بك ربُّك؟ قال: غَفَرَ لي ربي بهجرتي إلى نبيه ﷺ ، فقال: مالي أراك مغطياً يدَيك؟ قال: قيل لي: لن نُصلِحَ منك ما أفسدتَ، فقصَّها الطُّفيلُ على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال رسول الله ﷺ : اللهم ولِيَدَيهِ": عطف من حيث المعنى على قوله: (قيل: لن نُصلِحَ منك ما أفسدتَ)؛ لأن التقديرَ: قيل لي: غُفرتْ سائرُ أعضائك إلا يدَيك، فقال ﷺ : (اللهم ولِيَدَيه).
"فاغفرْ": الفاء جواب شرط مقدَّر، تقديره: اللهم إذا غفرتَ لجنايةِ سائرِ جوارحِه فاغفرْ لجنايةِ يدَيه أيضًا، وفيه: دليل على عدم خلود المؤمن الجاني على نفسه في النار.
* * *
٢٥٩٦ - عن أبي شُرَيْحٍ الكَعْبيِّ، عن رسولِ الله ﷺ : أنه قال: "ثم أنتم يا خُزَاعَةُ قد قتلْتُم هذا القتيلَ مِن هُذَيْل وَأَنا والله عاقِلُهُ، مَن قتَلَ بعدَه قتيلاً فأهلُه بينَ خِيرتَيْنِ إن أَحَبُّوا قتَلُوا، وإنْ أَحَبُّوا أَخَذُوا العَقْلَ".
"عن أبي شُريح الكَعبي رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله [صلى الله] تعالى عليه وسلم أنه قال: ثم أنتم يا خُزاعةُ": لفظة (ثم) صدر هذا الحديث يؤذن بعدم إيراده بتمامه.
"قد قتلتُم هذا القتيلَ من هُذَيل، وأنا والله عاقِلُه"؛ أي: معطي دِيته؛ إرادةً لإطفاء نائرة الفتنة بين القبيلتين، والعَقل: الدِّيَة، سُميت بها؛ لأنها تَعقِل عن القتل؛ أي: تَمنَع.
"مَن قَتلَ بعدَه قتيلاً فأهلُه"؛ أي: أهلُ المقتول.
"بين خِيرَتَين" بكسر الخاء المعجمة وفتح الياء: اسم بمعنى الاختيار.
"إن أحبُّوا قتَلُوا وإن أحبُّوا أخذوا العقلَ": وهذا يدل على أن الخيارَ لولي
стр. 1822
القتيل، ولا يُعتبر رضا القتيل، وأن الدِّيَة مستحقةٌ لأهله كلِّهم، الرجال والنساء والزوجات، وأنه إن غابَ بعضٌ أو كان طفلاً لم يقتصَّ الباقون، حتى يبلغَ الطفلُ ويَقْدَمَ الغائبُ، وعليه الشافعي.
* * *
٢٥٩٧ - عن أنسٍ ﵁: أن يهوديًّا رَضَّ رأسَ جاريةٍ بينَ حَجَريْنِ فقيلَ لها: مَنْ فعلَ بكِ هذا أَفُلانٌ؟ أَفُلانٌ؟ حتى سُمِّيَ اليهوديُّ فأَوْمَأَتْ برأسِها، فجيءَ باليهوديِّ فاعتَرفَ، فأمرَ به النبيُّ ﷺ فَرُضَّ رأسُه بالحِجارةِ.
"عن أنس - رضي الله تعالى عنه -: أن يهوديًّا رضَّ"؛ أي: كسرَ ودقَّ.
"رأسَ جاريةٍ"، وهي مِن النساء: مَن لم يَبلُغ الحُلمَ.
"بين حَجَرَين، فقيل لها: مَن فعل بك هذا؟ أفلان أم فلان؟ حتى سُمِّيَ اليهوديُّ، فأومتْ برأيها"؛ أي: أشارت به، أصله: أومأت - بالهمزة -، ثم لُينت بالفاء، ثم حُذفت للساكنَين.
"فجيءَ باليهودي، فاعتَرفَ، فأمَر به رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم فَرُضّ رأسُه بالحجارة"، فيه: دليل على قتل الرجل بالمرأة وبالعكس، وعليه العامة، إلا الحسن وعطاء فإنهما قالا: لا يُقتَل الرجلُ بالمرأة، وعلى أن القتلَ بمثقلٍ يَقتُل غالباً يُوجِب القصاصَ، وعليه الأكثر خلافاً لأصحاب الرأي وعلى اعتبار جهة القتل فيقتص منه بمثل فعله.
* * *
٢٥٩٨ - عن أنس ﵁: أنَّه قال: كَسَرَتْ الرَّبَيعُ، وهي عمَّهُ أنسِ بن مالكٍ، ثَنِيَّةَ جاريةٍ من الأنصارِ فأَتَوا النبيَّ ﷺ فأمَرَ بالقِصاصِ، فقال أنسُ بن
стр. 1823
النّضر، عمُّ أنسِ بن مالكٍ ﵁: لا والله لا تُكْسَرُ ثَنِيَّتُها يا رسولَ الله، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "يا أنسُ كتابُ الله القِصاصُ"، فرَضيَ القومُ وقَبلُوا الأَرْشَ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ مِن عبادِ الله مَنْ لو أَقسَمَ على الله لأبَرَّهُ".
"عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: كسَرَتِ الرُّبَيعُ، وهي عمَّة أنس بن مالك، ثَنِيَّةَ جاريةٍ من الأنصار"، فطلبوا منها العفوَ، فلم تَرْضَ.
"فأتوا النبيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم، فأمر بالقصاص، فقال أنسُ بن النَّضْر عمُّ أنسِ بن مالك: لا، والله لا تُكسَر ثنيَّتُها يا رسولَ الله": وهذا ردٌّ لأمرِه ﷺ بالقصاص على سبيل التعجب، أو الكرامات؛ لكون الكاسرةِ أشرفَ، لا على سبيل الإنكار.
"فقال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يا أنسُ! كتابُ الله القصاصُ": وهو قوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ [المائدة: ٤٥] الآية ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]، وقيل: كتابُ الله فرضَه على لسان نبيه.
"فرَضيَ القوم"؛ أي: قومُ التي كُسِرَ سِنُّها بعدم الكسر.
"وقَبلُوا الأَرْشَ، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن مِن عباد الله مَن لو أَقسَمَ على الله لأَبرَّه"؛ أي: يجعله بارًّا صادقاً في يمينه لكرامته.
* * *
٢٥٩٩ - وعن أبي جُحَيْفَةَ قال: سألتُ علياً هل عِندَكم شيءٌ ليسَ في القرآنِ؟ فقال: والذي فلقَ الحبَّةَ وبَرَأَ النَّسَمَةَ ما عِندَنا إلا ما في القرآنِ، إلَاّ فَهْماً يُعطَى رجلٌ في كتابهِ، وما في الصَّحيفةِ! قلتُ: وما في الصَّحيفةِ؟ قال:
стр. 1824
العقلُ، وفِكاكُ الأسيرِ، وأنْ لا يُقْتَلَ مُسلم بكافرٍ.
"عن أبي جُحَيفة ﵁ أنه قال: سألتُ عليًّا: هل عندكم شيء ليس في القرآن؟ ": وإنما سألوه بذلك لزعمهم أنه ﷺ خصَّ أهلَ بيته - سيَّما عليًّا ﵁ بأسرار الوحي، أو لأنهم وجدوا عندَه ﵁ علماً وتحقيقًا لم يجدوه عند غيره، فحَلَفَ عليُّ - رضي الله تعالى عنه - إزاحة لوهمِ ما توهَّمُوه.
"فقال: والذي فَلَقَ الحَبّةَ"؛ أي: شقَّها بإخراج النبات منها.
"وَبَرأَ النَّسمةَ"؛ أي: خلقَها، والنسمة: النَّفْس، وكلُّ ذي روح فهي نسمة.
"ما عندنا": جواب القَسَم.
"إلا ما في القرآن": استثناء منقطع؛ أي: ليس عندَنا شيءٌ غير القرآن.
"إلا فهماً يُعطَى الرجلُ في كتابه": استثناء من الاستثناء الأول، أراد به استدراكَ معنى اشتبه عليهم معرفتُه؛ يعني: لكن الناسَ يتفاوتون في الفهم والإدراك واستنباط المعاني، والفهم: الفِطنة التي يقف بها المرءُ على ما في الكتاب.
"وما في الصحيفة": عطف على (ما في القرآن)، قَرَنَه به احتياطاً في يمينه؛ لاحتمال انفراده بسماع ما فيها، وكانت تلك الصحيفةُ مكتوبة من إملاء النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في علاقة سيف عليٍّ رضي الله تعالى عنه.
"قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العَقلُ": أراد به أسنانَ إبل الدِّيَة وعددَها وسائرَ أحكامها، وقيل: إيجاب الدِّيَة نفسا وطرفاً.
"وفَكاكُ الأسير" بفتح الفاء: ما يُفتكُّ به؛ يعني: من جملة ما فيها تخليصُه، وفيه: استحبابُ فَكاكِه.
стр. 1825
"وأن لا يُقَتلَ مسلم بكافرٍ": يدُّكُ على أن المؤمَن لا يُقتصَّ بالكافر، حربيًّا كان أو ذمِّيا؛ لعموم النفي، وعليه الشافعي.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٦٠٠ - عن عبدِ الله بن عمرٍو ﵄: أن النبيَّ ﷺ قال: "لَزَوالُ الدُّنيا أهونُ على الله مِن قتلِ رجلٍ مسلمٍ"، ووقَفَه بعضُهم، وهو الأصحُّ.
"من الحسان":
" عن عبد الله بن عمرو - رضي الله تعالى عنه -: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: لَزوالُ الدنيا": التي هي مَعبَرُ الإنسانِ إلى دار البقاء، ومحلُّ تحصيل الأنبياء والأولياء أنواعَ القربات، من عالِم الملكوت، ومما عند الله سبحانه مما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعتْ، ولا خَطَرَ على قلب بشر.
"أهونُ"؛ أي: أَسهلُ.
"على الله مِن قتلِ رجلٍ مسلمٍ"؛ أي: من إراقةِ دمهِ؛ إذ المسلمُ هو المقصود مِن إيجاد الدنيا وخلقها.
"ووقفَه بعضُهم"؛ أي: وقفَ بعضُ أصحابِ الحديثِ هذا الحديثَ على ابن عمرو؛ "وهو الأصح".
* * *
٢٦٠١ - وعن أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁، وأبي هريرةَ ﵁، عن رسولِ الله ﷺ قال: "لو أن أهلَ السماء والأرضِ اشتركُوا في دمِ مؤمنٍ لأكَبَّهم الله في النارِ"، غريب.
стр. 1826
"وعن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لو أن أهلَ السماء والأرض اشتركوا"؛ أي: لو ثبتَ اشتراكُهم.
"في دمِ مؤمنٍ لَكبَّهم الله"؛ أي: صرعَهم. "في النار. غريب".
* * *
٢٦٠٢ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ : أنَّه قال: "يجيءُ المقتولُ بالقاتِلِ يومَ القيامةِ ناصيتُه ورأسُه بيدِه وأَوْداجُه تَشْخُبُ دماً يقولُ: يا ربِّ قتلَني حتى يدُنِيَه مِن العَرشِ".
"عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: يجيء المقتولُ بالقاتل يومَ القيامة، ناصيتُه ورأسُه بيده، وأوداجُه" جمع: وَدَج - بفتحتين -، وهو العِرق المحيطة بالعُنق، يقطعها الذابح.
"تَشخُب"؛ أي: تَسيلُ "دماً، يقول: يا ربِّ قتلَني، حتى يُدنيَه"؛ أي: يُقرِّب المقتولُ القاتلَ "من العَرش": كان هذا عبارةٌ عن استقصاء المقتول في طلب ثأره.
* * *
٢٦٠٣ - عن عثمانَ ﵁: أن رسولَ الله ﷺ قال: "لا يحِلُّ قتلُ امرئٍ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاثٍ: كفرٌ بعد إيمان، أو زناً بعدَ إحصانٍ، أو قَتْلُ نفسٍ بغيرِ نفسٍ".
"عن عثمان ﵁: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: لا يحلُّ دم امرئٍ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاث: كفرٍ بعدَ إيمانٍ"، يريد به: الارتداد.
стр. 1827
"أو زِنًا بعد إحصانٍ": تقدم معنى (الإحصان).
"أو قتلِ نفسي بغير نفسٍ".
* * *
٢٦٠٤ - عن أبي الدَّرداء، عن رسولِ الله ﷺ قال: "لا يزالُ المؤمنُ مُعْنِقا صالحاً ما لم يُصِبْ دماً حراماً، فإذا أصابَ دماً حراما بَلَّحَ".
"عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: لا يزالُ المؤمنُ مُعنقِاً"؛ أي: منبسطاً في سيرِه يومَ القيامة، يقال: أَعتَقَ الرجلُ؛ أي: سارَ العَنَقَ، وهو ضربٌ من السير السريع، وقيل: معناه: مسارعا إلى الخيرات موفَّقا لها.
"صالحاً ما لم يُصِبْ دماً حراماً، فإذا أصاب دماً حراماً بَلَّحَ"؛ أي: أَعيا وأعجزَ وانقطعَ وتحيَّر بشؤمِ ما ارتكب من الإثم.
* * *
٢٦٠٥ - وعنه، عن رسول الله ﷺ قال: "كلُّ ذنبٍ عسى الله أنْ يغفِرَهُ إلا مَن ماتَ مُشركاً، أو من يَقتُلُ مؤمناً مُتعمِّداً".
"وعنه، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: كلُّ ذنبٍ"؛ أي: كلُّ قارفِ ذنبٍ.
"عسى الله أن يغفرَه إلا ذنب مَن ماتَ مُشرِكاً، أو": ذنباً مَن يقتلُ مؤمناً متعمِّداً، إذا كان مُستحِلاً دمَه.
* * *
стр. 1828
٢٦٠٦ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تُقامُ الحدودُ في المساجدِ، ولا يُقادُ بالولدِ الوالدُ".
"عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تُقام الحدودُ في المساجد"؛ لأنها بنيت للصلاة وقراءة القرآن وغير ذلك من العبادات.
"ولا يُقاد بالولد الوالدُ"؛ أي: لا يُقتصُّ والد بقتلهِ ولدَه، أو لا يُقتَلُ الوالدُ عوضَ ولدِه الواجبُ عليه القصاصُ بقتلهِ أحداً ظلمًا، وقد كان في الجاهلية يُقتَل أحدُهما بالآخر، فنَهَى ﷺ عنه.
* * *
٢٦٠٧ - عن أبي رِمْثَةَ ﵁ قالَ: دخلتُ مع أبي على رسولِ الله ﷺ ، فرأَى أبي الذي بظَهرِ رسولِ الله ﷺ ، فقالَ: دَعْني أُعالجُ الذي بظهركَ فإني طبيبٌ، فقالَ: "أنتَ رفيق، والله الطبيبُ"، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ هذا مَعَك؟ " قالَ: ابني فاشهدْ به، فقالَ: "أَما إنه لا يَجني عليكَ ولا تَجْني عليهِ".
"عن أبي رِمْثَةَ ﵁ أنه قال: دخلتُ مع أبي على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فرأى أبي الذي بظَهر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"، يريد به: موضع خاتم النبوة، وكان ذلك ناتئاً عن ظَهره، فظنُّ أبوه أنه سِلْعةٌ (١) تولَّدت من الفضلات.
"فقال: دَعْني"؛ أي: اتركْني.
"أعالج الذي بظَهرك"؛ أي: أُداويه.
стр. 1829
"فإني طبيبٌ"، أخرجه ﷺ عن زعمه إلى غيره راداً عليه، "فقال: أنتَ رفيق" من: الرِّفق؛ أي: لين الجانب، وقيل: الرِّفق: لطافة القول أو الفعل؛ أي: أنت ترفقُ بالناس في العلاج بلطافة الفعل وحفظ المزاج من الأغذية الرديَة.
"والله الطبيبُ"؛ أي: المداوي الحقيقي الشافي عن الداء، العالِم بحقيقة الدواء، القادر على الصحة والبقاء؛ يعني: ليس هذا مما يُعالَج، بل يفتقر كلامُك إلى العلاج، حيث سَمَّيتَ نفسَك بالطبيب، والله هو الطبيب.
قيل: كان مكتوباً على خاتم النبوة: توجَّه حيث شئتَ؛ فإنك منصورٌ.
"وقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَن هذا معك؟ قال: ابني، فاشهَدْ به": بصيغة الأمر؛ أي: فاشهَدْ بأنه ابني، مريداً بهذا إلزامَ ابنهِ ضمانَ الجنايات عنه، على رسم الجاهلية.
"فقال: أَمَا إنه لا يجني عليك"؛ أي: لا يجني جناية يكون القصاصُ أو الضمانُ فيها عليك.
"ولا تجني عليه".
* * *
٢٦٠٨ - عن عمرِو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: عن سُراقةَ بن مالكٍ ﵁ قالَ: "حضرتُ رَسُولَ الله ﷺ يُقِيْدُ الأبَ من ابنهِ، ولا يُقيدُ الابن من أبيهِ"، ضعيف.
"عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن سُراقةَ بن مِالك ﵁ قال: حضرتُ رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم يُقِيدُ الأبَ من ابنه، ولا يُقِيدُ الابن من أبيه"؛ أي: كان يَقتُلُ الأبَ إذا قَتلَ ابنه، ولا يَقتُلُ الابن إذا قَتلَ أباه.
стр. 1830
"ضعيف"؛ أي: هذا الحديث ضعيف، لا يقاوم ما مرَّ من حديث ابن عباس: "ولا يُقاد بالولد الوالا"، وقيل: كان هذا في صدر الإسلام، ثم نُسخ.
* * *
٢٦٠٩ - عن الحسنِ، عن سَمُرَة قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن قتلَ عبدَهُ قتلْناهُ، ومَن جَدع عبدَهُ جَدَعْناهُ، ومَن أَخْصَى عبدَه أَخصيْناه".
"عن الحسن، عن سَمُرة ﵁ قال: قال ﵊: مَن قَتلَ عبدَه قتلناه، ومَن جَدع عبدَه"؛ أي: قطعَ أطرافَه "جَدَعْنَاه" ومَن أَخْصَى عبدَه"؛ أي: سلَّ خصيتَه "أَخْصَيْنَاه"، قيل: هذا على سبيل الزجر؛ ليرتدعوا ولا يُقدموا على ذلك، كما قال في شارب الخمر: "إذا شربَ فاجلدوه"، ثم قال في الرابعة أو الخامسة: "فإن عاد فاقتلوه"، ولم يَقتلْه حين جِيءَ به وقد شربَ رابعا أو خامسا، وتأوله بعضُهم على العبدِ المُعتَق؛ لأنه يُسمَّى عبدَه عُرفا باعتبار ما كان، وقيل: منسوخ.
* * *
٢٦٠٩/ -م - عن عمرِو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه: أن رسولَ الله ﷺ قال: "مَن قتلَ متعمِّداً دفع إلى أولياءِ المقتولِ فإنْ شاءوا قتلُوا، وإنْ شاؤوا أخذُوا الدِّيَةَ وهي: ثلاثونَ حِقَّة، وثلاثونَ جَذَعَة، وأربعونَ خَلِفَةً، وما صالَحوا عليهِ فهو لهم".
"عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه ﵃: أن رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: مَن قتلَ" - ببناء الفاعل - "متعمِّداً دُفع" - ببناء المفعول؛ أي: القاتلُ - "إلى أولياء المقتول؛ فإن شاؤوا قَتلوا، وإن شاؤوا أخذوا الدِّيَةَ،
стр. 1831
وهي ثلاثون حِقَّةً وثلاثون جَذَعةً وأربعون خَلِفَةً" بفتح الخاء وكسر اللام: الحامل من النُّوق.
"وما صالحوا عليه فهو لهم".
* * *
٢٦١٠ - عن عليٍّ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "المسلمونَ تَتكافَأُ دماؤُهم، وَيسعَى بذِمَّتِهم أَدناهم، وَيرُدُّ عليهم أَقْصاهم، وهُم يَدٌ على مَنْ سِواهم، ألا لا يُقتَلُ مُسلمٌ بكافرٍ، ولا ذُو عهدٍ في عهدِه".
"عن عليٍّ رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: المسلمون تتكافَأ دماؤُهم"؛ أي: تتساوى في القصاص والديات، لا فضلَ فيها لشريف وكبير وعالِم على رجلٍ وضيعٍ وصغيرٍ وجاهلٍ وامرأة، خلافَ ما كان يفعله أهلُ الجاهلية؛ إذ كانوا يقتلون عدةً من قبيلة القاتل الوضيع، قيل: هذا من جملة ما في الصحيفة.
"ويسعى بذَّمتهم"؛ أي: يُعطي أمانَهم.
"أدناهم" في المنزلة، وفيه حُجَّة للشافعي في جواز أمان العبد.
"وَيرُدُّ عليهم أقصاهم"؛ أي: ما أَخذَ أبعدُهم يُرَدُّ على أقربهم، وهذا إذا خرجت جيوش المسلمين إلى الغزو، ثم انفصل منهم سرية عند قربهم بلادَ العدوِّ، فغنموا، يردُّون ما غنموا على الجيش الذين هم رِدْءٌ لهم، ولا ينفردون به، بل يكونون جميعا شركاء فيه.
"وهم يدٌ"؛ أي: المسلمون، نصرةً ومعونةً، يعاون بعُضهم بعضاً، كأنهم يدٌ واحدةٌ في التعاون والتناصر.
стр. 1832
"على مَن سواهم" مِن الكفار.
"ألا لا يُقتَل مسلمٌ بكافرٍ": ذهب الشافعي بهذا على أن المسلمَ لا يُقَتل بكافرٍ ذي عهد مؤبَّدٍ، أو مستأمنٍ ذي عهدٍ مؤقَّتٍ.
وقال أبو حنيفة - رحمة الله عليه -: بُقتَل المسلم بالذمي، وتأويل الحديث: لا يُقتَل مسلمٌ بكافرٍ حربيٍّ؛ لأنه المرادُ، بدليل عطف ما بعده عليه.
"ولا ذو عهدٍ في عهده": في موضع النصب على الحال، أراد: أن ذا العهدِ لا يجوزُ قتلُه ابتداء ما دام في العهد.
* * *
٢٦١١ - عن أبي شرَيح الخُزاعي قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "مَن أُصيبَ بدمٍ أو خَبْلٍ - والخَبْلُ: الجُرْحُ - فهو بالخيارِ بينَ إحدَى ثلاثٍ، فإن أرادَ الرَّابعةَ فَخُذُوا على يَدَيْه، بينَ أنْ يَقتَصَّ، أو يَعفُوَ، أو يأخذَ العَقْلَ، فإنْ أخذَ مِن ذلكَ شيئاً ثم عَدا بعدَ ذلكَ، فلهُ النارُ خالِداً فيها مخلَّداً أبداً".
"عن أبي شُريح الخُزاعي - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: مُن أُصيبَ بدمٍ أو خَبْلٍ" بالسكون: فساد الأعضاء.
"والخَبْلُ الجرح"؛ أي؛ أُصيب بقتلِ نفسٍ أو قطعِ عضوٍ.
"فهو بالخيار بين إحدى ثلاث، فإن أراد"؛ أي وبعدَ هذا فإن أراد "الرابعةَ"؛ أي: الزائدةَ على الثلاث "فخذوا على يدَيه"؛ أي: امنعوه عن ذلك.
"بين أن يَقتصَّ": بدل من قوله: (بين إحدى ثلاث).
стр. 1833
"أو يَعفوَ، أو ياخذَ العقلَ"؛ أي: الديَةَ.
"فإن أخذَ من ذلك"؛ أي: من الخصال الثلاث "شيئاً، ثم عدا بعد ذلك"؛ أي: تجاوَزَ بعد الخصال الثلاث بطلبِ شيءٍ آخرَ، كأن عَفَا، ثم طلبَ العقلَ بعد ذلك، أو طلبَ واحداً من العقل أو القصاص "فله النارُ خالداً مخلَّداً فيها أبداً".
* * *
٢٦١٢ - عن طاوسٍ، عن ابن عبَّاسٍ، عن رسولِ الله ﷺ قال: "من قُتِلَ في عِمِّيَّةٍ، في رمي يكونُ بينَهم بالحجارةِ أو جَلْدٍ بالسِّياطِ أو ضَرْبٍ بعصاً، فهو خطأ، وعَقْلُه عَقْلُ الخَطَإ، ومَن قتلَ عمداً فهو قَوَدٌ، ومَن حالَ دونهَ فعليهِ لعنةُ الله وغَضَبُه، لا يُقبَلُ منه صَرْفٌ ولا عَدْلٌ".
"عن طاوس، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: مَن قُتِلَ في عِمَيَّةٍ، بكسر العين والميم المشددة، ويروى بضم العين أيضاً: هي الضلالة، وقيل: الفتنة، وقيل: الأمر المُلتبس الذي لا يُعرَف وجهُه.
"في رميٍ": بدل من قوله: (في عِمِّية).
"يكون بينهم بالحجارة"؛ يعني: تَرَامَى القومُ، فيُوجَد بينهم قتيلٌ يَعمَى أمرُه ولا يُدرَى قاتلُه.
"أو جَلْدٍ بالسِّياط" جمع: السَّوط.
"أو ضربٍ بعصاً؛ فهو خطأ، وعَقلُه عَقلُ الخطأ، ومَن قتل عمداً فهو قَوَدٌ"؛ أي: بصددِ أن يُقاد منه، ومستوجبٌ له، مصدر بمعنى المفعول، أطلقه باعتبار ما يَؤُول إليه، وهذا على تقدير كونِ (قَتَلَ) على بناء الفاعل، وإن كان
стр. 1834
على بناء المفعول فتفسيره: أن يُقاد له.
"ومَن حَالَ"؛ أي: مَنعَ.
"دونهَ"؛ أي: دونَ القصاص، أو دون القاتل؛ يعني: منعَ المستحقَّ من الاستيقاد، أو أَخفَى المُستحَقَّ عليه.
"فعليه لعنةُ الله وغضبُه، لا يُقبَل منه صرفٌ"؛ أي: نافلةٌ "ولا عَدْلٌ"؛ أي: فريضةٌ.
* * *
٢٦١٣ - وعن جابرٍ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا أُعْفي مَن قتلَ بعدَ أخْذِ الدِّيةِ".
"عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا أُعفي" بصيغة المضارع المتكلم المعلوم "مَن قَتلَ بعدَ أخذِ الدِّيَةِ"؛ أي: لا أَدعُ القاتلَ بعد أخذِ الديةِ، فيُعفَى عنه، أو يُرضَى منه بالدية، والمراد منه: التغليظ عليه بمباشرة الأمر الفظيع.
وفي بعض النسخ: "لا يُعفَى" على بناء المجهول؛ أي: لا يُترَك، لفظه خبر ومعناه نهي، وهو حسنٌ إن صحَّ روايةَ، وفي بعضها: "لا أُعفِيَ" بصيغة الماضي المجهول، وهو دعاء عليه.
* * *
٢٦١٤ - عن أبي الدَّرداءَ ﵁ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "ما مِن رجلٍ يُصابُ بشيءٍ في جسده فتصَدَّقَ به إلَاّ رفَعَه الله بهِ درجةً، وحَطَّ عنهُ بهِ خطيئةً".
стр. 1835
"عن أبي الدرداء - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: ما مِن رجلٍ يُصابُ بشيءٍ في جسدِه، فيتصدَّق به"؛ أي: يعفو عن الجاني، ولا يقتصُّ منه.
"إلا رفعَه الله به"؛ أي: بذلك العفوِ "درجةً وحطَّ"؛ أي: أَسقطَ "عنه" بذلك "خطيئةً"؛ أي: ذَنْبًا من ذنوبه.
* * *
٢ - باب الدِّيَاتِ
(باب الديات)
جمع: دِيَة، وهي مصدر، كأنها اسم للمال.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٦١٥ - عن ابن عبَّاسٍ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "هذهِ وهذهِ سواءٌ"، يعني الخِنْصَرَ والإبهامَ.
"من الصحاح":
" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: هذه وهذه سواءٌ"؛ أي: في الدِّيَة.
"يعني: الخِنْصِر والإبهام"، وإن كان الإبهامُ أقل مِفصلاً من الخِنْصِر.
* * *
٢٦١٦ - عن أبي هُريرةَ ﵁ قال: قَضَى رسولُ الله ﷺ في جَنِينِ امرأةٍ من بني لِحْيانَ بغُرَّةٍ: عبدٍ أو أَمَةٍ، ثم إنَّ المرأةَ التي قَضَى عليها بالغُرَّةِ تُوفِّيَت،
стр. 1836
فقَضَى بأنَّ ميراثِها لِبنيها وزوجِها، والعَقلُ على عَصَبَتِها.
"عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قَضَى رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم في جنين امرأةٍ من بني لحيان": بكسر اللام وفتحها.
"بغُرَّةٍ عبدٍ" بالتنوين: عطف بيان لـ (غُرَّة) أو بدل، وإذا رُفع فهو خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي عبدٌ أو أَمَةٌ، والغُرَّة: العبدُ نفسُه.
"أو أَمَة"، وأصلها: البياض الكائن في وجه الفَرَس.
وقال أبو عمر: والغُرَّة: عبد أبيض، أو أَمَة بيضاء، ويُسمى العبدُ الأبيضُ: غُرَّة؛ لبياضه، فلا يُقبَل الأسود، وعند الفقهاء: الغُرَّة مِن العبد: الذي يكون ثمنُه نصفَ عُشر الدِّيَة.
"ثم إن المرأةَ التي قَضَى عليها"؛ أي: على عاقلتها "بالغُرَّة"؛ أي: بسبب جنايتها على الجنين "تُوفِّيتْ": جعلَ المقضيَّ عليه فعلها - وهو العاقلة - كالمقضي عليها، وإلا فالغُرَّة على عاقلتها بكل حال، والمعنى: أن المرأةَ الجانيةَ على الجنين ماتتْ.
"فقضى بأن ميراثَها لبنيها وزوجِها، والعقلَ على عَصَبَتِها".
* * *
٢٦١٧ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: اقتتلَت امرأتانِ من هُذَيلٍ فرمَت إحداهما الأُخرى بحَجَرٍ فقتلَتْها وما في بطنِها، فقضَى رسولُ الله ﷺ أن دِيَةَ جنينها غُرَّةٌ: عبدٌ أو وَلِيدَةٌ، وقضَى بديَةِ المرأةِ على عاقِلَتِها، وَوَرثَها وَلَدَها ومَن معهم.
"عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: اقتتلت امرأتانِ من هُذَيل": وكانتا ضَرَّتَين.
стр. 1837
"فرمتْ إحداهما الأخرى بحَجَرِ فقتلتْها وما في بطنها": عطف على الضمير المنصوب؛ أي: وجنينَها.
"فقضى رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن ديةَ جنينها غُرَّةٌ: عبدٌ أو وليدةٌ"؛ أي: أَمَةٌ.
"وقضى بدِيَةِ المرأةِ على عاقلتها"؛ أي: بدِيَةِ المرأةِ المقتولةِ على عاقلة القاتلة، وهي العَصَبَة.
"وورثَها"؛ أي: تلك الدّيَةَ "ولدُها ومَن معهم" من الورثة، الضمير عائد إلى جنس الولد؛ لأن المرادَ به: الأولاد.
* * *
٢٦١٨ - وعن المُغيرةِ بن شُعبةَ ﵁: أن ضَرَّتينِ رَمَتْ إحداهُما الأُخرى بعمُودِ فُسطاطٍ فألْقَتْ جنينَها، فقضَى رسولُ الله ﷺ في الجنينِ غُرةً: عبداً أو أَمَة، وجعلَها على عاقلةِ المرأةِ، ويروى: فَقتَلَتها، فجعلَ رسولُ الله ﷺ دِيَةَ المقتُولةِ على عَصَبةِ القاتِلَةِ.
"وعن المغيرة بن شعبة: أن ضَرَّتَين رمتْ إحداهما الأخرى بعمود فسطاطٍ": بيت من الشَّعر، وهو الخَيمة.
"فألقت جنينَها، فقضى رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم في الجنين غُرَّة: عبداً أو أَمَةً، وجعلَه"؛ أي: المُقضَى به "على عاقِلة المرأة، ويروى: فقتلتْها، فجعل رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم دِيةَ المقتولةِ على عَصَبة القاتلة".
* * *
стр. 1838
مِنَ الحِسَان:
٢٦١٩ - عن ابن عمرَ: أن رسولَ الله ﷺ قال: "ألَا إنَّ في قَتيلِ العمدِ الخطأ بالسَّوطِ أو العَصا مائةً من الإبلِ مُغلَّطة، منها أربَعونَ خَلِفَةً في بُطوبها أولادُها".
"من الحسان":
" عن ابن عمر: أن رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: ألا" - حرف تنبيه - "إن في قتيل العمد الخطأ بالسَّوط أو العصا": وإنما وَصفَ ﷺ هذا العمدَ بالخطأ؛ لقصورٍ في آلته، فإنها لا تُتلِفُ إلا نادراً.
"مئةً من الإبل مغلَّظةً": وهذا يدل على أن دِيَةَ شبهِ العمدِ، وإن كانت معجَّلة من جهة كونِها على العاقلة ومؤجَّلةً إلى ثلاث سنين، فهي مغلَّظة من جهة كونها مِثلَه، ثلاثون حِقةً وثلاثون جَذَعةً.
"منها أربعون خَلِفة"؛ أي: ناقةً حاملةً.
"في بطونها أولادُها": تأكيد؛ لأن الخَلِفةَ لا تكون إلا حاملةً، أو هو تفسير للَخلِفة، وهذا بيانٌ لوجه التغليظ، ودفعٌ لوهم جريان سائر أنواع التغليظ الذي في العمد المَحْضِ مِن قتلِ الجاني وأخذِ الدّيَة منه دونَ عاقلته وحالَّة لا مؤجَّلة، بخلاف شبه العمد.
* * *
٢٦٢٠ - عن أبي بكرِ بن محمِّد بن عَمرِو بن حزم، عن أبيه، عن جدِّه: أن رسولَ الله ﷺ كتبَ إلى أهلِ اليمنِ، وكانَ في كتابه: أن مَن اعتَبَطَ مؤمِناً قتلاً فإنِّه قَوَدُ يده، إلا أنْ يَرضَى أولياءُ المقتولِ، وفيه: أن الرَّجلَ يُقتَلُ بالمرأةِ، وفيه: في النَّفسِ الدِّيَةُ، مائة مِن الإبلِ، وعلى أهلِ الذَّهبِ ألفُ دينارٍ، وفي
стр. 1839
الأنفِ إذا أُوعِبَ جَدْعُه الديةُ مائةٌ من الإبلِ، وفي الأسنانِ الدِّيةُ، وفي الشِّفتَيْنِ الدِّيةُ، وفي البيضَتَينِ الدِّيةُ، وفي الذَّكَرِ الدّيةُ، وفي الصُّلْبِ الدِّيةُ، وفي العَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وفي الرِّجْلِ الواحدةِ نصفُ الديةِ، وفي المَأمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيةِ، وفي الجائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيةِ، وفي المُنَقِّلَةِ خمسَ عشْرةَ من الإبلِ، وفي كُلِّ إِصبَعٍ مِن أصابعِ اليدِ والرِّجْلِ عَشْرٌ من الإبلِ، وفي السِّنِّ خَمسٌ من الإبلِ. وفي رواية: وفي العينِ خَمسُونَ، وفي اليدِ خمسونَ، وفي الرِجْلِ خمسونَ، وفي المُوضحَةِ خَمسٌ.
"عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن جده ﵃: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كتبَ إلى أهل اليمن، وكان في كتابه: إن مَن اعتبطَ مؤمناً قتلاً"؛ أي: قتلَه بلا جنايةً ولا جريرة تُوجب قتلَه، يقال: عَبطتُ الناقةَ وأعبطُها واعتَبطْتُها: إذا نحرتُها بغير علَّة.
"فإنه قَوَدُ يدِه"؛ أي: يُقتصُّ منه بما جنتْه يدُه من القتل، فكأنه مقتولُ يدِه قصاصاً.
"إلا أن يرضى أولياءُ المقتول": وذلك بترك القصاص والعفو عنه.
"وفيه"؛ أي: وفي الكتاب: "أن الرجلَ يُقتَل بالمرأة، وفيه: في النفس الدِّيَةُ مئة من الإبل، وعلى أهل الذهب ألفُ دينار، وفي الأنف إذا أُوعِبَ جدعُه" على بناء المجهول؛ أي: استُؤصل قطعُه، والجَدع: قطع الأنف، ويجوز على بناء الفاعل؛ أي: أَوعبَه الجادع، فكان الفعل مسنداً إليه، والمراد: إبلاغ الجدع غايتَه بالاستئصال= "الدِّيَةُ مئة من الابل.
وفي الأسنان" جمع: السِّنِّ "الدِّيَةُ، وفي الشفتَين الدِّيَةُ، وفي البَيضتين"؛ أي: الخصيتَين؛ يعني: في قطعِهما "الدِّيَةُ، وفي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وفي الصلْبِ"؛ أي: في الظَّهر؛ أي: في ضربه بحيث انقطعَ ماؤُه "الدِّيَةُ، وفي العينين الدِّيَةُ،
стр. 1840
وفي الرِّجلِ الواحدةِ نصفُ الدِّيَةِ.
وفي المأمومة": وهي أن تصلَ الجراحةُ أو الشَّجَّةُ إلى الجلدة الرقيقة فوق الدماغ، وهي خريطة الدماغ المحيطة به، وتُسمى أمَّ الرأس وأمَّ الدماغ "ثلثُ الدِّيَةِ.
وفي الجائفة": وهي الشَّجَّة أو الجراحة التي تَنفُذ إلى الجوف؛ جوفِ الرأسِ، أو جوفِ البطنِ "ثلثُ الدِّيَة.
وفي المُنقَلة" - بكسر القاف المشددة: الشَّجَّة التي تنقلُ العظمَ؛ أي: تَكِسُره حتى ينتقلَ عن محفه بعد كسرِه "خمسَ عشرةَ من الإبل.
وفي كل إصبع من أصابع اليد والرِّجل عشرٌ من الإبل، وفي السِّنِّ خمسٌ من الإبل.
وفي رواية: وفي العين خمسون، وفي اليد خمسون، وفي الرِّجل خمسون، وفي المُوضحَة" - وهي الجراحة التي ترفع اللحمَ عن العظم وتُوضحُه؛ أي: تُظهِرُه "خمسٌ".
* * *
٢٦٢١ - عن عمروِ بن شُعيب، عن أبيهِ، عن جدِّه، قال: قَضَى رسولُ الله ﷺ في المَواضح خَمساً خَمسا مِن الإبلِ، وفي الأسنانِ خَمساً خَمساً مِن الإبلِ.
"عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵃ أنه قال: قَضَى رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم في المواضح" جمع: مُوضحَة.
"خمساً خمساً من الإبل، وفي الأسنان خمساً خمساً من الإبل"، فإن قيل: كيف يوافق هذا قولَه في الحديث السابق: (وفي الأسنان الدية)؟
стр. 1841
قلت: اعتَبَر في الجمع هنا إفرادَه وهناك حقيقتَه، ومثاله في التعريف حقيقة الجنس واستغراقه، ولذلك كرَّر (خمساً ليستوعبَ الديةَ الكاملَة باعتبار أخماسها.
قال ابن الحاجب: العربُ تكرِّر الشيءَ مرتين لتستوعبَ جميعَ جنسه باعتبار المعنى الذي دل عليه اللفظ المكرَّر.
* * *
٢٦٢٢ - عن ابن عبَّاسٍ قال: جعلَ رسولُ الله ﷺ أصابعَ اليدينِ والرِّجلينِ سَواءً.
"عن ابن عباس أنه قال: جعل رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم أصابعَ اليدَين والرِّجلَين سواءً": وهذا يدل على استواء ذات ثلاث أنامل وذات أنملتَين من الأصابع في وجوب عُشر الدِّيَة في كل واحدة.
* * *
٢٦٢٣ - وقال: "الأسنانُ سَواءٌ، الثنِيَّةُ والضرْسُ سَواءٌ، والأصابعُ سَواءٌ هذه وهذه سَواءٌ".
"عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: الأسنانُ سواءٌ، الثنيَّةُ والضرس سواءٌ، والأصابعُ سواءٌ، هذه وهذه سواءٌ" إشارة إلى الإبهام والخِنْصِر.
* * *
٢٦٢٤ - عن عمْروِ بن شُعيب، عن أبيهِ، عن جدِّه، قال: خطبَ رسولُ الله ﷺ عامَ الفتح ثم قال: "أيها الناسُ إنه لا حِلْفَ في الإسلامِ، وما كانَ
стр. 1842
مِنْ حِلْفٍ في الجاهليةِ فإن الإسلامَ لا يَزيدُه إلا شِدَّةً، المؤمنونَ يدٌ على مَن سِواهم، يُجيرُ عليهم أَدْناهم، ويَرُدُّ عليهم أَقصاهُم، وَيرُدُّ سَراياهم على قَعِيدَتِهم، لا يُقتَلُ مؤمن بكافرٍ، دِيَةُ الكافرِ نِصفُ دِيةِ المسلم، ولا جَلَبَ ولا جَنَبَ، ولا تُؤخذُ صَدقاتُهم إلا في دُورِهم".
ويروى: "دِيَةُ المُعاهِدِ نصفُ دِيةِ الحرِّ".
"عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده - رضي الله تعالى عنهم - أنه قال: خطبَ رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم عامَ الفتح"؛ أي: فتحِ مكةَ.
"ثم قال: يا أيها الناس إنه لا حِلْفَ في الإسلام": وهو بكسر الحاء المهملة وسكون اللام: المعاقدة والمعاهدة بين القوم؛ أي: لا يحدث الحِلف في الإسلام، وكان الرجل في الجاهلية يعاهد الرجل فيقول: دمي دمُك، وثأري ثأرُك، وحربي حربُك، وسِلْمي سِلْمُك، وتَرِثُني وأَرِثُك، وتطلبُ لي وأطلبُ لك، وتَعقِل عني وأَعقِل عنك، فيعدُّون الحليفَ من جملة القوم الذين دخل في حِلفهم، فلما جاء الإسلام واستقر أمره نهوا عن أن يَحدُثَ ذلك في الإسلام.
"وما كان من حِلْفٍ في الجاهلية فإن الإسلامَ لا يزيدُه إلا شدةً"؛ يعني: أقرَّ ما كان منه في الجاهلية بلا نقضِ؛ لتعلُّق المصالح به من حَقنِ الدماء وحفظِ العهود وغير ذلك.
وقيل: معناه: لا يزيده إلا إبطالاً، فإذا أبطلَه يكون شدةً عليهم، وقيل: الحِلْفُ المَنهيُّ عنه: ما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل والغارات، وما كان في الجاهلية من نصرِ مظلومٍ وصلةِ رحيم فلا يزيدُه الإسلامُ إلا شدةً وتوكيداً.
"المؤمنون يدٌ"؛ أي: يَنصُر بعضُهم بعضاً، جعلَهم بمنزلة اليد الواحدة في التناصر والتعاون.
стр. 1843
"على مَن سواهم" مِن الكَفَرة.
"يُجير عليهم"؛ أي: يُعطي الأمانَ على الكَفَرة "أدناهم" منزلةً، كالعبد والنِّسوان.
"ويردُّ عليهم أقصاهم"؛ أي: يردُّ عليهم الغنيمةَ أبعدُهم.
"وتَردُّ سراياهم" جمع: سَرِيَّة، وهي قطعة من الجيش تفرد لهم.
"على قعيدتهم": وهي الجيوش المتأخرة عن القتال، النازلة بدار الحرب، المنتظرة عَودَ السرية إليها؛ يعني: تَردُّ ما غنمت سراياهم المبعوثةُ إلى العدو على القاعدين مِن حصَّتِهم؛ لأنهم كانوا رِدْءاً لهم، قيل: هذا كالتفسير لقوله: (ويردُّ عليهم أقصاهم)، وفيه نظر؛ لأنه مَحْضُ تكرارٍ، والصوابُ أن يُحمَل قولُه: (ويردُّ عليهم) على أن يُردَّ الأمانَ عليهم أقصاهم درجةً، وهو الإمام.
"لا يُقتَل مؤمنٌ بكافرٍ": تقدم البيان فيه في (حسان كتاب القصاص) في حديث علي - رضي الله تعالى عنه -.
"دِيَةُ الكافر نصفُ دِيَةِ المسلم"، بهذا قال مالك.
"لا جَلَبَ ولا جَنَبَ": تقدم بيانه في (باب الزكاة).
"ولا تُؤخَذ صدقاتُهم"؛ أي: زكاتُهم "إلا في دُورِهم".
"ويُروى: دِيَةُ المعاهد": وهو إما متأبد العهد كحاقنِ دمِه بالجزية، وإما إلى مدةٍ إذا انقضت تلك المدة عاد مباحَ الدم كما كان.
"نصفُ دِيَةِ الحُرِّ".
* * *
٢٦٢٥ - عن خِشْفِ بن مالكٍ، عن ابن مسعودٍ ﵁ قال: قَضَى
стр. 1844
رسولُ الله ﷺ في ديةِ الخطأ عشرينَ بنتَ مخاضٍ وعشرينَ ابن مخاضٍ ذُكوراً، وعشرينَ بنتَ لبونٍ، وعشرينَ جَذَعةً، وعشرينَ حِقَّةً، والصحيحُ أنَّه موقوفٌ على ابن مسعودٍ ﵁، وخِشْفٌ مجهولٌ.
"عن خِشْف" - بكسر الخاء ثم السكون - "ابن مالك، عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنهما - أنه قال: قضى رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم في دِيَة الخطأ عشرين بنتَ مَخَاضٍ، وعشرين ابن مَخَاضٍ، ذكوراً، وعشرينَ بنتَ لَبُونٍ وعشرينَ جَذَعةً وعشرين حِقَّةً. والصحيح أنه موقوف على ابن مسعود، وخِشْفٌ مجهولٌ"؛ أي: في روايته عن ابن مسعود، كذا ذكره الخطابي.
قال الشارح: إلا أن أحمد بن حنبل مِن جملة مَن أخذ بحديث ابن مسعود، وهو من أعلام أصحاب الحديث، فلا يَسَعُ الخطابيَّ طعنُه؛ فإنه أعلى رتبة منه، والراوي عن خِشفٍ في هذا الحديثِ زيدٌ الطائيُّ، ويروي عنه أبو جعفر الطحاوي.
قيل: والعجب من المؤلف كيف شهد بصحته موقوفاً على ابن مسعود، ثم طعنَ في الذي يروي عنه.
* * *
٢٦٢٦ - ورُوي: أن النبيَّ ﷺ وَدَى قتيلَ خَيبرَ بمائةٍ من إِبلِ الصَّدقةِ، وليسَ في أسنانِ إبلِ الصدقةِ ابن مخاضٍ، إنَّما فيها ابن اللَّبوُنِ.
"ورُوي: أن النبي ﷺ وَدَ"؛ أي: أَعطَى الديةَ
"قتيلَ خيبر بمئةٍ من إبل الصدقة"؛ إطفاءً لنائرة فتنة، ستأتي قصته في (باب القَسَامة).
стр. 1845
"وليس في أسنان إبل الصدقة ابن مَخَاض": جملة حالية.
"إنما فيها ابن لبون": وهذا يشبه أن يكون من قول المؤلف، وأنه ردٌّ وطعن على الحديث الذي قبله، حيث أثبت فيه ابن مَخَاضٍ.
* * *
٢٦٢٧ - عن عَمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه، قال: كانت قيمةُ الدِّيَةِ على عهدِ رسولِ الله ﷺ ثمان مئةِ دينارٍ، أو ثمانيةَ آلافِ درهمٍ، وَدِيَةُ أهلِ الكتابِ يومَئذٍ النِّصفُ من دِيَةِ المسلمين. قال: فكانَ كذلكَ حتى استُخلِفَ عمرُ فقامَ خطيباً فقال: إنَّ الإبلَ قد غلَتْ، فَفَرَضَها عمرُ ﵁: على أهلِ الذهبِ ألفَ دينارٍ، وعلى أهلِ الوَرِقِ اثني عَشَرَ ألفاً، وعلى أهلِ البقرِ مائتَي بقرةٍ، وعلى أهلِ الشَّاءَ ألفَيْ شاةٍ، وعلى أهلِ الحُلَلِ مائتي حُلَّةٍ، قال: وتَركَ دِيَةَ أهلِ الكتابِ لمْ يرفعْها.
"عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده - رضي الله تعالى عنهم - أنه قال: كانت قيمةُ الدِّيَة على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثمانِ مئةِ دينار، أو ثمانية آلاف درهم، ودِيَةُ أهلِ الكتاب يومَئذٍ النصفَ من دِيَةِ المسلمين، قال: فكان كذلك حتى استُخلف عمر - رضي الله تعالى عنه - "؛ أي: جُعل خليفة.
"فقام خطيباً"؛ أي: وعظَنا.
"فقال: إن الإبلَ قد غلَتْ" من: الغلاء، وهو ارتفاع السِّعر؛ أي: زادت قيمتُها.
"ففرضَها"؛ أي: فقدَّرها.
"عمر على أهل الذهب ألفَ دينار، وعلى أهل الوَرِق" بفتح الواو وكسر الراء؛ أي: الفضَّة.
стр. 1846
"اثني عشر ألفًا، وعلى أهل البقر مائتَي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفَي شاة، وعلى أهل الحُلَل مئتَي حُلَّة": وهي إزار ورداء من أي أنواع الثياب، وعن أبي عبيد: الحُلَل: بُرُود اليمن، قيل؛ ولا تُسمى حُلَّة حتى تكونَ ثوبَين.
"وترك"؛ أي: عمرُ - رضي الله تعالى عنه - "دِيَةَ أهل الكتاب" على ما كانت في عهد النبي ﷺ .
"لم يَرفعْها"؛ أي: لم يزدْها على ما كانت في عهده ﷺ .
* * *
٢٦٢٨ - عنِ ابن عباسٍ ﵄، عن النبي ﷺ : أنَّه جعلَ الديةَ اثني عشَرَ ألفاً.
"عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: أنه جعلَ الدِّيَةَ اثنى عشرَ ألفا من الوَرِق".
* * *
٢٦٢٩ - عن عَمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يُقَوِّمُ دِيَةَ الخطأ على أهلِ القُرى أربعَ مئةِ دينارٍ إلى ثمان مئةِ دينار، أو عَدْلَها مِن الوَرِقِ، ويُقَوِّمُها على أَثمانِ الإبلِ، فإذا غَلَتْ رَفَعَ في قيمتِها، وإذا هاجَت برُخْصٍ نقَصَ مِن قيمتِها، وبلغَتْ على عهدِ رسولِ الله ﷺ ما بينَ أربع مئةِ دينارٍ إلى ثمان مئةِ دينارٍ، أو عَدْلِها مِن الوَرِقِ ثمانيةِ آلافِ درهم، قال: وَقَضَى رسولُ الله ﷺ على أهلِ البقرِ مائتي بقرةٍ، وعلى أهلِ الشَّاءَ ألفي شاةٍ، وقالَ رسولُ الله ﷺ : إن العَقْلَ ميراث بينَ ورثةِ القتيلِ، وقضَى رسولُ الله ﷺ : أن عَقْلَ المَرأةِ بينَ عَصَبَتِها ولا يَرِثُ القاتِلُ شيئاً.
"عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵃ أنه قال: كان رسولُ الله
стр. 1847
صلى الله تعالى عليه وسلم يُقوم"، التقويم: جعلُ الشيءِ ذا قيمةٍ معينةٍ.
"دِيَةَ الخطأ على أهل القرى أربع مئة دينار، أو عِدْلَها"؛ أي: مِثْلَها.
"من الوَرِق، ويقوِّمها على أثمان الإبل، فإذا غلَتْ"؛ أي: زادتْ أثمانُ الإبل "رفعَ في قيمتها"؛ أي: زاد في قيمة الدِّيَة.
"وإذا هاجَتْ برُخصٍ"؛ أي: ظهرت، أنَّثَه مع أن فاعله مذكَر نظراً إلى القيمة؛ لأن الرخصَ رخصُها.
"نقصَ من قيمتها، وبلغت"؛ أي: قيمةُ الدِّيَة "على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ما بين أربع مئة دينار إلى ثمان مئة دينار أو عِدْلَها من الوَرِق ثمانية آلاف درهم"، قال الشافعي في الجديد: الأصل في الدِّيَة: الإبل، فإذا عَوِزَتْ يجب قيمتُها بالغةً ما بَلَغَتْ، بدليلِ تقويمه ﷺ دِيَةَ الخطأ ذهبا أو وَرِقاً على حسب ارتفاع أثمان الإبل وانحطاطها، وبلوغِها على عهده ﷺ ما بَلَغَتْ.
"قال: وقضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على أهل البقر مائتَي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفَي شاة، وقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن العقلَ"؛ أي: الدِّيَةَ "ميراث بين وَرثَة القتيل" من النَّسَب.
"وقضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن عقلَ المرأة بين عَصَبَتِها"؛ يعني: أن الدِّيَةَ التي تجب بجناية المرأة إنما هي على عاقلتها، فيتحمَّلون عنها تحمُّلَهم عن الرجل.
وقيل: معناه: أن المرأةَ المقتولةَ دِيَتُها تَرِكَةٌ بين ورثتها كسائر ما تركتْه لهم، يرجِّح المعنى الأولَ لفظُ (العَصَبَة)، والمعنى الثانيَ لفظةُ (بين)؛ لأنها ذُكرت قبلُ فيما كان العقلُ ميراثًا للورثة، وما كان عليهم ذُكر بلفظ (على)، والأَولى أن يُتركَ على العموم ليتناولَ كلا المعنيين؛ أي: أن عقلَها قاتلةً بين عَصَبَتِها ومقتولةً بين وَرثتِها، وأن ما كان غُنما فهو للوَرَثة مطلقاً، وما كان غُرماً
стр. 1848
فهو على العَصَبَة فقط.
"ولا يَرِثُ القاتلُ شيئاً" من المقتول.
* * *
٢٦٣٠ - عن عمْرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جده: أن النبيَّ ﷺ قال: "عَقْلُ شِبْهِ العَمدِ مُغَلَّظٌ مثلُ عَقْلِ العَمدِ، ولا يُقتَلُ صاحِبُه".
"وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله تعالى عنهم، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: عَقلُ شبهِ العمدِ مغلَّظٌ مثلُ عقلِ العَمد"، لكن العقلَ في العمد المحض مغلَّظٌ في مال القاتل حالاً، وفي شبه العمد مغلَّظٌ على العاقلة مؤجلاً.
"ولا يُقتَل صاحبُه"؛ أي: صاحبُ شبه العمد، وهو القاتل، سَمَّاه: "صاحبه"؛ لصدور القتل عنه، وإنما قال ﷺ هذا؛ دفعاً لوهم جواز الاقتصاص في شبه العمد، حيث جعلَه كالعمد المحفض في العقل.
* * *
٢٦٣١ - وقال: قضَى رسولُ الله ﷺ في العينِ القائمةِ السَّادَّةِ لمكانِها بثلثِ الديَةِ.
"قال: وقضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في العين القائمة السادَّة لمكانها" يريد به: الباقية في موضعها صحيحة ذهبَ نظرُها وإبصارُها.
"بثلث الدِّيَة"، عملَ إسحاقُ بظاهر الحديث، فأوجبَ الثلثَ في مثل العين المذكورة، وعامةُ العلماء أوجبوا حكومةَ العدل؛ لأن المنفعةَ لم تَفُتْ بكمالها، فصارت كالسِّنِّ إذا اسودَّت بالضرب، وحملوا الحديثَ على معنى
стр. 1849
الحكومة؛ إذ الحكومةُ بلغت ثلثَ الدِّيَة.
* * *
٢٦٣٢ - عن محمد بن عَمرٍو، عن أبي سلَمةَ، عن أبي هريرة ﵁ قال: قَضَى رسولُ الله ﷺ في الجَنينِ بغُرَّة: عبدٍ أو أَمَةٍ أو فَرَسٍ أو بَغْل. وقيل: (الفرسُ والبغْلُ) وَهْمٌ مِن الرَّاوي.
"عن محمد بن عمرو، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة ﵄ أنه قال: قضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في الجنين بغُرَّةٍ: عبدٍ، أو أَمَةٍ، أو فَرَس، أو بَغلٍ. وقيل: الفَرَسُ والبَغْلُ وهمٌ من الراوي".
* * *
٢٦٣٣ - عن عَمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أن رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ تطبَّبَ ولم يُعْلَم مِنْهُ طِبٌّ فهو ضامِنٌ".
"عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵃: أن رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: مَن تَطَبَّب"؛ أي: تعاطَى علمَ الطِّبِّ وعالَجَ مريضاً.
"ولم يُعلَم منه طبٌّ"؛ أي: لم يكن مشهوراً به، فمات المريضُ مِن فعلِه.
"فهو ضامن"؛ أي: تَضمَنُ عاقلتُه الديةَ اتفاقاً، ولا قَوَد عليه؛ لأنه لا يستبدُّ بذلك دونَ إذن المريض، فيكون حكمُه حكمَ الخطأ.
* * *
٢٦٣٤ - عن عمران بن حصين: أن غلاماً لأُناسٍ فقراءَ قَطَعَ أُذُنَ غلامٍ لأناسٍ أغنياء فأتَى أهلُهُ النبيَّ ﷺ فقالوا: إنَّا أُناسٌ فقراء فلَمْ يجعلْ عليهم شيئاً.
стр. 1850
"عن عِمران بن حُصين ﵁: أن غلاماً لأناسٍ فقراءَ"، المراد بهذا الغلام: الحُرُّ لا الرقيق؛ يعني: عاقلته كانوا فقراء.
"قطعَ"؛ أي: بالخطأ "أُذنَ غلامٍ لأناسٍ أغنياء، فأتى أهلُه النبي ﷺ (فقالوا) اعتذاراً بالفقر: "إنمّا أناسٌ فقراء فلم يجعل"؛ أي: النبيُّ ﷺ "عليهم شيئاً"؛ لأنه لا شيءَ على الفقير من العاقلة، ولو كان الجاني رقيقاً تعلَّق جنايته برقبته في قول العامة، وفقرُ مولاه لا يَدفَع ذلك.
* * *
٣ - باب ما لا يُضْمَنُ من الجنايات
(باب ما لا يُضمَن من الجنايات)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٢٦٣٥ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال النبيُّ ﷺ : "العَجْماءُ جُرْحُها جُبارٌ، والمَعْدِنُ جُبارٌ والبئرُ جُبارٌ".
* * *
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: العَجْمَاءُ جرحُها جُبَارٌ"؛ أي: هَدَرٌ.
"والمعدنُ جُبارٌ، والبئرُ جُبَارٌ": تقدم البيان فيه في (باب ما تجب فيه الزكاة).
* * *
стр. 1851
٢٦٣٦ - وعن يَعْلى بن أُميةَ قال: غزَوْتُ معَ رسولِ الله ﷺ جيشَ العُسْرَةِ وكانَ لي أَجيرٌ، فقاتلَ إنسانًا فَعَضَّ أحدُهما يدَ الآخرِ، فانتزَعَ المعْضُوضُ يدَه مِن فِيْ العاضِّ فأنْدَرَ ثَنِيَّتَه فسقطَتْ، فانطلقَ إلى النبيِّ ﷺ فأهدَرَ ثَنِيَّتَه وقال: "أيدع يدَهُ في فيكَ تَقضمُها كالفَحْلِ؟ ".
"وعن يَعلَى بن أمية ﵁ أنه قال: غزوتُ مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جيشَ العُسرة"، المراد منه: غزوة تبوك، وسُميت بذلك؛ لشدة الأمر عليهم فيها بالحَرّ، وعُسرِ الحال من الزاد والماء والظَّهر.
"وكان لي أجير، فقاتَلَ إنساناً، فعضَّ أحدُهما يدَ الآخر فانتزع المعضوضُ يدَه من في العاضِّ"؛ أي: من فمِه.
"فأنْدَرَ"؛ أي: أسقطَ "ثنيتَه، فسقطت، فانطلق إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فأَهدرَ ثنيتَه"؛ أي: لم يُلزْمه شيئاً.
"وقال"؛ أي: النبيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم إشارةً إلى علَّة الإهدار:
"أيَدع"؛ أي: يتركُ "يدَه في فيك"؛ أي: في فمِك "تَقضَمُها" القضم: الأكل بأطراف الأسنان، "كالفحل" من الإبل.
وفي الحديث: بيان أن دفعَ الشخصِ عن نفسِه مباحٌ.
* * *
٢٦٣٧ - وعن عبدِ الله بن عَمرٍو ﵄ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَن قُتِلَ دونَ مالِهِ فَهُو شَهيدٌ".
"عن عبد الله بن عمرو ﵁ أنه قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: مَن قُتل دونَ مالهِ"؛ أي: عند الدفع عن ماله، أو لأجل ماله.
"فهو شهيد"، وفيه؛ جواز مقاتلة قاصد المال بغير حقٍّ، قلَّ أو كَثُرَ.
стр. 1852
وقال بعض أصحاب مالك: لا يجوز إن طلبَ قليلاً، والحديثُ بإطلاقه حُجَّة عليهم.
* * *
٢٦٣٨ - وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: جاءَ رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله! أَرأيتَ إنْ جاءَ رجل يُريدُ أخْذَ مالي؟ قال: "فلا تُعْطِه مالَكَ"، قال: أرأيتَ إنْ قاتَلَني؟ قال: "قاتِلْهُ"، قال: أرأيتَ إنْ قتلَني؟ قال: "فأنتَ شهيدٌ"، قال: أرأيتَ إنْ قتلتُه، قال: "هوَ في النَّارِ".
"وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: جاء رجل فقال: يا رسولَ الله! أرأيتَ"؛ أي: أخبرْني.
"إنْ جاء رجل يريد أخذَ مالي؟ قال: فلا تُعطِه مالَك، قال: أرأيتَ إن قاتَلَني؟ قال: قاتِلْه، قال: أرأيتَ إن قتلَني؟ قال: فأنتَ شهيدٌ، قال: أرأيتَ إن قتلتُه؟ قال: هو في النار"، فيه: أيضاً دليل على أن دفعَ الصائلِ - وإنْ هلكَ في الدفع - مباحٌ.
* * *
٢٦٣٩ - وعن أبي هريرة ﵁، سمعَ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لو اطَّلَعَ في بيتِكَ أَحَدٌ ولم تأذَنْ له، وخَذَفْتَه بحَصاة فَفَقَأتَ عينَهُ، ما كانَ عليكَ مِن جُناحٍ".
"وعن أبي هريرة ﵁: أنه سمع رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: لو اطَّلع في بيتك"؛ يعني: لو نظرَ فيه.
"أحدٌ" من شقِّ بابٍ أو كوةٍ، وكان البابُ غيرَ مفتوح.
"ولم تأذَن له" في ذلك.
стр. 1853
"فحَذَفْتَه"؛ أي: فرميتَه "بحصاةٍ، ففقأتَ عينَه"؛ أي: قلعتَها.
"ما كان عليك من جُناحٍ"؛ أي: إثيم، عمل الشافعي بالحديث، وأسقطَ عنه ضمانَ العين، قيل: هذا إذا فقأها بعد أن زجرَه فلم ينزجر، وأصحُّ قولَيه: أنه لا ضمانَ مطلقًا؛ لإطلاق الحديث.
وقال أبو حنيفة: عليه الضمانُ، فالحديثُ محمولٌ على المبالغة في الزجر.
* * *
٢٦٤٠ - وعن سَهْلِ بن سَعدٍ: أن رَجُلاً اطَّلَعَ في جُحْرٍ مِن بابِ رسولِ الله ﷺ ، ومعَ رسولِ الله ﷺ مِدْرًى يَحُكُّ بهِ رأسَهُ فقال: "لو أَعلمُ أنَّكَ تَنْظُرني لَطَعَنْتُ بهِ في عينكَ، إنما جُعِلَ الاستِئْذانُ مِن أَجلِ البَصَرِ".
"عن سهل بن سعد - رضي الله تعالى عنه -: أن رجلاً اطلع في جُحرٍ في باب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ومع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مِدْرًى" بكسر الميم وسكون الدال المهملة: حديدة يُسوَّى بها شَعر الرأس، وفي "الصحاح": أنه القَرن.
"يحك به رأسَه، فقال: لو أعلم أنك تنظرني لَطعنتُ به في عينك؛ إنما جُعل الاستئذانُ من أجل البصر"؛ أي: إنما احتِيجَ إلى الاستئذان في الدخول؛ لئلا يقعَ نظرُ مَن في الخارج إلى داخل البيت، فيكون النظرُ بلا استئذانِ منهيًّا كالدخول.
* * *
٢٦٤١ - عن عبدِ الله بن مُغفَّلٍ ﵁: أنَّه رأى رَجُلاً يَخذِفُ فقال له: لا تَخذِفْ فإنَّ رسولَ الله ﷺ نهَى عن الخَذْفِ وقال: "إنه لا يُصادُ به صَيدٌ،
стр. 1854
ولا يُنْكَأُ به عدوٌّ، ولكنَّه قد يَكْسِر السّنَّ ويَفقأُ العينَ".
"عن عبد الله بن مغفَّل ﵁: أنه رأى رجلاً يَخذِف"، الخذف - بالخاء والذال المعجمتين -: رمي الحصاة من بين السبَّابتين، أو الإبهام والسبَّابة.
"فقال له: لا تَخذِف؛ فإن رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم نَهَى عن الخذف وقال: إنه لا يُصاد به صيد، ولا يُنكَأ به"؛ أي: لا يُجرَح به "عدوٌّ" من (نكيتُ في العدوّ نِكايةً): إذا أثَّرتُ فيه بجرحٍ.
"ولكنها قد تَكسِر السنَّ وتَفقَأ العينَ"؛ أي: تقلعها، وإنما نهَى عن الخذف؛ لأنه لا مصلحةَ فيه، ويُخاف من فساده، ويلتحق به كلُّ ما شاركه في هذا المعنى.
* * *
٢٦٤٢ - وقال: "إذا مرَّ أحدكم في مسجدنا، أو في سُوقنا، ومعَه نبلٌ فليُمسِك على نِصالِها أنْ يُصيبَ أحداً مِن المسلمينَ منها بشيء".
"عن أبي بُردة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا مرَّ أحدكم في مسجدنا أو في سوقنا، ومعه نبَلٌ": وهي السِّهام العربية.
"فَلْيُمسكْ على نصالها"؛ أي: فَلْيأخذْ نصالَها بيده.
"أن يصيبَ"؛ أي: كراهةَ أن يصيبَ.
"أحداً من المسلمين منها بشيءٍ".
* * *
٢٦٤٣ - وقال: "لا يُشيرُ أحدكم على أخيهِ بالسِّلاحِ، فإنَّه لا يدري لعَلَّ الشَّيطانَ ينزِعُ في يدِه فيقَعُ في حُفرةٍ مِن النَّارِ".
стр. 1855
"عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا يشير": نفيٌ بمعنى النهي.
"أحدُكم على أخيه"؛ أي: أخيه المسلم، ويُلحق به الذمِّي.
"بالسلاح": وهو ما أُعدَّ للحرب من آلة الحديد.
"فإنه لا يدري لعل الشيطانَ": مفعول (يدري)، ويجوز أن يكون (يدري) نازلاً منزلةَ اللازم، فنَفَى الدرايةَ عنه أصلاً، ثم استَأنفَ بقوله: (لعل).
"يَنزِع" بالعين المهملة؛ أي: يَجذِبه "في يده": كانه يرفع يدَه فيحقق إشارتَه، ويُروى بالغين المعجمة من: النزغ الإفساد والإغراء؛ أي: يُغريه فيحمله على تحقيق الضرب والطعن، وإسناد الفعل إلى الشيطان من الإسناد إلى المسبب.
"فيقع"؛ أي: المُشِير.
"في حفرة من النار".
وفيه: نهيٌ عن الملاعبة بالسلاح؛ فإنها تُفضي إلى صيرورة الهزلِ جداً واللعبِ حرباً، فيقتل أحدُهما الآخرَ، فيدخل النارَ.
* * *
٢٦٤٤ - وقال: "من أشارَ إلى أَخيْهِ بحديدةٍ فإنَّ الملائكةَ تَلعنهُ حتى يضعَها، وإنْ كانَ أَخاهُ لأِبيهِ وأُمِّهِ".
"وعنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَن أشارَ إلى أخيه بحديدة"؛ أي: بما هو آلةُ القتل.
"فإن الملائكةَ تلعنُه"؛ يعني: تدعو عليه بالبُعد عن الجنة أولَ الأمر.
"حتى يضعَها، وإن كان أخاه"؛ أي: المُشِير أخا المُشَار إليه "لأبيه
стр. 1856
وأمِّه"؛ يعني: وإن كان هازلاً ولم يَقصد ضربَه، كنى به عنه؛ لأن الأخ الشقيقَ لا يقصد قتلَ أخيه غالباً.
* * *
٢٦٤٥ - وقال: "مَن حَمَلَ علينا بالسِّلاحِ فليسَ مِنَّا، ومَن غشَّنا فليسَ مِنَّا".
وفي رواية: "مَن سَلَّ علينا السَّيفَ فليسَ مِنَّا".
"عن سَلَمة بن الأكوع - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَن حَملَ علينا السلاحَ": نُصب بنزع الخافض؛ أي: بالسلاح، ويجوز أن يكون مفعول (حمل) و (علينا) حالاً؛ أي: حالَ كويه علينا لا لنا.
"فليس منا"؛ أي: من عاملي سُنَّتنا.
"ومَن غشَّنا"؛ أي: خاننَا وتركَ النصيحةَ لنا.
"فليس منا"، قاله رسول الله ﷺ حين مَرَّ على صُبْرةِ طعامٍ، فأدخل يدَه فيها، فأصابت أصابعه بللاً، فقال: "ما هذا يا صاحبَ الطعام؟ " قال: أصابته السماء - أي: المطر - يا رسولَ الله، قال: "أفلا جعلتَ المبلولَ فوقَ الطعام حتى يراه الناسُ؟ ".
"وفي رواية: مَن سلَّ علينا السيفَ فليس منا".
* * *
٢٦٤٦ - وقال: "إنَّ الله يُعذِّبُ الذينَ يُعذِّبونَ النَّاسَ في الدُّنيا".
"وعن هشام - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعتُ رسولَ الله صلى الله
стр. 1857
تعالى عليه وسلم يقول: إن الله تعالى يعذِّب الذين يعذِّبون الناسَ في الدنيا"؛ أي: بغير حقٍّ.
* * *
٢٦٤٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال، قال رسولُ الله ﷺ : "يوشِكُ إنْ طالَتْ بكَ مُدَّةٌ أنْ تَرَى قوماً في أَيديهم مثلَ أذنابِ البقرِ، يَغْدُونَ في غضبِ الله، وَيرُوحونَ في سَخَطِ الله" ويُروى: "ويَروحونَ في لَعْنَتِهِ".
"وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله ﷺ : يُوشِك"؛ أي: يَقرُب.
"إن طالت بك مدةٌ"؛ أي: حياةٌ.
"أن ترى": اسم (يوشك)، ولا خبر له؛ لأنه ليس بناقص.
"قوماً في أيديهم سِيَاط" جمع: سَوط.
"مثل أذناب البقر"، تُسمى تلك السياط في ديار العرب بالمقارع، جمع: مَقْرَعة، وهي جِلد طرفُها مشدود، عَرضُه كعَرض الإصبع الوسطى، يضربون بها السارقين عُراةً.
وقيل: هم الطوَّافون على أبواب الظَّلَمة، الساعين بين أيديهم كالكلاب العقورة، يطردون الناسَ عنها بالضرب والسِّباب.
"يَغْدُون في غضب الله، ويروحون في سخط الله، ويروى: ويروحون في لعنة الله".
* * *
٢٦٤٨ - وقال ﷺ : "صِنفانِ مِن أهلِ النَّارِ لم أَرَهُما: قومٌ معهم سِياط كأذنابِ البقرِ يضرِبُونَ بها النَّاسَ، ونساءٌ كاسياتٌ عارياتٌ، مُمِيلاتٌ مائلاتٌ،
стр. 1858
رؤوسُهنَّ كأسنِمَةِ البُخْتِ المائلةِ، لا يَدْخُلْنَ الجنَّةَ ولا يَجدْنَ ريحَها، وإنَّ ريحَها لتوجَدُ مِن مَسيرةِ كذا وكذا".
"وعنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: صنفانِ من أهل النار لم أَرَهما"؛ أي: في عصره ﷺ ؛ لطهارة ذلك العصر، بل حَدَثَا بعدَه ﷺ .
"قوم"؛ أي: أحدُهما قومٌ "معهم سِيَاطٌ كأذناب البقر، يضربون بها الناسَ، ونساء"؛ أي: ثانيهما نساءٌ "كاسيات"؛ أي: في الحقيقة "عاريات"؛ أي: في المعنى؛ لأنهن يَلبَسْنَ ثياباً رِقَاقاً تصفُ ما تحتَها، أو معناه: عاريات من لباس التقوى، وهن اللواتي يُلقِينَ ملاحفَهنَّ من ورائهن، فتنكشف صدورهن، كنساء زماننا، وقيل: كاسيات من نِعَمِ الله تعالى، عاريات عن الشكر.
"مميلاتٌ"؛ أي: يُمِلْنَ قلوبَ الرجال إلى النساء بهن، أو مميلاتٌ أكتافَهن وأكفالَهن كما تفعل الرقَّاصات، أو مميلاتٌ مقانعَهن عن رؤوسهن لتظهرَ وجوهُهنَّ.
"مائلاتٌ"؛ أي: إلى الرجال، أو معناه: متبختراتٌ في مشيهنَّ.
"رؤوسُهنَّ كأسنمة البُخت"؛ يعني: يعظِّمن رؤوسَهن بالخُمر والقَلَنْسُوة، حتى تشبهَ أسنمةَ البُخت.
"المائلة" - بالهمزة - من: الميل؛ لأن أعلى السِّنام يميل لكثرة شحمه، وهذا من شعار نساء مصر.
"لا يَدخلْنَ الجنةَ ولا يجدْنَ ريحَها" قبل دخول الجنة، كما تجده العفائف المتورِّعات قبل دخولهن الجنة، لا أنهن لا يَدخلْنَ الجنةَ أبدًا.
"وإنَّ ريحها لَتوجد من مسيرة كذا وكذا"؛ أي: توجد من مسيرة أربعين عامًا، هكذا صُرِّحَ في حديث آخر.
* * *
стр. 1859
٢٦٤٩ - وقال ﷺ : "إذا قاتَلَ أحدكم فليجتَنِبِ الوجْهَ، فإنَّ الله تعالى خَلَقَ آدمَ على صُورتهِ".
"وعنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا قاتَلَ أحدكم فَلْيجتنِبِ الوجهَ"؛ أي: فَلْيحتززْ عن ضرب الوجه؛ لأن في جرحِه الشَّينَ والمُثْلةَ، قيل: الأمر فيه للندب؛ لأن ظاهرَ حال المسلم أن يكون قتالُه مع الكفار، والضربُ في وجوههم أنجحُ للمقصود.
"فإن الله تعالى خلقَ آدمَ على صورته": الضمير عائد إلى (آدم)؛ أي: على صورة مختصةٍ به لم يُخلَق عليها غيرُه، أو إلى الله، وإضافته للتكريم كإضافة: بيت الله، وناقة الله، والمعنى: أن اللُّه أكرمَ هذه الصورةَ؛ لأنه خلقَها بيده وأَمر ملائكتَه بالسجود لها، فمِن حقِّها أن تُكرَمَ ويُجتنبَ الاستخفافُ بها.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٢٦٥٠ - عن أبي هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "الرِّجْلُ جُبارٌ".
٢٦٥١ - وقال: "النَّارُ جُبارٌ".
"من الحسان":
" عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: الرِّجلُ جُبَارٌ"؛ يعني: أن الراكبَ دابة إذا رَمَحَتْ؛ أي: طَعنتْ دابتُه إنساناً برِجلها فهو هَدَرٌ، وإن ضربتْه بيدها فهو ضامن؛ وذلك لأن الراكبَ يملك تصريفَها من قُدَّامها دون خلفها.
وقال الشافعي: اليد والرِّجل سواءٌ في كونهما مضمونيَن.
* * *
стр. 1860
"والنار جُبَار".
٢٦٥٢ - وعن أبي ذَرٍّ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن كَشَفَ سِتراً فأَدخَلَ بصرَهُ في البيتِ قبلَ أنْ يُؤذَنَ له فرأَى عَورةَ أهلِهِ فقد أتى حدًّا لا يَحِلُّ له أنْ يأتيَهُ، ولو أنَّه حينَ أَدخَلَ بصرَهُ فاستقبلَهُ رجلٌ ففقَأ عينَهُ ما عَيَّرتُ عليهِ، وإنْ مرَّ الرَّجُلُ على بابٍ لا سِترَ له، غيرِ مُغلَقٍ، فنظرَ فلا خطيئةَ عليهِ، إنَّما الخطيئةُ على أهلِ البيتِ"، غريب.
"عن أبي ذَرٍّ - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَن كَشفَ سِتراً"؛ أي: رفعَ سِترَ بيتٍ.
"فأدخلَ بصرَه في البيت قبل أن يُؤذَنَ له، فرأى عورةَ أهله، فقد أتى حدًّا"؛ أي: فقد فعلَ شيئاً يوجب حدًّا، والمراد به: التعزير.
"لا يحل": أي: لا يجوز له.
"أن يأتيَه، ولو أنه حين أدخلَ بصرَه، فاستقبله رجلٌ ففقأ عينَه، ما عَيَّرتُ عليه"؛ أي: ما لُمتُه وما ضمَّنتُه الأَرْشَ.
"وإن مرَّ رجل على باب لا سترَ له غيرَ مُغلَق": بنصب (غير) على الحال.
"فنظر، فلا خطيئةَ عليه" إنما الخطيئةُ على أهل البيت"؛ لعدم غَلقِهِم البابَ.
"غريب".
* * *
٢٦٥٣ - عن جابرٍ ﵁ قال: نهى رسولُ الله ﷺ أنْ يُتَعاطَى السَّيفُ مَسلولاً.
"عن جابر - رضي الله تعالى عنه - أنه قال: نهى رسولُ الله صلى الله تعالى