ فهو رقيقٌ": وهذا يدل على أن عجزَ المُكاتَبِ عن أداء البعض كعجزهِ عن الكل، فللسيدِ فسخُ كتابته، فيكون رقيقًا كما كان، ويدل مفهوم قوله: (فهو رقيق) على أن ما أدَّاه يصير لسيده. * * * ٢٥٤٧ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا أصابَ المُكاتبُ حدًّا أو ميراثاً وَرِثَ بحسابِ ما عَتَقَ منه". وقال: "يُؤدِّي المكاتَبُ بحصَّةِ ما أدَّى ديةَ حُرٍّ، وما بقي ديةَ عبدٍ"، ضعيف.

стр. 1790

"عن ابن عباس، عن النبي ﵊ أنه قال: إذا أصابَ المُكاتَبُ حدًّا"؛ أي: أمرًا موجبًا للحدِّ. "أو ميراثاً وُرِّثَ" - بصيغة المجهول وتشديد الراء - "بحساب ما عَتَقَ منه"، كما لو أدى نصفَ الكتابة، ثم مات أبوه وهو حرٌّ، ولم يخلِّف سواه، فإنه يَرِثُ منه نصفَ ميراثه. "وعنه قال: قال - عليه الصلاة السلام -: يُودِي المُكاتَبُ": بتخفيف الدال وصيغة المجهول، من: وَدَى يَدِي دِيَةً. "بحصَّةِ ما أدَّى دِيَةَ حرٍّ": نُصب على المفعول به لـ (يودي)، والأَولى جعلُه مفعولاً مطلقًا، ومفعول (أدى) عائد محذوف. "وما بقي دِيَةَ عبدٍ": عطف على معمولَي عاملين مختلفين؛ وهو الفعل المجهول وحرف الجر، والمعنى: أن المُكاتَبَ إذا جُني عليه وقد أدَّى بعضَ كتابته يدفع الجاني إلى وَرَثتِه بقَدْر ما أدَّاه من كتابته ديةَ حرٍّ، وإلى مولاه بقَدْر ما بقيَ منها ديةَ عبدٍ. "ضعيف": هذان الحديثان ليسا بمعمولٍ [بهما] عند الأئمة، إلا عند النَّخَعي وحدَه. * * * ٣ - باب الأيمانِ والنذورِ (باب الأيمان والنذور) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٥٤٨ - عن ابن عمرَ ﵄ أنه قال: كان أكثرُ ما كانَ النبيُّ ﷺ يَحلِفُ:

стр. 1791

"لا، ومُقَلِّبِ القلوبِ". "من الصحاح": " عن ابن عمر ﵁ قال: أكثرُ ما كانَ النبي ﵊ يَحلِف: لا ومُقلِّبِ القلوبِ" أراد به اليمينَ، أو غيرَه مما يجري على الألسنة غالبًا، فإن أُريد به اليمينُ فهو يمينٌ في النفي، وإنما حَلَفَ بهذا؛ ليكونَ دليلاً على جواز الحَلِفِ بصفاته الأفعالية، كما يجوز بصفاته الذاتية. * * * ٢٥٤٩ - عن ابن عمرَ ﵄ أن رسولَ الله ﷺ قال: "ألا إن الله تعالى ينهاكمُ أن تحلِفُوا بآبائِكم، مَنْ كانَ حالِفاً فليحلِفْ بالله أو ليَصمُتْ". "عن ابن عمر ﵄: أن رسولَ الله ﵊ قال: ألا": حرف تنبيه. "إن الله تعالى ينهاكم أن تَحلِفوا بآبائكم"؛ فإنهم كانوا يحلفون بآبائهم، ولا يَرَون به بأسًا، فنُهُوا عنه. "مَن كان حالفًا فَلْيَحلِفْ بالله أو لِيَصْمُتْ": وهذا لأنَّ الحلفَ يقتضي غايةَ تعظيمِ المحلوفِ به، والعظمةُ مختصةٌ بالله تعالى حقيقةً، فلا يُضاهَى به غيرُه، فيكون الحلفُ بغير الله مَنهيًّا، وأمَّا قَسَمُ الله ببعض مخلوقاته كالفجر ونحوه فعلى الإضمار؛ أي: وربِّ الفجر، أو لأنه يجوز للخالق القَسَمُ بمخلوقاته. * * * ٢٥٥٠ - وقال: "لا تَحلِفُوا بالطَّواغي ولا بآبائِكم". "وعن عبد الرحمن بن سَمُرة قال: قال ﵊:

стр. 1792

لا تَحْلِفُوا بالطَّوَاغي" جمع: طاغية، وهي ما يعبدونه من الصنم وغيره؛ لأنها يُطغَى بها، ويروى: "بالطواغيت" جمع: طاغوت، وهو الشيطان، أو تزيينُه عبادةَ الصنم. "ولا بآبائكم". * * * ٢٥٥١ - وقال: "من حلفَ وقال في حَلفِهِ: بِاللاّتِ والعُزَّى، فليقل: لا إله إلا الله، ومَن قال لصاحِبه: تعالَ أُقامِرْكَ، فلْيَتَصدَّقْ". "وعن أبي هريرة قال: قال ﵊: مَن حَلَفَ وقالَ في حلفه: باللَاّت": اسم صنم لثَقِيف. "والعُزَّى": اسم صنم لسُلَيم وغَطَفَان. "فَلْيقلْ: لا إله إلا الله": الأمر فيه للوجوب إن كان حلفُه بهما لكونهما معبودتَين؛ لأنه صار كافراً، وللندب إن كان حلفَ لغير ذلك، واحلِفُ بالأصنام لا ينعقد يمينًا اتفاقًا، لكن عند أبي حنيفة: عليه كفَّارةٌ كما في الظِّهار؛ لكونه مُنكَراً من القول وزُوراً. وقال الشافعي ومالك: لا كفارةَ فيه؛ لعدم ذكرها في الحديث. "ومَن قال لصاحبه: تَعَالَ أُقَامِرْك" بالجزم: جوابًا لقوله: (تعالَ)؛ لأن فيه معنى الشرط، تقديره: إن تأتِني أُقامِرْك. "فَلْيتصدَّقْ"؛ أي: بالمال الذي يريد أن يُقامِرَ به، وقيل: أي: تصدَّقُة من ماله كفارةٌ لِمَا جرى على لسانه وانبعثَ إليه قلبُه. * * *

стр. 1793

٢٥٥٢ - وقال: "من حلَفَ على مِلَّةٍ غيرِ الإسلامِ كاذِباً فهوَ كما قالَ، وليسَ على ابن آدمَ نذرٌ فيما لا يملِكُ، ومَن قتلَ نفسَه بشيءٍ في الدُّنيا عُذِّبَ بهِ يومَ القيامةِ، ومَن لعنَ مُؤْمِناً فهو كقتلِهِ، ومَن قَذَفَ مؤمناً بكفرٍ فهوَ كقتلِهِ، ومَن ادَّعى دَعْوَى كاذِبةً ليَتَكَثَّر بها، لم يَزِدْهُ الله إلا قِلَّةً". "عن ثابت بن ضحاك قال: قال رسول الله ﵊: مَن حَلَفَ على مِلَّةٍ غيرِ مِلَّةِ الإسلامِ كاذباً": حال عن ضمير (حلف)، بأن يقول: إن أفعلْ كذا فأنا يهوديٌّ أو نصرانيٌّ. "فهو كما قال"، عملَ الشافعيُّ بظاهر الحديث وقال: يَكفُر إن فعلَ ذلك. وقال الحنفيُّون: لا يَكفُر، فحملوا الحديثَ على التهديد، وإن علَّقَه بالماضي اختلف الحنفية فيه؛ قال بعض: لا يَكفُر اعتبارًا بالمستقبل، وقيل: يَكفُر. والصحيح: أنه لا يَكفُر إن كان يَعلَم أنه يمينٌ، وإن كان عندَه أنه يَكفُر بالحلف يَكفُر؛ لأنه رضيَ بالكفر. "وليس على ابن آدم نذرٌ فيما لا يَملِك"، مثل أن يقول: لو شَفَى الله مرضي فسالمٌ حرٌّ، وهو ليس في ملكه. "ومَن قَتلَ نفسَه بشيءٍ في الدنيا عُذِّب به"؛ أي: بذلك الشيء "يومَ القيامة، ومَن لَعَنَ مؤمناً فهو"؛ أى: لعنُه إياه "كقتلِه" في التحريم أو العقاب، وإنما شبَّه اللعنَ بالقتل؛ لأنه إذا قْتلَه أَذهبَ عيشَه الدنيويَّ بإزهاقِ روحِه، وإذا لعنَه أَذهبَ عِرضَه بلعنِه؛ فإذهابُ عِرضه كإذهابِ نفسِه، وكلاهما يُوجِب الإثمَ. "ومَن قذفَ مؤمناً بكفرٍ فهو"؛ أى: قذفَه إياه بذلك "كقتلِه"؛ لأن الكفرَ من أسباب القتل، فكان الرمىُ به كالقتل.

стр. 1794

"مَن ادَّعى دعوى كاذبةً ليتكثَّر بها"؛ أي: ليحصلَ له بدعواه الكاذبةِ مالٌ كثيرٌ. "لم يَزدْه الله إلا قلةً"؛ أي: لم يحصل له إلا قليلٌ من المال، وكذا مَن ادَّعى عِلماً ليس عنده، أو زهداً ونحوه. * * * ٢٥٥٣ - وقال: "إني والله، إنْ شاءَ الله، لا أَحلِفُ على يمينٍ فأَرى غيرَها خيراً منها إلَاّ كَفَّرْتُ عن يميني وأَتيتُ الذي هو خيرٌ". "وقال أبو موسى: قال رسول الله ﵊: إني والله إن شاء الله": هذا يمينٌ وشرطٌ على قوله: "لا أحلفُ على يمينٍ، فأرى غيرَها خيراً منها، إلا كفَّرت عن يميني، وأتيتُ الذي هو خير": وهذا يدل على أن المندوبَ الحِنْثُ والتكفيرُ فيما هو خير، وإلا فحِفظُ اليمينِ أَولى؛ لقوله تعالى: ﴿وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]؛ أي: عن الحِنْثِ. * * * ٢٥٥٤ - عن عبدِ الرَّحمنِ بن سَمُرةَ ﵁ قال: قال النبيُّ ﷺ : "يا عبدَ الرحمنِ بن سَمُرةَ: لا تسألِ الإمارةَ، فإنَّك إنْ أُوتيتَها عن مسألةٍ وُكلْتَ إليها، وإنْ أُوتيتَها عن غيرِ مسألةٍ، أُعِنتَ عليها، وإذا حلفتَ على يمينٍ فرأيتَ غيرَها خيراً منها، فكفِّرْ عن يمينِكَ وَائْتِ الذي هو خيرٌ". وفي روايةٍ: "فائتِ الذي هوَ خيرٌ وكفِّرْ عن يمينِكَ". "عن عبد الرحمن بن سَمُرة قال: قال النبي ﵊: يا عبدَ الرحمن بن سَمُرة! لا تَسألِ الإمارةَ"؛ أي: لا تَطلبِ الحكمَ والولايةَ. "فإنك إنْ أُوتيتَها"؛ أي: أُعطيتَ الإمارَة.

стр. 1795

"عن مسألةٍ"؛ أي: عن سؤالٍ. "وُكِلْتَ إليها" على بناء المجهول وتخفيف الكاف؛ أي: خُلِّيتَ والإمارةَ، ولم تُعَنْ على حكمك. "وإن أُوتيتَها عن غير مسألةٍ أُعِنْتَ عليها" على بناء المجهول؛ أي: أعانك الله على تلك الإمارةِ، وحفظَك عن الإثمِ فيها. "وإذا حلفتَ على يمينٍ، فرأيتَ غيرَها خيراً منها": كما إذا حلفَ ألا يُكلِّمَ والدَه. "فكفِّرْ عن يمينك وائتِ الذي هو خير": وهذا يدل على جواز تقديم الكفارة على الحِنْثِ، وبه قال الشافعي وأحمد. "وفي رواية: فائتِ الذي هو خيرٌ وكفِّرْ عن يمينك": وهذا يدل على جواز تقديم الحِنْثِ على الكفارة، وبه قال أبو حنيفة. * * * ٢٥٥٥ - وعن أبي هريرةَ ﵁: أن النبيَّ ﷺ قال: "مَن حَلَفَ على يمينٍ فرأَى غيرَها خيراً منها فليُكَفِّرْ عن يمينِه وليفعلْ". "عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﵊ قال: مَن حَلَفَ على يمينٍ، فرأى غيرَها خيرًا منها، فَلْيُكفِّرْ عن يمينِه وَلْيفعَلْ"، والخلاف في التكفير بالمال؛ لأن التكفير بالصوم لا يجوز تقديمُه على الحِنْثِ عند الشافعي أيضًا. * * * ٢٥٥٦ - وقال: "والله لأنْ يَلِجَّ أحَدُكم بيمينهِ في أهلِه، آثَمُ لهُ عندَ الله من أنْ يُعطيَ كفَّارتَه التي افترضَ الله عليهِ".

стр. 1796

"وعنه أنه قال: قال رسول الله ﵊: والله لأَنْ يلجَ": اللام للابتداء. "أحدُكم بيمينه في أهله"؛ يعني: إقامتُه على اليمين لجاجًا مع أهله، بأن حلفَ ألا يفعلَ الشيءَ الفلانيَّ، ويعرفُ أن ذلك الشيءَ خيرٌ من إقامته على يمينه، ثم لَجَّ مع أهله، ولا يفعل ذلك تعلُّلاً باليمين. "آثَمُ له": أفعل تفضيل خبر (لأن يلج)؛ أي: أكثرُ إثمًا. "عند الله من أن يُعطيَ كفارتَه التي افتَرضَ الله عليه"، ولم يُرِدْ بذلك أن في تكفير تلك اليمين إثمًا حتى يكونَ في تركه أشدَّ، بل المراد: أمره بالتحلُّل بالكفارة إذا كان الفعلُ خيراً. * * * ٢٥٥٧ - وقال: "يمينُك على ما يُصدِّقُكَ عليهِ صاحبُكَ". "وعنه، عن النبي ﵊ أنه قال: يمينُك على ما يُصدّقك عليه صاحبُك"؛ أي: يمينُك واقع على ذلك، لا يؤثّر فيها توريةٌ، بل العِبرُة فيها قصدُ المُستحلِف إن كان مستحقًّا لها، وإلا فالعِبرةُ بقصدِ الحالفِ، فله التوريةُ. * * * ٢٥٥٨ - وقال: "اليمينُ على نِيَّةِ المُسْتَحلِفِ". "وعنه عن النبي ﵊ أنه قال: اليمينُ على نيةِ المُستحلِف"؛ أي: النظرُ والاعتبارُ في اليمين على نية طالبِ الحلفِ، فإنْ أَضمرَ الحالفُ تأويلاً على نية المُستحلِف لم يتخلَّصْ من الحِنْثِ، وبه قال أحمد وإسحاق.

стр. 1797

ورُوي عن إبراهيم النَّخَعي أنه قال: إن كان المُستحلِفُ ظالمًا فيه فهو على نية الحالف، وإن كان مظلومًا فعلى نية المُستحلِف، وقيل: على نية المُستحلِف مطلقًا. * * * ٢٥٥٩ - وعن عائشةَ ﵂: أنها قالت: لَغْوُ اليمينِ قولُ الإنسانِ: لا والله، وبَلَى والله، ورفَعَهُ بعضُهم عن عائشةَ ﵂. "وعن عائشة قالت: لَغْوُ اليمينِ قولُ الإنسان: لا والله، وبلى والله" من غير أن يعتقدَ به قلبُه، كما هو عادة العرب في المكالمة؛ لا يُؤاخَذُ به، وهو مذهب الشافعي. وقال أبو حنيفة: لَغُو اليمينِ: عبارةٌ عن الحَلِف على شيءٍ مضى وهو كاذبٌ فيه، ويظن أنه صادقٌ، فلا كفارةَ فيه ولا إثمَ. "ورفعَه بعضُهم عن عائشة"؛ أي: أسندَه إلى النبي ﵊ برواية عائشة. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٥٦٠ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تحلِفوا بآبائِكم ولا بأُمَّهاتِكم ولا بالأندادِ، ولا تحلِفوا إلَاّ بالله، ولا تحلِفوا بالله إلَاّ وأنتم صادِقون". "من الحسان": " عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا تَحْلِفُوا بآبائكم

стр. 1798

ولا بأمهاتِكم ولا بالأندادِ": وهي شركاء لله تعالى عنه علوًا كبيرًا، وهي الطواغي وما يُضاهِيها. "ولا تَحْلِفُوا إلا بالله، ولا تَحْلِفُوا بالله إلا وأنتم صادقون". * * * ٢٥٦١ - عن ابن عمرَ ﵄ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "مَن حَلَفَ بغيرِ الله فقد أَشْرَكَ". "عن ابن عمر أنه قال: سمعتُ رسولَ الله ﵊ يقول: مَن حلفَ بغير الله"، معناه: معتقداً تعظيمَ ذلك الغير. "فقد أَشركَ"؛ لأنه أشركَ المحلوفَ به مع الله في التعظيم المختصِّ به، وإلا فلا بأسَ، كقوله: لا وأبي، ونحو ذلك، كما جرت به العادة. * * * ٢٥٦٢ - عن بُرَيدةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَن حَلَفَ بالأَمانةِ فليسَ منا". "وعن بُريدة قال: قال ﵊: مَن حَلَفَ بالأمانة فليس منا"؛ أي: ممن اقتدى بطريقتنا، كرهَ ﵊ الحَلِفَ بالأمانة؛ لعدم دخولها في أسمائه تعالى وصفاته، ولأنها من عادة أهل الكتاب. وقيل: أراد بـ (الأمانة): الفرائض؛ أي: لا تحلفوا بالصلاة والحج ونحوها، ولا كفارةَ في هذا الحَلِفِ اتفاقًا، أما لو قال: وأمانةِ الله! كان يمينًا عند أبي حنيفة دون الشافعي، ولعله جعل الأمانةَ من الصفات، فقد قيل: الأمين من أسمائه تعالى، أو المراد بأمانة الله: كلمة الله، وهي كلمة التوحيد. * * *

стр. 1799

٢٥٦٣ - وعن بُرَيدةَ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَن قالَ: إني بريءٌ مِن الإِسلامِ، فإنْ كان كاذِبًا فهوَ كما قالَ، وإنْ كانَ صادِقاً فلنْ يَرْجِعَ إلى الإسلامِ سالِمًا". "وعن بُريدة قال: قال ﵊: مَن قال: إني بريءٌ من الإسلام؛ فإن كان كاذباً فهو كما قال": وهذا يدل على أنه ﷺ إنما جعلَ عقوبتَه في دِينهِ دونَ مالِه. "وإن كان صادقًا فلن يرجعَ إلى الإسلام سالمًا"، قيل: هذا قريبٌ من اليمين بالأمانة، وقيل: يجوز أنه زعم أنه صادقٌ، وليس بصادقٍ في الحقيقة. * * * ٢٥٦٤ - وعن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا اجتَهَدَ في اليمينِ قالَ: لا، والذي نفسُ أبي القاسمِ بيدِهِ". "عن أبي سعيد الخُدري أنه قال: كان ﵊ إذا اجتهد في اليمين"؛ أي: بالَغَ فيها. "قال: لا"؛ أي: ليس كذلك. "والذي نفسُ أبي القاسم بيده". * * * ٢٥٦٥ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: "كانتْ يمينُ رسولُ الله ﷺ إذا حلفَ: لا، وأستغفِرُ الله". "وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: كانت يمينُ رسولِ ﵊ إذا حلفَ: لا، وأستغفر الله": قيل: كان ﵊ إذا حلفَ يمينَ

стр. 1800

اللَّغو في أثناء المحاورات، كقولهم: لا والله، وبلى والله، استدركَه بذلك نافياً كونَه يمينًا معقوداً عليه. وقيل: معناه: أستغفر الله إن كان الأمرُ على خلاف ذلك، وسَمَّاه يميناً مجازاً، وقيل: الظاهر أن قوله: (لا، وأستغفر الله) كان حَلِفًا صادراً منه على سبيل اللَّغو. * * * ٢٥٦٦ - وعن ابن عمرَ ﵄: أن رسولَ الله ﷺ قال: "مَن حلفَ على يمينٍ فقالَ: إنْ شاءَ الله، فلا حِنْثَ عليهِ"، وَوَقَفَهُ بعضُهم على ابن عمرَ ﵄ "عن ابن عمر ﵁: أن رسولَ الله ﵊ قال: مَن حلفَ على يمينٍ فقال"؛ أي: عقيبَ حلفِه متصلاً: "إن شاء الله، فلا حِنْثَ عليه"؛ للاستثناء. "ووقفَه بعضُهم على ابن عمر". * * * فصل في النُّذورِ (فصل في النذور) مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٥٦٧ - قال رسولُ الله ﷺ : "لا تَنْذُروا فإنَّ النَّذرَ لا يُغْني من القَدَرِ شيئًا، وإنما يُستَخرَجُ بهِ مِن البخيلِ".

стр. 1801

"من الصحاح": " عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﵊: لا تَنْذُرُوا، فإن النذرَ لا يُغني من القَدَر شيئاً": وهذا يدل على أن النذرَ المَنهيَّ ما يُقصَد به تحصيلَ غرض، أو دفعَ مكروهٍ على ظنِّ أن النذرَ يردُّ عن القَدَر شيئًا، وليس مُطلَقُ النذرِ مَنهيًّا؛ لأنه لو كان كذلك لَمَا لزمَ الوفاءُ به، وقد أجمعوا على لزومه إذا لم يكن المنذورُ معصيةً، يدل عليه قولُه: "وإنما يُستخرَج به"؛ أي: يخرج المالُ بواسطة النذر "من البخيل"؛ لأن غيرَ البخيلِ يُعطي باختياره بلا واسطة النذر. * * * ٢٥٦٨ - وقال: "مَن نذرَ أنْ يُطيعَ الله فلْيُطِعْهُ، ومَن نذرَ أنْ يَعصيَهُ فلا يَعصِه". "وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﵊: مَن نَذَرَ أن يطيعَ الله فَلْيُطِعْه، ومَن نذرَ أن يَعصيَه فلا يَعصِه"، فيه: دليل على أن مَن نذرَ طاعةً يلزمُه الوفاءُ به، وإن لم يكن معلَّقاً بشيءٍ، وأنَّ مَن نذرَ معصيةً فلا يجوز له الوفاءُ، كصومِ يومِ العيدِ ونحرِ ولدِه، ولا يلزمُه الكفارةُ أيضاً عند الشافعي. * * * ٢٥٦٩ - وقال: "لا وفاءَ لنذْرٍ في مَعصِيةٍ، ولا فيما لا يَملِكُ العبدُ". وفي روايةٍ: "لا نذْرَ في معصيةِ الله". "عن عمران بن حُصين قال: قال ﵊: لا وفاءَ لنذرٍ في معصيةٍ، ولا فيما لا يَملِك العبدُ": فُسِّر ذلك بنذرِ صومِ يوم العيد ونحرِ ولدِه، والأَولى تفسيرُه بأن نَذَرَ عتقَ عبدٍ ليس في ملكِه، ونحو ذلك.

стр. 1802

"وفي رواية: لا نذرَ في معصيةِ الله". * * * ٢٥٧٠ - وقال: "كفَّارةُ النَّذرِ كفَّارةُ اليمينِ". "وعن عقبة بن عامر قال: قال ﵊: كفَّارةُ النذرِ كفَّارةُ اليمينِ"، وبه قال أبو حنيفة، وفيه حُجَّة على الشافعي. * * * ٢٥٧١ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄: قال: بينا النبيُّ ﷺ يخطُبُ إذا هو برجلٍ قائمٍ فسألَ عنه؟ فقالوا: أبو إسرائيلَ، نذرَ أنْ يقومَ ولا يقعدَ، ولا يَستظِلَّ، ولا يتكلَّمَ، ويصومَ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "مُرْهُ فليتكلَّمْ وليستظِلَّ وليَقعُدْ، ولْيُتِمَّ صَوْمَهُ". "وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: بينا رسولُ الله ﵊ يَخطُبُ، إذا هو برجلٍ قائمٍ، فسأل عنه"؛ أي: النبيُّ ﵊ عن الرجلِ. "فقالوا: أبو إسرائيل، نَذَرَ أن يقومَ ولا يقعدَ ولا يستظلَّ ولا يتكلَّمَ ويصومَ": سؤالُه ﵊ عنه إما سؤالٌ عن اسمِهِ؛ ولذلك أُجيب به وزِيدَ عليه، أو عن حالِه؛ فأُجيب به وزِيدَ باسمه، أو عنهما؛ فأُجيب بهما. وقيل: إنما سألَ عن علَّة انتصاب الرجل، دون اسمه؛ لأنه رجلٌ من قريش، فاشتبه على السامعين، فلم يدروا عن أي الأمرَين يسأل، فأَخبروا بهما جميعًا. "فقال ﵊: مُرُوه فَلْيتكَّلمْ وَليَستظلَّ وَلْيقعُدْ وَلْيُتمَّ

стр. 1803

صومَه"، أمرُه ﵊ إياه بوفاء الصوم دونَ ما عداه: يدلُّ على صحة نذرِ القُربة دونَ غيرها. * * * ٢٥٧٢ - وعن أنسٍ ﵁: أن النبيَّ ﷺ رأى شيخاً يُهادَى بين ابنيْهِ فقال: "ما بالُ هذا؟ " قالوا: نذرَ أنْ يمشيَ، قال: "إنَّ الله عَنْ تَعْذِيب هذا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ"، وأَمَرَهُ أنْ يركبَ. وفي روايةٍ: "اركبْ أيُّها الشَّيخُ، فإنَّ الله غنيٌّ عنكَ وعن نذرِك". "وعن أنس: أن النبي ﵊ رأى شيخاً يُهَادَى بين ابنيه"؛ أي: يمشي معتمداً عليهما من الضعف؛ لأجلِ نذرِه ماشيًا إلى بيت الله. "فقال: ما بالُ هذا؟ قالوا: نَذَرَ أن يمشيَ إلى البيت، قال: إن الله عن تعذيبِ هذا نفسَه لَغنيٌّ، وأَمَرَه أن يَركبَ"، عملَ الشافعيُّ ﵀ بظاهر الحديث وقال: لا دمَ عليه. وقال أبو حنيفة، وهو أحدُ قولَي الشافعي: عليه دمٌ؛ لأنه أَدخلَ نقصًا في الواجب بعدم وفائه كما التزمَه. "وفي رواية: اركبْ أيها الشيخُ؛ فإن الله غنيٌّ عنك وعن نذرِك". * * * ٢٥٧٣ - وعن ابن عبَّاس ﵄: أن سعدَ بن عُبادَةَ استفْتَى النبيَّ ﷺ في نذرٍ كانَ على أُمِّهِ، فتُوفِّيَت قبلَ أنْ تَقْضيَه؟ فأَفتَاه بأنْ يَقضيَه عنها. "عن ابن عباس: أن سعدَ بن عُبادةَ استَفْتَى النبيَّ ﵊ "؛ أي: طلبَ الفتوى منه.

стр. 1804

"في نذرٍ كان على أُمِّه، فتُوفِّيتْ"؛ أي: ماتتْ. "قبلَ أن تقضيَه، فأفتاه أن يقضيَه عنها"، قيل: هذا يدلُّ على أن مَن ماتَ، وعليه نذرٌ أو كفارةٌ، يجب قضاؤُها من رأس المال مقدَّمًا على الوصايا والميراث، كقضاء الديون، أوصى بها أو لا، وبه قال الشافعي. وعندنا: لا يُقضَى ما لم يُوصِ بها، فإن أوصى يُقضَى من الثلاث. * * * ٢٥٧٤ - وعن كعبِ بن مالكٍ ﵁ قال: قلتُ يا رسولَ الله: إنَّ مِن تَوْبَتي أنْ أنخلِعَ مِن مالي صدقةً إلى الله وإلى رسولهِ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "أمسِكْ بعضَ مالِكَ فهو خيرٌ لكَ"، قلتُ: فإني أُمسِكُ سَهْمي الذي بخيبرَ. "عن كعب بن مالك": وهو واحد الثلاثة الذين تخلَّفوا عنه ﷺ في غزوة تَبُوك، والآخران مرارة بن الربيع وهلال بن أمية، فنزل في حقِّهم: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة: ١١٨] الآية، ثم ندموا من سوء صنيعهم ذلك، فتابوا، فقُبلَتْ توبتُهم بعد أيام، فأراد كعبٌ أن يتصدَّق بجميع ماله شكرًا لله. "قال: قلت: يا رسولَ الله! إن من توبتي"؛ أي: من تمامِها. "أن أَنخلَع من مالي"؛ أي: أتجرَّد منه. "صدقةً إلى الله وإلى رسوله"، كما يتجرَّد الإنسانُ وينخلع من ثيابه. "فقال رسولُ الله ﵊: أَمسِكْ بعضَ مالك؛ فهو خيرٌ لك، قلت: فإني أُمسكُ سَهْمِي الذي بخيبر" من العقار وغيره. * * *

стр. 1805

مِنَ الحِسَان: ٢٥٧٥ - عن عائِشَةَ ﵂ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "لا نذرَ في معصيةِ الله، وكفَّارتُه كفارةُ اليمينِ". "من الحسان" "عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : لا نذرَ في معصيةِ الله، وكفَّارتُه كفارةُ اليمين": تقدم بيانه. * * * ٢٥٧٦ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أن رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ نَذَرَ نَذْراً لم يُسَمِّهِ فكفّارتُه كفَّارةُ يمينٍ، ومَن نَذَرَ نَذراً في معصيةٍ فكفَّارتُه كفارةُ يمينٍ، ومَن نَذَرَ نَذْراً لا يُطيقُه فكفَّارتُه كفَّارةُ يمينٍ، ومَن نَذَرَ نَذْراً أَطَاقَهُ فَلْيَفِ بهِ"، ووقَفه بعضُهم على ابن عباسٍ ﵄. "عن ابن عباس: أن رسولَ الله ﷺ : مَن نَذَرَ نذراً لم يُسمِّه"؛ أي: لم يُسمِّ شيئًا، بل نَذَرَ نذراً مطلقًا. "فكفارتُه كفارةُ يمين، ومَن نَذَرَ نذرًا في معصيةٍ فكفارتُه كفارةُ يمين، ومَن نَذَرَ نذرًا لا يطيقه فكفارتُه كفارةُ يمين، ومَن نَذَرَ نذراً يُطيقُه فَلْيَفِ به": أمرٌ من الوفاء. "ووقفَه بعضُهم على ابن عباس". * * * ٢٥٧٧ - عن ثابتِ بن الضَّحَّاك: أنه قال: أتَى رَجُلٌ النبيَّ ﷺ فقالَ: إني نذرتُ أنْ أَنحر إبلاً ببُوانَةَ قال: "أكان فيها وَثَنٌ مِن أَوثانِ الجاهليةِ يُعْبَدُ؟ " قالوا:

стр. 1806

لا، قال: "فهلْ كانَ فيها عيدٌ مِن أعيادِهم؟ " قالوا: لا، قال: "أَوْفِ بنذرِكَ فإنه لا نَذْرَ في معصيةِ الله، ولا فيما لا يملِكُ ابن آدمَ". "عن ثابت بن الضحَّاك أنه قال: أتى رجلٌ إلى النبي ﵊ فقال: إني نذرتُ أن أنحرَ إبلاً ببُوَانة": بضم الباء وتخفيف الواو: موضع في أسفل مكة دونَ يَلَمْلَم، وقد جاء محذوف التاء أيضًا. "قال: أكانَ فيها وَثَنٌ من أوثان الجاهلية يُعبَد؟ قالوا: لا، قال: فهل كان فيها عيدٌ من أعيادهم؟ قالوا: لا، قال: أَوفِ بنذرك": وهذا يدل على أن مَن نَذَرَ أن يُضحِّيَ بمكانٍ معينٍ صحَّ نذرُه ولزمَه الوفاءُ. "فإنه لا نذرَ في معصية الله، ولا فيما لا يَملِك ابن آدم". * * * ٢٥٧٨ - وعن عمرِو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أن امرأةً قالت: يا رسولَ الله! إني نَذَرتُ أنْ أَضرِبَ على رأسِكَ بالدُّفِّ؟ قال: "أَوْفي بنذرِكِ"، قالت: إني نذرتُ أنْ أذبَحَ بمكانِ كذا وكذا - بمكانٍ كانَ يذبحُ فيهِ أهلُ الجاهليةِ، قالَ النبيُّ ﷺ : الِصَنَمٍ؟ " قالت: لا، قال: "أَوْفي بنذرِك". "وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه: أن امرأةً قالت: يا رسولَ الله! إني نَذرتُ أن أضربَ على رأسك بالدُّفِّ، قال: أوف بنذرِك"، قال الخطابي: ضربُ الدُّفِّ ليس من القُربات التي وجب على الناذر الوفاءُ به، بل من المباحات، كأكل الأطعمة اللذيدة ولبس الثياب الناعمة وغير ذلك، ولكنه ﵊ أمرَها بالوفاء به؛ نظرًا إلى قصدِها الصحيحِ، الذي هو إظهارُ الفرح والسرور بمَقْدَمه ﵊ سالمًا غانمًا مُظفَّرًا على الأعداء. "قالت: إني نَذرتُ أن أذبحَ بمكان كذا وكذا، لمكانٍ كان يَذبَح فيه أهلُ

стр. 1807

الجاهلية، قال: لصنمٍ؟ قالت: لا، قال: أوفِ بنذرك". * * * ٢٥٧٩ - عن أبي لُبابَةَ: أنَّه قالَ للنبيِّ ﷺ : إنَّ مِن تَوْبَتِي أنْ أَهْجُرَ دارَ قَوْمي التي أَصبتُ فيها الذنبَ، وأنْ أنخلِعَ مِن مالي كلِّه صَدَقةً، قال: "يُجْزِئ عنكَ الثُّلُثُ". "عن أبي لُبابة أنه قال للنبي ﵊: إن من توبتي أن أَهْجُرَ"؛ أي: أَتركَ "دارَ قومي التي أَصبتُ"؛ أي: وجدتُ "فيها الذنبَ"، وإنما قال هذا؛ فراراً عن موضعٍ غلبَ عليه الشيطانُ بالذنب، وذَنْبُه كان مناصحتَه ليهود بني قُريظة؛ لمَّا أن عيالَه وأموالَه كانت في أيديهم، فنزلت في حقِّه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٢٧] فشدَّ نفسَه على ساريةٍ من سواري المسجد وقال: لا أذوقُ طعامًا ولا شرابًا حتى أموتَ، أو يتوبَ الله عليَّ. فمكثَ سبعة أيام حتى خرَّ مغشيًا عليه، ثم تاب الله عليه، فقيل له: قد تِيَب عليك، فحُلَّ نفسَك، فقال: لا، والله لا أحلُّها حتى يكونَ رسولُ الله ﵊ هو الذي يحلُّني، فجاء ﵊ فحلَّه بيده. "وأن أنخلعَ من مالي كلَّه صدقةً" شكرًا لقَبول توبتي. "قال: يُجزِئ"؛ أي: يَكفي "عنك الثلثُ"، وفيه: دليل الصوفية على إثبات الغرامة على أن من يذنب ذنبًا في الطريقة، ثم يستغفر. * * * ٢٥٨٠ - عن جابرِ بن عبدِ الله ﵁: أن رجلاً قالَ يومَ الفتح: يا رسولَ الله! إني نذرتُ إنْ فتحَ الله عليكَ مكَّةَ أنْ أُصلِّيَ في بيتِ المَقْدسِ ركعتينِ،

стр. 1808

فقالَ: "صلِّ هاهنا"، ثم أَعادَ عليهِ فقال: "صل هاهنا"، ثم أَعادَ عليهِ فقالَ: "شَأنُكَ إذًا". "عن جابر بن عبد الله: أن رجلاً قال يومَ الفتح: يا رسولَ الله! إني نَذرتُ إنْ فتحَ الله عليك مكةَ أن أصلِّيَ في بيت المقدس ركعتين، قال: صلِّ هاهنا"، فيه: دليل على أن الصلاةَ في مكةَ أفضلُ منها في بيت المقدس. "ثم أعاد عليه "فقال: صلِّ هاهنا": نبَّهه ﷺ على الأكمل مرتين، فلم يَقبَل، "ثم أعاد عليه فقال": تفويضًا الأمرَ إليه: "شأنك": نُصب بـ (الزم)؛ أي: الزمْ شأنَك. "إذًا": جوابًا لقوله: (نذرت) هناك، وجزاء المقدَّر هنا تقديره: إذا صلَّيتَ هناك فقد خَرجتَ عن عُهدة نَذرِك. * * * ٢٥٨١ - وعن عِكْرِمَةَ، عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أن أختَ عُقْبَةَ بن عامرٍ نَذَرت أنْ تحُجَّ ماشيةً فسُئل النبيُّ ﷺ ، وقيلَ إنها لا تطيقُ ذلكَ، فقال: "إنَّ الله لغنيٌّ عن مَشْي أُختِكَ، فلتَرْكبْ ولتُهْدِ بَدَنَةً". وفي روايةٍ: "فأمَرَها النبيُّ ﷺ أنْ تَرْكَبَ وتُهدِيَ هَدْيًا". وفي روايةٍ: قالَ النبيٌّ ﷺ : "إنَّ الله لا يَصْنَعُ بشقاءِ أختِكَ شيئًا، فلْتَحُجَّ راكِبَةً وتُكَفِّرَ يمينَها". "عن عكرمة، عن ابن عباس: أن أختَ عقبة بن عامر نذرتْ أن تحجَّ ماشيةً، فسُئل النبيُّ ﵊، وقيل: إنها"؛ أي: أختَ عقبةَ "لا تُطيق ذلك"؛ أي: الحجَّ ماشيًا.

стр. 1809

"فقال: إن الله لغَنيٌّ عن مشي أختك، فَلْتَركَبْ": الفاء فيه جوابُ شرطٍ مقدَّرٍ؛ يعني: إذا عجزتْ عن المشي فَلْتَركَبْ. "وَلْتُهْدِ"؛ أي: لِتُرسِلْ. "بَدَنةً" إلى مكة. "وفي رواية: فأَمرَها النبي ﵊ أن تركبَ وتُهدِيَ هَدْيًا". "وفي رواية: قال النبي ﵊: إن الله لا يصنع بشقاءِ أختكِ"؛ أي: بتعبها ومشقتِها "شيئاً؛ فَلْتَحُجَّ راكبةً": الفاءُ جوابُ شرط مقدَّرٍ أيضًا. "وتُكفِّرْ عن يمينها"، وفي بعض النسخ: "وَلْتُكفِّرْ". * * * ٢٥٨٢ - ورُوي: أن عُقْبَةَ بن عامرٍ ﵁ سألَ النبيَّ ﷺ عن أُختٍ له نذرَتْ أنْ تَحُجَّ حافيةً غيرَ مُخْتمِرَةٍ؟ فقال: "مروها فلْتَخْتَمِرْ ولتَركبْ، ولتَصمْ ثلاثةَ أيامٍ". "ورُوي: أن عقبةَ بن عامر سأل النبيَّ ﵊ عن أختٍ له نذرتْ أن تحجَّ حافيةً": حال من ضمير (تحج). "غيرَ مُختمِرةٍ": حال بعد حال منه. "فقال: مُرُوها فَلْتَختمِرْ وَلْتَركبْ، وَلْتَصُمْ ثلاثةَ أيام": أمَّا أمرُه ﵊ إياها بالاختمار والاستتار فلأنَّ النذرَ لم ينعقد فيه؛ لأن ذلك معصيةٌ منها، وأمَّا نذرُها المشيَ حافيةً فالمشيُ قد يصحُّ فيه النذرُ، وعلى

стр. 1810

صاحبه أن يمشيَ ما قَدِرَ عليه، وإذا عجزَ ركبَ وأَهدى هَدْيًا، فلعلها عجزتْ حتى أمرَها بالركوب، وأمَّا أمرُه بصيام ثلاثة أيام بدلاً من الهَدْي فخُيرتْ فيه كما خُير قاتلُ الصيد بين الفداء بمِثلِه إن كان له مِثل، وبين تقويمه وشراء طعام بقيمته وإطعام المساكين، وبين الصيام عن كل مُدٍّ يومًا. * * * ٢٥٨٣ - وعن سعيدِ بن المُسيبِ: أن أَخَوَيْنِ مِن الأنصارِ كانَ بينَهما ميراثٌ فسألَ أحدُهما صاحبَهُ القِسْمَةَ فقال: إنْ عُدْتَ تسألُني القِسْمَةَ فكلُّ مالي في رِتاجِ الكعبةِ، فقالَ لهُ عمرُ ﵁: إنَّ الكعبةَ غنيةٌ عن مالِكَ، كفِّرْ عن يمينِكَ وكلِّم أخاكَ، فإنِّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا يمينَ عليكَ، ولا نذرَ في معصيةِ الربِّ، ولا في قَطيعةِ الرَّحِم، ولا فيما لا تملكُ". "عن سعيد بن المسيب: أن أخوَين من الأنصار كان بينهما ميراثٌ، فسأل أحدُهما صاحبَه القِسمةَ، فقال: إن عُدتَ تسألُني القِسمةَ فكلُّ مالي في رِتَاجِ الكعبة": بكسر الراء المهملة؛ أي: بابها، لا يريد به نفس الباب، بل يريد: أن مالَه هَدْيٌ إلى الكعبة، فيضعُه منها حيث نَوَاه، كنَّى به عنها؛ لأنه منه يُدخَل إليها. "فقال له عمر: إن الكعبةَ غنيةٌ عن مالك، كفِّرْ عن يمينك وكلِّم أخاك؛ فإني سمعتُ رسولَ الله ﵊ قال: لا يمينَ عليك"؛ أي: لا يجب إبرارُ هذه اليمين عليك، وإنما عليك الكفارةُ، وهو قول أكثر الصحابة والعلماء، وعليه الشافعي في أصح أقواله. قيل: قد كان عمرُ سمع النبيَّ ﵊ يقول قولاً يدل على أنه لا يجب على مَن نَذَرَ مِثلَ هذا النذر وفاءٌ، فعبَّرَ عنه بعبارته، وعطفَ

стр. 1811

عليه من حيث المعنى: قولَه: "ولا نذرَ في معصية الربِّ، ولا في قطيعة الرَّحِم، ولا فيما لا يملك" (١). ° ° °

стр. 1812

١٤ - كِتَابُ القِصَاص

стр. 1813

١٤ - كِتَابُ القِصَاص (كتاب القصاص) القِصَاص: وهو إما من: (قصَّ أثرَه): إذا اتَّبعه، والوليُّ يتبع القاتلَ في فعلِه، وإما من: المُقاصَّة، وهي المساواة والمماثلة، معناه: القَوَد. ١ - باب مِنَ الصِّحَاحِ: ٢٥٨٤ - عن عبدِ الله بن مسعودٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا يَحِلُّ دمُ امرئٍ مُسلمٍ يشهدُ أنْ لا إلهَ إلا الله وأنِّي رسولُ الله إلا بإحدى ثلاثٍ: النَّفْسُ بالنَّفْسِ، والثَّيبُ الزَّاني، والتارِكُ لديِنهِ المُفارِقُ للجماعةِ". "من الصحاح": " عن عبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا يحلُّ دمُ امرئٍ مسلمٍ"؛ أي: إراقُة دمِه. "يَشهَد أن لا إله إلا الله وأني رسولُ الله": هذا تفسير لـ (مسلم). "إلا بإحدى ثلاث"؛ أي: عِلَلٍ ثلاثٍ. "النَّفْس"؛ أي: اقتصاصُ النَّفْس.

стр. 1814

"بالنَّفْس، والثيب"؛ أي: زِنا الثيب. "الزاني"، والمراد من (الثيب: الزاني المحُصَن، وهو المسلم المكلَّف الحرُّ الذي أصاب في نكاحٍ صحيحٍ، ثم زَنىَ. "والمارق"؛ أي: مرقُ المارقِ. "لدِينه"؛ أي: الخارج عنه، من: المُرُوق، الخروج؛ يعني: المرتدُّ. "التارك للجماعة"؛ أي: الإجماع. * * * ٢٥٨٥ - وقال رسول الله ﷺ : "لنْ يزالَ المؤمنُ في فُسْحَةٍ مِن ديِنهِ ما لم يُصِبْ دَماً حرامًا". "وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لن يزالَ المؤمنُ"، (لن): لتأكيد نفي المستقبل. "في فُسحةٍ"؛ أي: في سَعَةٍ. "مِن دِينهِ ما لم يُصِبْ"، (ما): للدوام، يقال: أصابَه: إذا وجدَه. "دماً حراماً"؛ يعني: إذا لم يَصدُر منه قتلُ نفسٍ بغير حقٍّ تسهُل عليه أمورُ دِينه، ويوفَّق للعمل الصالح. * * * ٢٥٨٦ - وقال رسولُ الله ﷺ : "أوَّلُ ما يُقضَى بينَ الناسِ يومَ القيمةِ في الدِّماءِ". "وعن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أولُ ما يُقضَى بين الناس يومَ القيامة في الدماء"، وفيه: عظمُ أمرِها وكِبَرُ خطرها،

стр. 1815

وليس هذا مخالفًا للحديث المشهور: "أولُ ما يُحاسَب به العبد صلاتُه"؛ لأنه فيما بين العبد وبين الله تعالى، وحديث الباب فيما بين العباد. * * * ٢٥٨٧ - وقال رسولُ الله ﷺ : "لا تُقْتَلُ نفسٌ ظُلْمًا إلا كانَ على ابن آدمَ الأولِ كِفْلٌ مِن دَمِها، لأنهُ أوَّلُ مَنْ سَنَّ القتلَ". "وعن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تُقتَلُ نفسٌ ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كِفْلٌ من دمها؛ لأنه أولُ مَن سَنَّ القتلَ": تقدم بيانه في آخر (صحاح باب العلم). * * * ٢٥٨٨ - عن المِقْدادِ بن الأَسودِ: أنه قال: يا رسولَ الله! أرأيتَ إنْ لقيتُ رجلاً مِن الكُفَّارِ فاقْتَتَلْنا فضربَ إحدَى يديَّ بالسَّيفِ فقطعَها ثم لَاذَ مِنِّي بشجرةٍ، فقال: أسلمتُ للهِ، أَأَقْتُلُه بعدَ أَنْ قالَها؟ قال: "لَا تقتلْهُ"، فقالَ: يا رسولَ الله! إنه قطعَ إحدى يديَّ! فقالَ رسولُ الله ﷺ : "لا تقتلْهُ، فإنْ قتَلْتَه فإنَّهُ بمنزِلَتِكَ قبلَ أَنْ تقتُلَهُ، وإنكَ بمنزِلَتِهِ قبلَ أنْ يقولَ كلمتَهُ التي قالَها". "عن المِقداد بن أسود أنه قال: يا رسولَ الله! أرأيتَ"؛ أي: أخبرْني. "إنْ لقيتُ" - بصيغة المتكلم - "رجلاً من الكفار، فاقتتلنا، فضربَ إحدى يديَّ بالسيف، فقطعَها، ثم لاذَ مني بشجرة"؛ أي: اعتصمَ بها وجعلَها مَلاذاً. "فقال: أسلمتُ لله، أأقتله" بهمزة الاستفهام. "بعد أن قالَها؟ "؛ أي: تلك الكلمةَ. "قال"؛ أي: النبيُّ ﷺ : "لا تَقتلْه": وهذا يستلزم الحكمَ بإسلامه،

стр. 1816

ويُستفاد منه صحةُ إسلامِ المُكرَه، وأنَّ الكافرَ إذا قال: أسلمتُ، أو: أنا مسلم حُكِمَ بإسلامه. "فقال"؛ أي: المقدادُ: "يا رسولَ الله: إنه قَطعَ إحدى يديَّ؟! فقال رسول الله ﷺ : لا تَقتلْه" فيه: دليل على أن الحربيَّ إذا جَنَى على مسلمٍ، ثم أَسلمَ، لم يُؤخَذ بالقصاص، إذ لو وجبَ لَرُخِّصَ له في قطع إحدى يدَيه بالقصاص. "فإنْ قتلتَه فإنه بمنزلتك"؛ يعني: أنه معصومُ الدمِ مُحرَّمٌ قتلُه بعد ذكر تلك الكلمة. "قبل أن تقتلَه، وإنك بمنزلته"؛ يعني: أنك غيرُ معصومِ الدمِ ولا مُحرَّمُ القتلِ "قبل أن يقول كلمتَه التي قالها". * * * ٢٥٨٩ - وعن أسامةَ بن زيدٍ ﵁ قال: بعَثَنا رسولُ الله ﷺ إلى أُناسٍ من جُهَينةَ، فأتيتُ على رجلٍ منهم فذهبتُ أَطعنهُ فقالَ: لا إله إلا الله فطعنتُهُ فقتلتُه، فجئتُ إلى النبيِّ ﷺ فأخبرْتُهُ فقالَ: "أقَتَلْتَه وقد شهِدَ أنْ لا إلهَ إلا الله؟ " قلتُ: يا رسولَ الله! إنَّما فعلَ ذلكَ تعوُّذاً، قال: "فهلَاّ شَقَقْتَ عن قلبهِ". "عن أسامة بن زيد ﵁ أنه قال: بعثنَا رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى أناسٍ من جُهَينةَ، فأتيتُ على رجلٍ منهم"، قيل: ذلك الرجل لم يكن جُهَينيًا، بل وُجِدَ بأرضهم، راعي غنمهم، فعُدَّ منهم، واسمه مرداس بن نهيك الفَزَاري، وقيل: مرداس بن عمرو الفَدَكي. "فذهبتُ"؛ أي: طفقتُ.

стр. 1817

"أَطعنُه"؛ أي: أضربُه بالرمح. "فقال: لا إله إلا الله، فطعنتُه فقتلتُه"، ظنَّ أسامةُ أن إسلامَه لا عن ضمير قلبه، وأن الإيمانَ في مثل هذه الحالة لا يَنفَع. "فجئتُ إلى النبي ﷺ فأخبرتُه، فقال: أَقتلتَه وقد شهد أن لا إله إلا الله؟! قلت: يا رسولَ الله! إنما فعل ذلك تعوُّذاً"؛ أي: ما أَسلمَ إلا مستعيذاً من القتل بكلمة التوحيد، وما كان مُخلِصًا في إسلامه. "قال: فهلَاّ شققتَ عن قلبه"، الفاء: جواب شرط مقدَّر؛ أي: إذا عرفتَ ذلك فلِمَ لا شققتَ عن قلبه؛ لتَعلَمَ ذلك وتطَّلعَ على ما في قلبه أتعوذاً قال ذلك أم إخلاصًا؟! وشقُّ القلب: مستعار هنا للفحص والبحث عن قلبه: أنه مؤمن أو كافر؟ حاصله: أن أسامةَ ادَّعى أمراً يجوز معه القتل، والنبي ﷺ نفاه لانتفاء سببه؛ لأن الاطلاعَ عليه إنما يمكن للباحث عن القلوب، ولا سبيلَ إليه للبشر، وهذا يدل على أن الحكمَ بالظاهر، وأما السرائرُ فتُوكَلُ الله تعالى. * * * ٢٥٩٠ - ورواه جُنْدبٌ البَجَلِيُّ: أن رسولَ الله ﷺ قال: "كيفَ تصنعُ بلا إلهَ إلا الله إذا جاءَتْ يومَ القيامةِ" قالَهُ مِراراً. "ورواه جُندب البَجَلي: أن رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال" لأسامة: "كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت"؛ أي: كلمةُ لا إله إلا الله، أو مَن يخاصم لها مِن الملائكة، أو صاحبُها الذي تلفَّظ بها "يومَ القيامة؟! قاله مراراً". * * *

стр. 1818

٢٥٩١ - وقال رسولُ الله ﷺ : "مَن قتلَ مُعاهِداً لم يَرِحْ رائحةَ الجنةِ، وإنَّ ريحَها تُوجدُ مِن مَسيرةِ أربعينَ خريفًا". "وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَن قَتَلَ مُعاهِداً" بكسر الهاء: مَن عاهَدَ مع الإمام على ترك الحرب، ذمِّيًّا كان أو غيره، ورُوي بفتح الهاء، وهو مَن عاهَدَه الإمامُ. "لم يَرحْ": بفتح حرف المضارعة وضمها وفتح الراء وكسرها. "رائحةَ الجنة"؛ أي: لا يشمُّ ولا يجدُ رِيحَها. "وإن ريحَها": الواو فيه للحال. "يوجد من مسيرة أربعين خريفاً"؛ أي: عامًا، قيل: المستحقُّ للجنة يجد ريحَها في الموقف ويستريح منه، فهذا القاتل يُحرَم من تلك الرائحة بقتلهِ ذلك، وقيل: عدمُ وجدانِ الريحِ كنايةٌ عن عدم دخول الجنة، فيُؤوَّل بالمُستحِلِّ. * * * ٢٥٩٢ - وقال رسولُ الله ﷺ : "من تردَّى مِن جبلٍ فقتلَ نفسَه فهو في نارِ جهنمَ يَتَردَّى فيها خالداً مُخلَّداً فِيها أبداً، ومَن تَحَسَّى سُمًّا فقَتَلَ نفسَه فسُمُّه في يدهِ يتحسَّاهُ في نارِ جهنمَ خالِداً مخلَّداً فيها أبداً، ومَن قتلَ نفسَهُ بحديدَةٍ فحديدتُه في يدهِ يَجَأ بها في بطنِهِ في نارِ جهنمَ خالِداً مخلَّداً فيها أبداً". "عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَن تردَّى"؛ أي: أَلقَى نفسَه "من جبلٍ، فقَتلَ نفسَه، فهو في نار جهنم يتردَّى فيها خالداً مخلَّداً فيها أبداً": الحديث محمول على المُستحِلِّ، أو على بيان أن فاعلَه مستحقٌّ بهذا العذاب، أو المراد بالخلود: طول المدة، وتوكيده بـ (المخلَّد) والتأبيد يكون للتشديد.

стр. 1819

"ومَن تحسَّى"؛ أي: شربَ في مهلةٍ يتجرَّع. "سمًّا، فقَتلَ نفسَه، فسمُّه في يده يتحسَّاه في نار جهنم خالداً مخلَّداً فيها أبداً، ومَن قتلَ نفسَه بحديدةٍ فحديدتُه في يده يَجَأُ بها"؛ أي: يضربُ بها "في بطنه في نار جهنم خالداً مخلَّدًا فيها أبداً". * * * ٢٥٩٣ - وقال: "الذي يخنُق نفسَه يخنُقُها في النَّار، والذي يطعنُها يطعنُها في النار". "وقال: الذي يخنقُ نفسَه يخنقُها في النار، والذي يطعنُها"؛ أي: يطعنُ نفسَه. "يطعنُها في النار"، والمعنى: أن مَن فعلَ فعلاً يتوصَّل به إلى هلاك نفسه في الدنيا عُوقِبَ في العُقبى بمِثلِ فعلِه. * * * ٢٥٩٤ - عن جُندبِ بن عبدِ الله قال: قال رسولُ الله ﷺ : "كانَ فيمن كانَ قبلَكم رجلٌ به جُرْحٌ فجزِعَ، فأخذَ سِكِّينًا فَحَزَّ بها يدَهُ فما رَقَأَ الدَّمُ حتى ماتَ، قال الله تعالى: بادَرَني عبدِي بنفسِه فحرَّمتُ عليهِ الجنة". "عن جُندب بن عبد الله ﵁ قال: قال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: كان فيمَن كان قبلَكم رجلٌ به جرحٌ، فجزعَ"، الجزع: نقيض الصبر؛ أي: لم يصبر على ألم الجرح. "فأخذ سكِّينًا فحزَّ بها"؛ أي: قطعَ بالسكين "يدَه"، و (السكين): يُذكر ويُؤنث.

стр. 1820

"فما رَقَأ" بالهمزة؛ أي: ما انقطعَ "الدمُ حتى مات، قال الله تعالى: بادَرَني عبدي بنفسه، فحرَّمتُ عليه الجنةَ": يُحمل الحديثُ على المُستحِلِّ، أو على أنه حرَّمها أولَ مرةٍ حتى يُذيقَه وبالَ أمره، ثم يرحمه بفضله. * * * ٢٥٩٥ - عن جابرٍ ﵁: أن الطُّفيلَ بن عمرٍو الدَّوسيَّ لما هاجَرَ النبيُّ ﷺ إلى المدينةِ، هاجرَ إليه وهاجرَ معَهُ رجلٌ مِن قومِهِ فمَرِضَ فجزِعَ، فأخَذَ مشاقِصَ له فقطَعَ بها بَرَاجِمَهُ فشخَبتْ يداهُ حتى ماتَ، فرآهُ الطُّفيلُ بن عمرٍو ﵁ في منامهِ وهيئتُه حَسَنةٌ، ورآهُ مُغطِّيًا يدَيْهِ، فقالَ له: ما صنعَ بكَ ربُّكَ؟ فقال: غفرَ لي بهجرَتي إلى نبيهِ ﷺ ، فقالَ: ما لي أراكَ مُغَطِّياً يديْكَ؟ قالَ، قيلَ لي: لن نُصلِحَ منكَ ما أَفْسَدْتَ، فقصَّها الطُّفيلُ على رسولِ الله ﷺ ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "اللهمَّ وَلِيَدَيْهِ فاغفِرْ". "عن جابر - رضي الله تعالى عنه -: أن الطُّفيلَ بن عمروٍ الدَّوسي لمَّا هاجَرَ النبيُّ ﷺ إلى المدينة هاجَرَ إليه"؛ أي: الطفيلُ إلى النبيِّ ﷺ . "وهاجَرَ معه رجلٌ من قومه، فمرضَ"؛ أي: الرجلُ الذي هاجَرَ معه. "فجزع"؛ أي: اشتدَّ مرضُه. "فأخذ مَشَاقِصَ له" بفتح الميم: جمع المِشْقَص، وهو السكِّين، وقيل: نَصْلَ السهم إذا كان طويلاً عريضًا. "فقَطعَ بها بَرَاجِمهَ" بفتح الباء: جمع بُرْجُمَة، مفاصل الأصابع المتصلة بالكَفِّ، وقيل: رؤوس السُّلَاميات، وهي المرتفعة عند قبض الكَفِّ. "فشَخَبتْ يداه"؛ أي: سالَ دمُها "حتى مات، فرآه الطُّفيل بن عمرو في منامه وهيئته"؛ أي: صورته وحاله "حسنة، ورآه مغطياً يديه، فقال له: ما صنعَ

стр. 1821

بك ربُّك؟ قال: غَفَرَ لي ربي بهجرتي إلى نبيه ﷺ ، فقال: مالي أراك مغطياً يدَيك؟ قال: قيل لي: لن نُصلِحَ منك ما أفسدتَ، فقصَّها الطُّفيلُ على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال رسول الله ﷺ : اللهم ولِيَدَيهِ": عطف من حيث المعنى على قوله: (قيل: لن نُصلِحَ منك ما أفسدتَ)؛ لأن التقديرَ: قيل لي: غُفرتْ سائرُ أعضائك إلا يدَيك، فقال ﷺ : (اللهم ولِيَدَيه). "فاغفرْ": الفاء جواب شرط مقدَّر، تقديره: اللهم إذا غفرتَ لجنايةِ سائرِ جوارحِه فاغفرْ لجنايةِ يدَيه أيضًا، وفيه: دليل على عدم خلود المؤمن الجاني على نفسه في النار. * * * ٢٥٩٦ - عن أبي شُرَيْحٍ الكَعْبيِّ، عن رسولِ الله ﷺ : أنه قال: "ثم أنتم يا خُزَاعَةُ قد قتلْتُم هذا القتيلَ مِن هُذَيْل وَأَنا والله عاقِلُهُ، مَن قتَلَ بعدَه قتيلاً فأهلُه بينَ خِيرتَيْنِ إن أَحَبُّوا قتَلُوا، وإنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا العَقْلَ". "عن أبي شُريح الكَعبي رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله [صلى الله] تعالى عليه وسلم أنه قال: ثم أنتم يا خُزاعةُ": لفظة (ثم) صدر هذا الحديث يؤذن بعدم إيراده بتمامه. "قد قتلتُم هذا القتيلَ من هُذَيل، وأنا والله عاقِلُه"؛ أي: معطي دِيته؛ إرادةً لإطفاء نائرة الفتنة بين القبيلتين، والعَقل: الدِّيَة، سُميت بها؛ لأنها تَعقِل عن القتل؛ أي: تَمنَع. "مَن قَتلَ بعدَه قتيلاً فأهلُه"؛ أي: أهلُ المقتول. "بين خِيرَتَين" بكسر الخاء المعجمة وفتح الياء: اسم بمعنى الاختيار. "إن أحبُّوا قتَلُوا وإن أحبُّوا أخذوا العقلَ": وهذا يدل على أن الخيارَ لولي

стр. 1822

القتيل، ولا يُعتبر رضا القتيل، وأن الدِّيَة مستحقةٌ لأهله كلِّهم، الرجال والنساء والزوجات، وأنه إن غابَ بعضٌ أو كان طفلاً لم يقتصَّ الباقون، حتى يبلغَ الطفلُ ويَقْدَمَ الغائبُ، وعليه الشافعي. * * * ٢٥٩٧ - عن أنسٍ ﵁: أن يهوديًّا رَضَّ رأسَ جاريةٍ بينَ حَجَريْنِ فقيلَ لها: مَنْ فعلَ بكِ هذا أَفُلانٌ؟ أَفُلانٌ؟ حتى سُمِّيَ اليهوديُّ فأَوْمَأَتْ برأسِها، فجيءَ باليهوديِّ فاعتَرفَ، فأمرَ به النبيُّ ﷺ فَرُضَّ رأسُه بالحِجارةِ. "عن أنس - رضي الله تعالى عنه -: أن يهوديًّا رضَّ"؛ أي: كسرَ ودقَّ. "رأسَ جاريةٍ"، وهي مِن النساء: مَن لم يَبلُغ الحُلمَ. "بين حَجَرَين، فقيل لها: مَن فعل بك هذا؟ أفلان أم فلان؟ حتى سُمِّيَ اليهوديُّ، فأومتْ برأيها"؛ أي: أشارت به، أصله: أومأت - بالهمزة -، ثم لُينت بالفاء، ثم حُذفت للساكنَين. "فجيءَ باليهودي، فاعتَرفَ، فأمَر به رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم فَرُضّ رأسُه بالحجارة"، فيه: دليل على قتل الرجل بالمرأة وبالعكس، وعليه العامة، إلا الحسن وعطاء فإنهما قالا: لا يُقتَل الرجلُ بالمرأة، وعلى أن القتلَ بمثقلٍ يَقتُل غالباً يُوجِب القصاصَ، وعليه الأكثر خلافاً لأصحاب الرأي وعلى اعتبار جهة القتل فيقتص منه بمثل فعله. * * * ٢٥٩٨ - عن أنس ﵁: أنَّه قال: كَسَرَتْ الرَّبَيعُ، وهي عمَّهُ أنسِ بن مالكٍ، ثَنِيَّةَ جاريةٍ من الأنصارِ فأَتَوا النبيَّ ﷺ فأمَرَ بالقِصاصِ، فقال أنسُ بن

стр. 1823

النّضر، عمُّ أنسِ بن مالكٍ ﵁: لا والله لا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُها يا رسولَ الله، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "يا أنسُ كتابُ الله القِصاصُ"، فرَضيَ القومُ وقَبلُوا الأَرْشَ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ مِن عبادِ الله مَنْ لو أَقسَمَ على الله لأبَرَّهُ". "عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: كسَرَتِ الرُّبَيعُ، وهي عمَّة أنس بن مالك، ثَنِيَّةَ جاريةٍ من الأنصار"، فطلبوا منها العفوَ، فلم تَرْضَ. "فأتوا النبيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم، فأمر بالقصاص، فقال أنسُ بن النَّضْر عمُّ أنسِ بن مالك: لا، والله لا تُكسَر ثنيَّتُها يا رسولَ الله": وهذا ردٌّ لأمرِه ﷺ بالقصاص على سبيل التعجب، أو الكرامات؛ لكون الكاسرةِ أشرفَ، لا على سبيل الإنكار. "فقال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يا أنسُ! كتابُ الله القصاصُ": وهو قوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥] الآية ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقيل: كتابُ الله فرضَه على لسان نبيه. "فرَضيَ القوم"؛ أي: قومُ التي كُسِرَ سِنُّها بعدم الكسر. "وقَبلُوا الأَرْشَ، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن مِن عباد الله مَن لو أَقسَمَ على الله لأَبرَّه"؛ أي: يجعله بارًّا صادقاً في يمينه لكرامته. * * * ٢٥٩٩ - وعن أبي جُحَيْفَةَ قال: سألتُ علياً هل عِندَكم شيءٌ ليسَ في القرآنِ؟ فقال: والذي فلقَ الحبَّةَ وبَرَأَ النَّسَمَةَ ما عِندَنا إلا ما في القرآنِ، إلَاّ فَهْماً يُعطَى رجلٌ في كتابهِ، وما في الصَّحيفةِ! قلتُ: وما في الصَّحيفةِ؟ قال:

стр. 1824

العقلُ، وفِكاكُ الأسيرِ، وأنْ لا يُقْتَلَ مُسلم بكافرٍ. "عن أبي جُحَيفة ﵁ أنه قال: سألتُ عليًّا: هل عندكم شيء ليس في القرآن؟ ": وإنما سألوه بذلك لزعمهم أنه ﷺ خصَّ أهلَ بيته - سيَّما عليًّا ﵁ بأسرار الوحي، أو لأنهم وجدوا عندَه ﵁ علماً وتحقيقًا لم يجدوه عند غيره، فحَلَفَ عليُّ - رضي الله تعالى عنه - إزاحة لوهمِ ما توهَّمُوه. "فقال: والذي فَلَقَ الحَبّةَ"؛ أي: شقَّها بإخراج النبات منها. "وَبَرأَ النَّسمةَ"؛ أي: خلقَها، والنسمة: النَّفْس، وكلُّ ذي روح فهي نسمة. "ما عندنا": جواب القَسَم. "إلا ما في القرآن": استثناء منقطع؛ أي: ليس عندَنا شيءٌ غير القرآن. "إلا فهماً يُعطَى الرجلُ في كتابه": استثناء من الاستثناء الأول، أراد به استدراكَ معنى اشتبه عليهم معرفتُه؛ يعني: لكن الناسَ يتفاوتون في الفهم والإدراك واستنباط المعاني، والفهم: الفِطنة التي يقف بها المرءُ على ما في الكتاب. "وما في الصحيفة": عطف على (ما في القرآن)، قَرَنَه به احتياطاً في يمينه؛ لاحتمال انفراده بسماع ما فيها، وكانت تلك الصحيفةُ مكتوبة من إملاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في علاقة سيف عليٍّ رضي الله تعالى عنه. "قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العَقلُ": أراد به أسنانَ إبل الدِّيَة وعددَها وسائرَ أحكامها، وقيل: إيجاب الدِّيَة نفسا وطرفاً. "وفَكاكُ الأسير" بفتح الفاء: ما يُفتكُّ به؛ يعني: من جملة ما فيها تخليصُه، وفيه: استحبابُ فَكاكِه.

стр. 1825

"وأن لا يُقَتلَ مسلم بكافرٍ": يدُّكُ على أن المؤمَن لا يُقتصَّ بالكافر، حربيًّا كان أو ذمِّيا؛ لعموم النفي، وعليه الشافعي. * * * مِنَ الحِسَان: ٢٦٠٠ - عن عبدِ الله بن عمرٍو ﵄: أن النبيَّ ﷺ قال: "لَزَوالُ الدُّنيا أهونُ على الله مِن قتلِ رجلٍ مسلمٍ"، ووقَفَه بعضُهم، وهو الأصحُّ. "من الحسان": " عن عبد الله بن عمرو - رضي الله تعالى عنه -: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: لَزوالُ الدنيا": التي هي مَعبَرُ الإنسانِ إلى دار البقاء، ومحلُّ تحصيل الأنبياء والأولياء أنواعَ القربات، من عالِم الملكوت، ومما عند الله سبحانه مما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خَطَرَ على قلب بشر. "أهونُ"؛ أي: أَسهلُ. "على الله مِن قتلِ رجلٍ مسلمٍ"؛ أي: من إراقةِ دمهِ؛ إذ المسلمُ هو المقصود مِن إيجاد الدنيا وخلقها. "ووقفَه بعضُهم"؛ أي: وقفَ بعضُ أصحابِ الحديثِ هذا الحديثَ على ابن عمرو؛ "وهو الأصح". * * * ٢٦٠١ - وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁، وأبي هريرةَ ﵁، عن رسولِ الله ﷺ قال: "لو أن أهلَ السماء والأرضِ اشتركُوا في دمِ مؤمنٍ لأكَبَّهم الله في النارِ"، غريب.
следующие страницы →